النص المفهرس
صفحات 361-376
٣٦١ سورة الأنفال، الآيات: ٤١ - ٤٤ وقال عليّ كرم الله وجهه: يعطى كل إنسان نصيبه من الخمس لا يعطى غيره، ويلي الإمام سهم الله ورسوله. وقال بعضهم: سهم رسول الله وَلغير مردود بعده في الخمس. والخمس بعده مقسوم على ثلاث أسهم: على اليتامى والمساكين وابن السبيل وهو قول جماعة من أهل العراق. وقال عمرو عن عيينة: صلّى رسول الله وَّه إلى بعير من المغنم فلما فرغ أخد وبره من جسد البعير فقال: ((إنّه لا يحلّ لي من هذا المغنم مثل هذا إلاّ الخمس، والخمس مردود فيكم)) [٢٣٥](١). وقال آخرون: الخمس كلّه لقرابة رسول الله وَل﴾ . فقال المنهال ابن عمرو: سألت عبد الله بن محمد بن عليّ وعليّ بن الحسين عن الخمس فقالا: هو لنا، فقلت لعلي رضي الله عنه: إن الله تعالى يقول ﴿واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ فقال: يتامانا ومساكيننا. وأمّا اليتامى فهم أطفال المسلمين الذين هلك أباؤهم، والمساكين أهل الفاقة والحاجة من المسلمين، وابن السبيل المسافر المنقطع. وقال ابن عباس: هو الفتى الضعيف الذي ترك المسلمين ﴿إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا﴾ محمد رَلر ﴿يوم الفرقان﴾ يوم فرق فيه بين الحق والباطل ببدر ﴿يوم التقى الجمعان﴾ جمع المسلمين وجمع المشركين وهو يوم بدر وكان رأس المشركين عتبة بن ربيعة وكان يوم الجمعة لسبع عشر مضت من شهر رمضان ﴿والله على كل شيء قدير إذ أنتم﴾ يا معشر المسلمين ﴿بالعدوّة الدنيا﴾ شفير الوادي الأدنى إلى المدينة ﴿وهم﴾ يعني عدوكم من المشركين ﴿بالعدوة القصوى﴾ من الوادي الأقصى من المدينة ﴿والركب أسفل منكم﴾ إلى ساحل البحر كان رسول الله ◌َّر بأعلى الوادي والمشركين بأسفله والعير قد [انهرم] به أبو سفيان على الساحل حتّی قدم مكّة. وفي العدوة قراءتان: كسر العين وهو قراءة أهل مكّة والبصرة. وضم العين وهو قرأ الباقين واختيار أبي عبيد وأبي حاتم، وهما لغتان مشهورتان كالكُسوة والكسوة. والرُشوة والرشوة. وينشد بيت الراعي: كمانظر العدوة الجؤذر وعينان حمر مـآفيهـمـا بكسر العين(٢). (١) مسند أحمد: ٥ / ٣١٦. (٢) من العَدوة. ٣٦٢ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي وینشد بيت أوس بن حجر: وفارس لو تحل الخيل عُدوته ولّوا سراعاً وما همّوا بإقبال بالضم (١). والدنيا تأنيث الأدنى، والقصوى تأنيث الأقصى. وكان المسلمون خرجوا ليأخذوا العير وخرج الكفار ليمنعوها فالتقوا من غير ميعاد قال الله ﴿ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد» لقلّلكم وكثرة عدوكم ﴿ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولا﴾ من نصر أوليائه وإعزاز دينه وإهلاك أعدائه ﴿ليهلك﴾ هذه اللام مكررة على اللام في قوله ﴿ليقضي الله أمراً كان مفعولا﴾ ويهلك ﴿مَنْ هلك عن بينة﴾ أي ليموت مَنْ يموت على بينة [وَلَهَاً وعِبْرةً] عاينها وحجّة قامت عليه، وكذلك حياة من يحيى لوعده ﴿وما كنّا معذّبين حتّى نبعث رسولاً﴾ . وقال محمد بن إسحاق: ليكفر من كفر بعد حجة قامت عليه وقطعت معذرته ويؤمن من آمن على [مثواك]. وقال قتادة: ليضل من ضل عن بينة ويهتدي من اهتدى على بيّنة. وقال عطاء: ليهلك من هلك عن بينة عن علم بما دخل فيه من الفجور ﴿ويحيى مَنْ حي عن بيّنة﴾ عن علم ويقين بلا إله إلّ الله. وفي (حي) قولان، قرأ أهل المدينة: (حيي) بيائين مثل خشيي على الإيمان، وقرأ الباقون (حيّ) بياء واحدة مشددة على الإدغام، لأنّه في الكتاب بياء واحدة ﴿وإن الله لسميع عليم إذ يُريكهم الله﴾ يا محمد يعني المشركين ﴿في منامك﴾ أي في نومك، وقيل: في موضع نومك يعني عينك ﴿قليلا ولو أراكهم كثيراً لفشلتم﴾ لجبنتم ﴿ولتنازعتم﴾ اختلفتم ﴿في الأمر) وذلك أن الله تعالى أراهم إياه في منامه قليلا فأخبر وكل بذلك، فكان تثبيتاً لهم ونعمة من الله عليهم شجعهم بها على عدوهم فذلك قوله عزّ وجلّ ﴿ولكن الله سلم﴾ قال ابن عباس: سلم الله أمرهم حين أظهرهم على عدوهم ﴿وإذ يُريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا﴾ قال مقاتل: ذلك أن النبيّ وَ ◌ّ رأى في المنام أن العدو قليل قبل [لقاء] العدو فأخبر النبيّ ◌َير أصحابه بما رأى. فقالوا: رؤيا النبيّ حق، القوم قليل، فلما التقوا ببدر قلل الله المشركين في أعين المؤمنين وأصدق رؤيا النبيّ قليلا .. قال عبد الله بن مسعود: لقد قُللوا في أعيننا يوم بدر حتّى قلت لرجل إلى جنبي: (نراهم سبعين] قال أراهم مائة فأسرنا رجلا فقلنا كم كنتم؟ قال: ألفاً. ويقللكم يا معشر المؤمنين في أعينهم . (١) تفسير الطبري: ١٠ / ١٥. ٣٦٣ سورة الأنفال، الآيات: ٤٥ - ٥١ قال السدي: قال أُناس من المشركين: إن العير قد انصرفت فارجعوا. فقال أبو جهل : الآن إذا [ينحدر لكم] محمد وأصحابه فلا ترجعوا حتّى تستأصلوهم ولا تقتلوهم بالسلاح خذوهم أخذاً كي لا يعبد الله بعد اليوم، إنّما محمد وأصحابه أكلة جزور فاربطوهم بالجبال. كقوله من القدرة على نفسه. قال الكلبي: استقلّ المؤمنون المشركين والمشركون المؤمنين، البحتري: بعضهم على بعض. ﴿ليقضي الله أمراً كان مفعولاً﴾ كائناً في علمه، نصر الإسلام وأهله وذل الشرك وأهله. وقال محمد بن إسحاق: ليقضي الله أمرا كان مفعولاً بالانتقام من أعدائه والإنعام على أوليائه ﴿وإلى الله ترجع الأمور﴾. وَأَطِيعُواْ ٤٥ بَأَيُّهَا الَذِينَ ، أَمَنُواْ إِذَا لَغِيْتُمْ فِئَةٌ فَأَتْبُتُواْ وَأَذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ اللَّهُ وَرَسُولَهُ, وَلَا تَزَّعُواْ فَنَغْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيِحْكُمْ وَأَصْبِرُوَاْ إِنَّ اللَّهُ مَعَ الصَِّينَ ﴿٨) وَلَا تَكُونُواْ كَأَلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَرِهِمْ بَطَرًّا وَرِقَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (*) وَإِذْ زَيِّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ أَلْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِى جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَا تَرَآءَتِ الْفِشَّتَانِ نُكَّصَ عَلَى عَقِّيَيْهِ وَقَالَ إِى بَرِىَّةٌ مِنكُمْ إِنْ أَرَ مَا لَا تَرَوْنَ إِنَّ أَخَافُ اللَّهُ وَاللَّهُ شَدِيدُ أَلِْقَابِ (١٨) إِذْ يَقُولُ اَلْمُنَفِقُونَ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضُّ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَّوَ كَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩) وَلَوْ تَرَىّ إِذْ يَتَّوَّلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ أَلْمَلَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَرْبَرَهُمْ وَذُوقُواْ ٥١ ذَلِكَ بِمَا فَدَّمَتْ أَبْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّهِ لِلْمُبِيدِ عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴿يا أيُّها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة﴾ أي جماعة كافرة (فاثبتوا) لقتالهم ولا تنهزموا ﴿واذكروا الله كثيراً﴾ أي ادعو الله بالنصر عليهم والظفر بهم، وقال قتادة: أمر الله بذكره [أثقل] ما يكونون عند الضراب بالسيوف ﴿لعلكم تُفلحون﴾ تنجحون بالنصر والظفر ﴿وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا﴾ ولا تختلفوا ﴿فتفشلوا﴾ أي تخسروا وتضعفوا. وقال الحسن: فتفشلوا بكسر الشين ﴿وتذهب ريحكم﴾ قال مجاهد: نصركم وذهبت ريح أصحاب محمد بَّه حين نازعوه يوم أُحد (١). وقال السدي: جماعتكم وحدتكم، وقال مقاتل: [حياتكم]، وقال عطاء: جَلَدكم. وقال يمان: غَلَبَتكم، وقال النضر بن شميل: قوتكم، وقال الأخفش: دولتكم، وقال ابن زيد: هو ريح النصر لم يكن نصر قط إلاّ بريح يبعثه الله في وجوه العدو، فإذا كان كذلك لم (١) تفسير الطبري: ١٠ / ٢١. ٣٦٤ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي يكن لهم قوام، ومنه قول النبيّ رَّ: ((نصرت بالصّبا وأهلكت عاد بالدّبور)) [٢٣٦](١). يقال للرجل إذا أقبلت الدنيا عليه بما يهواه: الريح اليوم لفلان. قال عبيد بن الأبرص : (٢) والفضل للقوم من ريح ومن عددٌ كما حميناك يوم النعف من شطب وقال الشاعر: إلا عبيد وأم بين أذواد(٣) يا صاحبي ألا لا حي بالوادي أتنتظران قليلاً ريث غفلتهم أو تعدوان فإن الريح للعادي(٤) أنشدني أبو القاسم المذكور قال: أنشدني أبا نصر بن منصور الكرجي الكاتب: فإن لكلّ خافقة سكون إذا هبت رياحك فاغتنمها فما تدري السكون متى يكون (٥) ولا يغفل عن الإحسان فيها قوله تعالى ﴿واصبروا إنّ الله مع الصابرين * ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً﴾ فخرا وأشَراً ﴿وريثَاء الناس ويصدّون عن سبيل الله﴾ معطوف على قوله: (بطراً وريئاء الناس) ومعناه ينظرون ويرون، إذ لا يعطف مستقبل على ماض، ﴿والله بما تعملون محيط﴾ وهؤلاء أهل مكّة خرجوا يوم بدر ولهم بغيٌ وفخر فقال رسول الله وَّر: ((اللّهمّ إن قريشاً أقبلت بفخرها وخيلائها ليحادك ورسولك)) [٢٣٧](٦). قال ابن عباس: لمّا رأى أبو سفيان أنّه أحرز عيره أرسل إلى قريش أنّكم خرجتم لتمنعوا عليكم فقد نجاها الله فارجعوا فوافى الركب الذي فيه أبو سفيان ليأمروا قريشاً بالرجعة إلى مكّة فقال لهم: انصرفوا، فقال أبو جهل: والله لا ننصرف حتّى نرد بدراً . وكان بدر موسماً من مواسم العرب يجتمع لهم بها سوق كل عام. فنقيم بها ثلاثاً وننحر الجزر ونطعم الطعام ونسقي الخمور ونعزف عليها القيان(٧) وتسمع بها العرب. فلا يزالون يهابوننا أبداً فوافوها فسُقوا كؤوس المنايا مكان الخمر وناحت عليهم النوائح مكان القيان(٨). (١) مسند أحمد: ١ / ٢٢٨، وصحيح البخاري: ٢ / ٢٢. (٢) تفسير الطبري: ١٠ / ٢١، ومعجم البلدان: ٣ / ٣٤٣. (٣) تاج العروس: ١٠ / ٢٢. الصحاح: ١ / ٣٦٨، والبيت لامرىء القيس في معلقته. (٤) تاج العروس: ٢ / ١٤٩، وتفسير القرطبي: ٥ / ٣٨٤. (٥) (٦) تفسير الطبري: ١٠ / ٢٤. (٧) القيان: جمع القينة وهي الفتيات المغنيات. (٨) زاد المسير: ٣ / ٢٤٩. ٣٦٥ سورة الأنفال، الآيات: ٤٥ - ٥١ ونهى الله عباده المؤمنين بأن يكونوا مثلهم وأمرهم بإخلاص النيّة والخشية في نصرة دينه وموازرة نبي مګ . ﴿وإذ زيّن لهم الشيطان أعمالهم﴾ وكانت الزينة لهم على ما قاله ابن عباس وابن إسحاق والسدي والكلبي وغيرهم: إن قريشاً لمّا أجمعت المسير ذكرت الذي بينها وبين بني بكر بن عبد مناف بن كنانة من الحرب التي بينها وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب، فكان ذلك أن يثبتهم، فجاء إبليس في جند من الشياطين معه رايته فتبدّى في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الشاعر الكناني، وكان من أشراف كنانة(١). قال الشاعر : ظلامتي والله من كل الحوادث خالي يا ظالمي أنّى تروم ﴿فلما تراءت الفئتان﴾ أي التقى الجمعان ورأى إبليس الملائكة نزلوا من السماء وعلم أنّه لا طاقة له بهم ﴿نكص على عقبيه﴾. قال الضحاك: ولّى مدبراً. قال النضر بن شميل: رجع القهقري على قفاه هارباً، وقال قطرب وابان بن ثعلبة: رجع من حيث جاء. قال الشاعر: وتزجون أنفال الخميس العرموم نكصتم على أعقابكم يوم جئتم وقال عبد الله بن رواحة: فلما رأيتم رسول الله نكصتم على أعقابكم هاربينا. قال الكلبي: لما التقوا كان إبليس في صف المشركين على صورة سراقة بن كنانة آخذاً بيد الحرث بن هشام، فنكص على عقبيه وقال له الحرث: يا سراقة أين؟ أتخذلنا على هذه الحالة؟ فقال له ﴿إني أرى ما لا ترون﴾ فقال: والله ما نرى إلا جواسيس يثرب. فقال: ﴿أني أخاف الله﴾ . قال الحرث: فهلاّ كان هذا أمس، فدفع في صدر الحرث فانطلق وانهزم الناس، فلمّا قدموا مكة قالوا هزم الناس سراقة فبلغ ذلك سراقة فقال بلغني أنكم تقولون أني هزمت الناس، فوالله ماشعرت حتى بلغني هزيمتكم، فقالوا أما أتيتنا في يوم كذا فحلف لهم، فلمّا تابوا علموا أن ذلك كان الشيطان . وقال الحسن في قوله: (أني أرى مالا ترون) فأتى إبليس جبرئيل معتجراً بردة يمشي بين يدي النبي ◌َّر وفي يده اللجام يقود الفرس ماركب. سمعت أبا القاسم الحبيبي سمعت أبا زكريا العنبري، سمعت أبا عبد الله محمد بن (١) تفسير مجمع البيان: ٤ / ٤٧٧. ٣٦٦ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي إبراهيم البوشنجي يقول أفخر بيت قيل في الإسلام قوله بغيض الأنصاري يوم بدر: جبريل تحت لوائنا ومحمد (١) وببئر بدر إذا نردّ وجوههم وقال قتادة وابن إسحاق. قال إبليس: إني أرى مالا ترون وصدق الله في عدوّه، وقال: إني أخاف الله، وكذب عدوّ الله، والله ما به مخافة الله ولكن علم أنّه لاقوة له ولا منعة فأيّدهم وأسلمهم، وذلك عادة عدو الله لمن أطاعه، حتى إذا التقى الحق والباطل أسلمهم وتبرّأ منهم. قال عطاء إني أخاف الله أن يهلكني فيمن هلك، وقال الكلبي: خاف أن يأخذه جبرئيل ويعرّفهم حاله فلا يطيعوه من بعد، وقال معناه: إني أخاف الله، أي أعلم صدق وعده لأوليائه لأنه على ثقة من أمره. قال الاستاذ الامام أبو إسحاق، رأيت في بعض التفاسير: إني أخاف الله عليكم والله شديد العقاب. قال بعضهم هذا حكاية عن إبليس، وقال أخرون: انقطع الكلام عند قوله: إني أخاف الله قال الله ﴿والله شديد العقاب﴾. إبراهيم بن أبي عبلة عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله وَّلي قال: ((ما رؤي الشيطان يوماً هو فيه أصغر ولا أدجر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لمّا رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رأى يوم بدر)) [٢٣٨]، وذلك أنه رأى جبرائيل وهو يزع الملائكة(٢). ﴿إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض﴾ شك ونفاق ﴿غرّ هؤلاء دينهم﴾ يعني المؤمنين هؤلاء قوم بمكة مستضعفين حبسهم آباؤهم وأقرباؤهم من الهجرة، فلمّا خرجت قريش إلى بدر أخرجوهم كرهاً، فلمّا نظروا إلى حلة المسلمين ارتابوا وارتدّوا وقالوا: غرّ هؤلاء دينهم فقتلوا جميعاً منهم: قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة المخزوميان والحرث بن زمعة بن الأسود بن عبد المطلب، وعلي بن أمية بن خلف، والعاص بن منبه بن الحجاج والوليد بن عتبة وعمرو بن بن أمية، فلما قُتلوا مع المشركين ضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم فذلك قوله تعالى: ﴿ولو ترى﴾ تعاين يا محمد ﴿إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة﴾ أي يقبضون أرواحهم ببدر ﴿يضربون﴾ حال أي ضاربين ﴿وجوههم وأدبارهم﴾ قال سعيد بن جبير، ومجاهد: يريد أستاههم ولكن الله تعالى كريم [يكني]. وقال مُرّة الهمذاني وابن جريج: وجوههم ما أقبل عنهم، وأدبارهم ما أدبر عنهم، (١) انظر البداية والنهاية لابن كثير: ١ / ٣٩١، وقد نسب البيت فيه إلى حسّان بن ثابت. ونسبه البكري الأندلسي لكعب بن مالك انظر: معجم ما استعجم: ١ / ٢٣٢. (٢) تفسير القرطبي: ٢ / ٤١٩، وتاريخ دمشق: ٤٣ / ٥٣٩، وموطأ مالك: ١ / ٤٢٢، ح٢٤٥. ٣٦٧ سورة الأنفال، الآيات: ٥٢ - ٦٠ وتقديره: يضربون أجسادهم كلها، وقال ابن عباس: كانوا إذا أقبل المشركون بوجوههم إلى المسلمين ضربوا وجوههم بالسيوف، وإذا ولّوا أدركتهم الملائكة فضربوا أدبارهم، وقال الحسن: قال رجل: يا رسول الله رأيت بظهراني رجل مثل الشراك، قال: ذلك ضرب الملائكة، وقال الحسين بن الفضل: ضرب الوجه عقوبة كفرهم، وضرب الأدبار عقوبة معاصيهم. ﴿وذوقوا﴾ فيه إضمار، أي ويقولون لهم ذوقوا ﴿عذاب الحريق﴾ في الآخرة، ورأيت في بعض التفاسير: كان مع الملائكة مقامع من حديد كلمًا ضربوا التهب النار في الجراحات فذلك قوله تعالى: وذوقوا عذاب الحريق، ومعنى قوله ذوقوا: قاسوا واحتملوا. قال الشاعر: من الغيظ في أكبادنا والتحوب(١) فذوقوا كما ذقنا غداة محجر ويجوز ذوقوا بمعنى موضع الابتلاء والاختبار يقول العرب اركب هذا الفرس فذقه، وانظر فلاناً وذق ما عنده. قال الشماخ في وصف قوس: فذاق وأعطاه من اللين جانباً كفى ولها أن يغرق السهم حاجز(٢) وأصله من الذوق بالفم ﴿ذلك بما قدمت﴾ كسبت وعملت ﴿أيديهم وأن الله ليس بظلام للعبيد﴾ أخذهم من غير جزم، وفي محل ((أنّ) وجهان من الاعراب: أحدهما النصب عطفاً على قوله (بما قدمت) تقديره: وأن الله، والآخر: الرفع عطفاً على قوله (ذلك) معناه: وذلك أن الله . كَدَأْبِ مَالٍ فِرْعَوْنٌ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِغَايَتِ الَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمَّ إِنَّ اللَّهَ فَوِىٌّ شَدِيدُ اَلْمِقَابِ (َ ذَلِكَ بِأَنَّ الَّهُ لَمْ يَكُ مُغَيّاً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى فَوْمٍ حَى يُغَيْرُوْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهُ سَمِعُ عَلِيمٌ كَدَأْبِ ءَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِثَايَتِ زَيْهِمْ فَأَهْلَكْنَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَ الَ فِرْعَوْنَ وَكُلُّ كَانُواْ ظَلِمِينَ ﴿٨َ إِنَّ شَّ الدَّوَآتِ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿ الَّذِينَ عَهَدَتَّ بِنْهُمْ ثُمَّ يَقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِ كُلِّ مَّةٍ وَهُمْ لَا يَنَّقُونَ ﴿َ فَإِمَّا نَتْقَفَنَّهُمْ فِ الْحَرْبِ فَشَرِدْ يِهِمْـ مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٤٧) وَإِمَّ تَخَافَنَ مِن فَوْمٍ خِيَانَةٌ فَأَئِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ اْخَبِينَ ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوَاْ إِنَهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٢٦) وَأَعِذُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعَتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّيَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُّؤَّكُمْ وَدَخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا نَعْلَمُونَهُمّ ◌َلَهُ بَعَلَّمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ شَىْءٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يُوَنَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُطْلَمُونَ (١) البيت لطفيل الغنوي كما في لسان العرب: ١ / ٣٣٩. (٢) لسان العرب: ١٠ / ١١٢ وفيه: النبل حاجز. ٣٦٨ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي ﴿كدأب آل فرعون﴾ قال ابن عباس: كفعل آل فرعون، وقال الضحاك: كصنيعهم، وقال مجاهد، وعطاء: كسنّتهم، وقال يمان: كمثلهم يعني أن أهل بدر فعلوا كفعل آل فرعون من الكفر والذنوب، ففعل الله بهم كما فعل بآل فرعون من الهلاك والعذاب، وقال الكسائي: كما أن آل فرعون جحدوا كما جحدتم وكفروا كما كفرتم. قال الاخفش، والمؤرخ، وأبو عبيدة: كعادة آل فرعون . ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ فَأْخَذَهُمُ اللهُ﴾ فعاقبهم الله ﴿بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقَابِ * ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أنْعَمَهَا عَلَى قَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾. قال الكلبي: يعني أهل مكة، أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف، وبعث إليهم محمداً (عليه السلام) فغيّروا نعم الله، وتغييرها أن كفروا بها وتركوا شكرها، وقال السدّي: نعمة الله محمد وَليل أنعم به على قريش فكذبوه وكفروا به فنقله إلى الأنصار. ﴿وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ كَدَأْبٍ آلٍ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من كفار الامم ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ بعضاً بالرجفة وبعضاً بالخسف وبعضاً بالمسخ وبعضاً بالحصى وبعضاً بالماء، فكذلك أهلكنا كفار مكة بالسيف والذل ﴿وَأغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ الآية ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ﴾ . سمعت أبا القاسم بن حبيب، سمعت أبا بكر عبدش يقول: من هاهنا صلة الذين عاهدتهم، وسمعته يقول سمعت المنهل بن محمد بن محمد بن الاشعث يقول: دخلت بين لأن المعنى: الذين أخذت منهم العهد، وقيل: عاهدت منهم أي معهم ﴿ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّة) وهم بنو قريظة، نقظوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله وَّير، وأعانوا مشركي مكة بالسلاح على قبال النبي ◌ّر وأصحابه، ثم قالوا: نسينا وأخطأنا، ثم عاهدهم الثانية فنقضوا العهد ومالوا إلى الكفار على رسول الله يوم الخندق، وكتب كعب بن الأشرف إلى مكة يوافقهم على مخالفة رسول الله وَلِّ ﴿وَهُمْ لا يَتَّقُونَ﴾ لا يخافون الله في نقض العهد. ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ ترينّهم وتجدّهم ﴿فِي الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ قال ابن عباس: فنكّل بهم من ورائهم، وقال قتادة: عِظ بهم مَنْ سواهم من الناس، وقال سعيد بن جبير: أنذر بهم مَنْ خلفهم، وقال ابن زيد: أخفهم بهم. وقيل: فرَّق جمع كل ناقض مما بلغ من هؤلاء، وقال عطاء: أثخن فيهم القتل حتى يخافك غيرهم من أهل مكة وأهل اليمن، وقال ابن كيسان: اقتلهم فلا من يهرب عنك مَن بعدهم . وقال القتيبي: سمِّع بهم، وأنشد : مخافة أن يشردّ بي حكيمُ أُطوّف في الاباطح كل يوم ٣٦٩ سورة الأنفال، الآيات: ٥٢ - ٦٠ وأصل التشريد: التطريد والتفريق والتبديد، وقرأ أبن مسعود (وشرّذ) بالذال معجم وهو واحد. قال قطرب التشريذ بالذال التنكيل، وبالدال للتفريق من خلفهم أي من ورائهم، وقيل من يأتي خلفهم، وقرأ الأعمشِ مِن (خلفِهم) بكسر الميم والفاء تقديره: فشرِّد بهم من خلفهم من عمل قبل عملهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ يعتبرون العهد فلا ينقضون العهد. ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ﴾ تعلمنّ يا محمد ﴿مِنْ قَوْم﴾ معاهدين لك ﴿خِيَانَةً﴾ نكث عهد ونقض عقد بما يظهر لك منهم من آثار الغدر والخيانة كما ظهر من قريظة والنضير ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ فاطرح إليهم عهدهم ﴿عَلَى سَوَاء﴾ وهذا من الحان القرآن، ومعناه: فناجزهم الحرب، وأعلمهم قبل حربك إياهم أنك فسخت العهد بينك وبينهم حتى تصير أنت وهم على سواء من العلم بأنك محارب، فيأخذوا للحرب أهبتها وتبرؤوا من الغدر، وقال الوليد بن مسلم: على سواء أي على مهل وذلك قوله ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾(١). ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الخَائِنِينَ وَلا يَحْسَبَنَّ﴾ قرأ أبو جعفر، وابن عامر بالباء على معنى لا تحسبن الذين كفروا انهم أنفسهم سابقين فائتين من عذابنا، وقرأ الباقون بالتاء على الخطاب ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ﴾ قرأ العامة بالكسر على الابتداء، وقرأ أهل الشام وفارس بالفتح ويكون لا صلة، تقديره: ولا تحسبن الذين كفروا أن سبقوا أنّهم يعجزون أي يفوتون. ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ أي من الآلات يكون قوة له عليهم من الخيل والسلاح والكراع. صالح بن كيسان عن رجل عن عقبة بن مسافر الجهني أن النبي ◌َّ قرأ على المنبر، وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة، فقال: ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، وروى ضمرة بن ربيعة عن رجاء بن أبي سلمة فقال: لقي رجل مجاهداً بمكة ومع مجاهد جوالق فقال مجاهد هذا من القوة، ومجاهد يتجهز للغزو(٢)، وقال عكرمة القوة الحصون. ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الخَيْلِ﴾ [الاناث](٣) ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ﴾ تخوفون، ابن عباس: تخزون، وقرأ يعقوب: ترهبون بتشديد الهاء وهما لغتان: أرهبته ورهّبته ﴿عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ قال مجاهد: بنو قريظة. السدّي: أهل فارس. ابن زيد: المنافقون لا تعلمونهم لأنهم منكم يقولون: لا إله إلا الله، ويغزون معكم، وقال بعضم: هم كفار الجن، وقال بعضهم: هم كل عدو من المسلمين غير الذي أمر النبي وَلّر أن يشردّ بهم. ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ في سبيل اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ يدّخر ويوفّر لكم أجره ﴿وَأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ . (١) سورة التوبة: ٢. (٢). تفسير الطبري: ١٠ / ٤٠. (٣). تفسير الطبري: ١٠ / ٤٠. ٣٧٠ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي ﴿ وَإِنْ جَنَعُواْ لِسَّلْمِ فَأَحْتَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَُّ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيُ ﴿ وَإِن يُرِيِّدُوَّا أَنْ يَحْدَعُوَ فَاتَّ حَسْبَكَ اَللَّهُ هُوَ الَّذِىَّ ◌َدِّكَ بِنَصْرِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ (١٧) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّ أَلَّفْتَ بَيْنَ فُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِرُ حَكِيمٌ ﴿١ ◌َأَهَا النَِّىُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَّنِ أَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنَ (٤) يَأَتُهَا النَِّىُّ حَرْضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْفِتَالِ إِن يَكُنُ بِنْكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْتَنَّ وَإِن يَكُن مِّنْكُم مِّأْتَةٌ يَغْلُواْ أَلْغَا مِنَ الَّذِينَ كَغَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَّهُونَ (9) أَنَّ خَقَّفَ اللَّهُ عَنَكُمْ وَعَلِمَ أَنتَ فِيَكُمْ ضَعْفًا فَإِنِ يَكُن مِنْكُمْ مِّنَةٌ صَابِرَةٌ بَعْلِبُواْ مِأَنَيْنٍّ وَإِن يَكُنْ فِنَكُمْ أَلَّفٌ يَعْلِيُوَ أَلْفَيَِّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَِّينَ (٦) مَا كَانَ لِنَِّيْ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُشْخِنَ فِىِ الْأَرْضِّ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ بُرِيدُ الَخِرَةُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ أي فمل إليها وصالحهم، قالوا: وكانت هذه قبل (براءة) ثم مسخت بقوله: اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، وقوله: قاتلوا الذين يؤمنون بالله، الآية ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَهُوَكَ﴾ يغدروا ويمكروا بك، قال مجاهد: يعني قريظة ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللـهُ﴾ كافيك الله ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالمُؤْمِنِينَ﴾ قال السدّي: يعني الأنصار ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ جمع بين قلوبهم. وهم الأوس والخزرج. على دينه بعد حرب سنين، فصيرّهم جميعاً بعد أن كانوا أشتاتاً، وأخواناً بعد أن كانوا أعداءً ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعاً﴾ إلى قوله تعالى ﴿حكيم﴾. روى ابن عفّان عن عمير بن إسحاق، قال: كنّا نتحدث أن أول مايرفع من الناس الالفة ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ﴾ . [ ........ ] (١) أبي المغيرة عن سعيد بن جبير، قال: أسلم مع النبي ◌ُّر ثلاثة وثلاثون رجلاً وستّ نسوة، ثم أسلم عمر(رضي الله عنه) فنزلت هذه الآية: يا أيها النبيّ حسبك الله ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ قال اكثر المفسرين: محل من نصب عطفاً على الكاف في قوله حسبك، ومعنى الآية: وحسب من أتبعك، وقال بعضهم رفع عطفاً على اسم الله تقديره: حسبك الله ومتّبعوك من المؤمنين . ﴿يَا أيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾ حثّهم على القتال ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ﴾ رجلاً صابرون محتسبون ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ من عدوّهم ويقهروهم ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ﴾ صابرة محتسبة تثبت عند اللقاء وقتال العدو ﴿يَغْلِبُوا ألْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ من أجل أن المشركين قوم يقاتلون على غير احتساب، ولا طلب ثواب، فهم لا يثبتون إذا صدقتموهم القتال (١) كلمة غير مقروءة. ٣٧١ سورة الأنفال، الآيات: ٦١ - ٦٧ خشية أن يُقتلوا، وصورة الآية خبر ومعناه أمر. وكان هذا يوم بدر قَرَنَ على الرجل من المؤمنين قتال عشرة من الكافرين، فثقلت على المؤمنين وضجّوا فخفّف الله الكريم عنهم وأنزل ﴿الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾ أي في الواحد عن قتال عشرة والمائة عن قتال الألف، وقرأ أبو جعفر ضعفاً بفتح الضاد، وقرأ بعضهم: ضعفاء بالمد على جمع ضعيف مثل شركاء. ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِاتَتَيْنِ من الكفّارِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفِّ يَغْلِبُوا الْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [أي عشرين من عشرة بمنزلة اثنين من واحد فكُسر أول عشرين كما كسر اثنان](١)، وإذا كانوا على الشطر من عدوهم لم ينبغ [لهم أن يفروا منهم، وإن كانوا دون ذلك لم يجب عليهم] القتال وجاز لهم أن [يتحوزوا](٢) عنهم. ﴿مَا كَانَ لِتَبِيِّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرَى﴾ روى الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال: لما كان يوم بدر جيء بالأسرى، قال رسول اللـه وسلم: ما تقولون في هؤلاء؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله قومك وأهلك، استبقهم فاستعن بهم، لعلّ الله أن يتوب عليهم، وخذ منهم فدية [تكن] لنا قوة على الكفار. وقال عمر: يا رسول الله كذبوك وأخرجوك فاضرب أعناقهم، ومكِّن علياً من عقيل يضرب عنقه، ومكّني من فلان . نسيب لعمر . أضرب عنقه فإن هؤلاء أئمة الكفر، وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله انظر وادياً كثير الحطب فأدخلهم فيه، ثم أضرمه عليهم ناراً، فقال العباس، قطعتك رحمك، فسكت رسول الله وَل﴾ فلم يجبهم. ثم دخل فقال أُناس: يأخذ بقول أبو بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول ابن رواحة. ثم خرج رسول الله وَّ فقال: إن الله يلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللين، وأن الله يشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم، قال: فمن تبعني فإنّه منّي، ومن عصاني فإنك غفور رحيم، ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى. قال: إن تعذبهم فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم، ومثلك ياعمر مثل نوح قال رب لاتذر على الأرض من الكافرين دياراً، ومثلك كمثل موسى قال ﴿ربنا أطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم﴾(٣) الآية. ثم قال رسول الله وَّل: أنتم اليوم عالة فلا يفلتنّ أحد منكم إلا بفداء أو ضرب عنق، قال (١) زيادة عن تفسير القرطبي: ٨ / ٤٤ والمخطوط ممسوح. (٢) تفسير الطبري: ١٠ / ٥٠ وتصويب العبارة منه والمخطوط ممسوح. (٣) سورة يونس: ٨٨. ٣٧٢ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي عبد الله بن مسعود إلا سهيل بن البيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام، فسكت رسول الله وَ له، قال: فما رأيتني في يوم أخوف أن يقع عليّ الحجارة من السماء مني ذلك اليوم حتى قال رسول الله ◌َله: ((إلا سهيل بن البيضاء))(١). قال: فلمّا كان من الغد جئت رسول الله وَل﴾ وإذا هو وأبو بكر قاعدان يبكيان فقلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء ما بكيت، فقال رسول الله وَليل: أبكي للذي عرض على اصحابك في أخذهم الفداء، ولقد عُرض عليّ عذابكم، ودنا من هذه الشجرة شجرة، قريبة من نبي الله فأنزل الله تعالى ﴿مَا كَانَ لِنَبِيِّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرَى﴾ بالتاء بصري الباقون بالياء، أسرى: جمع أسير مثل قتيل وقتلى ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ﴾ أي يبالغ في قتل المشركين وأسرهم وقهرهم، أثخن فلان في هذا الأمر أي بالغ، وأثخنته معرفة بمعنى قلته معرفة. قال قتادة هذا يوم بدر، فاداهم رسول الله بأربعة آلاف بأربعة آلاف، ولعمري ما كان أثخن رسول الله *8* يومئذ، وكان أول قتال قاتل المشركين. قال ابن عباس كان هذا يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل، فلمّا كثروا واشتد سلطانهم، أنزل الله تعالى بعد هذا في الأُسارى ﴿فإمّا منّاً بعد وإمّا فداء﴾ فجعل الله نبيه والمؤمنين في أمر الأُسارى بالخيار إن شاؤوا قتلوهم وإن شاؤوا استعبدوهم وأن شاءوا فادوهم وإن شاؤوا رفقوا بهم. ﴿تُرِيدُونَ﴾ أيها المؤمنون ﴿عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ بأخذكم الفداء ﴿وَاللهُ يُرِيدُ﴾ ثواب ﴿الآخِرَةَ﴾ بقهركم المشركين ونصركم دين الله ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ . لَوْلَ كِتَبُ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣) فَكُواْ مِنَّا غَنِمْتُمْ حَلًا طِبَأْ وَأَتَّقُواْ اَللَّهُ إِنَّ اللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٦٦َ بَأْتِهَا النَّىُّ قُل لِّمَنْ فِيَّ أَبْدِيكُمْ مِّنَ الْأَسْرَىّ إِن يَعْلَّمِ اللَّهُ فِى قُلُوبِكُمْ خَبْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرَاً مِنَّا أُخِذَّ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿١٣) وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللَّهُ مِن قَبْلُ فَأَمَّكَّنَ مِنْهُمُّ وَاللَّهُ عَلِيُ حَكِيمُ ﴿َ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَوَواْ وَنَصَرُوًا أُوْلَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِّ وَأَذِنَّ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاِرُواْ مَا لَكُ مِنْ وَلَيْنِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّ يُّهَاجِرُواْ وَإِنِ أَسْتَصَرُوَكُمْ فِ الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّ عَلَى قَوٍْ بَيْنَكُمْ وَبَهُمْ فِيَثَقُّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (﴿ وَذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوَّلِيَاءُ بَعْضَِّ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الْأَرْضِ وَفَسَاءٌ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ الَّهِ وَالَّذِينَ ، وَواْ وَنَصَرُوَاْ أُوْلَكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ كَبيرُ (٧٣) حَقَّ لهُ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (١٤) وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ مَعَكُمْ فَأَوْلَكَ مِنْكُمْ وَأُوْلُواْ الْأَرْحَاءِ. (١) انظر: مسند أحمد: ١ / ٣٨٤. وجامع البيان للطبري: ١٠ / ٥٧. ٣٧٣ سورة الأنفال، الآيات: ٦٨ - ٧٥ vol بَّضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضِ فِي كِتَبِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ﴾ الآية، قال ابن عباس كانت الغنائم قبل أن يُبعث النبي ◌ِّلـ حرام على الأنبياء والأُمم كلهم كانوا إذا أصابوا مغنماً جعلوه للنيران (١) وحرّم عليه أن يأخذوا منه قليلاً أو كثيراً، وكان الله عز وجل كتب في أم الكتاب أن الغنائم والأُسارى حلال لمحمد وأُمته، فلمّا كان يوم بدر أسرع المؤمنون في الغنائم، فأنزل الله تعالى ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ﴾ لولا قضاء من الله سبق لكم يا أهل بدر في اللوح المحفوظ بأن الله تعالى أحل لكم الغنيمة. وقال الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وابن زيد: لولا كتاب من الله سبق أنه لا يعذِّب أحداً شهد بدر مع النبي وَّ﴿ وقال: لولا كتاب سبق أن يغفر الصغائر لمن اجتنب الكبائر، وقال ابن جريج: لولا كتاب من الله سبق أنه لا يضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبيّن لهم مايتقون، وأنه لا يأخذ قوماً فعلوا شيئاً بجهالة ﴿لَمَسَّكُمْ﴾ لنالكم وأصابكم ﴿فِيمَا أخَذْتُمْ﴾ من الغنيمة والفداء قبل أن يؤمروا به ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . روى محمد بن سيرين عن عبيدة السلماني قال: قال رسول الله وسلم لأصحابه في أسارى بدر: ((إن شئتم قتلتموهم وإن شئتم فاديتموهم، واستشهد منكم بعدّتهم))، وكانت الاسارى سبعون. فقالوا: بل نأخذ الفداء ونتمتع به ونقوى على عدونا ويستشهد منا بعدتهم، قال عبيدة طلبوا الخيرتين كليهما فقتل منهم يوم أحد سبعون، قال ابن إسحاق وابن زيد: لم يكن من المؤمنين أحد ممن حضر إلاّ أحب الغنائم إلا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) جعل لا يلقى أسيراً إلا ضرب عنقه، وقال لرسول الله: ما لنا والغنائم! نحن قوم نجاهد في دين الله حتى يُعبد الله، وأشار على رسول الله بقتل الأسرى، وسعد بن معاذ قال: يا رسول الله كان الإثخان في القتل أحب إليّ من استبقاء الرجال، فقال رسول الله *: لو نزل عذاب من السماء ما نجا منه غير عمر بن الخطاب وسعد بن معاذ فقال الله ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ همام بن منبه قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة عن محمد قال: قال ◌َّ: ((لم تحل الغنائم لمن كان قبلنا)) ذلك أن الله رأى ضعفنا وعجزنا فطيّبها لنا. عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله: «أعطيت خمساً لم يُعطهنَّ نبي قبلي من الأنبياء وجُعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً ولم يكن نبي من الأنبياء يصلي حتى بلغ محرابه وأُعطيت الرعب مسيرة شهر يكون بيني وبين المشركين شهر فيقذف الله الرعب في قلوبهم وكان النبي لم يبعث إلى خاصة قومه، وبعثت إلى الجن والإنس، وكان الأنبياء يعزلون الخمس فتجيء النار فتأكله، وأمرت أن أقاسمها في فقراء أمتي ولم يبقَ نبي إلا قد أُعطي سؤله وأُخّرت (١). في المخطوط: للقرآن. ٣٧٤ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي شفاعتي لأمتي)) [٢٣٩]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى﴾ نزلت في العباس بن عبد المطلب وكان أسيراً يومئذ، وكان العباس أحد العشرة الذين ضمنوا طعام أهل بدر فبلغته التوبة يوم بدر، وكان خرج بعشرين أوقية من ذهب ليطعم بها الناس، فأراد أن يطعم ذلك اليوم فاقتتلوا قبل ذلك وبقيت العشرون أوقية مع العباس فأخذت منه في الحرب، فكلم النبي ◌َّر أن يحسب العشرون أوقية من فدائه فأبى، وقال: أما شيء خرجت تستعين به علينا فلا أتركه لك، وكلّفه فداء بني أخيه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحرث فقال العباس: يا محمد تركتني اتكفف قريشاً ما بقيت فقال رسول الله وسلم: ((فأين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل أوّل خروجك من مكة، فقلت لها: إني لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا فإن حدث بي حدث فهذا لك ولعبد الله ولعبيد الله والفضل وقثم يعني بنيه)) فقال له العباس: وما يدريك؟ قال: ((أخبرني ربي)) فقال العباس: فأنا أشهد أنك صادق، وأن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، ولم يطلع عليه أحد إلا الله فذلك قوله ﴿يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى﴾ الذين أخذتم منهم الفداء [٢٤٠](١) . وقرأ أبو محمد وأبو جعفر: من الأُسارى وهما لغتان ﴿إِنْ يَعْلَم اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً﴾ أي إيماناً ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ من الفداء ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ذنوبكم، قال العباس: فأبدلني الله مكانها عشرين عبداً كلهم يضرب بمال كثير، فأدناهم يضرب بعشرين ألف درهم مكان العشرين الأوقية، وأعطاني زمزم، وما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة، وأنا أنتظر المغفرة من ربي، وقال قتادة: ذُكر لنا أن نبي الله وَّ لما قدم عليه مال البحرين ثمانون ألفا، وقد توضأ لصلاة الظهر، فما أعطى يومئذ ساكناً ولا حرم سايلا حتى فرّقه، فأمر العباس أن يأخذ منه فأخذ، فكان العباس يقول: هذا خير مما أُخذ منا، وأرجو المغفرة. ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا﴾ يعني الأسرى ﴿خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾ قومهم وعشيرتهم ودورهم يعني المهاجرين ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا﴾ رسول اللهِ وَ لَه والمهاجرين رضي الله عنهم، أي أسكنوهم منازلهم ﴿وَنَصَرُوا﴾ على أعدائهم، وهم الأنصار ﴿أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض﴾ دون أقربائهم من الكفار، وقال ابن عباس: هذا في الميراث، كانوا يتوارثون بالهجرة، وجعل الله الميراث للمهاجرين والأنصار دون ذوي الأرحام، وكان الذي آمن ولم يهاجر لا يرث لأنه لم يهاجر، ولم ينصر، وكانوا يعملون بذلك، حتى أنزل الله عز وجل: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم (١) أسباب النزول للواحدي: ١٦٢ . ٣٧٥ سورة الأنفال، الآيات: ٦٨ - ٧٥ أولى ببعض في كتاب الله﴾ فنسخت هذا وصار الميراث لذوي الارحام المؤمنين ولا يتوارث أهل ملّتين. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني الميراث ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي بكسر الواو، والباقون بالفتح وهما واحد، وقال الكسائي: الولاية بالنصب: الفتح، والولاية بالكسر: الإِمارة. ﴿وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ لأنهم مسلمون ﴿إِلاَّ عَلَى قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ عهد ﴿وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض﴾ في العون والنصرة. قال ابن عباس: نزلت في مواريث مشركي أهل العهد وقال السدّي: قالوا نورث ذوي أرحامنا من المشركين فنزلت هذه الآية، وقال ابن زيد: كان المهاجر والمؤمن الذي لم يهاجر لا يتوارثان. وإن كانا أخوين مؤمنين، وذلك لأن هذا الدين بهذا البلد كان قليلاً، حتى كان يوم الفتح وانقطعت الهجرة توارثوا بالأرحام حيثما كانوا، وقال النبي وَالر: ((لا هجرة بعد الفتح إنّما هي الشهادة)) [٢٤١]. وقال قتادة: كان الرجل ينزل بين المسلمين والمشركين فيقول إنْ ظهر هؤلاء كنت معهم، وإنْ ظهر هؤلاء كنت معهم فأبى، الله عليهم ذلك، وأنزل فيه ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض﴾(١) فلا تراءى نار مسلم وآنار [مشرك إلا صاحب جزية مقرًّاً بالخراج (٢). ﴿إِلاَّ تَفْعَلُوهُ﴾ قال عبد الرحمن بن زيد: إلّ تتركهم يتوارثون كما كانوا يتوارثون، وقال ابن عباس: إلّ تأخذوه في الميراث ما أمرتكم به، وقال ابن جريج: إلّ تعاونوا وتناصروا، وقال ابن إسحاق: جعل الله سبحانه المهاجرين والأنصار أهل ولايته في الدين دون سواهم، وجعل الكافرين بعضهم أولياء بعض، ثم قال: إلّ تفعلوه، هو أن يتولى المؤمن الكافر دون المؤمن . ﴿َتَكُنْ فِتْتَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ إلى قوله تعالى ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ قال ابن كيسان حققوا ايمانهم بالهجرة والجهاد وبذل المال في دين الله ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ وَ أُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ﴾ الذي عنده وهو اللوح المحفوظ، وقيل: كتاب الله في قسمته التي قسمها وبيّنها في القرآن في سورة النساء. ﴿إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، وقال قتادة: كان الاعرابي لايرث المهاجر فأنزل الله هذه الآية، وقال ابن الزبير: كان الرجل يعاقد الرجل ويقول: ترثني وأرثك فنزلت هذه الآية. (١) سورة الأنفال: ٧٣. (٢) تفسير الطبري: ١٠ / ٧٢. ٣٧٦ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي محتوى الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي سورة المائدة ٥ سورة الأنعام ١٣١ سورة الأعراف ٢١٤ سورة الأنفال ٣٢٤ طِبٌعَ عِلَى مَطِابْع دَارُ اعْيَاء التراث العَربيّ