النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ سورة الأنعام، الآيات: ١٩ - ٢٨ قال الحسن: فلا أحد أظلم ﴿ممن افترى﴾ اختلق ﴿على الله كذباً﴾ فأشرك به غيره ﴿أو كذب بآياته﴾ يعني القرآن. قال الحسن: كل ما في القرآن بآياتنا وآياته يعني به الدين بما فيه ﴿لا يفلح الظالمون﴾ الكافرون ﴿ويوم نحشرهم﴾ العابدين والمعبودين ﴿جميعاً ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤکم الذين كنتم تزعمون﴾ إنما يشفع لكم عند ربكم ﴿ثم لم تكن فتنتهم﴾ يعني قولهم وجوابهم، وقيل: معذرتهم، والفتنة: الاختبار، ولمّا كان سؤالهم يخبر به لإظهار ما في قلوبهم قيل: فتنة. ﴿إلّ أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين﴾ وذلك إنهم يوم القيامة إذا رأوا مغفرة الله عز وجل وتجاوزه عن أهل التوحيد. قال بعضهم لبعض: تعالوا نكتم الشرك لعلنا ننجوا مع أهل التوحيد ﴿ويقولون واللّه ربنا ما كنا مشركين﴾ فيقول الله تعالى لهم: ﴿أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون﴾ وتدعون أنهم شركائي ثم نختم على أفواههم وتشهد جوارحهم عليهم بالكفر وذلك قوله ﴿أنظركيف كذبوا على أنفسهم وضل﴾ زال وبطل ﴿عنهم ما كانوا يفترون﴾ من الأصنام ﴿ومنهم من يستمع إليك﴾ الآية، قال: إجتمع أبو سفيان بن حرب والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأبي إبنا خلف والحرث بن عامر استمعوا حديث رسول اللّه وَل فقالوا: للنضر يا أبا فتيلة ما يقول محمد، قال: والذي جعلها بيته . يعني الكعبة . قال: ما أدري ما يقول إلاّ إنه يحرك لسانه ويقول: ﴿أساطير الأولين﴾، مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية وكان النضر كتب الحديث عن القرون وأخبارها . فقال أبو سفيان: إني لأرى بعض ما يقول خفياً، فقال أبو جهل: كلا فأنزل اللّه تعالى: ﴿ومنهم من يستمع إليك﴾ وإلى كلامك ﴿وجعلنا على قلوبهم أكنة﴾ غشاوة وغطاء ﴿أن يفقهوه﴾ يعلموه ﴿وفي آذانهم وقراً﴾ ثقلاً وصماً ﴿وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاؤك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلاّ أساطير الأولين﴾ يعني حكاياتهم إسطورة وإسطارة. وقال بعض أهل اللغة: هي التُّرَّات والأباطيل والبسابس وأصلها من سطرت أي كتبت ﴿وهم ينهون عنه ویناؤن عنه﴾ . قال مقاتل: نزلت في أبي طالب وإسمه عبد مناف وذلك إن النبي ◌َّ كان عند أبي طالب يدعو إلى الإسلام فاجتمعت قريش إلى أبي طالب يريدون سوءاً بالنبي وَّ، فقال أبو طالب: حتى أوسّد في التراب دفينا واللّه لن يصلوا إليك بجمعهم. وابشر بذلك وقر منك عيونا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ولقد صدقت وكنت ثم سببا ودعوتني وزعمت إنك ناصحي من خير أديان البرية دينا وفرضت ديناً لا محالة إنه ١٤٢ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي لولا الملامة أو حذاري سـبـة لوجدتني سمحاً بذاك مبينا (١) فأنزل الله تعالى ﴿وهم ينهون عنه وَينؤنَ عنه﴾ أي يمنعون الناس عن أذى النبي ◌َّر ويناؤن عنه أي يبتعدون عما جاء له من الهدي فلا يصدقونه وهذا قول القاسم بن محمد وعطاء ابن دينار وإحدى الروايتين عن ابن عباس وعن محمد بن الحنفية والسدي والضحّاك قالوا: نزلت في جملة کفار مكة يعني وهم ینهون الناس عن إتباع محمد والإيمان به ويتباعدون بأنفسهم عنه. قال مجاهد: وهم ينهون عنه قريشاً ينهون عن الذكر ويتباعدون عنه. وقال قتادة: وينهون عن القرآن وعن النبي وَلّ ويتباعدون عنه ﴿وإن يهلكون إلاّ أنفسهم) لأن أوزار الذين يصدونهم عليهم ﴿وما يشعرون﴾ إنما كذلك ﴿ولو ترى﴾ يا محمد ﴿إذ وقفوا) حبسوا ﴿على النار﴾ يعني في النار كقوله: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾(٢) يعني في ملك سليمان. وقرأ السميقع ﴿إذ وقفوا﴾ بفتح الواو والقاف من الوقوف والقراءة الأولى على الوقف. فقال: وقفت بنفسي وقوفاً ووقفتم وقفاً، وجواب لو محذوف معناه لو تراهم في تلك الحالة لرأيت عجباً(٣) ﴿فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين﴾ قرأه العامة ويكون بالرفع على معنى يا ليتنا نرد ونحوَ لا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين أردنا أم لم نرد. وقرأ ابن أبي إسحاق وحمزة: ولا نكذب وتكون نصباً على جواب التمني، والعرب تنصب جواب التمني بالواو كما تنصبه بالفاء. وقرأ ابن عامر: نرد ولا نكذب: بالرفع، ونكون: بالنصب قال: لأنهم تمنوا الرد وأن يكونوا من المؤمنين واخبروا أنهم لا يكذبون بآيات ربهم إن ردّوا إلى الدنيا ﴿بل بدا﴾ ظهر ﴿لهم ما كانوا يخفون﴾ يسترون في الدنيا من كفرهم ومعاصيهم. وقال السدي إنهم قالوا: ﴿والله ربنا ما كنّا مشركين﴾ فذلك إخفاؤهم ﴿من قبل﴾ فأنطق الله عز وجل جوارحهم فشهدت عليهم بما كتموا فذلك قوله عز وجل ﴿بل بدا لهم﴾ وهذا أعجب إلي من القول الأول لأنهم كانوا لا يخفون كفرهم في الدنيا إلاّ أن تجعل الآية في المنافقين . قال المبرد: بدا لهم (جزاء ما كانوا يخفون من قبل) (٤). (١) تفسير القرطبي: ٦ / ٤٠٦. (٣) راجع تفسير القرطبي: ٦ / ٤٠٨. (٤) راجع زاد المسير: ٣ / ١٩. (٢) سورة البقرة: ١٠٢. ١٤٣ سورة الأنعام، الآيات: ٢٩ - ٣٥ وقال النضر بن شميل: معناه بل بدا [لعنهم]، ثم قال ﴿ولو ردوا﴾ إلى الدنيا ﴿لعادوا لما نهوا عنه﴾ من الكفر ﴿وإنهم لكاذبون﴾ في قولهم: لو ردونا إلى الدنيا لم نكذب بآيات ربنا وكنا من المؤمنين . (٢٩) وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِّهِمَّ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا وَقَالُواْ إِنْ هِىَ إِلَّ حَيَانُنَا الذَِّا وَمَا نَحْنُ بِعَبْعُوثِينَ بَلْحَقّ قَالُواْ بَى وَرَبِّاً قَالَ فَذُوقُواْ أَلْعَذَابَ بِمَّا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (٣) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِقَاء اَللَّهِ حَتَّى إِذَا ◌َّهُمُ الْتَاعَةُ بَعْتَةً قَالُواْ يَحَسْعَنَا عَى مَا فَرَّطْنَا فِيَهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَآءُ مَا يَزِرُونَ (٢) وَمَا الْحَيَوَةُ الذُّنْيَا إِلَّ لَعِبٌ وَأَهْوٌّ وَلَكَذَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَِّذِينَ يَنَّقُونُّ أَفَلَا تَمْقِلُونَ (٣٦) قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَخْزُنُكَ الَّذِى يَقُولُونَّ فَإِنَهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَِّنَّ ثَابَتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣) وَلَقَدْ كَذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوَدُواْ حَتّىَ أَنَّهُمْ نَقْنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِ لّهِ وَلَقَدْ جَآءَ مِن نَّبَإِىِ الْمُرْسَلِينَ وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ أَسْتَطَغْتَ أَنْ تَبْتَغِىَّ نَفَقَّا فِى اُلْأَرْضِ أَوْ سُلَّمَا فِىِ السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ ٣٤٦) بِثَايَةٍ وَلَوَّ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىَّ فَلَا تَكُوَنَّ مِنَ الْجِهِلِينَ ٣٥ ﴿وقالوا إن هي إلاّ حياتنا الدنيا﴾ فيه تقديم وتأخير، وكان عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يقول: هذا من قولهم: لو ردوا لقالوا ﴿وما نحن بمبعوثين﴾ بعد الموت ﴿ولو ترى إذ وقفوا على .... ](١) فهم [وتكلمنا اليدين] بأمر الله ﴿قال أليس هذا﴾ ربهم﴾ قيل: على حكم الله [ .. العذاب ﴿بالحق قالوا بلى وربنا﴾ إنّه حق ﴿قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون﴾. أي بكفركم ﴿قد خسر﴾ وكس وهلك ﴿الذين كذبوا بلقاء الله﴾ بالبعث بعد الموت ﴿حتى إذا جاءتهم الساعة﴾ القيامة، ﴿بغتة﴾ فجأة ﴿قالوا يا حسرتنا﴾ ندامتنا ﴿على ما فرّطنا﴾ قصرّنا ﴿فيها﴾ في الطامة، وقيل: تركنا في الدنيامن عمل الآخرة. وقال محمد بن جرير: الهاء راجعة إلى الصفقة، وذلك إنه لما تبين لهم خسران صفقتهم بيعهم الإيمان بالكفر والدنيا بالآخرة، قالوا: يا حسرتنا على ما فرطنا فيها، أي في الصفقة فترك ذكر الصفقة كما يقول ﴿قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله﴾ لأن الخسران لا يكون إلاّ في صفقة (٢) بيع (٢). قال السدي: يعني على ما ضيعنا من عمل الجنة، يدل عليه ما روى الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد عن النبي - 18 في هذه الآية قال: ((يرى أهل النار منازلهم من الجنة فيقولون: يا حسرتنا)) [١٣١] ﴿وهم يحملون أوزارهم﴾ آثامهم وأفعالهم. (١) كلام غير مقروء. (٢) جامع البيان: ٧ / ٢٣٦. ١٤٤ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي قال أبو عبيد: يقال للرجل إذا بسط ثوبه فجعل فيه المتاع: إحمل وزرك ووزرتك واشتقاقه من الوزر الذي يعتصم به ولهذا قيل: وزر لأنّه كأنّه الذي يعتصم به الملك أو النبي ومنه قوله تعالى ﴿واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي﴾(١) ﴿على ظهورهم﴾. قال السدي وعمرو بن قيس الملائي: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيب ريحاً، يقول: هل تعرفني؟ يقول: لا، إلاّ أن اللّه عز وجل قد طيب ريحك وحسّن صورتك، فيقول: كذلك كتب في الدنيا أنا عملك الصالح طال ما ركبتك في الدنيا فاركبني اليوم أنت. وقرأ ﴿يوم يحشر المتقين إلى الرحمن وفداً﴾ أي ركباناً، فإن الكافر تستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحاً فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا إلاّ أن الله عز وجل قد قبح صورتك وأنتن ريحك، فيقول: لما كان عملك في الدنيا، أنا عملك السيء طالما ركبتني في المساء فأنا أركبك اليوم وذلك قوله ﴿وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون﴾. قال الزجاج: لا يزر إليهم أوزارهم، كما يقول الضحّاك: نصب عيني وذكرك محيي قلبي ﴿ألا ساء ما يزرون﴾ أي يحملون ويعملون ﴿وما الحياة الدنيا إلاّ لعب ولهو﴾ باطل وغرور لا يبقى، وهذا تكذيب من اللّه للكفار في قولهم ﴿ما هي إلاّ حياتنا الدنيا﴾ الآية ﴿وللدار الآخرة﴾ قرأتها العامة رفعاً على نعت الواو، وإضافة أهل الشام لاختلاف اللفظين كقوله: ربيع الأول، ومسجد الجامع ﴿وحب الحصيد﴾(٢) سميت الدنيا لدنوّها، وقيل: لدناءتها وسميت الآخرة لأنها بعد الدنيا ﴿خير للذين يتقون﴾ من الشرك ﴿أفلا تعقلون﴾ أي الآخرة أفضل من الدنيا ﴿قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون﴾ الآية. قال السدي: إلتقى الأخفش بن شريق وأبو جهل بن هشام فقال الأخفش لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب، فإنه ليس ها هنا أحد يسمع. كلامك غيري؟ فقال له أبو جهل: والله إن محمداً لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش، فأنزل الله عز وجل هذه الآية. وقال أبو يزيد المدني: لقي رسول اللّه ◌َ ل﴿ أبا جهل فصافحه فلقيه بعض شياطينه فقال له: يأتيك تصافحه؟ قال: والله إني أعلم إنه لصادق ولكنا متى كنا تبعاً لعبد مناف، فأنزل الله عز وجل هذه الآية. (١) سورة طه: ٢٩ / ٣٠. (٢) سورة ق: ٩. ١٤٥ سورة الأنعام، الآيات: ٢٩ - ٣٥ وقال ناجية بن كعب: قال أبو جهل للنبي ◌ّو: ما نتهمك ولا نكذبك ولكن نتهم الذي جئت به ونكذبه، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية. وقال مقاتل: نزلت في الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصي كان يكذب النبي ◌َّ﴾ في العلانية فإذا خلا مع أهل بيته قال: ما محمد من أهل الكذب فلا أحسبه إلاّ صادقاً، وقال للنبي وَل: إنا لنعلم إن الذي له حق وإنه لا يمنعنا أن نتبع الهدى معك إلاّ مخافة أن يتخلفنا البأس من أرضنا. يعني العرب فإنا [ثمن](١) أكلة رأس ولا طاقة لنا بهم [١٣٢] فأنزل اللّه عز وجل هذه الآية ﴿قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون﴾ بأنك كاذب وساحر ومجنون ﴿فإنهم لا يكذبونك﴾ أي لا ينسبونك إلى الكذب ولا يقولون لك: كذبت. وقرأ نافع والكسائي: يكذبونك بالتخفيف وهي قراءة علي رضي الله عنه يعني: ولا يجدونك كاذباً، يقول العرب: أجدبت الأرض وأخصبتها وأحييتها وأهجتها إذا وجدتها جدبة وخصبة ويعيدوا ناتجة للنبات. قال رؤبة : وأهيج الخلصاء من ذات البرق(٢) أي وجدتها ناتجة للنبات. قال الكسائي: يقول العرب: أكذبت الرسل إذا أخبرت إنه قول الكذب فرواه وكذبته إذا أجزت إنه كاذب ﴿ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ولقد كذبت رسل من قبلك﴾ [تسلية نبيه] يقولون: كذبهم قومهم كما كذبتك قريش ﴿فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات اللّه﴾ قال الكلبي: يعني القرآن. وقال عكرمة: يعني قوله ﴿ولقد سبقت كلمتنا ولا مبدل لكلمات الله﴾ إلى قوله: ﴿الغالبون﴾ وقوله: ﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا﴾(٣) وقوله تعالى ﴿كتب الله لأغلبن أنا ورسلي﴾(٤) العدل يعني لأخلفهما لعذابه ﴿ولقد جاءك من نبأ المرسلين﴾ من قبل كما يقول: أصابنا من مطر أي مطر. ﴿وإن كان كبر عليك إعراضهم﴾ قال الكلبي: قال الحرث بن عامر: يا محمد إئتنا بآية كما كانت الأنبياء تأتي بها فإن أتيت بها آمنا بك وصدقناك، فأبى اللّه أن يأتيهم بها فأعرضوا عنه (١) كذا يظهر في المخطوط. (٢) الصحاح: ١ / ٣٥٢. (٣) سورة غافر: ٥١ . (٤) سورة المجادلة: ٢١. ١٤٦ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي وكبر عليه وَّ فأنزل الله عز وجل ﴿وإن كان كبر﴾ عظم وضاق ﴿عليك إعراضهم﴾ عنك ﴿فإن إستطعت أن تبتغي﴾ تطلب وتتخذ ﴿نفقاً﴾ سرباً ﴿في الأرض﴾ مثل نافقا اليربوع وهو أحد حجرته فيذهب فيه ﴿أو سلّماً﴾ درجاً ومصعداً إليّ ﴿في السماء﴾ يصعد فيه. قال الزجاج: السلم من السلامة وهو الذي يسلمك إلى مصعدك ﴿فتأتيهم بآية﴾ فافعل ﴿ولو شاء الله لجمعهم على الهدى﴾ فآمنوا كلّهم ﴿فلا تكونن من الجاهلين﴾ أن يؤمن بك بعضهم دون بعض وإن اللّه لو شاء لجمعهم على الهدى، وإن من يكفر إنما يكفر بسائر علمه فيه . وَقَالُواْ لَوَلَا نُزِلَ عَلَيْهِ ءَيَّةٌ مِّنَ ٥ إنََّا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْنَّ يَبْعَثُهُمُ الْلَهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ زَّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرُ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ مَايَّةً وَلَكِنَّ أَسْكِثَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦) وَمَا مِنْ دَآَبَّةٍ فِىِ الْأَرْضِ وَلَا طَيْرٍ بَطِيرُ بِنَّاخَيْهِ إِلَّ أُمُّ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطَنَا فِ الْكِتَبِ مِنْ شَىْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِهِمْ يُخْشَرُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ ◌ِشَايَِّنَا صُ وَبُكْمٌ فِ اَلُّلُمَتِّ مَن يَشَدِ اللَّهُ يُضْلِلَهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلَهُ عَلَى صِرَّطِ مُسْتَقِيمٍ ) قُلْ ٣٩ أَرَّهَ يَتَكُمْ إِنْ أَتَنَّكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَنَّكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ الَّهِ تَدْعُونَ إِن كُمْ صَدِقِينَ (٢٦) بَلْ إِنَّهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيَّهِ إِن شَآءَ وَتَنْسَوَّنَ مَا تُشْرِكُونَ (١٦) وَلَقَدْ أَرَسَلْنَا إِلَىَّ أُمَِّ مِنِ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَهُم بِالْبَأْسَاِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ بَضَُّونَ ﴿ فَلَوَّلَا إِذْ جَآءَهُم بَأَسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِنْ فَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَّ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (٣) فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآَ ٤٥ أُوتُواْ أَخَذّنَهُمْ بَغْتَهُ فَإِذَا هُمْ غُّبْلِمُونَ ﴿٨) فَقُطِعَ دَائِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمَّدُ لِلَّهِ رَبِ الْعَلَمِينَ ﴿إنما يستجيب الذين يسمعون﴾ يعني المؤمنين الذين يسمعون الذكر فيتبعونه وينتفعون به دون من ختم اللّه على سمعه فلا يصغي إلى الحق ﴿والموتى﴾ يعني الكفار ﴿يبعثهم الله﴾ مع الموتى ﴿ثم إليه يرجعون وقالوا﴾ يعني الحرث بن عامر وأصحابه. ﴿لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ حالهم في نزولها ﴿وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه﴾ على التأكيد، كما يقال: أخذت بيدي، مشيت برجلي ونظرت بعيني . ﴿إلا أمم أمثالكم﴾ يعني بعضهم من بعض والناس أمة والطير أمة والسباع أمة والدواب أمة، وقيل: إلّ أمم أمثالكم جماعات أمثالكم. وقال عطاء: أمثالكم في التوحيد [ومعرفة اللّه] وقيل: إلاّ أمم أمثالكم في التصور والتشخيص ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ يعني في اللوح المحفوظ ﴿ثم إلى ربهم يحشرون﴾ . قال ابن عباس، والضحّاك: حشرها: موتها . ١٤٧ سورة الأنعام، الآيات: ٣٦ - ٤٥ وقال أبو هريرة: في هذه الآية يحشر اللّه الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطيور وكل شيء فيبلغ من عذاب الله يومئذ أن يأخذ الجماء من القرناء ثم يقول: كوني تراباً فعند ذلك ﴿يقول الكافر يا ليتني كنت تراباً﴾(١). وقال عطاء: فإذا رأوا بني آدم وما فيه من الجزية، قلت الحمد لله الذي لم يجعلنا مثلكم فلا جنة نرجو ولا ناراً نخاف، فيقول الله عز وجل لهم كونوا تراباً فحينئذ يتمنى الكافر أن يكون تراباً . وعن أبي ذر قال: بينا أنا عند رسول اللّه ◌َ ﴿ إذا انتطحت عنزان فقال النبي تليفون: ((أتدرون فيما إنتطحا))(٢) [١٣٣] قالوا: لا ندري، قال: لكن اللّه يدري ويقضي بينهما ﴿والذين كذبوا بآياتنا﴾ محمد والقرآن ﴿صم﴾ لا يسمعون الخبر ﴿وبكم﴾ لا يتكلمون، الخبر ﴿في الظلمات﴾ في ظلالات الكفر ﴿من يشأ الله يضلله﴾ يموتون على كفرهم ﴿ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم﴾ قائم وهو الإسلام ﴿قل أرءيتكم﴾ أي هل رأيتم والكاف فيه للتأكيد، ﴿إن أتاكم عذاب الله﴾ يوم بدر وأحد والأحزاب وحنين، ﴿أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون﴾ في صرف العذاب، ﴿إن كنتم صادقين﴾ ثم قال ﴿بل إياه تدعون﴾ تخلصون ﴿فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون﴾ تتركون ﴿ما تشركون ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك﴾ فكفروا ﴿فأخذناهم بالبأساء﴾الفقر والجوع ﴿والضراء﴾ المرض والزمانة ﴿لعلهم يتضرعون﴾ يؤمنون ويتوبون ويخضعون ويخشعون . ﴿فلولا إذا جاءهم بأسنا﴾ عذابنا ﴿تضرعوا﴾ فآمنوا فكشف عنهم ﴿ولكن قست قلوبهم · وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون﴾ من الكفر والمعصية ﴿فلما نسوا ما ذكروا به﴾ أي أنكروا ما عظوا وأمروا به ﴿فتحنا عليهم أبواب كل شيء﴾ أي بدلناهم مكان البلاء والشدة بالرخاء في العيش والصحة في الأبدان ﴿حتى إذا فرحوا﴾ أعجبوا ﴿بما أوتوا أخذناهم بغتة﴾ فجأة امن ما كانوا بالعجب ما كانت الدنيا لهم، ﴿فإذا هم مبلسون﴾ يئسون من كل خير. قال السدي: هالكون، ابن كيسان: خاضعون، وقال الحسن: منصتون. وقرأ عبد الرحمن السلمي: مبلسون بفتح اللام مفعولا بهم أي مؤيسون. وأصل الإبلاس الإطراق من الحزن والندم. وقال مجاهد: الإبلاس الفضيحة. وقال: إبن زيد المبلس الذي قد نزل به الشر الذي لا يدفعه . (١) سورة النبأ: ٤٠. (٢) جامع البيان: ٧ / ٢٤٨. ١٤٨ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي قال جعفر الصادق: فلما نسوا ما ذكروا به من التعظيم فتحنا عليهم أبواب كل شيء من النعم حتى إذا فرحوا بما أوتوا من الترفيه والتنعيم جاءتهم بغتة إلى سوء الجحيم ﴿فقطع دابر القوم﴾ قال السدي: أصل القوم. قال قطرب: أخذهم يعني استؤصلوا وأهلكوا ﴿الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين﴾ على إهلاكهم . روى عقبة بن عامر عن النبي 8ّ* قال: ((إذا رأيت اللّه أعطى العباد ما يشاؤن على معاصيهم فإنما ذلك استدراج منه لهم)) (١) [١٣٤]. ثم تلا هذه الآية ﴿فلما نسوا ما ذكروا به﴾ الآية . قُلُّ أَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اَللَّهُ سَمْمَكُمْ وَأَبْصَثَرَّكُمْ وَخَلَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنَّ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ بَأْتِيَكُمْ بِهِ أَنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِفُ الْأَبَتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ﴿ قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَنَنَكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْنَةً أَوْ جَهْرَةٌ هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ اَِّمُونَ (١٧) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِنَ وَمُنذِرِينٌّ فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَخْرَُّونَ (٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا يَمَنُّهُمُ الْعَذَّابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴿ قُل لََّ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِى خَرَابِلُ اللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ مَكٌ إِنْ أَنَّبِعُ إِلَّ مَا يُوحَى إِلَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَاَلْبَصِيرُ ] وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُواْ إِلَى رَيْهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِىٌّ وَلَا شَفِيَعُ أَفَلاَ تَشَفَكُرُونَ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴿ وَلَا تَظْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَّهُم بِالْغَدَوْمِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجَهَهُ مَا عَلَتْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّنَ شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَائِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ فَتَطَرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَِّينَ [٥] وَكَذَلِكَ فَتَنَا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوَاْ أَهَؤُلَاءِ مَّنَ اللَّهُ عَلَيْهِمِ مِنْ بَيْنِنَّاً أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّكِِّنَ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ ٥٣ ◌ِجَارَكِنَا فَقُلْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ كُتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةُ أَنَّهُ مَّنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بَحَهَدَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٨َ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْأَبَتِ وَلِتَسْنَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥) قُلْ إِّ ◌ُهِيْثُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قُلِ لَّ أَنَّعُ أَهْوَكُمُّ فَدْ ضَلَلْتُ إِذَّا وَمَّ أَنَّا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ثُلْ إِلَى عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ زَّبِى وَكَأَنْتُم بِهِّ مَا عِنْدِى مَا تَسْتَعْعِظُونَ بِْ إِنِ اَلْشُّكُمُ إِلَّ بِّهِ يَثُعُمِ قُل لَّوْ أَنَّ ◌ِنْدِى مَا نَسْتَعِْلُونَ بِهِ، لَقُضِىَ اْلْأَمْرُ بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ اُلْحَقِّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَّصِلِينَ ( بِالظَّالِمِينَ ! ٥٨ ﴿قل أرأيتم إن أخذ اللّه سمعكم وأبصاركم﴾ فذهب بها ﴿وختم على قلوبكم﴾ وطبع عليها يعني لا يفقهوا قولاً ولا يبصروا حجة ﴿من إله غير الله يأتيكم به﴾ يعني بما أخذ منكم ﴿أنظر كيف نصرف﴾ نبين ﴿لهم الآيات ثم هم يصدفون﴾ يعرضون عنها مكذبين بها ﴿قل أرأيتكم إن (١) تفسير القرطبي: ٦ / ٤٢٦. ١٤٩ سورة الأنعام، الآيات: ٤٦ - ٥٨ أتاكم عذاب الله بغتة﴾ فجأة ﴿أو جهرة﴾ معاينة ورؤية [على ما أشركوا] ﴿هل يهلك﴾ بالعذاب ﴿إلاّ القوم الظالمون﴾ المشركون ﴿وما نرسل المرسلين إلّ مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح﴾ العمل ﴿فلا خوف عليهم﴾ حين يخاف أهل النار ﴿ولا هم يحزنون﴾ إذا حزنوا ﴿والذين كذبوا بآياتنا﴾ بمحمد والقرآن ﴿يمسهم﴾ يصيبهم ﴿العذاب بما كانوا يفسقون﴾ يرتكبون ﴿قل لا أقول لكم عندي خزائن اللّه﴾ يعني رزق الله ﴿ولا أعلم الغيب﴾ ما يخفى عن الناس ﴿ولا أقول لكم إني ملك﴾ فتنكرون قولي وتجحدون أمري ﴿إن أتبع إلاّ ما يوحى إليّ﴾ وذلك غير منكر ولا مستحيل في العقل مع وجود الدلائل والحجة البالغة ﴿قل هل يستوي الأعمى والبصير﴾ الكافر والمؤمن والضال والمهتدي ﴿أفلا تتفكرون﴾ لا يستويان ﴿وأنذر﴾ خوّف ﴿به﴾ بالقرآن. قال الضحّاك: به أي باللّه ﴿الذين يخافون أن يحشروا﴾ يبعثوا ويحيوا ﴿إلى ربهم) وقيل: يعلمون أن يحشروا لأن خوفهم بما كان من عملهم ﴿ليس لهم من دونه﴾ من دون الله ﴿ولي﴾ يعني قريب ينفعهم ﴿ولا شفيع﴾ يشفع لهم ﴿لعلهم يتقون﴾ ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾ الآية، قال سليمان، وخباب بن الأرت: فينا نزلت هذه الآية. جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصين الفزاري وهم من المؤلفة قلوبهم فوجدوا النبي وَلّ قاعداً مع بلال وصهيب وعمار وخباب في ناس من ضعفاء المسلمين فلما رأوهم حوله حقروهم فأتوه فقالوا: يا رسول اللّه لو جلست في صدر المجلس ويغيب عنا هؤلاء وأرواح جبابهم . وكانت عليهم جباب من صوف لم يكن عليهم غيرها . لجالسناك وحادثناك وأخذنا عنك، فقال رسول اللّه وَله: ((ما أنا بطارد المؤمنين)) قالوا: فأنا نحب أن تجعل لنا منك مجلساً . تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن يرانا العرب مع هؤلاء الأعبد فإذا نحن جئناك فأقمهم وإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت، قال: نعم، قالوا: أكتب لنا بذلك كتاباً، قال: فدعانا لصحيفة ودعا علياً ليكتب. قال: ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبرئيل (عليه السلام) بقوله ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾ إلاّ بشيء فألقى رسول اللّه ◌َلقر الصحيفة من يده ثم دعانا فأتيناه وهو يقول: سلام عليكم ﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾(١) فكنا نقعد معه فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا فأنزل الله عز وجل هذه الآية ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم) الآية، قال: وكان رسول اللّهِ وَلّ يقعد معنا بعمد وندنوا منه حتى كادت رِكبنا تمسّ ركبه فإذا بلغ الساعة التي يقوم قمنا وتركناه حتى يقوم وقال: ((الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي [معكم المحيا ومعكم](٢) الممات)) [١٣٥](٣). (١) سورة الأنعام: ٥٤. (٣) جامع البيان: ١٥ / ٢٩٤. (٢) التقويم من المصدر. ١٥٠ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي وقال الكلبي: قالوا له: إجعل لنا يوماً ولهم يوم، قال: لا أفعل، قالوا: فاجعل المجلس واحداً وأقبل إلينا وولّ ظهرك عليهم فأنزل الله تعالى هذه الآية. وروى الأشعث بن سواد عن إدريس عن عبد اللّه بن مسعود قال: مرّ الملأ من قريش على رسول اللّه وَله، صهيب وخباب وبلال وعمار وغيرهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك؟ أفنحن نكون تبعاً لهؤلاء أهؤلاء الذين قال: منّ الله عليهم من بيننا، أطردهم عنك، فلعلك إن طردتهم إتبعناك، فأنزل اللّه تعالى ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم) الآية، قال: بها قد قالت قريش: لولا بلال وابن أم عبد لتابعنا محمداً فأنزل الله عز وجل هذه الآية. وقال عكرمة: جاء عتبة بن ربيعة وشيبة بن أمية ومطعم بن عدي والحرث بن نوفل وقرظة ابن عبد وعمرو بن نوفل في أشراف بني عبد مناف من أهل الكفر إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب لو أن ابن أخيك محمداً يطرد عنه موالينا وحلفاءنا فإنهم عبيدنا كان أعظم في صدورنا وأطوع له عندنا وأدنى لاتّباعنا إيّاه. وتصديقنا له فأتى أبو طالب النبي ◌َّ فحدثه بالذي كتموه، فقال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه): لو فعلت ذلك حتى ننظر ما الذي يريدون وإلى ما يصيرون فنزلت من قولهم هذه الآية فلما نزلت أقبل عمر بن الخطاب واعتذر من مقالته. وقال جبير بن نفيل: إن قريشاً أتوا رسول اللّه وقل﴾ فقالت: أرسلت إلينا فاطرد هؤلاء السقاط عنك فنكون أصحابك فأنزل الله تعالى ﴿ولا تطرد﴾ الآية. قال ابن عباس: يدعون ربهم يعني يعبدون ربهم بالصلاة المكتوبة بالغداة والعشي يعني صلاة الصبح وصلاة العصر، وذلك إن ناساً من الفقراء كانوا مع النبي ◌ّ فقال قوم من الأشراف: إذا صلّينا فأخّر هؤلاء وليصلوا خلفنا، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ﴿ولا تطرد الذين﴾ الآية. وقال حمزة بن عيسى: دخلت على الحسن فقلت له: يا أبا سعيد أرأيت قول الله تعالى ﴿ولا تطرد الذين آمنوا﴾، قال: لا ولكنهم المحافظون على الصلوات في الجماعة. وقال مجاهد: صليت الصبح مع سعيد بن المسيب (رضي الله عنه) فلما سلم الإمام، ابتدر الناس القاص، فقال سعيد ما أسرع الناس إلى هذا المجلس. فقال مجاهد: فقلت: يتأوّلون قول الله عز وجل ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، فأراد في هذا هو إنما ذلك في الصلاة التي انصرفا عنها الآن، وقلنا إنهم يذكرون ربهم . وقال أبو جعفر: يعني يقرأون القرآن ﴿يريدون وجهه﴾ جواب لقوله ﴿ما عليك من حسابهم ١٥١ سورة الأنعام، الآيات: ٤٦ - ٥٨ من شيء﴾(١) وقوله ﴿فتكون﴾ جواب لقوله ولا تطرد لا أحد هو جواب نفي واللّه جواب النهي ﴿من الظالمين﴾ من الضارين لنفسك بالمعصية والنفس الطرد في غير موضعه ﴿وكذلك فتنا بعضهم ببعض﴾ التعريف الوضيع والعرفي بالمولى والغني الآية ﴿ليقولوا﴾ يعني الأشراف الأغنياء ﴿أهؤلاء﴾ يعني الفقراء والضعفاء ﴿منّ الله عليهم من بيننا﴾ قال الكلبي: كان الشريف إذا نظر إلى الوضيع قد آمن قبله حمى أنفاً أن يسلم ويقول: سبقني هذا بالإسلام فلا يسلم ﴿أليس الله بأعلم بالشاكرين﴾ يعني المؤمنين وهذا جواب لقوله ﴿أهؤلاء من الله عليهم من بيننا﴾ وقيل: أليس الله أعلم بالشاكرين، من يشكر على الإسلام إذا هديته له. العلاء بن بشير عن أبي بكر الناجي عن أبي سعيد الخدري قال: كنت في عصابة فيها ضعفاء المهاجرين، وإن بعضهم يستر بعضاً من العري وقارىء يقرأ علينا ونحن نستمع إلى قراءته فقال النبي ◌َّلهم حتى قام علينا فلما رأى القارىء سكت، فسلم وقال: ما كنتم تصنعون؟ قلنا: يا رسول اللّه كان قارىء يقرأ علينا ونحن نستمع إلى قراءته، فقال النبي ◌ّر: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أُصبر نفسي معهم ثم جلس وسطنا ليعدل نفسه فينا ثم قال هكذا بيده هكذا، فحلق القوم وبرزت وجوههم فلم يعرف رسول اللّه ◌َ ﴾ منهم أحداً وكانوا ضعفاء المهاجرين. فقال النبي ◌َله: ((أبشروا صعاليك المهاجرين بالفوز التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل أغنياء المؤمنين بنصف يوم مقداره خمس مائة سنة))(٢) [١٣٦]. هشام بن سليمان عن أبي يزيد الرقاشي عن أنس قال: قال النبي وَّهو: (يا معشر الفقراء إن اللّه رضي لي أن أتأسى بمجالسكم وأن اللّه معنا فقال: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾ فإنها مجالس الأنبياء قبلكم والصالحين)) [١٣٧](٣). معاوية بن مرّة عن عائذ بن عمرو: أن سلماناً وصهيباً وبلالا كانوا قعدوا فمر بهم أبو سفيان فقالوا له: ما أخذت سيوف الله من عنق عدو اللّه مأخذها بعد. فقال لهم أبو بكر (رضي الله عنه): تقولون هذا الشيخ قريش وسيّدها ثم أتى رسول اللّه ◌ُ ل﴾ فقال: ((يا أبا بكر لعلك أغضبتهم إن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك)) فوقع أبو بكر فيهم فقال: لعلي أغضبتكم؟ قالوا: لا يا أبا بكر يغفر الله لك (٤) . ﴿وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا﴾ إختلفوا فيما نزلت هذه الآية. فقال عكرمة: نزلت في الذين نهى الله عز وجل نبيه وَّل عن طردهم وكان النبي ◌َّ إذا رآهم بدأهم بالسلام وقال: سورة الأنعام: ٥٢. (١) (٢) تهذيب الكمال: ٢٢ / ٤٧٨. (٣) كنز العمال: ٦ / ٤٨٤ ح ١٦٦٥٤. (٤) سنن النسائي: ٥ / ٧٥ ح ٨٢٧٧. ١٥٢ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي ((الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام)) [١٣٨](١). وقال الكلبي: لما نزلت هذه الآية ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم﴾ جاء عمر (رضي الله عنه) للنبي وَّ﴿ فاعتذر إليه من مقالته واستغفر الله تعالى منها، وقال: يا رسول الله ما أردت بهذا إلّ الخير فنزل في عمر (رضي الله عنه) ﴿وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم﴾ الآية. وقال عطاء: نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبلال وسالم وأبي عبيدة وصهيب بن عمير وعمر وجعفر وعثمان بن مظعون وعمار بن ياسر، والأرقم بن الأرقم وأبي سلمة بن الأسد رضي اللّه عنهم أجمعين. وقال أنس بن مالك (رضي الله عنه) عنه: أتى رسول اللّه و #* رجال فقالوا: إنا أصبنا ذنوباً كثيرة عظيمة فسكت عنهم رسول اللّه وَّليل فأنزل الله على الرجال الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم ﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة إنه من عمل منكم سوءاً بجهالة﴾ قال مجاهد: لا يعلم حلالاً من حرام ومن جهالته ركب الأمر وكل من عمل خطيئة فهو بها جاهل، وقيل: جاهل بما يورثه ذلك الذنب، يقال: جهل حين آثر المعصية على الطاعة ﴿ثم تاب من بعده﴾ فرجع عن دينه ﴿وأصلح﴾ عمله، وقيل: أخلص توبته ﴿فإنه غفور رحيم﴾ واختلف القراء في قوله تعالى ﴿إنه﴾ [الكوفيون] بفتح الألف منهما جميعاً. إبن كثير والأعمش وابن عمر وحمزة والكسائي على الإستئناف، ونصبها الحسن وعاصم ويعقوب بدلاً من رحمة، وفتح أهل المدينة الأولى على معنى وكتب إنّه وكسروا الثانية على الاستئناف لأن ما بعدها لا يخبر أبداً ﴿وكذلك﴾ أي هكذا، وقيل: معناه وفصلنا لك فى هذه السورة والآية. وجاء في أعلى المشروح في المنكرين من كذلك ﴿نفصل الآيات﴾ أي نميز ونبين لك حجتنا وأدلتنا في كل من ينكر أهل الباطل ﴿ولتستبين سبيل المجرمين﴾ مرّ رفع السبيل ومعناه وليظهر وليتضح طريق المجرمين. يقال بأن الشيء وأبان وتبيان وتبين إذا ظهر ووضح والسبيل يذكر ويؤنث، فتميم تذكر، وأهل الحجاز يؤنثه، ودليل المذكر قوله عزّ وجل ﴿وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً﴾ ﴿وإن يروا سبيل الغيّ يتّخذوه سبيلا﴾ ودليل التأنيث قوله تعالى ﴿لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجاً﴾ وقوله عز وجل ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة﴾ ولذلك قرأ ولتستبين بالياء والتاء، وقرأ أهل المدينة ولتستبين بالتاء، سبيل بالنصب على خطاب النبي وَلامعناه ولتستبين يا محمد سبيل المجرمين، يقال واستبين الشيء وتبينته إذا عرفته ﴿قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون اللّه قل لا أتّبع أهواءكم﴾ في عبادة الأوثان وطرد بلال وسلمان ﴿قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين﴾ يعني إن فعلت ذلك فقد تركت سبيل الحق وسلكت غير الهدى. (١) أسباب النزول للواحدي: ١٤٧ . ١٥٣ سورة الأنعام، الآيات: ٥٩ - ٦٧ وقرأ يحيى بن وثاب [وأبو رجاء]: قد ضللت، بكسر اللام وهما لغتان ضلّ يضلّ مثل قلّ يقلّ. وضلّ يضلّ مثل ملّ يملّ، والأولى هي الأصح والأفصح لأنها لغة أهل الحجاز ﴿قل إني على بينة﴾ بيان وبرهان وبصيرة وحجة ﴿من ربي وكذبتم به﴾ أي بربي ﴿ما عندي ما تستعجلون به﴾ يعني العذاب، نزلت في النضر بن الحرث ﴿إن الحكم﴾ ما القضاء ﴿إلا لله يقص الحق﴾ قرأ أهل الحجاز، وعاصم يقص الحق بالصاد المشددة أي يقول الحق قالوا: لأنه مكتوب في جميع المصاحف بغير ياء ولأنه قال الحق فإنما يقال قضيت بالحق. وقرأ الباقون: بالضاد أي يحكم بالحق دليله قوله ﴿وهو خير الفاصلين﴾ والفصل جلب القضاء، والقرّاء إنما حذفوا الياء للإستثقال ثم [ ... ] كقوله ﴿صال الجحيم﴾(١) وقوله ﴿يمحو الله ما يشاء﴾(٢) و﴿فما تغن النذر﴾(٣) ﴿سندع الزبانية﴾ (٤) ونحوها وحذفوا الباء من الحق لأنه صفة المصدر فكأنه يقضي القضاء الحق . ﴿قل لو أن عندي﴾ بيدي ﴿ما تستعجلون به﴾ هو العذاب ﴿لقضي الأمر بيني وبينكم﴾ أي فرغ من العذاب وأهلكتم ﴿والله أعلم بالظالمين﴾. وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّ هُوَّ وَبَعْلَمُ مَا فِى أَلْبِّ وَالْبَحْرِّ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّ يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِ ظُلُّمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّ فِ كِتَبٍ مُِيِنِ ﴿ثَ وَهُوَ الَّذِى يَوَفَّكُمْ بِلَيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَحْتُم ◌ِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُغْضَىَّ أَجَلٌ مُّسَمَّىَ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿ وَهُوَ اَلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةٍ حَتَّىَ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ تَوَفَتْهُ رُسُلْنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ﴿٦َ ثُمَّ رُدُّوَاْ إِلَى اللَّهِ مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ أَلَّا لَهُ الْحَكِّمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْخَسِينَ (١٢) قُلْ مَن قُلِ اللَّهُ ◌ُجِّيَّكُم مِّنِ ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحِ تَدْعُونَهُ تَصَرُّهَا وَحُفْيَةً لَّبِنْ أَنْجَنْنَا مِنْ هَذِهِ لَتَكُوَنَّ مِنَ الشَّكِنَ يَُِّّكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٤َ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَّ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِن فَوْقِّكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِبِقَ بَعْضَلُ بَأْسَ بَعْضُِ أَنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ﴿ وَكَذَّبَ بِهِ، قَوْمُّكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَّكُمْ بِوَكِيلِ ﴿ إِكُلِّ نَمِ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلاّ هو﴾ المفاتح جمع المفتح. وقرأ ابن السميقع: بمفاتيح على جمع المفتاح، يعني ومن عنده معرفة الغيب وهو يفتح ذلك بلطفه، واختلفوا في مفاتيح الغيب. (١) سورة الصافات: ١٦٣. (٢) سورة الرعد: ٣٩. (٣) سورة القمر: ٥. (٤) سورة العلق: ١٨. ١٥٤ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي . إن الله عنده فروى عبد الله بن عمر إن النبي وَ ل قال: ((مفاتح الغيب خمس .. علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير))(١) [١٣٩]. وقال السدي: مفاتح الغيب خزائن الغيب. مقاتل، والضحّاك: يعني خزائن الأرض. وعلم نزول العذاب متى ينزل بكم. عطاء: يعني ما غاب عنكم من الثواب والعقاب وما يصير إليه أمري وأمركم، وقيل: هي الآجال ووقت انقضائها، وقيل: أحوال العباد من السعادة والشقاوة، وقيل: عواقب الأعمار وخواتيم الأعمال، وقيل: هي ما لم يكن بعد إنه يكون أم لا يكون وما يكون كيف يكون وما لا یکون أن لو کان کیف یکون. وقال ابن مسعود: أوتي نبيّكم علم كل شيء إلاّ مفاتيح الغيب ﴿ويعلم ما في البر والبحر﴾. قال مجاهد: البر القفار والبحر كل قرية فيها ماء ﴿وما تسقط من ورقة إلاّ يعلمها﴾ قال ابن عباس: ما شجرة في بر ولا بحر إلاّ وبها ملك وكّل يعلم من يأكل وما يسقط من ورقها وقل منكم عند ما بقي من الورق على الشجر وما سقط منها . وسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا بكر بن عبدوس يقول: معناه يعلم كما تقلبت ظهراً لبطن إلى أن سقطت على الأرض ﴿ولا حبة في ظلمات الأرض﴾ أي في بطون الأرض، وقيل: تحت الصخرة في أسفل الأرضين ﴿ولا رطب ولا يابس﴾ قال ابن عباس: الرطب الماء، واليابس البادية. وقال عطاء: يريد ما ينبت وما لا ينبت. وقال الحسن: يكتبه اللّه رطباً ويكتبه يابساً لتعلم يا بن آدم إن عملك أولى بها [من إصلاح] تلك الجنة. وقال: الرطب لسان المؤمن رطب بذكر اللّه، واليابس لسان الكافر لا يتحرك بذكر الله. وبما يرضي الله عز وجل. وقيل: هي الأشجار والنبات. وروى الأعمش عن أبي زياد عن عبد اللّه بن الحرث، فقال: ما في الأرض من شجرة ولا كمغرز إبرة إلّ عليهاملك وكل يأتي اللّه بعلمها ويبسها إذا يبست ورطوبتها إذا رطبت. محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن النبي ◌َّلير: ((ما من زرع على الأرض ولا ثمار (١) السنن الكبرى: ٤ /٤١١. ١٥٥ سورة الأنعام، الآيات: ٥٩ - ٦٧ على أشجار [ولا حبة في ظلمات الأرض](١) إلّ عليها مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم، رزق فلان ابن فلان وذلك قوله تعالى في محكم كتابه ﴿وما تسقط من ورقة إلّ يعلمها ولا حبة في في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس﴾))(٢) [١٤٠]. ﴿إلاّ في كتاب مبين * وهو الذي يتوفاكم بالليل﴾ أي يقبض أرواحكم في منامكم ﴿ويعلم ما جرحتم بالنهار﴾ وأصله من [جارحة] اليد. ثم قيل لكل عليك جارح أي عضو من أعضائه عمل ومنه [الزرع الجيد]، ويقال لا ترك اللّه له جارحاً أي عبداً ولا أمة يكسب له ﴿ثم يبعثكم﴾ أي ينشركم ويوقظكم ﴿فيه﴾ في النار ﴿ليقضي أجلٌ مسمىٍّ﴾ يعني أجل الحياة إلى الممات حتى ينقضي أثرها ورزقها . فقرأ أبو طلحة وأبو رجاء ﴿لنقضي﴾ بالنون المفتوحة أجلاً نصب، وفي هذا إقامة الحجة على منكري البعث يعني كما قدرت على هذا فكذلك أقدر على بعثكم بعد الموت. وقال: مكتوب في التوراة: يا ابن آدم كما تنام كذلك تموت وكما توقظ كذلك تبعث ﴿ثم إليه مرجعكم﴾ في الآخرة ﴿ثم ينبئكم﴾ يخبركم ويجازيكم ﴿بما كنتم تعملون وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة﴾ يعني الملائكة الذين يحفظون أعمال بني آدم وهو جمع حافظ، ونظيره قوله ﴿وإن عليكم لحافظين﴾(٣) قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه): ومن الناس من يعيش شقيّاً جاهل القلب، غافل اليقظة، فإذا كان ذا وفاء ورأى حذر الموت واتقى الحفظة، إنما الناس راحل ومقيم الذي راح للمقيم عظة ﴿حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا﴾ يعني أعوان ملك الموت يقبضونه ثم يدفعونه إلى ملك الموت ﴿وهم لا يفرطون﴾ لا يعصون ولا يضيعون. وقرأ عبيد بن عمر: لا يفرطون بالتخفيف معنى لا يجاوزون الحد ﴿ثم ردوا إلى اللّه﴾ يعني الملائكة وقيل: يعني العباد ﴿مولاهم الحق ألا له الحكم﴾ القضاء في خلقه ﴿وهو أسرع الحاسبين﴾ يعني لا يحتاج إلى رويّة ولا تقدير ﴿قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر﴾ إذا ضللتم الطريق وخفتم الهلاك ﴿تدعونه تضرعاً وخفية﴾ وقرأ عاصم: وخفية وهما لغتان. وقرأ الأعمش وخفية من الخوف كالذي في الأعراف ﴿لئن أنجنا اللّه من هذه﴾ أي ويقولون لئن أنجيتنا من هذه يعني الظلمات ﴿لنكونن من الشاكرين﴾ من المؤمنين ﴿قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب﴾ حزن ﴿ثم أنتم تشركون * قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم﴾ يعني (١) هكذا في المصدر. ٠ (٢) تفسير القرطبي: ٧ / ٤. (٣) سورة الإنفطار: ١٠ . *زائد ١٥٦ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي الصيحة والحجارة والريح والطوفان كما فعل بعاد وثمود وقوم شعيب وقوم لوط وقوم نوح ﴿أو من تحت أرجلكم﴾ يعني الخسف كما فعل بقارون. وقال مجاهد: عذاباً من فوقكم السلاطين، الذين من تحت أرجلكم العبيد السوء. الضحّاك: عذاباً من فوقكم من قبل كباركم أو من تحت أرجلكم من أسفل منكم ﴿أو يلبسكم شيعاً﴾ أو يخلقكم ويفرق ويبث فيكم الأهواء المختلفة ﴿ويذيق بعضكم بأس بعض﴾ يعني السيوف المختلفة بقتل بعضكم بعضاً كما فعل ببني إسرائيل، فلما نزلت هذه الآية قال رسول اللّه وسلم: ((يا جبرئيل ما بقاء أمتي على ذلك؟ فقال له جبرائيل: إنما أنا عبد مثلك)) فسل ربك؟ فقام رسول اللّه وَسليل وتوضأ وصلى وسأل ربه فأعطى آيتين ومنع واحدة، قال رسول اللّه ◌َ: ((سألته أن يبعد على أمتي عذاباً من فوقهم ومن تحت أرجلهم فأعطاني ذلك، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني، وأخبرني جبرئيل (عليه السلام) أن فناء أمتي بالسيف)) (١) [١٤١]. وقال الزهري: راقب خباب بن الأرت رسول اللّه ◌َ﴿ ذات ليلة يصلي فلما فرغ، قال: وقت الصباح لقد رأيتك تصلي صلاة ما رأيتك صليت مثلها، قال: أجل إنها صلاة رغبة ورهبة سألت ربي فيها ثلاثاً وأعطاني إثنتين، وزوى عني واحدة، سألته أن لا يسلط على أمتي عدواً من غيرهم فأعطاني، وسألته أن لا يرسل عليهم سنة فتهلكهم فأعطاني، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فزواها عني)). ﴿أنظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون وكذب﴾ قرأ إبراهيم بن عبلة وكذبت بالتاء ﴿به﴾ أي بالقرآن وقيل: بالعذاب ﴿قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل﴾ أي حفيظ ورقيب وقيل: مسلط ﴿إنما﴾ أنا رسول ﴿لكل نبأ مستقر﴾ موضع قوله وحقيقة ومنتهى ينتهي إليه فيتبين صدقه من كذبه وحقه من باطله. قال مقاتل: لكل خبر يخبره الله تعالى وقت ومكان يقع فيه من غير خلف ولا تأخير. قال الكلبي: لكل قول أو فعل حقيقة ما كان منه في الدنيا فستعرفونه. وما كان منه في الآخرة فسوف يبدو لهم ﴿وسوف تعلمون﴾ ذلك. وقال الحسن: لكل عمل جزاء فمن عمل عملاً من الخير جوزي به الجنة، ومن عَمِل عَمَل سوء جوزي به النار، وسوف تعلمون يا أهل مكة. وقال السدي: لكل نبأ مستقر أي ميعاد وحد تكتموه، فسيأتيكم حتى تعرفوه. (١) بتفاوت في تفسير الطبري: ٧ / ٢٩٢. ١٥٧ سورة الأنعام، الآيات: ٦٨ - ٧٣ وقال عطاء: لكل نبأ مستقر يؤخر عقوبته ليعمل ذنبه فإذا عمل ذنبه عاقبه. قال الثعلبي: ورأيت في بعض التفاسير إن هذه الآية نافعة من وجع الضرس إذا كتبت على کاغد ووضع عليه السن. وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيَّ ◌َنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ خَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْهٍ، وَإِمَّا يُنَسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَ نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَِّلِينَ ﴿ وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ أَّخَذُوْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهُوَا وَغَرَّتَهُمُ الْحَيَوَةُ الذُّنّْاً وَذَكِّرْ بِهِ، أَنْ تُبْسَلَ نَفْسُ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيْعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلّ عَدَّلِ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُؤْذَكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيعٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ (َ قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ أَّهِ مَا لَا يَنَفَعُنَا وَلَا يَضُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَاِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَمَنَا اللَّهُ كَلَّذِى أَسْتَهَوَتَهُ الشَّيَاطِينُ فِىِ الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ: أَصْحَنُ يَدَعُونَهُ: إِلَى الْهُدَى أَثْتِنَأُ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَّ اُلْهُدَىّ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿١٨) وَأَنْ أَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَأَنَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِىَّ إِلَيْهِ نُخْتَرُونَ ﴿٨) وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ السَعَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيََّكُونٌ فَوْلُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْثُ يَوْمَ يُنَفَخُ فِىِ الصُّورِ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ وَهُوَ اَلَكِيمُ الْخِيرُ ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا﴾ يعني القرآن الإستهزاء والكذب ﴿فأعرض عنهم) فاتركهم ولا تجالسهم ﴿حتى يخوضوا﴾ يدخلوا ﴿في حديث غيره﴾ غير القرآن، وذلك إن المشركين كانوا إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في رسول اللّه وَ ل﴿ فسبوا واستهزؤا بالقرآن، فنهى الله المؤمنين عن مجالستهم ﴿وإما ينسينك﴾. قرأ ابن عباس وابن عامر: ينسونك بالتشديد ﴿الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين﴾ فقم من عندهم بعد ما ذكرت ثم قال ﴿وما على الذين يتقون﴾ الخوض ﴿من حسابهم﴾ من أيام الخائضين ﴿من شيء﴾. قال ابن عباس: قال المسلمون: فإنا نخاف الإثم حين نتركهم فلا ننهاهم فأنزل الله عز وجل هذه الآية. وقال ابن عباس في رواية أخرى: قال المسلمون: لئن كنا كلما استهزأ المشركون في القرآن وخاضوا فيه قمنا عنهم لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام وأن نطوف بالبيت فنزل ﴿وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء﴾ ﴿ولكن ذكرى﴾ أي ذكروهم وعظوهم وهي في محل النصب على المصدر أي ذكروهم ذكرى والذكر والذكرى واحد ويجوز أن يكون في موضع الرفع أي هو ذكرى ﴿لعلهم يتقون﴾ الخوض إذا وعظتموهم، وقيل: وإذا قمتم يسعهم في ذلك من الإستهزاء والخوض. وقيل: لعلهم يستحيون ﴿وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً﴾ باطلاً ١٥٨ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي وفرحاً ﴿وغرتهم الحياة الدنيا﴾ وذلك أن اللّه تعالى جعل لكل قوم عيداً يعظمونه ويصلون فيه فكان قوم إتخذوا عيدهم لهواً ولعباً إلاّ أمة محمد و له فإنهم اتخذوا عيدهم صلاة لله. وذكرا مثل الجمعة والفطر والنحر ﴿وذكّر به﴾ وعظ بالقرآن ﴿أن تبسل نفس بما كسبت﴾ يعني أن لا تبسل كقوله تعالى بين اللّه لكم أن تضلوا. ومعنى الآية ذكرهم ليؤمنوا فلا تبسل نفس بما كسبت. قال ابن عباس: تهلك، قتادة: تحيس. الحسن، ومجاهد، وعكرمة، والسدي: تسلم للهلكة. علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس: تفضح. الضحاك: تفضح وتحرق. المؤرخ، وابن زيد: تؤخذ. قال الشاعر: وإبسالي بني بغير جرم بعونها ولا بدم مراق (١) العوف بن الأحوض: وكان رهن بيته وحمل عن غنى لبني قشير دم السحقية. فقالوا: لا نرضى بك، فدفعهم رهناً، وقوله بعونا أي جنيناً، والبعو الجناية. وقال الأخفش: تبسل أي تجزى. وقال الفراء : ترتهن. وأنشد النابغة الجعدي: ونحن رهناً بالأفاقة عامراً بما كان في الدرداء رهنا فأبسلا (٢) وقال عطية العوفي: يسلم في خزية جهنم. وقال أهل اللغة: أصل الإبسال التحريم، يقال: أبسلت الشيء إذا حرمته، والبسل الحرام . قال الشاعر : بسل عليك ملامتي وعتابي(٣) بكرت تلومك بعد وهن في الندى فقال: أنشدنا بسل أي شجاع لا يقدّر موته كأنه قد حرم نفسه ثم جعل ذلك نعتاً لكل شديد. يترك، ويبقى. ويقال: شراب بسل أي متروك. قال الشنفرى : (١) الصحاح: ٤ / ١٦٣٤. (٢) الصحاح: ٢ / ٤٧٠. (٣) لسان العرب: ١١ / ٥٥. ١٥٩ سورة الأنعام، الآيات: ٦٨ - ٧٣ سمير الليالي مبسلاً بالجرائر (١) هنالك لا أرجو حياة تسرني وقوله تعالى ﴿ليس لها﴾ أي لتلك الأنفس ﴿من دون الله ولي﴾ حميم وصديق ﴿ولا شفيع﴾ يشفع لهم في الآخرة ﴿وإن تعدل كل عدل﴾ تفد كل فداء، ﴿لا يؤخذ منها). قال أبو عبيدة: وإن يقسطه كل قسط لا يقبل منها لأن التوبة في الحياة ﴿أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون * قل أندعوا من دون اللّه﴾ نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر حين دعا أباه إلى الكفر فأنزل الله تعالى قل أندعوا من دون اللّه ﴿ما لا ينفعنا﴾ إن عبدناه ﴿ولا يضرنا﴾ إن تركناه ﴿ونرد على أعقابنا﴾ إلى الشرك ﴿بعد إذ هدانا الله﴾. وتقول العرب لكل راجع خائب لم يظفر بحاجته: ردّ على عقبيه ونكص على عقبيه فيكون مثله ﴿كالذي استهوته الشياطين﴾ أي أضلته. وقال ابن عباس (رضي الله عنه): كالذي استغوته الغيلان في المهامة(٢) وأضلوه وهو حائر بائر ﴿في الأرض حيران﴾ وحيران نصب على الحال. وقرأ الأعمش، وحمزة: كالذي إستهوا به، بالباء. وقرأ طلحة: إستهواه بالألف. وقرأ الحسن: إستهوته الشياطون وفي مصحف عبد اللّه وأبي إستهواه الشيطان على الواحد ﴿له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا﴾ يعني أتوا به، وقيل: أصحاب محمد رَّ ﴿قل إن هدى اللّه هو الهدى وأمرنا لنسلم﴾ أي لأن نسلم ﴿لرب العالمين * وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون﴾ إلى قوله ﴿ينفخ في الصور﴾. قال أبو عبيدة: هو جمع صورة مثل سورة وسور. قال العجاج: سرت إليه في أعالي السور (٣) ورب ذي سرادق محجور وقال آخرون: هو فرن ينفخ فيه بلغة أهل اليمن. وأنشد العجاج: بالضابحات في غبار النقعين نطحناهم غداة الجمعين نطحاً شديداً لا كنطح الصورين(٤) (١) الصحاح: ٢ / ٦٨٨. (٣) تفسير القرطبي: ١٥ / ٤٠. (٤) الصحاح: ٢ / ٧١٦، ولسان العرب: ٤ / ٤٧٥. (٢) المهامة: البادية. ١٦٠ الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي يدل على هذا الخبر المروي عن النبي 18 كيف أنعم صاحب القرن قد أكتم القرن [وحنى حنينه] وأصغى سمعه فنظر متى يؤمر فنفخ، ثم قال ﴿عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير﴾. وَإِذْ قَالَ إِنْزَهِيمُ لِأَبِهِ وَأَزَّرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامَا ءَالِهَةً إِنْ أَرَنِكَ وَقَوْمَكَ فِ ضَلَلِ مُّبِينٍ (َِ) وَكَذَلِكَ نُرِىّ ◌ِرَهِيمُ مَلَكُوتَ السَّعَلُوَتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَّكُونَ مِنَّ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّتْلُ رَءَ كَوْكَبَاً قَالَ هَذَا رَبِّ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَّ أُحِبُّ الْآَفِينَ ﴿٠َ فَلَّا رَءَا الْقَمَرَ بَرِغَا قَالَ هَذَا رَبِّ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَيْنَ لَمْ يَهْدِ رَِّّ لَأَكُوَنَ مِنَ الْغَوْمِ الضَّالِينَ ﴿٨ فَلَمَّا رَءَا الشَّمْسَ بَارِعَةً قَالَ هَذَا رَبِّ هَذَا أَكْبَرٌّ فَلَمَّاً أَفَتْ قَالَ يَغَوْمِ إِّ بَرِىٌَّ مِّمَا تُشْرِكُونَ ﴿٨) إِّ وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى نَظَرَ السََّوَتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًاً وَمَّا أَنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٢٦) وَحَّهُ فَوْمُ قَالَ أَتُمُنَّجُوَّ فِى أَلَّهِ وَقَدْ هَدَمِنْ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِءَ إِلَّا أَنْ يَشَآءَ رَبِّ شَيْئاً وَبِعَ رَنِى كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَُّونَ ﴿٨َ وَحَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِلَّهِ مَا لَمْ يُنَّلْ بِهِ، عَلَيْكُمْ سُلْطَنَّا فَأَىُّ الْقَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمِّنِّ إِن كُمْ تَعْلَمُونَ ﴿١٨) الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَنَّهُم بِظُلْمٍ أُوْلَكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ٨٢] وَتِلْكَ حُجَّتُنَاَ ءَاتَّبْنَهَا إِثْرِهِمَ عَلَى قَوْمِهِ، نَرْفَعُ دَرَجَتٍ مَن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ لََّ ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر﴾ . قال محمد بن إسحاق والضحاك والكلبي: وآزر أبو إبراهيم وهو تارخ مثل إسرائيل ويعقوب وكان من أهل كوثى قرية من سواد الكوفة(١). وقال مقاتل بن حيان: لأب إبراهيم. وقال سليمان [التيمي]: هو سب وعيب. ومعناه في كلامهم المعوج وقيل: معناه الشيخ [الهنم] بالفارسية وهو على هذه الأقاويل في محل الخفض على البدل أو الصفحة ولكنه نصب لأنه لا ينصرف. وقال سعيد بن المسيب، ومجاهد، ويمان: آزر إسم صنم وهو على هذا التأويل في محل نصب . وفي الكلام تقديم وتأخير تقديره أتتخذ آزر أصناماً ألهة. وقرأ الحسن وأبو يزيد المدني ويعقوب الحضرمي: آزر بالرفع على النداء بالمفرد يعني يا آزر ﴿أتتخذ أصناماً ألهة﴾ من دون اللّه إلى قوله ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض﴾ يعني كما أريناه البصيرة في دينه والحق في خلاف قومه نريه ملكوت السماوات (١) تفسير الطبري: ٧ / ٣١٦.