النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
سورة الأعراف، الآيات: ١٤٢ - ١٤٧
وأرحام أمهاتنا لبيك اللهم لبيك إنّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك. قال الله
تعالى: يا أُمة أحمد إن رحمتي سبقت غضبي وعفوي سبق حسابي قد أعطيتكم من قبل أن
تسألوني وقد أجبتكم من قبل أن تدعوني وقد غفرت لكم قبل أن تعصوني. من جاءني يوم القيامة
بشهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً عبدي ورسولي دخل الجنّة ولو كانت ذنوبه أكثر من زبد
البحر. وهذا قوله عزّ وجلّ)) [١٩٦].
﴿وما كنت بجانب الطور * إذ ناديناه وما كنت بجانب الغربي﴾ إلى قوله ﴿الشاهدين﴾ .
قال الثعلبي: وأخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عليّ بن نصير المزكى، أخبرنا أبو
العباس محمد بن إسحاق السراج حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا رشد بن سعيد عن سعيد بن عبد
الرحمن المعافري عن أبيه أن كعب الأحبار رأى حبر اليهود يبكي قال: ما يبكيك؟
قال: ذكرت بعض الأُمور.
فقال له كعب: أنشدك الله لئن أخبرتك ما أبكاك تصدقني؟
قال: نعم .
قال: أنشدك الله تجد في [الكتاب] المنزل أنّ موسى (عليه السلام) نظر في التوراة فقال:
إني أجد أُمة خير أُمم أُخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله
والرسول والكتاب الآخر ويقاتلون أهل الضلالة حتّى يقاتلوا الأعور الدجال، فقال موسى: ربّ
اجعلهم أُمّتي، قال: هم أُمّة محمد يا موسى، قال الحبر: نعم.
قال: أنشدك الله تجد في كتاب الله المنزل أنّ موسى نظر في التوراة فقال: رب إني أجد
أُمةً يأكلون كفاراتهم وصدقاتهم، وكان الأولون يحرقون صدقاتهم بالنار غير أن موسى كان يجمع
صدقات بني إسرائيل فلا يجد عبداً مملوكاً ولا أمةً إلاّ اشتراه ثمّ أعتقه من تلك الصدقات فما
فضل حفر له بئر عميقة القعر فألقاه فيها ثمّ دفنه كيلا يرجعوا فيه، وهم المستجيبون والمستجاب
لهم الشافعون والمشفوع لهم.
قال موسى: اجعلهم أُمّتي؟ قال: هي أُمة أحمد يا موسى. قال الحبر: نعم.
قال كعب: أنشدك الله تجد في كتاب الله المنزل أنّ موسى (عليه السلام) نظر في التوراة،
فقال: إني أجد أُمة إذا أشرف أحدهم على نشر كبر الله وإذا هبط وادياً حمد الله، الصعيد لهم
طهور والأرض لهم مسجد حيث ما كانوا، يتطهرون من الجنابة، طهورهم بالصعيد كطهورهم
بالماء حيث لا يجدون الماء، غير محجلون من آثار الوضوء، فاجعلهم أمتي؟ قال: هي أُمة
أحمد يا موسى، قال الحبر: نعم.
قال كعب: أنشدك الله تجد في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في التوراة فقال: ربٍ إني

٢٨٢
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
أجد أُمةً إذا همَّ أحدهم بحسنة لم يعملها كتبت له حسنة مثلها، وإن عملها ضعف عشر أمثالها
إلى سبعمائة ضعف، فإذا هَمّ بسيئة ولم يعملها لم يكتب عليه وإن عملها كتبت سيئة مثلها .
قال: اجعلهم أُمتي؟ قال: هي أُمة أحمد يا موسى، قال الحبر: نعم.
قال كعب: أنشدك الله تجد في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في التوراة وقال: ربٍ إنّي
أجد أُمّة مرحومة ضعفاء يرثون الكتاب الذين اصطفيناهم، فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد
ومنهم سابق بالخيرات فلا أجد منهم أحداً إلاّ مرحوماً. اجعلهم أُمّتي؟ قال: هي أُمة أحمد يا
موسى، قال الحبر: نعم.
. قال كعب: أنشدك الله تجد في كتاب الله المنزل أنّ موسى نظر في التوراة قال: ربٍ إنّي
أجد في التوراة أمة مصاحفهم في صدورهم يلبسون ألوان ثياب أهل الجنّة، يصفون في صلواتهم
صفوف الملائكة أصواتهم [في مساجدهم] كدوي النحل، لا يدخل النار منهم أحداً أبدٌ إلا من
يرى الحساب مثل ما يرى الحجر من وراء الشجر، قال موسى: فاجعلهم أُمتي؟ قال: هي أمة
أحمد ياموسى. قال الحبر: نعم.
فلما عجب موسى من الخير الذي أعطى الله تبارك وتعالى محمداً وَّلإر قال: يا ليتني من
أصحاب محمد فأوحى الله عزّ وجلّ ثلاث آيات يرضيه بها هي ﴿يا موسى إنّي اصطفيتك على
الناس﴾ الى قوله ﴿دار الفاسقين﴾ ﴿ومن قوم موسى أُمّة يهدون بالحق وبه يعدلون﴾ قال: فرضى
موسى كل الرضا (١).
قوله تعالى ﴿وكتبنا له﴾ يعني لموسى ﴿في الألواح﴾.
قال الربيع بن أنس: كانت ألواح موسى (عليه السلام) من برد (٢)، وقال ابن جريج: كانت
من زمرّد أمر الله تعالى جبرئيل حتّى جاء بها من عدن يكتبها بالقلم الذي كتب به [الذكر فاستمد]
من بحر النور فكتب له الألواح.
وقال الكلبي: كانت الألواح زبرجداً خضراء وياقوتة حمراء كتب الله فيها ثماني عشرة آية
من بني إسرائيل وهي عشر آيات في التوراة. قال وهب: أمره الله تعالى بقطع الألواح من صخرة
صماء ليّنها الله له فقطعها بيده ثمّ شقها بإصابعه وسمع موسى صرير القلم بالكلمات العشر،
وكان ذلك أول يوم من ذي القعدة وكانت الألواح عشرة على طول موسى (عليه السلام) .
وقال مقاتل وكعب ﴿وكتبنا له في الألواح﴾ كنقش الخاتم وكتب فيها: إني أنا الله الرحمن
الرحيم لا تشركوا بي شيئاً من أهل السماء ولا من أهل الأرض فإنّ كل ذلك خلقي ولا تقطعوا
(١) بطوله في تفسير الدر المنثور: ٣ / ١٢٥.
(٢) راجع تفسير الطبري: ٩ / ٨٩.
:

٢٨٣
سورة الأعراف، الآيات: ١٤٢ - ١٤٧
السبل ولا تحلفوا باسمي كاذباً فإن مَنْ حلف باسمي كاذباً فلا أُزكّيه ولا تقتلوا ولا تزنوا ولا
تعقّوا الوالدين.
وقال الربيع بن أنس: نزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير، يقرأ منها الجزء في سنة لم
يقرأها إلّ أربعة نفر: موسى يوشع وعزير وعيسى (عليهم السلام)(١)، وقال: هذه الآية ألف آية
يعني قوله ﴿وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً﴾ وتبياناً ﴿لكل شيء﴾ من الأمر
والنهي الحلال والحرام والحدود والأحكام.
﴿فخذها بقوة﴾ قال مقاتل: بجد ومواظبة. قال الضحاك: بطاعة ﴿وأمر قومك يأخذوا
بأحسنها﴾ قال ابن عباس في رواية الكلبي: بأحسن ما أُمروا [في] الأرض فيحلوا حلالها
ويحرموا حرامها، وكان موسى أشد عداوة من قومه فأمر بما لم يؤمروا به. وقال ابن كيسان
وابن جرير: أحسنها الفرائض لأنه قد كان فيها أمر ونهي، فأمرهم الله تعالى أن يعملوا بما
أمرهم به ويتركوا ما نهاهم عنه فالعمل بالمأمور به أحسن من العمل بالمنهي عنه.
وقيل: معناه أخذوا بها وأحسن عمله. وقال قطرب: يأخذوا بأحسنها أي بحسنها و [كلّها
حسن] كقوله ﴿ولذكر الله أكبر﴾(٢) وقال الحسين بن الفضل: معنى قوله (أحسنها) أن يتخيل
للكلمة معنيين أو ثلاثة فيصرفوا إلى الشبهة بالحق. وقيل: كان فيها فرائض لا مبرّك لها وفضائل
مندوباً إليها والأفضل أن يجمع بين الفرائض و [الفضائل].
﴿سأُريكم دار الفاسقين﴾ قال أهل المعاني: هذا كقول القائل لمن يخاطبه سأُريك غداً إلى
بصير [فيه قال] مَنْ يخالف أمري على وجه الوعيد والتهديد.
وقال مجاهد: ﴿سأُريكم دار الفاسقين﴾ قال: مصيرهم في الآخرة. قال الحسن: جهنم،
وقال قتادة وغيره: سأُدخلكم النار فأُريكم منازل الكافرين الذين هم سكانها من الجبابرة
والعمالقة.
وقال عطيّة العوفي: معناه سأُريكم دار فرعون وقومه وهي مصر يدلّ عليه.
قرأ ابن عباس وقسامة بن زهير: سأُورّثكم دار الفاسقين. وقال الكلبي: دار الفاسقين ما
مرّوا عليه إذا سافروا من منازل عاد وثمود والقرون الذين أهلكوا. وقال ابن كيسان: ساريكم دار
الفاسقين ما يصير قرارهم في [الأرض].
وقال ابن زيد: يعني سنن الأوّلين، وقيل: الدار الهلاك وجمعه أدوار. وذلك أن الله
تعالى لمّا أغرق فرعون أوحى إلى البحر أن يقذف أجسادهم إلى الساحل ففعل فنظر إليهم بنو
إسرائيل فأراهم هلاك الفاسقين.
(١) تفسير الطبري: ٩ / ٨٩.
(٢) سورة العنكبوت: ٤٥.
٠:

٢٨٤
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
وقال یمان: يعني مسكن فرعون.
﴿سأصرف عن آياتي الذين يتكبّرون في الأرض بغير الحق﴾ قال قوم: حكم الآية لأهل
مصر خاصة يعني بقوله ﴿آياتي﴾ يعني الآيات التسع التي أعطاها الله سبحانه موسى (عليه
السلام) .
وقال آخرون: هي عامة، وقال ابن جريج وابن زيد: يعني عن خلق السماوات والأرض
وما فيها من الشمس والقمر والنجوم والبحور والشجر والنبات وغيرها أصرفهم عن أن يتفكروا
فيها ويعتبروا بها، وقال الفراء أي الغرباني: إنّي أمنع قلوبهم عن التفكر في أمري.
وسمعت أبا القاسم الحبيبي قال: سمعت أبا سعيد محمد بن نافع السجزي بهراة يقول:
سمعت أبا يزيد حاتم بن محبوب الشامي قال: سمعتُ عبد الجبار بن العلاء العطار قال:
سمعت سفيان بن عيينة وسئل عن هذه الآية: أُحرمهم فَهْم القرآن.
سمعت أبا القاسم الحبيبي قال: سمعت أبا جعفر محمد بن أحمد بن سعيد الرازي قال:
سمعت العباس بن حمزة قال: سمعت ذا النون المصري يقول: أبى الله أن يكرّم قلوب الظالمين
مكتوب حكمة القرآن ﴿وإن يروا﴾ يعني هؤلاء المتكبّرين.
قرأ مالك بن دينار فإن يروا بضم الياء أي يفعل بهم ﴿سبيل الرشد﴾ طريق الهدى والسداد
﴿لا يتخذوه﴾ لأنفسهم ﴿سبيلاً وإن يروا سبيل الغي﴾ يعني الضلال والهلاك ﴿يتخذوه سبيلاً﴾
وقرأ مجاهد وحميد وطلحة والأعمش وحمزة ويحيى والكسائي: الرشد، بفتح الراء والشين
وهما لغتان كالسَقَم والسُقم والحَزَن والحُزن والبَخَل البُخل، وكان أبو عمرو يفرق بينهما فيقول:
الرشد بالضم والصلاح في الأمر كقوله: ﴿فإن آنستم منهم رشداً﴾(١) والرشد بفتح بفتحتين
الاستقامة في الدين، وقرأ أبو عبد الرحمن الرشاد بالألف وهو مصدر كالعفاف والصلاح.
﴿ذلك بأنّهم كذّبوا بآياتنا وكانوا عنّها غافلين﴾ لاهين ساهين لا يتفكرون فيها ولا يتعظون
بها ﴿والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة﴾ ورؤية القيامة، وقيل: العالية في الآخرة ﴿حبطت
أعمالهم هل يُجزون﴾ في العقبى ﴿إلاّ ما كانوا﴾ أي جزاء ما كانوا ﴿يعملون﴾ في الدنيا.
وَأَتَّخْذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ خُلِيْهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْ أَنَّهُ لَّا يُكَلُِّهُمْ وَلَا يَّهْدِهِمْ
سَبِلَّا أَخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَلِمِينَ (١٤) وَلَا سُقِطَ فِت ◌َدِيْهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَبِن لَّمْ
يَرْحَمْنَا رَبُنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ (٢٤٩) وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ، غَضَْنَ أَسِغَا قَالَ بِنَمَا
خَلَفْتَهُونِ مِنْ بَعْدِىّ أَعَجِلْتُمْ أَمَ رَبِّكُمْ وَاَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ أَبْنَ أُنَّ إِنَّ الْقَوْمَ
(١) سورة النساء: ٦.

٢٨٥
سورة الأعراف، الآيات: ١٤٨ - ١٥٢
قَالَ رَبِّ أَغْفِرْ
١٥٠
أُسْتَضْعَفُونِ وَكَادُواْ يَقْتُلُونَعِ فَلَ نُشْمِثْ بِ الْأَعْدَاءُ وَلَا تَجْعَلْنِى مَعَ الْقَوْمِ الَِّمِينَ
◌ِ وَلِأَّخِى وَأَدْخِلْنَا فِى رَحْمَتِكٌَ وَأَنْتَ أَرْجُمُ الرَّحِينَ ﴿َ﴾ إِنَّ الَّذِينَ أَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَاهُمْ غَضَّبٌ
◌ِّن رَّيْهِمْ وَزِلَّةٌ فِ اَلَوَةِ الدُّنْيَّأَ وَكَذَلِكَ نَِى الْمُعْتَِّنَ
﴿واتّخذ قوم موسى من بعده﴾ أي من بعد انطلاقه إلى الجبل ﴿من حُليّهم﴾ التي
استعاروها من قوم فرعون.
وكانت بنو إسرائيل في القبط بمنزلة أهل الجزية في الإسلام، وكان لهم يوم عيد يتزينون
فيه ويستعيرون من القبط الحلي فزامن ذلك عيدهم فاستعادوا الحلي للقبط فلما أخرجهم الله من
مصر وغرق فرعون بقيت تلك الحلي في أيديهم فاتخذ السامري منها عجلاً وهو ولد البقر
﴿عجلاً جسداً﴾ مجسّد لا روح فيه.
وقال وهب: جسداً لحماً ودماً ﴿له خوار﴾ وهو صوت البقر خار خورة واحدة ثمّ لم تعد.
وقال وهب: كان يسمع منه الخوار إلاّ أنّه لا يتحرك. وقرأ عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه:
خوار بالجيم والهمز وهو الصوت أيضاً واختلفت القراء في قوله (حليهم)، فقرأ يعقوب بفتح
الحاء وجزم اللام وتخفيف الياء على الواحد.
وقرأ حمزة والكسائي: حليّهم بكسر الحاء وتشديد الياء، الباقون بضم الحاء وهما لغتان
مثل [صلى] وجثى وبكى [وعثى] يجوز فيها الكسر والضم ﴿ألم يروا﴾ يعني الذين عبدوا العجل
من دون الله ﴿أنّه لا يُكلّمهم ولا يهديهم سبيلاً﴾ قال الله ﴿اتخذوه﴾ عبدوه واتخذوه إلهاً
﴿وكانوا ظالمين﴾ كافرين ﴿ولمّا سقط في أيديهم﴾ أي ندموا على عبادة العجل وهذا من
فصيحات القرآن.
والعرب تقول لكل نادم أو عاجز عن شيء: سقط في يديه وأسقط، وهما لغتان وأصله من
[الاستئسار] وذلك أن يضرب الرجل الرجل أو يصرعه فيرمي به من يديه إلى الأرض ليأسره
فيكتفه، والمرمي فيه مسقوط في يد الساقط(١).
﴿ورأوا أنّهم قد ضلّوا قالوا لئن لم يرحمنا ربّنا﴾ يتب علينا ربنا ﴿ويغفر لنا﴾ ويتجاوز عنا
﴿لنكونن من الخاسرين﴾ بالعقوبة ﴿ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً﴾ قال أبو الدرداء:
الأسف منزلة وراء الغضب أشد منه، وقال ابن عباس والسدي: [رجع حزيناً من صنيع قومه](٢)
قال الحسن بن غضبان: حزيناً ﴿قال بئسما خلفتموني من بعدي﴾ أي بئس الفعل فعلتم بعد
ذهابي، يقال: منه خلفه بخير أو شر إذا ألاه في أهله أو قومه بعد شخوصه عليهم خيراً أو شراً.
(١) تفسير الطبري: ٩ / ٨٤.
(٢) تفسير القرطبي: ٧ / ٢٨٦.

٢٨٦
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
﴿أعجلّتم﴾ أسبقتم ﴿أمر ربّكم وألقى الألواح﴾ غضباً على قومه حين عبدوا العجل، وقال
قتادة: إنّما ألقاها حين سمع من فضائل أُمّة محمد ◌َ ل﴿ وفي الألواح: قال: يا رب اجعلني من
أُمّة محمد قال رسول الله وَله: ((يرحم الله أخي موسى ما المخبر كالمعاين لقد أخبره الله بفتنة
قومه فعرف أنّ ما أخبره الله حق وأنه على ذلك لمتمسّك بمّا في يديه، فرجع إلى قومه ورآهم
فغضب وألقى الألواح))(١).
قالت الرواة: كانت التوراة سبعة أسباع فلمّا ألقى الألواح تكسرت فوقع منها ستة أسباع
وبقي سبع وكان فيها رُقع موسى وفيما بقي الهدى والرحمة ﴿وأخذ برأس أخيه﴾ أي لحيته وذقنه
﴿يجره إليه﴾ وكان هرون أكبر من موسى بثلاث سنين وأحبّ إلى بني إسرائيل من موسى، لأنه
كان لين الغضب ﴿قال﴾ هرون عند ذلك يا ﴿ابن أُم﴾ قرأ [أهل] الكوفة بكسر الميم هاهنا وفي
طه أراد يا بن أُمي فحذف ياء الإضافة، لأنه مبنى النداء على الحذف وأبقى الكسرة في الميم
لتدل على الاضافة كقوله ﴿ياعباد﴾ يدل عليه، قراءة ابن السميقع: يابن أُمي بإثبات الياء على
الأصل، وقرأ الباقون بفتح الميم فهما على معنى يابن أُماه جعل أصله إسماً واحداً وبناه على
الفتح كقولهم: حضرموت وخمسة عشر ونحوهما(٢).
﴿إن القوم استضعفوني﴾ باتخاذهم العجل ﴿وكادوا﴾ يعني همّوا وقاربوا ﴿يقتلونني فلا
تُشمت﴾ بضم التاء وكسر الميم ونصب الأعداء قرأه العامّة وقرأ مالك بن دينار فلا تشمت ﴿بي
الأعداء﴾ بفتح التاء والميم الأعداء رفع ﴿ولا تجعلني﴾ في [موعدتك] عليّ وعقوبتك لي ﴿مع
القوم الظالمين﴾ يعني أصحاب العجل ﴿قال﴾ موسى لمّا تبيّن له عذر أخيه ﴿رب اغفر لي﴾ ما
صنعت إلي ﴿ولأخي وادخلنّا﴾ جميعاً أنا وأخي ﴿في رحمتك وأنت أرحم الراحمين * إن الذين
اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربّهم﴾ في الآخرة ﴿وذِلّة في الحيوة الدنيا﴾ قال أبو العالية:
هو ما أُمروا به من قتل أنفسهم.
وقال عطيّة العوفي: أراد سينالهم أولادهم [الكبير] كابراً على عهد رسول الله وَل غضب
وذُلّة في الحياة الدنيا، وهو ما أصاب بني قريظة والنضير من القتل والجلاء لتوليتهم متخذي
العجل ورضاهم به، وقال ابن عباس: هو الجزية.
﴿وكذلك نجزي المفُترين﴾ الكاذبين قال أبو قلابة: هي والله جزاء كل مفتر إلى يوم
القيامة، قال يذله الله عزّ وجلّ.
وسمعت أبا عمرو الفراتي سمعت أبا سعيد بكر بن أبي عثمان الخيري سمعت السراج
(١) تاريخ بغداد: ٣: ٤١٨.
(٢) راجع تفسير القرطبي فقد فصل ذلك: ٧ / ٢٩١.

٢٨٧
سورة الأعراف، الآيات: ١٥٣ - ١٥٦
سمعت سوار بن عبد الله الغزّي سمعت أبي يقول: قال مالك بن أنس: ما من مبتدع إلاّ [وتجد
فوق] رأسه ذلّة ثمّ قرأ ﴿إن الذين اتخذوا العجل﴾ الآية يعني المبتدعين.
وَلَتَّـ
١٥٣
وَالَّذِينَ عَمِلُوا الشَّيِّئَاتِ ثَُّّ ثَابُواْ مِنْ بَعْدِهَا وَءَامَنُوَاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ
سَّكَتَّ عَنِ نُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ اَلْأَلْوَاجِّ وَفِىِ نُشْخَتِهَا هُدَى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِهِمْ بَرْهَبُونَ (َِ)
وَأَخْتَارَ
مُؤْسَى قَوْمَهُ سَبْعِيْنَ رَجُلًا لِيقَلِنَّا فَلَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْنَهُم مِّنْ قَبْلُ وَإِبَنِىِّ أَهْلِكُنَا
◌ِمَ فَعَلَ الشُّفَهَهُ مِنَّا إِنْ هِيَّ إِلَّ فِتَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ قَشَآءُ وَتَهْدِى مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِتْنَا فَأَغْفِرْ لَنَا وَرَحَمْنَاً
﴿ رَكْ لَنَّا ◌ِ هَذِهِ الذُّنْيَا حَنَّةً وَفِي الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدَنَاً إِلَيََّ قَالَ عَذَابِّ
١٥٥
وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَنْفِرِينَ
أُصِيبُ بِهِ، مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِ وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ فَأَكْتُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ وَالَّذِينَ هُمْ
بِشَايَتِنَا يُؤْمِنُونَ
﴿والّذين عملوا السيّئات ثمّ تابوا﴾ إلى قوله ﴿ولمّا سكت عن موسى﴾ يعني سكن عن
موسى ﴿الغضب﴾ يدلّ عليه قراءة معاوية بن مغيرة: ولمّا سكن، بالنون ..
قال أبو النجم:
وهمت الأفعى بأن تسيحا وسكت المكاء أن يصيحا (١)
وأصله الكف عن الشيء، ومنه الساكت عن الكلام.
﴿أخذ الألواح﴾ التي ألقاها وذهب منها ستة أسباعها ﴿وفي نسختها﴾ أي فما نسخ منها.
قال عطاء: يعني فيما بقي منها، ولم يذهب من الحدود و[الأحكام] شيء فقال ابن
عباس: وعمرو بن دينار: صام موسى أربعين يوماً فلمّا ألقى الألواح فتكسّرت صام مثلها فردّت
عليه وأُعيدت له في لوحين مكان الذي انكسر [ولم يفقد منها شيئاً] ﴿هدى ورحمة﴾.
قال ابن عباس: هدى من الضلالة ورحمة من العذاب ﴿الذين هم لربّهم يرهبون﴾
[يخلفون] وقال الراجز:
يصنع الجزع فيها أو استحيوا
للماء في أجوافها خريراً أي من أصل الجزع ﴿واختار موسى قومه﴾ أي من قومه فلمّا نزع
حرف الصفة نصب كقول الفرزدق :
ومنّا الذي أُختير الرجال سماحة وبراً إذا هبّ الرياح [الزعازع](٢)
(١) تفسير الطبري: ٩ / ٩٦.
(٢) تاج العروس: ٣ / ١٩٤.

٢٨٨
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
وقال آخر:
واعتل مَنْ كان يُرجى عنده السؤل (١)
اخترتك للناس إذ رثت خلائقهم
أي من الناس، واختلفوا في سبب اختيار موسى السبعين.
وقال السدي: أمر الله أن سيأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل
ووعد موعداً، واختار موسى من قومه ﴿سبعين رجلاً﴾ ثمّ ذهب إليه ليعتذر فلمّا أتوا ذلك المكان
قالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة وإنّك قد كلّمته فأرناه فأخذتهم الصاعقة فماتوا.
وقال ابن إسحاق: اختارهم ليتوبوا إليه مما صنعوه ويسألوه التوبة على من تركوا وراءهم
من قومهم.
وقال مجاهد: اختارهم لتمام الموعد.
وقال وهب: قالت بنو إسرائيل لموسى (عليه السلام): إن طائفة يزعمون أنّ الله لا يكلمك
ولو كلمك فأقمت لكلامه ألم ترَ أنّ طائفة منّا سألوه النظر إليه فماتوا فلا تسأله أن [ينزل] طائفة
منّا حتّى يكلمك فيسمعوا كلامه فيؤمنوا وتذهب التهمة، فأوحى الله تعالى إلى موسى (عليه
السلام) أن اختر من خيارهم سبعين رجلاً، ثمّ ارتق بهم إلى الجبل أنت وهرون. واستخلف
على بني إسرائيل يوشع بن نون يقول كما أمر الله تعالى واختار سبعين رجلاً .
روى المنهال عن الربيع بن حبيب قال: سمعنا أبا سعيد الرقاشي وقرأ هذه الآية قال: كان
السبعون ابناً ما عدا عشرين. ولم يتجاوز الأربعين. وذلك أن ابن عشرين قد ذهب [جماله]
وصباه وأنّ من لم يتجاوز الأربعين لم يعد من عقله شيءٌ. وقال الآخرون: كانوا شيوخاً.
قال الكلبي: اختار موسى سبعين رجلاً لينطلقوا إلى الجبل فلم يصب إلاّ ستين شيخاً
وأوحى الله تعالى إليه أن يختار من الشباب عشرة فاختار وأصبحوا شيوخاً فاختار من كل سبط
ستّة رهط فصاروا اثنين وسبعين.
فقال موسى: إنّما أمرت سبعين رجلاً فاستخلف منكم رجلان فتشاجروا على ذلك. فقال:
إن لِمن قعد مثل أجر من خرج، فقعد رجلان أحدهما كالب بن [يوقيا] والآخر يوشع بن نون.
فأمر موسى السبعين أن تصوموا وتطهروا، وتطهّروا ثيابكم ثمّ خرج بهم إلى طورسيناء
لميقات ربّه وكان لا يأتيه إلاّ بإذن منه وذلك قوله تعالى: ﴿واختار موسى قومه سبعين رجلاً
لميقاتنا﴾ ﴿فلما أخذتهم الرجفة﴾ اختلفوا في كيفية هذه الرجفة وسبب أخذها إياهم.
فقال ابن إسحاق والسدي: إنّهم لمّا أتوا ذلك المكان قالوا لموسى: اطلب لنا نسمع كلام
(١) لسان العرب: ١١ / ٣٥٠.

٢٨٩
سورة الأعراف، الآيات: ١٥٣ - ١٥٦
ربّنا فقال: أفعل، فلمّا دنا موسى (عليه السلام) من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتّى يغشي
الجبل كله ودنا موسى ودخل فيه وقال للقوم: ادنوا وكان موسى إذا كلمه ربه وقع على جبهته نور
ساطع لا يستطيع أحد من بني إسرائيل أن ينظر إليه، فضرب دونه الحجاب ودنا القوم حتّى إذا
دخلوا في الغمام وهو عمود فسمعوه وهو يكلّم موسى يأمره فيها: افعل لا تفعل فلما فرغ
انكشف عن موسى الغمام فأقبل إليهم فقالوا: يا موسى لن نؤمن لك حتّى نرى الله جهرة،
فأخذتهم الصاعقة فماتوا جميعاً .
وقال ابن عباس: إن السبعين الذين قالوا: لن نؤمن لك حتّى نرى الله جهرة فأخذتهم
الصاعقة كانوا قبل السبعين الذين أخذتهم الرجفة، وإنما أمر الله موسى أن يختار من قومه
سبعين رجلاً فاختارهم وبرزهم ليدعوا ربهم، فكان فيما دعوا أن قالوا: اللهم أعطنا ما لم تعطه
أحداً قبلنا ولا تعطيه أحداً بعدنا، فكره الله ذلك من دعائهم فأخذتهم الرجفة .
قال عليّ بن أبي طالب. كرّم الله وجهه .. إنّما أخذتهم الرجفة من أجل دعواهم على
موسى قبل هارون، وذلك أن موسى وهارون وشبر وشبير (عليهم السلام) انطلقوا إلى سفح جبل
فنام هارون على سرير فتوفّاه الله فلمّا مات دفنه موسى فلمّا رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا
له: أين هارون؟ قال: توفّاه الله، فقالوا: بل أنت قتلته [عمداً] على خُلُقه وَلِنْهِ، قال: فاختاروا
من شئتم، فاختاروا سبعين رجلاً وذهب بهم، فلما انتهوا إلى القبر قال موسى: يا هارون أقتلتَ
أم تُوفّيت؟
فقال هارون: ما قتلني أحد. ولكن الله توفاني إليه.
فقالوا: ياموسى لن تقصّ بعد اليوم فأخذتهم الرجفة وصعقوا وماتوا، وقال موسى : يارب
ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم، يقولون: أنت قتلتهم فأحياهم الله وجعلهم أنبياء كلّهم.
وقال ابن عباس: إنّما أخذتهم الرجفة لأنهم لم يرضوا ولم ينهوا عن العجل، وقال قتادة
وابن جريج ومحمد بن كعب: أخذتهم الرجفة لأنّهم لم [يزايلوا] قومهم حين عبدوا العجل ولم
يأمروهم بالمعروف ولم ينهوهم عن المنكر.
وقال وهب: لم تكن تلك الرجفة موتاً ولكن القوم لما رأوا تلك الهيبة أخذتهم الرجفة
وخلقوا فرجفوا حتّى كادت أن تبيّن مفاصلهم وتنقص ظهورهم فلمّا رأى ذلك موسى (عليه
السلام) رحمهم وخاف عليهم الموت واشتدّ عليه فقدهم وكانوا له ولداً على الخير سامعين
مطيعين فعند ذلك دعا وبكى وناشد ربّه فكشف الله عنهم تلك الرجفة والرعدة فسكنوا واطمأنوا
وسمعوا كلام ربهم فذلك قوله ﴿قال﴾ يعني موسى ﴿ربٍ لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي ﴾
بقتل القبطي ﴿أتهلِكنا بما فعل السفهاء منّا﴾ يعني عبدة العجل. وظن موسى أنّه عوقبوا باتخاذ
بني إسرائيل العجل.

٢٩٠
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
وقال السدي: أوحى الله إلى موسى أن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل وكان موسى لا
يعلم ذلك فقال موسى: يارب كيف أرجع إلى بني إسرائيل وقد أهلكت أخيارهم وليس معي
رجلٌ واحدٌ فما الذي يصدقوني به ويأمنونني عليه بعد هذا، فأحياهم الله، وقال [المبرّد]: قوله
أتهلكنا بما فعل السفهاء منّا استعلام واستعطاف أي لا تهلكنا قد علم موسى أن الله أعدل من
أن يؤاخذ بجريرة الجاني غيره ولكنّه كقول عيسى: ﴿أن تعذبهم فإنهم عبادك﴾ الآية(١).
﴿إن هي إلّ فتنتك﴾ أي اختيارك.
قال سعيد بن جبير وأبو العالية والربيع: محنتك، وقال ابن عباس: عذابك تصيب به من
تشاء وتصرفه عن من تشاء ﴿تُضل بها مَنْ تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا﴾ ناصرنا ومولانا
وحافظنا ﴿فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين واكتب لنا﴾ أي حقق [ووفقنا للأعمال
الصالحة](٢) يقال: [كتب] الله عليك السلامة ﴿في هذه الدنيا حسنة﴾ يعني الأعمال الصالحة
﴿وفي الآخرة﴾ يعني المغفرة والجنّة ﴿إنا هُدنا إليك﴾ قرأ أبو رجزة السعدي :. وكان مصححاً
من القراء شاعراً. هدنا بكسر الهاء يقال: هاد يهيد ويهود إذا رجع وتحرك [فأدلّه الميل] قال
الشاعر :
قد علمت سلمى [رجلاً] أني من الناس لها هايد
﴿قال﴾ الله تعالى: ﴿عذابي أُصيبُ به مَنْ أشاء﴾ من خلقي وقال الحسن وابن السميقع:
مَنْ أشاء [ ...... ](٣) من الإشاءة ﴿ورحمتي وسعت﴾ عمّت ﴿كل شيء﴾ قال الحسن وقتادة:
إن رحمته في الدنيا وسعت البر والفاجر وهي يوم القيامة للمتّقين خاصة.
وقال عطيّة العوفي: وسعت كل شيء ولكن لا يجيب إلّ الذين يتقون، وذلك أنّ الكافر
يرزق ويدفع عنه بالمؤمن لسعة رحمة الله للمؤمن يعيش فيها، فإذا صار إلى الآخرة وجبت
للمؤمنين خاصة كالمسير في كالمستضيء بنار غيره إذا ذهب صاحب السراج بسراجه، قال أبو
روق: ورحمتي وسعت كل شيء يعني الرحمة التي قسمها بين الخلائق يعطفه بها بعضهم على
بعض، وقال ابن زيد: (ورحمتي وسعت كل شيء) هو التوبة، وقال آخرون: لفظه عام ومعناه
خاص لهذه الأُمّة.
وقال ابن عباس وقتادة وابن [جرير] وأبو بكر الهذلي: لما نزلت هذه الآية ﴿ورحمتي
وسعت كل شيء﴾ قال إبليس: أنا من ذلك الشيء ونزعها الله من إبليس فقال ﴿فسأكتبها للذين
(١) سورة المائدة: ١١٨.
(٢) زيادة عن تفسير القرطبي: ٧ / ٢٩٦.
(٣) كلمة غير مقروءة.

٢٩١
سورة الأعراف، الآيات: ١٥٧ - ١٥٩
يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون﴾ فقالت اليهود والنصارى نحن نتّقي ونؤتي الزكاة
ونؤمن بآيات ربنا فنزعها الله منهم وجعلها لهذه الأُمة.
الَّذِينَ يَنَِّعُونَ الرَّسُولَ النَِّىَّ الْأُمِنَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِىِ التَّوْرَنَةِ وَالْإِنِلِ بَأْمُرُهُمْ
بَلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنَهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ
وَالْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّورِ الَّذِىَّ أُنزِلَّ مَعَهُ: أُوْلَبِكَ
مُمُ الْمُفْلِحُونَ.
﴿ قُلِّ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِى لَهُ مُلَّكُ السَّمَنُوَاتِ
وَالأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُعِْ وَيُعِثُ فَعَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّ الَّذِى يُؤْمِرُ بِاللَّهِ وَكَلِمَتِهِ،
١١٥٩
وَأَنَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿٤﴾ وَمِنْ قَوْمٍ مُوسَىّ أُمَّةُ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ، يَعْدِلُونَ (
﴿الذين يتبعون الرسول النبيّ الأمي﴾ الآية قال نوف البكالي الحميري: لما اختار موسى
قومه سبعين رجلاً لميقات ربه قال الله تعالى لموسى أجعل لكم في الأرض مسجداً وطهوراً
تصلّون حيث أدركتكم الصلاة إلاّ عند مرحاض أو حمام أو قبر وأجعل السكينة في قلوبكم
وأجعلكم تقرأون التوراة عن ظهور قلوبكم، يقرأها الرجل منكم والمرأة والحر والعبد والصغير
والكبير.
فقال ذلك موسى لقومه فقالوا: لا نريد أن نصلي في الكنائس ولا نستطيع حمل السكينة
في قلوبنا، ونريد أن تكون كما كانت في التابوت، ولا نستطيع أن نقرأ التوراة عن ظهور قلوبنا،
ولا نريد أن نقرأها إلّ نظراً، فقال الله ﴿فسأكتبها للذين يتقون﴾ إلى قوله ﴿المفلحون) فجعلها
الله لهذه الأمة، فقال موسى: رب اجعلني نبيهم، فقال: نبيهم منهم، قال: رب اجعلني منهم،
قال: إنك لن تدركهم، فقال موسى: يارب أتيتك بوفد بني إسرائيل فجعلت وفادتنا لغيرنا فأنزل
الله تعالى ﴿ومن قوم موسى أمة يهدون﴾ أنفسهم ﴿بالحق وبه يعدلون﴾ فرضي موسى، قال
نوف: إلا تحمدون ربّاً حفظ غيّكم وأجزل لكم سهمكم وجعل وفادة بني إسرائيل لكم(١).
واختلف العلماء في معنى الأُمّي.
فقال ابن عباس: هو منكم كان أميّاً لا يكتب ولا يقرأ ولا يحاسب قال الله تعالى ﴿وما
كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطّه بيمينك﴾(٢) وقال وله ((إنا أُمة أُميّة لا نكتب ولا نحاسب))
[١٩٧](٣).
(١) تمامه في تفسير الطبري: ٩ / ١١٢ مع تفاوت بسيط.
(٢) سورة العنكبوت: ٤٨.
(٣) مسند أحمد: ٢ / ٤٣ ح ١٢٩ وفيه: لا نحسب.

٢٩٢
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
وقيل: هو منسوب إلى أُمّته كأن أصله أُمتي فسقطت التاء من النسبة كما سقطت من اليكي
والمدى .
وقيل: منسوب إلى أُم القرى وهي مكّة أُم القرى ﴿الذي يجدونه﴾ أي صفته ونبوّته ونعته
وأمره ﴿مكتوباً عندهم في التوراة والانجيل﴾ قال عطاء بن يسار: لقيت عبد الله بن عمرو بن
العاص فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله في التوراة فقال: أجل والله إنه لموصوف في التوراة
كصفته في القرآن. ﴿يا أيُّها النبيّ إنّا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً﴾ وحرزاً للأُميين أنت عبدي
ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب (١) بالاسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة
ولكن يعفو ويصفح ولن أقبضه حتّى يقيم الملّة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلاّ الله فيفتح به قلوباً
غلفاً وآذناً صُماً وأعيناً عمياً (٢).
قال عطاء: ثمّ لقي كعباً فسأله عن ذلك فما اختلفا حرفاً إلاّ أن كعباً قال: بلغته قلوباً
غلوفياً وآذاناً صموياً وأعيناً عموميّاً(٣).
وروى كعب في صفة رسول الله وَل﴿ فقال: مولده مكة وهجرته بطيبة وملكه بالشام وأمته
الحمادون يحمدون الله على كل حال وفي كل منزلة، يُوَضِئون أطرافهم و [ويتورّون] إلى
[الجهاد] وفيهم وعاة الشمس ويصلون الصلاة حيث أدركتهم ولو على ظهر الكناسة، صفهم في
القول مثل صفهم في الصلاة ثمّ قرأ ﴿إنّ الذين يقاتلون في سبيله صفّاً﴾(٤).
وقال الواقدي: حدّثني عثمان بن الضحاك عن يزيد بن [الهادي] عن ثعلبة بن مالك أن
عمر بن الخطاب أنه سأل أبا مالك عن صفة النبيّ وَّ في التوراة وكان من علماء اليهود، فقال:
صفته في كتاب بني هرون الذي لم يغير ولم يبدّل أحد من ولد إسماعيل بن إبراهيم ومن آخر
الأنبياء وهو النبي العربي الذي يأتي بدين إبراهيم الحنيف، يأتزر على وسطه ويغسل أطرافه في
[عينيه] حمرة وبين كتفية خاتم النبوّة مثل زر الحجلة، ليس بالقصير ولا بالطويل، يلبس الشملة
ويجرى بالبلغة ويركب الحمار ويمشي في الأسواق، معه حرب وقتل وسبي سيفه على عاتقه لا
يبالي مَن لقي مِن الناس، معه صلاة لو كانت في قوم نوح ما أهلكوا بالطوفان ولو كانت في عاد
ما أهلكوا بالريح ولو كانت في ثمود ما أهلكوا بالصيحة.
مولده بمكّة ومنشأه بها وبدء نبوّته بها ودار هجرته يثرب بين جرّة ونخل [وسبخة] وهو أُمّي
لا يكتب بيده، هو بجهاد، يحمد الله على كل شدة ورخاء، سلطانه الشام، صاحبه من الملائكة
(١) في بعض المصادر: صخاب.
(٢) صحيح البخاري: ٣ / ٢١، ودلائل النبوة لأبي نعيم: ١٥١.
(٣) الزيادة في تفسير الطبري: ٩ / ١١٣.
(٤) سورة الصف: ٤.

٢٩٣
سورة الأعراف، الآيات: ١٥٧ - ١٥٩
جبرئيل يلقى من قومه أذىّ شديداً. ويحبّونه حبّاً شديداً ثمّ يدال على قومه يحصرهم حصر
[الجرين]، يكون له وقعات في يثرب، منها له ومنها عليه، ثمّ يكون له العاقبة يعدّ معه أقوام هم
إلى الموت أسرع من الماء من رأس الجبل إلى أسفله، صدورهم أناجيلهم قربانهم دماؤهم ليوث
النهار ورهبان بالليل يرعب منه عدوه بمسيرة شهر، يباشر القتال بنفسه حتّى يخرج ويكلم لا
شرطة معه ولا حرس يحرسه(١).
﴿يأمرهم بالمعروف﴾ أي بالايمان ﴿وينهاهم عن المنكر﴾ يعني الشرك، وقيل: المعروف
والشريعة والسنة والمنكر ما لا يعرف في شريعة ولا سنّة.
وقال عطاء: يأمرهم بالمعروف ويخلع الأنداد ومكارم الأخلاق وصلة الأرحام ينهاهم عن
المنكر عن عبادة الأصنام وقطع الأرحام ﴿ويحل لهم الطيبات﴾ يعني الحلالات التي كانت أهل
الجاهلية تحرمها: البحائر السوائب والوصائل والحوامي ﴿ويحرّم الخبائث﴾ يعني لحم الخنزير
والدم والميتة والربا وغيرها من المحرمات. ﴿ويضع عنهم إصرهم﴾ ابن عباس والحسن
والضحاك والسدي ومجاهد يعني: جهدهم الذي كان يأخذ على بني إسرائيل بالعمل بما في
التوراة. وقال ابن زيد وقتادة: يعني الشدائد الذي كان عليهم في الدين ﴿والأغلال﴾ يعني
الأثقال ﴿التي كانت عليهم﴾ [بما أُمروا] به من قتل الأنفس في التوراة وقطع الأبهاء، شبّه ذلك
بالأغلال كما قال الشاعر :
فليس لعهد الداريا أم مالك ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل
ـوى العدل شيئاً واستراح العواذل(٢)
وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل
فشبه حدود الإسلام وموانعه عن التخطّي إلى المحذورات بالسلاسل المحيطات بالرقاب
﴿والذين آمنوا به وعزّروه﴾ أعانوه ووقّروه ﴿ونصروه واتبعوا النور الذي أُنزل معه﴾ يعني القرآن
﴿أولئك هم المفلحون قل يا أيّها الناس إنّي رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السموات
والأرض﴾ إلى قوله تعالى: ﴿بالله وكلماته﴾.
قال قتادة: وآياته. وقال مقاتل والسدي: يعني عيسى ابن مريم ﴿واتبعوه لعلكم تهتدون *
ومن قوم موسى﴾ يعني بني إسرائيل ﴿أمة﴾ جماعة ﴿يهدون بالحق﴾ أي يرشدون إلى الحق،
وقيل: خلفاء يهتدون ويستقيمون عليه ويعملون به ﴿وبه يعدلون﴾ أي ينصفون من أنفسهم
ويحمدون .
وقال السدي: هم قوم بينكم وبينهم [قوم] من سهل.
(١) راجع لصفات الرسول وأُمته: تفسير الدر المنثور: ٣ / ١٣٤.
(٢) تفسير الطبري: ١ / ٤٦٦، وتفسير القرطبي: ٧ / ٣٠١.

٢٩٤
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
وقال ابن جريج: بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطاً
تبرأ سبط منهم ممّا صنعوا واعتذروا وسألوا الله أن يفرق بينهم [وبينه] ففتح الله عليم نفقاً في
الأرض فساروا فيه سنة ونصف حتّى خرجوا من وراء الصين، فهم هناك حقاً مسلمون يستقبلون
قبلتنا .
قال الكلبي والربيع والضحاك وعطاء: هم قوم من قبل المغرب خلف الصين على نهر من
الرمل يسمى نهر أودق وليس لأحد منهم مال دون صاحبه يمطرون بالليل ويصبحون بالنهار
ويزرعون لا يصل إليهم منّا أحدٌ ولا منهم إلينا أحدٌ وهم على الحق وذكر عن النبيّ وَّو أن
جبرئيل [ذهب إليهم ليلة] أسري به فكلّمهم فقال لهم جبرئيل: هل تعرفون مَنْ تُكلّمون؟
قالوا: لا .
قال: هذا محمدٌ النبيّ فآمنوا به، وقالوا: يا رسول الله إنّ موسى أوصانا أن من أدرك
منكم أحمد فليقرأ عليه منّ السلام.
فردّ محمد ◌َ﴿ على موسى: فعليه السلام، ثمّ أقرأهم عشر سور من القرآن نزلت بمكة ولم
يكن نزلت فريضة غير الصلاة والزكاة فأمرهم بالصلاة والزكاة وأمرهم أن يُقيموا مكانهم وكانوا
يسبتون فأمرهم أن يجمعوا وأن يتركوا السبت.
وَقَطَّعْنَّهُمُ أَثْنَ عَثْرَةً أَسْبَالِمًا أُمَمَّاً وَأَوَحَيْنَاً إِلَى مُوسَى إِذْ أَسْتَسْقَنَّهُ قَوْمُهُ: أَنِ أَضْرِبِ
بِعَصَاكَ الْحَجَرِّ فَلْبَجَسَتْ مِنْهُ أَثْنَا عَثْرَةً عَيْئًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسِ تَشْرَبَهُمْ وَظَلِلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَمَ
وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَ وَالسَّلْوَىّ كُلُواْ مِنْ طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَمَا ظَلَمُوْنَا وَلَيْكِنْ كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ
يَظْلِمُونَ (١٦) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ أُسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِظَةٌ
وَأَدْخُلُواْ أَلْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيَشَتِكُمْ سَنَزِيدُ أَلْمُحْسِنِينَ (٦َ فَبَدَّلَ اَلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلًا
غَيّرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ.
﴿وقطعناهم﴾ يعني بني إسرائيل ﴿إثنتي عشرة أسباطاً أُمماً﴾ روى أبان بن يزيد العطار عن
عاصم: وقطعناهم بالتخفيف وأراد بالأسباط القبائل والفرق ولذلك أنشأ العدد والأسباط جمع
مذکر .
قال الشاعر:
وأنت بريءٌ من قبائلها العشر (١)
وإن قريشاً كلّها عشر أبطن
فذهب بالبطن إلى القبيلة والفصيلة فلذلك كان [البطن] مذكر وإنما قال: (أسباطاً أُمماً)
(١) في جامع البيان للطبري: ٩ / ١١٩، ولسان العرب: ١ / ٧٢٢: وإن كلاباً هذه عشر أبطن.

٢٩٥
سورة الأعراف، الآيات: ١٦٣ - ١٦٦
بالجمع ولا يقال: أتاني اثنا عشر رجالاً، لأنه أراد الأعداد والجموع فأقام كل عدد مقام واحد،
ء
وقيل: معناه وقطعناهم أسباطاً أمماً اثني عشر.
﴿وأوحينا إلى موسى إذ استسقاء قومه﴾ في التيه ﴿أن اضرب بعصاك الحجر﴾ قال عطاء:
كان الحجر أربعة وجوه لكل وجه ثلاثة أعين لكل سبط عين لا يُخالطهم سواه ﴿فانبجست﴾
أخصبت وانفجرت.
قال أهل التفسير: انبجست وانفجرت واحد، وكان أبو عمرو بن العلاء يفرق بينهما فيقول
انبجست عرفت وانفجرت [سالت].
قال عطاء: كان يظهر على كل موضع من الحجر يضربه موسى (عليه السلام) مثل ثدي
المرأة فيعرق أوّلاً ثمّ يسيل ﴿قد علم كل أُناس﴾ من كل سبط ﴿مشربهم) لا يدخل سبط على
غيره في شربه وكل سبط من أب واحد. ﴿وضلّلنا عليهم الغمام﴾ في التيه يقيهم من الشمس
﴿وأنزلنا عليهم المن والسلوى﴾ إلى قوله: ﴿يغفر لكم خطاياكم﴾ وقرأ أهل المدينة يغفر [بياء]
مضمومة وخطاياكم بالرفع، وقرأ ابن [عامر] بتاء مضمومه.
وَسْتَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَمْدُونَ فِ السَّبْتِ إِذْ تَأْتِهِمْ
حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَيْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمَّ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوْ يَفْسُقُونَ
(١٦) وَإِذَّ قَالَتْ أَنَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَّعِظُونَ قَوْمَّا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوَ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًاً قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَيَّكُمْ
وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٤٩) فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنْجِيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ اُلُوَءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ
يَشْسِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴿١٨) فَلَنَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَمْ كُونُواْ فِرَدَةً خَسِمِينَ
﴿وسئلهم﴾ واسأل يا محمد هؤلاء اليهود الذين هم جيرانك سؤال تقرير وتوبيخ ﴿عن
القرية التي كانت حاضرة البحر﴾ أي بقربه وعلى شاطئه، واختلفوا فيها فروى عكرمة عن ابن
عباس قال: هي قرية يقال لها ايلديس مدين والطور.
وروى عليّ بن أبي طلحة عنه فقال: هي قرية على شاطئ البحر من مصر والمدينة يقال
لها: ايله وقال ابن زيد: هي قرية يقال لها: مقنى بين مدين وعينونا، وقيل: هي الطبريّة ﴿إِذ
يعدون في السبت﴾ أي يتجاوزون أمر الله وقرأ أبو نهيك إذ تعدون بضم الياء وكسر العين بتثقيل
الدال من الأعداد يريد [يهيبون] الآلة لأخذها .
وقرأ ابن السميقع: في الاسبات، على جمع السبت ﴿إِذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شُرعاً﴾
قرأ ابن عبد العزيز يوم إسباتهم شرعاً الى [شراع] ظاهرة على الماء كثيرة، وقال الضحاك:
متتابعة ﴿ويوم لا يسبتون﴾ أي لا يفعلون السبت. يقال سبت يسبت سبتاً وسبوتاً إذا أعظم
السبت.

٢٩٦
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
وقرأ الحسن: يُسبتون بضم الياء أي يدخلون في السبت كما يقال أجمعنا وأشهرنا أي
دخلنا في الجمعة والشهر ﴿لا تأتيهم كذلك نبلوهم﴾ نختبرهم ﴿بما كانوا يفسقون﴾ وسمعت
الحسن بن محمد بن الحسن سمعت إبراهيم بن [محارب] بن إبراهيم سمعت أبي يقول: سألت
الحسين بن الفضل هل تجد في كتاب الله الحلال لا [يأتيك] إلاّ قوتاً والحرام يأتيك جزفاً
جزفاً؟ قال: نعم، في قصّة داود وتأويله: ﴿إِذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ويوم لا يسبتون
لا تأتیھم﴾(١).
قال عكرمة: جئت ابن عباس يوماً فإذا هو يبكي ووضع المصحف في حجرة فقلت:
مايُبكيك جعلني الله فداك. قال: هؤلاء الورقات فإذا هو في سورة الأعراف، فقال: تعرف
الآية؟ قلت: نعم، قال: فإنّه كان بها حي من اليهود في زمن داود حرم عليهم الحيتان في
السبت، وذلك أنّ اليهود أمروا باليوم الذي أمرتهم به يوم الجمعة فتركوه واختاروا السبت فابتلوا
به وحرّم عليهم فيه الصيد فأمروا بتعظيمه إن أطاعوا لم يؤجروا وإن عصوا عذبوا، وكانت
الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعاً بيضاء سماناً كأنها الماخض تنتطح ظهورها لبطونها بأفنيتهم حتّى
لا يرى الماء من كثرتها ويوم لا يسبتون لا تأتيهم فكانوا كذلك برهة من الدهر.
ثمّ إنّ الشيطان أوحى إليهم فقال: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت فأتّخذوا الحياض
وكانوا يسوقون الحيتان إليها يوم الجمعة ،فتسقي[ فيها ولا يمكنها الخروج منها لقلة الماء
فيأخذونها يوم الأحد(٢).
وقال ابن زيد: كانوا قد قرّبوا بحب الحيتان وكان في غير يوم السبت لا تأتيهم حوت
واحد فأخذ رجل منهم حوتاً فربط في ذنبه خيطاً فأخذه وشواه فوجد جار له ريح الحوت. فقال
له: يا فلان أنا أجد في بيتك ريح نون، قال: لا فتطلع في تنوره فإذا هو فيه فقال: إني أرى الله
سيعذّبك، فلما لم يره عذب ولم يعجل عليهم بالعذاب أخذ في السبت الأخرى حوتين اثنين.
فلما رأوا أن العذاب لا يعاجلهم أكلوا وملحوا وباعوا وأثرواً وكثر مالهم، وكانوا نحواً
من سبعين ألف، فصارت أهل القرية [ثلاثاً]: ثلث نُهوا. وكانوا نحواً من اثني عشر ألفاً . وثلث
قالوا: لِمَ تعظون قوماً الله مهلكهم، وثلث أصحاب الخطيئة، فلما لم ينتهوا قال المسلمون: لا
[نسألهم] فقسموا القرية بجدار للمسلمين باب وللمعتدين باب ولعنهم داود (عليه السلام) فأصبح
الناهون ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا: إن للناس شأناً لعل الخمر
غلبتهم فعلوا على الجدار فنظروا فإذا بهم قردة ففتحوا الباب ودخلوا عليهم وعرفت القردة
[أنسابها] من الأنس. ولا تعرف الأنس أنسابهم من القرود. فجعلت القردة تأتي نسيبها من
(١) تفسير القرطبي: ٧ / ٣٠٦.
(٢) بتفاوت في تفسير الطبري: ٩ / ١٢٧.

٢٩٧
سورة الأعراف، الآيات: ١٦٣ - ١٦٦
الأنس وتشم ثيابه وتبكي فيقول: ألم ننهكم؟ فتقول برأسها: نعم (١).
قال قتادة: صار الشبان قردة والشيوخ خنازير فما نجا إلاّ الذين نهوا وهلك سائرهم.
واختلف العلماء في الفرقة الذين قالوا: (لِمَ تعظون قوماً) كانت من الناجية أو من الهالكة؟
فقال بعضهم: كانت من الناجية لأنّها كانت من الناهية.
وقال آخرون: كانت من الفرقة الهالكة، لأنّهم كانوا من الخاطئة وذلك أنهم لما نهوا
وقالوا لهم انتهوا عن هذا العمل قبل أن ينزل بكم العذاب فإنّا قد علمنا أن الله تعالى منزل
عليكم بأسه إن لم تنتهوا قالوا لهم ﴿لم تعظون قوماً الله مهلكهم﴾ إذ علمتم أنّ الله معذبهم ﴿أو
معذبهم عذاباً شديداً قالوا معذرةً إلى ربّكم﴾ أي هذه معذرة، وقرأ حفص: معذرة أي يفعل ذلك
معذرة ﴿ولعلهم يتقون﴾ صيد الحيتان والصواب أنها كانت من الفرقة الناجية وأن هذا الكلام من
قول المؤمنين بعضهم لبعض لأنّه لو كان الخطاب للمعتدين لقالوا: ولعلكم تتقون يدلّ عليه قول
يمان بن رئاب نحن الطائفتان اللذان قالوا ﴿لِمَ تعظون قوماً الله مُهلكهم﴾ والذين قالوا ﴿معذرة
إلى ربّكم﴾ فأهلك الله أهل المعصية الذين أخذوا الحيتان فجعلهم قردة وخنازير.
وقال ابن عباس: ليت شعري ما فعل هؤلاء الذين قالوا: ﴿لم تعظون قوماً الله مهلكهم﴾
قال عكرمة: فقلت له: جعلني الله فداك ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم وقالوا:
﴿لم تعظون قوماً الله مهلكهم﴾ فلم أزل به حتّى عرّفته أنهم قد نجوا فكساني حلّة(٢).
﴿فلمّا نسوا ما ذكروا به﴾ تركوا ما وعظوا به ﴿أنجينا الذين ينهون عن السوء﴾ أي
المعصية ﴿وأخذنا الذين ظلموا﴾ أي عاقبنا باعتدائهم في السبت واستحلالهم ما حرم الله
﴿بعذاب بئيس﴾ شديد وجيع من البأس وهو الشدة والفعل منه بؤس يبَئوسُ، فاختلف القراء فيها
فقرأ أهل المدينة بِيْس بكسر الباء وجزم الياء من غير همزة على وزن فعل، وقرأ ابن عامر كذلك
على وزن فِعْل إلاّ أنّه الهمزة.
وقرأ عاصم: في رواية أبي بكر: بَيْئس بفتح الباء وجزم الياء وفتح الهمزة على وزن فيعل
مثل صيقل ويثرب .
كما قال الشاعر:
كلاهما كان رئيساً بيئسا
يضرب في الهيجاء منه القونا(٣)
(١) تفسير الطبري: ٩ / ١٢٧.
(٢) تفسير الطبري: ٩ / ١٢٦ بتفاوت.
(٣) نسبه الطبري في تفسيره إلى امرىء القيس بن عابس الكندي: ٩ / ١٣٤، وفيه:
كلاهما كان رئيساً بيئساً
يضرب في يوم الهياج القونسا

٢٩٨
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
وقرأ بعضهم: بَيئِس بفتح الباء وكسر الهمزة على وزن فعل مثل [حذر] كقول ابن قيس
الرقيات :
ليتني ألقى رقيّة في
خلوة من غير ما بيئس (١)
وقرأ الحسن: بكسر الباء وفتح السين على معنى بيئس العذاب.
وقرأ مجاهد: بايئس على وزن فاعل وقرأ أبو أياس بفتح الباء والياء من غير همزة.
وقرأ نصر بن عاصم: بيئس بفتح الباء وكسر الياء مشدداً من غير همزة.
وقرأ بعض أهل مكة بئيس بكسر الياء والهمزة كما يقال: بعر للبعير. وقال أهل اللغة: كل
فعل ثانية أحد حروف الحلق فإنّه يجوز كسر أوّله مثل بِعير وصغير ورحيم و[حميم] وبخيل، وقرأ
الباقون بئيس على وزن فعيل وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم لأن فعيلاً أشبهه بصفات [التعريف]
كقول ذي الاصبع العدواني :
محمجين(٢) إليك شوساً(٣)
لقد رأيت بني أبيك
لي فيهم أثراً بئياً (٤)
حنقاً عليّ ولن ترى
وقوله ﴿فلمّا عتوا عمّا نُهوا عنه﴾ قال ابن عباس: أبوا أن يرجعوا عن المعصية ﴿قلنا لهم
كونوا قردة خاسئين﴾ صاغرين. قال سعيد بن جبير: رأى موسى (عليه السلام) رجلاً يحمل قصباً
يوم السبت فضرب عنقه(٥)، أبو روق: الخاسئون الذين لا يتكلّمون.
وقال المؤرخ مبعدين كما بَعُد الكلاب. قال ابن عباس: [مكثوا] ثلاث أيام ينظر إليهم
الناس ثمّ هلكوا ولم يتوالدوا ولم يتناسلوا ولم يمكث مسخ فوق ثلاثة أيام.
قال مقاتل: عاشوا سبعة أيام يعرف الكبير بكبره والصغير بصغره، ثمّ ماتوا .
وروى ابن مسعود أن رسول الله وقالفيه قال: إن الله لم يمسخ شيئاً فجعل له نسلاً وعاقبه(٦).
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لِيَتَعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ اٌلْقِيَئِمَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ
اَلْمِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحٌِ (١٧) وَقَطَّعْنَهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَعَّاً مِّنْهُمُ اَلْصَّنْلِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكٌ
(١) شرح الرضي على الكافية: ٤ / ٤٩.
(٢) التحميج: التحديق في النظر.
تاج العروس: ٢ / ٢٤.
(٣)
تفسير الطبري: ٩ / ١٣٥ .
(٤)
(٥) تفسير الطبري: ٩ / ١٣٦.
(٦) كتاب السنة للضحاك: ١١٦.

٢٩٩
سورة الأعراف، الآيات: ١٦٧ - ١٧١
فَغَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ
وَيَلَوْنَهُم بِالْحَسَنَتِ وَالسَّْئَاتِ لَعَلَّهُمْ بِرْجِعُونَ
هَذَا أَلْأَدْنَ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن بَأْتِهِمْ عَضُ مِثْلُ بَأْخُذُوهُ أَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم ◌ِينَقُ الْكِتَبِ أَنْ لَّا يَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ
إِلَّ الْحَقِّ وَدَرَسُوْ مَا فِيَةٍ وَالذَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونُ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَبِ
وَقَامُواْ الصَّلَوَةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ اْصْلِمِينَ
وَإِذْ نَنَقْنَا الْجِبَلَ فَوَقَّهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَةٌ وَظَنُواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ
خُذُوا مَآ ءَاتَيْتَكُمْ بِقُوَّةٍ وَأَذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ نَتَّقُونَ
﴿وإذ تأذن ربّك﴾ أذن وأعلم ربّك مثل قولهم تعلم بمعنى أعلم. وأنشد المبرّد:
تعلم أن خير الناس حي
ينادي في شعارهم يسار (١)
وقال زهير:
فقلت تعلم أن للصيد غرّة
فان لا تضيعها فإنّك قاتله (٢)
وقال ابن عباس: (تأذن ربّك) قال ربّك، وقال مجاهد: أمر ربّك، وقال عطاء: حتم،
وقال أبو عبيد: أخبر، وقال قطرب: وعد.
﴿ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب﴾ هم اليهود بعث الله عليهم
محمداً وأمته يقاتلونهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، وقال سعيد بن جبير: هم أهل الكتاب
بعث الله عليهم العرب يجبونهم الخراج إلى يوم القيامة فهو سوء العذاب ولم يجب نبي قط
الخراج إلاّ موسى (عليه السلام) فهو أول من وضع الخراج فجباه ثلاث عشرة سنة ثمّ أمسك
﴿فخلّف من بعدهم خلف﴾ أي حضرت وجاء وتبدل من بعد هؤلاء الذين وصفناهم خلف.
قال أبو حاتم: الخلف بسكون اللام الأولاد والواحد والجميع فيه سواء والخلف بفتح
اللام البدل ولداً كان أو غريباً، وقال الآخرون: هم خلف سوء.
وقال ابن الأعرابي: الخلف بالفتح الصالح و [بالجزم] الصالح. قال لبيد:
(٣)
وبقيت في خلف كجلد الأجرب
ذهب الذين يعاش في أكنافهم
ومنه قيل للردئ من الكلام: خلف، ومنه المثل السائر: سكت الفاً وبطن خلفاً .
وقال النضر بن شميل: الخلف بجزم اللام واسكانها في غير القرآن السوء واحد، فأمّا في
القرآن الصالح [بفتح] اللام لا غير، وأنشد:
(١) تفسير القرطبي: ٧ / ٣٠٩.
(٢) معاني القرآن للنحاس: ٣ / ٩٦، ولسان العرب: ١٣ / ١٣.
(٣) كتاب العين: ٤ / ٢٦٦.

٣٠٠
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
إنا وجدنا خلفاً بئس الخلف
عبداً إذا ما ناء بالحمل خضف(١)
وقال محمد بن جرير الطبري: أكثر ما جاء في المدح بفتح اللام وفي الذم بتسكينها وقد
تحرك في الذم وتسكن في المدح ومن ذلك قول حسان بن ثابت:
لنا القدم الأولى وإليك وخلفنا
لأولنا في طاعة الله تابع(٢)
قال: واحسب أنّه إذا وجّه إلى الفساد مأخوذ من قولهم: خلف اللبن وحمض من طول
تركه في السقاء حتى تفسد، ومن قولهم: خلف فم الصائم إذا تغير ريحه وفسد، فكان الرجل
الفاسد مشبه به .
﴿ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى﴾ والعرض متاع الدنيا أجمع. والعرض بسكون
الراء ما كان من المال سوى الدراهم والدنانير.
قال المفسّرون: [إن] اليهود ورثوا كتاب الله فقرأوه وعلموه وضيعوا العمل به وخالفوا
حكمه يرتشون في حكم الله وتبديل كتاب الله وتغيير صفة رسول اللـه وَلجه ﴿ويقولون سيغفر لنا﴾
ذنوبنا ما عملناه بالليل كُفّر عنا بالنهار، وما عملناه بالنهار كفر عنا بالليل تمنياً على الله
الأباطيل .
﴿وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه﴾. قال سعيد بن جبير: وإن عرض لهم ذنب آخر عملوه.
وقال مجاهد: ما أشرف لهم في اليوم من شيء من الدنيا الحلال أو حرام يشتهونه
أخذوه. وكلما وهف(٣) لهم شيء من الدنيا أكلوه وأخذوا من الدنيا، ما وهف أي ما سهل، لا
يبالون حلالاً كان أو حراماً ويبتغون في المغفرة فإن يجدوا الغد مثله يأخذوه (٤).
قال السدي: كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضياً إلاّ ارتشى في الحكم. وإن خيارهم
اجتمعوا فأخذوا منهم بعض العهود أن لا يفعلوا فجعل الرجل منهم إذا استقضى وارتشى يقال
له: مالك ترتشي في الحكم، فيقول: سيُغفر لي، فيطعن عليه البقية [عَرَض] من بني إسرائيل فيما
صنع، فإذا مات أو نزع وجعل مكانه رجلاً ممن كان يطعن فيرتشي فيقول وأن يأتي الآخرين
عرض مثله يأخذوه ومعناه: وإن يأت يهود يثرب الذين كانوا عاهدوا رسول الله وَّ عرض مثله
يأخذوه كما أخذ أسلافهم. والأدنى تذكير الدنيا وعرض هذه الدار الدنيا فلما ترك الاسم
المؤنث ذكر النعت لتذكير اللفظ.
(١) تفسير القرطبي: ٧ / ٣١١.
(٢) لسان العرب: ٩ / ٨٩.
(٣) وهف: بدا.
(٤) تفسير الطبري: ٩ / ١٤٢، وتفسير مجاهد: ١ / ٢٤٩.