النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ سورة الأنفال، الآيات: ٢٢ - ٢٦ ثمّ قال للكفّار ﴿وإن تنتهوا﴾ عن الكفر بالله وقتال نبيّه وَّرِ ﴿فهو خير لكم وإن تعودوا﴾ لقتاله وحربه ﴿نعد﴾ بمثل الواقعة التي أوقعت لكم يوم بدر (١). وقيل: وإن تعودوا إلى هذا القول وقتال محمد رَّ ﴿ولن تُغني عنكم فِئتكم شيئاً ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين﴾ [قرأ] أهل المدينة والشام: ﴿وأن الله﴾ بفتح الألف، والمعنى: ولأن الله، وقيل: هو عطف على قوله ﴿وأن الله موهن كيد الكافرين﴾. وقرأ الباقون بالكسر على الاستئناف، واختلفوا فيه وقراءة أبي حاتم (لأن) في قراءة عبد الله: والله مع المؤمنين. ﴿يا أيُّها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولّوا عنه﴾ ولا تدبروا عن رسول الله وَ ل ﴿وأنتم تسمعون﴾ أمره وليّه. قال ابن عباس: وأنتم تسمعون القرآن ومواعظه ﴿ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا﴾ يعني المنافقين والمشركين الذين سمعوا كتاب الله بآذانهم فقالوا سمعنا ﴿وهم لا يسمعون﴾ يعني لا يتّعظون بالقرآن ولا ينتفعون بسماعهم وكأنهم لم يسمعوا الحقيقة. وَلَوْ عَلِمَّ اللَّهُ فِيهِمْ خَبْرًا إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِ عِندَ الَّهِ أَلْفُمُ الْبَّكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ لَأَسْمَعَّهُمّ وَلَوْ أَسْمَعَّهُمْ لَنَّوَلُّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ ﴿٦) ◌َأَيُّهَا الَّذِينَ ءَآَمَنُواْ أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ وَأَتَّقُوا فِتْنَةً لَا ◌ِمَا يُحْيِكُمْ وَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، وَأَنَّهُ: إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ إِنَ) تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَُّواْ مِنكُمُ خَاصََّةٌ وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّ ◌َلَّهَ شَدِيدُ أَلْمِقَابِِ ﴿ وَذْكُرُوَاْ إِذْ أَنْتُمْ قِلٌ ◌ُسْتَضْعَفُونَ فِ الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَخَطّفَكُمُ النَّاسُ فَاوَنَكُمْ وَأَنَّدَكُمْ بِصْرِهِ، وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الََّيْنَتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿إن شر الدواب﴾ يعني أن شرّ [الدواب] على وجه الأرض من خلق الله ﴿عند الله﴾ فقال الأخفش: كل محتاج إلى غذا فهو دابة. ﴿الصُمُّ البُكمُ﴾ عن الحق كأنّهم لا يسمعون ولا ينطقون. قال ابن زيد: هم صم القلوب وبكمها وعميها. وقرأ ﴿فإنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾(٢). وقال ابن عباس وعكرمة: هم بنو عبد الدار بن قصي كانوا يقولون نحن صُمُّ بُكم عُمّي عن (١) راجع تفسير القرطبي: ٧ / ٣٨٧. (٢) سورة الحج: ٤٦. ٣٤٢ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي مخاطبة محمد لا نسمعه ولا نجيبه، [فكانوا] جميعاً [بأُحد]، وكانوا أصحاب اللواء ولم يسلم منهم إلّ رجلان مصعب بن عمير وسويبط بن حرملة ﴿الذين لا يعقلون﴾ أمر الله ﴿ولو علم الله فيهم خيراً﴾ صدقاً وإسلاماً ﴿لأسمعهم) لرزقهم الفهم والعلم بالقرآن ﴿ولو أسمعهم لتولوا﴾ عن القرآن ﴿وهم معرضون﴾ عن الإيمان بالقرآن لعلم الله فيهم وحكمه عليهم بالكفر ﴿يا أيها الذين آمنوا أستجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ اختلفوا في قوله (لما يُحييكم): فقال السدي: هو الإيمان يحييهم بعد موتهم أي كفرهم. وقال مجاهد: للحق. وقال قتادة هو هذا القرآن فيه الحياة والفقه والنجاة والعصمة في الدنيا والآخرة. وقال ابن إسحاق: لما يحييكم يعني الحرب والجهاد التي أعزكم الله بها بعد الذل. وقوّاكم بها بعد الضعف ومنعكم بها عن عدوكم بعد القهر منهم لكم. وقال [القتيبي]: لمّا يحييكم: لما يُتقيكم، يعني الشهادة. وقرأ قوله ﴿بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾(١) فاللام في قوله (لما) بمعنى إلى ومعنى الاستجابة في هذه الآية الطاعة يدلُّ عليه ما روى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: مرّ رسول الله وَّ على أبي بن كعب وهو قائم يصلّي فصاح له فقال: ((تعال إلي))، فعجل أُبي في صلاته ثمّ جاء إلى رسول الله وَّ فقال: ((ما منعك يا أُبي أن تُجيبني إذا دعوتك؟ أليس الله يقول يا أيُّها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يُحییکم)). قال: لا جرم يا رسول الله لا تدعوني إلاّ أجبتك وإن كنت مصلياً. قال: «تحب أن أُعلمّك سورة لم تنزل في التوارة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها))؟ قال أُبي : نعم يا رسول الله. قال: ((لا تخرج من باب المسجد حتّى تعلمها)) والنبيّ وَّ يمشي يريد أن يخرج من المسجد فلما بلغ الباب ليخرج قال له أُبي: يا رسول الله، فوقف فقال: ((نعم كيف تقرأ في صلاتك)) فقرأ أُبي أُمّ القرآن فقال رسول الله وَّ: ((والذي نفسي بيده ما أُنزلت في التوارة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن (٢) [مثلها] وإنّها لهي السبع المثاني التي أتاني الله عزّ وجلّ [٢٢٥](٣). ﴿واعلموا أنّ الله يحول بين المرء وقلبه﴾ قال سعيد بن جبير: معناه يحول بين الكافر أن يؤمن وبين المؤمن أن يكفر. (١) سورة آل عمران: ١٦٩. (٣) السنن الكبرى للبيهقي: ٢ / ٣٧٦. (٢) وهي سورة الفاتحة. ٣٤٣ سورة الأنفال، الآيات: ٢٢ - ٢٦ ابن عباس: بين الكافر وبين طاعته ويحول بين المؤمن وبين معصيته. وقال مجاهد: يحول بين المرء وقلبه فلا يعقل ولا يدري ما يفعل، وروى خصيف عنه قال: يحول بين قلب الكافر وبين أن يعمل خيراً. وقال السدي: يحول بين الإنسان وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن ولا أن يكفر إلاّ بإذنه. وقال قتادة: معنى ذلك أنّه قريب من قلبه ولا يخفى عليه شيء أظهره أو أسره. وهي كقوله عزّ وجلّ ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾(١) . وقيل: هو أن القوم لما دعوا إلى القتال في الحال الصعبة جاءت ظنونهم واختلجت صدروهم فقيل [فيهم] ﴿قاتلوا في سبيل الله﴾(٢) وأعلموا أن الله يحول بين المرء وبين ما في قلبه فيبدّل الخوف أمناً والجُبن جُرأة(٣). وقيل: يحول بينه وبين مراده، لأن الأجل حال دون الأمل. والتقدير منع من التدبير. وقرأ الحسن: بين المرء، وبتشديد الراء من غير همزة. وقرأ الزهري: بضم الميم والهمزة وهي لغات صحيحة. ﴿وانّكم إليه تُحشرون﴾ ويجزيكم بأعمالكم. قال أنس بن مالك: كان رسول الله ◌َ﴾ يكثر أن يقول: يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك، قلنا: يا رسول الله أمنّا بك فهل تخاف علينا؟ قال: ((إن قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلّبه كيف شاء إن شاء أقامة وإن شاء أزاغة)) [٢٢٦](٤). والإصبع في اللغة الأثر الحسن، فمعنى قوله: بين إصبعين: بين أثرين من أثار الربوبية وفيها الإزاغة والإقامة. قال الشاعر : صلاة وتسبيح والخطأ نائل وذو رحم تناله منك إصبع أي أثر حسن. وقال آخر: (١) سورة ق: ١٦. (٢) سورة آل عمران: ١٦٧ . (٣) تفسير القرطبي: ٧ / ٣٩١. (٤) جامع البيان للطبري: ٣ / ٢٥٦. ٣٤٤ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي في الشر أو في الخير يلقه معاً مَنْ يجعل الله عليه اصبعاً فالإصبع أيضاً في اللغة الإصبع. فمعنى الحديث بين مملكتين من ممالكه، وبين الإزاغة والإقامة والتوفيق والخذلان. قال الشاعر : (١) حدّثت نفسك بالوفاء ولم تكن للغدر خائنة مغل الإصبع ﴿واتّقوا فتنةٌ﴾ أي اختبار وبلاء يصيبكم. وقال ابن زيد: الفتنة الضلالة ﴿لاتصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصّة﴾ واختلفوا في وجه قوله ﴿لا تصيبن﴾ من الاعراب. فقال أهل البصرة: قوله (لا تصيبن) ليس بجواب ولكنّه نهي بعد أمره، ولو كان جواباً ما دخلت النون . وقال أهل الكوفة: أمرهم ثمّ نهاهم وفيه تأويل الجزاء فإن كان نهياً كقوله: ﴿يا أيُّها النمل ادخلوا مساكنكم لايُحطّمنكم﴾(٢). أمرهم ثمّ نهاهم، وفيه تأويل الجزاء وتقديره: واتقوا الله إن لم تنتهوا أصابتكم. وقال الكسائي: وقعت النون في الجر بمكان التحذير، فلو قلت: قم لا أغضب عليك لم يكن فيه النون لأنّه جزاء محض. وقال الفراء: هو جزاء فيه طرف من النهي كما تقول: أنزل عن الدابة لا يطرحك. ولا يطرحنك فهذا [جزاء من] الأمر بلفظ النهي. ومعناه: إن تنزل عنه لا يطرحنّك. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في أصحاب النبيّ وَلّ خاصة. وقال: أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب. وقال الحسن: نزلت في عليّ وعمار وطلحة والزبير قال الزبير بن العوّام: يوم الجمل لقد قرأنا هذه الآية زماناً وما أرنا من أهلها فإذا نحن المعنيون بها. واتّقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصّة. فحلفنا حتّى أصابتنا خاصّة. قال السدي: هذه الآية نزلت في أهل بدر خاصّة فأصابتهم يوم الجمل فأقبلوا . وقال عبد الله بن مسعود ما منكم من أحد إلاّ هو مشتمل على الفتنة إنّ الله يقول: ﴿إنّما (١) البيت أنشده أبو عبيد للكلابي كما في اللسان: ١٣ / ١٤٤، وتاج العروس: ٩ / ١٩٤. (٢) سورة النمل: ١٨. ٣٤٥ سورة الأنفال، الآيات: ٢٢ - ٢٦ أموالكم وأولادكم فتنة﴾(١) فإيّكم استعاذ فليستعذ بالله من مضلات الفتن. حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله وَله: ((يكون من ناس من أصحابي إساءة يغفرها الله لهم بصحبتهم إياي يستنّ بهم فيها ناس يعذبهم فيدخلهم الله بها النار)) [٢٢٧](٢). يحيى بن عبد الله عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلفي ((لا تقوم الساعة حتّى تأتي فتنة [عمياء مظلمة] المضطجع فيها خير من الجالس والجالس فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي))(٣). فقال رجل من أصحاب رسول الله وَل9: يا رسول الله إن أدركتني [وأنا مضطجع] قال: («فامش)) . قال: أفرأيت إن أدركتني وأنا أمشي. قال ((ارقد)) قال: أفرأيت إن أدركتني وأنا راقد فأجلس. قال: أفرأيت إن أدركتني وأنا جالس. قال: ((فقل هكذا بيدك، وضم يديه الى جسده، حتّى تكون عند الله المظلوم ولا تكون عند الله الظالم)) [٢٢٨]. عن زيد بن أبي زياد عن زيد بن الأصم عن حذيفة قال: أتتكم فتن كقطع الليل المظلم يهلك فيها كل شجاع بطل وكل راكب موضع وكل خطيب مشفع ﴿واذكروا إذا أنتم قليل﴾ في العدد ﴿مستضعفون في الأرض﴾ أرض مكّة في عنفوان الإسلام ﴿تخافون أن يتخطّفكم﴾ يُذهب بكم ﴿الناس﴾ كفّار مكّة، وقال وهب: فارس والروم ﴿فَآواكم﴾ إلى المدينة ﴿وأيّدكم بنصره﴾ يوم بدر أيدكم بالانتصار وأُمدّكم بالملائكة ﴿ورزقكم من الطيّبات﴾ يعني الغنائم أجالها لكم ولم يجلها لأحد قبلكم ﴿لعلكم تشكرون﴾. قال قتادة: كان هذا الحي من العرب أذلّ الناس ذلاً وأشقاهم عيشاً وأجوعهم بطناً وأغراهم جلوداً وآمنهم ضلالا، من عاش منهم عاش شقياً ومن مات منهم ردى في النار مكعوبين على رأس الحجرين الأشدين فارس والروم. يؤكلون ولا يأكلون وما في بلادهم شيء عليه يحسدون، والله ما نعلم قبيلاً من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا شر منزلاً منهم حتّى جاء الله عزّ وجلّ بالاسلام فمكن في البلاد ووسع به في الرزق وجعلكم به ملوكاً على رقاب الناس. (١) سورة الأنفال: ٢٨. (٢) مجمع الزوائد: ٧ / ٢٣٤. (٣) إلى هنا في مسند أحمد: ٥ / ٣٩. . ٣٤٦ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم فاشكروا لله نعمه، فإن ربكم منعم يجب الشكر له [وأجمل] الشكر فى مزيد من الله تعالى. وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا ◌َأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَتِكُمْ وَأَتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّوَلُكُمْ وَأَوَّلَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨َ بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَنَّقُواْ أَلَّهُ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنَكُمْ سَبَِّائِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩) وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُفْسِتُوَ أَوْ يَقْتُلُوَ أَوْ يُخْرِجُولُ وَيَمَّكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَّكْرِنَ (٢٢) وَإِذَا نَتَلَى عَلَيْهِمْ ءَأَتُنَا قَالُواْ فَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَاْ إِنْ هَذَآَ إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴿يا أيُّها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول﴾ قال عطاء ابن أبي رباح: حدّثني جابر بن عبد الله أن أبا سفيان خرج من مكّة فأتى جبرئيل (عليه السلام) النبيّ وَّر فقال: إنّ أبا سفيان في مكان كذا وكذا . فقال النبيّ وَالرّ لأصحابه: ((إنّ أبا سفيان في مكان كذا وكذا فاخرجوا إليه واكتموا)) [٢٢٩] قال: فكتب رجلا من المنافقين إليه أن محمداً يريدكم فخذوا حذركم فأنزل الله تعالى الآية(١). وقال السدي: كانوا يسمعون الشيء من النبيّ وَّر فيفشونه حتّى بلغ المشركين. وقال الزهري والكلبي: نزلت هذه الآية في أبي لبابة واسم أبي لبابة هارون بن عبد المنذر الأنصاري من بني عوف بن مالك وذلك أن رسول الله وَلجر حاصر يهود قريظة إحدى وعشرين ليلة فسألوا رسول الله الصلح على ما صالح عليه إخوانهم بني النظير على أن يسيروا الى إخوانهم إلى أذرعات وأريحا من أرض الشام فأبى أن يعطيهم ذلك رسول الله و * إلّ أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ فأبوا وقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر وكان مناصحاً لهم، لأن عياله وماله وولده كانت عندهم فبعثه رسول الله وهل فأتاهم فقالوا: يا أبا لبابة ما ترى أنزل على حكم سعد بن معاذ فأشار أبو لبابة بيده إلى طقه أنّه الذبح فلا تفعلوا . قال أبو لبابة: والله ما زالت قدماي من مكانهما حتّى عرفت أن قد خنت الله والرسول فلمّا نزلت هذه الآية شد نفسه على سارية من سواري المسجد وقال: والله لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتّى أموت أو يتوب الله عليّ فمكث سبعة أيام لا يذوق فيها طعاماً ولا شراباً حتّى خرّ مغميّاً عليه ثمّ تاب الله عليه، فقيل له: يا أبا لبابة قد تُبت عليك. قال: لا والله لا أحلّ نفسي حتّى يكون رسول الله و ﴿ هو الذي يحلّني فجاءه فحله بيده، ثمّ قال أبو لبابة: إن مَنْ تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب. وأن أنخلع من (١) جامع البيان للطبري: ٢٩١٩. ٣٤٧ سورة الأنفال، الآيات: ٢٧ - ٣١ مالي، فقال رسول الله وَليقول: ((يجزيك الثلث إن تصدقت)) [٢٣٠](١). فقال المغيرة بن شعبة: نزلت هذه الآية في قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه(٢). قال محمد بن إسحاق: معنى الآية لا تظهروا له من الحق ما يرضى به منكم ثمّ تُخالفونه في السر إلى غيره. وقال ابن عباس: لا تخونوا الله بترك فرائضه، والرسول بترك سنته، وتخونوا أماناتكم. قال السدي: إذا خانوا الله والرسول فقد خانوا أماناتهم. وعلى هذا التأويل يكون قوله (ويخونوا) نصباً على جواب النهي. والعرب تنصب جواب النهي وقالوا كما ينصب بالفاء. وقيل: هو نصب على الصرف كقول الشاعر: عارٌ عليك إذا فعلت عظيم(٣) لا تنهى عن خلق وتأتي مثله وقال الأخفش: هو عطف على ما قبله من النهي، تقديره: ولا تخونوا أماناتكم. وقرأ مجاهد: أمانتكم واحدة. واختلفوا في هذه [الآية] فقال ابن عباس: هو ما يخفي عن أعين الناس من فرائض الله عزّ وجلّ والأعمال التي ائتمن الله عليها العباد يقول لا تنقضوها . وقال ابن زيد: معنى الامانات هاهنا الدين وهؤلاء المنافقون ائتمنهم الله على دينه فخانوا، إذ أظهروا الإيمان وأسرّوا الكفر. قال قتادة: إنّ دين الله أمانة فأدّوا إلى الله ما ائتمنكم عليه من فرائضه وحدوده. ومَنْ كانت عليه أمانة فليردّها إلى مَنْ أنتمنه عليها . ﴿وأعلموا أنّما أموالكم وأولادكم﴾ التي عند بني قريظة ﴿فتنة وأنّ الله عنده أجر عظيم * يا أيُّها الذين آمنوا إن تتقوا الله﴾ بطاعته وترك معصيته واجتناب خيانته ﴿يجعل لكم فرقاناً﴾ قال مجاهد: مخرجاً في الدنيا والآخرة. وقال مقاتل بن حيان: مخرجاً في الدين من الشبهات. وقال عكرمة: نجاة. وقال الضحاك: بياناً. وقال مقاتل: منقذاً. (١) راجع جامع البيان للطبري: ٩ / ٢٩٢، والمعروف أن فاطمة بنت النبي عليهما السلام جاءت لتحلّه فأبى فقال رسول الله ((فاطمة بضعة مني)) فحلّته، راجع عمدة الأخبار: ٩٩ الباب الرابع، فصل في فضل المسجد الشريف، والروض الأنف للسهيلي: ١ / ١٦٠ كتاب المبعث، فصل في قوله لخديجة: إنّ جبرائيل يقرئك السلام، و٢ / ١٩٦ فصل في خبر أبي لبابة .. (٢) المصدر السابق. (٣) قال في اللسان: ٧ / ٤٤٧: البيت للمتوكل الليثي ويروى لأبي الأسود الدؤلي. ٣٤٨ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي قال الكلبي: بصراً، وقال ابن إسحاق: فصلاً بين الحق والباطل، يظهر الله به حقكم ويطفئ به باطل مَنْ خالفكم. وقال ابن زيد: فرقاً يفرق في قلوبهم بين الحق والباطل حتّى يعرفوه ويشهدوا به. والفرقان مصدر كالرحمان والنقصان. تقول: فرقت بين الشيء والشيء أفرق بينهما فرقاً وفروقاً وفرقاناً، ﴿ويكفر عنكم﴾ ما سلف من ذنوبكم ﴿ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم * وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك﴾ هذه الآية معطوفة على قوله تعالى: ﴿فاذكروا إذ أنتم قليل﴾(١). ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾. ﴿وإذا قالوا اللهم﴾(٢) لأن هذه السورة مد وهذا القول والمكر كان بمكة، ولكن الله تعالى ذكرهم ذلك بالمدينة كقوله ﴿إلاّ تنصروه فقد نصره الله﴾(٣) وكان هذا المكر على ما ذكره ابن عباس وغيره من المفسّرين أن قريشاً لمّا أسلمت الأنصار فرقوا أن تتفاقم أُمور رسول الله وله فاجتمع نفر من مشايخهم وكبارهم في دار الندوة ليتشاوروا في أمر رسول الله وَ له. وكانت رؤسائهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبا جهل وأبا سفيان وطعمة بن عدي والنضر بن الحرث وأبو البحتري بن هشام وزمعة بن الأسود وحكيم بن حزام وبنيه ومنبّه ابنا الحجاج وأُميّة بن خلف فاعترض لهم إبليس في صورة شيخ فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال: أنا شيخ من نجد سمعت اجتماعكم فأردت أن أحضركم ولن تعدموا من رأي ونصح، قالوا: ادخل فدخل. فقال أبو البحتري: أمّا أنا فأرى أن تأخذوه وتحبسوه في بيته وتشدوا وثاقه وتسدوا باب البيت فتتركوه وتقدموا إليه طعامه وشرابه وتتربصوا به ريب المنون حتّى يهلك فيه كما هلك من قبله من الشعراء زهير والنابغة، وإنّما هو كأحدهم. فصرخ . إبليس . الشيخ النجدي وقال: بئس الرأي رأيتم تعمدون إلى الرجل وتحبسونه فيتم أجره، وقد سمع به مَنْ حولكم، [فأوشكوا أن يشبّوا فينتزعوه من أيديكم](٤) ويقاتلونكم عنه حتّى يأخذوه منكم. قالوا: صدق الشيخ. فقال هشام بن عمرو وهو من بني عامر بن لؤي: أمّا أنا فأرى أن تحملوه على بعير فيخرجوه من بين أظهركم فلا يضركم [ما ضر من] وقع إذا غاب عنكم (١) سورة الأنفال: ٢٦. (٢) سورة الأنفال: ٣٢.٣٠. (٣) سورة التوبة: ٤٠. (٤) زيادة عن تاريخ الطبري: ٢ / ٩٨. ٣٤٩ سورة الأنفال، الآيات: ٢٧ - ٣١ واسترحم وكان أمره في غيركم. فقال إبليس بئس الرأي رأيكم تعمدون الى رجل قد أفسد سفهاءكم فتخرجوا به الى غيركم يفسدهم كما أفسدكم، ألم تروا حلاوة قوله وطلاقه لسانه وأخذ القلوب ما يسمع من حديثه. والله لئن فعلتم، ثمّ استعرض العرب لتجتمعن عليه ثم ليأتين إليكم فيخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم. قالوا : صدق والله الشيخ. فقال أبو جهل: لأشيرن عليكم برأي ما أرى غيره: إني أرى أن نأخذ واحداً من كل بطن من قريش غلاماً وسبطاً ثمّ يعطى كل رجل منهم سيفاً صارماً ثمّ يضربونه ضربة رجل واحد فإذا قتلوه تفرق دمّه في القبائل كلّها، ولا أظن هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش كلّها وإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل فتؤدّي قريش ديته واسترحنا، فقال إبليس: صدق هذا الفتى و[هذا] أجودكم رأياً، القول ما قاله لا أرى غيره. فتفرقوا على قول أبي جهل، وهم مجتمعون فأتى جبرئيل النبيّ وَل﴿ وأخبره بذلك وأمره أن لا يبيت على مضجعه الذي كان يبيت فيه، وأذن الله تعالى له عند ذلك بالخروج الى المدينة وأمر رسول الله وسير عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه فنام في مضجعه فقال: اتشح ببردي فإنّه لن يخلص إليك أمر تكرهه. ثمّ خرج النبيّ ◌َّ وأخذ قبضه من تراب فأخذ الله أبصارهم عنه وجعل يثر التراب على رؤسهم وهو يقرأ ﴿إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي الى الأذقان فهم مقمحون﴾ ومضى إلى. الغار من ثور فدخله هو وأبو بكر وخلّف عليّا. رضي الله عنه . بمكّة حتّى يؤدّي عنه الودائع التي قبلها وكانت الودائع توضع عنده لصدقه وأمانته وكان المشركون يتحرسون عليّاً . رضي الله عنه . وهو على فراش رسول الله وَله يحسبون أنّه النبيّ، فلمّا أصبحوا ثاروا إليه فرأوا عليّاً. رضي الله عنه .. وقد ردّ الله مكرهم وما ترك منهم رجلا إلّ وضع على رأسه التراب. فقالوا : أين صاحبك؟ قال: لا أدري فاقتصّوا أثره وأرسلوا في طلبه فلما بلغوا الجبل، فمروا بالغار فرأوا على بابه نسيج العنكبوت، وقالوا: لو دخل هاهنا لم يكن نسيج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث أيام ثمّ قدم المدينة فذلك قوله تعالى: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك﴾(١). قال ابن عباس ومجاهد ومقسم والسدي: ليوثقوك. وقال قتادة: ليشدوك وثاقاً . (١) راجع تفسير ابن كثير: ٢ / ٣١٥، وتاريخ الطبري: ٢ / ٩٧. ٩٩. ٣٥٠ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي وقال عطاء. وعبد الله بن كثير: ليسجنوك. وقال أبان بن ثعلب. وأبو حاتم: ليثخنوك بالجراحات والضرب. وأنشد: فقلت ويحك ماذا في صحيفتكم قالوا الخليفة امسى مثبتاً وجعاً (١) وقيل : معناه ليسخروك. وروى ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن عبد المطلب بن أبي وداعة أن أبا طالب قال لرسول الله ثور: هل تدري ما أضمر بك قومك؟ قال: ((نعم [يريدون] أن يسخروا بي ويقتلوني أو يخرجوني)) فقال: مَنْ أخبرك بهذا؟ قال: ((ربّي)) . قال: نِعم الرب ربّك فاستوصٍ ربّك خيراً . فقال رسول الله وَ﴾ ((أنا استوصي به بل هو يستوصي بي خيراً)) [٢٣١](٢). وقرأ إبراهيم النخعي (وليثبتوك) من البيات ﴿أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله﴾ قال الحسن: فيقولون ويقول الله. وقال الضحاك: ويصنعون ويصنع الله ﴿والله خير الماكرين﴾ خير من استنقذك منهم وأهلكهم ﴿وإذا تتلى عليهم أياتنا قالوا﴾ يعنى النضر بن الحرث ﴿قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا﴾ وذلك أنّه كان [يختلف] تاجراً إلى فارس والحيرة فيسمع سجع أهلها وذكرهم أخبار العجم وغيرهم من الأُمم، فمر باليهود والنصارى فرآهم يقرأون التوارة والإنجيل ويركعون ويسجدون، فجاء مكّة فوجد محمداً يقرأ القرآن ويصلّي. فقال النضر: قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا ﴿إن هذا إلاّ أساطير الأوّلين﴾ أخبار الأُمم الماضية وأعمارهم، قال السدي: أساجيع أهل الحيرة. والأساطير جمع الجمع وأصلها من قوله: سطرت أي كتبت، وواحدها سطر ثمّ تجمع أسطار أو سطور ثمّ فيجمعان أساطر وأساطير. وقيل: الأساطير واحدها أُسطورة وأسطار. والجمع القليل: أسطر. وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ أَلْحَقَّ مِنْ عِنْدِلَى فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَو أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَّهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمَّ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَمْذُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءَهُ: إِنْ أَوْلِيََّوَهُ. (١) نسبه ابن كثير في البداية والنهاية: ٨ / ١٥٣، ليزيد بن معاوية. (٢) تفسير الطبري: ٩ / ٢٩٩، وتفسير ابن كثير: ٢ / ٣١٤. ٣٥١ سورة الأنفال، الآيات: ٣٢ - ٣٥ (٣) وَمَا كَانَ صَلَائُهُمْ عِندَ أَلْبَيْتِ إِلَّ مُكَاءُ وَنَصْدِيَّةٌ إِلَّا الْمُنَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ. ٣٥ ﴿وإذ قالوا اللّهم﴾ الآية نزلت أيضاً في النضر بن الحرث بن علقمة بن كندة من بني عبد الدار. قال ابن عباس: لمّا قصّ رسول الله وَله شأن القرون الماضية، قال النضر: لو شئت لقلت مثل هذا إنْ هذا إلّ أساطير الأوّلين في كتبهم. فقال عثمان بن مظعون: اتق الله فإن محمداً يقول الحق. قال: فأنا أقول الحق. قال: فإن محمداً يقول: لا إله إلاّ الله. قال: فأنا أقول لا إله إلاّ الله. ولكن هذه شأن الله يعني الاصنام. فقال رسول الله وَله: ﴿إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين﴾(١) قال النضر: ألا تَرون أن محمداً قد صدقني فيما أقول يعني قوله ﴿إن كان للرحمن ولد﴾. قال له المغيرة بن الوليد: والله ما صدّقك ولكنه يقول ما كان للرحمن ولد. ففطن لذلك النضر فقال: اللّهمّ إن كان هذا هو الحق من عندك. ﴿إن كان هذا هو الحق من عندك﴾ ﴿هو﴾ عماداً (٢) وتوكيد وصلة في الكلام، و ﴿الحق﴾ نصب بخبر كان ﴿فأمطر علينا حجارة من السماء﴾ كما أمطرتها على قوم لوط. قال أبو عبيدة: ما كان من العذاب. يقال: فينا مطر ومن الرحمة مطر ﴿أو إنتنا بعذاب أليم﴾ أي بنفس ما عذبت به الأُمم وفيه نزل: ﴿سأل سائل بعذاب واقع﴾(٣). قال عطاء: لقد نزل في النضر بضعة عشرة آية من كتاب الله فحاق به ما سأل من العذاب يوم بدر. قال سعيد بن جبير: قال رسول الله وَ﴾ يوم بدر: ((ثلاثة صبروا منكم من قريش المطعم بن عدي. وعقبة بن أبي معيط. والنضر بن الحرث)). وكان النضر أسير المقداد فلمّا أمر بقتله قال المقداد: أسيري يا رسول الله، فقال رسول الله ◌َله: ((إنّه كان يقول في كتاب الله ما يقول)) قال المقداد: أسيري يا رسول الله، قالها ثلاث مرّات. فقال رسول الله وَّ في الثالثة: ((اللّهمّ اغن المقداد من فضلك)) [٢٣٢]. فقال المقداد: هذا الذي أردت(٤). (١) سورة الزخرف: ٨١. (٢) العماد: الذي يكون بين كلامين لا يتم المعنى إلاّ به، ويسمى عند البصريين ضمير الفصل. (٣) سورة المعارج: ١. (٤) تاريخ دمشق: ٦٠ / ١٦٧. ٠ ٣٥٢ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ اختلفوا في معنى هذه الآية فقال محمد بن إسحاق بن يسار: هذه حكاية عن المشركين، إنهم قالوها وهي متصلة بالآية الأولى، [وقيل]: إن المشركين كانوا يقولون: والله إن الله لا يعذبنا ونحن نستغفر ولا يعذب أمة ونبيّها معهم، وذلك من قولهم ورسول الله بين أظهرهم، فقال الله تعالى لنبيّه وَل يذكر له جهالتهم وغرتهم واستفتاحهم على أنفسهم إذ قالوا ﴿اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك﴾ وقالوا: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ ﴿وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ ثمّ قال ردّا عليهم ﴿وما لهم ألا يعذبهم الله﴾ وإن كنت بين أظهرهم أن كانوا يستغفرون ﴿وهم يصدون عن المسجد الحرام﴾. وقال آخرون: هذا كلام مستأنف وهو قول الله تعالى حكاية عن نفسه ثمّ اختلفوا في وجهها وتأوليها : فقال ابن أبزي وأبو مالك والضحاك: تأويلها: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم مقيم بين أظهرهم. قالوا: فأنزلت هذه الآية على النبيّ وَّل وهو مقيم بمكّة ثمّ خرج النبيّ من بين أظهرهم. وبقيت منها بقية من المسلمين يستغفرون. فأنزل الله بعد خروجه عليه حين استغفر أُولئك بها ﴿وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾. ثمّ خرج أولئك البقية من المسلمين من بينهم فعذبوا وأذن الله بفتح مكّة، فهو العذاب الذي وعدهم. ابن عباس: لم يعذب أولئك حتّى يخرج النبيّ منها والمؤمنون. قال الله: ﴿وما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ يعني المسلمين فلما خرجوا قال الله: ﴿وما لهم ألاّ یعذّبهم الله﴾ يعذبهم يوم بدر. وقال بعضهم: هذا الاستغفار راجع الى المشركين: وما كان الله ليعذب هؤلاء المشركين ما دمتَ فيهم وما داموا يستغفرون. وذلك أنهم كانوا يطوفون بالبيت ويقولون لبيك لبيك لا شريك لك إلاّ شريك هو لك بملكه لو ما ملك، ويقولون غفرانك غفرانك. هذه رواية أبي زميل عن ابن عباس. وروى ابن معشر عن يزيد بن روحان ومحمد بن قيس قالا : قالت قريش بعضها لبعض: محمد أكرمه الله من بيننا ﴿اللّهمّ إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء﴾. الآية فلمّا أمسوا ندموا على ما قالوا، فقالوا: غفرانك اللهم. فأنزل الله عزّ وجلّ ﴿وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾. وقال أبو موسى الأشعري: إنّه كان فيكم أماناً لقوله تعالى ﴿وما كان الله ليعذّبهم وأنت فيهم وما كان الله معذّبهم وهم يستغفرون﴾. ٣٥٣ سورة الأنفال، الآيات: ٣٢ - ٣٥ وأمّا النبيّ وَل فقد مضى وأمّا الاستغفار فهو كائن إلى يوم القيامة. وقال قتادة [وابن عباس] وابن يزيد معنى: ﴿وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾: أن لو استغفروا، يقول إن القوم لو كانوا يستغفرون لما عذبوا ولكنهم لم يكونوا استغفروا ولو استغفروا فأقروا بالذنوب لكانوا مؤمنين. وقال مجاهد وعكرمة: (وهم يستغفرون) أي يسلمون، يقول: لو أسلموا لمّا عُذّبوا. وقال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس (وهم يستغفرون) أي وفيهم من سبق له من الله الدخول في الإيمان. وروى عن ابن عباس ومجاهد والضحاك: وهم يستغفرون أي يصلّون. وقال الحسن: هذه الآية منسوخة بالآية التي تلتها: ﴿وما لهم ألاّ يعذبهم الله﴾ إلى قوله: ﴿بما كنتم تكفرون﴾ فقاتلوا بمكّة فأصابوا فيها الجوع والخير. وروى عبد الوهاب عن مجاهد (وهم يستغفرون) أي في [أصلابهم] من يستغفره. قال ﴿وما لهم ألاّ يعذّبهم الله﴾ أي: ما يمنعهم من أن يُعذّبوا. قيل: [إنّ ﴿أن﴾ هنا زائدة](١). ﴿وهم يصدون عن المسجد الحرام﴾ ﴿وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلّ المتّقون﴾ المؤمنون من حيث كانوا ومن كانوا، يعني النبيّ وَّر ومن آمن معه . ﴿ولكن أكثرهم لا يعلمون وما كان صلاتهم عند البيت إلّ مكاءً وتصدية﴾ والمكاء الصفير. يقال مكاءً تمكّوا مكا ومكوا. وقال عنترة: (٢) تمكوا فريصته كشدق الاعلم وحليل غانية تركت مجدّلاً ومنه قيل: مكت اسم الدابة مكأ إذا نفخت بالريح. (وتصدية) يعني التصفيق. قال جعفر بن ربيعة: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن قوله ﴿إلّ مكاء وتصديه﴾ فجمع كفيه ثمّ نفخ فيها صفيراً . وقال ابن عباس: كانت قريش يطوفون بالبيت وهم عراة يصفرون ويصفقون. و[قال] مجاهد: كان نفر من بني عبد الدار يعارضون النبيّ ◌َّ 18 في الطواف يستهزئون به فيدخلون أصابعهم في أفواههم ويصفرون، يخلطون عليه صلاته وطوافه. وقال مقاتل: كان النبيّ وَّ إذا صلّى في المسجد قام رجلان من المشركين عن يمنيه (١) المخطوط مشوش والظاهر ما أثبتناه وهو موافق لما في تفسير القرطبي: ٧/ ٤٠٠. (٢) لسان العرب: ١١ / ١٦٤. ٣٥٤ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي فيصفران ويصفقان ورجلان كذلك عن يساره ليخلطوا على النبيّ ◌ٍَّ صلاته. وهم بنو عبد الدار فقتلهم الله ببدر. وقال السدي: المكاء الصفير على لحن طائر أبيض يكون بالحجاز يقال له: المكا. قال الشاعر : قيل لأهل الشاء والحمرات(١) إذا غرّد المكاء فى غير روضة وقال سعيد بن جبير وابن إسحاق وابن زيد: التصدية صدهم عن بيت الله وعن دين الله، والتصدية على هذا التأويل التصديد فقلبت إحدى الدالين تاءً كما يقال تظنيت من الظن. قال الشاعر: تقضي البازي إذا البازي كسر (٢) يريد: تظنيت وتفضض. وقرأ الفضل عن عاصم: وما كان صلاتهم بالنصف إلا مكاء وتصدية بالرفع محل الخبر في الصلاة كما قال القطامي : قفي قبل التفرق يا ضباعاً ولا يك موقف منك الوداعا وسمعت مَنْ يقول: كان المكاء أذانهم والتصفيق إقامتهم ﴿فذوقوا العذاب﴾ يوم بدر ﴿بما كنتم تكفرون﴾ . إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ لِيَصُدُواْ عَن سَبِيلِ اَلَهَّ فَسَبُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ أ ◌َِمِيزَّ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَّ أَلَيْبِ وَيَجْعَلَ الْخَيْثَ يُغْلَوُنَُ وَالَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِلَى جَهَنَّمُ يُحْتَرُونَ لَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضِ فَرْكُمَهُ حَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِ جَهَتْمَ أُوْلَكَ هُمُ الْخَسِرُونَ (٣) قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنْتَهُوَأْ يُنْغَرْ لَهُم مَّا فَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ اُلْأَوَلِينَ ﴿٢) وَقَدِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَحِكُونَ الدِّينُ كُلُ لِّهِ فَإِنِ أَنتَّهَوْا فَإِنَ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ٣٩ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَأَعْلَّمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَوْلَئِكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَيَعْمَ النَّصِيرُ ﴿إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله﴾ ليصرفوا عن دين الله الناس. قال سعيد بن جبير: وابن ابزى نزلت في أبي سفيان بن حرب استأجر يوم أُحد ألفين من [الأحابيش] يقاتل بهم النبيّ ◌َّ﴾ [سوى] من أشخاص من العرب. وفيهم يقول كعب بن مالك: (١) كتاب العين الفراهيدي: ٤ / ٣٩١، ولم ينسبه. (٢) هذا من رجز للعجاج كما في اللسان: ٤ / ٣٥٨. (٣) لسان العرب: ٨ /٢١٨. ٣٥٥ سورة الأنفال، الآيات: ٣٦ - ٤٠ أحابيش منهم حاسر ومقنع فجينا إلى موج البحر وسطه إذ قال فينا القول لا ينقطع وفينا رسول الله نتبع قوله مئين أن كثرن فاريع (١) ثلاثة الألف ونحن نظنه ثلاث وقال الحكم بن عيينة: نزلت في أبي سفيان بن حرب حيث أنفق على المشركين يوم أُحُد أربعين أوقية وكانت أوقيته اثنين وأربعين مثقالاً . وقال ابن إسحاق عن رجاله: لما أُصيبت قريش من أصحاب القليب يوم بدر، فرجع فِيَلهم إلى مكّة ورجع أبو سفيان ببعيره إلى مكّة [مشى] عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أميّة في رجال من قريش أُصيب أباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يوم [بدر] فكلّموا أبا سفيان بن حرب ومَنْ كانت له في تلك العير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشر قريش إن محمداً قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال الذي أفلت على حربه أملنا أن ندرك منه ثأراً بمن أُصيب منا، ففعلوا فأنزل الله فيهم هذه الآية(٢). وقال الضحاك: هم أهل بدر. وقال مقاتل والكلبي: نزلت في المطعمين يوم بدر وكانوا اثني عشر رجلا: عتبه وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس وبنيه ومنبه ابنا الحجّاج البحتري بن هشام والنضر بن حارث وحكم بن حزام وأبي بن خلف، وزمعة بن الأسود والحرث بن عامر ونوفل والعباس بن عبد المطلب كلهم من قريش، وكان يطعم كل واحد منهم عشر جزر. قال الله ﴿فسينفقونها ثمّ تكون عليهم حسرة ثمّ يغلبون﴾ ولا يظفرون ﴿والذين كفروا﴾ منهم خصّ الكفّار لأجل مَنْ أسلم منهم ﴿إِلى جهنّم يُحشرون ليميّز الله﴾ بذلك الحشر ﴿الخبيث من الطيب﴾ الكافر من المؤمن فيدخل الله المؤمن الجنان والكافر النيران. وقال الكلبي: يعني العمل الخبيث من العمل الطيب الصالح فيثيب على الأعمال الصالحة الجنّة ويثيب على الأعمال الخبيثة النار. قرأ أهل الكوفة والحسن وقتادة والأعمش وعيسى: ﴿ليميز الله﴾ بالتشديد. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم. وقال ابن زيد: يعني الإنفاق الطيب في سبيل الله من الإنفاق الخبيث في سبيل الشيطان فجعل نفقاتهم في قعر جهنم ثمّ يقال لهم: الحقوا بها . (١) تفسير الطبري: ٩ / ٣٢٢، والبداية والنهاية ٤ / ٦٢ وذكر بقية الأبيات. (٢) عين العبرة: ٥٤، وعيون الأثر: ١ / ٣٩٢. ٣٥٦ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي وقال مرّة الهمداني: يعني يتميز المؤمن في علمه السابق الذي خلقه حين خلقه طيباً من الخبيث الكافر في علمه السابق الذي خلقه خبيثاً، وذلك أنّهم كانوا على ملة الكفر فبعث الله الرسول بالكتاب ليميّز [الله] الخبيث من الطيب فمن [أطاع] استبان أنّه طيب ومن خالفه استبان أنّه خبيث(١) ﴿ويجعل الخبيث بعضه على بعض﴾ بعضه فوق بعض ﴿فيركمه جميعاً﴾ أي يجمعه حتّى يصيّره مثل السحاب الركام وهو المجتمع الكثيف ﴿فيجعله في جهنم﴾ فوحد الخبر عنهم لتوحيد قول الله تعالى ﴿ليميز الله الخبيث﴾ ثمّ قال ﴿أولئك هم الخاسرون﴾ فجمع، رده إلى أول الخبر(٢)، يعني قوله: ﴿الذين كفروا ينفقون أموالهم أولئك هم الخاسرون﴾ الذين غنيت صفقتهم وخسرت تجارتهم لأنّهم اشتروا بأموالهم عذاب الله في الآخرة ﴿قل للذين كفروا﴾ أبي سفيان وأصحابه ﴿إن ينتهوا يغفر لهم﴾ ان ينتهوا من الشرك وقال محمد: يغفر لهم ﴿ما قد سلف﴾ من عملهم قبل الإسلام ﴿وإن يعودوا﴾ لقتال محمد رَ له﴿ ﴿فقد مضت سنّة الأوّلين﴾ في نصر الأنبياء والأولياء وهلاك الكفّار والأعداء مثل يوم بدر. قال الأستاذ الإمام أبو إسحاق: سمعت الحسن بن محمد بن الحسن يقول: سمعت أبي يقول: سمعت عليّ بن محمد الوراق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول: إنّي لأرجو أنّ توحيداً لم يعجز عن هدم ما قبله من كفر لا يعجز عن هدم ما بعده من ذنب. وأنشدني أبو القاسم الحبيبي بذلك أنشدني أبو سعيد أحمد بن محمد الزيدي: يستوجب العفو الفتى إذا اعترف ثمّ انتهى عمّا أتاه واقترف (٣) لقوله سبحانه [في المعترف:] ﴿قل للذين كفروا أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾. ﴿وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنة﴾ أي شرك، وقال أبو العالية: بلاء، وقال الربيع: حتّى لا يفتن مؤمن عن دينه ﴿ويكون الدين﴾ التوحيد خالصاً ﴿كلّه لله﴾ عزّ وجلّ ليس فيه شرك ويخلع ما دونه من الأنداد. وقال قتادة: حتّى يقال: لا إله إلّ الله، عليها قاتل نبي الله وإليها دعا. وقيل: حتّى تكون الطاعة والعبادة لله خالصة دون غيره(٤) ﴿فإن أنتهوا﴾ عن الكفر والقتال ﴿فإن الله بما يعملون بصير وإن تولوا﴾ عن الإيمان وعادوا إلى فقال أهله ﴿فاعلموا أن الله مولاكم﴾ ناصركم ومعينكم ﴿نعم المولى ونعم النصير﴾ الناصر. (١) تفسير القرطبي: ٧ / ٤٠١ . (٢) تفسير الطبري: ٩ / ٣٢٥. (٣) تفسير القرطبي: ٧ / ٤٠١ . (٤) تفسير الطبري: ٢ / ٢٦٢. ٣٥٧ سورة الأنفال، الآيات: ٤١ - ٤٤ وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّمَا غَيْمَتُم مِّنْ شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُسَهُ وَلِلَّسُولِ وَإِذِى الْقُرْنَى وَالْيَتَعَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ اَلَبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَمَنتُم بِاللَّهِ وَمَّا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْنَّقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ ﴿َ إِذْ أَنْتُم بِالْغُدْرَةِ الدُّنْيَا وَهُم ◌ِلْعُدْوَةِ الْقُصَوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوَ تَوَاعَدُمْ لَآَ خْتَفْتُمْ فِى الْمِيعَدِ وَلَكِن لِيَقْضِىَ اَللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيْنَةٍ وَيَحْبِى مَنْ حَّ عَنْ بَيْنَةٍ وَإِنَّ اللَّهُ لَسَمِيعُ عَلِيمٌ ﴿ إِذْ يُرِيِكَهُمُ اللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلًاً وَلَوْ أَبِكَهُمْ كَثِيرَاً لَّفَشِلْتُمْ وَلَنَرَّعْتُمْ فِى الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَّ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (®] وَإِذْ يُيِكُهُمْ إِذِ الْتَّقَّيْتُمْ فِىَ أَعْيُنِكُمْ فَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِيَ أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِىَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًاً وَإِلَى أَوِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ! ﴿واعلموا أنّما غنمتم من شيء﴾ حتّى الخيط والمخيط. واختلف العلماء في معنى الغنيمة والفي، ففرّق قوم بينهما : قال الحسن بن صالح: سألت عطاء بن السائب عن الفي والغنيمة فقال: إذا ظهر المسلمون على المشركين على أرضهم فأخذوه عنوة فما أخذوا من مال ظهروا عليه فهو غنيمة. وأمّا الأرض فهو في سواد هذا الفيء. وقال سفيان الثوري: الغنيمة ما أصاب المسلمون عنوة بقتال، والفي ما كان من صلح بغير قتال . وقال قتادة: هما بمعنى واحد ومصرفهما واحد وهو قوله تعالى ﴿فأن لله خمسه﴾. اختلاف أهل التأويل في ذلك فقال بعضهم قوله: ﴿فأن لله خُمسه﴾ مفتاح الكلام. ولله الدنيا والآخرة فإنّما معنى الكلام: فأنّ للرسول خُمسه وهو قول الحسن وقتادة وعطاء، فإنّهم جعلوا سهم الله وسهم الرسول واحداً، وهي رواية الضحاك عن ابن عباس. قالوا: كانت الغنيمة تقسم خمسة أخماس فأربعة أخماس لمن قاتل عليها، وقسّم الخمس الباقي على خمسة أخماس: خمس للنبيّ وَّر كان له ويصنع فيه ما شاء وسهم لذوي القربى، وخمس اليتامى وخمس للمساكين وخُمس لابن السبيل. فسهم رسول الله وَّ خمس الخمس. وقال بعضهم: معنى قوله: (فأن لله) فإن لبيت الله خمسه. وهو قول الربيع وأبي العالية قالا: كان يجاء بالغنيمة فيقسمها رسول الله ( خمسة أسهم، فجعل أربعة لمن شهد القتال ويعزل أسهماً [فيضرب يده] في جميع ذلك فما قبض من شيء جعله للكعبة وهو الذي سُميّ لله ثمّ يقسّم ما بقي على خمسة أسهم: سهم للنبيّ وَّة، وسهم لذي القربى، وسهم اليتامى، وسهم للمساكين، وخمس لابن السبيل، وسهم رسول الله ث﴾ خمس الخمس. ٣٥٨ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي وقال ابن عباس: سهم الله وسهم رسوله جميعاً لذوي القربى وليس لله ولا لرسوله منه شيء . وكانت الغنيمة تُقسّم على خمسة أخماس فأربعة منها لمن قاتل عليها وخمس واحد تقسّم على أربعة، فربع لله والرسول ولذي القربى. فما كان لله والرسول فهو لقرابة النبيّ وَّ، ولم يأخذ النبيّ من الخمس شيئاً. والربع الثاني لليتامى، والربع الثالث للمساكين، والربع الرابع لابن السبيل . وأمّا قوله (ولذي القربي) فهم رسول الله والله لا يحل لهم الصدقة فجعل لهم خمس الخمس مكان الصدقة واختلفوا فيهم. فقال مجاهد وعليّ بن الحسين وعبد الله بن الحسن: هم بنو هاشم. وقال الشافعي: هم بنو هاشم وبنو عبد المطلب خاصّة. واحتج في ذلك بما روى الزهري عن سعيد بن جبير بن مطعم قال: لما قسم رسول الله وَّل سهم لذوي القربى من خيبر على بني هاشم والمطلب مشيت أنا وعثمان بن عفان فقلنا: يا رسول الله هؤلاء إخوانك بنو هاشم لا تنكر فضلهم مكانك الذي حملك الله منهم أرأيت إخواننا بني المطلب أعطيتهم وتركتنا، وإنّما نحن وهم بمنزلة واحدة، فقال ◌َّ: ((إنّهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام. إنّما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد)) ثمّ أمسك رسول الله وَ ل﴾ إحدى يديه بالأُخرى [٢٣٣](١). وقال بعضهم: هم قريش كلّها . كتب نجدة الى ابن عباس وسأله عن ذوي القربى فكتب إليه ابن عباس: قد كنا نقول: إنا هم، فأبى ذلك علينا قومنا وقالوا: قريش كلّها ذو قربى(٢). واختلفوا في حكم النبيّ وَّر وسهم ذي القربى بعد رسول الله وَلـ فكان ابن عباس والحسن يجعلانه في الخيل والسلاح، والعدّة في سبيل الله ومعونة الإسلام وأهله. وروى الأعمش عن إبراهيم. قال: كان أبو بكر رضي الله عنه وعمر يجعلان سهم النبيّ ◌َّر في الكراع والسلاح، فقلت لإبراهيم: ما كان لعليّ رضي الله عنه قول فيه. قال: كان أشدهم فيه . قال الزهري: إنّ فاطمة والعباس أتيا أبا بكر الصديق يطلبان ميراثهم من فدك وخيبر. فقال (١) مسند أحمد: ٤ / ٨١. (٢) الأُم للشافعي: ٤ / ١٦٠، والمصنف لابن أبي شيبة: ٧ / ٧٠٠. ٣٥٩ سورة الأنفال، الآيات: ٤١ - ٤٤ لهم أبو بكر - رضي الله عنه -: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركنا صدقة)) فانصرفا(١) [٢٣٤]. (٢). (١) مسند أحمد: ١ / ٤، وليس فيه فانصرفا . (٢) قال ابن طاووس في الطرائف: ومن الطرائف العجيبة ما تجدّدت على فاطمة (عليها السلام) بنت محمّد (صلى الله عليه وآله) نبيّهم من الأذى والظلم وكسر حرمتها وحرمة أبيها والاستخفاف بتعظيمه لها وتزكيتها، كما تقدّمت رواياتهم عنه في حقّها من الشهادة بطهارتها وجلالتها وشرفها على سائر النسوان وأنّها سيّدة نساء أهل الجنّة. فذكر أصحاب التواريخ في ذلك رسالة طويلة تتضمّن صورة الحال أمر المأمون الخليفة العباسي بإنشائها وقراءتها في موسم الحج. وقد ذكرها صاحب التاريخ المعروف بالعبّاسي وأشار الروحي الفقيه صاحب التاريخ إلى ذلك في حوادث سنة ثماني عشرة ومائتين جملتها : أن جماعة من ولد الحسن والحسين (عليهما السلام) رفعوا قصة إلى المأمون الخليفة العباسي من بني العبّاس يذكرون أن فدك والعوالي كانت لأمّهم فاطمة بنت محمّد (صلى الله عليه وآله) نبيّهم، وان أبا بكر أخرج يدها عنها بغير حق، وسألوا المأمون انصافهم وكشف ظلامتهم، فأحضر المأمون مائتي رجل من علماء الحجاز والعراق وغيرهم وهو يؤكّد عليهم في أداء الأمانة واتباع الصدق، وعرفهم ما ذكره ورثة فاطمة في قضيتهم وسألهم عمّا عندهم من الحديث الصحيح في ذلك. فروى غير واحد منهم عن بشير بن الوليد والواقدي وبشر بن عتاب في أحاديث يرفعونها إلى محمّد (صلى الله عليه وآله) نبيّهم لما فتح خيبر اصطفى لنفسه قرى من قرى اليهود، فنزل عليه جبرائيل (عليه السلام) بهذه الآية (وآت ذا القربى حقّه) (الاسراء: ٢٦.). فقال محمّد (صلى الله عليه وآله): ومَنْ ذو القربى وما حقّه ؟ قال: فاطمة (عليها السلام) تدفع إليها فدك، فدفع إليها فدك. ثم أعطاها العوالي بعد ذلك، فاستغلتها حتى توفي أبوها محمّد (صلى الله عليه وآله) فلمّا بويع أبو بكر منعها أبو بكر منها، فكلّمته فاطمة (عليها السلام) في ردّ فدك والعوالي عليها وقالت له: انها لي وان أبي دفعها إليّ. فقال أبو بكر: ولا أمنعك ما دفع إليك أبوك. فأراد أن يكتب لها كتاباً فاستوقفه عمر بن الخطاب وقال: إنها امرأة فادعها بالبيّنة على ما ادّعت، فأمر أبو بكر أن تفعل، فجاءت بأمّ أيمن وأسماء بنت عميس مع علي بن أبي طالب (عليه السلام) فشَهدوا لها جميعاً بذلك، فكتب لها أبو بكر، فبلغ ذلك عمر فأتاه فأخبره أبو بكر الخبر، فأخذ الصحيفة فمحاها (ذكره في السيرة الحلبية: ٣ / ٣٦٢ ط. بيروت المكتبة الاسلامية ومصر ١٣٢٠ هـ نعم بلفظ: شق عمر الكتاب) فقال: إن فاطمة امرأة وعلي بن أبي طالب زوجها وهو جار إلى نفسه ولا يكون بشهادة امرأتين دون رجل. فأرسل أبو بكر إلى فاطمة (عليها السلام) فأعلمها بذلك، فحلفت بالله الذي لا إله إلاّ هو أنّهم ما شهدوا إلاّ بالحق . فقال أبو بكر: فلعل أن تكوني صادقة ولكن احضري شاهداً لا يجر إلى نفسه. فقالت فاطمة: ألم تسمعا من أبي رسول الله (صلى الله عليه وآله) قول: أسماء بنت عميس وأم أيمن من أهل الجنّة ؟ فقالا: بلى. فقالت: امرأتان من الجنة تشهدان بباطل! فانصرفت صارخة تنادي أباها وتقول: قد أخبرني أبي بأنّي أوّل من يلحق به، فوالله لأشكونهما، فلم تلبث أن مرضت فأوصت علياً أن لا يصلّيا عليها وهجرتهما فلم تكلّمهما حتى ماتت، فدفنها علي (عليه السلام) والعباس ليلاً. = ٣٦٠ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي وقال قتادة: كان سهم ذي القربى طعمة لرسول الله وَله ما كان حيّاً. فلمّا توفي جعل لولي الأمر بعده . فدفع المأمون الجماعة عن مجلسه ذلك اليوم، ثم أحضر في اليوم الآخر ألف رجل من أهل الفقه والعلم وشرح = لهم الحال وأمرهم بتقوى الله ومراقبته، فتناظروا واستظهروا ثم افترقوا فرقتين، فقالت طائفة منهم: الزوج عندنا جار إلى نفسه فلا شهادة له، ولكنّا نرى يمين فاطمة قد أوجبت لها ما ادعت مع شهادة الامرأتين، وقالت طائفة: نرى اليمين مع الشهادة لا توجب حكماً ولكن شهادة الزوج عندنا جائزة ولا نراه جاراً إلى نفسه، فقد وجب بشهادته مع شهادة الامرأتين لفاطمة (عليها السلام) ما ادعت، فكان اختلاف الطائفتين إجماعاً منهما على استحقاق فاطمة (عليها السلام) فدك والعوالي. فسألهم المأمون بعد ذلك عن فضائل لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) ، فذكروا منها طرفاً جليلة قد تضمّنه رسالة المأمون، وسألهم عن فاطمة (عليها السلام) فرووا لها عن أبيها فضائل جميلة، وسألهم عن أمّ أيمن وأسماء بنت عميس فرووا عن نبيّهم محمّد (صلى الله عليه وآله)أنّهما من أهل الجنّة، فقال المأمون: أيجوز أن يقال أو يعتقد أن علي بن أبي طالب مع ورعه وزهده يشهد لفاطمة بغير حق ؟ وقد شهد الله تعالى ورسوله بهذه الفضائل له، أو يجوز مع علمه وفضله أن يقال إنه يمشي في شهادة وهو يجهل الحكم فيها ؟ وهل يجوز أن يقال إن فاطمة مع طهارتها وعصمتها وانها سيّدة نساء العالمين وسيّدة نساء أهل الجنّة كما رويتم تطلب شيئاً ليس لها، تَظْلُمُ فيه جميع المسلمين وتقسم عليه بالله الذي لا إله إلاّ هو ؟ أو يجوز أن يقال عن أمّ أيمن وأسماء بنت عميس انّهما شهدتا بالزور وهما من أهل الجنّة ؟ إن الطعن على فاطمة وشهودها طعن على كتاب الله وإلحاد في دين الله، حاشا الله أن يكون ذلك كذلك. ثم عارضهم المأمون بحديث رووه أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) أقام منادياً بعد وفاة محمّد (صلى الله عليه وآله) نبيّهم ينادي: من كان له على رسول الله (صلى الله عليه وآله) دين أو عدة فليحضر، فحضر جماعة فأعطاهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) ما ذكروه بغير بيّنة، وان أبا بكر أمر منادياً ينادي بمثل ذلك فحضر جرير بن عبد الله وادّعى على نبيّهم عدّة فأعطاها أبو بكر بغير بيّنة، وحضر جابر بن عبد الله وذكر أن نبيّهم وعده أن يحثو له ثلاث حثوات من مال البحرين، فلما قدم مال البحرين بعد وفاة نبيّهم أعطاه أبو بكر الثلاث الحثوات بدعواه بغير بيّنة . (قال عبد المحمود): وقد ذكر الحميدي هذا الحديث في الجمع بين الصحيحين في الحديث التاسع من أفراد مسلم من مسند جابر وان جابراً قال: فعددتها فإذا هي خمسمائة فقال أبو بكر خذ مثليها (راجع صحيح مسلم: ٤ / ١٨٠٧ كتاب الفضائل ح ٤٢٧٨، وفتح الباري بشرح البخاري: ٤ / ٥٩٨ ح ٢٢٩٦ كتاب الكفالة باب من تكفل عن يتيم). قال رواة رسالة المأمون: فتعجّب المأمون من ذلك وقال: أما كانت فاطمة وشهودها يجرون مجرى جرير بن عبد الله وجابر بن عبد الله، ثم تقدّم بسطر الرسالة المشار إليها وأمر أن تقرأ بالموسم على رؤوس الاشهاد، وجعل فدك والعوالي في يد محمد بن يحيى بن الحسين بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) يعمرها ويستغلها ويقسم دخلها بين ورثة فاطمة بنت محمّد (صلى الله عليه وآله) نبيّهم. انتهى. (ذكر بعض هذه الامور المسعودي في مروج الذهب: ٢ / ٤٠٢ ط. مصر و٤ / ٥١ ط. بيروت، والسقيفة وفدك: ١٠٣ .١٤٦، وشرح النهج لابن أبي الحديد: ١ / ٥٦ شرح الخطبة ٢٦ و١٦ / ٢١٠ إلى ٢٨٦، وسيرة ابن هشام: ٣ / ٣٠١، وبلاغات النساء: ٣٠.٢٨.٢٦: وتاريخ الذهبي: ٣ / ٢١، وكنز العمال: ٥ / ٥٨٥ و٦٣٦ ح ١٤٠٤٠ و١٤١٠١ و١٤٠٤٥ و١٤١٢٠ و١٤٠٩٧).