النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
سورة الأعراف، الآيات: ١٧٢ - ١٧٩
سمعت أبا القاسم الحبيبي قال: سمعت أبا بكر محمد بن عبد [ .... ](١) يقول فيه تقديم
وتأخير أي: يأخذون هذا العرض الأدنى ﴿ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله
إلّ الحق ودرسوا ما فيه﴾ وقرأوا ما فيه، وقرأ السلمي: ادّارسوا أي تدارسوا مثل إذا زكّوا أي
قارأ بعضهم بعضاً .
﴿والدار الآخرة خيرٌ للذين يتقون﴾ الشرك والحرام ﴿أفلا تعقلون﴾ بالياء قرأ أكثر القراء
على الخبر.
وقرأ الحسن وابن الأشهب بالتاء على الخطاب ﴿والذين يمسكون الكتاب﴾ قرأ عمر بن
الخطاب وأبو العالية وعاصم ورواية أبي بكر بسكون خفيفة. وقرأ الباقون بسكون التشديد.
قال أبو عبيد وأبو حاتم: لأنه يقال تمسكت بالشيء ولا يقال أمسكت بالشيء: إنما يقال
أمسكته ويدل عليه قراءة أبي بن كعب (والذين مسكوا الكتاب) على الماضي وهو جيد لقوله:
(وأقاموا الصلاة) إذ قال ما يعطف (من) على مستقبل إلاّ في المعنى.
وقرأ الأعمش: (والذين استمسكوا بالكتاب) ومعنى الآية: وأن يعملوا بما في كتاب الله
قال مجاهد وابن زيد: هم من اليهود والنصارى الذين يمسكون بالكتاب الذي جاء به موسى فلا
يحرفونه ولا يكتمونه أحلّوا حلاله وحرموا حرامه ولم يتخذوه [ما كُلُّهُ نَزَل] في عبد الله بن سلام
وأصحابه، وقال عطاء: فيهم أنّه محمد رَّ ﴿وأقاموا الصلاة إنّا لا نُضيع أجر المُصلحين﴾.
٦
﴿وإذ نتقنا الجبل فوقهم﴾ أي قلعنا الجبل.
قال مجاهد: كما ينتق الزبد (٢). وقال المؤرخ: قطعنا.
وقال أبو عبيدة: زعزعنا. وقال الفراء: خلقنا. وقال بعضهم رفعناه. واحتج بقول
العجاج :
ينتقن أقتاد الشليل نتقاً(٣)
يعني يرفعه عن ظهره.
وقال آخر:
ونتّقوا أحلامنا الأثاقلا(٤)
وقال بعضهم: أصل النتق والنتوق أن يقلع الشيء من موضعه فيرمى. قال أبان بن تغلب:
(١) كلمة غير مقروءة.
(٢) في تفسير القرطبي (١ / ٤٣٦): وقال القتيبي: أخذ ذلك من نتق السقاء وهو نفضه حتى تقتلع الزبدة منه.
(٤) تفسير الطبري: ٩ / ١٤٧.
(٣) تفسير الطبري: ٩ / ١٤٧.

٣٠٢
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
سمعت رجلاً من العرب يقول لغلامه: فخذ الحجر ألقه فانتقه أي نكسه وانثره.
ويقال للمرأة الكثيرة الولد: ناتق ومنتاق لأنها ترمي [صدرها] رمياً قال النابغة:
لم يحرموا حسن الغذاء وأُمهم
حقت عليك بناتق مذكار (١)
وقال بعضهم: هو من التحريك فقال: ينتفي السير أي حَرَكني، يقال: ينتق برجله ويركض
إذا حركت رجله على الدابة حين تعدو به. ﴿كأنّه ظّة﴾ الظلة ما أظلك ﴿وظنوا أنّه واقع بهم﴾
نازل بهم ﴿خذوا﴾ أي قلنا خذوا ﴿ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه﴾ فاعملوا به ﴿لعلكم تتقون)
وذلك حين أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة ويعملوا بها لتغليظها وكانت شريعة ثقيلة فرفع الله عز
وجل جبلاً على رؤوسهم مقدار عسكرهم وكان فرسخاً في فرسخ.
وقيل لهم: إن قبلتموها بما فيها ليقعن عليكم. قال الحسن البصري: فلما نظروا للجبل
خرَّ كل رجل ساجداً على حاجبه الأيسر ونظر بعينه اليمنى على الجبل خوفاً من أن يسقط عليهم
فلذلك ليس اليوم في الأرض يهودي يسجد إلاّ على حاجبه الأيسر، يقولون: هذه السجدة التي
رفعت عنا بها العقوبة .
نشر موسى الألواح فيها كتاب الله كتب بيده لم يبقَ على وجه الأرض جبل، ولا بحر ولا
حجر إلاّ اهتزّ فليس اليوم يهودي على الأرض صغير ولا كبير يقرأ عليه التوراة إلاّ اهتزّ وتعفّر لها
رأسه.
وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَّبِيِّ ءَآدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيََّهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِيِّكُمْ قَالُوا بِلَى شَهِدَنَاً
أَنِ تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَنْمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِينَ (٧) أَوْ نَقُولُواْ إِنَّ أَشْرِكَ ءَ ابََّؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ
وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْأَيَتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) وَآَتّلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِىّ
١٧٣
بَعْدِهِمْ أَهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ اَلْمُبْطِلُونَ
ءَاتََّهُ مَايَدِنَا فَأَنْسَلَغَ مِنْهَا فَتْبَعَهُ الشَّيْطَِنُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (gَ) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعَنَّهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ:
أَخْلَ إِلَى الْأَرْضِ وَتَّبَعَ هَوَنَّهُ فَثَلُ كَعَثَلِ الْكَلَّبِ إِن تُحَمِلْ عَلَيْهِ بَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكُهُ يَلْهَتْ ذَلِكَ
مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِنَّايَلِنَا فَأَنْصُصِ اَلْقَصَصَّ لَعَلَّهُمْ يَتَفَّكَّرُونَ ﴿١٧) سَآَ مَثَلًا أَلْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ
بَِايَلْنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ (١٧) مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ اَلْمُهْتَدِىّ وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَبَّكَ هُمُ الْخَسِرُونَ
وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِّ لَهُمْ تُلُوبٌ لَّا يَفْعَهُونَ بِهَا وَهُمَّ أَعْيُنٌّ لَّا يُصِرُونَ بِهَا وَهُمْ مَاذَانٌ
١٧٩
لَا يَسْبَعُونَ بِهَاْ أُوْلَ كَلَِّ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَكَ هُمُ الْقَفِلُونَ.
﴿وإذ أخذ ربُّك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم﴾.
(١) تاج العروس: ٧ / ٧٥.

٣٠٣
سورة الأعراف، الآيات: ١٧٢ - ١٧٩
قال المفسّرون: لمّا خلق الله عزّ وجلّ آدم مسح ظهره وأخرج منه ذريته كلهم وهي الذرية
واختلفوا في موضع الميثاق.
فقال ابن عباس: يسكن نعمان واد إلى جنب عرفة، وروي فيه أيضاً أنّ ذلك [برهبا] أرض
بالهند وهو الموضع الذي أهبط الله فيه آدم ◌َليم (١).
وقال الكلبي: بين مكّة والطائف. وقال السدي: أخرج الله آدم من الجنّة ولم يهبط من
السماء ثمّ مسح ظهره وأخرج ذريته. قالوا: فأخرج من صفحة ظهره اليسرى ذرية سوداء فقال
لهم: ادخلوا النار ولا أبالي فذلك حين يقول أصحاب اليمين وأصحاب الشمال. وأصحاب
المنامة .
وقال لهم: جميعاً أعلموا أن لا إله غيري وأنا ربكم لا رب لكم غيري فلا تشركوا بي شيئاً
فإنّي مرسل إليكم رجالاً يذكرونكم بعهدي وميثاقي ومنزل عليكم كتباً فتكلّموا وقالوا: شهدنا
بأنك ربنا وإلهنا ولا رب لنا غيرك، فأقرّوا يومئذ كلهم طائفة طائعين. وطائفة على وجه التقدير
تقيّة، فأخذوا بذلك مواثيقهم وسُمّيت آجالهم وأرزاقهم وحسابهم فنظر إليهم آدم، ورأى منهم
الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك، فقال: رب لولا سويت بينهم، فقال: إنّي [أحببت أن]
أشكر(٢).
قالوا: وفيهم الأنبياء يومئذ أمثال السرج فرأى آدم نوراً ساطعاً فقال: من هذا؟ فقال: هذا
داود نبي من ذريتك قال: كم عمره؟ قال: ستّون سنة قال: رب زده.
قال: جرى القلم بآجال بني آدم، قال: رب زده من عمري أربعين سنة، فأثبت الداود
أربعين وكان عمر آدم ألف سنة، فلما استكمل آدم تسعمائة وستين سنة جاء ملك الموت، فلما
رآه آدم قال: مالك؟ قال: استوفيت أجلك، قال له آدم: بقي من عمري أربعون سنة، قال: أليس
قد وهبتها لداود؟ قال: لا فجحد آدم، فجحدت ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته، وخطأ فخطئت
ذريته، فرجع الملك إلى ربه فقال: إن آدم يدعي أنه بقي من عمره أربعون سنة، قال: أخبر آدم
أنه وهبها لابنه داود (عليه السلام) والأقلام بطيئة فأثبتت لداود، فلما قررهم بتوحيده وآثر بعضهم
على بعض أعادهم إلى صلبه فلا تقوم الساعة حتّى يولد كل من أخذ ميثاقه ولا يزداد فيهم ولا
ينقص عنهم، فذلك قوله تعالى ﴿وإذ أخذ ربّك من بني آدم﴾ ونظم الآية: وإذا أخذ ربّك من
ظهر بني آدم ذريتهم، ولم يذكر أمر آدم فإنما أعرجوا يوم الميثاق في ظهره، لأن الله عزّ وجلّ
أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء، فاستغنى عن ذكر
(١) تفسير القرطبي: ٧ / ٣١٦، وراجع الدر المنثور: ١ / ٥٥.
(٢) راجع تاريخ دمشق: ٧ / ٣٩٨.

٣٠٤
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
ظهر آدم بقوله (من بني آدم) فلما علم أنهم كلهم بنوه و[خرجوا] من ظهره ترك ذكر ظهر آدم وذكر
ظهور بنيه .
وقوله: ﴿ذرّياتهم﴾ قرأ أهل مكة والكوفة: ذريتهم بغير ألف على الواحد، وقرأ الباقون
على الجمع بالألف ﴿وأشهدهم على أنفسهم﴾ وقال لهم ﴿ألستُ بربكم﴾ سؤال تقرير ﴿قالوا)
جميعاً ﴿بلى﴾ أنت ربّنا ﴿شهِدنا أن تقولوا﴾ قرأ ابن عباس وابن محيصن وأبو عمرو: (يقولوا)
بالباء، والباقون بالتاء كقوله: ﴿ألست بربكم﴾، واختلفوا في قوله: (شهدنا) فقال السدي: خبر
من قوله تعالى عن نفسه وعن ملائكته أنهم شهدوا على إقرار بني آدم، وقال الآخرون: بل ذلك
على إقرار بني آدم حين أشهد بعضهم على بعض أن يقولوا يعني أن لا يقولوا ﴿يوم القيامة إنا كنا
عن هذا﴾ الميثاق والإقرار ﴿غافلين * أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذريةً من بعدهم﴾
فاتبعناهم ﴿أفتهلكنا بما فعل المبطلون﴾ يعني المشركين وإنما اقتدينا بهم وكنا في غفلة عن
التوحيد ﴿وكذلك نفصل الآيات﴾ لقومك يامحمد ﴿ولعلهم يرجعون﴾ عن كفرهم ﴿واتلُ عليهم
نبأ الذي آتيناه آياتنا﴾ اختلفوا فيه.
فقال عبد الله بن مسعود: هو بلعم بن ابرة. وقال ابن عباس: هو بلعم بن باعورة. وقال
مجاهد: هو بلعام بن باعر. وقال مقاتل: هو بلعام بن باعور بن ماث بن لوط. عطية عن ابن
عباس: هو من بني إسرائيل.
وقال عليّ بن أبي طلحة: هو من الكنعانيين من مدينة الجبارين، وقال مقاتل: هو من
مدينة بلقا، وسميت بلقا لأن ملكها كان رجلاً يقال له: بالق وكانت وصيته على ما ذكره ابن
عباس وابن إسحاق والسدي وغيرهم: إن موسى (عليه السلام) لما قصد حرب الجبارين ونزل
أرض بني كنعان من أرض الشام أتي قوم بلعم إلى بلعم وكان عنده اسم الله الأعظم.
فقالوا: إن موسى رجل شديد ومعه جنود كثيرة وإنّه قد جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا
ويحلها بني إسرائيل وأنا قومك وبنو عمك وليس لنا قول وأنت رجل مجاب الدعوة فأخرج وادع
الله تعالى أن يرد عنا موسى وقومه فقال: ويلكم نبي الله معه الملائكة والمؤمنون كيف أدعو
عليهم وأنا أعلم من الله ما أعلم وإني إن فعلت هذا ذهبت دنياي وآخرتي. وقالوا ما لنا من
[نزل] وراجعوه في ذلك قال: حتى أُءامر ربّي، وكان لا يدعو حتّى ينظر ما يؤمر في المنام
فيأمرني الدعاء عليهم.
فقيل له في المنام: لا تدع عليهم، فقال لقومه: إني قد أُمرت ربّي في الدعاء عليهم وإنّي
قد نُهيت، فهدوا له هدية، فقبلها ثمّ راجعوه وقالوا: أدع عليهم، فقال: حتّى أؤمر فلما أُمّر لم
يجيء إليه شيء، فقال: قد أُمّرت فلم يجيء إليّ شيء، فقالوا: لو كره ربّك أن تدعو عليهم
لنهاك كما نهاك في المرة الأولى. فلم يزالوا به [يروقونه] ويتضرعون إليه حتّى فتنوه فافتن فركب
[أتاناً] له متوجهاً إلى جبل يطلعه على عسكر بني إسرائيل يقال له جسبان.

٣٠٥
سورة الأعراف، الآيات: ١٧٢ - ١٧٩
فلما سار عليها غير كثير ربضت به فنزل عنها فضربها حتّى إذا أذاقها قامت فركبها فلم تسر
به كثيراً حتّى ربضت، ففعل بها مثل ذلك فقامت فركبها فلم تسر به كثيراً حتّى ربضت فضربها
حتّى إذا أذاقها أذن الله لها بالكلام فتكلمت حجة عليه فقالت: ويحك يا بلعم أين تذهب ألا
ترى الملائكة أمامي تردني عن وجهي هذا لنذهب إلى نبي الله والمؤمنين تدعو عليهم، فلم ينزع
عنها فخلّى الله سبيلها فانطلقت حتّى إذا أشرقت به على جبل حسبان جعل يدعو عليهم فلا يدعو
عليهم بشيء إلاّ صرف به لسانه إلى قومه ولا يدعو لقومه بخير إلّ صرف مسألته إلى بني
إسرائيل .
فقال له قومه: أتدري يابلعم ما تصنع إنما تدعو لهم وتدعو علينا، قال: فهذا ما لا أملك
هذا شيء قد غلب الله عليه واندلع لسانه فوقع على صدره فقال لهم: قد ذهبت الآن مني الدنيا
والآخرة، فلم يبقَ إلاّ المكر والحيلة فسأمكر لكم وأحتال، اجملوا النساء وزينوهن وأعطوهن
السلع ثمّ أرسلوهن إلى العسكر يتعدوا فيه ومروهن فلا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها فإنهم
إن زنا رجل واحد منهم يفتنوهم ففعلوا .
فلمّا دخل النساء العسكر مرَّت امرأة بين الكنعانيين اسمها بشتي بنت صور برجل من
عظماء بني إسرائيل يُقال له زمري بن شلوم رأس سبط شمعون بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم
(عليه السلام) فقام إليها فأخذ بيدها حين أَفْتنه جمالها ثمّ أقبل حتّى وقف على موسى فقال: إني
أظنك ستقول هذه حرام عليك قال: أجل هي حرام عليك لا تقربها قال: فوالله لا نطيعك في
هذا ثمّ دخل بها قبته فوقع عليها فأرسل الله الطاعون على بني إسرائيل في الوقت.
وكان لفنحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمر موسى رجلٌ قد أعطى بسطة في الخلق
وقوة في البطش وكان غائباً حين صنع زمري بن شلوم ما صنع فجاء والطاعون [يمجّس] في بني
إسرائيل وأخبر الخبر فأخذ حريته وكانت من حديد كلّها ثمّ دخل عليه القبة وهما متضاجعان
[فاستقبلها] بحربته ثمّ خرج بهما رافعاً بهما إلى السماء والحربة قد أخذها بذراعه واعتمد بمرفقه
على خاصرته وأسند الحربة إلى لحيته.
وكان [يكره العيزار] وجعل يقول: اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك فرفع الطاعون. فحسب
من هلك من بني إسرائيل في الطاعون فيما بين أن أصاب زمري المرأة إلى أن قتله فنحاص
فوجوده قد هلك منهم سبعون ألفاً في ساعة من نهار، فمن هنالك يعطي بنو إسرائيل ولد فنحاص
كل ذبيحة ذبحوها الفشة والذراع واللحى، لاعتماده بالحربة على خاصرته وأخذه إياها بذراعه
وبإسناده إياها إلى لحيته، والبكر من كل أموالهم وأنفسهم لأنّه كان [بكراً] لعيزار بن هارون وفي
بلعم أنزل الله تعالى: ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا﴾ الآية(١).
(١) بطوله في تفسير الطبري: ٩ / ١٦٩.

٣٠٦
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
وقال مقاتل: إن ملك البلقاء قال لبلعام: أدعُ على موسى، فقال: إنه من أهل ديني لا
أدعو عليه فنصبت خشبة ليصلب فلما رأى ذلك خرج على أتان له ليدعو عليهم، فلما عاين
عسكرهم قامت به الأتان ووقفت فضربها فقالت: لم تضربني إني مأمورة فلا تظلمني وهذه نار
أمامي قد منعتني أن أمشي فرجع وأخبر الملك، فقال: لتدعون عليه أو الأصلبنك فدعا على
موسى بالاسم الأعظم ألا يدخل المدينة فاستجيب له ووقع موسى وبنو إسرائيل في التيه بدعائه
فقال موسى: يارب [بأي] ذنب وقعنا في التيه قال: بدعاء العالم، قال: فكما سمعت دعاءه عليّ
فاسمع دعائي عليه فدعا موسى عليه أن ينزع منه الاسم الأعظم والإيمان فسلخه الله تعالى مما
كان عليه ونزع منه المعرفة فخرجت من صدره كحمامة بيضاء فذلك قوله تعالى ﴿فانسلخ منها﴾
فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية.
وقال عبد الله بن عمر بن العاص وسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وأبو روق: نزلت هذه
الآية في أُميّة بن أبي الصلت الثقفي وكانت قصّته أنّه كان في ابتداء [أمره] قرأ الكتب وعلم أن
الله تعالى مرسل رسولاً في ذلك الوقت ورجا أن يكون هو ذلك الرسول(١).
فلما أرسل محمد (عليه السلام) حسده وكان قصد بعض الملوك فلما رجع مرَّ على قتلى
بدر فسأل عنهم فقيل قتلهم محمد فقال: لو كان نبياً ما قتل أقرباءه. فلمّا مات أميّة أتت أخته
فارعة رسول الله سر فسألها رسول الله وَل﴾ عن وفاة أخيها فقالت: بينا هو قد [أتانا فنام على
سريري فأقبل طائران] ونزلا فقعد أحدهما عند رجله والآخر عند رأسه فقال الذي عند رجله
للذي عند رأسه: أَدُعي؟ قال: دُعي، قال: أزّي؟ قال: أبى، قالت: فسألته عن ذلك. قال:
خيراً زيدي، فصرف عني ثمّ غشي عليه فلما أفاق قال:
صائر أمره إلى أن يزولا
كل عيش وإن تطاول دهراً
في قلال الحبال أرعى الوعولا
ليتني كنت قبل ما بدالي
شاب فيه الصغير نوماً ثقيلاً
يوم الحساب يوم عظيم
ثمّ قال لها رسول الله ◌َ﴾ أنشديني شعر أخيك. فأنشدته:
ولا شيء أعلى منك جداً وأمجد
لك الحمد والنعماء والفضل ربنا
لعزته تعنو الوجوه وتسجد
مليك على عرش السماء مهيمن
وهي قصيدة طويلة حتّى أتت على آخرها. وأنشدته قصيدته:
فشقـى مـعـذب وسعيد
وقف الناس للحساب جميعاً
ثمّ أنشدته قصيدته التي فيها
(١) زاد المسير: ٣ / ١٩٥.

٣٠٧
سورة الأعراف، الآيات: ١٧٢ - ١٧٩
يعلم الجهر والسرار الخفيا
عند ذي العرش يعرضون عليه
إنّه كان وعده مأتياً
يوم يأتي الرحمن وهو رحيم
يوم يأتيه مثل ما قال فرد
ثم لابد راشداً أو غوياً
أو مهاناً لما اكتسبت شقياً
أو سعيداً سعادة أنا أرجو
سوف ألقى في العذاب قوياً
إن أوءاخذ بما أجرمت فإني
أو تعاقب فلم تعاقب بريّاً
ورب إن تعفو فالمعافاة ظنّي
قال رسول الله وَل﴾: آمن شعره وكفر قلبه.
وأنزل الله عزّ وجلّ: ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا﴾ الآية(١).
ومنهم مَنْ قال: إنها نزلت في البسوس.
وكان رجلاً قد أعطي ثلاث دعوات مستجابات. وكانت له امرأة وكان له منها ولد فقالت
له: اجعل منها دعوة واحدة لي. فقال: لك منها واحدة، فما تريدين؟ فقالت: ادع الله أن
يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل، فدعا لها فجعلت أجمل امرأة في بني إسرائيل. فلما
علمت أنّه ليس فيهم مثلها رغبت عنه فغضب الرجل. ودعا عليها فصارت كلبة نبّاحة فذهبت فيها
دعوتان، فجاء بنوها فقالوا: ليس لنا على هذا قرار دعوت على أمّنا فصارت كلبة نبّاحة والناس
يُعيروننا أدعو الله أن يردها على الحال التي كانت عليها، فدعا الله عزّ وجلّ فعادت كما كانت
فذهبت فيها الدعوات.
وقال سعيد بن المسيب: نزلت في أبي عامر بن النعمان بن صيفي الراهب الذي سمّاه
النبيّ ◌َّ الفاسق.
وكان قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوخ فقدم المدينة وقال للنبيّ ◌َّ ر: ما هذا الذي
جئت به .
قال: ((جئت بالحنفية دين إبراهيم))، فقال: أنا جئتها، فقال النبيّ وَلجر: ((لست عليها
ولكنك أدخلت إبليس فيها)) [١٩٨]، فقال أبو عامر: أمات الله كاذباً منا طريداً وحيداً فخرج إلى
الشام وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا القوّة والسلاح وابنوا إلي مسجداً ثمّ أتى الراهب قيصر
وأتى بجند ليُخرج النبيّ بَّر وأصحابه من المدينة فذلك قوله: ﴿وإرصاداً لمن حارب الله
ورسوله﴾ يعني انتظاراً لمجيئه فمات بالشام طريداً وحيداً .
وقال عبادة بن الصامت: نزلت في قريش أتاهم الله الآيات فانسلخوا منها فلم يقبلوها،
(١) الاصابة: ٨ / ٢٦١ باختصار. وانظر القصة والأبيات في البداية والنهاية: ٢ / ٢٨٥.

٣٠٨
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
فقال الحسن وابن كيسان: نزلت في منافقي أهل الكتاب الذين كانوا يعرفون النبيّ وَّ كما
يعرفون أبناءهم.
وقال عمرو بن دينار: سُئل عكرمة عن هذه الآية فقال: هذا وهذا ليست في خاصة.
وقال قتادة: هذا مثل ضربه الله لمن عرض عليه الهدى فلم يقبله فذلك قوله: ﴿واتلُ
عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا﴾ .
وقال ابن عباس والسدي: هي اسم الله الأعظم. وقال ابن زيد: كان لا يسأل الله شيئاً
إلاّ أعطاه.
وقال ابن عباس في رواية أُخرى: أعظم أنها كتاباً من كتب الله. مجاهد: هو نبي من بني
إسرائيل يقال له بلعم أوتي النبوّة فرشاه قومه على أن يسكت ففعل وتركهم على ما هم عليه(١).
﴿فانسلخ﴾ [خرج] ﴿منها) كما تنسلخ الحيّة من جلدها ﴿فأتبعه الشيطان﴾ أي لحقه
وأدركه ﴿فكان من الغاوين ولو شئتا لرفعناه بها﴾ أي فضلناه وشرفناه ورفعنا منزلته بالآيات.
وقال ابن عباس: رفعناه بها .
وقال مجاهد وعطاء: يعني لرفعنا عنه الكفر بالآيات وعصمناه.
﴿ولكنه أخلد إلى الأرض﴾ قال سعيد بن جبير: ركن الى الأرض. مجاهد: سكن.
مقاتل: رضي بالدنيا. أبو عبيدة: لزمها وأبطأ، والمخلد من الرجال هو الذي يبطئ شيبه ومن
الدواب التي تبقى ثناياه حتّى تخرج رباعيتاه(٢).
قال الزجاج: خلد وأخلد واحد وأجعله من الخلود وهو الدوام والمقام يقال خلد فلان
بالمقام إذا أقام به. ومنه قول زهير
لمن الديار غشيتها بالغرقد
كالوحي في حجر المسيل المخلد (٣)
يعني: المقيم.
وقال مالك بن نويرة:
وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا (٤)
فما نبأ حيّ من قبائل مالك
﴿واتبع هواه﴾ قال الكلبي: يتبع [خسيس] الأمور ويترك معاليها .
(١) زاد المسير: ٣ / ١٩٥.
(٢) تفسير الطبري: ٦ / ١٧١.
(٣) لسان العرب: ٣ / ١٦٤.
(٤) تفسير الطبري: ٦ / ١٧١

٣٠٩
سورة الأعراف، الآيات: ١٧٢ - ١٧٩
وقال أبو روق: اختار الدنيا على الآخرة. وقال ابن زيد: كان هواه مع [القدم] قال
عطاء: أراد الدنيا وأطاع شيطانه، وقال يمان: واتبع هواه أي امرأته لأنّها حملته على الخيانة.
﴿فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث﴾ قال مجاهد: هو مثل الذي يقرأ
الكتاب ولا يعمل به، وقال ابن جريج: الكلب منقطع الفؤاد لا فؤاد له إن تحمل عليه يلهث أو
تتركه يلهث وهو مثل الذي يترك الهدى لا فؤاد له إنما فؤاده منقطع.
وروى معمر عن بعضهم قال: هو الكافر ضال إن وعظته أو لم تعظه.
قال ابن عباس: معناه إن تحمل عليه الحكمة لم يحملها وإن تتركه لم يهتدٍ بخير كالكلب
إن كان [رابضاً] لهث وإن طرد لهث.
وقال الحسن: هو المنافق لا ينيب إلى الحق دعي أو لم يدع وعظ أو لم يوعظ [كالكلب]
يلهث طرد أو ترك، قال عطاء: ينبح إن يحمل عليه وإن لم يحمل، وقال القتيبي: كل شيء
يلهث من إعياء أو عطش إلّ الكلب، فإنّه يلهث في حال الكلال وحال الراحة، وحال الصحة
وحال المرض، وحال [الجوع] وحال العطش فضربه الله مثلاً لمن كذب بآياته.
فقال: إن وعظته فهو ضال وإن تركته فهو ضال كالكلب إن طردته لهث وإن تركته لهث
ونظيره قوله ﴿وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم ادعوتموهم أم أنتم صامتون﴾(١)
﴿ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلّهم يتفكرون﴾ روى محمد بن إسحاق
عن سالم [أبي الخضر] قال: يعني مثل بني إسرائيل أي إن جئتهم بخبر ما كان فيهم ما غاب
عنك (لعلهم يتفكرون).
فيعرفون أنه لم يأت بهذا الخبر عما مضى فيهم إلّ نبي يأتيهم خبر السماء ﴿ساء مثلاً﴾ أي
بئس المثل مثلاً حال من المثل المضمر.
كما قال جرير:
فنعم الزاد زاد أبيك زاداً (٢)
هذا إذا جعلت (ساء) من فعل المثل ورفعت القوم بدلاً من الضمير فيه. وإن حولت فعله
إلى القوم ورفعتهم به كان [انتهاء] به على التمييز، يريد سأمثل القوم فلما حولته إليهم خرج المثل
مفسّراًكما يقال: قربه عيناً وضاق ذرعاً، متى ما سقط التنوين عن المميز [المخفض] بالإضافة
دليله قراءة [الجحدري] والأعمش سأمثّل القوم بالاضافة، وقال أبو حاتم: يريد بها (مثلاً) مثل
القوم فحذف مثل .
(١) سورة الأعراف: ١٩٣.
(٢) لسان العرب: ٣ / ١٩٨.

٣١٠
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
وأقام القوم [به أُمّة] فرفعهم كقوله: ﴿واسأل القرية﴾.
﴿وأنفسهم كانوا يظلمون﴾ إلى قوله تعالى ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس﴾
وإنما قال ذلك لنفاد علمه فيهم بأنهم يصيرون إليها بكفرهم بربهم ويُسمّي بعض أهل المعاني هذه
اللام لام [الصيرورة] فيه كقوله: ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً﴾(١). وأنشدوا:
أموالنا لذوي الميراث نجمعها
وقال الآخر:
[ودورنا] لخراب الدهر نبنيها (٢)
فللموت تغدو الوالدات سخالها
كمالخراب الدهر تبنى المساكن(٣)
وروى عبد الله بن عمرو عن النبي ◌ّهر في هذه الآية قال: ((إن الله تعالى كما ذرأ لجهنم
ما ذرأ كان ولد الزنا ممن ذرأ لجهنم)) [١٩٩]، ثمّ وصفهم فقال ﴿لهم قلوب لا يفقهون بها﴾ ولا
يعلمون الخير والهدى ﴿ولهم أعين لا يبصرون بها﴾ طريق الحق والرشاد ﴿ولهم آذانٌ لا
يسمعون بها﴾ مواعظ الله والقرآن فيفكرون ويعتبرون بها فيعرفون بذلك توحيد الله ثمّ يعملون
بتحقيق [النبوّة] فآتينا بهم ثمّ ضرب لهم مثلاً في الجهل والاقتصاد على الشرب والأكل وبعدهم
من موجبات العمل. وقال عز من قائل ﴿أولئك كالأنعام بل هم أضل﴾ لأن الأنعام تعرف ربها
وتذكره ويطيعوه والكافرون لا يعرفون ربهم ولا يطيعونه وفي الخبر: «كل شيء أطوع لله من ابن
آدم)) [٢٠٠](٤).
﴿أُولئك هم الغافلون﴾.
وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْقَ فَادْعُوهُ بِّ وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْسِدُونَ فِىَ أَسْمَدَيِّ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
وَمِنَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ {َ﴾ وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ
﴿يَ) وَأُمَّلِ لَهُمَّ إِنَّ كَيْدِى مَبِينُ ﴿١٨) أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينُ (َ
أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِى مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَّقَ اَللَّهُ مِن شَىْءٍ وَأَنْ عَسَىَ أَنْ يَكُونَ فَّدٍ أَقْرَبَ أَجَلُهُمْ فَبَأَتِّ
حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴿١٨) مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِىَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِ طُغْيَنِهِمْ يَعْمَعُونَ
﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ قال مقاتل: وذلك أن رجلاً دعا الله في صلاته ودعا
الرحمن، فقال رجل من مشركي مكة: أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون رباً واحداً فما
(١) سورة القصص: ٨.
(٢) لسان العرب: ١٢ / ٥٦٢.
(٣) القاموس المحيط: ٤ / ١٧٨.
(٤) المعجم الصغير: ٢ / ٥١.

٣١١
سورة الأعراف، الآيات: ١٨٠ - ١٨٦
بال هذا يدعو ربين اثنين، فأنزل الله ﴿ولله الأسماء الحسنى﴾ وهو تأنيث الأحسن كالكبرى
والأكبر والصغرى والأصغر، والأسماء الحسنى هي الرحمن الرحيم. الملك القدوس السلام
ونحوها .
الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((إن لله تبارك وتعالى تسعة وتسعين
اسماً، مائة غير واحدة، من أحصاها كلّها دخل الجنة)) [٢٠١](١).
﴿وذروا الذين يُلحدون في أسمائه﴾. قال ابن عباس: يكذبون، وقال قتادة: يشركون،
وقال عطاء: ظامئون، زيد بن أسلم: يميلون عن الحق. ابن عباس ومجاهد: هم المشركون.
وإلحادهم في أسماء الله عز وجل أنهم عدلوا بها عمّا هي عليه فسموا بها أوثانهم وزادوا فيها
ونقصوا منها فاشتقوا اللات من الله تعالى والعزّى من العزيز ومنات من المنّان.
وقال أهل المعاني: الإلحاد في أسماء الله تعالى يسميه بما لم يسم به ولا ينطق به كتاب
ولا دعا إليه رسول، وأصل الإلحاد الميل والعدول عن القصد ومنه لحد القبر. فيقال: ألحد
يلحد إلحاداً ولحد يلحد لحداً ولحوداً إذا مال.
وقد قرئ بهما جميعاً فقرأ يحيى بن رئاب والأعمش وحمزة: بفتح الياء والحاء هاهنا وفي
النحل (رحم). وقرأ الباقون: بضم الياء وكسر الحاء وهما لغتان [صحيحتان].
وأمّا الكسائي فإنّه قرأ التي في النحل بفتح الياء والحاء وفي الأعراف (رحم) بالضم وكل
يفرق بين الإلحاد واللحود فيقول: الالحاد العديل عن القصد واللحد واللحود الركون، ويزعم
أن التي في النحل يعني الركون ﴿سيجزون ما كانوا يعملون﴾ في الآخرة ﴿وممن خلقنا أُمة﴾
عصبة ﴿يهدون بالحق وبه يعدلون﴾ قال قتادة وابن جريج: بلغنا أن النبيّ والتر قرأ هذه الآية
فقال: هي أحق بالحق يأخذون ويقضون ويعطون وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها ومن قوم
موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون)) [٢٠٢].
قال الربيع بن أنس: قرأ النبيّ وَلّ هذه الآية فقال: ((إن من أمتي قوماً على الحق حتّى ينزل
عيسى)) (عليه السلام) [٢٠٣](٢).
عن عمير بن هاني قال: سمعت معاوية على هذا المنبر يقول: سمعت النبيّ وَّ قال: لا
يزال من أُمّتي أُمّة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من غالطهم حتّى يأتي أمر الله عزّ
وجلّ، وهم ظاهرون على الناس)) [٢٠٤](٣).
(١) مسند أحمد: ٢ / ٤٩٩.
(٢) تفسير القرطبي: ٧ / ٣٢٩.
(٣) مسند أحمد: ٤ / ١٠١.

٣١٢
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
وقال ابن حيان: هم مؤمنو أهل الكتاب. وقال عطاء: هم المهاجرون والأنصار والتابعون
بإحسان قد سماهم الله تعالى في سورة براءة. وقال الكلبي: هم من جميع الخلق ﴿والذين كذبوا
بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون﴾ قال بعضهم: سنأخذهم بالعذاب، وقال الكلبي: نزّين
لهم أعمالهم فنهلكهم. وقال الضحاك: كلما جددوا لنا معصية جددنا لهم نعمة، وقال الخليل بن
أحمد: سنطوي وإن أعمارهم في اغترار منهم (١).
وقال أبو عبيدة والمؤرخ: الاستدراج أن يأتيه من حيث لا يعلم.
وقال أهل المعاني: الاستدراج أن ندرج إلى الشيء في خفيّة قليلاً قليلاً ولا يباغت ولا
يجاهر. يقال: استدرج فلاناً حتّى تعرف ما صنع أي لا يجاهر ولا يهجم عليه، قال: ولكن
استخرج ما عنده قليلاً قليلاً وأصله من [الدرج] وذلك أن الراقي والنازل يرقى وينزل مرقاة مرقاة
فاستعير [هذا عنه]. ومنه الكتاب إذا طوى شيئاً بعد شيء، ودرج القوم إذا مات بعضهم في دار
بعض، ودرج الصبي إذا قارب من خطاه في المشي ﴿وأُملي لهم﴾ يعني أُمهلهم وأطيل من
الملاواة وهو الدهر، ومنه مليت أي غشت دهراً ﴿إن كيدي متين﴾ أي أخذي قوي مديد قلت:
في المستهزئين، فقتلهم الله في ليلة واحدة ﴿أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنَّة﴾ قتادة: ذكر لنا
أن نبي الله وَّر قام على الصفا ليلاً فجعل يدعو قريشاً فخذاً فخذاً يابني فلان يابني فلان يحذرهم
بأس الله عزّ وجلّ، ووقائعه فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون بات يصوّت حتى الصباح
فأنزل الله ﴿أولم يتفكّروا ما بصاحبهم من جنّة﴾. ما بمحمد من جنون(٢).
﴿إن هو﴾ ما هو ﴿إِلاّ نذير مبين﴾ مخوف ﴿أو لم ينظروا في ملكوت﴾ ملك ﴿السموات
والأرض وما خلق الله﴾ فيهما ﴿من شيء وأن عسى﴾ وهي أن لعلّ ﴿أن يكون قد اقترب
أجلهم﴾ فيهلكوا على الكفر ويصبروا إلى العذاب ﴿فبأي حديث بعده﴾ بعد القرآن ﴿يُؤمنون﴾ ثمّ
بيّن العلّة في إعراضهم عن القرآن وتركهم الإيمان فقال عز من قائل: ﴿من يضلل الله فلا
هادي﴾ فلا مرشد له ﴿ويذرهم﴾ قرأ أبو عمرو وأهل الكوفة بالياء، لأن ذكر الله سبحانه قد مرَّ
من قبل. والباقون بالنون، لأنّه كلام [مستأنف] ومن جزم الراء فهو ممدود على يضلل.
يَسْتَلُونَكَ عَنِ النَّاءَةِ أََّنَ مُرْسَهَا فُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّ لَا يُخَلِّهَا لِوَفِيهَا إِلَّا هُوَ نَّقُلَتْ فِ اُلْتَّمَوَّتِ
وَلْأَرْضِّ لَا تَأْتِكُمْ إِلَّ بَعْنَةٌ يَسْتَلُوَنَّكَ كَأَنَّكَ حَفِىُّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلَّمُهَا عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
﴿ذَ) قُل لَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِ نَفْعًا وَلَا ضَرَّا إِلَّ مَا شَآءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَأَسْتَكْثُّتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا
مَسَّتِىَّ أَلْتُوَهُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
(١) راجع زاد المسير: ٣ / ٢٠٠.
(٢) زاد المسير: ٣ / ٢٠١.

٣١٣
سورة الأعراف، الآيتان: ١٨٧ - ١٨٨
﴿يسألونك عن الساعة﴾ قال ابن عباس: قال [وجيل] بن أبي فشير وسمؤال بن زيد:
وهما من اليهود: يامحمد أخبرنا متى الساعة إن كنت نبياً كما تقول فلنعلم متى هي؟ فأنزل الله
تعالى هذه الآية. وقال قتادة: قالت قريش لمحمد صل﴾: إن بيننا وبينك قرابة فأشر إلينا متى
الساعة فأنزل الله ﴿يسألونك عن الساعة﴾ يعني القيامة ﴿أيان﴾ متى، ومنه قول الراجز:
أما ترى لنجحها إيانا(١)
أيان تقضي حاجتي أيانا
﴿مرساها﴾ قال ابن عباس: ومنتهاها، وقال قتادة: قيامها. وأصل الكلمة الثبات والحبس
﴿قل إنّما علمها عند ربّى﴾ استأثر بعلمها ﴿لا يُجليها إلاّ هو﴾ لا يجليها لا يكشفها ولا
يظهرها .
وقال مجاهد: لا يأتي بها، وقال السدي: [لا يرسلها] لوقتها إلاّ هو (ثقلت في السموات
والأرض﴾ يعني ثقل علمها على أهل السموات والأرض لخفائها فلا يعرفون مجيئها ووقتها فلم
يعلم قيامها مَلَك مقرّب ولا نبي مرسل .
وقال الحسن: يقول إذا جاءت ثقلت على السموات والأرض وأهلها وكبرت وعظمت
وذلك أنها إذا جاءت انشقت السموات وانتثرت النجوم وكورت الشمس وسيرت الجبال. وليس
من الخلق شيء إلاّ ويصيبه ضرر الساعة وثقلها ومشقتها ﴿لا تأتيكم إلّ بغتةً﴾ فجأة على غفلة
منکم .
سعيد عن قتادة قال: إن رسول الله ◌َلو كان يقول ((إن الساعة تهيج الناس والرجل يصلح
حوضه والرجل يسقي ماشيته والرجل يقيم سلعته في السوق ويخفض ميزانه ويرفعه)) [٢٠٥](٢).
وعن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله وَل﴾ ((قال جبرئيل: تقوم الساعة عند ثلاث مواطن:
إذا كثر القول وقلّ العمل وعند قلّة المواشي حتّى يمضي كل رجل ممّا عنده، وإذا قال الناس من
يذكر الله فيها بدعة)) [٢٠٦].
﴿يسألونك كأنك حفيّ عنها﴾ قال أهل التفسير في الآية تقديم وتأخير تقديرها. يسألونك
عنها كأنّك حفي أي [بار فيهم] صديق لهم قريب، قاله ابن عباس وقتادة، وقال مجاهد
والضحاك: كأنّك عالم بها وقد يوضع عن موضع مع الياء ﴿قل علمها عند الله﴾ إلى قوله (نفعاً
وضراً).
فقال ابن عباس: إن أهل مكة قالوا: يامحمد ألا يخبرك بالسعر الرخيص قبل أن يغلا
فتشتريه فتربح فيه، والأرض الذي تريد أن تجذب فترتحل منها إلى ما قد أخصبت فأنزل الله
(١) تفسير الطبري: ٩ / ١٨٤، ولسان العرب: ١٣ /٤.
(٢) تفسير ابن كثير: ٢ / ٢٨٢.

٣١٤
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
تعالى ﴿قل﴾ يامحمد ﴿لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً﴾ أي اجتناب نفع ولا دفع ﴿إلا ما شاء
الله﴾ أي أملكه بتمليكه إياي ﴿ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير﴾ يعني المال وتهيأت
لسنة القحط ما يكفيها ﴿وما مسّني السوء﴾ وما مسّني الله [بسوء].
وقال ابن جريج: ﴿قل لا أملك نفعاً ولا ضراً﴾ يعني الهدى والضلالة ولو كنت أعلم
الغيب متى أموت لاستكثرت من الخير من العمل الصالح وما مسّني السوء.
قال ابن زيد: فاجتنبت ما يكون من الشر وأتقيه. قال بعض أهل المعاني: (لو كنت أعلم
الغيب لاستكثرت من معرفته حتّى لا يخفى عليّ شيء ﴿وما مسني السوء﴾ يعني التكذيب.
وقال مقاتل: هذا متصل بالكلام الأول معناه: لا أقدر أن [أسوق] لنفسي خيراً أو أدفع
عنها شراً حتّى ينزل بي فكيف أعلم وأملك علم الساعة؟ وتمام الكلام قوله: لاستكثرت من
الخير، ثم ابتدأ فقال: (وما مسّني السوء) [يعني الجنون].
وقيل يعني لم يلحقني تكذيب ﴿إن أنا إلاّ نذير وبشير لقوم يؤمنون﴾ يصدقون.
هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِنْ نَّفْسِ وَنِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَاً فَلَمَّا تَغَشِّنَهَا حَمَدَتْ
حَمْلًا خَفِيفَا فَمَرَّتْ بِهِ، فَلَمَّا أَنْقَتِ دَّعَوَاَ للَّهَ رَبَّهُمَا لَبِنْ ءَاتَنَا صَنِحًا لَتَكُونَنَّ مِنَ الشَِّكِرِينَ (وَ) فَلَمَّاً
يَتَهُمَا صَالِحًا جَعَلَاً لَهُ شُرَّكَ فِيمَآ ءَاتَنُهُمَّاً فَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٦) أَيْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُ
يُخْلَقُونَ (١٦) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلََّ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٦) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى أَلْهُدَى لَا يَشَّعُوكُمْ سَوَِّ
عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَِّنُونَ (٢) إِنَّ أَلَّذِينَّ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادُ أَمْثَالُكُمْ فَأَدْعُوهُمْ
فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ (٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَاْ أَمَ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَاْ أَمْ لَهُمْ
أَعْيُنٌ يَبْصِرُونَ بِّ أَمْ لَهُمْ ءَاذَاتٌ يَسْمَعُونَ بِهَاْ فُلِ أَدْعُواْ شُرَّكََّ كُمْ ثُمَّ كِيْدُودٍ فَلَا نُظِرُونٍ
١٩٥)
﴿هو الذي خلقكم من نفس واحدة﴾ يعني آدم (عليه السلام) ﴿وجعل منها زوجها﴾ خلق
منها حواء ﴿ليسكن إليها﴾ يستأنس إليها ويأوي إليها لقضاء حاجته ﴿فلما تغشاها﴾ واقعها
وجامعها ﴿حملت حملاً خفيفاً﴾ وهو ماء الرجل خفيف عليها ﴿فمرّت﴾ أي استمرت ﴿به﴾
وقامت وقعدت ولم تكترث بحملها، يدل عليه قراءة ابن عباس: فاستمرت به .
وقال قتادة: (فمرّت به) أي استبان حملها. وقرأ يحيى بن يعمر (فمرت) خفيفة الراء من
المرية أي: شكّت أحملت أم لا؟ ﴿فلما أثقلت﴾ أي كبر الولد في بطنها وتحرك وصارت ذات
ثقل بحملها كما يقال: أثمر إذا صار ذا ثمر ﴿دعوا الله ربّهما﴾ يعني آدم وحواء ﴿لئن آتيتنا﴾
ياربنا ﴿صالحاً﴾.
قال الحسن: غلاماً ذكراً. وقال الآخرون: بشراً سويّاً مثلنا ﴿لنكونن من الشاكرين﴾ وذلك
أنهما أشفقا أن يكون بهما أو شيئاً سوى آدمي أو غير سوي.

٣١٥
سورة الأعراف، الآيات: ١٨٩ - ١٩٥
قال الكلبي: إن إبليس أتى حواء في صورة رجل لما أثقلت في أول ما حملت فقال: ما
هذا الذي في بطنك قالت: ما أدري، قال: إني أخاف أن يكون بهيمة، فقالت ذلك لآدم، فلم
يزالا في نِعَم من ذلك ثمّ عاد إليها فقال: إني من الله [منزّل] فإن دعوت الله فولدت انساناً
[أتسميّنه فيّ] قالت: نعم، قال: فإنّي أدعو الله فأتاها وقد ولدت فقال: سميه باسمي، فقالت:
وما اسمك؟ قال: الحارث، ولو سمّى نفسه لعرفته فسمته عبد الحارث(١).
وقال سعيد بن جبير: لما هبط آدم وحواء (عليهما السلام) الأرض ألقيت الشهوة في نفس
آدم فأصابها فحملت فلما تحرك ولدها في بطنها جاءها إبليس فقال ما هذا [ماترين] في الأرض
إلّ ناقة أو بقرة أو ضاينة أو [كاجزة] أو نحوها فما يدريك ما في بطنك لعله كلب أو خنزير أو
حمار وما يدريك من أين يخرج أمن دبرك فيقتلك أو أذنك أو عينيك أو فيك أو يشق بطنك
فيقتلك، فخافت حواء من ذلك قال: فأطيعيني وسميه عبد الحرث. وكان اسمه في الملائكة
الحرث، تلدين شبيهكما مثلكما، فذكرت ذلك لأدم فقال: لعلّه صاحبنا الذي قد علمت،
فعاودها إبليس فلم يزل بهما حتّى غرهما فسمّياه عبد الحرث(٢).
قال السدي: ولدت حواء غلاماً فأتاها إبليس فقال سموه بي وإلّ قتلته، قال له آدم: قد
أطعتك فأخرجتني من الجنّة، فأبى أن يطيعه فمات الغلام، فحملت بآخر فلما ولدته قال لهما
مثل ذلك فأبيا أن يطيعاه، فمات الولد، فحملت بآخر فأتاهما وقال لهما: إذ غلبتماني فسمياه
عبد الحرث، وكان اسم إبليس الحرث.
ولم يشعروا به فوالله لا أزال أقتلهم حتّى تسمياه عبد الحرث. كما قتلت الأول والثاني
فسمياه عبد الحرث فعاش.
وقال ابن عباس: كانت حواء تلد لآدم فتسميه عبد الله وعبيد الله وعبد الرحمن ونحو
ذلك فيصيبهم الموت فأتاهما إبليس فقال: إن [وعدتكما] أن يعيش لكما ولد فسمياه عبد الحرث
فولدت ابناً فسمياه عبد الحرث ففيهما أنزل الله عزّ وجلّ ﴿فلما أتاهما صالحاً﴾ أي ولداً بشراً
سوياً حياً آدمياً ﴿جعلا له شركاء﴾.
قرأ ابن عباس وسعيد بن جبير وأبان بن ثعلب وعاصم وعكرمة وأهل المدينة شركاء بكسر
الشين والتنوين أي شركه.
قال أبو عبيدة: أي حظاً ونصيباً من غيره، وقرأ الباقون شركاء مضمومة الشين ممدودة على
جمع شريك أخبر عن الواحد بلفظ الجمع، لقوله تعالى ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد
(١) أُنظر تفسير القرطبي: ٧ / ٣٣٨.
(٢) تحفة الأحوذي: ٨ / ٣٦٧.

٣١٦
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
جمعوا لكم﴾(١) مفرداً، تم الكلام هاهنا ثمّ قال: ﴿فتعالى الله عما يشركون﴾ يعني أهل مكة.
واختلف العلماء في تأويل الشرك المضاف إلى آدم وحواء فقال المفسرون: كان شركاء في
التسمية والصفة لا في العبادة والربوبية.
وقال أهل المعاني: أنهما لم يذهبا إلى أن الحرث ربهما بتسميتهما ولدهما عبد الحرث
لكنهما قصدا إلى أن الحرث سبب نجاة الولد وسلامة أُمّه فسمياه، كما [يُسمى] ربّ المنزل،
وكما يسمي الرجل نفسه عبد ضيفه على جهة الخضوع له لا على أن الضيف ربّه.
كما قال حاتم :
وإنّي لعبد الضيف ما دام ثاوياً وما فيّ إلّ تلك من شيمة العبد(٢)
وقال قوم من أهل العلم: إن هذا راجع إلى المشركين من ذرية آدم وإن معناه جعل
أولادهما له شركاء فحذف الأولاد وأقامهما مقامهم كقوله تعالى ﴿واسأل القرية﴾(٣) وكما
أضاف فعل الآباء إلى الأبناء في تفريقهم بفعل آبائهم، فقال لليهود الذين كانوا في عهد رسول
الله ◌َ﴾: ثمّ اتخذتم العجل من بعده. وقال ﴿وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها﴾. وقال سبحانه:
﴿فلم تقتلون أنبياء الله﴾(٤) ونحوها، ويدل عليه ما روى معمر عن الحسن قال: عني بهذا من
أشرك من ذرية آدم ولم يكن عنى آدم.
وروى قتادة عنه قال: هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولاداً فهودوا ونصّروا.
وقال ابن كيسان: هم الكفار جعلوا لله شركاء عبد العزى وعبد مناة.
وقال عكرمة: لم يخص بها آدم ولكن جعلها عامة لجميع بني آدم من بعد آدم.
قال الحسين بن الفضل: وهذا حجب إلى أهل النظر لما في القول الأول من إلصاق
العظائم بنبي الله آدم (عليه السلام) ويدل عليه جمعه في الخطاب حيث قال: ﴿هو الذي خلقكم
من نفس واحدة﴾، ثمّ قال: ﴿فلما تغشاها﴾ انصرف من ذلك الخطاب إلى الخبر يعني فلما
تغشى الرجل منكم امرأته .
قال الله عزّ وجلّ: ﴿أيشركون﴾ يعني كفار مكة ﴿ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون﴾ يعني
الأصنام.
قال ابن زيد: ولد لآدم ولد فسمياه عبد الله فاتاهما إبليس فقال: ما سميتما ابنكما هذا؟
(١) سورة آل عمران: ١٧٣.
(٢) تاريخ دمشق: ١٦ / ٤٢١.
(٣) سورة يوسف: ٨٢.
(٤) سورة البقرة: ٩١ .

٣١٧
سورة الأعراف، الآيات: ١٩٦ - ٢٠٦
قال: وكان ولد لهما قبل ذلك ولد سمياه عبد الله فمات فقالا: سميناه عبد الله، فقال
إبليس: أتظنان أن الله تارك عبده عندكما لا [والله] ليذهبن كما ذهب الآخر، ولكن أدلكما على
اسم يبقى لكما ما بقيتما فسمياه عبد شمس.
فذلك قوله ﴿أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون﴾. الشمس لا تخلق شيئاً حتّى يكون
لها عبداً إنّما هي مخلوقة قال: وقال رسول الله وَ ل﴾ ((خدعهما مرتين خدعهما في الجنّة
وخدعهما في الأرض)) [٢٠٧](١) .
والذي يؤيد القول الأول قراءة السلمي: أتشركون بالتاء.
﴿ولا يستطيعون لهم نصراً ولا أنفسهم ينصرون وإن تدعوهم إلى الهدى﴾ يعني الأصنام
﴿لا يتبعوكم﴾ لأنها غير عاقلة ﴿سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون﴾ ساكتون ﴿إن الذين
تدعون من دون الله عباد﴾ مخلوقة مملوكة مقدرة مسخرة ﴿أمثالكم﴾ أشباهكم ﴿فادعوهم
فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين﴾ أنّها آلهة.
﴿ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها﴾ يأخذون بها ﴿أم لهم أعين يبصرون بها
أم آذان يسمعون بها قل أدعو شركاءكم﴾ يامعشر المشركين ﴿ثمّ كيدوني﴾ أنتم وهم ﴿فلا
تنظرون﴾ .
وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ، لَا يَسْتَطِيعُونَ
١٩
إِنَّ وَلِيَ اللَّهُ الَّذِى نَزَّلَ الْكِتَبِّ وَهُوَ يَتَوَّلَى الْعَِّلِحِينَ.
نَصْرِكُمْ وَلَّ أَنْفُسَهُمْ يَصُرُونَ (١٧) وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْمُدَى لَا يَسْمَعُواْ وَتَرَنَّهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَّكَ وَهُمْ لَا
يُصِرُونَ (٤٨) خُذِ الْعَفْوَ وَأُمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِينَ (١٦) وَإِنَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطِنِ تَرْعُ
فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَُّ سَمِيعُ عَلِيمٌ ﴿٤) إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْ إِذَا مَنَّهُمْ طَبِفٌ مِنَّ الشَّيْطِنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم
◌ُّصِرُونَ ﴿١٣) وَإِخْوَنُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِ الْغِّيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ ﴿٤﴾ وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم ◌ِثَابِ قَالُواْ لَوْلَا أَجْتَلِنَّهَا
قُلِّ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَّا يُوحَىّ إِلَّ مِن رَّبِىِّ هَذَا بَصَابِرُ مِنْ زَّبِّكُمْ وَهُدَّى وَرَحْمَةٌ لِّقَّوْمٍ يُؤْمِنُونَ (َ وَإِذَا قُرِىءَ
اَلْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنْصِتُوْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢) وَأَذْكُرٍ زَّيََّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةُ وَدُونَ اُلْجَهْرِ
إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْرُونَ عَنْ عِبَادَيِّهِ.
٢٠٥
مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَفِلِينَّ
وَسِّحُوَمُ وَلَّمُ حَسْتُدُونَ ﴾ بـ
﴿إن وليَّ الله الذي﴾ يعني الذي [يحفاني] ويمنعني منكم الله ﴿نزل الكتاب وهو يتولى
الصالحين * والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون * وإن تدعوهم
إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم﴾ يامحمد يعني الأصنام ﴿ينظرون إليك وهم لا يبصرون﴾ وهذا
كما يقول العرب: داري ينظر إلى دارك أي يقابلها .
(١) تفسير الطبري: ٩ / ١١٩.

٣١٨
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
ويقول العرب: إذا أتيت مكان كذا فنظر إليك الحمل فخذ يميناً وشمالاً أي: استقبلك.
وحدث أبو عبيدة عن الكسائي قال: الحائط ينظر إليك إذا كان قريباً منك حيث تراه. ومنه
قول الشاعر:
إذا نظرت بلاد بني تميم بعين أو بلا بني صباح(١)
وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا زكريا العنبري يقول: معناه: وتراهم كأنهم
ينظرون إليك كقوله: ﴿وترى الناس سكارى﴾(٢) أي كأنهم سكارى وإنّما أُخبر عنهم بالهاء
والميم، لأنّها مصوّرة على صورة بني آدم مخبرة عنها بأفعالهم.
﴿خذ العفو﴾ قال مجاهد: يعني العفو من أخلاق الناس وأعمالهم بغير تخميس.
قال ابن الزبير: ما أنزل الله تعالى هذه الآية إلاّ في أخلاق الناس.
وقال ابن عباس والسدي والضحاك والكلبي: يعني ماعفا لك من أموالهم وهو الفضل من
العيال والكل فما أتوك به عفواً فخذه ولا تسألهم ما ذرأ ذلك.
وهذا قبل أن ينزل فريضة الصدقات. ولما نزلت آية الصدقات نسخت هذه الآية وأمر
بأخذها منهم طوعاً وكرهاً ﴿وأمر بالعرف﴾ أي بالمعروف. قرأ عيسى بن عمر: العُرُف ضمتين
مثل الحُلُم وهما لغتان والعرف المعروف والعارفة كل خلصة حميدة فرضتها العقول وتطمئن إليها
النفوس. قال الشاعر:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس(٣)
قال عطاء: وأمر بالعرف يعني لا إله إلاّ الله ﴿وأعرض عن الجاهلين﴾ أبي جهل وأصحابه
نسختها آية السيف. ويقال لما نزلت هذه الآية قال رسول الله وَله لجبرئيل: ((ما هذه؟ قال: لا
أدري حتّى أسأل، ثمّ رجع فقال: يا محمد إن ربّك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من
حرمك، وتعفو عمن ظلمك)) [٢٠٨](٤). فنظم الشاعر فقال:
مكارم الأخلاق في ثلاث
من كملت فيه فذاك الفتى
يقطعه والعفو عمن عليه اعتدى
إعطاء من يحرمه ووصل من
قال جعفر الصادق: ((أمر الله تعالى نبيه ول* بمكارم الأخلاق وليس في القرآن آية أجمع
المكارم الأخلاق من هذه الآية)) [٢٠٩](٥).
(١) جامع البيان للطبري: ٩ / ٢٠٣.
(٣) لسان العرب: ١٤ / ١٤٣، والبيت للحطيئة.
(٤)
جامع البيان للطبري: ٩ / ٢٠٧.
(٥) فتح الباري: ٨ / ٢٣٠.
(٢) سورة الحج: ٢.

٣١٩
سورة الأعراف، الآيات: ١٩٦ - ٢٠٦
قال النبيّ وَل: (رحمهما الله) [٢١٠](١).
وقالت عائشة: مكارم الأخلاق عشرة: صدق الحديث. وصدق البأس في طاعة الله.
وإعطاء السائل. ومكافأة الصنيع. وصلة الرحم. وأداء الأمانة. والتذمم للصاحب. والتذمم
للجار وقرى الضيف ورأسهن الحياء(٢).
أنشدنا أبو القاسم الحسن بن محمد المذكور أنشدنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله
الصفار، أنشدنا ابن أبي [الدنيا] أنشدني أبو جعفر القرشي.
إلاّ الثناء فإنه لك باق
كل الأمور تزول عنك وتنقضي
ما اخترت غير مكارم الأخلاق(٣)
لو أنني خُيّرتُ كل فضيلة
قال عبد الرحمن بن زيد: لما نزلت هذه الآية قال النبيّ ◌َله: «كيف يارب [والغضب]»
[٢١١] فنزل ﴿وأمّا ينزغنّك من الشيطان﴾ يعني يصيبنك ويفتننك ويغرنك ويعرض لك من
الشيطان ﴿نزغ﴾ وأصله الولوع بالفساد والشر.
يقال نزغ عرقه إذا [جُنَّ] وهاج، وفيه لغتان: نزع ونغز، يقال: إياك والنزاغ والنغاز وهم
المورشون (٤).
وقال الزجاج: النزغ أدنى حركة تكون من الإنسان ومن الشيطان أدنى وسوسة، وقال سعيد
ابن المسيب: شهدت عثمان وعلياً وكان بينهما نزغ من الشيطان فما أبقى واحد منهما لصاحبه
شيئاً ثمّ لم يبرحا حتّى استغفر كل واحد منهما لصاحبه(٥) ﴿فاستعذ بالله﴾ فاستجر بالله ﴿إنّه
سميع عليم إن الذين اتقوا﴾ يعني المؤمنين ﴿إذا مسهم﴾ أصابهم ﴿طائف من الشيطان﴾ قرأ
النخعي وابن كثير وأبو عمرو والأعمش وابن يزيد والجحدري وطلحة: طيف، وقرأ الباقون:
طائف، وهما لغتان كالميت والمائت، ومعناهما الشيء الذي [بكم بك](٦) وفرق قوم بينهما(٧).
فقال أبو عمرو: الطائف ما يطوف حول الشيء والطيف اللمة والوسوسة الخطرة. وقال
بعض [المكيين]: الطائف ما طاف به من وسوسة الشيطان والطيف اللحم والمس. ويجوز أن
يكون الطيف مخفّفاً عن طيّف مثل هيّن وليّن. يدل عليه قراءة سعيد بن جبير: طيّف بالتثقيل.
(١) السنن الكبرى للبيهقي: ١٠ / ١٩٢.
(٢) مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا: ٢٧ ح ٣٦.
(٣) مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا ٣٠، وفيه: غير محاسن الأخلاق.
(٤)
التوريش: التحريش.
(٥) تفسير القرطبي: ٧ / ٣٤٧.
(٦) كذا في المخطوط.
(٧) راجع لسان العرب: ٢ / ٩١.

٣٢٠
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
وقال ابن عباس: ﴿إذا مسهم طائف من الشيطان﴾ أي نزغ من الشيطان.
وقال الكلبي: ذنب. وقال مجاهد: هو الغضب.
﴿تذكروا﴾ وتفكروا وعرفوا، وقال أبو روق: ابتهلوا، وفي قراءة عبد الله بن الزبير: إذا
مسهم طائف من الشيطان [فأملوا].
قال سعيد بن جبير: هو الرجل يغضب الغضبة فيذكر الله فيكظم الغيظ، ليث عن مجاهد:
هو الرجل هم بالذنب فيذكر الله فيدعه. وقال السدي: معناه إذا زلوا تابوا. وقال مقاتل: إن
المتقي إذا أصابه نزغ من الشيطان تذكر وعرف أنها معصية فأبصرها ونزغ من مخالفة الله ﴿فإذا
هم مبصرون﴾ ينظرون مواضع خطيئتهم بالتفكر والتدبر [يمرون] فيقصرون، فإنّ المتّقي مَنْ
..... ](١) ويبصر فيقصر، ثم ذكر الكفار فقال ﴿وإخوانهم يمدونهم في الغي﴾ يعني
یشتھی [
إخوان الشيطان وهم الكفار يمدهم الشياطين في الغي حتى يطبلوا لهم ويزيدوهم في الضلالة.
وقرأ أهل المدينة: يمدونهم بضم الياء وكسر الميم وهما لغتان بمعنى واحد. وقرأ
الجحدري بما دونهم على یفاعلونهم.
﴿ثمّ لا يُقصرون﴾ أي لا يشكون ولا ينزغون. وقال ابن زيد: لا يسأمون ولا يفترون.
قال ابن عباس: لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات ولا [الجن ممسك] عنهم.
وقرأ عيسى بن عمر: يَقصُرون بفتح الياء وضم الصاد وقصَر وأقصَر واحد ﴿وإذا لم
تأتهم﴾ يامحمد يعني المشركين ﴿بآية قالوا لولا اجتبيتها﴾ أي هلاّ أقلعتها وأنشأتها من قبل
نفسك واختيارك، قاله قتادة، وقال مجاهد: لولا اقتضيتها وأخرجتها من نفسك.
وقال ابن زيد: لولا يقبلها [لجئت] بها من عندك.
وقال ابن عباس: لولا تلقيتها من عندك، أيضاً لولا حدثتها فأنشأتها. قال العوفي عن ابن
عباس: [فنسيتها وقلتها](٢) من ربّك.
وقال الضحاك: لولا أخذتها أنت فجئت بها من السماء، قال الفراء: تقول العرب:
[جئت] الكلام وأخلقته وارتجلته وانتحلته إذا افتعلته من قبل نفسك.
قال ابن زيد: إنّما يقول العرب ذلك الكلام بتهدئة الرجل ولم يكن قبل ذلك أعده لنفسه
﴿قل﴾ يا محمد ﴿إنّما أتبع ما يُوحى إليّ من ربّي﴾ ثمّ قال ﴿هذا﴾ يعني القرآن ﴿بصائر) حجج
وبيان وبرهان ﴿من ربّكم﴾ واحدتها بصيره. وقال الزجاج: طرق من ربكم، والبصائر طرق(٣)
الدم .
(١) كلمة غير مقروءة.
(٣) جمعها طرائق.
(٢) كذا في المخطوط .