النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
سورة الأعراف، الآيات: ١١ - ١٨
﴿لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم﴾ يعني لأجلسنّ [لبني آدم] على طريقك القويم وهو
الإسلام كما قال أوعجلتم أمر ربّكم يعني عن أمر ربّكم.
وروي عن النبيّ وَلّ أنّه كان يقول: ((إن الشيطان قعد لبني آدم بطرق فقعد له بطريق
الإسلام فقال له: أتسلم وتذر دينك ودين آبائك، فعصاه فأسلم ثمّ قعد له بطريق الهجرة فقال:
أتهاجر وتذر أرضك وسماءك فإنّما مثل المهاجر كالفرس في الطول. فعصاه وهاجر ثمّ قعد له
بطريق الجهاد وهو جهد النفس والمال فقال: أتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال فعصا له
وجاهد)) [١٧٣](١).
وعن عون بن عبد الله ﴿لأقعدن لهم صراطك المستقيم﴾ قال: طريق مكّة ﴿ثمّ لأتينّهم من
بين أيديهم﴾ الآية قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: (ثم لآتينّهم) من بين أيديهم يقول
[أشككهم] في آخرتهم ﴿ومن خلفهم﴾ [أن يُقيم في كتابهم] ﴿وعن أيمانهم﴾ اشتبه عليهم أمر
دينهم ﴿وعن شمائلهم﴾ [أُشقّ] لهم المعاصي.
روى عطيّة عن ابن عباس قال: أما بين أيديهم فمن قِبل دنياهم وأمّا من خلفهم [فإنّه]
آخرتهم وأمّا من إيمانهم فمن قبل حسناتهم وأما عن شمائلهم فمن قبل سيئاتهم.
وقال قتادة: أتاهم من بين أيديهم فأخبرهم أنّه لا يعذّب ولا جنّة ولا نار، ومن خلفهم من
أمر الدنيا فزيّنها لهم ودعاهم إليها، وعن أيمانهم من قبل حسناتهم بطأهم عنها، وعن شمائلهم
يزين لهم السيئات والمعاصي ودعاهم إليها وأمرهم بها، إياك يا بن آدم من كل وجه غير أنّه لم
يأتك من فوقك لم يستطيع أن يحول بينك وبين رحمة الله.
وقال الحكم والسدّي ﴿لآتينهم من بين أيديهم﴾: يعني الدنيا أدعوهم إليها وأُرغبهم فيها
وأُزينها لهم. ﴿ومن خلفهم﴾ من قِبَل الآخرة أُشككهم و[أثبطهم] فيها. ﴿وعن أيمانهم) من قبل
الحق أصدهم عنه [أبتلكم] فيه، وعن شمائلهم من قِبل الباطل أُخففه عليهم وأُزينه لهم وأُرغبهم
فيه .
وقال مجاهد: من بين أيديهم وعن أيمانهم من حيث يبصرون ومن خلفهم وعن شمائلهم
حيث لا يبصرون، قال ابن جريج: معنى قوله: من حيث يبصرون أي يخطئون حيث يعلمون
أنّهم يخطئون وحيث لا يبصرون لا يعلمون أنهم يخطئون.
وقال الكلبي: ﴿ثمّ لأتينهم من بين أيديهم﴾ من قِبل آخرتهم أخبرهم أنّه لا جنّة ولا نار
ولا نشور. ﴿ومن خلفهم﴾ من قِبل دنياهم فأمرهم بجمع الأموال لا يعطون لها حقّاً [وأُخوفهم
الضيعة] على ذرّيتهم.
(١) جامع البيان للطبري: ٨ / ١٧٧.

٢٢٢
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
﴿وعن أيمانهم) من قِبل دينهم [فأُبيّن] لكلّ قوم ما كانوا [يعبدون] وإن كانوا على هدى
شبّهته عليهم حتّى أخرجتهم منه ﴿وعن شمائلهم﴾ من قِبل الشهوات واللذات فأُزيّنها لهم(١).
وقال شقيق بن إبراهيم: ما من صباح إلاّ وقعد لي الشيطان على أربعة مراصد من بين يدي
ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي، أما من بين يدي فأقول: لا تحزن فإنّ الله غفور رحيم،
ويقول ﴿ذلك لمن تاب * وآمَنْ وعمل صالحاً ثمّ اهتدى﴾(٢).
وأمّا من خلفي فتخوّفني الضيعة على عيالي ومحللي فأقول ﴿وما من دابة على الأرض إلاّ
على الله رزقها﴾(٣).
وأما من قِبَل يميني فيأتيني من قبل [الثناء] فأقول والعاقبة للمتقين.
وأمّا من قبل شمالي فيأتيني من قبل الشهوات واللّذات فأقول ﴿وحيل بينهم وبين ما
يشتهون﴾(٤) .
﴿ولا تجد أكثرهم شاكرين﴾ قال الله عزّ وجلّ لإبليس ﴿قال أخرج منها مذءوماً مدحورا﴾
أي معيباً والذيم والذأم أشد العيب، وهو أبلغ من الذم، يقال: ذمّه يذمّه ذمّاً فهو مذموم [وذائمه
يذائمه] ذأماً [فهو مذؤوم وذامه] بذمة ذيماً، مثل سار يسير، فهو مذيم والمدحور [المقصي]
يقال: دَحَره يدحره دحراً إذا أبعده وطرده(٥) .
قال ابن عباس: مذؤوم عنه ﴿مذؤوماً مدحوراً﴾ يعني غير مطروداً إذ قال الربيع ومجاهد:
مذؤوماً [ممقوتاً] وروى عطيّة: مذؤوماً مقوتاً، أبو العالية: مذؤوماً [مزرياً] به.
وقال الكلبي: مذؤوماً ملوماً مدحوراً مقصياً من الجنّة ومن كل خير، وقال عطاء: مذؤوماً
ملعوناً .
وقال الكسائي: المذؤوم المقبوح. وقال النضير بن شميل: المذؤوم [المحبوس] وقال
أبان عن ثعلب والمبرّد: المذؤوم المعيب.
قال الأعشى :
وإذا لا تعدم الحسناء ذاماً (٦)
وقد قالت قبيلة إذا رأتني
(٢) سورة طه: ٨٢.
(١) راجع تفسير الطبري: ٨ / ١٨٠.
(٣) سورد هود: ٦.
(٤) سورة سبأ : ٥٤.
(٥) راجع مجمع البحرين: ٢ / ٨٢ وتاج العروس: ٨ / ٣٠٠.
(٦) في لسان العرب: ١٢ / ٢٢٣ وفي المثل: لا تعدم الحسناء ذاماً، وذكر شعر لأنس المحاربي:
وقد لا تعدم الحسناء ذاماً.
وكنت مسوداً فينا حميداً

٢٢٣
سورة الأعراف، الآيات: ١٩ - ٢٥
وقال أُميّة بن أبي الصلب:
قال لإبليس رب العباد أخرج [رجس الدنيا] مذؤماً
﴿لمن تبعك منهم﴾ من بني آدم ﴿لأملأن جهنم منكم﴾ منك ومن ذريتك وكفار ذرية آدم
﴿أجمعین﴾ .
وَبَّنَادَمُ أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ أَلْجَنَّهُ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ مِئْتُمَا وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُوْنَا مِنَ الظَّالِمِينَّ
فَوَسَّوَسَ لَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِىَ لَمَا مَا ؤُرِىَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَانِهِمَا وَقَالَ مَا نَكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّ أَنْ
تَكُونَا مَلَكَيْنٍ أَوْ تَكُوْنَا مِنَ الْخَلِنَّ (٢٠) وَفَاسَمَهُمَّاً إِلَّى لَكُمَا لَمِنَ النَّصِنَ ﴿٨َ فَذَلَّنْهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَا ذَافًّا الشَّجَرَّةُ
بَدَتْ لَّمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَنَّهُمَا رَتُهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقْلَ
لَّكُمَاَ إِنَّ الشَّتْطِنَّ لَكُمَا عَدُوٌّ مِينٌ (٢٤) قَالَا رَبَّنَا طَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ أَوْ تَغْفِرْ لَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِنَّ
قَالَ أَخْبِطُواْ بَعَضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِ الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَعُ إِلَى حِينٍ (٢) قَالَ فِيهَا تَحْيُونَ وَفِيهَا
٣٥
تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ
﴿ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنّة فكلا منها حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا
من الظالمين فوسوس﴾ يعني إليهما ومعناه فحدث إليهما ﴿الشيطان ليبدي لهما ما وُري عنهما
من سوءاتهما﴾ يعني ليظهر لهما ما غطى وستر عنهما من عوراتهما، وقال وهب: كان عليهما
نور لا يرى سوءاتهما ثمّ بين الوسوسة ﴿وقال مانهاكما﴾ ياآدم وحواء ﴿ربكما عن هذه الشجرة
إلّ أن تكونا ملكين﴾ يعني إلاّ أن تكونا وكراهيّة أن يكونا من الملائكة يعملان الخير والشر.
وقرأ ابن عباس والضحاك ويحيى بن أبي معين: ملكين بكسر اللام من الملك أخذوها من
قوله ﴿هل أدلّك على شجرة الخلد وملك لا يبلى﴾.
﴿أو تكونا من الخالدين﴾ من الباقين الذين لا يموتون ﴿وقاسمهما﴾ أي أقسم وحلف
لهما، وقاسم من المفاعلة أي يختصّ الواحد مثل المعافاة المعاقبة والمناولة.
قال خالد بن زهير:
وقاسمهما بالله جهداً لأنتم
ألذ من السلوى إذا ما نشورها (١)
قال قتادة: حلف لهما بالله عزّ وجلّ حتّى خدعهما وقد يخدع المؤمن بالله فقال: إني
خُلقت قبلكما وأنا أعلم منكما فاتبعاني أرشدكما، وكان بعض أهل العلم يقول: من خادعنا بالله
خدعنا .
(١). تفسير الطبري: ٨ / ١٨٦.

٢٢٤
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
وقال رسول الله وَلّ: ((المؤمن غر كريم، والفاجر خبُّ لئيم [١٧٤](١).
[وحدّثنا] أبو القاسم الحبيبي في بعضها. قال: أنشدنا أبو الحسن المظفّر بن محمد بن
غالب قال: أنشدنا نفطويه :
إن الكريم إذا تشاء خدعته وترى اللئيم مجرباً لا يخدع(٢)
﴿إنّي لكما من الناصحين فدلّهما بغرور﴾ يعني فخدعهما يقال: ما زال فلان يدلي لفلان
يعرّفُة، يعني مازال يخطّئه ويكلّمه بزخرف القول الباطل، وقال مقاتل: فزين لهما الباطل.
وقال الحسن بن الفضل: يعني تعلقهما بغرور، يقال: تدلي بنفسه ودلى غيره. ولا يكون
التدلّي إلّ من علو إلى أسفل، وقيل أصله دللهما فأبدل من إحدى اللامات ياء، كقوله: (تمّى)
و(دسّاها)، وقال أبو عبيدة: دلّيهما أخذ لهما وكلاهما من تدلين الدلو إذا أرسلتها في البئر
لتملأها ﴿فلما ذاقا الشجرة﴾ أكلا منها ووصل إلى بطنيهما ﴿بدت﴾ ظهرت ﴿لهما سوءاتهما)
عوراتهما وتهافت عنهما لباسهما حتّى أبصر كل واحد منهما ما ورى عنه من عورة صاحبه وكانا
لا یریان ذلك.
قال قتادة: كان لباس آدم وحوّاء في الجنّة ظفر أكله فلما واقعا الذنب كشط عنهما وبدت
سوءاتهما فأستحيا ﴿وطفقا يخصفان﴾ [يوقعان] ويشدان [ويمزّقان ويصلان] ﴿عليهما من ورق
الجنّة﴾ وهو ورق التين حتّى صار بهيئة الثوب ومنه خصف النعل.
وروى أُبي بن كعب: عن رسول الله وَ ◌ّه قال: ((كان آدم رجلاً [طوّالا] كأنّه نخلة [سحوق]
كثير شعر الرأس فلمّا وقع في الخطيئة بدت له سوءاته وكان لا يراها فانطلق هارباً في الجنّة
فعرضت له شجرة من شجر الجنّة فَحَسِبَهُ بشر. فقال: أرسلني، قالت: لست بمرسلتك، فناداه
ربّه يا آدم أمنّي تفر، قال: لا يا رب ولكنّي أستحيي منك)) [١٧٥](٣).
وقال ابن عباس وقتادة: قال الله عزّ وجلّ لآدم: ألم يكن لك فيما أبحته ومنحته لك من
الجنّة [مندوحة] من الشجرة، قال: على عهدي ولكن ما ظننت أن أحداً من خلقك يحلف بك
كاذباً، قال: فبعزّتي لأُهبطنّك إلى الأرض ثمّ لا تنال العيش [إلاّ نكداً] فاهبطا من الجنّة، فكانا
يأكلان رغداً إلى غير رغد من طعام وشراب، تعلم صنعة الحديد وأمر بالحرث فحرث وزرع ثمّ
سقى حتّى إذا بلغ حصد ثمّ طحنه ثمّ عجنه ثمّ خبزه ثمّ أكل ثمّ بلعه حتّى بلغ منه ما شاء الله أن
بلغ ﴿وناداهما ربّهما الم أنهكما﴾ الآية، قال محمد بن قيس: ناداه ربّه يا آدم لم أكلت منها وقد
(١) مسند أحمد: ٢/ ٣٩٤.
(*) تفسير القرطبي: ١٨٠/٧.
(٣) المستدرك: ٢ / ٢٦٢. والنخلة السحوق: الطويلة التي بعد ثمرها على المجتني.
٢

٢٢٥
سورة الأعراف، الآيات: ٢٦ - ٣٠
نهيتك قال: يارب أطعمتني حواء، قال: لحواء لم أطعمتيه قالت: أخبرتني الحيّة، قال للحيّة:
لِمَ أمرتيها؟ قالت: أمرني [إبليس] فقال الله عزّ وجلّ: أمّا إنّكِ ياحوّاء فكما أدميت الشجرة
[فسأُدميكِ](١)، وأمّا أنتِ ياحيّة فاقطع قوائمك فتمشين جهتيّ الماء على وجهك وسيندفع رأسك
من لقيك، وأمّا أنتَ يا إبليس فملعون مدحور.
﴿قالا ربّنا ظلمنا أنفسنا﴾ ضررناها بالمعصية ﴿وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونّن من
الخاسرين﴾ الهالكين ﴿قال اهبطوا بعضكم لبعض عدوٌ ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين﴾
﴿قال فيها تحيون﴾ يعني في الأرض ﴿وفيها تموتون ومنها تُخرجون﴾.
بَّنِيَّ ءَدَمَ قَدْ أَوْلَنَا عَلَيْكُمْ لِيَاسًا يُؤْرِى سَوْءَاتَّكُمْ وَرِيْشَّاً وَلِيَاسُ النَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌّ ذَلِكَ مِنْ ءَايَتِ اللَّهِ
لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴿ يَسَبِىّ ءَآدَمَ لَا يَفْئِنَّكُمُ الشَّبْطِرُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَبِّكُمْ مِنَ الْجَنَّةِّ يَِّعُ عَنْهُمَا لِنََّسَهُمَا
لِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَاْ إِنَّهُ بَرَكُمْ هُوَ وَقَبِلُ مِنْ حَيْثُ لَا نَرَوْنَهُمَّ إِنَّا جَمَلْنَا الشَّيَِّينَ أَوْلِيََّ لِلَّذِينَ لَّ يُؤْمِنُونَ
وَإِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةٌ قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَاَ ءَابَأَنَا وَلَّهُ أَمَرَنَا بِهَاْ قُلْ إِنََّ اللَّهَ لَا يَأْمُ بِالْفَحْشَاءِ أَنَقُولُونَ عَلَى أَّهِ مَا
لَا تَعْلَّمُونَ
﴿ قُلْ أَمَّ رَبِّ بَاَلْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلّ مَسْجِدٍ وَأَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الذِينَ
كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ﴿٦َ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمْ الضَّكَلَةُ إِنَّهُمُ أَتَّخَذُواْ الشَّيَطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الَّهِ
وَسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ
﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم﴾ أي خلقنا لكم، وقيل: نزّلنا أسبابه وآلاته لأنه [المثبّت] بما
يقول.
وقيل: [على الحكم] كبقيّة صنعته وذلك أن قريشاً كانوا يطوفون بالبيت عراة وقوله
﴿لباساً﴾ وهو ما يُلبس من الثياب ﴿يواري﴾ يستر ﴿سوءاتكم﴾ عوراتكم واحدها سوءة، وهي
فعلة من السوء سمّيت سوأة لأنّه يسوء صاحبها إنكشافها من جسده ﴿وريشاً﴾ يعني مالاً في قول
ابن عباس والضحاك والسدي، فقال: الريش: الرجل إذا [تموك] وقال ابن زيد: الريش
الجمال.
وقيل: هو اللباس. وحكي أبو عمرو أنّ العرب تقول: أعطاني فلان ريشة أي كسوة
وجهازة .
وقرأ عثمان بن عفان والحسن وأبو عبد الرحمن وأبو رجاء وقتادة: ورياشاً بالألف وهو
جمع ریش مثل ذئب وذیاب وبیر وبيار وفَدِحَ وقداح .
(١) وهو كناية عن الحيض.

٢٢٦
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
قال قطرب: الريش والرياش واحد، كقولك دبغ ودباغ ولبس ولباس وحل وحلال وحرم
وحرام، ويجوز أن يكون مصدراً من قول القائل: راشه إليه بريشه رياشاً.
والرياش في كلام العرب الأثاث وما ظهر من المتاع والثياب والفراش وغيرها. وقال ابن
عباس: الرياش اللباس والعيش والنعيم. وقال الأخفش: الرياش الخصبة والمعايش.
﴿ولباس التقوى خير﴾ قرأ أهل المدينة والشام. والكسائي ولباس التقوى بالنصب عطفاً
على الريش. وقرأ الباقون بالرفع على الابتداء وخبره (خير).
وجعلوا ذلك صلة في الكلام، وكذلك قرأ ابن مسعود وأبي بن كعب: ولباس التقوى
خير. واختلفوا في لباس التقوى ماهو [هل] يدلّ على لباس التقوى [الدرع] والساعدان.
والساقان. والآلات التي يتّقى بها في الحرب مع العدو.
وقال قتادة والسدي وابن جريج: لباس التقوى هو الإيمان. وقال معبد الجهني: هو
الحياة. وأنشدني أبو القاسم [السدوسي] قال: أنشدني أبو عرابة الدوسي في معناه
إني كأني أرى من لا حيالة ولا أمانة وسط الناس عُرياناً.
عطيّة عن ابن عباس: هو العمل الصالح وروى الذبال بن عمرو عن ابن عباس قال: هو
السمت الحسن في الوجه.
وقال الحسن: رأيت عثمان بن عفان (رضي الله عنه) على منبر رسول الله وَّر عليه قميص
قوهي(١) محلول الزر وسمعته يأمر بقتل الكلاب وينهى عن اللعب بالحمام، ثمّ قال: أيها الناس
اتقوا الله في هذه السرائر، فإني سمعت رسول الله وَله يقول: ((والذي نفس محمد بيده ماعمل
أحدٌ قط سراً إلاّ ألبسه الله رداءه علانية إن خيراً فخير وإن شراً فشر)) [١٧٦](٢) ثمّ تلا هذه الآية
﴿وريشاً ولباس التقوى ذلك خير﴾ قال: السمت الحسن.
وقال عروة بن الزبير: لباس التقوى خشية الله، ابن زيد: ستر العورة يتقي الله فيواري
عورته ﴿ذلك من آيات الله لعلّهم يذكرون﴾ قال وهب بن منبه: الإيمان عريان لباسه التقوى
وزينته الحياء وفاله [الفقه] وجماله العفّة، وثمره العمل الصالح. ﴿يابني آدم لا يفتتنكم الشيطان﴾
لا يعلّمنّكم ولا يستزلّنكم فتبدي برأيكم للناس في الطواف بطاعتكم. ﴿كما أخرج أبويكم من
الجنّة ينزع عنهما لباسهما ليُريهما سوءاتهما﴾ ﴿إنّه﴾ يعني الشيطان ﴿يراكم﴾ يابني آدم ﴿هو
وقبيله﴾ خيله وجنوده وهم الجن والشياطين.
(١) نسبةً إلى القوهاء بالضم وهي كور بين نيسابور وهراة، ومراده نوع من الثياب البيض.
(٢) تفسير الطبري: ٢ / ٢١٦.

٢٢٧
سورة الأعراف، الآيات: ٢٦ - ٣٠
قال ابن زيد: نسله ﴿من حيث لا ترونهم﴾ قال مجاهد: قال إبليس: جعل لنا أربعاً: نرى
ولا يُرى ونخرج من تحت الثرى. ويعود شيخنا فتى.
قال مالك بن دينار: إن عدواً [يراك] ولا تراه لشديد [المؤنة] إلاّ مَنْ عصم الله.
وسمعت أبا القاسم [الحبيبي] قال: سمعت أبي قال: سمعت عليّ بن محمد الورّاق
يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول: الشيطان قديم وأنت حديث والشيطان ليّن وأنت
ناعم الناحية والشيطان يراك وأنت لا تراه والشيطان لا ينساك وأنت لا تزال تنساه ومن نفسك له
عون وليس لك منه عون.
وقيل: صدر ابن آدم مسكن له ويجري من ابن آدم مجرى الدم، وأنه لا يقاومه إلّ بعون
الله. ومنه يقول: ولا أراه من حيث يراني. وعندما أنساه لا ينساني فسيدي إن لم [تغث] يسبيني
كما سبا آدم من جنانك.
قال ذو النون المصري: إن كان هو يراك من حيث لا تراه فإنّ الله يراه من حيث لا يرى
الله فاستعن بالله عليه فإنّ كيد الشيطان كان ضعيفاً.
﴿إنّا جعلنا الشياطين أولياء﴾ أعواناً وقرناء ﴿للذين لا يؤمنون وإذا فعلوا فاحشة﴾
وفاحشتهم أنّهم كانوا يطوفون بالبيت عُراة الرجال [بالنهار والنساء بالليل]. ويقولون: نطوف كما
ولدتنا أُمهاتنا ولا نطوف في الثياب التي اقترفنا فيها الذنوب.
وكانت المرأة تضع على قُبُلها النسعة أو الشيء وتقول:
اليوم يبدو بعضه أو كلّه
وما بدى منه فلا أحلّهِ (١)
وفي الآية إضمار ومعناه ﴿وإذا فعلوا فاحشة﴾ ونُهوا عنها ﴿قالوا وجدنا عليه آباءنا﴾ قيل:
من أين أخذوا آباؤكم قالوا: ﴿الله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا
تعلمون﴾ ﴿قل أمر ربّي بالقسط﴾ قال ابن عباس: بلا إله إلاّ الله، وقال الضحاك: التوحيد،
وقال مجاهد والسدي: بالعدل ﴿وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد﴾ قال مجاهد والسدي وابن
زيد: يعني وجهوا وجوهكم حيث ما كنتم في الصلاة إلى الكعبة.
وقال الضحاك: إذا حضرت الصلاة وأنتم عند المسجد فصلّوا فيه ولا تقولن: أحب أن
أُصلي في مسجدي، وإذا لم يكن عند مسجد [فليأت] أيّ مسجد فليصلِّ فيه.
وقال الربيع: معناه واجعلوا سجودكم لله سبحانه وتعالى خالصاً دون ما سواه من الآلهة
(١) تفسير الطبري: ٧ / ١٧٩ .

٢٢٨
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
والأنداد ﴿وادعوه﴾ واعبدوه ﴿مخلصين له الدين﴾ الطاعة والعبادة ﴿كما بدأكم تعودون﴾ قال
النبيّ وَّهِ ((تبعث كل نفس على ما كانت عليه)) [١٧٧](١).
قال ابن عباس: إن الله سبحانه بدأ خلق ابن آدم مؤمناً وكافراً كما قال ﴿هو الذي خلقكم
فمنكم كافر ومنكم مؤمن﴾(٢) ثمّ يعيده يوم القيامة كما بدأ خلقهم كافراً ومؤمناً، فيبعث المؤمن
مؤمناً والكافر كافراً.
وقال جابر: يبعثون على ما ماتوا عليه المؤمن على إيمانه والمنافق على نفاقه. وقال أبو
العالية: عادوا إلى علمه فيهم.
قال محمد بن كعب: من ابتدأ خلقه على الشقوة صار إلى ما ابتدأ عليه خلقه وإن عمل
بإعمال أهل السعادة، كما أنّ إبليس عمل أعمال أهل السعادة صار إلى ما ابتدأ عليه خلقه، ومن
ابتدأ خلقه على السعادة صار إلى ما ابتدأ عليه خلقه وإن عمل أهل الشقاوة، كما أنّ السحرة
عملت أعمال أهل الشقاء ثم صاروا إلى ما ابتدأ عليه خلقهم.
وقال سعيد بن جبير: معناه كما كتب عليكم يكونون نضير قوله ﴿كما بدأنا أوّل خلق
نعیده﴾ .
قال قتادة: خلقكم من التراب وإلى التراب تعودون نضير قوله ﴿منها خلقناكم وفيها نعيدكم
ومنها نخرجكم﴾(٣).
وقال الربيع ابن أنس: كما بدأكم عرياناً تعودون لهم عرياناً. نضيره قوله: ﴿ولقد جئتمونا
فرادى كما خلقناكم أوّل مرّة﴾ (٤).
وقال السدي: كما خلقكم فريق مهتدون وفريق ضلال، كذلك تعودون تخرجون من بطون
أُمهاتكم، قال الحسن ومجاهد: كما بدأكم فخلقكم فريق مهتدون وفريق ضلال. كذلك تعودون
يوم القيامة، نضيره قوله ﴿كما بدأنا أول خلق نعيده﴾(٥).
روي سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبيّ وَلو قال «يُحشر الناس حُفاة عُراة وأوّل من
يُكسى إبراهيم عليه السلام)) [١٧٨](٦) ثمّ قرأ ﴿كما بدأنا أوّل خلق نُعيدهِ﴾.
(١) تفسير الطبري: ٨ /٢٠٦.
(٢) سورة التغابن: ٢ ..
(٣) سورة طه: ٥٥ .
(٤) سورة الأنعام: ٩٤ .
(٥) سورة الأنبياء: ١٠٤.
(٦) مسند أحمد: ١ / ٢٢٣.
ا۔

٢٢٩
سورة الأعراف، الآيات: ٣١ - ٣٦
﴿فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء أرباباً من دون الله
يحسبون أنهم مهتدون﴾ .
﴿﴿ يَبَنِىّ ءَدَمَ خُذُواْ زِيتَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُواْ وَأَثْرَبُواْ وَلَا شَرِفُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ◌ُلْسُّرِفِينَ
٣١
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّيَّ أَخْرَجَ لِبَادِهِ، وَالَّيِّبَبِ مِنَ الرِّزْقِّ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَءَامَنُواْ فِى الْحَيَوِ الدُّيَّا خَالِصَةً
يَوْمَ اَلْقِيََّةُ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْأَبَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٦) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبَِّ اَلْفَوَِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَاَلِّمَ
وَلَبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُواْ بِلَّهِ مَا لَمْ يُعِلْ بِ، سُلَطَنَا وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا نَعَلَمُونَ (٦َ) وَلِكُلِّ أَنٍَّ
أَلٌ فَإِذَا بَجَآءَ أَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْشَقِّمُونَ (٦٤) يَبِّنِيّ ◌َادَمَ إِنَّ بَأْتِيَتَّكُمْ رُسُلُ فِنَكُمْ يَقُصُونَ
عَلَيْكُمْ مَِى فَمَنِ أَنَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحِزَُّونَ (٢٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِحَايَتِنَا وَأَسْتَكْبَرُواْ عَنْهَ
أُوْ لَكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ بِهَا خَلِدُونَ
﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ قال المفسّرون: كانت بنو عامر في الجاهلية
يطوفون في البيت عُراة الرجال بالنهار والنساء بالليل، وكانوا إذا قدموا مسجد منى طرح أحدهم
ثيابه في رحله وإن طاف وهي عليه ضُرب ]وانبزعت[ منه فأنزل الله تعالى: ﴿يا بني آدم خذوا
زينتكم عند كل مسجد﴾ يعني الثياب.
وقال مجاهد: ما تواري به عورتك [للصلاة والطواف] وقال عطيّة وأبو روق وأبو رزين:
المشط(١).
وسمعت أبو القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا الهيثم [الجهني] يحكي عن السنوخي
القاضي: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ يعني: رفع الأيدي في مواقيت الصلاة.
وروى علي عن النبيّ بَّر في الخبر، قول جبرائيل (عليه السلام) للنبي وَّ: ((إن لكل شيء
زينة وإن زينة الصلاة برفع الأيدي فيها في ثلاث مواضع إذا تحرمت [للصلاة]: إذا كبرت، وإذا
ركعت، وإذا رفعت رأسك من الركوع» [١٧٩].
﴿وكلوا واشربوا﴾ قال الكلبي: كانت بنو عامر لا يأكلون من الطعام إلاّ قوتاً ولا يأكلون
دسماً في أيام حجّهم يعظّمون بذلك حجّهم فقال المسلمون: يا رسول الله نحن أحق أن نفعل
ذلك، فأنزل الله تعالى ﴿وكلوا﴾ يعني اللحم والدسم ﴿واشربوا ولا تُسرفوا﴾ يعني الحرام.
: قال ابن عباس: كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك سرف ومخيلة(٢)، وقال مجاهد:
الإسراف ما قصرت به عن حق الله. وقال: لو أنفقت مثل أُحُد في طاعة الله لم يكن سرفاً ولو
أنفقت درهماً أو مداً في معصية الله كان إسرافاً .
(١) زاد المسير لابن الجوزي: ٣ / ١٢٧.
(٢) ذكر أخبار أصبهان: ٢ / ٣٠٣.

٢٣٠
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
وقال الكلبي: ولا تُسرفوا يعني لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ الله لكم ﴿إنّه لا يُحب
المسرفين﴾ المتجاوزين من فعل الحرام في الطعام والشراب، وبلغني أنّ الرشيد كان له طبيب
نصراني حاذق، فقال لعليّ بن الحسين بن واقد: ليس في كتابكم من علم الطب شيء، والعلم
علمان علم الأديان وعلم الأبدان، قال عليّ: قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابنا
قال: وما هي؟ قال: قوله تعالى ﴿كلوا واشربو ولا تُسرفوا إنّه لا يُحبُ المسرفين﴾ فقال
النصراني: ولا يؤثر [عن رسولكم] شيء في الطب؟
فقال عليّ: جمع رسول اللـه ◌َله الطب فيّ [ألفاظ يسيرة] قال: وما هي؟ قال: قوله:
((المعدة بيت الداء والحمية رأس كلّ دواء وأعطِ كل بدن ما عودته)) [١٨٠] (١).
فقال النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيّكم لجالينوس طبّاً .
﴿قل مَنْ حرّم زينة الله التي أخرج لعباده﴾ يعني الثياب ﴿والطيّبات من الرزق﴾ قال ابن
زيد: كان قوم إذا حجّوا أو اعتمروا حرموا الشاة عليهم وما يخرج منها لبنها وسمنها ولحمها
وشحمها، فأنزل الله تعالى: ﴿قل مَنْ حرّم زينة الله التي أخرج لعباده﴾ الآية.
قال ابن عباس وقتادة: يعني بالطيبات من الرزق ما حرم أهل الجاهلية من البحائر
والسوائب والوصايا والحوامي. ﴿قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة﴾ قال
ابن عباس: إنّ المؤمنين يشاركون المشركين في الطيّبات من الدنيا فأكلوا من طيّبات طعامهم
وأُلبسوا من جياد ثيابهم وانكحن الزوج الخ ... كما هم، ثم يخلص الله الطيبات في الآخرة
للذين آمنوا وليس للمشركين فيها شيء ومجاز الآية: قل هي للذين آمنوا مشتركة في الحياة الدنيا
وخاصة في يوم القيامة .
وقراءة ابن عباس وقتادة ونافع: خالصة بالرفع يعنون قل هي خالصة.
وقرأ الباقون: بالنصب على القطع لأن الكلام قد تمّ دونه ﴿كذلك نفصّل الآيات لقوم
يعلمون﴾ ﴿قل إنّما حرّم ربّي الفواحش﴾ يعني الطواف عُراة ﴿ما ظهر منها﴾ طواف الرجال
بالنهار ﴿وما بطن﴾ طواف النساء بالليل.
وقيل: هي الزنا و[المخالة].
وقال النبيّ وَّر ((ليس أحد أحب إليه من المدح من الله سبحانه من أجل ذلك مدح نفسه،
وليس أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش، ما ظهر منها وما بطن، وليس أحد أحب
إليه العذر من الله عزّ وجلّ من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل [١٨١](٢).
(١) تفسير القرطبي: ٧ / ١٩٢.
(٢) تفسير ابن كثير: ١ / ٦٠٢.

٢٣١
سورة الأعراف، الآيات: ٣٧ - ٤٣
﴿والإثم﴾ يعني الذنب والمعصية. وقال الحسن: الإثم الخمر. وقال الشاعر:
الأثمّ يذهب بالعقول
شربت الإثم ظل عقلي كذلك
وقال الآخر:
نشرب الإثم بالصواع جهاراً
ونرى السكر بيننا مستعارا
﴿والبغي﴾ وهو الظلم ﴿بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا﴾ حجة وبرهاناً
﴿وأن تقولوا على الله مالا تعلمون﴾ تحريم الملابس والمأكل ﴿ولكل أُمّة أجل﴾ مدّة وأجل،
وقيل: وقت حلول العقاب وأوّل العذاب. ﴿فإذا جاء أجلهم﴾ وإذا أنقطع أجلهم، وقرأ ابن
سيرين آجالهم ﴿لا يستأخرون ساعة﴾ لا يتأخّرون ﴿ولا يستقدمون﴾ لا يتقدّمون ﴿يابني آدم إمّا
يأتينّكم رسل منكم﴾ شرط معناه: إن أتاكم [عجزاً به] فمن بقى، وقيل فأطيعوه وقال: مقاتل:
أراد بقوله يابني آدم لا تشركوا بالرب، وبالرسل محمد ◌ٍ وحده. ﴿يقصون عليكم آياتي فمن
اتّقى الله وأصلح﴾ عمله ﴿فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا
عنها﴾ عن الإيمان بمحمد والقرآن ﴿أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾.
فُمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ أَقْتَ عَلَى اَللَّهِ كَذِّبًا أَوْ كَذِّبَ بِثَيَّتِهِ. أُوْلَكَ مَّنَهُمْ نَصِدُهُمْ مِنَ الْكِتَبِّ حََّ إِذَا
جَاءَتْهُمْ رُسُلْنَا يَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُورِ اللَّهِ قَالُواْ ضَلُواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَّهُمْ
كَانُواْ كَفِرِينَ ﴿لَ قَالَ أَدْخُلُواْ فِىَ أُمَعٍِ قَدَ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ أَلْجِنَّ وَالْإِنسِ فِ النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُنَّهُ لَّمَنَتْ
أُخْتَهَاً حَتَّى إِذَا أَذَارَحِكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَبِهُمْ لِأُوْلَئِهُمْ رَبَّنَاَ هَؤُلَاءِ أَضَلُونَا فَائِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًاً مِّنَ النَّارِ
) وَقَالَتْ أُولَنْهُمْ لِأُخْرَنَهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا
١٣
قَالَ لِكُلِّ ضِعْفٌ وَلَكِن لَّا تَعْلَمُونَ (
اَلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٠) إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِهَايَِّنَا وَأَسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لَا نُقَنَّحُ لَهُمْ أَتْوَبُ السَّمَِ وَلَ
يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّ بَلِجَ الْجَمَلُ فِى سَمِّ الْخِيَّالِ وَكَذَلِكَ نَجْرِىِ الْمُجْرِمِينَ (٣٥) لَمْ مِنْ جَهَتَ مِهَادُ وَمِنْ
فَوْقِهِمْ غَوَاشٌِ وَكَذَلِكَ نَجْرِى الظَّالِمِينَ ﴿٨ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ لَا نُكَلِّمُ نَفْسًا إِلَّا
وُسْعَهَاَ أُوْلَبِكَ أَصْحَبُ الْجَنّةِ هُمْ فِهَا خَالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِمْ مِنْ عِلْ تَرِى مِن تَحِمُ الْأَنْهَرِّ
وَقَالُوْ اَلْحَمّدُ لِلّهِ الَّذِى هَدَيْنَا لِهَذَا وَمَا كُنَا لِنَتَدِىَّ لَوْلَا أَنْ هَدَنَا اَللَّهُ لَقَدْ حَتْ رُسُلُ رَيِّنَا بِأَلَّ وَنُودُوَاْ أَنْ
(٤٣
تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُوْرِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
﴿فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته أُولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب﴾
حظّهم بما كتبوا لهم في اللوح المحفوظ. وقال الحسن والسدي وأبو صلاح: ما كسب لهم من
العذاب.
وقال سعيد بن جبير ومجاهد وعطيّة: ما سبق لهم من الشقاوة والسعادة. وروى بكر
الطويل عن مجاهد في هذه الآية قال: قوم يعملون أعمالا لابد من أن يعملوها ولم يعملوها

٢٣٢
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
بعد. قال ابن عباس وقتادة والضحاك: يعني أعمالهم وما كتب عليهم من خير أو شر، فمن عمل
خيراً أُجزي به ومن عمل شراً أُجزي به. مجاهد عن ابن عباس قال: هو ما وعدو من خير وشر.
عطيّة عن ابن عباس أنّه قال: ينالهم ماكتب لهم وقد كتب لمن يفتري على الله أن وجهه
مسود(١)، يدل عليه [قوله تعالى]، ﴿وجوههم يومئذ مسودة﴾.
قال الربيع والقرظي وابن زيد: يعني ما كتب لهم من الأرزاق والأعمال والأعمار فإذا
فنيت و[تم خرابها] ﴿حتّى إذا جاءتهم رسلنا يتوفّونهم﴾ يقبضون أرواحهم يعني ملك الموت
وأعوانه ﴿قالوا أين ما كنتم تدعون﴾ تعبدون من دون الله ﴿قالوا ضلوا عنا﴾ أنشغلوا بأنفسهم
﴿وشهدوا على أنفسهم﴾ أقروا ﴿إنهم كانوا كافرين﴾ قالوا: [شهدنا] على أنفسنا [بتبليغ الرسل]
وغرّتهم الحياة الدنيا وشهدوا وأقروا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ﴿قل أدخلوا﴾ يقول الله عزّ
وجلّ لهم يوم القيامة ادخلوا ﴿في أُمم﴾ يعني مع جماعات ﴿قد خلت من قبلكم من الجن
والإنس في النار﴾ يعني كفار الأُمم الماضية ﴿كلما دخلت أُمة لعنت أُختها﴾ في الدين والملة
ولم يقل أخاها لأنّه عنى بها الأُمّة فيلعن المشركون المشركين واليهود اليهود، وكذلك النصارى
النصارى والمجوس المجوس ويلعن الأتباع القادة يقولون: لعنكم الله أنتم غررتمونا يقول الله
عزّ وجلّ ﴿حتّى إذا أدركوا فيها﴾ أي تلاحقوا ﴿جميعاً﴾ قرأ الأعمش: حتّى إذا تداركوا، على
الأصل، وقرأ النخعي: حتّى إذا أدركوا، مثقلة الدال من غير ألف أراد فنقلوا من الدرك.
﴿قالت آخراهم﴾ قال مقاتل: يعني أُخراهم دخولاً للنار وهم الأتباع، ﴿لأولاهم﴾ دخولاً
وهم القادة.
قال ابن عباس: (أُخراهم) يعني آخر الأُمم، (لأولاهم) يعني أوّل الأُمم، وقال السدي:
أُخراهم يعني الذين كانوا في آخر الزمان. (لأولاهم) يعني الذين شرعوا لهم ذلك الدين ﴿ربّنا
هؤلاء أضلونا﴾ عن الهدى. يعني الفساد ﴿فآتهم﴾ أي فأعطاهم ﴿عذاباً ضعفاً في النار﴾ أي
مضعفاً من النار ﴿قال لكلّ ضعف﴾ من العذاب ﴿ولكن لا تعلمون﴾ حتّى يحل بكم ﴿وقالت
أُولاهم لأُخراهم فما كان لكم علينا من فضل﴾ لأنّكم كفرتم كما كفر به ونحن وأنتم في الكفر
شرع سواء وفي العذاب أيضاً ﴿فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون * إن الذين كذبوا بآياتنا
واستكبروا عنها لا تفتح﴾ قرئ بالياء والياء والتشديد والتخفيف جميعاً ﴿لهم أبواب السماء﴾
يعني لا أرواحهم وأعمالهم لأنّها خبيثة فلا يصعد بل تهوى بها إلى [سجن] تحت الصخرة التي
تحت الأرضين.
روى أبو هريرة عن رسول الله ﴾ قال: إن الميت ليحضره الملائكة فإذا كان الرجل
الصالح قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب اخرجي حميدة، وأبشري
.٠
(١) تفسير الطبري: ٨ / ٢٢٥.

٢٣٣
سورة الأعراف، الآيات: ٣٧ - ٤٣
بروح من الله وريحان ورب غير غضبان فيقولون ذلك حتى تخرج ثمّ تعرج بها إلى السماء فينفتح
لها فيقال: من هذا [فيقال: فلان] فيقولون: مرحباً بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب
ادخلي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فيقال: ذلك لها حتّى يعرج بها إلى
السماء السابعة .
وإذا كان الرجل السوء قالوا: اخرجي أيتها النفس الخبيثة من الجسد الخبيث اخرجي ذميمة
وأبشري بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج، فيقولون ذلك حتّى يخرج، ثمّ يعرج بها إلى
السماء فتفتح لها فيقال: من هذا فيقولون فلان، فيقولون: لا مرحباً بالنفس الخبيثة التي كانت
في الجسد الخبيث أرجعي ذميمة فإنه لا يفتح لك أبواب السماء فيُرسل من السماء والأرض
فيصير إلى القبر(١).
﴿ولا يدخلون الجنّة حتّى يلج الجمل في سمّ الخياط﴾ يعني يدخل البعير في ثقب الإبرة
[وهذا مثل والسمّ] وهو الإبرة.
وقرأ عكرمة وسعيد بن جبير: الجمل بضم الجيم وبتشديد الميم. وهو حبل السفينة ويقال
لها الفلس قال عكرمة: هو الحبل الذي يصعد به إلى النخل ﴿وكذلك نجزي المجرمين لهم من
جهنم مهادٌ﴾ فراش من نار ﴿ومن فوقهم غواش﴾ وهي جمع غاشية وذلك ما غشاهم وغطاهم وقال
القرظي ومجاهد: هي اللحف ﴿وكذلك نجزي الظالمين﴾ قال البراء: قال رسول الله وتلقى: ((يكسي
الكافر لوحين من نار في قبره)) [١٨٢](٢)، فذلك قوله ﴿لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش﴾.
﴿والذين آمنوا وعموا الصالحات لا نكلّف نفساً إلاّ وسعها﴾ أي طاقتها وما يسعها ويحلّ
لها فلا تخرج منه ولا تضيق عليه ﴿أولئك أصحاب الجنّة هم فيها خالدون * ونزعنا﴾ وأخرجنا
وأذهبنا ﴿ما في صدورهم﴾ قلوبهم ﴿من غل﴾ وحقد وعداوة كان من بعضهم على بعض في
الدنيا فجعلناهم إخواناً على سرر متقابلين لا [يحسد] بعضهم بعض على شيء خص الله به
بعضهم وفضلهم به، روى الحسن بن عليّ (رضي الله عنه) قال: فينا والله أهل البيت نزلت
﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على مسرر متقابلين﴾(٣) ...
وقال عليّ - كرّم الله وجهه - أيضاً: ((إنّي لا أرجوا أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من
الذين قال الله ﴿ونزعنا ما في صدورهم) الآية (٤).
(١) مسند أحمد: ٢ / ٣٦٤.
(٢) الدر المنثور: ٣ / ٨٥.
(٣) كنز العمال: ٤٥٠/٢ ح ٤٤٧٢، وفضائل الصحابة لأحمد: ٥٩٧/٢ ح ١٠١٨
(٤) تفسير القرآن لعبد الرزاق: ٢ / ٢٢٨.

٢٣٤
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
وقال السدي: في هذه الآية: إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنّة وجدوا عند بابها شجرة
في أصل ساقها عينان فشربوا من إحداهما، فينزع ما في صدورهم من غل فهو الشراب الطهور
واغتسلوا من الأُخرى فجرت عليهم نضرة النعيم فلم يشعثوا ولم يتسخوا بعدها أبداً (١).
وروى الجزائري عن أبي نضرة قال: تحتبس أهل الجنّة حتّى تقتص بعضهم من بعض حتى
يدخلوا الجنّة حين يدخلونها، ولا يطلب أحد منهم أحداً علاقة ظفر ظلمها إياه وتحبس أهل النار
دون النار حتّى تقتص لبعضهم من بعض يدخلون النار حين يدخلونها، ولا يطلب أحد منهم أحداً
بعلاقة ظفر ظلمها أياه ﴿تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا﴾ وفقنا
وأرشدنا إلى هذا يعني طريق الجنّة وقال سفيان الثوري: معناه الحمد لله الذي هدانا لعمل هذا
ثوابه ﴿وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ قال رسول الله وم ليون: كل أهل النار يرى منزلة مَنْ
بالجنّة فيقولون: لو هدانا الله نكون [من المؤمنين] وكل أهل الجنّة ترى منزلة من بالنار
ويقولون: لولا أنّه هدانا الله فهذا شكرهم قال: وليس [هناك] من كافر ولا مؤمن إلاّ وله في
الجنّة أو النار منزل [فإذا] دخل أهل الجنّة الجنّة وأهل النار النار فدخلوا منازلهم رفعت الجنّة
لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها فقيل لهم هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله، ثمّ يقال: يا
أهل الجنة رثوهم بما كنتم تعملون فيقسم بين أهل الجنّة منازلهم، ونودوا أن صحوا ولا تسقموا
وأخلدوا فلا تموتوا وأنعموا ولا تيأسوا وشبّوا فلا تهرموا(٢) .
وَنَدَيَّ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدِّنَا مَا وَعَدَنَا رَيّاً حَتَّا فَهَلْ وَجَدْتُم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَفََّ قَالُواْ نَةٍّ
فَذَّنَ مُؤَذِّنٌ يَهُمْ أَنْ لَمْنَةُ اللَّهِ عَلَى الَِّينَ (٦٦) الَّذِيْنِّ يَصُدُونَ عَنْ سَّيْلِ لَّهِ وَغُونَهَا عِوَهَا وَهُم بِالْآَخِرَةِ كَفِرُونَ
وَبَدْتَهُمَا ◌َِادٌ وَلَى الْأَعْرَفِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلّ ◌ِمَهُمْ وَنَادَوْ أَصْحَبَ اَلَنَّةِ أَنْ سَلَمْ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ
يَطْمَعُونَ (٤٦) ﴿ وَإِذَا صُرِفَتْ أَصَدُهُمْ بِلِقَاءَ أَصَْبِ النَّارِ قَالُوْ رَّا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ اَلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٧) وَنَادَىَّ أَعَْبُ
اَلْأَعْرَافِ رِمَالَا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَهُمْ قَالُواْ مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْهُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْرُونَ ﴿٨) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا
يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ أَدْخُلُواْ أَلْنَّهَ لَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَاَ أَبْتُمْ مَّحْزَنُونَ (١٩) وَنَادَى أَصْحَبُ النَّارِ أَصْحَبَ الْجَنَّةُ
أَنْ أَفِيضُواْ عَلَّنَا مِنَ أَلَّمَاءِ أَوَّ مِنَّا رَزَقَِّكُمُ اللَّهُ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَِّينَ (9) الّذِينَ
أَتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوَا وَلَعِبًا وَغَرَّتَهُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنَا فَأَلْيَوْمَ نَنْسَنَّهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا
كَانُواْ بِتَابَئِنَا يَخْحَدُونَ
﴿ونادى أصحاب الجنّة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا﴾ من الثواب ﴿حقّاً﴾
صدقاً ﴿فهل وجدتم ما وعدكم ربّكم﴾ من العذاب ﴿حقّاً﴾ [هذا قول محمد بن جرير] ﴿قالوا
(١) تفسير الطبري: ٨ /٢٤١.
(٢) انظر جامع البيان للطبري: ٨ / ٢٤٣، بتفاوت.

٢٣٥
سورة الأعراف، الآيات: ٤٤ - ٥١
نعم﴾ قال الكسائي (نعم)) بكسر العين وتجوز بإسكانها وهما لغتان ﴿فأذّن مؤذّن بينهم﴾ فنادى
مناد منهم ﴿أن لعنة الله على الظالمين﴾ الكافرين ﴿الذين يصدّون﴾ يصرفون ﴿عن سبيل الله﴾
دين الله ﴿ويبتغونها عوجاً﴾ يطلبونها زيغاً وميلاً ﴿وهم بالآخرة كافرون وبينهما حجاب﴾ يعني
بين الجنّة والنار حجاب حاجز وهو السور الذي ذكر الله عزّ وجلّ في قوله ﴿فضرب بينهم
بسور﴾ .
﴿وعلى الأعراف﴾ يعني على ذلك الحجاب. والأعراف سور بين الجنّة والنار وهي جمع
عرف وهو كلّ تل مرتفع ومنه عرف الديك لارتفاعه على ماسواه من جسده.
وقال الشماخ:
وظلت بأعراف تعالى كأنها
رماح نحاها وجهة الريح راكز(١)
ويروى: بأعراف قفالاً، أي قفالى أي قفلى بعضهم بعضاً، بمشغرة نصف حمير، وشبّه
[قوامها] بالرماح نحاها قصد بها وجهة الريح، أي جهة الريح، وقوله: بأعراف أي نشوز من
الأرض.
وقال آخر:
كل كناز لحمها نياف كالعلم الموفي على الأعراف(٢)
يعني كل كناز نياف لحمها والكناز الصلب.
قال السدي: سمي أعرافاً لأن أصحابه يعرفون الناس. وقال الحسين بن الفضل: هو
الصراط، واختلفوا في الرجال الذين أخبر الله عنهم أنهم على الأعراف من هم وما السبب الذي
من أجله صاروا هناك؟ فقال حذيفة وابن عباس: أصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم في
سيّئاتهم وقصرت بهم سيّئاتهم عن الجنّة وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار، فوقفوا هناك حتّى
يقضي الله فيهم ما يشاء ثمّ يدخلهم الجنّة بفضل رحمته وهم آخر مَنْ يدخل الجنّة قد عرفوا أهل
الجنّة وأهل النار، فإذا أراد الله أن يعافيهم انطلق بهم إلى نهر يقال له نهر الحياة حافتاه من
الذهب مكلّلا باللؤلؤ ترابه المسك فالقوا فيه حتّى يصلح ألوانهم ويبدو في نحورهم شامة بيضاء
يعرفون بهم فأتى بهم فقال الله لهم: تمنوا ماشئتم فيتمنون متى إذا انقطعت أمنيتهم قال لهم:
لكم الذي تمنيتم ومثله سبعون ضعفاً فيدخلون الجنّة وفي نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها يسمون
مساكين أهل الجنّة.
قال ابن مسعود: يحاسب الله عزّ وجلّ الناس يوم القيامة فمن كانت حسناته أكثر من
(١) تفسير الطبري: ٨ / ٢٤٧.
(٢) المصدر السابق: ٨ / ٢٤٧.

٢٣٦
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
سيئاته بواحدة دخل الجنّة ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار، ثمّ قرأ: ﴿فمن
ثقلت موازينه فأولئك هم المفحلون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم﴾، ثمّ قال:
الميزان يخفف بمثقال حبّة [فيرجح].
ومَنْ استوت حسناته وسيّئاته كان من أصحاب الأعراف فوقفوا على الصراط ولم ينزع
منهم النور الذي كان في أيديهم. وروى يحيى بن [شبل] أنّ رجلا من بني النضير أخبره عن
رجل من بني هلال أن أباه أخبره أنّه سأل رسول الله و الله عن أصحاب الأعراف فقال: ((هم
رجال غزوا في سبيل الله عصاة لآبائهم فقتلوا فاعفوا من النار لقتلهم في سبيل الله وحبسوا عن
الجنّة بمعصية أبائهم فهم آخر من [يدخل] الجنّة)) [١٨٣].
قال شرحبيل بن سعيد: هم قوم خرجوا في الغزو بغير إذن آبائهم، وقال مجاهد: هم قوم
صالحون فقهاء علماء، وقال [التميمي] وأبو مجلن: هم ملائكة يعرفون أهل الجنّة وأهل النار
فقيل لأبي مجلن يقول الله: ﴿وعلى الأعراف رجال﴾ وتزعم أنت أنهم ملائكة، فقال: إنهم
ذكور ليسوا بإناث، قال ابن عباس: هم رجال كانت لهم ذنوب كثيرة، وكان حبسهم أمر الله
يقومون على الأعراف ﴿يعرفون كلاً بسيماهم﴾
وروى [صالح مولى الكوفة] أنّ ابن عباس قال: أصحاب الأعراف أولاد الزنا. وقال أبو
العالية: هم قوم يطمعون أن يدخلوا الجنّة وما جعل [الله] ذلك الطمع فيهم إلاّ كرامة يريدها
بهم.
وقال عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه قال: هم قوم رضي عنهم آبائهم دون أُمهاتهم أو
أمهاتهم دون آبائهم فلم يدخلهم الله الجنّة، لأن آباءهم وأمهاتهم غير راضين عنهم ولم يدخلهم
النار لرضا آبائهم أو أمهاتهم عنهم فيحبسون على الأعراف إلى أن يقضي الله عزّ وجلّ بين
الخلق ثمّ يدخلهم الجنّة، وقال عبد العزيز بن يحيى [الكناني]: هم الذين ماتوا [بالفقر] ولم
يبدلوا دينهم، وفي تفسير المنجوني: إنهم أولاد المشركين.
وسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت محمد بن محمد بن الأشعب يحكي عن
بعضهم أنهم أُناس عملوا لله عزّ وجلّ ولكنهم راؤوا في أعمالهم فلا يدخلون النار لأنّهم عملوا
أعمالهم لله ولا يدخلون الجنّة لأنّهم طلبوا الثواب من غير الله فيوقفون على الأعراف إلى أن
يقضي الله بين الخلق قوله: ﴿يعرفون كلا بسيماهم﴾.
وروى جويبر بن سعيد عن الضحاك عن ابن عباس في قوله عزّ وجلّ ﴿وعلى الأعراف
رجال يعرفون كلا بسيماهم﴾ قال: ((الأعراف موضع عال [من] الصراط عليه العباس
وحمزة، وعليّ بن أبي طالب وجعفر ذو الجناحين يعرفون محبيهم بياض الوجوه ومبغظيهم
سواد الوجوه)) [١٨٤].

٢٣٧
سورة الأعراف، الآيات: ٤٤ - ٥١
وقوله: (يعرفون كلا بسيماهم) يعني يعرفون أهل الجنّة ببياض وجوههم ونظرة النعيم
عليهم ويعرفون أهل النار بسواد الوجوه وزرقة عيونهم.
﴿ونادوا أصحاب الجنّة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهو يطمعون﴾ يعني أهل الأعراف.
قال سعيد بن جبير: والله ما جعل ذلك الطمع في قلوبهم إلا لكرامة يريدها بهم(١) لأن
الله تعالى [ ..... ](٢)، ويود المنافقون وهم على الصراط لو بقي أحدهم ولم
.](٣).
.. ]
﴿وإذا صرفت أبصارهم تلقاء﴾ [وجوه] أهل النار ﴿أصحاب النار﴾ وحيالهم تعوذوا بالله
﴿قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين﴾ الكافرين في النار ﴿ونادى أصحاب الأعراف رجالا﴾
كانوا عظماء أهل النار جبّارين ﴿يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم﴾ في الدنيا من
المال و [الأولاد] ﴿وما كنتم تستكبرون﴾ عن الإيمان.
وقال الكلبي: إنهم ينادون وهم على السور يا وليد بن المغيرة ويا أبا جهل بن هشام ويا
فلان. ثمّ ينظرون إلى الجنّة فيرون فيها الضعفاء والفقراء والمساكين ممن كانوا يستهزؤن بهم مثل
سلمان وصهيب ووخبّاب وأتباعهم فينادون ﴿أهؤلاء الذين أقسمتم﴾ حلفتم وأنتم في الدنيا ﴿لا
ينالهم الله برحمته﴾ يعني الجنّة ثمّ يقال لأصحاب الأعراف ﴿ادخلوا الجنّة لا خوف عليكم ولا
أنتم تحزنون﴾ .
وقال مقاتل أقسم أهل النار أن أصحاب الأعراف لا يدخلون الجنّة بل يدخلون النار
معهم .
فقالت الملائكة الذين حبسوا أصحاب الصراط هؤلاء الذين يعني أصحاب الأعراف الذين
أقسمتم يا أهل النار لا [يُكلّمهم] الله برحمة، ثمّ قالت الملائكة لأصحاب الأعراف ادخلوا
الجنّة .
﴿ونادى أصحاب النار أصحاب الجنّة أن أفيضوا﴾ [[صبّوا] وأوسعوا ﴿علينا من الماء أو
ممّا رزقكم الله﴾ من طعام الجنّة ﴿قالوا إن الله حرمهما﴾ يعني الماء والطعام ﴿على الكافرين)
قال أبو الجوزاء: سألت ابن عباس: أي الصدقة أفضل قال: قال رسول الله وَّ﴾ ((أفضل الصدقة
الماء ألا رأيت أهل النار لما استغاثوا بأهل الجنّة قالوا أفيضوا علينا من الماء)) [١٨٥](٤).
﴿الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً﴾ وهو ما زيّن لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة
تفسير الطبري: ٨ / ٢٥٢.
(١)
(٢) كلمة غير مقروءة.
(٣) كلمة غير مقروءة.
.
(٤) مجمع الزوائد: ٣ / ١٣١.

٢٣٨
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
والوصيلة والحام والمكاء والتصدية حول البيت وسائر الخصال الرديئة الدنيئة التي كانوا يفعلونها
في جاهليتهم، والدين كل ما أطيع به والتزم من حق أو باطل، وقال أبو روق: دينهم أو عقيدتهم
﴿وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم﴾ نتركهم في النار ﴿كما نسوا لقاء يومهم هذا وماكانوا
بآياتنا يجحدون﴾ .
وَلَعَّدْ جِئْنَهُمْ بِكِنٍَ فَضَّلْنَهُ عَلَى عِْرٍ هُدَّى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿ هَلْ يَظُرُونَ إِلَّ تَأْوِيلْ يَوْمَ
يَأْنِى تَأْوِيلُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبِّلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقْ فَهَل لَّنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ
ثُرَّةُ فَعَّعَلَ غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَيِرُوَا أَنْفُسَهُمْ وَضَّلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴿٥٣) إِنَ رَبَّكُمُ اللَّهُ
الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَِّ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْنِ اَلَّيْلَ التَّهَارَ يَطْلُهُ حَثِيْنَا وَالشَّمْسَ
وَالْفَعَّرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَتٍ بِأَنْزِءٍ، أَ لَهُ الْخَلَّقُ وَالْأَمْرُّ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ (وَ أَدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا
،وَلَا نَفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَأَدْعُوهُ خَوْفَا وَطَمَعَاً إِنَّ
وَخُفْيَةٌ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (00
رَحْمَنَ اَللَّهِ قَرِيبٌ فِنَ الْمُحْسِينَ
وَهُوَّ الَّذِى يُرْبِلُ الْرِّيَحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدْىْ رَحْمَيَّةٍ، حَتَّى إِذَا
أَقَلَّتْ سَحَابًا شِقَالَا سُقْتَهُ لِبَلَّهِ مَّيْتٍ فَأَزَلْنَا بِهِ أَلْمَآءَ فَأَخْرَحِّنَا بِهِ، مِن كُلِّ الثَّمْزَنِ كَذَِّكَ نُرِجُ اَلْمَوْقَ
وَاَلْبَلَدُ الَّيْبُ يَخْرُجُ نَبَاتُ بِإِذْنِ رَبِهِ، وَالَّذِى خَبُثَ لَا يَخَرُ إِلَّا تَكِدَّأْ كَذَلِكَ
لَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (69)
نُصَرِّفُ الْآَتِ إِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ لَّ
﴿ولقد جئناهم بكتاب﴾ من القرآن ﴿فصلناه﴾ بيّناهِ ﴿على علم﴾ منّا بذلك ﴿هدىٍ ورحمة﴾
نصبها على القطع ﴿لقوم يؤمنون * هل ينظرون﴾ ينتظرون ﴿إلاّ تأويله﴾ أي ما يؤول إليه أمرهم
من العذاب وورود النار.
قال قتادة: تأويله ثوابه. وقال مجاهد: جزاؤه. وقال السدي: عاقبة. وقال ابن زيد:
حقيقته ﴿يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا﴾ اليوم
﴿من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد﴾ إلى الدنيا ﴿فنعمل غير الذي كنا نعمل﴾ قال الله تعالى ﴿قد
خسروا أنفسهم وضل﴾ زال وبطل ﴿عنهم ما كانوا يفترون * إن ربكم الذي خلق السموات
والأرض في ستة أيام﴾ قال سعيد بن جبير: قدّر الله على مَنْ في السماوات والأرض في لمحة
ولحظة وإنما خلقهن في ستة أيام تتنظيماً لخلقه بالرفق والتثبيت في الاسم ﴿ثمّ استوى على
العرش﴾ قال الكلبي ومقاتل: يعني استقر وقال أبو عبيد [فصعد] وقال بعضهم: استولى وغلب.
وقيل: ملك وغلب، وكلّها تأويلات مدخولة لا يخفى [بعدها] وأمّا الصحيح والصواب
فهو ماقاله الفراء وجماعة من أهل المعاني [إن أول ما] خلق العرش وعهد إلى خلقه يدل عليه
قوله تعالى ﴿ثمّ استوى إلى السماء﴾(١) أي إلى خلق السماء.
(١) سورة البقرة: ٢٩.

٢٣٩
سورة الأعراف، الآيات: ٥٢ - ٥٨
وقال أهل الحق من المتكلمين: أحدث الله فعلا سماه استواء، وهو كالإتيان والمجيء
والنزول [وهي] صفات أفعاله.
روى الحسن عن أم سلمة في قوله تعالى ﴿الرحمن على العرش استوى﴾(١) قالت: الكيف
غير معقول والاستواء غير مجهول والنزول به إيمان والجحود به كفر.
عن محمد بن شجاع البلخي قال: سئل مالك بن أنس عن قول الله تعالى ﴿الرحمن على
العرش استوى﴾ كيف استوى؟ قال: الكيف مجهول والاستواء غير معقول والإيمان واجب
فالسؤال عنه بدعة .
وروى محمد بن شعيب بن شابور عن أبيه أن رجلاً سأل [الأوزاعي] في قوله تعالى
﴿الرحمن على العرش استوى﴾ فقال: هو على العرش كما وصف نفسه، وإني لأراك رجلا
ضالاً .
وبلغني أن رجلاً سأل إسحاق بن الهيثم الحنظلي فقال: كيف استوى على العرش أقائم هو
أم قاعد؟
فقال: يا هذا إنما يقعد من يمل القيام ويقوم من يمل القعود وغير هذا أولى لك ألاّ تسأل
عنه .
والعرش في اللغة السرير.
وقال آخرون: هو ما علا وأظل، ومنه عرش الكرم، وقيل: العرش الملك.
قال زهير:
تداركتما الاحلاف قد ثل عرشها
وذبيان قد زلت بأقدامها النعل(٢)
﴿يغشى﴾ [يطمس] ﴿الليل النهار يطلبه حثيثاً﴾ مسرعاً ﴿والشمس والقمر والنجوم
مسخّرات﴾ أي مذلّلات ﴿بأمره﴾ وقرأ أهل الشام بالرفع على الابتداء والخبر ﴿ألا له الخلق
والأمر﴾ سمعت أبا القاسم [الحبيبي] يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن نافع التاجر بهرات
الشجري يقول: سمعت أبا زيد حاتم بن محبوب السامي يقول: سمعت عبد الجبار ابن العلاء
العطار يقول: سألت سفيان بن عيينة عن قوله ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ فقال: فرق الله بين الخلق
والأمر ومَنْ جمع بينهما فقد كفر.
وقال رسول الله وَّيقول: ((مَنْ لم يحمد الله على [ما عمل من] عمل صالح وحمد نفسه فقد
(١) سورة طه: ٥.
(٢) الصحاح: ٤ / ١٣٤٦.

٢٤٠
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
قلّ شكره وحبط عمله، ومَنْ زعم أن الله جعل للعباد من الأمر شيئاً فقد كفر بما أنزل الله على
أنبيائه لقوله تعالى ﴿ألا له الخلق والأمر﴾)) [١٨٦](١).
وأنشدنا أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدنا أبو الحسن عيسى بن زيد العقيلي، أنشدنا أبو
المثنّى معاذ بن المثنى العنبري عن أبيه محمود بن الحسن الورّاق قال: إن لله كل الأمر في كل
خلقه ليس إلى المخلوق شي من الأمر ﴿تبارك الله﴾ قال الضحاك: تبارك تعظم، الخليل ابن
أحمد: تبارك تمجد، القتيبي: تفاعل من البركة، الحسين بن الفضيل: تبارك في ذاته وبارك فيمن
شاء من خلقه ﴿ربّ العالمين أُدعوا ربّكم تضرّعاً﴾ تذلّلا واستكانة ﴿وخفية﴾ سرّاً.
. وروى عاصم الأحول عن ابن عثمان الهندي عن أبي موسى قال: كان النبيّ وَّ في غزاء
فأ شرفوا على واد فجعل [ناس] يكبّرون ويهلّلون ويرفعون أصواتهم فقال النبيّ وَّ: «أيُّها الناس
أربعوا على أنفسكم إنّكم لا تدعون أصم ولا [غائباً] إنّكم تدعون سميعاً قريباً إنّه معكم)
[١٨٧](٢) .
وقال الحسن: بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفاً ثمّ قال: إن كان الرجل لقد
جمع القرآن وماشعر به جاره فالرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس. وإن كان الرجل
ليصلّي الصلاة الطويلة في بيت وعنده الدور وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقواماً ما كان على
الأرض من عمل يقدورن أن يعملوه في السرّ فيكون علانية أبداً .
ولقد كان المسلمون [يجتهدون] في الدعاء ولا يسمع لهم صوتاً كأن كان إلا همساً بينهم
وبين دينهم، وذلك أن الله تعالى يقول: (أُدعوا ربكم تضرعاً وخفية) وإن الله ذكر عبداً صالحاً
ورضى فعله فقال عزّ مَنْ قائل: (فنادى ربّه نداءاً خفياً).
﴿إنّه لا يحب المعتدين﴾ في الدعاء، قال أبو مجلن: هم الذين يسألون منازل الأنبياء،
وقال عطيّة العوفي: هم الذين يدعونه فيما لا يحل على المؤمنين فيقولون: اللّهمّ أخزهم اللّهمّ
ألعنهم، قال ابن جريج: من [الاعتداء] رفع الصوت والنداء بالدعاء والصفح وكانوا يؤمرون
بالتضرّع والاستكانة ﴿ولا تُفسدوا في الأرض﴾ بالشرك والمعصية والدعاء إلى غير عبادة الله
﴿بعد إصلاحها﴾ بعد [اصلاح] الله إيّاها يبعث الرسل، والأمر بالحلال والنهي عن المنكر
والحرام وكل أرض قبل أن يبعث لها نبي فاسدة حتّى يبعث الرسل إليها فيصلح الأرض بالطاعة .
وقال عطيّة: معناه لا تعصوا في الأرض فيمسك الله المطر ويهلك الحرث بمعاصيكم
﴿وادعوه خوفاً وطمعاً﴾ قال الكلبي: خوفاً منه ومن عذابه وطمعاً فيما عنده من مغفرته وثوابه،
(١) تفسير الطبري: ٨ / ٢٦٩.
(٢) المصنف لابن أبي شيبة: ٢ / ٣٧٢.