النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ سورة الأنعام، الآيات: ١٤٥ - ١٥٠ أَ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ (١٤٧) كَذَّبُوكَ فَقُلِ زَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَسِعَةٍ وَلَا يُرَّدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِنَ ! لَوَّ شَآءَ اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَّ ءَبَآَؤُّنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَىْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّ ذَافُوا قُلْ بَأْسَنَّا قُلْ هَلَ عِندَكُمْ مِنْ عِلٍَّ فَتُخْرِجُوهُ لَا إِن تَنَّبِعُونَ إِلَّ الَنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُسُونَ فَلَِّ اَلُْجَّةُ الَْلِغَّةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَفَكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤) قُلْ هَلُ شُهَدَآَكُمُ الَّذِينَ بَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَّأَ فَإِنْ شَهِدُواْ فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَنَّبِعْ أَهْوَءَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَهُم بِرَيْهِمْ يَعْدِ لُونَ ١٥٠ [ثمّ بيّن] المحرمات فقال ﴿قل لا أجدُ في ما أُوحِي إليَّ محرّماً﴾ أي شيئاً محرّماً ﴿على طاعم يطعمه﴾ آكل يأكله. وقرأ علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه: يطعمه مثقلة بالطاء أراد يتطعّمه فأدغم، وقرأت عائشة على طاعم طعمه(١) ﴿إلّ أن يكون ميتةً أو دماً مسفوحاً﴾ [مهراقاً] سائلاً. قال عمران بن جرير: سألت أبا مجلز عمّا يتلطخ من اللحم بالدم وعن القدر تعلوها حمرة الدم. قال: لا بأس به إنّما نهى الله سبحانه عن الدم المسفوح. وقال إبراهيم: لا بأس الدم في عروق أو مخ إلاّ المسفوح الذي تعمّد ذلك، قال عكرمة: لولا هذه الآية لأتّبع المسلمون من العروق ما تتبّع اليهود (٢) ﴿أو لحم خنزير فإنَّه رجس﴾ خبيث ﴿أو فسقاً﴾ معصية ﴿أُهِلَّ﴾ ذبح ﴿لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربّك غفور رحيم﴾ . ﴿وعلى الذين هادُوا﴾ يعني اليهود ﴿حرّمنا كلّ ذي ظفر﴾، وهو مالم يكن مشقوق الأصابع من البهائم والطير. مثل الإبل والنعّام والأوزة والبط. قال ابن زيد: هو الإبل فقط. وقال القتيبي: هو كلّ ذي مخلب من الطيور وكل ذي حافر من الدواب، وقد حكاه عن بعض المفسّرين، وقيل: سمّي الحافر ظفراً على الاستعارة وأنشد قول طرفة : فما رقد الولدان حتّى رأيته على البكر يمريه بساق وحافر فجعل الحافر موضع القدم. وقرأ الحسن كل ذي ظفر مكسورة الظاء مسكنة الفاء. وقرأ [أبو سماك] ظِفِر بكسر الظاء والفاء وهي لغة. (١) بفعل ماض. (٢) راجع تفسير القرطبي: ٧ / ١٢٤. (٣) البيت لجبيها الأسدي كما في اللسان: ٤ / ٢٠٦. ٢٠٢ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي ﴿ومن البقر والغنم حرّمنا عليهم شحومها﴾ يعني [الشروب] وشحم الكليتين ﴿إلّ ما حملت ظهورهما﴾ أي ما علق بالظهر والجانب إلاّ منْ داخل بطونها ﴿أو الحوايا﴾ يعني الماعز ﴿أو ما اختلط بعظم﴾ مثل لحم الإلية ﴿ذلك﴾ التحريم ﴿جزيناهم ببغيهم﴾ بظلمهم عقوبة لهم بقتلهم الأنبياء وصدهم عن سبيل الله وأخذهم الربا واستحلالهم أموال الناس بالباطل ﴿وإنا الصادقون﴾ في أخبارنا عن هؤلاء اليهود وعمّا حرّمنا عليهم من اللحوم والشحوم. ﴿سيقول الذين أشركوا﴾ [لمّا الزمنا بينهم] الحجّة وتبيّنوا وتيقنوا باطل ما كانوا عليه ﴿لو شاء الله ما أشركنا ولا أباؤنا من قبل ولا حرّمنا﴾ ما حرّمنا من التغاير والسوايب وغير ذلك لأنَّه قادر على أن يحمل بيننا وبين ذلك حتّى لا نفعله ولكنّه رضي منا ما نحن عليه من عبادة الأصنام وتحريم الحرث والأنعام وأراد منّا وأمرنا به فلم يحل بيننا وبين ذلك فقال الله تعالى تكذيباً لهم وردّاً عليهم ﴿كذلك كذّب الذين من قبلهم﴾ ولو كان كذلك خيراً من الله تعالى عن مَنْ كذّبهم في قولهم ﴿لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا﴾ لقال كذلك (كذّب الذين من قبلهم) بتخفيف الذال وكان نسبهم إلى الكذب لا إلى التكذيب. وقال الحسن بن الفضل: [لمّا خبّروا بهذه المقالة] تعظيماً وإجلالا لله سبحانه وتعالى وصفة منهم به لمّا عابهم ذلك، لأن الله قال ﴿ولو شاء الله ما أشركوا﴾ وقال سبحانه: ﴿ما كانوا ليؤمنوا إلاّ أن يشاء الله﴾ وقال ﴿ولو شاء لهداكم أجمعين﴾ والمؤمنون يقولون هذا ولكنّهم قالوا ذلك تكذيباً وتخرصاً وبدلاً من غير معرفة بالله تعالى وبما [يقولون] نظيره قوله ﴿وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم﴾(١)، قال الله تعالى ﴿مالهم بذلك من علم إنّ هم إلّ يخرصون﴾ بقولهم هذا من غير علم بيّنهم بآية ﴿والمؤمنون﴾ وبقوله و﴿علم﴾ منهم بالله عزّ وجلّ ثمّ قال ﴿هل عندكم من علم﴾ من حظ وحجّة على ما يقولون من غير علم ويقين ﴿وإن أنتم إلاّ تخرصون﴾ تكذّبون ﴿قل فلله الحجّة البالغة﴾ التامة الكافية على خلقه ﴿فلو شاء لهداكم أجمعين﴾ ﴿قل هلم شهداءَكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا﴾ أي احضروهم وأتوا بهم فقالوا: نحن نشهد، فقال الله تعالى: ﴿فإن شهدوا فلا تشهد معهم﴾ إلى قوله ﴿يعدلون﴾ یشرکون . ﴿ قُلّ تَعَاؤًا أَثَلُ مَا حَّمَ رَبُّكُمْ عَنْكُمْ الْالْرؤا بو- شَيْئً وَالْوَلِدَّنِي إِحْسَنَ وَلَ تَقْتُلُواْ أَتَدَكُمْ مِنْ إِمَّأَنْ قَّمْنُ نَفْسِكُمْ وَإَِاهُهٌ وَلَّا نَشْرَبُواْ أَلْفَوَِّنَّنَّ مَا نَظْهَةٍ مِنْهَا وَّمَا أَطَرَ وَلَا تَقْلُوا أَنْفُسَ أَِّي حَرِّمَ للَّهُ إِلََّّ ◌ِلَيْ ذْكُمْ وََتَكُمْ بِهِ، لَعَلَكُنْ تَبْلُوَكَ انَ وَلَ نَقْرَهُوَأَ مَالَ الِّْهِ إِلَّ ◌َلَِّ عِنْ أَحْسَرُ حَ بَعِ أَنْدَهُ وَأَوْاَ اَلْكَبْلُ وَأَلْهِوَانَ بِالْفِسْطِ لَّا نَكَلْفْ نَفْسًا إِلَّ وُسْعَهَا (١) سورة الزخرف: ٢٠. ٢٠٣ سورة الأنعام، الآيات: ١٥١ - ١٥٥ وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبٌ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ ذَلِحِكُمْ وَضَّنَكُم بِهِ. لَعَلَّكُمْ تَذَّكُرُونَ (َ) وَأَنَّ هَذَا صِرَّطِى مُسْتَقِيمًا فَتَّبِعُوهُ وَلَا تَنَّبِعُواْ الشّيْلَ فَغَرَّقَ بِكُمْ عَنِ سَبِيلِهٍ، ذَلِكُمْ وَضَّنَكُمْ بِهِ. لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿َ ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ تَمَامَا عَلَى الَّذِىَّ أَحْسَنَ وَنَفْصِيْلًا لِكُلِّ شَىْءٍ وَهُدَى وَرَحْمَةٌ لَّعَلَّهُم ١٥٥) بِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴿َ وَهَذَا كِنَكُ أَنزَلْنَهُ مُبَارَهُ فَأَنَّبِعُوهُ وَأَنَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ثمّ قال ﴿قل يا محمد تعالوا أتلُ﴾ أقرأ ﴿ما حرم ربكم عليكم﴾ حقّاً يقينا كما أوحى إليّ ربّي وأمرني به لاظنّاً ولا تكذيباً كما يزعمون ﴿لا تشركوا به شيئاً﴾ اختلفوا في محل أن فقال بعضهم: [محلّه] نصب، ثمّ اختلفوا في وجه انتصابه فقيل معناه: حرّم أن تشركوا ولا صلة كقولهم: (ما منعك ألا تسجد). وقيل: إنّك ألاّ تشركوا، وقيل: أوحى ألا تشركوا، وقيل: [ما] بدل [من] ما حرّم، وقيل: الكلام عند قوله ﴿حرّم ربّكم﴾ ثمّ قال: عليكم أن لا تشركوا على الكفر، وقال بعضهم: موضع [من] معناه: وهو أن لا تشركوا جهراً بكفركم، وأما بعده فيجوز أن يكون في محل .](١) لأنّه يجوز أن يكون جزم على النصب عطفاً على قوله أن لا تشركوا) وأن [. الأقوى كقوله ﴿قل إني أمرت أن أكون أوّل مَنْ أسلم﴾. ﴿ولا تكونن من المشركين﴾ عطف بالنهي على الخبر قال الشاعر: حج وأوصي بسليمى إلا عبدا أن لاترى ولا تكلم أحداً ولا يزال شرابها مبردا (٢) ﴿وبالوالدين إحساناً فلا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم﴾ ولاتئدوا بناتكم خشية العيش فإني أرزقكم وإياهم والإملاق الفقر ونفاد الزاد. ﴿ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها﴾ يعني علانية ﴿وما بطن﴾ يعني السرّ قال المفسّرون: كانوا في الجاهلية يستقبحون الزنا في العلانية ولا يرون به بأساً في السرّ فحرّم الله تعالى الزنا في العلانيّة والسر وقال الضحاك: ما ظهر الخمر وما بطن ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله﴾ [نهى وهي] نفس مؤمن أو معاهد ﴿إلاّ بالحق﴾ يعني بما أباح قبلها وهي الارتداد والقصاص والرجم. وروى مطر الوراق عن نافع بن عمر عن عثمان رضي الله عنه أشرف على أصحابه وقال: علام يقتلونني فإنّي سمعتُ رسول الله وَّه يقول: ((لا يحل دم أمرىء مُسلم إلاّ بإحدى ثلاث: (١) كلمة غير مقروءة. (٢) تفسير الطبري ٨: ١٠٨. ٢٠٤ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي رجل زنا بعد إحصانه فعليه الرجم، أو قتل عامداً فعليه القود، أو ارتد بعد إسلامه فعليه القتل، فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام ولا قتلت أحداً فاقيد نفسي، ولا ارتدت منذ أسلمت، إنّي أشهد أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً عبده ورسوله)) [١٦٠](١) ﴿ذلكم﴾ النبيّ الذي ذكرت ﴿وضّاكم به لعلكم تعقلون ولا تقربوا مال اليتيم إلّ بالتي هي أحسن﴾ يعني بما فيه صلاحه وتثميره، وقال مجاهد: هو التجارة فيه، وقال الضحاك: أموال يبتغي له فيه ولا يأخذ من ربحه شيئاً . وقال ابن زيد: وأن يأكل بالمعروف إن افتقر، وإن استغنى لم يأكل، وقال الشعبي: مَنْ خالط مال اليتيم حتّى يفصل عليه فليخالطه، ومَنْ خالطه ليأكل منه وليدعه حتّى يبلغ أشده. وقال يحيى بن يعمر: بلوغ الحلم، وقال الشعبي: الأشد الحلم حيث يكتب له الحسنات وعليه السيئات، وقال أبو العاليّة: حتّى يعقل ويجتمع قوّته. وقال الكلبي: الأشد مابين ثماني عشرة إلى ثلاثين سنة. وقال السدّي: هو ثلاثون سنة ثمّ جاء بعدها حتى بلغوا النكاح. والأشد جمع شدّ، مثل قدّ وأقدّ، وهو استحكام قوماً لفتی وشبابه وسنه، ومنه شد النهار وهو ارتفاعه، يقال: أتيته شدّ النهار ومد النهار وقال الفضل بن محمد في شد بيت عنترة: خضب اللبان ورأسه بالعظلم(٢) [عهدي به] شدّ النهار كأنّما وقال آخر: طويلة أنقاء اليدين سحوق(٣) تطيف به شد النهار ضعينة وليس بلوغ الأشد ممّايدع قرب ماله بغير الأحسن وقد تمّ الكلام. ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلّ بالتي هي أحسن﴾ [على الأبد] ﴿حتّى يبلغ أشدّه﴾ فادفعوا إليه ماله إن كان رشيداً ﴿وأُفوا الكيل والميزان بالقسط﴾ بالعدل ﴿لا نكلف نفساً إلاّ وسعها﴾ أي طاقتها في إيفاء الكيل والوزن، وقال أهل المعاني: معناه: إلّ يسعها ويحلّ لها ولا يخرج عليه ولا يضيق عنه وذلك أنّ لله تعالى من عباده أنّ كثيراً منهم ضيق نفسه عن أن يطيّب لغيره بما لا يجب عليها له فأمر المعطي بإيفاء الحق ربّه الذي هو له ويكلّفه الزيادة لما في الزيادة عليه من ضيق نفسه بها، وأمر صاحب الحق بأخذ حقّه ولم يكلفه الرضا بأقل منه لمّا فيه في النقصان عليه من ضيق نفسه، فلم يكلّف نفساً منهما إلاّ ما لا حرج فيه ولا يضيق عليه. (١) الطبقات الكبرى: ٣ / ٦٧. (٢) لسان العرب: ٣ / ٢٣٥. (٣) لسان العرب: ١٠ / ١٥٤. ٢٠٥ سورة الأنعام، الآيات: ١٥١ _ ١٥٥ قال ابن عباس: إنكم معشر الأعاجم فقد وليتم أمرين بهما هلك من كان قبلكم المكيال والميزان ﴿وإذا قلتم فاعدلوا﴾ أي فاصدقوا في الحكم والشهادة ﴿ولو كان ذا قربى﴾ محذوف الاسم يعني ولو كان المحكوم والمشهود عليه ذا قربة ﴿وبعهد الله أوفوا ذلكم وصّاكم به لعلّكم تذكرون﴾ يتعظون. قال ابن عباس: هذا الآيات محكمات لم ينسخهنّ شيء في جميع الكتب وهنَّ محرّمات على بني آدم كلّهم وهنّ أُمّ الكتاب مَنْ عمل بهن دخل الجنّة ومَنْ تركهن دخل النار. قال كعب الأحبار: والذي نفس كعب بيده إنَّ هذا لأوّل شيء في التوراة ﴿بسم الله الرحمن الرحيم قل تعالوا أتلُ ما حرّم ربّكم عليكم﴾ الآيات. وقال الربيع بن خيثم لأصحابه: ألا أقرأ عليكم صحيفة عليها خاتم محمد ◌ٍَّ لم يُفك فقرأ هذه الآية ﴿قل تعالوا أتل﴾ ﴿وإنَّ هذا﴾ يعني وصّاكم به في هاتين الآيتين ﴿صراطي﴾ طريقي وديني ﴿مستقيماً﴾ مستوياً قويماً ﴿فاتبعوه ولا تتبعوا السبل﴾ يعني الطرق المختلفة التي عداها مثل اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر البدع والضلالات ﴿فتُفرّق﴾ فيمتدّ وتخالف [وتشتت] ﴿بكم عن سبيله﴾ عن طريقه ودين النبيّ الذي ارتضى وبها وصّى ﴿ذلكم الذي﴾ ذكرت ﴿وصاكم به لعلكم تتقون﴾ ﴿ثمّ آتينا موسى الكتاب﴾ يعني ثمّ قل يا محمد لهم آتينا موسى الكتاب، لأنّ موسى أوتي الكتاب قبل محمد عليهما الصلاة والسلام. وقيل: ثمّ بمعنى الواو لأنّهما حرفا عطف قال الشاعر: قل لمن ساد ثمّ ساد أبوه ثمّ قد ساد قبل ذلك جدّه (١) ﴿تماماً﴾ نصب على القطع، وقيل: على التفسير ﴿على الذي أحسن﴾ قال بعضهم: معناه تماماً على المحسنين. ويكون (الذي) بمعنى (من) وتقديره على الذين أحسنوا، لفظه واحد ومعناه جمع كما تقول: أُوصي بمالي للذي غزا وحجَّ يريد الغازين والحاجين. وقال الشاعر: شبّوا عليَّ المجد وشابوا واكتهل يريد: واكتهلوا . يدلّ عليه قراءة عبد الله بن مسعود (على الذين أحسنوا). وقال أبو عبيد: معناه على كل مَنْ أحسن، ومعنى هذا القول أتممنا [طلب] موسى بهذا الكتاب، على المحسنين يعني أظهرنا فضله عليهم، والمحسنون هم الأنبياء والمؤمنون. وقيل: (١) البيت لأبي نؤاس في مدح العباس بن عبيد الله، كما في شرح الرضي على الكافية: ٤ / ٣٩٠. ٢٠٦ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي معناه: ثمّ آتينا موسى الكتاب متماً للمحسنين يعني تتميماً منّا للأنبياء والمؤمنين الكتب ﴿على﴾ بمعنى (اللام) كما تقول أتم الله عليه فأتم له. قال الشاعر: فطار التي فيها واستعاراً (١) رعته أشهراً وخلا عليها أراد: وخلا لها . وقيل: (الذي) بمعنى (ما)، يعني آتينا موسى الكتاب تماماً على ما أحسن موسى من العلم والحكمة أي زيادة على ذلك. وقال عبد الله بن بريدة: معناه تماماً مِنّي على مَنّي وإحساني إلى موسى، وقال ابن زيد: معناه تماماً على إحسان الله إلى أنبيائه وأياديه عندهم، وقال الحسن: فمنهم المحسن ومنهم المسيء فنزل الكتاب تماماً على المحسنين، وقرأ يحيى بن يعمر: على الذي أحسن، بالرفع أي على ﴿الذي أحسن وتفصيلا﴾ بياناً ﴿لكلّ شيءٍ﴾ يحتاج إليه من شرائع الدين ﴿وهدىٍ ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون﴾ هذا يعني وهذا القرآن ﴿كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه﴾ واعملوا بما فيه ﴿واتقوا﴾ وأطيعوا ﴿لعلكم ترحمون﴾ فلا تعذبون. أَنْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِنَبُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَّا وَإِن كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَفِلِينَ (٢٦) أَوْ تَقُولُواْ لَوَّ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِنَبُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمَّ نَقَدْ جَاءَ كُمْ بَيْنَهُ مِنْ زَيْكُمْ وَهُدِّى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِثَايَتِ أَلَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْرِى الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ ءَئِنَا سُوَءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ ﴿ هَلَ يَنْطَرُونَ إِلَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَبِكَةُ أَوْ بَأْنَِّ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِىَ بَعْضُ ءَيَّتِ رَيْكُ يَوْمَ بَأْنِ بَعْضُ ،َإِيَتِ رَبِّكَ إِنَّ ١٥٨ لَا يَفَعُ نَفْسًا إِبِمَنُهَا لَمْ تَكُنَّ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَبَتْ فِ إِيمَتِهَا خَيْراً قُلِ أَنَظِرُوَاْ إِنَّا مُنَظِرُونَ ١٥٩) من الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِيْنَهُمْ وَكَانُوا يَشِيَمَا لَّبْتَ مِنْهُمْ فِ شٍَِّّ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يَنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ جَآءَ بِالَْنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَآءُ بِالسَِّئَةِ فَلَ يُحْزَّىَّ إِلَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٤) قُلْ إِنِّ هَدَنِي رَّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَفِيوٍ دِينًا فِيَمَا مِّلَّةَ إِرَهِيمَ حَنِفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١٦) قُلْ إِنَّ صَلَانِى وَنُشَكِ وَمَحْيَاَ وَمَمَانِى لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ (١٦) لَا شَرِيكَ لَهُمْ وَبِذَالِكَ أُمِرْثُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْلِنَّ (٣) قُلْ أَغَرَ اللّهِ أَبْغِى رَبَّ وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍ وَلَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا فِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَّ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ فَرْجِفَكُمْ فَيْنَسْتَكُ بِمَا كُنْتُمْ فِهِ تَخْذَلِفُونَ ﴿٦َ وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَفَ اَلْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَّكُمْ (١٦٥ فِي مَّ ،َتَنْكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِمْ ﴿أن تقولوا﴾ يعني [لئلاً] تقولوا كقوله ﴿يبين الله لكم أن تضلوا) وقوله: ﴿قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا﴾(٢) يعني أي لا تقولوا يعني لئلاّ تقولوا. (١) شرح الرضي على الكافية: ٤ / ٣٢٢. (٢) سورة المائدة: ١٩. ٢٠٧ سورة الأنعام، الآيات: ١٥٦ - ١٦٥ وقيل: معناه أنزلناه كراهة أن يقول، وقال الكسائي: معناه: اتقوا أن تقولوا: يا أهل مكّة، وقرأ ابن محيصن والأعمش كلاهما والقراءة بالياء بقوله تعالى فقد جاءكم ﴿إنّما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا﴾ يعني اليهود والنصارى ﴿وإن كنّا﴾ وقد كنّا ﴿عن دراستهم) : أتهم ﴿الغافلين﴾ لا نعلم ما هي وإنَّما قال: دراستهم، ولم يقل: دراستهما، لأن كل طائفة جماعة، كقوله تعالى ﴿هذان خصمان اختصموا﴾ وأن ما يقال من المؤمنين اقتتلوا. ﴿أو تقولوا لو أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم﴾ يعني أصوب من اليهود والنصارى ديناً ﴿فقد جاءكم بيّنة من ربّكم﴾ حجّة واضحة لمن يعرفونها ﴿وهدىً﴾ وبيان ﴿ورحمة﴾ ونعمة لمن اتبعه وعمل به ﴿فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصَدَّق﴾ وأعرض عنها ﴿سنجزي الذين يصدّون عن آياتنا سوء العذاب﴾ شدة العذاب ﴿بما كانوا يصدفون﴾ يعرضون ﴿هل ينظرون﴾ وينتظرون ﴿إلاّ أن تأتيهم الملائكة﴾ لقبض أرواحهم ﴿أو يأتي ربّك﴾ بلا كيف لفصل القضاء من خلقه في موقف القيامة، وقال الضحاك: يأتي أمره وقضاؤه ﴿أو يأتي بعض آيات ربّك﴾ يعني طلوع الشمس من مغربها ﴿يوم يأتي بعض آيات ربّك لا ينفع نفساً إيمانها﴾ وقرأ ابن عمر وابن الزبير: يوم تأتي بعض آيات ربّك بالتاء، قال المبرّد: على التأنيث على المجاورة لا على الأصل، كقولهم: ذهبت بعض أصابعه. قال جرير: لمّا أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشع (١) فأتت فعل السور، وهو مذكّر لاتصاله بمؤنّث. روى عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلجر ((لا تقوم الساعة حتّى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورأها الناس آمنوا أجمعين وذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها ﴿لم تكن آمنت من قبل﴾)) [١٦١] الآية (٢). وروى مقاتل بن حيّان عن عكرمة عن ابن عباس: قال: قال رسول الله وَلقوله ((إذا غربت الشمس رفع بها إلى السماء السابعة في سرعة طيران الملائكة وتحبس تحت العرش فتستأذن من أين تؤمر بالطلوع إلى مغربها أو من مطلعها [فكسى] ضوؤها، وإن كان القمر منوّر على مقادير ساعات الليل والنهار ثمّ ينطلق بها ما بين السماء السابعة العليا وبين أسفل درجات الجنان في سرعة طيران الملائكة فتنحدر [جبال] المشرق من سماء إلى سماء، فإذا ما وصلت إلى هذه السماء فذلك حين ينفجر الصبح ويضيء النهار فلا يظل الشمس والقمر، كذلك حتّى يأتي الوقت الذي وقت الله التوبة لعباد وتكثر المعاصي في الأرض، ويذهب المعروف فلا يأمر به أحد ويفشو المنكر فلا ينهى عنه أحد، فإذا فعلوا ذلك حبست الشمس مقدار ليلة تحت العرش كلما (١) تفسير القرطبي: ٧ / ١٤٨. (٢) مسند أحمد: ٢ / ٢٣١. ٢٠٨ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي سجدت وأستأذنت من أن تطلع لم يجىء لها جواب حتّى يراقبها القمر [فيجيء معها] ويستأذن من أن تطلع فلا يجاب لهما بجواب حتّى تحبسا مقدار ثلاث ليالي للشمس وليلتين للقمر، فلا يعرف طول تلك الليالي إلّ المتهجّدون في الأرض، وهم يومئذ عصابة قليلة في كل بلدة من بلاد المسلمين في هوان من الناس وذلّة من أنفسهم، فينام أحدهم تلك الليلة قدر ما كان ينام قبلها من الليالي، ثمّ يقوم ويتوضّأ ويدخل مصلّه فيصلّ ورده، فلا يصبح نحو ما كان يصبح كلّ ليلة فينكر ذلك فيخرج فينظر إلى السماء فإذا هو بالليل فكأنه والنجوم قد استدارت مع السماء فصارت إلى أماكنها من أول الليل، فينكر ذلك ويظن فيها الظنون فيقول: قد خففت قراءتي وقصرت صلواتي أم قمت قبل حيني. قال: ثمّ يقوم فيعود إلى مصلاّة فيصلّي نحو صلاته الليلة الثانية ثمّ ينظر فلا يرى الصبح فيخرج أيضاً فإذا بالليل مكانه فيزيده ذلك إنكاراً ويخالطه الخوف ويظن في ذلك الظنون من السوء، ثمّ يقول فلعلّي قصّرت صلواتي ثمّ خفّفت قراءتي [أم قمت] في أوّل الليل ثمّ يعود وهو وجل مشتت خائف لما توقّع من هول تلك الليلة فيقوم فيصلّي أيضاً مثل [ورده] كلّ ليلة قبل ذلك، ثمّ ينظر فلا يرى الصبح فيخرج الثالثة فينظر إلى السماء فإذا بالنجوم قد استدارت مع السماء فصارت في أماكنها عند أوّل الليل فيشفقه عند ذلك شفقة المؤمن العارف لما كان يحذر فيستحييه الخفّة ويستخفّه الندامة، ثمّ ينادي بعضهم بعضاً وهم كانوا قبل ذلك يتعارفون ويتواصلون فيجتمع المتهجدون من كل بلدة في تلك الليلة في مسجد من مساجدهم ويجأرون إلى الله تعالى بالبكاء ويصلّوا بقيّة تلك الليلة. فإذا ما تمّ لهما مقدار ثلاث ليال أرسل الله إليهما جبرائيل فيقول: إنّ الرب تبارك وتعالى يأمركما أن ترجعا إلى مغاربكما فتطلعا منه وإنّه لا ضوء لكما عندنا ولا نور فيبكيان عند ذلك وَجَلا من الله عزّ وجلّ وخوف يوم القيامة بكاءً يسمعه أهل سبع سماوات ومن دونها وأهل سرادقات العرش وحملته ومن فوقهما، فيبكون جميعاً لبكائهما من خوف الموت والقيامة، فيرجع الشمس والقمر فيطلعان من مغربهما فبينما المتهجّدون يبكون ويتضرّعون إلى الله عزّ وجلّ، والغافلون في غفلاتهم إذ نادى مناد: ألا إن الشمس والقمر قد طلعا من المغرب فينظر الناس فإذا هم بهما أسودان لا ضوء للشمس ولا نور للقمر مثلهما في كسوفهما قبل ذلك. فذلك قوله ﴿وجُمع الشمس والقمر﴾ وقوله ﴿إذا الشمسُ كُوّرت﴾ فيرتفعان كذلك مثل البعيرين القرنين يُنازع كلّ واحد منهما صاحبه اشتياقاً، ويتصايح أهل الدنيا وتدخل الأُمّهات(١) على أولادها والأحبّة عن غمرات قلوبها، فتشتغل كلُّ نفس بما ألّمها، فأمّا الصالحون والأبرار فإنّه ينفعهم بكاؤهم يومئذ فيكتب لهم ذلك عبادة، وأمّا الفاسقون والفُجّار فلا ينفعهم بكاؤهم يومئذ ويكتب (١) في تفسير الدر المنثور (٣ / ٦١): وتذهل الأمهات وتضع كل ذات حمل حملها. ٢٠٩ سورة الأنعام، الآيات: ١٥٦ - ١٦٥ ذلك حسرة عليهم فإذا ما بلغ الشمس والقمر سرّت السماء وهي منصفها جاءهما جبرائيل (عليه السلام) فأخذ بقرونهما فردّهما إلى المغرب فلا يغربهما من مغاربهما ولكن يغربهما من باب التوبة)) . فقال له عمر بن الخطاب (رضي الله عنه): بأبي أنت وأُمّي يا رسول الله وما باب التوبة؟ فقال ◌َله: ((يا عمر خلق الله تعالى باباً للتوبة خلف المغرب له مصراعان من ذهب مكلّلان بالدرّ والجوهر ما بين المصراع إلى المصراع الآخر أربعون سنة للراكب المسرع فذلك الباب مفتوح منذ خلق الله خلقه إلى صبيحة تلك الليلة عند طلوع الشمس والقمر من مغاربهما ولم يتب عبد من عباد الله توبة نصوحاً منذ خلق الله آدم إلى ذلك اليوم إلّ ولجت تلك التوبة في ذلك الباب. لم يرفع إلى الله تعالى)). فقال له معاذ بن جبل: بأبي أنت وأمي يا رسول الله وما التوبة النصوح؟. قال: ((أن يندم المذنب على الذنب الذي أصاب فيعتذر إلى الله عزّ وجلّ ثمّ لا يعود إليه كما لا يعود اللبن إلى الضرع. قال: فيغربهما جبريل في ذلك الباب ثمّ يرد المصراعين ثمّ يلتئم ما بينهما فيصير كأنّه لم يكن بينهما صدع قط، فإذا أغلق باب التوبة لم يقبل من العبد بعد ذلك توبة ولم ينفعه حسنة يعملها في الإسلام، إلاّ مَنْ كان قبل ذلك مُحسناً فإنّه يجري عليه ما كان يجري عليه قبل ذلك اليوم فذلك قوله عزّ وجلّ ﴿يوم يأتي بعض آيات ربّك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً﴾ . فقال أُبي بن كعب: بأبي أنت وأُمّي يا رسول الله فكيف بالشمس والقمر يومئذ بعد ذلك وكيف بالناس والدنيا . فقال: ((يا أُبي إنّ الشمس والقمر يكسيان بعد ذلك الضوء والنور، ثمّ يطلعان على الناس ويغربان، كما كانا قبل ذلك يطلعان ويغربان، فإنّ الناس رأوا ما رأوا في فظاعة تلك الآية يلحون على الدنيا حتّى يجروا فيها الأنهار ويغرسوا فيها الأشجار ويبنوا البنيان. وأمّا الدنيا فلو نتج لرجل مُهْراً(١) لم يركبه حتّى تقوم الساعة من لدن طلوع الشمس من مغربها إلى أن يُنفخ في الصور)) [١٦٢](٢). قال حذيفة بن أسيد والبراء بن عازب: كنّا نتذاكر الساعة إذ أشرف علينا رسول الله وَليه فقال: ((ما تذاكرون؟)) (١) في كتاب الفتن: فرساً. (٢) تفسير الدر المنثور: ٣ / ٦١، وكتاب الفتن لنعيم: ٣٩٧. ٢١٠ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي [قلنا : ] نتذاكر الساعة. قال: ((إنها لا تقوم حتّى تروا قبلها عشر آيات: الدخان، ودابة الأرض، وخسفاً بالمشرق، وخسفاً بالمغرب، وخسفاً بجزيرة العرب، ويأجوج ومأجوج، وناراً تخرج من قعر عدن، ونزول عيسى، وطلوع الشمس من مغربها)) [١٦٣](١) . ويقال: إنّ الآيات تتابع كالنظم في الخيط عاماً فعاماً(٢). وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: والحكمة في طلوع الشمس من مغربها إنّ إبراهيم (عليه السلام) قال لنمرود: ﴿ربّي الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي کفر ﴾(٣). وأن الملحدة والمنجّمة عن آخرهم ينكرون ذلك ويقولون هو غير [كائن] فيطلعها الله تعالى يوماً من المغرب ليري المنكرين قدرته فإنّ الشمس من ملكه إن شاء أطلعها من المطلع وإن شاء من المغرب. وقال عبد الله بن عمر: يبقى الناس بعد طلوع الشمس من مغربها مائة وعشرين سنة حتّى يغرسوا النخل. قال الله: ﴿قال انتظروا إنّا منتظرون﴾ العذاب ﴿إنَّ الذين فرَّقوا دينهم﴾ قرأ حمزة والكسائي: فارقوا بالألف أي خرجوا من دينهم وتركوه وهي قراءة عليّ بن أبي طالب - كرّم الله وجهه ، ورواه معاذ عن النبيّ وَّر وقرأ الباقون مشدّداً بغير ألف وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب أي جعلوا دين الله - وهو واحد دين الحنيفيّة - أدياناً مختلفة فتهوّد قوم وتنصّر آخرون يدلّ عليه قوله ﴿وكانوا شيعاً﴾ أي صاروا فرقاً مختلفة وهم اليهود والنصارى في قول مجاهد وقتادة والسدي والضحاك. وروى ليث عن طاوس عن أبي هريرة: قال: قال رسول الله وَله: (([إنّ] هذه الآية ﴿إنَّ الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء وليسوا منك﴾، هم أهل البدع وأهل الشبهات وأهل من هذه الأُمّة لست منهم في شيء))، أي [نفر] منهم ورسول الله [١٦٤](٤). قالوا: وهذه اللفظة منسوخة بآية القتال. وقال زادان أبو عمر قال لي علي (عليه السلام): ((يا أبا عمر أتدري كم افترقت اليهود؟ (١) مسند أحمد: ٤ / ٦. (٢) تفسير القرطبي: ٧ / ١٤٧. (٣) سورة البقرة: ٢٥٨. (٤) جامع البيان للطبري: ٨ / ١٣٩. ٢١١ سورة الأنعام، الآيات: ١٥٦ - ١٦٥ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: ((افترقت على إحدى وسبعين فرقة كلّها في الهاوية إلّ واحدة وهي الناجية. أتدري على كم افترقت النصارى))؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: ((افترقت على ثنتين وسبعين فرقة كلّها في الهاوية إلّ واحدة هي [الناجية]. أتدري على كم تفترق هذه الأُمّة)»؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: ((تفترّق على ثلاث وسبعين فرقة كلّها في الهاوية إلاّ واحدة فهي الناجية. ثمّ قال علي - رضي الله عنه - أتدري على كم تفترق فيّ؟ قلت: وإنّه لتفترق فيك يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم تفترق فيَّ اثنا عشر فرقة كلّها في الهاوية إلاّ واحدة وهي الناجية وأنت منهم يا أبا عمر)) [١٦٥](١) . [ومنهم فرق الروافض والخوارج]. ﴿مَنْ جاء بالحسنة فله﴾ يعني التوحيد: لا إله إلاّ أنت ﴿فله عشر أمثالها﴾ قرأ الحسن وسعيد بن جبير. ويعقوب عشر [منون] أمثالها رفع على معنى فله حسنات عشر أمثالها، وقرأ الباقون بالإضافة على معنى: فله عشر حسنات أمثالها، وإنما لم يقل عشرة والمثل مذكر فأنث العدد لأنه مضاف إلى مؤنث فرده إلى الحسنة والدرجة ﴿ومَنْ جاء بالسيّئة﴾ في الشرك ﴿فلا يُجزى إلّ مثلها﴾ النار ﴿وهم لا يُظلمون﴾ وقيل: هو عام في جميع الحسنات والسيئات. روى [المقدوس] بن يزيد عن أبي ذر: قال: حدّثني الصادق المصدّق أنَّ الله عزّ وجلّ قال: ((الحسنة عشر أو أزيد والسيئة واحدة أو أغفرها فالويل لمن غلبت آحاده أعشاره ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة ثمّ لا يشرك بي شيئاً جعلت له مثلها مغفرة)) [١٦٦](٢). قال ابن عمر وابن عباس: هذه الآية في الأحزاب وأهل البدو، قيل: فما لأهل القرى قال: ﴿وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً﴾ وأقلها سبعمائة ضعف، وقال قتادة: في هذه الآية ذكر لنا أنّ رسول الله وَل قال: ((الأعمال ستة فموجبة وموجبة مضاعفة ومثل وبمثل فأمّا الموجبتان فمن لقى الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنّة ومَنْ لقى الله يُشرك به (١) كنز العمال: ١ / ٣٧٨ / ح ١٦٤٣. (٢) مسند أحمد: ٥ / ١٥٥، والمعجم الأوسط: ٧ / ٢٣٦. ٢١٢ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي دخل النار، فأمّا المضاعفتان فنفقة الرجل على أهله عشر بعشر أمثالها ونفقة الرجل في سبيل الله سبعمائة ضعف، وأمّا مثل بمثل فإنّ العبد إذا همَّ بحسنة ثمّ لم يعملها كُتبت واحدة وإذا عملها كُتبت [عشرة])) [١٦٧]. وعن سفيان الثوري لمّا نزلت ﴿مَنْ جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ قال النبيّ وَّ ((ربّي زدني)) فنزلت ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله مثل حبّة﴾ الآية قال: يا رب زدني فنزلت ﴿مَنْ ذا الذي يُقرض الله قرضاً حسناً فيُضاعفه له أضعافاً كثيرة، قال: ربّ زدني؟ فنزلت: ﴿إنّما يوفّ الصابرون أجورهم بغير حساب﴾ [١٦٨]. ﴿قل﴾ يا محمد ﴿إنني هداني ربّي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً﴾)) قرأ أهل الكوفة والشام: قِيَمَاً بكسر القاف وفتح الياء مخففاً. وقرأ الباقون: قَيّماً بفتح القاف وكسر الياء مشدداً وهما لغتان وتصديق التشديد قوله تعالى ﴿ذلك الدين القيم﴾(١). و﴿ديناً قيماً﴾ معناهما: ذلك الدين القويم المستقيم. واختلف النحّاة في وجه انتصابه فقال الأخفش: معناه هداني ديناً قيّماً، وقيل: عرفت ديناً قيّماً، وقيل: أعني ديناً قيّماً، وقيل: نصب على الآخر يعني ابتغوا ديناً قيّماً. وقال قطرب: نصب على الحال (وضع] ﴿مّة إبراهيم﴾ بدل من الدين ﴿حنيفاً﴾ نصب على الحال ﴿وما كان من المشركين﴾ ﴿قل إنّ صلاتي ونُسكي﴾ قال أهل التفسير يعني ذبيحتي في الحج والعمرة. وقيل: ديني ﴿ومحياي ومماتي﴾ يعني حياتي ووفاتي قال: يمان: محياي بالعمل الصالح ومماتي إذا مت على الإيمان. وقرأ أهل المدينة ومحياي بسكون الياء. وقرأت العامة بفتح الياء لئلاً يجتمع ساكنان. وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى: ومحييّ بتشديد الياء الثانية من غير ألف وهي [لغة عليا مضر] يقولون: [قفي وعصي] وقرأ السلمي نسكي بجزم السين والباقون بضمّتين ﴿لله ربّ العالمين * لا شريك له وبذلك أمرتُ وأنا أوّل المسلمين﴾ قال قتادة أوّل المسلمين من هذه الأُمّة، قال الكلبي: أوّل مَنْ أطاع الله من أهل زمانه . وروى سعيد بن جبير عن عمران بن [حصين] قال: قال رسول الله وَل: «يا فاطمة قومی واشهدي أُضحيّتك فإنّه يغفر لكِ في أوّل قطرة من دمها كل ذنب عملته ثمّ قولي: إنّ صلاتي ونُسكي - إلى قوله - المسلمين)). (١) سورة التوبة: ٣٦، والروم: ٣٠، ويوسف: ٤٠. ٢١٣ سورة الأنعام، الآيات: ١٥٦ - ١٦٥ قال عمران: يا رسول الله هذه الآية لأهل بيتك خاصة أم للمسلمين عامة؟ قال: ((بل للمسلمين عامّة)) [١٦٩](١). ﴿قل أغير الله أبغي ربّاً﴾ سوى الله أطلب سيّداً ﴿وهو ربّ كلّ شيء ولا تكسب كل نفس إلّ عليها﴾ لا تؤخذ مما أتت من المعصية وارتكبت من الذنوب سواها. ﴿ولا تزروا وازرة وزر أخرى﴾ يعني ولا تحمل نفس حمل طبق محل أُخرى ما عليها من الذنوب ولا تأثم نفس آثمة بأثمّ أُخرى، بل كل نفس مأخوذ بجرمها ومعاقبة بائمها ﴿ثمّ إلى ربّكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون * وهو الذي جعلكم خلائف الأرض﴾ يعني أهل القرون الماضية والأُمم الخالية وأورثكم الأرض من بعدهم ثمّ جعلكم خلايف منهم فيما يخلفونهم فيها ويعمرونها بعدهم والخلاف جمع خليفة، كالوصيف يجمع وصيفة فكل مَنْ جاء من بعد مَنْ مضى فهو خليفة يقال: خلف فلان فلاناً في داره يخلفه خلافةً فهو خليفة كما قال الشماخ: تصيبهم وتخطئني المنايا وأخلف في ربوع عن ربوع (٢). ﴿ورفع بعضكم فوق بعض درجات﴾ يعني وخالف بين أحوالكم فجعل بعضكم فوق بعض في الخلق والرزق والقوّة والبسطة والعلم والفضل والمعاش والمعاد ﴿ليبلوكم فيما أتاكم﴾ يعني الغنى والفقر والشريف والوضيع والحر والعبد ﴿إن ربّك سريع العقاب﴾ يعني ماهو آت قريب، وقيل: الهلاك في الدنيا . وقال الكلبي: إذا عاقب فعقابه سريع، وقال عطاء: سريع العقاب لأعدائه ﴿وإنّه لغفور رحيم﴾ لأوليائه. (١) كنز العمال: ٥/ ١٠٢/ ح ١٢٢٣٦. (٢) تفسير الطبري: ٨ / ١٥٠، ولسان العرب: ٨/ ١٠٢. ٢١٤ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي سورة الأعراف وهي مائتان وست آيات روى أبو أمامة عن أبي بن كعب عن النبيّ وَّ قال: ((مَنْ قرأ سورة الأعراف جعل الله بينه وبين إبليس ستراً وكان آدم له شفيعاً يوم القيامة)) [١٧٠](١). بسم الله الرحمن الرحيم الْنَصّ ﴿أَ كِتَبُ أُزِلَ إِلَيْكَ فَلَ يَكُنَ فِى صَدْرِدٌ حَرَجٌ مِنْهُ لِنُنذِرَ بِهِ، وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ أَنَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَّا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ، أَوِْيَُّ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (٣) وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْتُهَا فَجَهَا بَأْسُنَا بَيَنَّا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ﴿ فَمَا كَانَ دَعْوَنُهُمْ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّ أَنْ قَالُواْ إِنَّا كُنَّا طَلِينَ فَنَسْعَلَنَّ الَّذِينَ أُزْمِلَ إِلَيْهِمْ وَلَسْعَلَ الْمُرْسَلِينَ ﴿ فَقُضَّنَّ عَلَيْهِم بِعَلٍَّ وَمَا كُنَا عَلَبِينَ () وَالْوَزْنُ يَوْمَيِذٍ أَلْحَقّ فَمَنْ ثَّقْلَتْ مَوَزِيِّئُهُ فَأُوْلَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿ وَمَنْ خَفَّتْ مَوْزِينُهُ. فَأُوْلَكَ الَذِينَ خَيِرُواْ أَنفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِشَايَِّنَا يَظْلِمُونَ (٢١) وَلَغَدَ مَكَّنَّكُمْ فِ الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِهَا مَعَنِشَّْ قَلِلًا مَّا تَشْكُرُونَ ﴿المص﴾ روى عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: ﴿المص﴾ قسم أقسم الله عزّ وجلّ، وقال عطاء بن أبي رباح: هو من ثناء الله سبحانه على نفسه، أبو صالح عن ابن عباس: اسم من أسماء الله تعالى، أبو الضحى عن ابن عباس: أنا الله أفصل وقال وهي هجاء موضوع، قتادة: اسم من أسماء القرآن. وقيل: اسم السورة، مجاهد: فواتح افتتح الله بها كتابه، الشعبي: فواتح السور من أسماء الله تعالى إذا وصلها كانت اسماً. وقال أبو روق: أنا الله الصادق، سعيد بن جبير: أنا الله أصدق، محمد بن كعب: إلاّ أن افتتاح اسمه أحد أول آخر، واللام افتتاح اسمه لطيف، والميم افتتاح اسمه مجيد وملك، والصاد افتتاح اسمه صمد وصادق أحد وصانع المصنوعات. ورأيت في بعض التفاسير معنى ﴿المص﴾: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ وقيل: هي حروف هجاء مقطّعة، وقيل: هي حساب الجمل، وقيل: هي حروف اسم الله الأعظم، وقيل: هي (١) تفسير الكشاف: ٢ / ١٩٣. ٢١٥ سورة الأعراف، الآيات: ١ - ١٠ حروف تحوي معاني كثيرة، وقيل: الله بها خلقه على مراده كلّه من ذلك، وموضعه رفع بالأبتداء وكتاب خبره كأنّه قال: (المص) حروف ﴿كتاب أنزل إليك﴾، وقيل: كتاب خبر ابتدأ في هذا کتاب . وقيل رفع على التقديم والتأخير، يعني أُنزل كتاب إليك وهو القرآن ﴿فلا يكن في صدرك حرج منه﴾ قال أبو العالية: ضيق، وقال مجاهد: تَنك، وقال الضحاك: إثمّ، وقال مقاتل: فلا يكن في قلبك شك في القرآن. إنّه من الله، وقيل: معناه لا اطبق قلبك بإنذار من أرسلتك بإنذاره وإبلاغ من أمرتك بإبلاغه إياه ﴿وذكرى للمؤمنين﴾ أي عظة لهم وموعظة، وموضعه رفع مردود على الكتاب. وقيل: هو نصب على المصدر تقديره ويذكر ذكرى. ويجوز أن يكون في موضع الخفض على معنى لتنذر في موضع خفض، والمعنى الإنذار والذكرى، وأمّا ذكرى فمصدر فيه ألف التأنيث [بمنزلة] دعوت دعوى ورجعت رجعى إلاّ أنّه اسم في موضع المصدر. ﴿اتبعوا ما أُنزل إليكم من ربّكم﴾ أي قل لهم: اتبعوا ولا تتبعوا من دونه أولياء. قرأ العامّة بالعين من الاتباع، وروى عاصم الجحدري عن أبي [الشيخ] ومالك بن دينار ((ولا تبتغوا)) بالغين المعجمة أي لا تطلبوا ﴿قليلا ما تذكرون﴾ ﴿وكم من قرية أهلكناها﴾ بالعذاب وموضع (كم) الرفع بالابتداء وخبره في (أهكلناها) وإن شئت نصبته برجوع الهاء، ﴿فجاءها بأسنا﴾ عذابنا ﴿بياتاً﴾ ليلا [كما يأتِ بالعساكر] ﴿أوهم قائلون﴾ يعني نهاراً في وقت [القائلة] وقائلون نائمون ظهيرة، ومعنى الآية: (أو هم قائلون) يعني: إن من هذه القرى ما أُهلكت ليلا ومنها ما أُهلكت نهاراً وإنّما حذفوها [لاستثقالهم] نسقاً على نسق، هذا قول الفراء، وجعل [الزجاج] بمعنى أو [التحيّر] والإباحة تقديره: جاءهم بأسنا مرّة ليلا ومرّة نهاراً ﴿فما كان دعواهم﴾ أي قولهم ودعاؤهم مثل قوله تعالى ﴿فما زالت تلك دعواهم﴾(١) قال الشاعر: بدعواك من مذل بها فتهون (٢) وإن مذلت رجلي دعوتك أشتفي مذل رجله إذا خدرت ﴿إِذ جاءهم بأسنا﴾ عذابنا إلاّ أن قالوا ﴿إِنَّا كنّا ظالمين﴾ مسيئين آثمين ولأمره مخالفين أقرّوا على أنفسهم. روى ابن مسعود عن النبيّ وَّر قال: ((ما هلك قوم حتّى يعذروا من أنفسهم. قال: قلت: كيف يكون ذلك؟ فقرأ هذه الآية: ﴿ما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا﴾ الآية [١٧١](٣). (١) سورة الأنبياء: ١٥. (٣) مسند أحمد ٤ / ٢٦٠، وليس فيه ذكر الآية. (٢) لسان العرب: ١١ / ٦٢١. ٢١٦ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي ﴿فلنسئلن الذين أُرسل إليهم﴾ يعني الأُمم عن إجابتهم الرسل ﴿ولنسئلن المرسلين﴾ عن تبليغ الأُمم ﴿فلنقصّن عليهم بعلم﴾ قال ابن عباس: ينطق لهم كتاب أعمالهم يدل عليه قوله ﴿هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق﴾ الآية(١). ﴿وما كنّا غائبين﴾ عن الرسل فيما يُلقون وعن الأُمم فيما أجابوا ﴿والوزن يومئذ﴾ يعني [السؤال] ﴿الحق﴾ قال مجاهد: والقضاء يومئذ العدل، وقال آخرون: أراد به دون [وزن الأعمال] وذلك أن الله عزّ وجلّ ينصب الميزان له [يدان وكفّان] يوم القيامة يوزن أعمال العباد خيرها وشرها فيثقل مرّة ميزان الحسنات لنجاة مَنْ يريد نجاته. ويخفّف مرّة ميزان الحسنات علامة هلاك مَنْ يُريد هلاكه. فإن قيل: ما الحكمة في وزن أعمال العباد والله هو العالم بمقدار كلّ شيء قبل خلقه إياه وبعده قلنا أربعة أشياء: أحدهما: امتحان الله تعالى عباده بالإيمان به في الدنيا، والثاني: جعل ذلك علامة لأهل السعادة والشقاوة في العقبى. والثالث: تعريف الله عزّ وجلّ للعباد ما عند الله من جزاء على خير وشر، والرابع: إلقائه الحجّة عليه . ونظيره قوله ﴿هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق﴾(٢) الآية فأخبر ما تأتي الأعمال ونسخها مع علمه بها ما ذكرناه من المعاني والله أعلم. ﴿فمَنْ ثُقلت موازينه﴾ قال مجاهد: حسناته ﴿فَأُولئك هم المفلحون * ومَنْ خفّت موازينه﴾ إلى قوله تعالى ﴿يُظلمون﴾ يجحدون قال حذيفة: صاحب الموازين يوم القيامة جبرائيل يقول الله تعالى ((يا جبرائيل زن بينهم فردَّ بعضهم على بعض)) قال: وليس ثمّ ذهب ولا فضّة وإن كان للظالم حسنات أخذ من حسناته فيرد على المظلوم وإن لم يكن له حسنات يحمل عليه من سيئات صاحبه، يرجع الرجل وعليه مثل الجبال [١٧٢]. قال ابن عباس: توزن الحسنات والسيئات في ميزان لسان وكفتان فأمّا المؤمن فيؤتي بعمله في أحسن صورة فيرتفع في كفّة الميزان وهو الحق فينقل حسناته على سيئاته فيوضع عمله في الجنّة يعرفها بعمله فذلك قوله: ﴿فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون﴾ الناجون ولهم غرف بمنازلهم في الجنّة إذا أنصرفوا إليها من أهل [الجنّة] إذا أنصرفوا إلى منازلهم. وأمّا الكفّار فيؤتى بأعمالهم في أقبح صورة فيوضع في كفّة الميزان وهي الباطل فيخفّ وزنه حتّى يقع في النار ثمّ يقال للكافر: إلحق بعملك. (١) سورة الجاثية: ٢٩. (٢) سورة الجاثية: ٢٩. ٢١٧ سورة الأعراف، الآيات: ١١ - ١٨ فإن قيل: كيف تصح وزن الأعمال وهي غراض وليست بأجسام فيجوز وزنها ووصفها بالثقل والخفة وإنما توزن الاعمال التي فيها أعمال العباد مكتوبة. يدلّ عليه حديث عبد الله بن عمر، وقال: يؤتى بالرجل يوم القيامة إلى الميزان ثمّ خرج له تسعة وتسعون سجلاً كلّ سجل منها مثل مدى البصر فيها خطاياه وذنوبه فيوضع في الكفّة ثمّ يُخرج له كتاب مثل الأنملة فيها شهادت أن لا إله إلّ الله وأن محمداً عبده ورسوله وَليل يوضع في الكفّة الأُخرى فيرجّح خطاياه وذنوبه، ونظير هذه الآية قوله ﴿ونضع الموازين بالقسط ليوم القيامة﴾(١). فإنّ قیل: لِما جمعه وهو میزان واحد. قيل: يجوز أن يكون [أعظم] جميعاً ومعناه واحد كقوله ﴿الذين قال لهم الناس﴾(٢) ﴿ويا أيّها الرسل﴾(٣) وقال الأعشي: مع الجيد لبّات لها ومـعاصم ووجه نقي اللون صاف يزيّنه أراد لّة ومعصماً . وقيل: أراد به الأعمال الموزونة. وقيل: الأصل ميزان عظيم ولكل عبد فيه ميزان معلّق به . وقيل: جمعه لأن الميزان ما اشتمل على الكفتين والشاهدين واللسان ولا يحصل الوزن إلاّ باجتماعهما . وقيل: الموازين أصله: ميزان يفرق به بين الحق والباطل وهو العقل، وميزان يفرّق بين الحلال والحرام وهو العلم، وميزان يفرّق به بين السعادة والشقاوة هو عدم سهو الإرادة، وبالله التوفيق . ﴿ولقد مكّناكم في الأرض﴾ ملّكناكم في الأرض ووظأنا لكم وجعلناها لكم قراراً ﴿وجعلنا لكم فيه معايش﴾ يعيشون بها أيام حياتكم من المأكل والمشرب والمعايش جمع المعيشة الياء من الأصل فلذلك لا تهمز ﴿قليلا ما تشكرون﴾ فيما صنعت إليكم. وَلَقَدْ خَقَّتَكُمُّ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَتَبِكَةِ أَسْجُدُواْ لَِّدَمَ فَجَدُوَاْ إِلَّ إِيْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَِّدِينَ (١١) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَّأْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَفِي مِن نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (١٢) قَالَ (١) سورة الأنبياء: ٤٧ . (*) سورة آل عمران: ٣*١. (٣) سورة المؤمنون: ٥١ . ٢١٨ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي قَالَ قَالَ أَنْظِرِنِ إِلَى يَوْمٍ يُعَنُونَ فَأَهْبِطَ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّوَ فِيهَا فَأَخْرُجُ إِنَّكَ مِنَ اُلْشَّنْغِرِينَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنَظَرِقَ (٤) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَعِ لَأَقَّعْدَنَّ لَهُمْ صِرَّطَكَ اَلْمُسْتَقِيمَ (٨٦) ثُمَّ لَ تِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِمْ وَمِنْ قَالَ أَخْرُجُ مِنْهَا مَذْءُوَمَّا مَدْحُورًّاً لَّمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ سَلْفِهِمْ وَعَنَّ أَيْمَنِمْ وَعَنْ شَيِهِمّ وَلَا يَجِّدُ أَكْتَرَهُمْ شَكِنَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَّمَ مِنَكُمْ أَجْمَعِينَ (َ) ﴿ولقد خلقناكم﴾ قال ابن عباس: خلقنا أصلكم وأباكم آدم ﴿ثمّ صوّرناكم﴾ في أرحام أمهاتكم قال قتادة والربيع والضّحاك والسدي: أمّا خلقناكم فآدم وأمّا صوّرناكم فذرّيّته. قال مجاهد: خلقنا آدم ثمّ صوّرناكم في ظهر آدم. وقال عكرمة: خلقناكم في أصلاب الرجال وصورناكم في أرحام النساء قال عطاء: خلقوا في ظهر آدم ثمّ صوروا في الأرحام. وقال يمان: خلق الإنسان في الرحم ثمّ صوّره ففتق سمعه وبصره وأصابعه، فإن قيل: ما وجه قوله ﴿ثمّ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾ وإنّما خلقنا بعد ذلك وثمّ يوجب الترتيب والتراخي. كقول القائل: قمت ثمّ قعدت لا يكون القعود إلاّ بعد القيام. قلنا: قال قوم: على التقديم والتأخير، قال يونس: الخلق والتصوير واحد [ ...... ](١) إلينا، كما نقول: قد ضربناكم وإنّما ضربت سيّدهم، قال الأخفش: ثمّ بمعنى الواو ومجازه: قلنا، كقول الشاعر: سألت ربيعة من خيرها أباً ثم أُماً فقالت لمّه (٢ أراد أباً وأُمّا . ﴿فسجدوا﴾ يعني الملائكة ﴿إلّ إبليس لم يكن من الساجدين﴾ لآدم فقال الله لإبليس حين امتنع من السجود لآدم ﴿قال ما منعك ألا تسجد﴾ قال بعضهم: لا زائدة [وإن صلة] تقدير الكلام: ما منعك السجود لآدم، لأن المنع يتعدّى إلى مفعولين قال الله عزّ وجلّ: ﴿وحرام على قرية أهلكناها أنّهم لا يرجعون﴾(٣). قال الشاعر : ويلحينني في اللهو أن لا أحبه (٤) وللهو داع دائب غير غافل (١) كلمة غير مقروءة. (٢) تفسير الطبري: ٨ / ١٦٩. (٣) سورة الأنبياء: ٩٥. (٤) جامع البيان: ١ / ١٢١، ومغني اللبيب: ١ / ٢٤٨. ٢١٩ سورة الأعراف، الآيات: ١١ - ١٨ أراد: أن أُحِبُّةً . وقال آخر: لما رأيتي الشمط القفندرا(١) فما ألوم البيض أن لا تسخروا وقال آخر: نعم الفتى لا يمنع الجود قاتله (٢) أبى جوده لا البخل واستعجلت به أراد: أبى جوده البخل . سمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا الهيثم الجهني يحكي عن أحمد بن يحيى ثعلب قال: كان بعضهم يكره القالا، وتناول في المنع بمعنى القول، لأن القول والفعل يمنعان، وتقديره: من قال لك لا تسجد. قال بعضهم: معنى المنع الحول بين المرء وما يريد. والممنوع مضطر إلى خلاف ما منع منه فكأنّه قال: أي شيء اضطرّك إلى أن لا تسجد(٣). ﴿إذا أمرتك﴾ قال إبليس مجيباً له ﴿قال أنا خير منه﴾ لأنّك ﴿خلقتني من نار﴾ والنار خير وأفضل واصفى وأنور من الطين قال ابن عباس: أوّل مَنْ قاس إبليس. فأخطأ القياس فمَنْ قاس الدین بشيء من رأيه قرنه مع إبليس. وقال ابن سيرين: أوّل مَنْ [قاس] إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلّ بالمقاييس. وقالت الحكماء: أخطأ عدو الله حين فضّل النار على الطين، لأن الطين أفضل من النار من وجوه : أحدها: إنّ من جوهر الطين الرزانة والسكون والوقار والاناة والحُلم والحياء والصبر، وذلك هو الداعي لآدم في السعادة التي [سبقت] له إلى التوبة والتواضع والتضرّع وأدرته المغفرة والاجتباء والهداية والتوبة ومن جوهر النار الخفّة والطيش والحدّة والارتفاع والاضطراب، وذلك الداعي لإبليس بعد الشقاوة التي سيقت له إلى الاستكبار والاصرار فأدركه الهلاك والعذاب واللعنة والشقاق. والثاني: إنّ الطين سبب جمع الأشياء والنار سبب تفريقها . والثالث: إن الخبر ناطق بأن تراب الجنّة مسك أذفر ولم ينطق الخبر بأن في الجنة ناراً وفي النار تراباً . (١) جامع البيان: ١ / ١٢١ /، ولسان العرب: ٢ / ١١٢. (٢) تفسير الطبري: ٨ / ١٧٠، ولسان العرب: ١٢ / ٥٨٩. (٣) تفسير الطبري: ٨ / ١٧١. ۔ ٢٢٠ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي والرابع: إن النار سبب العذاب وهي عذاب الله لإعدائه وليس التراب سبباً للعذاب. والخامس: إنّ الطين [يُسقى] من النار والنار محتاجة إلى المكان ومكانها التراب. فقال الله له: ﴿قال فاهبط منها﴾ أي من الجنّة، وقيل: من السماء إلى الأرض فألحقه بجزائر البحور وإنّما سلطانه وعظمته في خزائن البحور وعرشه في البحر الأخضر فلا يدخل في الأرض إلاّ لهبة السارق عليه أطمار تروع فيها [مَنْ يخرج] منها ﴿فما يكون لك﴾ فليس لك أن ﴿تتكبر فيها﴾ في الجنّة، وليس ينبغي أن يسكن الجنّة ولا السماء [متكبر] ولا بخلاف أمر الله عزّ وجلّ ﴿فاخرج إنّك من الصاغرين﴾ الأذلاء والصغر الذل والمهانة قال إبليس عند ذلك ﴿قال أنظرني﴾ أخرّني واجلني وأمهلني ولا تمتني ﴿إلى يوم يُبعثون﴾ من قبورهم وهو النفخة الأخيرة عند قيام الساعة، أراد الخبيث أن لا يذوق الموت، ﴿قال إنّك من المنظرين﴾ المؤخّرين. ثمّ بيّن مدّة النظر والمهلة في موضع آخر، فقال ﴿إلى يوم الوقت المعلوم﴾(١) وهي النفخة الأولى حين ثبوت الخلق كلّهم ﴿قال فما أغويتني﴾. اختلفوا في ما قال: فبعضهم قال: هو استفهام يعني فبأي شيء أغويتني ثمّ ابتدأ فقال ﴿لأقعدن لهم﴾ فقيل: هو ما الجزاء يعني فإنّك أغويتني لأجل أنك أغويتني لأقعدن، وقيل: هو ما المصدر في موضع القسم تقديره: بإغوائك إياي لأقعدن كقوله ﴿بما غفر لي﴾(٢) يعني بغفران ربّي(٣). وقوله أغويتني أضللتني عن الهدى. وقيل: أهلكتني، من قول العرب غوى الفصيل [يعني] غوي وذلك إذا فقد اللبن فمات. قال الشاعر: معطفة الأثناء ليس فصيلها برازئها دراً ولا ميّت غوى (٤) ? وحكى عن بعض قبائل طي أنها تقول: أصبح فلان غاوياً أي مريضاً غاراً، وقال محمد بن جرير: أصل الإغواء في كلام العرب تزيين الرجل للرجل الشيء حتّى يحسنه عنده غاراً له(٥). قال الثعلبي: وأخبرنا أبو بكر محمد بن محمد الحسين بن هاني قال حدثنا أبو عبد الله محمد بن محمد [الراوساني] قال: حدثنا عليّ بن سلمة قال: حدثنا أبو معاوية الضرير عن رجل لم يسمّ قال: كنت [عند] طاووس في المسجد الحرام فجاء رجل ممّن يرمي القدر من كبار الفقهاء فجلس إليه فقال طاووس: [يقوم أو يقام] فقام الرجل فقال لطاووس: تقول هذا الرجل فقيه، فقال إبليس: أفقه منه بقول إبليس ربٍ بما أغويتني ويقول: هذا أنا أغوي نفسي. (١) سورة الحجر: ٣٨. (٢) سورة يس: ٢٧. (٣) تفسير الطبري: ٨ / ١٧٦ . (٤) الصحاح: ٦ / ٢٤٥٠، والبيت لعامر المجنون كما في تاج العروس. (٥) جامع البيان للطبري: ٨ / ١٧٥.