النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
سورة الأنعام، الآيات: ٧٤ - ٨٣
والأرض أي ملكهما والملكوت الملك وبدت فيه وجدت التاء للتأنيث في الجبروت والرهبوت
والرحموت .
وحكي عن العرب سراعاً له مليكوت اليمن والعراق.
وقال الكسائي: زيدت فيه التاء للمبالغة. وأنشد:
وشر الرجال الخالب الخلبوت(١)
وقال عكرمة: هو الملك غير إنها بالنبطية ملكوتاً. وقرأها بالياء المعجمة مليّاً .
وقال ابن عباس: يعني خلق السماوات والأرض.
مجاهد وسعيد بن جبير: يعني آيات السماوات والأرض، وذلك إنه أقيم على صخرة
وكشفت له عن السماوات والأرض حتى العرش وأسفل الأرض ونظر إلى مكانه في الجنة.
وذلك قوله ﴿وآتيناه أجره في الدنيا﴾(٢) يعني أريناه مكانه في الجنة.
قال قتادة: إن إبراهيم (عليه السلام) حدث نفسه إنه أرحم الخلق. فرفعه الله عز وجل
حتى أشرف على أهل الأرض وأبصر أعمالهم فلما رآهم يعملون بالمعاصي قال لله: دمرّ
عليهم، وجعل يلعنهم. فقال له ربه: أنا أرحم بعبادي منك، إهبط فلعلّهم يتوبوا .
قيس بن أبي حازم عن علي كرم الله وجهه عن النبي وَّر قال: ((لما أرى اللّه تعالى إبراهيم
ملكوت السماوات والأرض أشرف على رجل على معصية من معاصي اللّه فدعا اللّه عليه فهلك،
ثم أشرف على آخر فدعا اللّه عليه فهلك، ثم أشرف على آخر فلما أراد أن يدعو عليه أوحى الله
عز وجل إليه أن يا إبراهيم إنك رجل مستجاب الدعوة فلا تدعون على عبادي فإنهم مني على
ثلاث خصال: إما أن يتوب إليّ فأتوب عليه، وإما أن أُخرج منه نسمة تسبّح، وإما أن [يعود] إلي
فإن شئت عفوت عنه وإن شئت عاقبته)) .
وقال الضحاك: ملكوت السماوات والأرض الشمس والقمر والنجوم. وقال قتادة: خبيء
إبراهيم (عليه السلام) من جبار من الجبابرة فحول له رزق في أصابعه فإذا مص إصبعاً من أصابعه
وجد فيها رزقاً فلما خرج أراه اللّه ملكوت السماوات والأرض وكان ملكوت السماوات الشمس
والقمر والنجوم، وملكوت الأرض الجبال والشجر والبحار.
﴿وليكن من الموقنين * فلما جنّ عليه الليل رأى كوكباً﴾ إلى آخر الآية.
قال المفسرون: إن إبراهيم (عليه السلام) ولد في زمن نمرود بن كيفان وكان نمرود أول
(١) كتاب العين: ٤ / ٢٧١ . :
(٢) سورة العنكبوت: ٢٧ .

١٦٢
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
من وضع التاج على رأسه وقلد التاج عليه ودعاء الناس [ .... ] وكان له كهان ومنجمون.
وقالوا: إنه يولد في بلدك هذه السنة غلام يغير دين أهل الأرض ويكون هلاكك وزوال ملكك
على يديه. ويقال إنهم وجدوا ذلك في كتب الأنبياء عليهم السلام.
وقال السدي: رأى نمرود في منامه كأن كوكباً اطلع فذهب بضوء الشمس والقمر حتى لم
يبق لهما ضوء ففزع من ذلك فزعاً شديداً ودعا السحرة والكهنة والجازة والقافة فسألهم عن ذلك
فقالوا: مولود يولد في ناحيتك في هذه السنة يكون هلاك ملكك وأهل بيتك على يديه. قالوا:
فأمر بذبح كل غلام يولد في ناحيته تلك السنة وأمر بعزل الرجال عن النساء وجعل على كل عشر
رجلاً، فإذا حاضت إمرأة خليت بينها وبينه، فإذا طهرت عزل بينها، فرجع آزر أبو إبراهيم فوجد
امرأته قد طهرت من الحيض فوقع عليها في طهرها فلقفت فحملت إبراهيم (عليه السلام) .
قال محمد بن إسحاق: بعث النمرود إلى كل إمرأة حبلى بقريته فحبسها عنده، إلاّ ما كان
من أم إبراهيم فإنه لم يعلم بحبلها وذلك إنها كانت جارية حديثة السن لم تعرف الحمل في
بطنها .
قال السدي: خرج نمرود بالرجال إلى المعسكر ونحهم عن النساء خوفاً من ذلك المولود
أن يكون فمكث بذلك ما شاء الله ثم بدت له حاجة إلى المدينة فلم يأمن عليها أحداً من قومه
إلاّ أزر فبعث إليه ودعاه. فقال: إن لي إليك حاجة أحبّ أن أوصيك بها ولا أبعثك إلاّ لثقتي
بك بما أقسمت عليك أن لا تدنو من أهلك ولا تواقعها، فقال آزر: أنا أشحّ على ديني من
ذلك، فأوصاه بحاجته ثم بعثه فدخل المدينة وقضى حاجته، ثم قال: قد دخلت على أهلي
ونظرت إليه فلما نظر إلى أم إبراهيم لم يتمالك حتى وقع عليها فحملت بإبراهيم.
قال ابن عباس: لما حملت أم إبراهيم، قالت الكهان النمرود: إن الغلام الذي أخبرناك به
قد حملته أمه الليلة، فأمر نمرود بذبح الغلمان فلما دنت ولادت أم إبراهيم وأخذها المخاض
خرجت هاربة مخافة أن يطلع عليها فيقتل ولدها فوضعته في نهر يابس، ثم لفته في خرقة فوضعته
في حلفاء فرجعت فأخبرت بأنها ولدت وإن الولد في موضع كذا فانطلق أزر يأخذه من ذلك
المكان وحفر له سرباً عند نهر فواراه فيه وسدّ عليه بابه بصخرة مخافة السباع، وكانت أمه
تختلف إلیه فترضعه .
وقال السدي: لما أعظم بطن أم إبراهيم خشي آزر أن يذبح فانطلق بها إلى أرض بين
الكوفة والبصرة يقال لها أورمة فأنزلها في سرب من الأرض وجعل عندها ماء يصلهما وجعل
يتعمدها ويكتم ذلك من أصحابه فولدت في ذلك السرب وشب وكان وهو ابن سنة كابن ثلاث
سنين وصار من الشباب مخافة أن [يسقط في] طمع الذباحين ثم ذكر آزر لأصحابه أن لي إيناً
کبیراً فانطلق به إليهم.

١٦٣
سورة الأنعام، الآيات: ٧٤ - ٨٣
وقال ابن إسحاق: لما وجدت أم إبراهيم الطلق خرجت ليلاً إلى مغارة كانت قريباً منها
فولدت فيها إبراهيم فأصلحت من شأنه ما يصنع من المولود ثم سدت عليه المغارة ورجعت إلى
بيتها ثم كانت تطالعه في المغارة لتنظر ما فعل فتجده حيّاً يمص إبهامه.
وقال أبو روق: كانت أم إبراهيم كلما دخلت على إبراهيم وجدته يمص أصابعه، فقالت
ذات يوم: لأنظرن إلى أصابعه فوجدته يمص من إصبع ماء ومن إصبع عسلاً ومن إصبع لبناً ومن
إصبع تمراً ومن إصبع سمناً .
قال محمد بن إسحاق: وكان آزر قد سأل أم إبراهيم عن حملها ما فعل. فقالت: ولدت
غلاماً فمات، فصدقها فسكت عنها وكان اليوم على إبراهيم في الشباب كالشهر، والشهر كالسنة
فلم يمكث إبراهيم في المغارة إلاّ خمسة عشر شهراً ثم رجع إلى أبيه آزر فأخبره إنه إبنه و. خبرته
أم إبراهيم إنه إبنه وأخبرته بما كانت صنعت في غيابه فسر بذلك آزر وفرح فرحاً شديداً، قالوا:
فإنما شب إبراهيم وهو في السرب بعد ما قال لأمه: من ربي؟
قالت: أنا، قال: فمن ربك؟ قالت: أبوك، قال: فمن ربّ أبي؟ قالت له: أسكت،
فسكت، فلما رجعت إلى زوجها قالت: أرأيت الغلام الذي كنّا نتحدّث إنه بغير دين أهل
الأرض فإنه إبنك ثم أخبرته بما قال لها، فأتاه أبوه آزر فقال له إبراهيم: يا أبتاه من ربي؟ قال:
أمك، قال: فمن رب أمي؟ قال: أنا، قال: من ربك أنت؟ قال نمرود، قال: فمن رب نمرود؟
فلطمه لطمة وقال: أسكت وقم، قال لأبويه: أخرجاني، فأخرجاه من السرب وانطلقا به حين
غابت الشمس فنظر إبراهيم إلى الإبل، والخيل، والغنم، فقال: أباه ما هذه؟ قال: إبل وخيل
وغنم، فقال: مالهذه بدّ من أن يكون لها رب وخالق ثم نظر وتفكر في خلق السماوات
والأرض. فقال: إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني ربي مالي إله غيره. ثم نظر فإذا
المشتري قد طلع ويقال الزهرة وكانت تلك الليلة في آخر الشهر فرأى الكوكب قبل القمر. فقال:
هذا ربي فذلك قوله عز وجل: ﴿فلما جن عليه الليل﴾ أي دخل يقال: جن الليل وأجن وجِنه
الليل وأجنه وجن عليه الليل يجن جنوناً وجناناً إذا أظلم ومضى كلّ شيء، وإنما سميت الجن
لا جتنانها فلا ترى.
قال أبو عبيدة: جنون الليل سواده، وأنشد:
فلولا جنان الليل أدرك ركضنا بذي الرمث والأرطي عياض بن ناشي(١)
ورأى كوكباً ﴿فقال هذا ربي﴾ إختلفا فيه فأجراه بعضهم على الظاهر. وقالوا: ما كان
(١) الصحاح: ٥ / ٢٠٩٤ وفيه: ركابنا، وتفسير القرطبي: ٧ / ٢٥. والرمث بالكسر مرعى الإبل، والأرطي
شجر ينبت بالرمل.

١٦٤
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
إبراهيم (عليه السلام) مسترشداً متحيراً طالباً من التوفيق حتى وفقه الله تعالى، وآتاه رشده، فإنما
كان هذا منه في حال طفولته، وقبل قيام الحجّة عليه وفي تلك يقول: لا يكون كفر ولا إيمان.
يدل عليه ما روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: لما جن عليه الليل رأى كوكباً
قال هذا ربي فعبده حتى غاب فلما غاب ﴿قال لا أحب الآفلين * فلما رأى القمر بازغاً قال هذا
ربي﴾ فعبده حتى غاب فلما غاب ﴿فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الظالين *
فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر﴾ فعبدها حتى غابت الشمس فلما غابت ﴿قال:
يا قوم إني بريء مما تشرکون﴾ .
وأنكر الآخرون هذا القول، وقالوا: غير جائز أن يكون لله عز وجل رسول يأتي عليه وقت
من الأوقات وهو غير موحد وعارف ومن كلّ معبود سواه بريء.
قالوا: وكيف قومهم هذا على عصمة اللّه وطهره في مستقره ومستودعه وآتاه رشده من
قبل، وأراه ملكوته فقال: ﴿إِذ جاء ربّه بقلب سليم﴾(١) وقال ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت
السماوات والأرض وليكون من الموقنين﴾(٢) رأى كوكباً فقال ﴿هذا ربي﴾ على الاعتقاد
والحقيقة هذا ما لا يكون أبداً.
ثم قيل فيه أربعة أوجه من التأويل: الوجه الأول: أن إبراهيم (عليه السلام) أراد أن
يستدرجهم بهذا القول ويعرفهم خطأهم وجهلهم في تعظيم ما عظموا ويقيم عليهم الحجة ويريهم
أنه معظم ما يعظموه ويلتمس الهدى من حيث التمسوا فلما أفل رأيهم النقص الداخل في النجوم
ليتبينوا خطأ ما يدعون وكانوا يعظمون النجوم ويعبدونها ويحكمونها .
قالوا: ومثل هذا مثل الحواري الذي ورد على قوم يعبدون بدّاً لهم وهو الصنم وأظهر
فعظمه فأراهم الإجتهاد [ ... ] كرموا وصدوا في كثير من الأمور عن رأيه إلى أن ذمهم عدو لهم
خافه الملك على ملكه فشاور الحواري في أمره.
فقالوا الرأي: أن تدعوا إلهنا حتى يكشف ما قد أضلنا فإنا لمثل هذا اليوم مجتمعون
فاجتمعوا حوله يجأرون ويتضرعون وأمر عدوهم يستعجل ويتوكل فلما تبين لهم أن ربّهم لا ينفع
ولا يرفع فقال لهم على جهة الإستفهام والتوبيخ لفعلهم ﴿هذا ربي﴾ ومثل هذا يكون ربّاً؟ أي
ليس هذا ربي كقول الله تعالى ﴿تكونا من الخالدين﴾(٣) يعني أنهم الخالدون.
(١) سورة الصافات: ٨٤.
(٢) سورة الأنعام: ٧٥.
(٣) سورة الأعراف: ٢٠.

١٦٥
سورة الأنعام، الآيات: ٧٤ - ٨٣
وكقول موسى (عليه السلام) لفرعون: ﴿وتلك نعمة تمثَّها عليّ﴾(١) يعني أو تلك نعمة
نعمتها .
قال الهذلي :
فقلت وأنكرت الوجوه هم هم (١)
رفعوني وقالوا يا خويلد لا ترع
وقال آخر:
لعمرك ما أدري وإن كنت داريا
شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر(٣)
والوجه الثالث: أن إبراهيم (عليه السلام) قال هذا على وجه الاحتجاج على قومه لا على
معنى الشك في ربه كأنه قال: هذا ربي عندكم فلمّا أفل قال : - وكان الهلال - قال: هذا أكبر منه
فنظر إلى الذي عكفت عليه ها هنا يعني عندك وقوله: ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾(٤) بقوله
حزنه في النار لأبي جهل يعني إنك كذا عند نفسك وأما عندنا فلا عزيزاً ولا كريماً، في الآية
إختصار وإضمار ومعناها قال: يقولون هذا ربي كقوله ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت
وإسماعيل ربنا﴾(٥) أي يقولون ربنا تقبل منا. فلما أفل غاب وزال قال: لا أحب الآفلين رباً، لا
يدوم، فلما رأى القمر بازغاً طالعاً قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من
القوم الضالين عن الهدى فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي.
قال محمد بن مقاتل الرازي: إنما قال هذا ولم يقل هذه لأنه رأى ضوء الشمس ولم ير
عين الشمس. فرده إلى الشعاع.
وقال الأخفش: أراد هذا الطالع ربي أو هذا الآتي أراه ربي هذا أكبر لأنه رآه أضوأ
وأعظم فلما غربت قال: يا قوم إني بريء مما تشركون ﴿إني وجهت وجهي﴾ الآية. وكان آزر
يصنع الأصنام فلما ضم إبراهيم إلى نفسه جعل يصنع الأصنام ويعطيها إبراهيم ليصرفها فيذهب
بها إبراهيم فينادي: من يشتري ما يضره ولا ينفعه فلا يشتريها أحد، فإذا زادت عليه ذهب بها
إلى نهر فصوّب فيها رؤسها وقال: إشربي إستهزاءً بقومه وبما هم عليه من الضلالة حتى فشى
عيبه إياها واستهزاؤه بها في قومه وأهل قريته ﴿وحاجّه﴾ أي خاصمه ﴿قومه) في دينه ﴿قال﴾
لهم ﴿أتحاجّوني في الله وقد هداني﴾ عرّفني التوحيد والحق ﴿ولا أخاف ما تشركون به﴾ وذلك
إنهم قالوا له: أما تخاف أن تمسك آلهتنا بسوء من برص أو خبل لعيبك إيّاها؟ فقال لهم: ولا
(١) سورة الشعراء: ٢٢.
تفسير الطبري: ٧ / ٣٢٥، والصحاح: ٣ / ١٢٢٣، والبيت لأبي خراش.
(٢)
(٣) المصدر السابق.
(٤) سورة الدخان: ٤٩ .
(٥) سورة البقرة: ١٢٧ .

١٦٦
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
أخاف ما تشركون به من الأصنام ﴿إلاّ أن يشاء ربي﴾ سواء فيكون بما شاء ﴿وسع ربي كل شيء
علماً﴾ يعني أحاط علمه بكل شيء ﴿أفلا تتذكرون * وكيف أخاف ما أشركتم﴾ يعني الأصنام
وهي لا تبصر ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع ﴿ولا تخافون أنكم أشركتم باللّه ما لم ينزل به عليكم
سلطاناً﴾ حجة وبرهاناً وهو القاهر القادر على كل شيء ثم قال ﴿فأي الفريقين أحق بالأمن﴾
أولى بالأمن [أنحن ومن اتّبع ديني] ﴿إن كنتم تعلمون﴾ فقال الله عز وجل قاضياً وحاكماً بينهما
﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم﴾ ولم يخلطوا إيمانهم بشرك ﴿أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾.
قال عبد الله بن مسعود: لما نزلت هذه الآية طبق ذلك على أصحاب النبي وَ ل﴿وقالوا: إننا
لم نظلم نفسه، فقال رسول اللّه وَالقول: ((ليس هو كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه)) ﴿يا بني
لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم﴾(١)) [١٤٢]. (إنما هو الشرك).
﴿وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه﴾ يعني خصمهم وغلبهم بالحجة قال هي قوله
الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم. قال بعبادة الأوثان ﴿نرفع درجات من نشاء﴾ بالعلم.
وقرأ أهل الكوفة ويحيى بن يعمر وإبن [محيصن]: درجات بالتنوين يعني نرفع من نشاء
درجات، مثله سورة يوسف ﴿إن ربك حکیم علیم﴾ .
وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبٌ حِكُلًا هَدَيْنٌَ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَّ
وَأَيُوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَرُونَ وَكَذَلِكَ نَحْرِىِ الْمُحْسِينَ ﴿٨) وَزَكَرِيَّا وَيَحْبَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَّ كُلٌ مِّنَ
الصَِّمِينَ (٤٩) وَإِسْمَعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطَا وَكُلًا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَلَمِينَ (ْهَ وَمِنْ ءََبِهِمْ وَدُرَّتِهِمْ
ذَلِكَ هُدَى الَّهِ يَهْدِى بِهِ، مَن بَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَوْ
وَإِخْوَانِمٌ وَأَجْتََّّهُ وَهَدَيْنَهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَفِيمِ (مَا ذَـ
أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿َ أُوْلَكَ الَّذِينَ ءَِّنَّهُمُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَوَّلَءِ
فَقَدْ وَكَّنَا بِهَا قَوْمَا لَيْسُواْ بِهَا بِكَفِيْنَ (٨٩َ أُوْلَكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَيَّهُدَلُهُمُ أَقْتَدِهُ قُلِ لَّ أَسْئَلُكُمْ
عَلَيْهِ أَخْرَاْ إِنْ هُوَ إِلَّ ذِكْرَى ◌ِعَلَّمِينَ (١٦) وَمَا فَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهٍِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنْزَّلَ اللَّهُ عَلَى بَشْرِ مِّنْ
شَجَّةٍ قُلْ مَنْ أَنَزَّلَ اَلْكِتَبَ الَّذِى يَآءَ بِهِ، مُوسَى نُرَّا وَهُدَى لِلنَّاسِّ تَجْعَلُونَمُ فَرَاِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًاً
وَعُلَّمْتُم مَّا لَمْ تَعَلُواْ أَنْتُمْ وَلَاَ ءَابَاؤُكُمْ فُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِ خَوْضِهِمْ يَّلْعَبُونَ
﴿ووهبنا له﴾ لإبراهيم ﴿إسحاق ويعقوب كلاًّ هدينا﴾ وفقنا وأرشدنا ﴿ونوحاً هدينا من قبل﴾
إبراهيم وولده ﴿ومن ذريته﴾ يعني ومن داود ونوح لأن داود لم يكن من ذرية إبراهيم وهو داود بن
أيشا ﴿داود وسليمان﴾ يعني إبنه ﴿وأيوب﴾ وهو أيوب بن [أموص بن رانزخ بن](٢) روح ابن عيصا
بن إسحاق بن إبراهيم ﴿ويوسف﴾ وهو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الذي قال رسول
(١) سورة لقمان: ١٣ .
(٢) هكذا في الأصل.
.

١٦٧
سورة الأنعام، الآيات: ٨٤ - ٩١
اللّه ◌َ﴾ ((إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم))(١) [١٤٣]
﴿وموسى﴾ وهو موسى بن عمران بن [صهر بن فاعث بن لاديهاً(٢) بن يعقوب.
وهارون وهو أخو موسى أكبر منه بسنة ﴿وكذلك﴾ أي كما جزينا إبراهيم على توحيده
وثباته على دينه بأن رفعنا درجته ووهبنا له أولاداً أنبياء أتقياء (٣) ﴿نجزي المحسنين) على
إحسانهم ﴿وزكريا﴾ وهو زكريا بن أزن بن بركيا (٤) ﴿ويحيى﴾ وهو إنه ﴿وعيسى) وهو إبن مريم
بنت عمران بن أشيم بن أمون بن حزقيا ﴿وإلياس﴾.
واختلفوا فيه، فقال عبد الله بن مسعود: هو إدريس مثل يعقوب وإسرائيل.
وقال غيره: هو إلياس بن بستي بن فنخاص بن العيزار بن هارون بن عمران نبي الله (عليه
السلام) وهو [النصيح] لأن اللّه تعالى نسب في هذه الآية الناس إلى نوح وجعله من ذريته ونوح
هو إبن لمك بن متوشلخ بن اخنوخ وهو إدريس(6) ومحال أن يكون جدّ أبيه منسوباً إلى أنه من
ذريته(٦) ﴿وكل من الصالحين﴾ يعني الأنبياء والمؤمنين ﴿وإسماعيل﴾ وهو إبن إبراهيم
﴿واليسع﴾ وهو اليسع بن إخطوب بن العجون ﴿ويونس﴾ وهو يونس بن متى ﴿ولوطاً﴾ وهو
لوط بن هارون أو ابن أخي إبراهيم (عليه السلام) ﴿وكلاً فضلنا على العالمين﴾ يعني عالمي
زمانهم ﴿ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم﴾ اختبرناهم واصطفيناهم ﴿وهديناهم﴾
سددناهم وأرشدناهم، ﴿إلى صراط مستقيم * ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ولو
أشركوا﴾ يعني ولو أشرك هؤلاء الأنبياء الذين سميناهم بربهم تعالى ذكره فعبدوا معه غيره
﴿لحبط عنهم﴾ بطل عنهم وذهب عنهم ﴿ما كانوا يعملون أولئك الذين آتيناهم الكتاب﴾ يعني
تلك الكتب ﴿والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء﴾ يعني قريشاً ﴿فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها
بكافرين﴾ يعني الأنصار وأهل المدينة.
وقال قتادة: يعني الأنبياء الثمانية عشر الذين قال الله عز وجل ﴿أولئك الذين هدى الله
فبهداهم اقتده﴾ بسنّتهم وسيرتهم اقتده الهاء فيه هاء الوقف ﴿قل لا أسئلكم عليه أجراً﴾ جعلا
ورزقاً ﴿إن هو﴾ ما هو يعني محمد ◌َل﴾ ﴿إلاّ ذكرى﴾ عظة ﴿للعالمين * وما قدروا الله حق
قدره﴾ أي ما عظموا الله حق عظمته. وما وصفوا اللّه حق صفته ﴿إذا قالوا ما أنزل الله على بشر
من شيء﴾.
(١) .. سنن الترمذي: ٤ / ٣٥٦.
(٢)
هكذا في الأصل.
(٣) زاد المسير: ٣ / ٥٥.
(٤) تفسير الطبري: ٧ / ٣٤٠.
(٥) راجع فتح الباري: ٦ / ٢٦٤.
(٦) تفسير الطبري: ٧ / ٣٤٠.
٠٠

١٦٨
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
قال سعيد بن جبير: جاء رجل من يهود الأنصار يقال له مالك بن الصيف يخاصم
النبي ◌َله، فقال النبي: أتشرك بالله الذي أنزل التوراة على موسى؟ ما تجد في التوراة إن الله
يبغض الحبر السمين وكان حبراً سميناً فغضب وقال: ما أنزل اللّه على بشر من شيء، فقال
لأصحابه الذين معه ويحك ولا موسى؟ فقال: [والله] ما أنزل الله على بشر من شيء. فأنزل
اللّه عز وجل هذه الآية.
وقال السدي: إنها نزلت في فحاص بن عازورا، وهو قائل بهذه المقالة.
محمد بن كعب القرضي: جاء ناس من اليهود إلى النبي ◌َّلر وهو محتب وقالوا: يا أبا
القاسم ألا تأتينا بكتاب من السماء كما جاء به موسى (عليه السلام) ألواحاً يحملها من عند اللّه؟
فأنزل اللّه عز وجل ﴿يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر
من ذلك﴾(١) الآية .
فجاء رجل من اليهود فقال: ما أنزل اللّه عليك ولا على موسى ولا على عيسى ولا على
أحد شيئاً. فأنزل اللّه هذه الآية.
وقال ابن عباس: قالت اليهود: يا محمد أنزل اللّه عليك كتاباً؟ قال: نعم. قالوا: والله ما
أنزل اللّه من السماء كتاباً فأنزل اللّه ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾(٢).
معلى بن أبي طلحة عن ابن عباس: نزلت في الكفار أنكروا قدرة اللّه تعالى عليهم فمن أقرّ
أن الله على كل شيء قدير فقد قدر الله حق قدره. ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدر الله حق قدره.
وقال مجاهد: نزلت في بشر من قريش. قالوا: ما أنزل اللّه على بشر من شيء.
وقوله ﴿قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى﴾ إلى قوله ﴿وتخفون كثيراً﴾ قال: هم
اليهود.
وقوله ﴿وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم﴾ قال هذه المسلمين وهكذا .
روى أيوب عنه إنه قرأ ﴿وعلمتم﴾ معشر العرب ﴿ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم﴾ وقوله
﴿يجعلونه قراطيس﴾ أي دفاتر كتبنا جمع قرطاس أي تفرقونها وتكتبونها في دفاتر مقطعة حتى لا
تكون مجموعة لتخفوا منها ما شئتم ولا يشعر بها العوام، تبدونها وتخفون كثيراً من ذكر محمد
وآية الرجم ونحوها مما كتبوها .
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بن العلاء: يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيراً كلها بالياء
على الإخبار عنهم.
(١) تفسير الطبري: ٧ / ٣٤٨، أسباب النزول للواحدي: ١٤٣.
(٢) سورة الأنعام: ٩١.

١٦٩
سورة الأنعام، الآيات: ٩٢ - ٩٤
وقرأها الباقون: بالتاء على الخطاب، ودليلهم قوله تعالى ممّا قبله من الخطاب. قل من
أنزل الكتاب.
وقرأ بعده ﴿وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم﴾ فإن أجابوك وقالوا: الله، وإلاّ فـ ﴿قل
اللّه﴾ فعل ذلك ﴿ثم ذرهم في خوضهم يلعبون﴾ حال وليس بجواب تقديره ذرهم في خوضهم
لا عبين.
وَهَذَا كِتَبُ أَنْزَلْنَهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلُنَذِرَ أُمَّ الْغُرَى وَمَنْ حَوْلهَاً وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ
يُؤْمِنُونَ بِّ، وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ بُجَّا فِقُونَ (١٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ أَقَى عَلى اَلَّهِ كَذِّبًا أَوْ قَالَ أُوْجِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ
إِلَيْهِ شَىْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَّ إِذِ الظَّلِمُونَ فِى غَمَرَّتِ أَوْتِ وَالَلَكَةُ بَأْسِطُواْ أَبْدِيِهِمْ
أَخْرِجُواْ أَفْسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ أَلْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى الَّهِ غَيْرَ أُلْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ ءَلَيْهِ،
تَسْتَكْبِرُونَ (١٣) وَلَقَدْ جِئْتُونَا فُرَدَى كَمَا خَقْنَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَكْتُمُ مَّا خَوَّلْتَنَكُمْ وَرَآهُ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَىْ مَعَكُمْ
٩٤
شُفَعَآءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِكُمْ شُرَّكُوْ لَقَدْ نَّقَطَعَ بَيْتَكُمْ وَضَلَّ عَنْصِكُمْ مَّا كُنْتُمْ تَرْعُونَ
﴿وهذا كتاب﴾ يعني القرآن ﴿أنزلناه مبارك﴾ أي وهذا كتاب مبارك أنزلناه ﴿مصدق الذي
بين يديه ولتنذر﴾ تخبر.
وقرأ عاصم: بالياء أي ولينذر الكتاب ﴿أم القرى﴾ يعني مكة سمّاها أم القرى لأن الأرض
دحيت من تحتها ﴿ومن حولها﴾ تحمل الأرض كلها شرقاً وغرباً ﴿والذين يؤمنون بالآخرة
يؤمنون به﴾ بالكتاب ﴿وهم على صلاتهم﴾ يعني الصلوات الخمس ﴿يحافظون﴾ يداومون ﴿ومن
أظلم﴾ أي أخطأ قولاً وأجهل فعلاً ﴿ممن افترى﴾ اختلق ﴿على الله كذباً﴾ فزعم إنه بعثه نبياً
﴿وقال أوحي إليَّ ولم يوح إليه شيء﴾ نزلت في مسيلمة الكذاب الحنفي وكان يستمع ويتكهن
ويدعي النبوة ويزعم إن الله أوحى إليه وكان قد أرسل إلى رسول اللّه وقل﴾ رجلين، فقال لهما
النبي ◌َله: ((أتشهدان أنّ مسيلمة نبي؟ فقالا: نعم، فقال النبي ◌َّر: ((لولا أنّ الرسل لا تقتل
لضربت أعناقكما))(١) [١٤٤].
وقال رسول اللّه ◌َ ﴾: ((رأيت فيما يرى النائم كأنّ في يدي شوارين من ذهب فكبرا عليَّ
وأهماني فأوحى الله إليَّ أن أنفخهما فنفختهما فطارا فأوّلتهما الكذابين اللذين أنا بينهما كذاب
اليمامة مسيلمة، وكذاب صنعاء الأسود العبسي)) (٢) [١٤٥].
﴿ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله﴾ نزلت في عبد الله بن سعيد بن أبي سرح القرشي،
(١) مسند أحمد: ٣ / ٤٨٨.
(٢) صحيح البخاري: ٥ / ١١٩، والسنن الكبرى: ٨ / ١٧٥ بتفاوت.

١٧٠
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
وكان يكتب للنبي ◌َ﴿ فكان إذا قال سميعاً عليماً كتب هو عليماً حكيماً، وإذا قال عليماً حكيماً
كتب غفوراً رحيماً، وأشباه ذلك فلما نزلت ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين﴾(١) الآية.
أملاها رسول اللّه عجب عبد اللّه من تفصيل خلق الإنسان فقال تبارك الله أحسن الخالقين. فقال
رسول اللّه وَلجر: ((أكتبها فهكذا نزلت))(٢) [١٤٦] فشك عبد اللّه وقال: لئن كان محمد صادقاً لقد
أوحي إليّ كما أوحي إليه ولئن كان كاذباً لقد قلت [كما كتب](٣) فارتدّ عن المسلمين ولحق
بالمشركين، وقال لهما: عليكم بمحمد لقد كان يملي عليّ فأغيره وأكتب كما أُريد.
ووشى بعمار وجبير عبد لبني الحضرمي يأخذوهما وعذبوهما حتى أعطياهما الكفر وجذع
أذن عمار يومئذ فأخبر عمار النبي وَّر بما لقي وبما أعطاهم من الكفر فأبى النبي ◌َّ أن يتولاه
هؤلاء فأنزل اللّه عز وجل فيه، وفي خبر: وابن أبي سرح ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه﴾ إلى
قوله ﴿بالكفر﴾ .
يعني عبد الله بن سعيد بن أبي سرح ثم رجع إلى الإسلام قبل فتح مكة إذ نزل النبي وَلـ
[بمرط هران] ﴿ولو ترى إذ الظالمون﴾ وهم الذين ذكرهم الله ووصفهم قبل ﴿في غمرات
الموت﴾ سكراته وهي جمع غمرة وغمرة كل شيء كثرته ومعظمه وأضل الشيء الذي يغمر
الأشياء فيخطيها ومنه غمرة الماء ثم استعملت في معنى الشدائد والمكاره ﴿والملائكة باسطوا
أيديهم﴾ بالعذاب والضرب وجوههم وأدبارهم كما يقال بسط يده بالمكروه ﴿أخرجوا﴾ أي
يقولون أخرجوا ﴿أنفسكم﴾ أرواحكم كرهاً لأنّ نفس المؤمن تنشط للخروج للقاء ربه، والجواب
محذوف يعني ولو تراهم في هذا الحال لرأيت عجباً .
﴿اليوم تجزون﴾ تثابون ﴿عذاب الهون﴾ أي الهوان ﴿بما كنتم تقولون على الله غير الحق
وكنتم عن آياته﴾ يعني محمداً وَله والقرآن ﴿تستكبرون﴾ تتعظمون.
قال النبي وَلّى: ((من سجد لله سجدة فقد برىء من الكبر)) (٤) [١٤٧] ﴿ولقد جئتمونا
فرادى﴾ هذا خبر من اللّه تعالى أنه يقول للكفار يوم القيامة: ولقد جئتمونا فرادى وجدانا لا مال
معکم ولا زوچ ولا ولد ولا خدم ولا حشم.
قال الحسن: ولقد جئتمونا فرادى كل واحدة على حدة.
وقال ابن كيسان: مفردین من المعبودين، وفرادى جمع فردان مثل سكران وسكارى،
(١) سورة المؤمنون: ١٢.
(٢) تفسير القرطبي: ٧ / ٤٠ وفيه: وهكذا أُنزلت علي.
(٣) هكذا في الأصل.
(٤) كنز العمال: ٧ / ٣٠٨.

١٧١
سورة الأنعام، الآيات: ٩٥ - ٩٩ .:
وكسلان وكسالى. ويقال أيضاً في واحد فرد بجزم الراء وفرِد بكسرها وفرَد بالفتح وأفرد وجمعها
أفراد مثل أحاد وفريد وفردان مثل قضيب وقضبان وكثيب وكثبان.
وقرأ الأعرج: فردى بغير ألف مثل كسرى [وكسلى] ﴿كما خلقناكم أوّل مرّة﴾ عراة حفاة
غرلاً بهم ﴿وتركتم﴾ وخلفتم ﴿ما خوّلناكم﴾ أعطيناكم ومكنّاكم من الأموال والأولاد والخدم
﴿وراء ظهوركم﴾ خلف ظهوركم في الدنيا ..
روى محمد بن كعب عن أبي هريرة عن النبي وَلّ قال: «ينفخ نفخة البعث فتخرج الأرواح
كأنها النحل قد ملئت ما بين السماء والأرض فيقول الجبار جل جلاله: [وعزّتي] وجلالي
ليرجعن كل روح إلى جسده، فتدخل الأرواح في الأجساد وإنما يدخل في الخياشم كما يدخل
السم في اللديغ ثم يشق عليكم الأرض وأنا أول من يشق عنه الأرض فينسلون عنهم سراعاً إلى
ربكم على سن ثلاثين مهطعين إلى الداعي فيوقفون في موقف منه سبعين عاماً حفاة عراة غرلاً
بهم لا يناظر إليكم فلا يقضي بينكم فتبكي الخلائق حتى ينقطع الدمع ويجف العرق)) (١) [١٤٨].
وقال القرضي: قرأت عائشة زوج النبي وَل قول الله عز وجل ﴿ولقد جئتمونا فرادى كما
خلقناكم أول مرة﴾، فقالت: يا رسول الله وأسوتاه إن الرجال والنساء يحشرون جميعاً ينظر
بعضهم إلى سوأة بعض؟ فقال رسول اللّه وَج: ((لكلّ إمرىء منهم يومئذ شأن يغنيه لا ينظر
الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال شغل بعضهم عن بعض)) (٢) [١٤٩].
﴿وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء﴾ وذلك إن المشركين زعموا
أنهم يعبدون الأصنام لأنهم شركاء اللّه وشفغاؤهم عنده ﴿لقد تقطع بينكم).
قرأ أهل المدينة، والحسن، ومجاهد، وأبو رجاء، والكسائي: بينكم نصباً .
وقرأ أهل المدينة، والحسن، ومجاهد: وهي قراءة أبي موسى الأشعري على معنى لقد
تقطع ما بينكم وكذلك هو في قراءة عبد اللّه وقرأ الباقون: بالرفع على معنى لقد تقطع وصلكم
فالبين من الأضداد يكفي وصلاً وهجراً وأنشد:
ولولا الهوى ما حنّ للبين آلف (٣)
لعمرك لولا البين لا يقطع الهوى
﴿وضلّ عنكم ما كنتم تزعمون﴾.
إِنَّ اللّهُ فَالِقُ الْخَبِّ وَالنََّىَّ يُخْرِجُ أَّ مِنَ الْغَيْتِ وَتُخْرِجُ الْمَيْتِ مِنَّ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَنَّى تُؤْفَكُونَ
(١) الأحاديث الطوال: ٩٧، وتفسير القرطبي: ١٧ / ٢٨ بتفاوت يسير.
(٢) تفسير الطبري: ٧ / ٣٦٢.
(٣) لسان العرب: ١٣ / ٦٢.

١٧٢
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
وَهُوَ الَّذِى
فَلِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اُلَتْلَ سَكَنَا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيْرُ الْعَزِيزِ الْعَلِ
٩٥
وَهُوَ الَّذِىّ
٩٧
جَعَلَ لَكُمُ الْتُّجُومُ لِهْتَُّوا بِهَا فِ ظُلُمَتِ أَلْبِّ وَالْبَحْرِّ قَدْ فَصَلَنَا اَلْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
أَنْشَأَكُمْ مِّنْ نَفْسِ وَحِدَةٍ فُسْتَغَرٌ وَمُسْتَوَعُ قَدْ فَصَّلْنَا الَّتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ﴿ِّ وَهُوَ الَّذِىَّ أَنْزَّلَ مِنَ
السَّمَاءِ مَآءَ فَأَخْرَحْنَا بِهِ، نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَنَّا مَُّاحِكَبًا وَمِنَ النَّغْلِ مِنْ
طَلْعِهَا فِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّتٍ مِّنْ أَعْنَبِ وَالَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهَا وَغَيْرَ مُتَشَِةٍ أَنْظُرُوَّا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَاَ أَثْمَرَ
٩٩
وَيَنْعِهِ، إِنَّ فِ ذَلِكُمْ لَأَيَنْتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
﴿إن اللّه فالق الحب﴾ أي فلق الحب عن النبات، ومخرج منها الزرع وشاق النوى عن
الشجر والنخل ومخرجها منها .
وقال مجاهد: يعني الشقين الذين عناهما .
وقال الضحاك: فالق الحب والنوى، الحب جمع الحبة وهي كل ما لم يكن لها نواة مثل
البر والشعير والذرة والحبوب كلها .
﴿والنوى﴾ جمع النواة وهي كل ما يكون له حب مثل الخوخ والمشمش والتمر والأجاص
ونحوها .
﴿يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون﴾ تصدون عن
الحق ﴿فالق الإصباح﴾ شاق عمود الصبح من ظلمة الليل وكاشفه ..
وقال الضحاك: خالق النهار، والأصباح مصدر كالإقبال والإدبار وهي الإضاءة.
وقرأ الحسن والقيسي: فالق الأصباح بفتح الهمزة جعله جمع مثل قرص وأقراص.
﴿وجاعل الليل سكناً﴾ سكن فيه خلقه. وقرأ النخعي: فلق الأصباح وجعل الليل سكناً.
وقرأ أهل الكوفة: فالق الأصباح وجعل الليل سكناً على الفعل إتباعاً للمصحف.
وقرأ الباقون: كلاهما بالألف على الإسم.
﴿والشمس والقمر حسباناً﴾ أي جعل الشمس والقمر بحساب لا يجاوزاه حتى ينتهيا إلى
أقصى منازلهما .
وقرأ [يزيد بن قعنب]: والشمس والقمر بالخفض عطفاً على اللفظ، والحسبان مصدر
كالنقصان والرحمان وقد يكون جمع حساب مثل شهاب وشهبان، وركاب ورکبان.
﴿ذلك تقدير العزيز العليم وهو الذي جعل لكم النجوم﴾ أي خلقها ﴿لتهتدوا بها في
ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون * وهو الذي أنشأكم﴾ خلقكم وابتدأكم ﴿من
نفس واحدة﴾ يعني آدم (عليه السلام) .

١٧٣
سورة الأنعام، الآيات: ٩٥ - ٩٩
﴿فمستقر﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: فمستقر بكسر القاف على الفاعل يعني فلكم
مستقر .
وقرأ الباقون: بفتح على معنى فلكم مستقر.
واختلف المفسرون في المستقر والمستودع. فقال عبد الله بن مسعود: فمستقر في الرحم
إلى أن يوادع مستودع في القبر إلى أن يبعث.
وقال مقسم: مستقر حيث يأوي إليه، ومستودع حيث يموت.
وقال سعيد بن جبير: فمستقر في بطون الأمهات، ومستودع في أصلاب الآباء.
وقال: قال لي ابن عباس (رضي الله عنه) أتزوجت يابن جبير؟ فقلت: لا وما أريد ذلك
بوجه. قال: فضرب ظهري وقال: إنه مع ذلك ما كان مستودع في ظهرك فسيخرج.
عكرمة عن ابن عباس: المستقر الذي قد خلق واستقر في الرحم، والمستودع الذي قد
استودع في الصلب مما لم يخلق بعد وهو خالقه.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: المستقر في الرحم، والمستودع ما استودع في
أصلاب الرجال والدواب.
مجاهد: فمستقر على ظهر الأرض في الدنيا. ومستودع عند الله تعالى في الآخرة.
وقال أبو العالية: مستقرها أيام حياتها، ومستودعها حيث تموت وحيث يبعث ..
وقال كرب: دعاني ابن عباس (رضي الله عنه) فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم من
عبد الله بن عباس إلى فلان حبر تيماء، أما بعد فحدثني عن مستقر ومستودع. قال: ثم بعثني
بالكتاب إلى اليهودي فأعطيته إياه، فقال: مرحباً بكتاب خليلي من المسلمين فذهب إلى بيته ففتح
أسفاطاً له كثيرة فجعل يطرح تلك الأشياء لا يلتفت إليها. قال: قلت له: ما شأنك؟ قال: هذه
أشياء كتبها اليهود، حتى أخرج سفر موسى فنظر إليه مرتين فقال: مستقر في الرحم ومستقر فوق
الأرض ومستقر تحت الأرض ومستقر حيث يصير إلى الجنة أو إلى النار، ثم قرأ: ﴿ونقرّ في
الأرحام ما نشاء﴾. وقرأ: ﴿ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين﴾(١).
فقرأ الحسن: المستقر في القبر، والمستودع في الدنيا، وكان يقول: يا ابن آدم أنت وديعة
في أهلك يوشك أن تلحق، بصاحبك وأنشد قول لبيد:
وما المال والأهلون إلا وديعة
ولا بدّ يوماً أن تردّ الودائع (٢)
(١) تفسير الطبري: ٧ / ٣٧٧.
(٢) لسان العرب: ٨ /١٩٠.

١٧٤
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبني
وقال سليمان بن يزيد العدوي في هذا المعنى:
فالناس مفجوع به ومفجع
فجع الأحبة بالأحبة قبلنا
(١)
ومستودع أو مستقر مدخلا
فالمستقر يزوره المستودع
﴿قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون. وهو الذي أنزل من السماء ماءً فأخرجنا به﴾ بالماء
﴿نبات كل شيء فأخرجنا منه﴾ من الماء، وقيل: من النبات ﴿خضراً﴾ يعني أخضر، وهو رطب
البقول، يقول: هو لك خضراً مظراً أي هنيئاً مريئاً ..
وقال نخلة: خضيرة: إذا كانت ترمي ببسرها أخضر قبل أن ينضج، وقد اختضر الرجل
واغتضر إذا مات شاباً مصححاً (٢) ﴿ومن النخل من طلعها﴾ أي ثمرها [وكثيراً منها] وما يطلع
منها ﴿قنوان﴾ جمع قنو وهو العذق مثل صنو وصنوان.
قال أبو عبيدة: [ولا ظير بهذا الكلام].
وقرأ الأعرج: قنوان بضم القاف، وهي لغة قيس، مثل قضبان. ولغة تميم: قنيان. وجمعه
القليل أقنا مثل حنو وأحنا، ﴿دانية﴾ قريبة ينالها القائم والقاعد. وقال مجاهد: متدلّية.
وقال قتادة: متهدّلة(٣).
وقال الضحاك قصار ملتزقة بالأرض (٤). ومعنى الآية ومن النخل قنوانها دانية ومنها ما هي
بعيدة فاكتفى بالقريبة عن البعيدة كقوله تعالى ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾(٥) والبرد ﴿وجنات﴾ يعني
وأخرجنا منه جنات . .
وقرأ يحيى بن يعمر والأعمش وعاصم: وجنات رفعاً نسقياً على قنوان لفظاً وإن لم يكن
في المعنى من جنسها ﴿من أعناب والزيتون والرمان﴾ يعني وشجر الزيتون والرمان، فاكتفى
بالتمر عن الشجر كقوله ﴿واسأل القرية﴾ ﴿مشتبهاً وغير متشابه﴾ قتادة: متشابه ورقه يختلف
بثمره، وقيل: مشتبهاً في المنظر غير متشابه في المطعم. وقال الحسن: الفعل منها ما يشبه بعضه
بعضاً ومنها ما يخالف، وقيل: مشتبهاً في الخلقة من منشأه من الحكمة ﴿أنظروا إلى ثمره﴾.
قرأ أهل الكوفة: بضم الثاء والميم على جمع الثمار. وقرأ الباقون بفتحهما على جمع
الثمرة مثل بعر ووبر ﴿إذا أثمر وينعه﴾ نضجه وإدراكه.
(١) تفسير مجمع البيان: ٤ / ١٢٠.
(٢) تفسير الطبري: ٧ / ٣٨٠.
(٣) تفسير الطبري: ٧ / ٣٨٢.
(٤) نسب في زاد المسير (٣ / ٦٥) لابن عباس بلفظ: قصار النخل اللاحقة عذوقها بالأرض.
(٥) سورة النحل: ٨١.

١٧٥
سورة الأنعام، الآيات: ١٠٠ - ١٠٧
وقرأ أبو رجاء ومحمد بن السميقع: ويانعه بالألف على الإسم ﴿إن في ذلكم لآيات لقوم
يؤمنون﴾ .
وَجَعَلُواْ لِلَِّ شُرَكَةُ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمّ وَخَرَفُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَّتِ بِغَيْرِ عِلَّمَّ سُبْحَنَّهُ وَتَعَلَى عَمَّا يَصِفُونَ
بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَنَّ يَكُونُ لَمُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَُّ صَحِبَّةٌ وَخَلَقَّ كُلَّ شَىَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمُ
ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ خَكَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ فَأَعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ
لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِلُ الْأَبْصَرِّ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخِرُ ﴿َ قَدْ جَاءَكُمْ بَصَابِرُ مِن رَّبِّكُمْ
١٠٢)
وَكَذَلِكَ نُصَرِفُ الْأَبَتِ وَلِيَقُولُواْ
١٠٤
فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِةِ، وَمَنَّ عَمِيَ فَعَلَيْهَاْ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بَحَفِيظٍ
دَرَسْتَ وَلِتُغَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٤) أَّعُ مَا أُوْجِىَ إِلَيْكَ مِن رَّيْكَ لَآَ إِلَهَ إِلَّ هُوَّ وَأَغْرِضْ عَنِ
الْمُشْرِكِينَ ﴿َ وَلَّوْ شَآءَ اللَّهُ مَّا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًاً وَمَا أَنْتَ عَلَّهِم بِوَكِيلِ (®
﴿وجعلوا﴾ يعني الكافرين ﴿لله شركاء الجن﴾ يعني وجعلوا لله الجن شركاء، وإن شئت
نصبته على التفسير(١) ﴿وخلقهم﴾ يعني وهو خلقهم وخلق الجن.
وقرأ يحيى بن معمر: وخلقهم بسكون اللام وفتح القاف أراد إفكهم وادّعاءهم ما يعبدون
من الأصنام حيث جعلوها شركاء لله عز وجل يعني وجعلوا له خلقهم.
وقرأيحيى بن وثاب: وخلقهم بسكون اللام وكسر القاف، يعني جعلوا لله شركاء ولخلقهم
أشركوهم مع الله في خلقه إياهم.
وقال الكلبي: نزلت في الزنادقة قالوا: إن اللّه وإبليس شريكان، والله خالق النور والناس
والدواب والأنعام. وإبليس خالق الظلمة والسباع والعقارب والحيّات، وهذا كقوله ﴿وجعلوا بينه
وبين الجنة نسِباً﴾ يعني في الجنة، وهم صنف من الملائكة خزان الجنان أشق لهم منهم صنف
من الجن ﴿وخرقوا﴾ أي اختلفوا وخرصوا.
وقرأ أهل المدينة: بكثرته وخرّقوا على التكثير ﴿له بنين وبنات بغير علم﴾ وهم كفار مكة،
قالوا: الملائكة والأصنام بنات اللّه. واليهود قالوا: عزير ابن الله. والنصارى قالوا: المسيح
ابن اللّه ثم نزّه نفسه. وقال تعالى ﴿سبحانه وتعالى عما يصفون بديع السماوات والأرض أنى
يكون له ولد ولم تكن له صاحبة﴾ زوجة ﴿وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم) إلى قوله تعالى
﴿لا تدركه الأبصار﴾ أجراه بعضهم على العموم فقال: معناه لا تحيط به الأبصار بل تراه وهو
يحيط بها(٢).
(١) أي بدلاً من شركاء.
(٢) راجع تفسير القرطبي: ٧ / ٥٤ .

١٧٦
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
قال اللّه عز وجل ﴿ولا يحيطون به علماً﴾ فكما تعرفه في الدنيا لا كالمعروفين فكذلك
تراه في العقبى لا كالمرئيين.
قالوا: وقد ترى الشيء ولا تدركه كما أخبر اللّه تعالى عن قول أصحاب موسى (عليه
السلام) حين قرب منهم فرعون ﴿إنا لمدركون﴾ وكان قوم فرعون قد رأوا قوم موسى ولم
يدركوهم لأن اللّه تعالى قد وعد نبيه موسى (عليه السلام) إنهم لا يدركون بقوله ﴿لا تخاف دركاً
ولا تخشى﴾ .
وكذلك قال سعيد بن المسيب: لا تحيط به الأبصار. وقال عطاء: كلّت أبصار المخلوقين
عن الإحاطة به .
وقال الحسن: لا تقع عليه الأبصار ولا تدلّ عليه العقول ولا يدركه الإذعان.
يدلّ عليه ما روى عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري عن النبي وَلّ في قوله تعالى ﴿لا
تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾. قال: لو أن الجن والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا
إلى أن فنوا صفوا صفاً واحداً ما أحاطوا باللّه (١) أبداً.
وأجراه بعضهم على النصوص. قال ابن عباس ومقاتل: معناه لا تدركه الأبصار في الدنيا
وهو يرى في الآخرة ﴿وهو يدرك الأبصار﴾ لا يخفى عليه شيء ولا يفوته.
وقيل: معناه لا تدركه أبصار الكافرين، فأما المؤمنون فيرونه، والله أعلم ﴿وهو اللطيف
الخبير﴾ .
قال أبو العالية: لطيف باستخراج الأشياء خبير بها .
وقال أكثر العلماء في معنى اللطيف. فقال الجنيد: اللطيف: من نوّر قلبك بالهدى وربي
جسمك بالغدا، وجعل لك الولاية في البلوى ويحرسك من لظى ويدخلك جنة المأوى.
وقيل: اللطيف الذي أنسى العباد ذنوبهم لئلاّ يخجلوا. وقيل: الذي ركّب من النطفة من
ماء مهين وقيل: هو الذي يستقل الكثير من نعمه ويستكثر القليل من طاعة عباده.
قتادة: وقيل: اللطيف الذي يُغِير ولا يُغَير. وقيل: اللطيف الذي إن رجوته لبّاك وأن
قصدته آواك، وإن أحببته أدناك وإن أطعته كافاك، وإن عصيته عافاك وإن أعرضت عنه دعاك،
وإن أقبلت إليه عداك.
وقيل: اللطيف: الذي لا يطلب من الأحباب الأحساب والأنساب. وقيل: اللطيف: الذي
يغني المفتقر إليه ويعز المفتخر به. وقيل: اللطيف: من يكافي الوافي ويعفو عن الباقي. وقيل:
اللطيف: من أمره تقريب ونهيه تأريب.
(١) تفسير ابن كثير: ٢ / ١٦٧.

١٧٧
سورة الأنعام، الآيات: ١٠٨ - ١١٣
وقيل: اللطيف: الذي يكون عطاؤه خير ومنعه ذخيرة. وأصل اللطيف دقة النظر في جميع
الأشياء ﴿قد جاءكم بصائر من ربكم﴾ يعني الحجج البيئة التي يبصرون بها الهدى من الضلال
والحق من الباطل.
قال الكلبي: يعني بينات القرآن.
﴿فمن أبصر﴾ يعني عرفها وآمن بها ﴿فلنفسه﴾ عمل وحظه أصاب وإياها بغى الخير(١)
﴾ عنها فلم يعرفها ولم يصدقها .
﴿ومن عمي فعليها
وقرأ طلحة بن مصرف: ومن عُمّي بضم العين وتشديد الميم على المفعول التي تدل
عليها، يقول: فنفسه ضر وإليها أساء لا إلى غيره ﴿وما أنا عليكم بحفيظ﴾ رقيب أحصي إليكم
أعمالكم وإنما أنا رسول أبلغكم رسالات ربي وهو الحفيظ عليكم الذي لا يخفى عليه شيء من
أفعالكم ﴿وكذلك نصرف الآيات﴾ نبينها في كل وجه لندعوكم بها ﴿وليقولوا﴾ وليلاً يقولوا إذا
قرأت عليهم القرآن ﴿درست﴾ أي تلوث وقرأت يا محمد بغير ألف قرأه جماعة منهم أبي رجاء
وأبي وائل والأعرج ومعظم أهل العراق وأهل الحجاز، وكان عبد الله بن الزبير يقول: إن
صبياناً يقرأونها دارست بالألف وإنما هي درست.
وقرأ علي ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو: دارست بالألف يعني قارأت أهل الكتاب
وتعلمت منهم تقرأ عليهم يقرأوا عليك.
وقال ابن عباس: يعني جادلت وخاصمت، وكذلك كان يقرأها، وقرأ قتادة: درست
بمعنی قرئت وتليت.
وقرأ الحسن وابن عامر ويعقوب: درست بفتح الدال والراء وجزم التاء بمعنى تقادمت
وانمحت وقرأ ابن مسعود وأبي طلحة والأعمش: درس بفتحها يعنون النبي درس الآيات
﴿ولنبيّنه﴾ يعني القول والتحريف والقرآن ﴿لقوم يعلمون * إتبع﴾ يا محمد ﴿ما أوحي إليك من
ربك﴾ يعني القرآن إعمل به ﴿لا إله إلاّ هو وأعرض عن المشركين﴾ فلا تجادلهم ولا تعاقبهم
﴿ولو شاء اللّه ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظاً﴾ رقيباً. ويقال رباً .
قال عطاء: وما جعلناك عليهم حفيظاً تمنعهم مني ﴿وما أنت عليهم بوكيل﴾ والإعراض
منسوخ بآية السيف. وهذه الآية نزلت حين قال المشركون لرسول اللّه وَالقول: إلى دين آبائك.
وَلَا تَسُواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ أَلَّهِ فَيَسُبُواْ اللَّهَ عَذُوْا بِغَيْرِ عِلْمِ كَذَلِكَ زَيَّّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ
(١) تفسير الطبري: ٧ / ٣٩٧.

١٧٨
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
وَأَفْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَبْعَلِهِمْ لَبِنْ جَاءَّتُهُمْ مَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ
ثُمَّ إِلَى رَبِهِم ◌َّرْجِعُهُمْ فَنَّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (بَ)
بِهَا قُلْ إِنَّمَا أَلَيْتُ عِندَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِزَّكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿َ وَنُقَلْتُ أَقِدَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا
لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ: أَوَّلَ مَنَّةٍ وَنَّذَّرُهُمْ فِي ◌ُغْيَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (َـ
﴿ وَلَوَّ أَنَّنَ نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلْبِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ
المُنَّ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلِّ شَىْءٍ قُبُلَكَ مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُواْ إِلََّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١) وَكَذَلِكَ
جَمَلْنَا لِكُلِّ نَبِيِّ عَدُوًّا شَبَاطِينَ الْإِنِسِ وَالْحِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ زُخْرُفَ الْقَوّلِ غُرُورً وَلَّوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا
وَلِنَّصَّغَ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَّ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَغْتِنُواْ مَا
فَعَلُوَّهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَنْتَرُونَ (١٣)
هُم تُنْتَُّنَ
١١٣)
﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون اللّهِ﴾.
قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية ﴿إنكم وما تعبدون من دون اللّه حصب جهنم﴾(١).
قال المشركون: يا محمد لتنتهينّ عن سبّ الهتنا أو لنهجون ربك فنهاهم الله تعالى أن يسبوا
أوثانھم.
قال قتادة: كان المسلمون يسبون أصنام الكفار فنهاهم اللّه عن ذلك كيلا يسبوا اللّه فإنهم
قوم جهلة .
وقال السدي: لما حضرت أبا طالب الوفاة، قالت قريش: إنطلقوا فلندخل على هذا
الرجل ولنأمرنّه أن ينهى عنا ابن أخيه فإنا نستحي أن نقتله بعد موته فيقول العرب: كان يمنعه
فلما مات قتلوه، فانطلق أبو سفيان، وأبو جهل، والنضر بن الحرث، وأمية وأبي بن أخلف،
وعقبة بن أبي معيط، وعمرو بن العاص، والأسود بن البحتري، إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا
طالب أنت كبيرنا وسيدنا وإن محمداً قد آذانا وآذى الهتنا فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر الهتنا
ولندعه وإلهه، فدعاه فجاء النبي ◌َليو فقال له أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك، قال رسول
اللّهِ وَله: ((ما يريدون؟ قالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك))(٢) [١٥٠].
قال: قد أنصف قومك، فاقبل منهم، فقال النبي ◌َّر ((أرأيتم إن أعطيتكم هذا هل أنتم
معطيّ كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم بها العجم)) (٣) [١٥١].
قال أبو جهل: نعم وأبيك لنعطينكها وعشراً أمثالها فما هي ؟قال: قولوا: لا إله إلّ اللّه،
فأبوا واشمأزّوا .
(١) سورة الأنبياء: ٩٨.
(٢) جامع البيان: ٧ / ٤٠٤.
(٣) تفسير الطبري: ٧ / ٤٠٤.

١٧٩
سورة الأنعام، الآيات: ١٠٨ - ١١٣
وقال أبو طالب: قل غيرها يا ابن أخي، فإن قومك قد فزعوا منها. فقال: ((يا عم ما أنا
بالذي أقول غيرها ولو أتوني بالشمس فوضعوها في يدي ما قلت غيرها))(١) [١٥٢].
فقالوا: لتكفّنّ عن شتمك آلهتنا أو لنشتمن من يأمرك. فأنزل الله تعالى ﴿ولا تسبوا الذين
يدعون من دون اللّه﴾ من الأوثان ﴿فيسبوا الله عدواً﴾ .
وقرأ أبو رجاء والحسن وقتادة ويعقوب: عدواً بضم العين والدال وتشديد الواو أي أعداء
الله .
﴿بغير علم﴾ فلما نزلت هذه الآية، قال رسول اللّه ، ل﴾ لأصحابه ((لا تسبوا ربهم)) [١٥٣]
فأمسك المسلمون عن سبّ آلهتهم.
﴿كذلك زيّنا لكل أُمة عملهم﴾ يعني كما زيّنا لهؤلاء المشركين عبادة الأوثان وطاعة
الشيطان، الحرمان والخذلان كذلك زيّنا لكل أمة عملهم من الخير والشر والطاعة والمعصية
﴿ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم﴾ يخبرهم ويجازيهم ﴿بما كانوا يعملون. وأقسموا بالله جهد
أيمانهم﴾ .
قال محمد بن كعب القرضي والكلبي: قالت قريش: يا محمد تخبرنا بأن موسى كان معه
عصا يضرب بها الحجر فتنفجر منه اثنتا عشرة عيناً، وتخبرنا أن عيسى كان يحيي الموتى،
وتخبرنا أن ثمود كانت لهم ناقة فأتنا من الآيات حتى نصدقك. قال رسول اللّه وَ ل: ((أي شيء
تحبون أن آتیکم به؟».
قالوا: تجعل لنا الصفا ذهباً وابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم عنك أحق ما تقول أم
باطل، وأرنا الملائكة يشهدون لك أو ائتنا باللّه والملائكة قبيلاً. فقال رسول اللّه وَل: ((لئن
فعلت بعض ما تقولون تصدقوني)) [١٥٤] قالوا: نعم والله لئن فعلت نتبعك أجمعين.
وسأل المسلمون رسول اللّه ◌َ ل﴿ أن ينزلها عليهم حتى يؤمنوا، فقام رسول اللّه وَل يدعو
الله أن يجعل الصفا ذهباً، فجاء جبرئيل عليه السلام فقال له: إن شئت أصبح ذهباً ولكن إن لم
يصدقوا عذبتهم فإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم. فقال رسول اللّه وَ ليل ((بل يتوب تائبهم))(٢)
فأنزل الله تعالى ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم﴾ يعني أوكد ما قدروا عليه من الايمان وحدها.
قال الكلبي ومقاتل: إذا حلف الرجل باللّه سبحانه فهو جهد بيمينه. ﴿لئن جاءتهم آية﴾
كما جاء من قبلهم من أمم ﴿ليؤمنن بها قل﴾ يا محمد ﴿إنما الآيات عند الله﴾ وهو القادر على
(١) أسباب النزول للواحدي: ١٤٩.
(٢) تفسير الطبري: ٧ / ٤٠٦، وأسباب النزول للواحدي: ١٥٠.

١٨٠
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
إتيانها دوني ودون كل من خلقه. ثم قال ﴿وما يشعركم﴾ وما يدريكم فحذف المفعول وما
أدريكم، واختلفوا في المخاطبين، بقوله ﴿وما يشعركم﴾ حسب اختلافهم في قراءة قوله
﴿إنها﴾. فقال بعضهم: إن الخطاب للمشركين الذين أقسموا وتمّ الكلام عند قوله وما يشعركم،
ثم إستأنف، فقال: إنها يعني الآيات ﴿إذا جاءت لا يؤمنون﴾ حكم عليهم بأنهم لا يؤمنون.
وقرؤا: ﴿إنها﴾ بالكسر على الإبتداء، وهو في قراءة مجاهد وقتادة وابن محيصن وابن كثير
وشبل وأبي عمر والجحدري.
وقال آخرون: الخطاب لرسول اللّه ◌َل﴾ وأصحابه وقرؤا: أنها بالفتح وجعلوا ((لا)) صلة
يعني وما يدريكم يا معشر المؤمنين أنها إذا جاءت المشركين لا يؤمنون كقوله ﴿ما منعك أن لا
تسجد﴾(١) يعني: أن تسجد، وقوله ﴿وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون﴾(٢) يعني إنهم
يرجعون. وقيل: معنى إنها: لعلها وكذلك هي قراءة أَبيّ، تقول العرب: إذهب إلى السوق إنك
تشتري شيئاً بمعنى لعلك تمر.
وقال عدي بن زيد:
أعاذل ما يدريك أن منيتي
إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد(٣)
يعنى: لعلّ منيّتي.
وقال دريد بن الصمة:
ذرينى أطوف في البلاد لأنّني
أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا (٤)
يعني: لعلّني.
وقال أبو النجم:
قلت لسينان أدن من لقائه
إنا نغدي القوم من سرائه(٥)
أي ثعلباً تغدي.
وقرأ ابن عامر والسدي وحمزة: ﴿لا يؤمنون﴾ بالتاء على [حساب] الكفار وما يشعركم،
واعتبر بقراءة أُبيّ: لعلكم إذا جاءكم لا يؤمنون.
(١) سورة الأعراف: ١٢ .
(٢) سورة الأنبياء: ٩٥.
(٣) لسان العرب: ١٣ / ٣٤.
(٤) معجم ما استعجم: ١ / ٢١٥. وفيه: لعلني ألالقي بائد ثلة من محارب، وراجع تفسير الطبري: ٧ /
٤٠٩.
(٥) تفسير الطبري: ٧ / ٤٠٩ .