النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
سورة الأنعام، الآيات: ١٠٨ - ١١٣
وقرأ الباقون: بالياء على الخبر وتصديقها قراءة الأعمش إنّها إذا جاءتهم لا يؤمنون
﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة﴾.
قال ابن عباس وابن زيد: يعني نحول بينه وبين الإيمان. ولو جئناهم بالآيات التي سألوا
ما آمنوا بها كما لم يؤمنوا بالتي قبلها مثل انشقاق القمر وغيره عقوبة لهم على ذلك.
وقيل: كما لم يؤمنوا به في الدنيا قبل مماتهم. نظيره قوله تعالى ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهو
عنه﴾(١) ﴿ونذرهم﴾ قرأ أبو رجاء: ويذرهم بالياء. وقرأ النخعي: ويقلب ويذرهم كلاهما بالياء
﴿في طغيانهم يعمهون * ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة﴾ فرأوهم عياناً ﴿وكلمهم الموتى﴾ باحيائنا
إياهم فشهدوا لك بالنبوة كما سألوا ﴿وحشرنا﴾ وجمعنا ﴿عليهم كل شيء قبلاً﴾ بكسر القاف
وفتح الباء أي معاينة وهي قراءة أكثر القراء، قرأ أبو جعفر: التي في الأنعام قبلاً بالكسر والتي
في الكهف قبلاً عياناً بالضم. أبو عمرو بالنصب وكذلك اختار أبو عبيد وأبو حاتم لأنها في
قراءة أُبيّ قبيلاً بجمعها القبل. والتي في الكهف قبلاً يعني عياناً .
وقرأ أهل الكوفة: بضم القاف والباء، ولها ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون جمع قبيل وهو
الكفيل أي ضمناً وكفلاً. والقبالة الكفالة، يقال: قبيل وقبل مثل رغيف ورغف، وقضيب
وقضب ..
والثاني: جمع قبيل هو القبيلة يعني فوجاً فوجاً وصنفاً صنفاً.
والثالث: أن يكون بمعنى المقابلة والمواجهة من قول القائل: أتيتك قبلاً لا دبراً إذا أتاه
من قبل وجهه ﴿ما كانوا ليؤمنوا إلاّ أن يشاء الله﴾ ذلك لهم. وقيل: الإستثناء لأهل السعادة
الذين سبق لهم في علم اللّه الإيمان ﴿ولكن أكثرهم يجهلون﴾ إن ذلك كذلك ﴿وكذلك جعلنا﴾
يعزي نبيه ◌ّل يعني كما أتيناك بهؤلاء القوم وكذلك جعلنا ﴿لكل نبي﴾ قبلك ﴿عدواً﴾ أعداء
وفسّرهم فقال ﴿شياطين الإنس والجن﴾.
عكرمة والضحاك والسدي والكلبي: معناه: شياطين الإنس التي مع الإنس وشياطين الجن
التي مع الجن وليس للإنس شياطين.
وذلك أن إبليس قسم جنده فريقين، بعث منهم فريقاً إلى الإنس وفريقاً إلى الجن، شياطين
الإنس والجن فهم ملتقون في كل حين، فيقول شيطان الإنس لشيطان الجن أضللت صاحبي بكذا
فاضل صاحبك بمثله، ويقول شيطان الجن لشيطان الإنس كذلك فذلك يوحي بعضهم إلى بعض.
وقال آخرون: إنّ من الإنس شياطين ومن الجن شياطين، والشيطان: العاتي المتمرّد من
كل شيء.
(١) سورة الأنعام: ٢٨.

١٨٢
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
قالوا: إن الشيطان إذا أغوى المؤمن وعجز عن إغوائه ذهب إلى متمرد من الإنس وهو
شيطان من الإنس فأغراه المؤمن.
قال أبو طلحة ما روى عوف بن مالك عن أبي ذر قال: قال رسول اللّه وَلقول: ((يا أبا ذر هل
تعوذت بالله من شر شياطين الإنس والجن))(١) [١٥٥] قال: يا رسول اللّه فهل للإنس من
شياطين؟ قال: نعم هو شر من شياطين الجن ..
وقال النبي ◌َّر: ((ما منكم من أحد إلاّ وقد وكّل قرينه من الجن)) قيل: ولا أنت يا رسول
الله؟
قال: (ولا أنا إلاّ أن اللّه قد أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلاّ بخير))(٢) [١٥٦].
وقال مالك بن دينار: إن شيطان الإنس أشد من شيطان الجن وذلك إني إذا تعوذت بالله
ذهب عني شيطان الجن، وشيطان الإنس يحبني فيجرني إلى المعاصي عياناً ﴿يوحي بعضهم إلى
بعض﴾ أي يلقي ﴿زخرف القول غروراً﴾ وهو القول المموّه والمزّين بالباطل، وكل شيء حسّنته
وزينته فقد زخرفته ثم ﴿ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ولتصغى﴾ أي ولكي تميل.
وقال ابن عباس: ترجع يقال: صغى يصغى صغاً وصغى يصغى ويصغو صغواً وصغواً إذا
مال.
قال الفطامي :
آذانهن تلى الحداة السوق(٣)
أصغت إليه هجائن بنحدودها
تراقب كفي والقطيع المحرما (٤)
ترى عينها صغواء في جنب ماقها.
﴿إليه﴾ يعني إلى الزخرف والغرور، ويقال: صغو فلان معك، وصغاه معك أي ميله
وهواه .
وقرأ النجعي: ولتصغي بضم التاء وكسر الغين أي تميل، والإصغاء الإمالة. ومنه الحديث
إن رسول اللّه ◌َ لّ كان يصغي الإناء للهرة.
﴿أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾ الأفئدة جمع الفؤاد مثل غراب وأغربة ﴿وليرضوه
وليقترفوا ما هم مقترفون﴾ أي وليكتسبوا ما هم مكتسبون.
(١) المعجم الكبير: ٨ / ٢١٧، وجامع البيان: ٨ / ٧.
(٢) صحيح ابن حبان: ١٤ / ٣٢٧ وتفسير القرطبي: ٧ / ٦٨.
(٣) الدرّ المنثور: ٣ /٤٠.
(٤) لسان العرب: ١٤ / ٤٦٢.

١٨٣
سورة الأنعام، الآيات: ١١٤ - ١١٩
وقال ابن زيد: وليعملوا ما هم عاملون(١). يقال: إقترف فلان مالاً أي اكتسبه، وقارف
فلان هذا الأمر إذا واقعه وعمله، قال اللّه تعالى ﴿ومن يقترف حسنة﴾(٢).
قال لبيد :
وإني لآتي ما أتيت وإنني لما اقترفت نفسي عليَّ لراهب(٣)
وقيل : هو من التهمة يقال: قرفه بسوء إذا اتهمه به .
قال رؤبة :
أعيا اقتراف الكذب المقروف
تبقوى التقيّ وعفّة العفيف (٤)
أَفَّغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَّكَمًا وَهُوَ الَّذِىّ أَنَزَّلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَبَ مُنَصَّلاً وَالَّذِينَءَاتَّيْنَهُمُ اَلْكِنَبَ
يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُعَزَّلٌ مِّنِ زَّبِّكَ بِأَلْنَّ فَلَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَِّنَ ﴿َ وَتَمَّتْ كَلِمَثُ رَبِّكَ صِدْفًا وَعَدْلًاً لَّ مُبَدِّلَ
لِكَلِمَتِهِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِمُ ﴿١) وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اَلَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ
إِلَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُونَ ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِلْمُهْتَدِينَ
فَكُواْ مِمَّا ذُكِرَ أَسْمُ أَِّ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِعَتِ مُؤْمِينَ (١٦) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِنَّا ذُكِرَ أَسْمُ اللهِ
عَلَّهِ وَقَّدْ فَضَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا أَضْطُرِرَتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِرًا لَُّضِلُونَ بِأَهْوَآيِهِم بِغَيْرٍ عِلْمَّ إِنَّ رَبَّكَ
هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْنَدِينَ ([3َ)
قوله تعالى ﴿أفغير اللّه﴾ فيه إضمار أي قل لهم يا محمد أفغير الله ﴿أبتغي حكماً﴾ قاضياً
بيني وبينكم، ﴿وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً﴾ مبيّناً يعني ﴿والذين آتيناهم الكتاب﴾ يعني
التوراة والإنجيل وهم مؤمنو أهل الكتاب.
قال عطاء: هم أصحاب النبي وَلّ أبو بكر، وعمر وعثمان وعلي وأتباعهم رضي الله عنهم
والكتاب هو القرآن.
﴿يعلمون أنه﴾ يعني القرآن ﴿منزل﴾.
قرأ الحسن والأعمش وأبي عامر: وخص بالتشديد من التنزيل لأنه أنزل نجوماً مرة بعد
وقرأ الباقون: بالتخفيف من الإنزال لقوله عز وجل يعني أنزل إليكم الكتاب ﴿من ربك
مرة .
(١) تفسير ابن كثير: ٢ / ١٧٣.
(٢) سورة الشورى: ٢٣.
(٣) الدر المنثور: ٣ / ٤٠.
(٤) جامع البيان: ٨ / ١١.

١٨٤
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
بالحق فلا تكونن من الممترين وتمت كلمة ربك﴾ قرأ أهل الكوفة كلمة: على الواحد والباقون:
كلمات على الجمع، واختلفوا في الكلمات.
فقال قتادة: هي القرآن لا مبدل له لا يزيد المفترون ولا ينقصون.
وقال بعضهم: هي أقضيته وعدالته ﴿لا مبدل لكلماته﴾ لا مغير لها ﴿وهو السميع العليم
وإن تطع أكثر من في الأرض﴾ يعني الكفار ﴿يضلوك عن سبيل الله﴾ عن دين الله ثم قال ﴿إن
يتبعون إلّ الظن وإن هم إلّ يخرصون﴾ يكذبون ﴿إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله﴾.
قال بعضهم: موضع من نصب لأنّه ينزع الخافض وهو حرف الصفة أي بمن.
وقيل: موضعه رفع لأنه بمعنى أي والرافع ليضل.
وقيل: محله نصب لوقوع العلم عليه وأعلم بمعنى يعلم كقول حاتم الطائي :
واللّه أعلم ما كنا لهم خذلا(١)
فحالفت طيء من دوننا حلفا
وقالت الخنساء :
تغدو غداة الريح أو تسري (٢)
القوم أعلم أن جفنته
﴿وهو أعلم بالمهتدين فكلوا مما ذكر إسم اللّه عليه﴾.
قال ابن عباس: قال المشركون للمؤمنين: أنكم تعبدون اللّه فما قبل الله لكم الحق الحق
أن تأكلوا مما قتلتم بسكاكينكم فنزل اللّه ﴿فكلوا مما ذكر اسم الله عليه﴾ وقت الذبح يعني
المذكاة بسم اللّه ﴿إن كنتم بآياته مؤمنين وما لكم ألا تأكلوا﴾ وما يمنعكم أن لا تأكلوا ﴿مما
ذكر إسم اللّه عليه﴾ من الذبائح ﴿وقد فصل لكم ما حرّم عليكم).
قرأ الحسن وأبو رجاء [الأعرج] وقتادة والجبائي وطلحة ومجاهد وحميد وأهل المدينة:
بالفتح فهما على معنى فصل اللّه ما حرمه عليكم لقوله إسم اللّه جرى ذكره تعالى.
وقرأ محمد بن عامر وأبو عمرو: بضمهما على غير تسمية الفاعل لقوله ذكر.
وقرأ أصحاب عبد اللّه وأهل الكوفة: فصل بالفتح يحرم بالضم.
وقرأ عطية العوفي فصل مفتوحاً خفيفاً بمعنى قطع الحكم فيما حرم عليكم وهو ما ذكر في
سورة المائدة قوله تعالى ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾(٣) الآية ﴿إلاّ ما اضطررتم إليه﴾ من هذه
الأشياء فإنه حلال لكم عند الإضطرار ثم قال ﴿وإن كثيراً ليضلون﴾ قرأ الحسن وأهل الكوفة:
بضم الياء كقوله: يضلوك.
(١) جامع البيان: ٨ / ١٥.
(٣) سورة المائدة: ٣.
(٢) جامع البيان: ٨ / ١٥.

١٨٥
سورة الأنعام، الآيات: ١٢٠ - ١٢٦
وقرأ الباقون: بالفتح كقوله: من يضل ومن ضل ﴿بأهوائهم﴾ بمرادهم ﴿بغير علم﴾ حين
دعوا إلى أكل الميتة ﴿إنّ ربك هو أعلم بالمعتدين﴾ المتجاوزين من الحلال إلى الحرام.
وَلَا
وَذَرُواْ ظَهِرَ أَلْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ، إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ أَلْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَفْتَّقُونَ
تَأْكُلُواْ مِنَا لَمْ يُذْكَرِ أَسْمُ اَللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْ لَّأَبِهِمْ لِيُّجَدِلُوَكُمْ وَإِنْ
أَطَعَتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمْرِكُونَ ﴿١٨) أَوَ مَن كَانَّ مَيْئًا فَأَحْيَمِنَّهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِ النَّاسِ كَمَنْ مَّثَلُ
فىِ الظُّلُمَتِ لَيْسَ يِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَنْفِرِنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿يَا وَكَذَذِكَ جَعَلْنَا فِ كُلّ
قَرِّيَّةٍ أَكَبِرَ مُجْرِمِيهَا لِمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّ يِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُونَ ﴿ وَإِذَا جَآءَتَّهُمْ ءَايَةٌ
قَالُواْ لَنْ نُؤْمِنَ خَّى نُؤْنَى مِثْلَ مَا أُوِيَ رُسُلُ اللَّهِ لَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَحْرَمُواْ
صَغَارُ عِندَ اللَّهِ وَغَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ (٢٩) فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَعْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِّ
وَمَنْ يُرِدُ أَنْ يُضِلَّمُ يَجْعَلْ صَدْرَمُ ضَيْفَا حَرَجَا كَأَنَّمَا يَضَعَدُ فِ السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ أَلَّجْسَ
عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٥) وَهَذَا صِرَطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ نَضَّلْنَا الْآَيَتِ لِقَوْمٍ بَذَّكَرُونَ
﴿وذروا ظاهر الإثم وباطنه﴾ يعني الذنوب كلها لا يخلو من هذين الوجهين.
واختلفوا فيها فقال قتادة: سرّه وعلانيته، عطاء: قليله وكثيره. ومجاهد: ما ينوي وما هو
عامله. الكلبي: ظاهر الإثم الزنا وباطنه المخالة.
السدي: الزواني الذي في الحوانيت وهو بيت أصحاب الرايات وباطنه الصديقة يتخذها
الرجل فيأتيها سرّاً (١). وقال مرّة الهمذاني: كانت العرب تجوز الزنا وكان الشريف إن يزني يستر
ذلك وغيره لا يبالي إذا زنا ومتى زنا فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال الضحاك: كان أهل الجاهلية يسترون الزنا ويرون ذلك حلالا ما كان سرّاً، فحرم
اللّه تعالى لهذه الأمة السرّ منه والعلانية.
وروى حيان عن الكلبي: ظاهر الإثم طواف الرجال بالنهار عراة وباطنه طواف النساء
بالليل عراة .
وقال سعيد بن جبير: الظاهر ما حرم الله تعالى بقوله ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من
النساء﴾(٢) وقوله ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾(٣) الآية والباطن منه الزنا .
وقال ابن زيد: ظاهر الإثم التعرّي والتجرّد من الثياب في الطواف والباطن الزنا .
(١) تفسير الطبري: ٨ / ٢٠.
(٢) سورة النساء: ٢٢.
(٣) سورة النساء: ٢٣.

١٨٦
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
﴿إن الذين يكسبون الإثم سيجزون﴾ في الآخرة ﴿بما كانوا يقترفون﴾ بما يكسبون في
الآخرة ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم اللّه عليه﴾ فاقد ] التسمية [ ولم يدرك ذكاته أو ذبح لغير الله
﴿وإنه﴾ يعني الأكل ﴿لفسق وإن الشياطين ليوحون﴾ ليوسوسون ﴿إلى أوليائهم﴾ من المشركين
﴿يجادلوكم﴾. وذلك إن المشركين قالوا: يا محمد أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟ قال:
اللّه قتلها. قالوا: فتزعم إن ما قتلت أنت وأصحابك حلال وما قتل الصقر والكلب حلال وما
قتله اللّه حرام؟ فأنزل اللّه عز وجل هذه الآية.
وقال عكرمة: معناه ولي الشياطين يعني مردة المجوس ليوحون إلى أوليائهم من مشركي
قريش وكانوا أولياءهم في الجاهلية وذلك أن المجوس من أهل فارس لما أنزل الله تعالى تحريم
الميتة كتبوا إلى مشركي قريش. وكانت بينهم مكاتبة. إن محمداً وأصحابه يزعمون إنهم يتبعون
أمر اللّه ثم يزعمون إن ما ذبحوا فهو حلال، وما ذبحه اللّه فهو حرام ولا يأكلونه، فوقع في
أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿وإن أطعتموهم﴾ في أكل
الميتة ﴿إنكم المشركون﴾ قوله تعالى ﴿أومن كان ميتاً فأحييناه﴾ هو ألف الإستفهام والتقدير
دخلت على واو النسق فبقيت على فتحها يعني أومن كان كافراً ميتاً بالضلالة فهديناه واجتبيناه
بالإيمان ﴿وجعلنا له نوراً﴾ يستضيء به ﴿ويمشي به في الناس﴾ على قصد السبيل ومنهج
الطريق .
قال ابن زيد: يعني بهذا النور الإسلام نيابة قوله ﴿يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾.
وقال قتادة: هذا المؤمن معه من الله نوراً وبينة يعمل بها ويأخذ وإليها ينتهي كتاب الله
﴿كمن مثله في الظلمات﴾ .
قال بعضهم: المثل زائد تقديره كمن في الظلمات.
وقال بعضهم: معناه كن أو شبه بشيء كان يشبهه من في الظلمات من ظلمة الكفر والجهل
والضلالة والمسير.
﴿ليس بخارج منها﴾ لا يبصر شيئاً ولا يعرف طريقاً كالذي ضل طريقه في ظلمة الليل فهو
لا يجد مخرجاً ولا يهتدي طريقاً .
وقيل: إن هذه الآية نزلت في رجلين بأعيانهما، ثم اختلفوا فيهما .
فقال ابن عباس: أومن كان [ميتاً] فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس. يريد حمزة
بن عبد المطلب كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها. أبو جهل، وذلك إن أبا جهل رمى
النبي ◌َّه بالحجارة وحمزة لم يؤمن بعد فأخبر حمزة بما فعل أبو جهل وهو راجع من قنصه وبيده
قوس، فأقبل غضبان حتى علا أبا جهل بالقوس وهو يتضرع كعبد مسكين يقول: يايا يعلى أما
ترى ما جاء به سفّه عقولنا وسبّ آلهتنا وخالف أبانا .

١٨٧
سورة الأنعام، الآيات: ١٢٠ - ١٢٦
فقال حمزة: ومن أسفه منكم تعبدون الحجارة من دون الله، أشهد أن لا إله إلاّ اللّه لا
شريك له وأن محمداً عبده ورسوله فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال الضحاك [ويمان]: نزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل.
قال عكرمة والكلبي: نزلت في عمار بن ياسر وأبي جهل.
﴿كذلك زيّنا للكافرين ما كانوا يعملون﴾ من الكفر والمعصية ﴿وكذلك﴾ أي وكما زیّنا
للکافرین أعمالهم کذلك جعلنا .
وقيل: وكما جعلنا فسّاق مكة أكابرها كذلك ﴿جعلنا في كل قرية أكابر﴾ يعني عظماء،
جمع أكبر مثل أفضل وأحمر وأحامر وأسود وأساود ﴿مجرميها﴾ إن شئت نصبته على التقديم
تقديره وكذلك جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر، كما تقول: جعلت زيداً رئيسها وإن شئت
خفضته على الإضافة ﴿ليمكروا فيهاوما يمكرون إلّ بأنفسهم﴾ لأن وبال مكرهم وجزاءه راجع
إليهم ﴿وما يشعرون﴾ إنه كذلك ﴿وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل
اللّه﴾ من النبوة، وذلك إن الوليد بن المغيرة قال: والله لو كانت النبوة حقاً لكنت أولى بها منك
لأني أكبر منك سناً وأكثر منك مالاً، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية.
وقال مقاتل: نزلت في أبي جهل بن هشام وذلك أنه قال: زاحمنا عبد مناف في الشرف
حتى إذا صرنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يوحى إليه، واللّه لا نؤمن به ولا نتبعه أبداً إلاّ أن
يأتينا وحي كما يأتيه وأنزل اللّه تعالى ﴿وإذا جاءتهم) آية حجة على صدق محمد واله وصحت
نبوته. ﴿قالوا﴾: يعني أبو جهل. قالوا: ﴿لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله﴾ يعني
محمداً رسول اللّه وَ لله ثم قال ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ فخص بها محمداً وتحليل ﴿سيصيب
الذين أجرموا صغار﴾ ذل وهوان ﴿عند الله﴾ أي من عند الله نصب بنزع حرف الصفة.
قال النحاس: سيصيب الذين أجرموا صغار عند اللّه على التقديم والتأخير ﴿وعذاب شديد
بما كانوا يمكرون﴾.
وقال أبو روق: صَغَار في الدنيا وهذا العذاب في الآخرة.
﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام﴾ أي يوسّع عقله أو ينوّره ليقبل الإسلام
فأنزل الله تعالى هذه الآية.
. سئل رسول اللّه ◌َ﴾ عن شرح الصدر ما هو؟ قال: ((نور يقذفه الله تعالى في قلب المؤمن
فينشرح له صدره وينفسح)) [١٥٧] قالوا: فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال: نعم الإنابة إلى
دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت(١).
(١) زاد المسير: ٣ / ٨٢، وفيه: قبل نزوله.

١٨٨
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
﴿ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً﴾ قرأ ابن كثير: ضيقاً بالتخفيف. والباقون:
بالتشديد وهي لغتان مثل هين وهيّن، ولين وليّن، حرجاً كسر أهل المدينة، راءه وفتحها الباقون
وهما لغتان مثل الأنف والأنف، والفرد والفرد، والوعد والوعد.
وقال سيبويه: الحرج بالفتح المصدر كالصلب والحلب ومعناه ذا حرج، والحرج بالكسر
الإسم وهو أشد الضيق، يعني قلبه ضيقاً لا يدخله الإيمان.
وقيل: أثيماً لقول العرب: حرج عليك ضلمي أي ضيق وأثم. وقال السدي: حرجها
شاكاً. وقال قتادة: ملتبساً.
وقال النضر بن شميل: ملقاً. وقال ليس للخير فيه منفذ.
وقال عبيد بن عمير. قرأ ابن عباس: هذه الآية، فقال: هل هاهنا أحد من بني بكر؟ فقال
رجل: نعم، قال: ما الحرج فيكم؟ قال: الوادي الكثير الشجر المتمسك الذي لا طريق فيه.
قال ابن عباس: كذلك قلب الكافر.
وقال أبو الصلت الثقفي وعمر بن الخطاب (رضي الله عنه): هذه الآية ضيقاً حرجاً بنصب
الراء. وقرأ بعض من عنده من أصحاب رسول اللّه وَلقول حرجاً بالكسر. فقال عمر: ابعثوا إلى
رجل من كنانة وجعلوه راعياً فأتوه به فقال له عمر: يا فتى ما الحرجة فيكم؟ قال الحرجة فينا
الشجرة التي تكون بين الأشجار التي لا يصل إليها راعية ولا وحشية ولا شيء.
فقال عمر (رضي الله عنه): كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير ﴿كأنما يصعّد
في السماء﴾ يعني يشق عليه الإيمان، ويمتنع ويعجز عنه كما يشق عليه صعود السماء.
واختلف القراء في ذلك، فقرأ أهل المدينة وأبو عمرو وحمزة والكسائي: يصعّد بتشديد
الصاد والعين بغير ألف أي يصعد فأدغمت التاء في الصاد.
فاختاره أبو حاتم وأبو عبيد [إعتزازاً] بقراءة عبد اللّه كأنما يتصعد في السماء.
وقرأ طلحة وعاصم وأبو عبيد والنخعي ومجاهد: بالألف مشدداً بمعنى تصاعد(١).
وقرأ ابن كيسان وابن [محيصن]، والأعرج وأبو رجاء: يصعد حقيقة(٢).
﴿كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون﴾ قال مجاهد: الرجس ما لا خير فيه.
ابن زيد: الرجس العذاب مثل الرجز. وقال ابن عباس: هو الشيطان الذي يسلطه عليه .
وقال الكلبي: هو المأثم، وقيل: هو النجس. ويقال: رجس رجاسة ونجس نجاسة(٣).
(١) راجع تفسير الطبري: ٨ / ٤٢.
(٣) راجع تفسير القرطبي: ٧ / ٨٣.
(٢) أي من الصعود.

١٨٩
سورة الأنعام، الآيات: ١٢٧ - ١٣٢
وكان رسول اللّه وَ﴾له إذا دخل الخلاء قال: ((اللهم إني أعوذ بك من نجس منجس الخبث
المخبث الشيطان الرجيم)) (١) [١٥٨].
﴿وهذا صراط ربك مستقيماً﴾ أي هذا الذي بيّنا طريق ربّك والذي ارتضاه لنفسه ديناً
وجعله مستقيماً لا وج فيه وهو الإسلام.
وقال ابن مسعود: هو القرآن. وقال: إن الصراط محتضر يحضره الشياطين ينادون: يا عبد
اللّه هلم هذا الطريق ليصدوا عن سبيل الله فاعتصموا بحبل الله وهو كتاب الله ﴿قد فصلنا
الآيات لقوم يذكرون﴾.
﴿ لَمْ دَارُ السَّلَمِ عِنْدَ رَيْهِمَّ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٢٧) وَيَوْمَ نَجْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَعْشَرَ
اَلْجِنّ ◌َّدٍ أَسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنِّ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَّ أَلْإِسِ رَبَّنَا أُسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بَعْضِ وَبَغْنَاَ أَجَلَنَا الَّذِىّ
أَخَّلْتَ لَّا قَالَ النَّارُ مَثْوَنَّكُمْ خَِّينَ فِيهَا إِلَّ مَا شَآءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمُ عَلِيمٌ (٢٨) وَكَذَلِكَ نُوْلِ بَعْضَ
الظّلِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوْ يَكْسِبُونَ ﴿يَا يَمَعْشَ لَلْجِنِّ وَاَلْإِِ أَمْ بَأْتِّكُمْ رُسُلُ مِنَكُمْ يَقُضُونَ عَلَّهِكُمْ
مَايَتِىِ وَُّنْذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَىَّ أَنْفُسِنَاً وَعَّتُهُمُ الْمَوَةُ الذُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَ أَنْفُسِمْ أَنَّهُمْ
كَانُواْ كَفِرِينَ ﴿٣) ذَلِكَ أَنْ لَّمْ يَكُنَ زَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظَلَّمٍ وَأَهْلُّهَا غَفِلُونَ (٣) وَلِكُلِّ دَرَجَتٌ
مِنَّا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ
﴿لهم دار السلم عند ربهم﴾ يعني الجنة في الآخرة.
قال أكثر المفسرين: السلام هو الله عز وجل وداره الجنة. وقيل: سميت الجنة دار السلام
لسلامتها من الآفات والعاهات.
وقيل: لأن من دخلها سلم من البلايا والرزايا أجمع.
وقيل: لأنها سلمت من دخول أعداء اللّه كيلا ينتغص أولياء الله فيها كما يُنْغّص مجاورتهم
في الدنيا .
وقيل: سميت بذلك لأن كل حالة من حالات أهلها مقرونة بالسلام فاما إبتداء دخولها
فقوله ﴿أدخلوها بسلام آمنين﴾ وبعد ذلك قوله ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب﴾ الآية.
وبعده قوله ﴿وتحيتهم فيها سلام﴾ وبعده قوله ﴿لا يسمعون فيها لغواً إلا سلاماً﴾(٢) وقوله ﴿لا
يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً إلاّ قيلاً سلاماً سلاماً﴾(٣) وبعده قوله ﴿تحيتهم يوم يلقونه سلام) (2)
(١) جامع البيان: ٨ / ٤٣، بتفاوت واختلاف.
(٢) سورة مريم: ٦٢.
(٣) سورة الواقعة: ٢٦.٢٥.
(٤) سورة الأحزاب: ٤٤ .

١٩٠
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
وبعد ذلك ﴿سلام قولاً من ربّ رحيم﴾(١). فلما كان حالات أهل الجنة مقرونة بالسلام إما من
الخلق وإما من الحق سمّاها اللّه دار السلام ﴿وهو وليهم﴾ ناصرهم ومعينهم ﴿بما كانوا
يعملون﴾ .
قال الحسن بن الفضل: يعني يتولاهم في الدنيا بالتوفيق وفي الآخرة بالجزاء. ﴿ويوم
يحشرهم جميعاً﴾ الجن والإنس يجمعهم في يوم القيامة فيقول: ﴿يا معشر الجن والإنس قد
استكثرتم من الإنس﴾ أي من إضلال الناس وإغوائهم ﴿وقال أولياؤهم من الإنس﴾ الذين
أطاعوهم ﴿ربنا استمتع بعضنا ببعض﴾.
قال الكلبي: إستمتاع الإنس بالجن. هو أن الرجل إذا سافر أو خرج فمشى بأرض قفر أو
أصاب صيداً من صيدهم فخاف على نفسه منهم. فقال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه
فيثبت جواز منهم، واستمتاع الجن بالإنس هو أن قالوا: قد سدنا الإنس مع الجن حتى عاذوا بنا
فيزدادون شرفاً في قومهم وعظماً في قومهم وهذا معنى قوله تعالى ﴿وإنه كان رجال من
الإنس﴾. الآية.
وقال محمد بن كعب وعبد العزيز بن يحيى: هو طاعة بعضهم بعضاً وموافقة بعضهم بعضاً
وقيل: إستمتاع الإنس بالجن بما كانوا يأتون إليهم. من الأراجيف والسحر والكهانة، فاستمتاع
الجن بالإنس إغراء الجن الإنس واتباع الإنس إياهم ﴿وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا﴾ يعني
الموت والبعث. قال اللّه تعالى ﴿قال النار مثواكم خالدين فيها إلاّ ما شاء الله﴾ يعني قدّر مدة
ما بین بعثهم إلى دخولهم جهنم.
قال ابن عباس: هذا الإستثناء هو أنه لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه لا يولهم
جنة ولا ناراً .
وقال الكلبي: إلا ما شاء اللّه وكان ما شاء الله أبداً.
وقيل: معناه النار مثواكم خالدين فيها سوى ما شاء الله من أنواع العذاب وقيل: إلا ما
شاء الله من إخراج أهل التوحيد من النار.
وقيل: إلا ما شاء الله أن يزيدهم من العذاب فيها.
وقيل: إلا ما شاء اللّه من كونهم في الدنيا بغير عذاب.
وقال عطاء: إلا ما شاء الله من الحق في عمله أن يؤمن فمنهم من آمن من قبل الفتح
ومنهم من آمن من بعد الفتح.
(١) سورة يس: ٥٨.

١٩١
سورة الأنعام، الآيات: ١٢٧ - ١٣٢
﴿إن ربك حكيم عليم وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون﴾.
روي عن قتادة: يجعل بعضهم أولياء بعض. والمؤمن ولي المؤمن والكافر ولي الكافر
حیث کان.
وروى معمر عن قتادة: تبع بعضهم بعضاً في النار من الموالاة.
وقيل: معناه نولي ظلمة الإنس ظلمة الجن ونولي ظلمة الجن ظلمة الإنس، يعني نَكِلُ
بعضهم إلى بعض كقوله ﴿نوله ما تولی﴾ .
قال ابن زيد: نسلط بعضهم على بعض. يدل عليه قوله وَلجر: ((من أعان ظالماً سلّطه الله
عليه))(١) [١٥٩].
وقال مالك بن دينار: قرأت في كتب الله المنزلة: إن الله تعالى قال: أُفني أعدائي
بأعدائي ثم أُفنيهم بأوليائي.
وروى خيان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: تفسيرها: هو أن اللّه تعالى إذا
أراد بقوم خيراً ولى أمرهم خيارهم وإذا أراد بقوم شراً ولى أمرهم شرارهم.
وفي الخبر: يقول الله: إني أنا الله لا إله إلاّ أنا مالك الملوك قلوبهم ونواصيهم فمن
أطاعني جعلتهم عليه رحمة ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، فلا تشتغلوا بسب الملوك ولكن
توبوا إلى الله تعالى بعطفهم عليكم.
﴿يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم﴾.
قال الأعرج وابن أبي إسحاق: تأتكم بالتاء كقوله: ﴿لقد بعث رسل ربنا بالحق﴾.
قرأ الباقون: بالياء كقوله تعالى ﴿مثل ما أوتي رسل الله﴾ ﴿يقصون﴾ يقرأون ﴿عليكم
آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا﴾ وهو يوم القيامة.
واختلف العلماء في الجن هل أُرسل إليهم رسول أم لا؟ فقال عبيد بن سليمان: سئل
الضحاك عن الجن هل كان فيهم مؤمن قبل أن يبعث النبي وَلار؟ فقال: ألم تسمع قوله تعالى:
﴿يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم﴾ يعني بذلك رسلاً من الإنس ورسلاً من الجن.
قال الكلبي: كانت الرسل قبل أن يبعث النبي وَّ يبعثون إلى الجن والإنس جميعاً.
قال مجاهد: الرسل من الإنس. والنذير من الجن ثم قرأ ﴿ولوا إلى قومهم منذرين﴾.
قال ابن عباس: هم الذين استمعوا القرآن وأبلغوه قومهم.
(١) الجامع الصغير: ٢ / ٥٧٤، ح ٨٤٧٢.

١٩٢
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
وقال أهل المعاني: لم يكن من الجن رسول وإنما الرسل من الإنس خاصة وهذا كقوله
تعالى ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾(١) وإنما يخرج من المالح دون العذب.
وقوله ﴿يذكروا اسم الله في أيام معلومات﴾(٢) وهي أيام العشر وإنما الذبح في يوم واحد
من العشر فهو يوم النحر. وقوله ﴿وجعل القمر فيهن نوراً﴾(٣) وإنما هو في سماء واحدة ﴿قالوا
شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا﴾ أقروا ﴿على أنفسهم إنهم كانوا كافرين * ذلك
أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم﴾ أي بشرك من أشرك ﴿وأهلها غافلون﴾ حتى يبعث إليهم
رسلاً ينذرونهم. وقيل: معناه: لم يكن ليهلكهم دون البينة والتذكير بالرسل والآيات فيكون قد
ظلمهم ﴿ولكل درجات مما عملوا﴾ يعني بالثواب والعقاب على قدر أعمالهم في الدنيا منهم من
هو أشد عذاباً ومنهم من هو أجزل ثواباً ﴿وما ربك بغافل عما يعملون﴾ .
وَرَبُّكَ أَلْغَنِىُّ ذُو الْرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَّا أَشَأَكُمْ
مِنْ ذُرِّيَّةٍ قَوْمٍ ،َآَخَرِينَ ﴿٣) إِنَّ مَا نُوعَدُونَ لَتِّ وَمَا أَنْتُم بِمُعْجِينَ (gَ قُلْ بَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى
مَكَانَتِكُمْ إِّ عَامِلٌ نَسَوْقَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَقِبَّهُ الذَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ اُلْظَّالِمُونَ (َ
وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِنَا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ نَصِيَبًا فَقَالُواْ هَذَا لِلَّهِ بِزَّعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآَيْنَاً
فَمَا كَانَ لِشُرُكَبِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَبِهِمْ سَآءَ
مَا يَحْكُمُونَ
وَكَذَلِكَ زَبَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِِّنَ فَتْلَ أَوْلَئِدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ
وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمَّ وَلَوْ شَآءَ اَللَّهُ مَا فَعَلُوُهُ فَذَرُهُمْ وَمَا يَغْتَرُونَ ﴿٢) وَقَالُواْ هَذِهِ أَنْعَمٌ
وَحَرْتُ حِجْرٌ لَّا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِرَغْمِهِمْ وَأَنْعَمُ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنَْهٌ لَّا يَذْكُرُونَ أَسْمَ اللَّهِ
عَلَيْهَا أَفْرَاءَ عَلَيَّةِ سَيَخْرِبِهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴿ وَقَالُواْ مَا فِى بُطُونِ هَكَذِهِ الْأَنْكَمِ خَالِصَةٌ
لُِّّكُورِنَا وَمُحَزَّمُ عَلَى أَزْوَجِنَاً وَإِن يَكُن ◌َّيْتَّةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْرِيِهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمُ
عَلِيمٌ ﴿َ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَنَّلُواْ أَوْلَدَهُمْ سَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَزَّمُواْ مَا رَزَفَّهُمُ اللَّهُ أَفْتِرَّةَ عَلَى اللّهِ قَدْ
ضَلُواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ
﴿وربك الغني﴾ بعلمه ﴿ذو الرحمة﴾ بهم ﴿إن يشأ يذهبكم﴾ ثم يميتكم ويهلككم
﴿ويستخلف﴾ يخلق ﴿من بعدكم ما يشاء﴾ خلقاً غيركم أمثل وأطوع منكم.
وقال عطاء: يريد الصحابة والتابعين ﴿كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين﴾ قرناً بعد قرن،
وقال مقاتل: يعني أهل سفينة نوح. وقرأ زيد بن ثابت: ذرية بكسر الذال مشدّدة.
(١) سورة الرحمن: ٢٢.
(٢) سورة الحج: ٢٨.
(٣) سورة نوح: ١٦.

١٩٣
سورة الأنعام، الآيات: ١٣٣ - ١٤٠
وقال أبان بن عثمان: ذرية بفتح الذال وكسر الراء خفيفة على قدر فعله، الباقون: بضم
الذال مشددة، وهي لغات صحيحة. وقال ثعلب: الذرية بالكسر الأصل، والذرية بالضم الولد
﴿إن ما توعدون لآت﴾ لجائي كائن ﴿وما أنتم بمعجزين﴾ بفائتين سابقين أي حيث كنتم
يدرككم. والإعجاز أن يأتي بالشيء يعجز عنه خصمه ويقصر دونه فيكون قد قهره وجعله عاجزاً
عنه ﴿قل﴾ يا محمد لهم ﴿يا قوم أعملوا على مكانتكم﴾.
قال ابن عباس: على ناحيتكم. قال ابن زيد: على حيالكم. يمان: على مذاهبكم. عطاء:
على حالتكم التي أنتم عليها. مقاتل: على جديلتكم. مجاهد: على وتيرتكم. الكلبي: على
منازلكم. وقيل: إعملوا ما أمكنكم.
قرأ السلمي وعاصم: مكاناً لكم على الجمع في كل القرآن.
﴿إني عامل﴾ يقول إعملوا ما أنتم عاملون فإني عامل ما أمرني ربي، وهذا أمر وعيد
وتهديد لا أمر إباحة وإطلاق كقوله ﴿إعملوا ما شئتم﴾(١).
وقال الكلبي: معناه إعملوا ما أمكنكم من أمري فإني عامل في أموركم بإهلاك.
﴿فسوف تعلمون من تكون﴾ قرأ مجاهد وأهل الكوفة: يكون بالياء، الباقون: بالتاء، ﴿له
عاقبة الدار﴾ يعني الجنة ﴿إنه لا يفلح الظالمون﴾ أي لا يأمن الكافرون.
قال عطاء: لا يبعد. وقال الضحاك: لا يفوز. وقال عكرمة: لا يبقى في الثواب.
﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً﴾.
قال المفسرون: كانوا يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم وثمارهم وسائر أموالهم نصيباً
وللأوثان نصيباً فما كان للصنم أنفق عليه، وما كان لله أطعم الضيفان والمساكين ولا يأكلون من
ذلك كله شيئاً فما سقط مما جعلوا للّه في نصيب الأوثان تركوه. وقالوا: إن اللّه غني عن هذا،
وإن سقط مما جعلوه للأوثان في نصيب اللّه التقطوه فردوه إلى نصيب الصنم وقالوا: إنه فقير.
وكانوا إذا بذروا ما وقع من بذر اللّه في حصة الصنم تركوه، وما وقع من حصّة الصنم في حصّة
اللّه تعالى ردوه وان انفجر من سقي ماء جعلوه للشيطان في نصيب اللّه، شدّوه، وإن انفجر من
سقي ماء جعلوه للّه في نصيب الشيطان تركوه. فإذا هلك الذي سموا لشركائهم أو أجدب وكثر
الذي لله، قالوا: ليس لآلهتنا بدّ من نفقة فأخذوا الذي لله وأنفقوا على الهتهم فإذا أجدب الذي
لله وكثر الذي لآلهتهم قالوا: لو شاء اللّه لأزكى الذي له فلا يردون عليه شيئاً مما للآلهة فإذا
أصابتهم السنة استعانوا بما جزوا منه ووفروا ما يجزون لشركائهم وذلك قوله تعالى مما ﴿ذرأ من
(١) سورة فصلت: ٤٠.
م

١٩٤
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
الحرث والأنعام نصيباً﴾ أي مما خلف من الحرث والأنعام نصيباً، وفيه إضمار واختصار
مجازه: وجعلوا لله نصيباً ولشركائهم نصيباً ﴿فقالوا هذا للّه بزعمهم).
يحيى بن رئاب والسلمي والأعمش والكسائي: بالضم.
وقرأ الباقون: بالفتح. وهما لغتان وهو القول من غير حقيقة.
سمعت الحسين يقول: سمعت العنبري عن أبي العباس الأزهري عن أبي حاتم إنه قال:
قال شريح القاضي: إن لكل شيء كنية وكنية الكذب زعموا، والزعم أيضاً في الطمع ﴿وهذا
لشركائنا﴾ يعني الأوثان ﴿فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى
شركائهم ساء ما يحكمون﴾ أي بئس ما كانوا يقضون ﴿وكذلك زيّن﴾ أي كما زين لهم تحريم
الحرث والأنعام كذلك زين ﴿لكثير من المشركين قتل أولادهم﴾ (ساء) موضع فرفع والمعنى:
ساء الحكم حكمهم ﴿شركاؤهم﴾ يعني شياطينهم زيّنوا وحسّنوا لهم وأد البنات خيفة العيلة.
وقال الكلبي: شركاؤهم سدنة الهتهم هم الذين كانوا يزينوّن للكفار قتل أولادهم. وكان
الرجل في الجاهلية يحلف باللّه لئن ولد له كذا غلاماً لينحرنَّ أحدهم كما حلف عبد المطلب
على إبنه عبد اللّه(١).
وقرأ أهل الشام: ﴿زيّن﴾ بالضم، ﴿قتل﴾: رفع، ﴿أولادهم﴾ نصب، ﴿شركائهم﴾
بالخفض على التقديم، كأنه قال: زين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم. ففرّقوا بين
الفعل وفاعله.
يقول الشاعر:
غلائل غير نفس صدورها
يمر على ما يستمر وقد شقت
يريد شقت .
عبد القيس: غلايل صدورها .
وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي: زين بضم الزاي قتلُ رفعاً، أولادِهم خفضاً، شركاؤهم
رفعاً على [التوضيم](٢) والتكرير.
كأنه لما قال: زيّن لكثير من المشركين قتل أولادهم. تم الكلام. ثم قال: من زيّنه؟
فقال: شركاؤهم أي زيّنه شركاؤهم فارتفع الشركاء بفعل ضمير دلّ عليه زُين، كما تقول: أكل
اللحم زيد: كأنه قيل: من الآكل فتقول زيد.
(١) تفسير القرطبي: ٧ / ٩١.
(٢) هكذا في الأصل.
٠

١٩٥
سورة الأنعام، الآيات: ١٣٣ - ١٤٠
قال الشاعر:
ومختبط مما تطيح الطوائح (١)
ليبك لزيد ضارع لخصومة
فزيد مفعول مستقل بنفسه غير مسمّى فاعله، ثم بيّن فقال: ضارع.
أي ليبكيه ضارع، وقوله تعالى ﴿ليردوهم﴾ ليهلكوهم ﴿وليلبسوا﴾ أي ليخلطوا ويشبهوا
﴿عليهم دينهم﴾ وكانوا على دين إسماعيل فرجعوا عنه ﴿ولو شاء الله﴾ هداهم ووفقهم وعصمهم
عن ﴿ما فعلوه﴾ ذلك من تحريم الأنعام والحرث، وقيل: الأولاد ﴿فذرهم﴾ يا محمد ﴿وما
يفترون﴾ يختلقون على الله الكذب فإن الله لهم بالمرصاد ولا يخلف الميعاد ﴿وقالوا﴾ يعني
المشركين ﴿هذه أنعام وحرث حجر﴾ يعني ما كانوا جعلوه للّه ولآلهتهم التي قد مضى ذكرها(٢).
وقال مجاهد: يعني بالأنعام، البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، والحجر: الحرام. قال
اللّه تعالى ويقولون ﴿حجراً محجوراً﴾(٣) أي حراماً حرماً.
قال الليث :
حنّت إلى النخلة القصوى فقلت لها. حجر حرام ألا تلك الدهاريس (٤)
وأصله من الحجر وهو المنع والحظر، ومنه: حجر القاضي على المفسد.
وقرأ الحسن وقتادة: وحرث حجر بضم الحاء وهما لغتان. وقرأ أُبي بن كعب وابن عباس
وابن الزبير وأبي طلحة والأعمش: وحرث حرج بكسر الحاء والراء قبل الجيم وهي لغة أيضاً
مثل جذب وجبذ.
وأنشد أبو عمرو :
ألم تقتلوا الحرجين إذ أعرضا لكم
يمران بالأيدي اللحاء المضفرا(٥)
﴿لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم﴾ يعنون الرجال دون النساء ﴿وأنعام حرمت ظهورها﴾
يعني الحامي إذا ركب ولد ولده. قالوا: حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ﴿وأنعام لا
يذكرون اسم اللّه عليها﴾.
قال مجاهد: كانت لهم من أنعامهم طائفة لا يذكرون اسم الله عليها ولا في شيء من
شأنها لا أن ركبوا ولا أن حلبوا ولا أن نتجوا ولا أن باعوا ولا أن حملوا .
(١) لسان العرب: ٢ / ٥٣٦، والبيت أنشده سيبويه.
(٢)
تفسير الطبري: ٨ / ٥٩.
(٣)
سورة الفرقان: ٢٢.
كتاب العين: ٤ / ١٢٠، ولسان العرب: ٦ / ٩٠، والبيت لجرير، ويروى حجّت.
(٤)
لسان العرب: ٢ / ٢٣٦، والبيت للهذلي.
(٥)

١٩٦
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
وقال أبو عاصم: قال لي أبو وائل: أتدري ما أنعامٌ حرمت ظهورها؟ قلت: لا. قال: لا
یحجّون عليها .
وقال الضحاك: هي التي إذا ذكوها أهلوا عليها بأصنامهم ولا يذكرون إسم الله عليها
﴿إفتراءً عليه﴾(١) يعني إنهم كانوا يفعلون ذلك ويزعمون إن اللّه أمرهم به ﴿سيجزيهم بما كانوا
يفترون * وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا﴾.
قال ابن عباس والشعبي وقتادة: يعني ألبان النحائر كانت للذكور دون النساء فإذا ماتت
اشترك في لحمها ذكورهم وإناثهم.
وقال السدي: يعني أخذ النحائر ما ولد منها أُخذ خالص للرجل دون النساء [وأما ما ولد
ميت فيأكله] الرجال والنساء، ودخل الهاء في (خالصة) على التأكيد والمبالغة، كما فعل ذلك
بالراوية والنسابة والعلامة .
قال الفراء: أُهلت الهاء التأنيث الأنعام، لأن مافي بطنها مثلها، فأنث لتأنيثها قال: وقد
يكون الخالصة كالعاقبة ومنه قوله ﴿إنّا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار﴾(٢)، وقرأ عبد الله
والأعمش: خالص لذكورنا بغير الهاء ردّاً إلى ما، وقرأ ابن عبّاس: خالصة بالإضافة [ويخلص]
والخالصة والخليصة والخلصان واحد. قال الشاعر:
كنت أميني وكنت خالصتي
وليس كل إمرىء بمؤتمن
﴿ومحرّم على أزواجنا﴾ يعني النساء ﴿وإن يكن ميتةً﴾ قرأ أهل المدينة: تكن بالتاء، ميتةٌ
بالرفع على معنى: وإن تقع الأنعام ميتة، وقرأ أهل مكّة: يكن بالياء، ميتة بالرفع على معنى:
وإن يقع ما في بطون الأنعام ميتةً، وقرأ الأعمش: تكن بالتاء، ميتة نصباً على معنى: وإن يكن
[ما في بطون الأنعام ميتة] (٤) وقرأ الباقون: يكن بالياء، ميتة بالنصب، ردّوه إلى ما يؤيّد ذلك
قوله: ﴿فهم فيه شركاء﴾ ولم يقل: فيها. ﴿سيجزيهم وصفهم﴾ أي بوصفهم وعلى وصفهم
الكذب على الله كقوله ﴿وتصف ألسنتهم الكذب﴾(٥) والوصف والصفة واحد كالوزن والزنة
والوعد والعدة، ﴿إنّه حكيم عليم قد خسروا الذين قتلوا أولادهم سفهاً﴾ الآية نزلت في ربيعة
ومضر وفي العرب الذين يدفنون بناتهم أحياء مخافة السبي والفقر، إلّ ما كان من بني كنانة فإنّهم
كانوا لا يفعلون ذلك.
(١) سورة الأنعام: ١٣٨.
(٢) سورة ص: ٤٦.
(٣) البيت من أبيات قالها سليمان بن قتة يرثي بها الإمام الحسن عليه السلام كما في شرح النهج لابن أبي
الحديد: ٦/ ٥٢ وفيه بدل العجز المذكور هنا قوله: لكل حي من أهله سكن.
(٤) زيادة عن تفسير القرطبي: ٧ / ٩٦.
. (٥) سورة النحل: ٦٢.

١٩٧
سورة الأنعام، الآيات: ١٤١ - ١٤٤
وقرأ أبو عبد الرحمن والحسن وأهل مكّة والشام: قتّلوا، مشدداً على التكثير والباقون
بالتخفيف ﴿بغير علم وحرّموا ما رزقهم الله﴾ يعني البحيرة والسائبة والوصيلة والحام افتراءً على
الله حين قالوا: إنّ الله أمرهم بها ﴿وقد ضلّوا وما كانوا مهتدين وهو الذي أنشأ﴾ اخترع وابتدع
﴿جنات﴾ بساتين.
، وَهُوَ الَّذِىَّ أَنْشَأَ جَّتٍ مَّعْرُوشَتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَتِ وَالنَّخْلَ وَالزََّعَ مُخْتَلِمَا أُكُلُهُ وَالزَُّونَ
وَأَرُّنَّانَ مُتَشَكَبِهَا وَغَيْرَ مُتَشَكِةٍ كُلُواْ مِنْ ثَعَرِفِهِ إِذَّا أَنْمَرَ وَءَاتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِ، وَلَا نُشَرِفُواْ
إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٤) وَمِنَ الْأَنْعَمِ حَمُوْلَةً وَفَيْشَأْ كُلُوا مِنَّا رَزَقَّكُمُ اللَّهُ وَلَا تَّبِعُواْ
خُطُوَتِ الشَّيْطِنِّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌ مُبِينٌ (١٢) نَعَنِيَةَ أَزْوَعّ مِنَ الْضَأْنِ أَنْتَِّ وَمِنَ الْمَعْرِ أَثْنَيْنُ قُلْ
ءَالذَّكْرَيْنِ حَزَّمَ أَمِ الْأَنْبَيْنِ أَمَّا أَشْتَمَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْنَيَّيِنِّ نَبِّئُونِي بِعِلْمِ إِن كُنتُمْ صَدِفِينَ
وَمِنَّ الْإِبِلِ أَثْنَيِّنِ وَمِنَ الْبَغَرِ أَنْنَبِنَّ قُلْ ،َالنَّكَرَيْنِ حَزَّمَ أَمِ الْأُنْشَبَيْنِ أَمَّ أَشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْشَبَيْنِّ
أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّدِكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ أَفْتَرَىْ عَلَى اللّهِ كَذِبًا لِيُصِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ
عِلَّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْقَلِينَ ◌َ
﴿معروشات وغير معروشات﴾ مسموكات مرفوعات وغير مرفوعات قال ابن عباس:
معروشات ما انبسط على وجه الأرض وأنتثر ممّا يعرش مثل الكرم والقرع والبطيخ وغيرها،
وغير معروشات ما كان على ساق مثل النخيل وسائر الأشجار وما كان على نسق، ومثل
[البروج]، وقال الضحاك: معروشات وغير معروشات الكرم خاصة منها ما عرش ومنها ما لم
يعرش.
وروي عن ابن عباس إيضاً أنَّ المعروشات ما عرش الناس(١)، وغير معروشات ما خرج
في البراري والجبال من الثمار(٢).
يدلّ عليه قراءة علي (معروشات وغير معروشات) بالغين والسين. (والنخل) يعني وأنشأ
﴿النخل والزرع مختلفاً أكله﴾ ثمره وطعمه الحامض والمرّ والحلو والجيّد والرديء وارتفع معنى
الأكل [ومختلفاً نعته] إلاّ أنّه لمّا تقدّم النعت على الاسم وولي منصوباً نصب، كما تقول: عندي
طبّاخاً غلام وأنشد:
والصالحات عليها مغلقاً باب
الشر منتشر لقاك [من مرض]
﴿والزيتون والرمان متشابهاً﴾ في المنظر ﴿وغير متشابه﴾ في الطعم مثل الرمانتين لونهما
(١) أي رفع أغصانه.
(٢) تفسير الطبري: ٨ / ٦٩.

١٩٨
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
واحد وطعمهما مختلف، إحداهما حلوة والأخرى حامضة وقد مرّ القول فيه ﴿كلوا من ثمره إذا
أثمر﴾ ولا تحرّموه كفعل أهل الجاهلية ﴿وآتو حقّه يوم حصاده﴾ قرأ أهل مكّة والمدينة والكوفة
حِصاده بكسر الحاء والباقون بالفتح، وهما واحدة كالجَداد . والجِداد [والصَرام والصِرام]
واختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال ابن عباس وطاووس والحسن وجابر بن زيد ومحمد
ابن الحنفية وسعيد بن المسيب والضحاك وابن زيد: ]هي الزكاة [المفروضة العُشْر ونصف
العشر.
وقال عليّ بن الحسين وعطاء وحمّاد والحكم: هو حق في المال سوى الزكاة.
قال مجاهد: إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم من السنبل، وإذا جذذت فألف
لهم من الشماريخ، وإذا درسته ودسته وذرّيته فاطرح لهم منه، وإذا كدسته ونقيته فاطرح لهم منه،
وإذا عرفت کیله فاعزل زكاته.
وقال إبراهيم: هو الضغث(١)، قال الربيع: لقاط السنبل. قال مجاهد: كانوا يعلّقون
العذق عند الصرام فيأكل منه الضيف [ومن مرَّ به](٢).
قال زيد بن الأصم: كان أهل [الجاهليّة] إذا صرموا يجيئون بالعذق فيُعلّقونه في جانب
المسجد فيجيء المسكين فيضربه بعصاه فيسقط منه ويأخذه.
وقال سعيد بن جبير وعطيّة: كان هذا قبل الزكاة فلمّا فرض الزكاة نسخ هذا.
وقال سفيان والسدي: سألت عن هذه الآية فقال: نسخها العشر ونصف العشر، قلت:
ممّن؟ فقال: من العلماء مقسّم عن ابن عباس: نسخت الزكاة كلّ [صدقة] في القرآن.
﴿ولا تُسرفوا أنّه لا يحب المُسرفين﴾ كان رجال [ينفقونها بالحرام] فيقول الرجل لا أمنع
سائلا حتّى [أمسي] فعمد ثابت بن قيس بن شمّاس إلى خمس مائة نخلة فجذها ثمّ قسّمها في يوم
واحدولم يترك لأهله شيّئاً فنزلت (ولا تُسرفوا) أي لا تعطوا كلّه، وقال السدي: لا تُسرفوا لا
تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء، وقال سعيد بن المسيّب: لا تمنعوا الصدقة، وقال [يمان بن
رئاب]: ولا تُبذّروا تبذيراً، مجاهد وعطية العوفي: ولا تتركوا الأصنام في الحرث والأنعام.
وقال الزهري: [فوقعوا في] المعصية، وقال مجاهد: لو كان أبو قبيس ذهباً لرجل فأنفقه
في طاعة الله لم يكن مسرفاً ولو أنفق درهماً أو مدّاً في معصية الله [كان] مسرفاً، وفي هذا
المعنى قيل لحاتم الطائي: لا خير في السرف فقال: لا سرف في الخير.
وقال محمد بن كعب: السرف أن لا يعطي في حق، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم:
(١) تفسير الطبري: ٨ / ٧٥.
(٢) تفسير القرآن لعبد الرزاق: ٢ / ٢١٩.

١٩٩
سورة الأنعام، الآيات: ١٤١ - ١٤٤
الإسراف ما لا يقدر على ردّه إلى الصلاح، والفساد ما يقدر على ردّه إلى الصلاح.
قال النضر بن شميل: الإسراف التبذير والإفراط، والسرف الغفلة والجهل. قال الشاعر:
مافي عطائهم منٌ ولا سرف (١)
أعطوا هنيدة يحدوها ثمانية
قال إياس بن معاوية: ما تجاوز أمر الله فهو سرف، وروى ابن وهب عن ابن زيد قال:
الخطاب [للمساكين] يقول: لا تأخذوا فوق حقّكم.
﴿ومن الأنعام﴾ يعني أنشأ من الأنعام ﴿حمولةً﴾ بمعنى كلّ ما محمّل عليها ويركب مثل
كبار الإبل والبقر والخيل والبغال والحمير، سمّيت بذلك لأنّها تحمل أثقالهم، قال عنترة:
وسط الديار [تسف] حب الخمخم (٢)
ما دعانى إلا حمولة أهلها
والحمولة الأحمال.
وقال أهل اللغة: الفعولة بفتح الفاء إذا كانت [يعني] الفاعل استوى فيه المذكّر والمؤنّث
نحو قولك: رجل فروقة وامرأة فروقة للجبان والخائف، ورجل صرورة وامرأة صرورة إذا لم
يحجا، وإذا كانت بمعنى المفعول فرّق بين الذكر والأنثى بالهاء كالخلويّة والزكويّة ﴿وفرشاً﴾
والفرش ما يؤكل ويجلب ولا يحمل عليه مثل الغنم والفصلان والعجاجيل، سمّيت فرشاً للطاقة
أجسامها وقربها من الفرش. هي الأرض المستوية، وأصل الفرش الخفة واللطافة ومنه فراشة
العقل وفراش العظام، والفرش أيضاً نبت ملتصق بالأرض [تأكله] الإبل قال الراجز:
كمفشر الناب تلوك الفرشا(٣)
والفرش: صغار الأولاد من الأنعام
وقال الراجز:
أمشها في كلّ يوم مشاً(٤)
أورثني حمولة وفرشاً
﴿كلوا ممّا رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾ ما حرم الحرث الأنعام ﴿إِنَّه لكم
عدوٌ مبين﴾ ثمّ بيّن الحمولة والفرش فقال: ﴿ثمانية أزواج﴾ نصبها على البدل من الحمولة
[بالفرض] يعني [واحد من] الأنعام ثمانية أزواج أي أصناف ﴿من الضأن اثنين﴾ فالذكر زوج
والأُنثى زوج والضأن والنعاج جمعه، واحده: ضائن، والأنثى: ضائنة، والجمع: ضوائن.
قرأ الحسن وطلحة بن مصرف: الضأن مفتوحة الهمزة، والباقون ساكنة الهمزة، تميم
بهمزة وسائر لا بهمزة ﴿ومن المعز أثنين﴾ والمعز المعزى لا واحد له من لفظه، وأمّا الماعز
(١). البيت لجرير كما في الكنز اللغوي لابن السكيت الأهوازي ص ١١٦.
(٢) لسان العرب: ١٢ / ١٩١.
(٣) لسان العرب: ٦ / ٣١٧.
(٤) تفسير القرطبي: ٧ / ١١٢، ومش الناقة: حلبها.

٢٠٠
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
فجمعه معيزة وجمع الماعزة مواعز، وقرأ أهل المدينة والكوفة: من المعز ساكنة العين والباقون
بالفتح، وفي مصحف أُبيّ: من المعزى، وقرأ أبان بن عثمان: من الضأن اثنان ومن المعز
اثنين، قل يا محمد: ﴿الذكرين﴾ حرّم الله عليكم؟ ذكر الضأن ﴿حرم أم الأنثيين﴾ والمعز؟ أم
أنثييهما [والنصب] قوله ﴿ألذكرين حرم أم الأنثيين أمّا اشتملت عليه أرحام الأنثيين﴾ منهما
﴿نبئوني بعلم إن كنتم صادقين﴾ ﴿ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قلّ الذّكرين حرّم أم الأنثيين
أمّا اشتملت عليه أرحام الأنثيين﴾ .
وذلك أنّهم كانوا يقولون هذه أنعام [وحرث حجراً، وقالوا: أمّا في بطون هذه الأنعام
خالصة لذكورنا ومحرّم على أزواجنا، فحرّموا البحيرة والسائبة والوصيلة والحام. فلما قام
الإسلام وثبتت الأحكام جادلوا النبيّ وَّه وكان خطيبهم يومئذ مالك بن عوف وأبو النضر
[النصري] فقال: يا محمد [رأينا] أنّك تحرّم ما كان أباؤنا يفعلونه؟
..... ] (١) إن
فقال لهم رسول الله وَله: إنكم قد حرّمتم أصنافاً من النعم على [غير.
الله خلق الله هذه الأزواج الثمانية للأكل والانتفاع بها فمن أين حرمت ذكران هذه النعم على
نسائكم دون رجالكم؟
فإن زعمتم أن تحريمه من أجل الذكران وجب أن تحرموا كل ذكر، لأن للذكر فيها حظاً،
وإن زعمتم أنّ تحريمه من جهة الأنثى وجب أن تحرموا كل انثى لأن للأناث فيها حظّاً، وإن
زعمتم أن تحريمه لإجتماع الذكر والأنثى فيه وما اشتمل الرحم عليه وجب أن تحرّموا الذكر
والأنثى والحي والميّت، لأنَّه لا يكون ولد إلاّ من ذكر وأنثى ولا يشتمل الرحم إلّ على ذكر
وأنثى، فَلِم تحرمون بعضاً وتحّلون بعضاً؟ فسكت.
فلما لزمته الحجّة أخذ بالإفتراء على الله فقال: كذا أمرنا الله فقال الله تعالى ﴿أم كنتم
شهداء﴾ [حضوراً] ﴿إذ وضّاكم الله بهذا﴾.
﴿فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ليُضل الناس بغير علم إنَّ الله لا يهدي القوم
الظالمين﴾ .
قُل لَّ أَجِدُ فِىِ مَّا أُوْجِىَّ إِلَىَّ ثُمَرَّمَا عَلَى طَاعِمٍ بَطْعَمُهُ: إِلَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَّةً أَوَ دَمَّا مَسْفُوًا أَوْ
لَحْمَ خِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْهُ أَوْ فِسْقَا أُهِلَّ ◌ِغَيْرِ الَّهِ بِدْ فَمَنِ أَضْطَرَّ غَيْرَ بَاعٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورُ
رَّحِمٌ (١٨) وَعَلَى الَّذِيْنَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى خُقُرٍّ وَمِنَ الْبَغَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَاً
إِلَّ مَا حَمَلَتْ ◌ُهُورُهُمَّا أَوِ الْحَوَايَآَ أَوْ مَا أَخْتَلَطَ بِعَظِمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَهُمْ بِبَغْيِهِمٌ وَإِنَّا لَصَدِفُونَ (١٤) فَإِنَّ
(١) كلام غير مقروء،