النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
سورة المائدة، الآيات: ٥٧ - ٦٣
شيئاً وكان علي راكعاً فأومى إليه بخنصره اليمنى وكان يتختم فيها فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم
من خنصره وذلك بعين النبي ◌َّر فلما فرغ النبيّ وَّر من الصلاة فرفع رأسه إلى السماء وقال:
((اللهم إن أخي موسى سألك، فقال: ﴿ربّ اشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيراً
من أهلي هارون أخي أشدد به أزري﴾(١) الآية، فأنزلت عليه قرآناً ناطقاً ﴿سنشدّ عضدك بأخيك
ونجعل لكما سلطاناً﴾(٢) اللهم وأنا محمد نبيّك وصفيّك اللهم فاشرح لي صدري ويسر لي أمري
واجعل لي وزيراً من أهلي علياً أُشدد به ظهري)) (٣) [٨٥](٤).
قال أبو ذر: فوالله ما استتم رسول اللّه الكلمة حتى أنزل عليه جبرئيل من عند الله، فقال:
يا محمد إقرأ، فقال: وما أقرأ؟ قال: إقرأ ﴿إنما وليكّم الله ورسوله﴾، إلى ﴿راكعون﴾.
سمعت أبا منصور الجمشادي، سمعت محمد بن عبد الله الحافظ، سمعت أبا الحسن
علي بن الحسن، سمعت أبا حامد محمد بن هارون الحضرمي، سمعت محمد بن منصور
الطوسي، سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما جاء لأحد من أصحاب رسول اللّه ◌َل من الفضائل
مثل ما جاء لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) (٥).
أبو عبد الله بن فنجويه، عمر بن الخطاب، إبراهيم بن سهلويه، محمد بن رجاء العباداني.
حدّثني عمر بن أبي إبراهيم، حدّثني المبارك بن سعيد وعمار بن محمد عن سفيان عن أبيه عن
ابن عباس قال: نزلت في أبي بكر ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا﴾ الآيتان الخبر (٦).
عن محمد بن عبد الله، أحمد بن محمد بن إسحاق البستي، حامد بن شعيب، شريح بن
يونس، هشيم بن عبد الملك قال: سألت أبا جعفر عن قوله ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين
آمنوا﴾ قال: هم المؤمنون بعضهم أولياء بعض ﴿ومن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب
الله﴾ يعني أنصاري من اللّه.
قال الراجز:
وكيف أضوي(٧) وبلال حزبي
(١) سورة طه: ٣١.٢٥.
(٢) سورة القصص: ٣٥.
(٣) في المصدر: أزري.
(٤) شواهد التنزيل: ١ / ٢٣١، والغدير: ٥٢/٢ عن الثعلبي وخرّج مصادره.
(٥) عمدة الطالب لابن عنبة: ٦٠، وتاريخ دمشق: ٤١٨/٤٢ ط. دار الفكر، ومستدرك الصحيحين: ١٠٧/٣ .
(٦) ذكر في ضوء الشمس في نبي الإسلام على خمس إجماع المسلمين على نزول الآية في علي (عليه السلام):
٤/٢، وممن ذكر أن الآية نزلت فيه: الطبراني والحاكم والواحدي والزمخشري والطبري وابن عساكر
والبلاذري والترمزي والقزويني وابن كثير، راجع: تفسير الكشاف: ٦٢٤/١، والتدوين في أخبار قزوين ٣/
٢١٢ ترجمة عبد الكريم بن هوزان، والمعجم الكبير ٧/ ١٣٠ ح ٦٢٢٨، وأسباب النزول: ١٣٣، وربيع
الأبرار ١٤٧/٢، وتفسير الطبري: ٦٢٤/١، وتاريخ دمشق: ٤٠٩/٢ .
(٧) أضوي: أي استضعف وأضام من الشيء.

٨٢
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
أي ناصري(١).
﴿هم الغالبون يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً﴾ الآية.
قال الكلبي: كان منادي رسول اللّه إذا نادى إلى الصلاة وقام المسلمون إليها، قالت
اليهود: قد قاموا لا قاموا وصلوا لا صلوا، ركعوا لا ركعوا، سجدوا لا سجدوا، على طريق
الإستهزاء والضحك، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
قال السدي: نزلت في رجل من النصارى كان إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمداً
رسول الله، قال: أحرق الله الكاذب، فدخل خادمه بنار ذات ليلة وهو نائم وأهله نيام فتطاير
منها شرارة في البيت فأحرق البيت وأحرق هو وأهله(٢).
وقال الآخرون: إن الكفار لما سمعوا الأذان كذبوا رسول اللّه والمسلمين على ذلك
فدخلوا على رسول اللّه وَ ل فقال: يا محمد لقد ابتدعت شيئاً لم نسمع به فيما مضى من الأمم
الخالية فإن كنت تدّعي النبوة فقد خالفت فيما أحدثت من هذا الأذان الأنبياءَ قبلك ولو كان في
هذا الأمر خير لكان بادئ ما تركه الناس بعد الأنبياء والرسل قبلك فمن أين لك صياح كصياح
البعير فما أقبح من صوت ولا أسمج من كفر، فأنزل الله هذه الآية(٣). ﴿ومن أحسن قولاً ممن
دعا إلى الله وعمل صالحاً﴾ .
فأما بعد الأذان. قال أبو الحسن أحمد بن محمد بن عمر، أبو العباس محمد بن إسحاق
السراج، زياد بن أيوب وأبو بكر بن أبي النضير الأسدي، حجاج بن محمد قال: قال ابن جريح
عن نافع عن ابن عمر أبو الحسين قال: أبو العباس السراج، محمد بن سهيل بن عسكر، أبو
سعيد الحداد، خالد بن عبد اللّه الواسطي، عن عبد الرحمن بن [يحيى] عن الزهري عن سالم
عن أبيه، وحديث عن الحسن بن شقيق، إسماعيل بن عبيد الخزاعي، محمد بن سلمة عن محمد
ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن محمد بن عبد الله بن زيد الأنصاري عن أبيه قال: كان
المسلمون حيث قدموا المدينة يجتمعون فيجيبون الصلاة وليس ينادي بهن فتكلموا في ذلك
فاستشار رسول اللّه ◌َ﴾ المسلمين فيما يجيبهم الصلاة. فقال بعضهم: يقلب راية فوق رأس
المسجد عند الصلاة فإذا رأوها أذن بعضهم بعضاً فلم يعجبه ذلك، وقيل: بل نؤجج ناراً، وقال
بعضهم: بل قرن مثل قرن اليهود فكرهه من أجل اليهود وقيل: الناقوس فكرهه من أجل النصارى
ولكن عليه قاموا وأمر بالناقوس حتى يجيب.
(١) تفسير القرطبي: ٦ / ٢٢٢.
(٢) أسباب النزول للواحدي: ١٣٤ .
(٣) المصدر السابق.

٨٣
سورة المائدة، الآيات: ٥٧ - ٦٣
قال عبد الله بن زيد: فرأيت تلك اللية رجلاً في المنام عليه ثوبان أخضران ويحمل ناقوساً
فقلت يا عبد الله إتبع الناقوس قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به الناس إلى الصلاة، قال: أفلا
أدلّك على ما هو خير منه؟ قلت: بلى، قال: قل: الله أكبر، الله أكبر إلى آخر الأذان ثم
إستأخر غير بعيد، وقال: إذا قامت الصلاة فقل: الله أكبر، الله أكبر فوصف له الإقامة فرادى،
فلما استيقظت أتيت النبي وَّلجه وأخبرته بذلك فقال: إنها رؤيا حق إنشاء اللّه فاتلها على بلال فإنه
أندى منك صوتاً، قال: فخرجنا إلى المسجد فجعلت ألقيها على بلال وهو يؤذن فسمع عمر في
بيته فخرج يجر رداءه فقال: رأيت مثل الذي رأى ففرح النبي وَّر وقال: ذلك أثبت.
وروى أبو الزاهرية عن أبي شجرة عن رسول اللّه وَل﴾ قال: أوّل من أذّن في السماء فسمعه
عمر ابن الخطاب (رضي الله عنه).
فأما فصل الأذان، فحدثنا أبو الحسن بن محمد بن القاسم الفارسي، عبد الله محمد بن
إسحاق بن يحيى، أبو جعفر بن عبد الله بن الصياح، أبو عمر الدوري، أبو إبراهيم البرجماني
عن سعيد بن سعيد عن نهشل أبي عبد الله القرشي عن الضّحاك عن ابن عباس قال: قال رسول
اللّه ◌َير: ((ثلاثة لا يكترثون للحساب ولا يفزعهم الصيحة ولا يحزنهم الفزع الأكبر: حامل
القرآن يؤديه إلى اللّه بما فيه يقدم على ربّه سيّداً شريفاً، ومؤذن أذن سبع سنين يأخذ على أذانه
طمعاً وعبد مملوك أحسن عبادة ربه ومؤدي حقّ مولاه))(١) [٨٦].
أحمد بن محمد بن جعفر، أبو الحسن علي بن محمد القاضي، علي بن عبد العزيز أبي
عمرو ابن عثمان حدثهم أبو ثميلة عن أبي حمزة عن جابر عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال
رسول اللّه وَله: ((من أذّن سبع سنين محتسباً كتب له براءة من النار))(٢) [٨٧].
أبو الحسن الفارسي، أبو العلاء أحمد بن محمد بن كثير، [ ..... ] (٣) بن محمد، محمد
ابن سلمة الواسطي، حميد بن سلمة الواسطي، حميد الطوسي، عن أنس بن مالك قال: قال
رسول اللّه وَله: ((من أذن سنة من نية صادقة لا يطلب عليه أجر دعي يوم القيامة ووقف على باب
الجنة وقيل له: إشفع لمن شئت))(٤) [٨٨].
أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد التمار، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن دينار محمد
ابن الحجاج بن عيسى، إبراهيم بن رستم، حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن ابن سلمة عن
(١) كنز العمال: ١٥ / ٨٣١، ح ٤٣٣٠٨، بتفاوت يسير.
(٢)
كنز العمال: ٧ / ٦٨٣، ح ٢٠٩٠٤، الجامع الصغير: ٢ / ٥٦١، ح ٨٣٧٦.
(٣)
كلمة غير مقروءة .
(٤) كنز العمال: ٧ / ٦٨٩، ح ٢٠٩٣٦.

٨٤
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
أبي هريرة قال: قال رسول اللّه وَل: ((من أذّن خمس صلوات إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من
ذنبه ومن أمّ أصحابه خمس صلوات إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدّم من ذنبه))(١) [٨٩].
أبو العباس سهل بن محمد بن سعيد المروزي، الحسن بن محمد بن جشم أبو
الموجة، عبدان، عبدالوارث، ومرّة الحنفي، يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك عن رسول
اللّه ◌َل﴾ إنه قال: ((إذا كان عند الأذان فتحت أبواب السماء فاستجيب الدعاء وإذا كان عند
الإقامة لم يردّ دعواه)(٢) [٩٠].
أبو القاسم طاهر بن المعري، أبو محمد عبد الله بن أحمد المقري بالبصرة، عبد الله ابن
أحمد الجصاص، يزيد بن عمر وأبو البر الغنوي، نائل بن نجيح، محمد بن الفضل عن سالم عن
مجاهد عن ابن عمر عن النبي وال* قال: ((المؤذن المحتسب كالشهيد يتشحّط في دمه حتى يفرغ
من أذانه ويشهد له كل رطب ويابس فإذا مات لم يدوّد في قبره))(٣) [٩١].
أبو محمد بن عبد الله بن حامد الصفياني، محمد بن جعفر الطبري قال: حماد بن
الحسن، صالح ابن سليمان صاحب القراطيس، عتاب بن عبد الحميد السدوسي عن مطر عن
الحسن عن أبي الوقّاص أنه قال: سهام المؤذنين عند الله يوم القيامة كسهام المهاجرين.
وقال عبد الله بن مسعود: لو كنت مؤذناً لما باليت ألاّ أحج ولا أعتمر ولا أجاهد، قال:
وقال عمر بن الخطاب: لو كنت مؤذناً لكمل أمري وما باليت أن لا أنتسب لقيام ليل ولا
لصيام نهار. سمعت رسول اللّه وَلل يقول: ((اللهم إغفر للمؤذنين، اللهم إغفر للمؤذنين، اللهم
إغفر للمؤذنین)».
فقلت: يا رسول اللّه لقد تركنا ونحن خيار على الأذان بالسيوف. قال: ((كلّ يا عمر إنه
سيأتي على الناس زمان يتركون الأذان على ضعفائهم وتلك لحوم حرمها اللّه على النار لحوم
المؤذنين)) [٩٢].
﴿قل يا أهل الكتاب هل تنقمون﴾ (٤) الآية.
قال ابن عباس: أتى رسول اللّه ول﴾ نفر من اليهود، أبو ياسر بن الخطاب ورافع بن أبي
رافع وعازار وزيد بن خالد وأزاريل أبي واشيع فسألوه عمن يؤمن به من الرسل؟ فقال: ((أؤمن
باللّه وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم - إلى قوله - مسلمون))(٥) [٩٣]، فلما ذكر عيسى جحدوا
(٢) كنز العمال: ٢ / ١٠٨، ح ٣٣٧٢.
(١) الجامع الصغير: ٢ / ٥٦٢، ح ٨٣٧٨.
(٣) مجمع الزوائد: ٢ / ٣.
(٤) كنز العمال: ٨ / ٣٣٨، ح ٢٣١٥٨.
(٥) تفسير القرطبي: ٦ / ٢٣٣، وفيه: يؤمن، بدل: أؤمن.

٨٥
سورة المائدة، الآيات: ٥٧ - ٦٣
نبوته قالوا: والله ما نعلم أهل دين أولى حظاً في الدنيا والآخرة ديناً ولا دنيا شرار دينكم. فأنزل
اللّه هذه الآية ثم قال: قل يا محمد ﴿هل أنبئكم﴾ أخبركم ﴿بشرِّ من ذلك﴾ الذين ذكرت يعني
قولهم لم نر أهل دين أولى حظاً في الدنيا والآخرة منكم فذكر الجواب بلفظ الإبتداء وإن لم يكن
الإبتداء شراً كقوله تعالى للكفّار ﴿قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها اللّه الذين كفروا﴾(١)
﴿مثوبة عند الله﴾ ثواباً وجزاءاً وهو نصب على التفسير كقوله أكثر منك مالاً وأعز نفراً وأصلها
مثووبة على وزن مفعوله وقد جاءت مصادر على وزن المفعول نحو المفعول والميسور فأسقط
عين الفعل استثقالا على الواو ونقلت حركتها إلى فاء الفعل وهي الثاء فصار مثوبة مثل معونة
ومغوثة ومقولة ﴿من لعنه الله﴾ ويجوز أن يكون محل من خفضاً على البدل ومن قوله بشر أو
على معنى لمن يلعنه اللّه ويجوز أن يكون رفعاً على إضمار هو.
ويجوز أن يكون نصباً على إيقاع أُنبئكم عليه ﴿وغضب اللّه عليه وجعل منهم القردة
والخنازير﴾ فالقردة: أصحاب السبت. والخنازير: كفّار أهل مائدة عيسى.
وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: إن المسخين كلاهما من أصحاب نقبائهم
مسخوا قردة ومشايخهم مسخوا خنازير، ﴿وعبد الطاغوت﴾ فيه عشر قراءات، وعبد الطاغوت
بفتح الباء والعين والتاء على الفعل وهي قراءة العامة، وجعل منهم من عبد الطاغوت، وتصديقها
قراءة إبن مسعود ومن عبد والطاغوت. وقرأ ابن وثاب وحمزة. عَبُدِ الطاغوت بفتح العين وضم
الباء وكسر الدال آباد العبد وهما لغتان عَبدْ وعَبُد مثل سبْع وسبُع وقرْد وقرُد.
وأنشد حمزة في ذلك: كيف الصقيل القرد، بضم الراء ووجه آخر وهو إنه أراد الجمع أي
خدم الطاغوت. فجمع العبد عباد ثم جمع العباد عبداً جمع الجمع مثل ثمار وثمر منهم استقبل
الضمّتين المتواليتين فعرض من الأولى فتحه ولذلك في قراءة الأعمش وعبد الطاغوت بضم العين
والتاء وكسر الدال.
قال الشاعر:
أسود الجلدة من قوم عبد(٢)
إنسب العبد إلى آبائه
وذكر عن أبي جعفر القاري: إنه قرأ وعبد الطاغوت على الفعل المجهول، وقرأ الحسن:
وعبد الطاغوت على الواحد.
قرأ أبو بردة الأسلمي: وعابد الطاغوت [باختلاف](٣) على الواحد.
(١) سورة الحج: ٧٢.
(٢) تفسير مجمع البيان: ٣ / ٣٦٩.
(٣) هكذا في الأصل.

٨٦
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
وقرأ ابن عباس: وعبيد الطاغوت بالجمع، وقرأ أبو واقد الليثي: وعباد الطاغوت مثل
كافر وكفار، وقرأ عون العقيلي وأبان بن ثعلب: وعبد الطاغوت مثل ركع وسجد. وقرأا بن
عمير: واعبد الطاغوت مثل كلب وأكلب ﴿أولئك شرٌ مكاناً وأضل عن سواء السبيل﴾ فلما نزلت
هذه الآية تنذّر اليهود وقالوا إخوان القردة والخنازير فسكتوا وأُفحموا، وفيهم يقول الشاعر:
فلعنة اللّه على اليهود
إن اليهود إخوة القرود (١)
﴿وإذا جاؤكم قالوا آمنًا﴾ الآية، فهؤلاء المنافقون قاله المفسرّون.
وقال ابن زيد: هؤلاء الذين قالوا: ﴿آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار﴾
الآية.
وهذا التأويل أليق بظاهر التنزيل لأن هذه الآيات نزلت في اليهود ﴿وترى كثيراً منهم﴾
يعني من اليهود ﴿يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت﴾ إلى قوله ﴿لولا ينهاهم الربانيون
والأحبار﴾ يعني العلماء وقيل: الربانيون علماء النصارى، والأحبار علماء اليهود.
وقرأ أبو واقد الليثي، وابن الجراح العقيلي: الربيون كقوله ﴿معه ربيون كثير﴾(٢).
﴿عن قولهم الإثم﴾ وهذه أشد آية على ما أتى النهي عن المنكر حيث أنزلهم منزلة من
پرتکبه وجمع بينهم في التوبيخ.
الحسن بن أحمد بن محمد، وشعيب بن محمد بن شعيب عن إبراهيم بن عبد الله بن
محمد بن عدي، [الأحمسي](٣)، البخاري عن عبد الحميد بن جعفر عن أبي إسحاق عن عبد
الله بن جرير عن أبيه قال: قال رسول اللّه وَله: ((ما من رجل يجاور قوماً فيعمل بالمعاصي بين
ظهرانيهم فلا يأخذون على يديه إلاّ وأوشك اللّه أن يعمهم منه بعقاب))(٤) [٩٤].
أبو عبد الله محمد، أحمد بن محمد بن يعقوب، عبد الله بن أسامة، أسيل بن زيد
الجمال، يحيى بن سلمى بن مهنا عن أبيه عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول
اللّهِ وَ له: ((مثل الفاسق في القوم مثل قوم ركبوا سفينة فاقتسموها فصار لكل إنسان فيها نصيب،
فأخذ رجل منهم فأساً فجعل يضرب في موضعه فقال أصحابه: أي شيء تصنع تريد أن تغرق
وتغرقنا؟ فقال: هو مكاني فإن أخذوا على يديه نجوا ونجا وإن تركوه غرقوا وغرق))(٥) [٩٥].
(١) تفسير القرطبي: ٦ / ٢٣٦.
(٢) سورة آل عمران: ١٤٦.
(٣) هكذا في الأصل.
(٤) المعجم الكبير: ٢ / ٣٣٢.
(٥) المعجم الأوسط: ٨ / ٢٤٠ بتفاوت.

٨٧
سورة المائدة، الآيات: ٦٤ - ٦٦
وقال مالك بن دينار: أوصى اللّه إلى الملائكة أن عذّبوا قرية كذا فصاحت الملائكة إلى
ربها: يا رب إن فيهم عبدك العابد. فقال: أسمعوني ضجيجه فإن وجهه لم يتغير غضباً لمحارمي
وأوحى الله إلى يوشع بن نون: إني مهلك من قومك أربعين ألفاً من خيارهم وستين ألفاً من
شرارهم. فقال: يا ربّ فهؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟ قال: إنهم لم يغضبوا لغضبي
وواكلوهم وشاربوهم .
وَقَالَتِ الَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغَنُوَةٌ غُلَتْ أَيْدِهِمْ وَلُواْ بِمَا قَالُواْ بَلَ بَدَاهُ مَتْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَّفَ لَهُ وَلَِدَنَّ
كِيْرًا فِتْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ زَبِّكَ مُنْيَا وَكُفْرَاً وَأَلْغَيْنَا بِنَهُمُ الْعَدَّوَةَ وَالْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ كُمَاً أَوْقَدُواْ نَارًا.
لِلْحَرَّبِ أَلْفَهَا الَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَادًا وَلَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (١٤) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَبِءَامَنُواْ
وَأَتَّقَوْاْ لَكَفَرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلَهُمْ جَنَّتِ اَلنَّعِ (٢) وَلَوْ أَّهُمْ أَقَامُواْ اُلْتَوْرَةَ وَالْإِنِيلُ وَمَّا أُنزِلَ
إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُواْ مِن قَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُفْتَصِدَةٌ وَكَثِيْرٌ مِنْهُمْ سَآءُ مَا يَعْمَلُونَ
﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة﴾.
قال ابن عباس وعكرمة والضحّاك وقتادة: إن الله كان قد بسط على اليهود حتى كانوا من
أكثر الناس مالاً وأخصبهم ناحية فلما عصوا اللّه في محمد (عليه السلام) وكذبوا به كفى الله
عنهم ما بسط عليهم من السعة فعند ذلك قال فنحاص بن عازورا: يد الله مغلولة لم يريدوا إلى
عنقه ولكنهم أرادوا إنها مقبوضة بمعنى منه ممسكة عن الرزق فنسبوه إلى البخل.
وقال أهل المعاني: إنما قال هذه المقالة فنحاص فلم ينهوا الآخرون ورضوا بقوله
فأشركهم اللّه فيها وأرادوا باليد العطاء لأن عطاء الناس بذل معروفهم في الغالب بأيديهم
واستعمل الناس اليد في وصف الإنسان بالرد والبخل.
قال الشاعر:
يداك يدا مجد فكف مفيد
وكف إذا ما ضن بالمال ينفق(١)
ويقال للبخيل: جعد الأنامل، مقبوض الكف، كز الأصابع، مغلول اليدين، قال الله
﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك﴾ الآية.
قال الشاعر:
كانت خراسان أرضاً إذ يزيد بها
وكل باب من الخيرات مفتوح(٢)
(١) جامع البيان: ٦ / ٤٠٤، وفيه: بالزاد، بدلّ: بالمال، وفي لسان العرب: ٩ / ٣٠١. وفيه: صدق، بدل:
مجد، وأخرى، بدل: وكف.
(٢) تفسير القرطبي: ٦ / ٢٣٨.

٨٨
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
فاستبدلت بعده جعداً أنامله
كأنما وجهه يأكل منضوج
وقال الحسن: معناه يد اللّه مكفوفة عن عذابنا فليس يعذبنا إلاّ بما [يقرّبه] قيمة قدر ما عبد
آباؤنا العجل. وهو سبعة أيّام.
وقال مجاهد والسدّي: هو أن اليهود قالوا إن اللّه لما نزع ملكنا منا وضع يده على صدره
يحمد إلينا ويقول: يا بني إسرائيل، يا بني أحباري لا أبسطها حتى أرد عليكم الملك. والقول
الأول أولى بالصواب لقوله ﴿ينفق كيف يشاء﴾ وقيل: هو استفهام تقديره: أيد الله مغلولة عنا؟
حيث قتّر المعيشة علينا قال اللّه ﴿غلّت أيديهم﴾ أي مسكت أيديهم عن الخيرات وقبضت عن
الانبساط بالعطيات .
وقال يمان بن رئاب: شدد وثقل عليهم الشرائع، بيانه قوله ﴿والأغلال التي كانت عليهم)
وقيل: هو من الغل في النار يوم القيامة كقوله ﴿إِذ الأغلال في أعناقهم﴾ (١) ﴿ولعنوا﴾ عذبوا
﴿بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء﴾ إختلفوا في معنى يد اللّه سبحانه، فقال قوم: إن
له يداً لا كالأيدي وأشاروا باليد إلى الجارحة ثم قصدوا نفي التشبيه بقوله لا كالأيدي وهذا غير
مرضي من القول وفساده لا يخفى.
وقال الآخرون: يده قدرته لقوله ﴿أولي الأيدي والأبصار﴾(٢).
وقيل: هو ملكه كما يقال لمملوك الرجل، هو ملك يمينه. قال الله تعالى ﴿أو يعفو الذي
بيده عقدة النكاح﴾(٣) أي إنه يملك ذلك، وعلى هذين القولين يكون لفظه مشبه ومعناه واحد
لقوله ﴿ولمن خاف مقام ربّه جنتان﴾(٤) أراد به جنة واحدة. قاله الفرّاء: وأنشدني في بعضهم:
قطعة بالألم لا بالسمينين
ومنهم يدين قدمين مرتين
أراد منهما واحداً وسمنة واحدة.
قال وأنشد في آخر:
قد جعل الأرطا جنتين
يمشي مكبداً ولهزمين
أراد لهزماً وجنة.
وقيل: أراد بذلك نعمتاه. كما يقال: لفلان عندي يداً نعمة، وعلى هذا القول يكون بعضه
(١) سورة غافر: ٧١.
(٢) سورة ص: ٤٥.
سورة البقرة: ٢٣٧.
(٣)
(٤) سورة الرحمن: ٤٦ .

٨٩
سورة المائدة، الآيات: ٦٤ - ٦٦
تشبيه ومعناه جمع كقوله ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾(١). والعرب تضع الواحد موضع
الجمع كقوله ﴿وكان الكافر على ربه ظهيراً﴾(٢). ﴿لقد خلقنا الإنسان في كبد﴾(٣) و﴿إن الإنسان
لفي خسر﴾(٤) ونحوها، ويقول العرب: ما أكثر الدرهم والدينار في أيدي الناس، ويضع التشبيه
أيضاً موضع الجمع كقوله ﴿ألقيا في جهنم﴾(٥) فأراد الجمع. قال امرؤ القيس:
قفانبك من ذكرى حبيب ومنزل(٦)
يدل عليه :
وقوفاً بها صحبي على مطيّهم (٧)
· يقول بأنه أخذ الجمع. قال محمد بن مقاتل الرازي: أراد نعمتان مبسوطتان نعمته في
الدنيا ونعمته في الآخرة، وهذه تأويلات مدخولة لأن الله عز وجل ذكر له خلق آدم بيده على
طريق التخصيص والتفضيل لآدم على إبليس، ولو كان تأويل اليد ما ذكروا لما كان لهذا
التخصيص والتفضيل لآدم معنى لأن إبليس أيضاً مخلوق بقدرة اللّه وفي ملك اللّه ونعمته.
وقال أهل الحق: إنه صفة من صفات ذاته كالسمع والبصر والوجه، قال الحسن: إن الله
سبحانه يداه لا توصف، دليل هذا التأويل إن اللّه ذكر اليد مرّة بلفظ اليد فقال عز من قائل ﴿قل
إن الفضل بيد اللّه﴾ (٨) ﴿بيدك الخير﴾(٩) ﴿يد الله فوق أيديهم﴾(١٠) ﴿تبارك الذي بيده
الملك﴾(١١).
وقال (عليه السلام): ((يمين اللّه ملأن [لا يعيضن](١٢) نفقة فترد به)) وقال عز وجل مرّة
وقال ﴿لما خلقت بيدي﴾(١٣) ﴿بل يداه مبسوطتان).
سورة إبراهيم: ٣٤ .
(١)
(٢) سورة الفرقان: ٥٥ .
(٣)
سورة البلد: ٤ .
سورة العصر: ٢.
(٤)
(٥)
سورة ق: ٢٤.
لسان العرب: ١٥ / ٢٠٩.
(٦)
(٧) تفسير القرطبي: ٦ / ١٣٣.
(٨) سورة آل عمران: ٧٣.
(٩) سورة آل عمران: ٢٦.
(١٠) سورة الفتح: ١٠.
(١١) سورة الملك: ١ .
(١٢) هكذا في الأصل.
(١٣) سورة ص: ٧٥.

٩٠
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
وقال (عز وجل): ﴿وكلتا يديه يمين﴾ وجمعه مرّة فقال ﴿مما عملت إيدينا أنعاماً﴾(١) قوله
﴿وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً﴾ بإنكارهم ومخالفتهم وتركهم الإيمان
﴿وألقينا بينهم العداوة والبغضاء﴾ يعني من اليهود والنصارى ﴿كلما أوقدوا ناراً للحرب﴾ يعني
اليهود والنصارى أفسدوا وخالفوا حكم التوراة فغضب الله عز وجل فبعث عليهم بخّت نصّر ثم
أفسدوا فبعث الله عليهم وطرس الرومي ثم أفسدوا فسلّط اللّه عليهم المجوس ثمّ أفسدوا فسلّط
الله عليهم المسلمين وكانوا كلما استقام أمرهم شنتهم اللّه تعالى وكلما جمعوا أمرهم على حرب
رسول اللّه وأوقدوا ناراً للحرب ﴿أطفأها الله﴾ وقهرهم ونصر نبيه ودينه ﴿ويسعون في الأرض
فساداً﴾ الآية ﴿ولو أنّ أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفّرنا عنهم﴾ الآية ﴿ولو أنّهم أقاموا التوراة
والإنجيل﴾ يعني أقاموا أحكامهما وحدودهما وعملوا بما فيهما ﴿وما أنزل إليهم من ربهم﴾ أي
القرآن. وقيل: كُتب بني إسرائيل ﴿لأكلوا من فوقهم﴾ يعني المطر ﴿ومن تحت أرجلهم﴾ يعني
النبات .
وقال الفرّاء: إنما أراد به التوسعة كما يقال: فلان في خير من قرنه إلى قدمه، نظيره ﴿ولو
أنّ أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء﴾(٢) ﴿منهم أمة مقتصدة﴾ يعني مؤمني
أهل الكتاب. ابن سلام وأصحابه وثمانية وأربعون رجلاً من النصارى وهم النجاشي وبحيرا
وسلمان الفارسي وخير مولى قريش وأصحابهم.
قال ابن عباس: هم العاملة غير العالية ولا الحافية ﴿وكثير منهم﴾ كعب بن الأشرف
وأصحابه، وأهل الروم. ﴿ساء ما يعملون﴾.
◌َأَيُّهَ الرَّسُولُ بَلْغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ زَّبِّكٌ وَإِن لَّمْ تَفَعَلْ فَا بَلَّغْتَ رِسَالَّهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَّ
النَّاسِِّ إِنَّ اللَّهَ لَّ يَهْدِى أَلْقَوْمَ الْكَفِرِينَ
٦٧
يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك﴾ .
إختلفوا في تنزيل هذه الآية وتأويلها فروى محمد بن كعب القرضي عن أبي هريرة قال:
كان رسول اللّه و ◌َ ل﴿ل إذا نزل منزلاً اختار له أصحابه شجرة ظليلة فينزل تحتها ويقيل، فنزل ذات
يوم تحت شجرة وعلق سيفه عليها فأتاه إعرابي وأخذ السيف من الشجرة وأخترطه ثم أتى
النبي وَّ وهو نائم، فقال: يا محمد من يمنعك مني؟ فقال: اللّه. فرعدت يد الأعرابي وسقط
السيف منه وضرب برأسه الشجرة حتى إنفرد ساعة فأنزل الله الآية [٩٦].
(١) سورة يس: ٧١.
(٢) سورة الأعراف: ٩٦.

٩١
سورة المائدة، الآية: ٦٧
وقال أنس: كان النبي ◌َّل﴿ يحرس، قال: وقالت عائشة: فكنت ذات ليلة إلى جنبه فسهر
تلك الليلة، فقلت: يا رسول الله ما شأنك؟ فقال: ((ليت رجل صالح يحرسني الليلة)) قالت:
فبينما نحن في ذلك حتى سمعت صوت السلاح. فقال: من هذا؟ قال: سعد وحذيفة جئنا
نحرسك، فنام رسول اللّه ◌َ﴾ حتى سمعت غطيطه فنزلت الآية فأخرج رسول اللّه ◌َ لو رأسه من
قبة أديم وقال: ((إنصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله عز وجل))(١) [٩٧].
وروى الحسن مرسلاً إلى النبي ◌َّر قال: ((لمّا بعثني الله برسالته فضقت بها ذرعاً وعرفت
إن من الناس من يكذبني)»(٢) [٩٨] وكان عتابه قريشاً واليهود والنصارى فأنزل الله الآية، قلت:
ولما نزل قوله ﴿ولا تسبّوا الذين يدعون من دون الله﴾ سكت النبي (عليه السلام) عن عيب
الهتهم فأنزل اللّه تعالى ﴿يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك﴾(٣) يعني معايب آلهتهم.
وقيل: نزلت فى عيب اليهود وذلك إنه (عليه السلام) دعا اليهود إلى الإسلام وقالوا:
أسلمنا قبلك وجعلوا يستهزئون به ويقولون: تريد أن نتّخذك عياناً كما اتخذت النصارى عياناً
عيسى، فلما رأى النبي (عليه السلام) ذلك سكت فحرضه اللّه على دعائهم إلى الإسلام وأمره أن
يقول لهم.
﴿يا أهل الكتاب لستم على شيء﴾ الآية.
قال الحسين بن الفضل: وهذا أولى الأقاويل لأنه ليس بين قوله بلّغ ما أنزل إليك وبين
قوله لستم على شيء فصل.
فلما نزلت الآية قال (عليه السلام): ((لا يأتي من عندي ومن نصرني)) [٩٩].
وقيل: نزلت في قصة عيينة بن حصين وفقراء أهل الصفة وقيل: بلغ ما أنزل إليك من
الرجم والقصاص ومرّ في قصة. وقيل: بلغ ما أنزل إليك من أمر نسائك. وذلك أن رسول الله
لما نزلت آية التخيير لم يكن يعرضها عليهن خوفاً من اختيارهن الدنيا فأنزل اللّه، وقيل: بلغ ما
أنزل إليك في أمر زينب بنت جحش، وقيل: نزلت في الجهاد، وذلك إن المنافقين كرهوه، قال
اللّه ﴿فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال﴾ (٤) الآية وكرهه أيضاً بعض المؤمنين قال الله
(ألم تر إلى الذين قيل لهم كفّوا أيديكم﴾(٥) الآية، وكان (عليه السلام) يمسك في بعض
المسلمين عن الحث على الجهاد لما يعلم من كراهة القوم فأنزل اللّه الآية.
(١) تفسير ابن كثير: ٢ / ٨١ وتفسير القرطبي: ٦ / ٢٤٤ وزاد المسير: ٢ / ٣٠١.
(٢) زاد المسير: ٢ / ٣٠١، تفسير القرطبي: ٦ / ٢٤٣.
(٣)
سورة المائدة: ٦٧ .
(٤) سورة محمّد: ٢٠ .
(٥) سورة النساء: ٧٧.

٩٢
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
وقال أبو جعفر محمد بن علي: معناه: بلّغ ما أنزل إليك في فضل علي بن أبي طالب،
فلما نزلت الآية أخذ (عليه السلام) بيد علي، فقال: ((من كنت مولاه فعلي مولاه))(١) [١٠٠].
أبو القاسم يعقوب بن أحمد السري، أبو بكر بن محمد بن عبد الله بن محمد، أبو مسلم
إبراهيم ابن عبد اللّه الكعبي، الحجاج بن منهال، حماد عن علي بن زيد عن عدي بن ثابت عن
البراء قال: لما نزلنا مع رسول اللّه ◌َ ل# في حجة الوداع كنّا بغدير خم فنادى إن الصلاة جامعة
وكسح رسول اللّه عليه الصلاة والسلام تحت شجرتين وأخذ بيد علي، فقال: ((ألست أولى
بالمؤمنين من أنفسهم))؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((ألست أولى بكل مؤمن من نفسه))؟
قالوا: بلى يا رسول اللّه، قال: ((هذا مولى من أنا مولاه اللهم والٍ من والاه وعاد من عاداه))(٢).
قال: فلقيه عمر فقال: هنيئاً لك يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن
ومؤمنة.
روى أبو محمد عبدالله بن محمد القايني نا أبو الحسن محمد بن عثمان النصيبي نا: أبو
بكر محمد ابن الحسن السبيعي نا علي بن محمد الدّهان، والحسين بن إبراهيم الجصاص قالانا
الحسن بن الحكم نا الحسن بن الحسين بن حيان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في
قوله ﴿يا أيها الرسول بلغ﴾ قال: نزلت في علي (رضي الله عنه) أمر النبي و لتر أن يبلغ فيه فأخذ
(عليه السلام) بيد علي، وقال: ((من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم والِ من والاه وعادٍ من
عاداه))(٣) [١٠١].
وبلغ ما أنزل إليك في حقوق المسلمين فلما نزلت الآية خطب رسول اللّه وَ ل﴾ أي يوم هذا
الحديث في خطبة الوداع، ثم قال: هل بّغت؟
﴿وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته﴾ قرأ ابن محيصن وابن قفال وأبو عمرو والأعمش
وشبل: رسالته، على واحدة، وهي قراءة أصحاب عبد الله. الباقون جمع.
فإن قيل: فأي فائدة في قوله: ﴿وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته﴾ ولا يقال: كل من هذا
الطعام وإن لم تأكل فما أكلته.
الجواب فيه ما سمعت فيه أبا القاسم بن جندب سمعت علي بن مهدي الطبري يقول: أمر
رسول اللّه وَليل تبليغ ما أنزل إليك في الوقت والإتيان فيه. حتى تكثر الشركة والعدة وإن لم يفعل
على كل ما أوصى اللّه إليه واحكم اللّه أن حرّم بعضها لأنه كمن لم يبلغ لأن تركه إبلاغ البعض
محيط لإبلاغ ما بلغ. كقوله: ﴿إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون﴾(٤) الآية.
(١) مسند أحمد: ١ / ٨٤.
(٣) مسند أحمد: ٥ / ٣٧٠.
(٤) سورة النساء: ١٥٠.
(٢) البداية والنهاية: ٥ / ٢٢٩.

٩٣
سورة المائدة، الآية: ٦٧
فاعلم أن إيمانهم بالبعض إلى بعضهم وأن كفرهم بالبعض يحيط الإيمان بالبعض. وحاشى
لرسول اللّه أن يكتم شيئاً مما أوحى الله.
قالت العلماء: الدعوة بقراءة الصلاة إذ البعض ركن من أركانها .
وسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا بكر بن [الأخدش](١) يحكي عن الحسن
ابن الفضل أنّه قال: معنى الآية بلغ ما أنزل إليك في الوقت حتى تكثر الشوكة والعدّة، ومن لم
يفعل هذا كتب كمن لم يبلغ، وقيل: بلغ مجاهداً محتسباً صابراً غير خائف، وقيل: بلغ ما أنزل
إليك من ربك إلى جميع الناس [ولا تخاف].
وهذه من الحدود التي يدل مقام القطع عليه (٢).
﴿والله يعصمك﴾ يحفظك ويمنعك ﴿من الناس﴾ ووجه هذه الآية، وقد شجّ جبينه
وكسرت رباعيته وأوذي في عدة مواطن بضروب من الأذى، فالجواب أن معناها والله يعصمك
منهم فلا يصلون إلى مثلك، وقيل: نزلت هذه الآية بعد ما شجّ جبينه وكسرت رباعيته لأن سورة
المائدة من آخر ما نزل من القرآن .
وقيل: معناه والله يعصمك يخصك بالعصمة من بين الناس لأنه كان نبي الوقت والنبي
معصوم.
﴿إن الله لا يهدي القوم الكافرين﴾ عن عبد الله الحسين بن محمد [الديلمي]، محمد ابن
إسحاق السبتي، أبو عروة، عمرو بن هشام، محمد بن سلمة عن أبي عبد الرحيم عن أبي عبد
الملك عن القاسم عن أبي أمامة قال: كان رجل من بني هاشم يقال له ركانة وكان من أفتك
الناس وأشدهم بأساً وكان مشركاً وكان يرعى غنماً له ويقال له أقسم فخرج نبي الله وَلخير من بيت
عائشة ذات يوم متوجهاً قِبَل ذلك الوادي فلقيه ركانة وليس مع نبي الله أحد فقام إليه ركانه وقال:
يا محمد أنت الذي تشتم الهتنا اللات والعزى وتدعو إلى إلهك العزيز الحكيم؟ ولو لا رحم بيني
وبينك ما كلمتك حتى أقتلك ولكن أدع الهك العزيز الحكيم يخلصك مني اليوم وسأعرض عليك
أمراً هل لك أن أصارعك وتدعو إلهك العزيز الحكيم يعينك عليّ وأنا أدعو اللات والعزى فإن
أنت صرعتني فلك عشرة من غنمي وتختارها فقال (عليه السلام): قم إن شئت واتخذ العهد ودعا
النبي ◌َّه إلهه العزيز الحكيم أن يعينه على ركانة، ودعا ركانة إلهه ــ [اللات والعزى] - أن أعنّي
اليوم على محمد فأخذه النبي (عليه السلام) فصرعه وجلس على صدره.
فقال ركانة: يا محمد قم فلست الذي فعلت هذا بي إنما إلهك العزيز الحكيم وخذله
(١) هكذا في الأصل.
(٢) يراجع أحكام القرآن للجصاص: ٥٦١.

٩٤
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
اللات والعزى وما وضع أحد جنبي قبلك، فقال ركانة: عد فإن أنت صرعتني فلك عشرة أخرى
ومن خيارها. فقام النبي (عليه السلام) ودعا كل واحد منهما إلهه كما فعلا أول مرّة فصرعه
النبي ◌َ﴾ وجلس على كبده، فقال له ركانة: فلست أنت الذي فعلت فيّ هذا إنما فعله إلهك
العزيز الحكيم وخذله اللات والعزى وما وضع جنبي أحد قبلك، فقال له ركانة: عد فإن أنت
صرعتني فلك عشرة أخرى تختارها فأخذ مني اللّه ودعا كل واحد منهما إلهه فصرعه نبي الله
الثالثة، فقال له ركانة: لست أنت الذي فعلت بي هذا إنما فعله إلهك العزيز الحكيم وخذله
اللات والعزى فدونك ثلاثين شاة من غنمي فأخسرها .
فقال له النبي وسلم: لا أريد ذلك ولكن أدعوك إلى الإسلام وأركانه وأنفس بك أن تصير
إلى النار، إنك إن تُسلم تسلم فقال له ركانة: ألا تريني آية، فقال له نبي اللّه (عليه السلام) اللّه
شهيد عليك لئن أنا دعوت ربي عز وجل لهذا لتجيبني إلى ما دعوتك إليه؟ قال: نعم، وقريب
منهما شجرة ذات فروع وقضبان فأشار نبي الله (عليه السلام)، فقال لها: أقبلي بإذن الله
فانشقت إثنتين وأتت على نصف شقها وقضبانها وفروعها حتى كانت بين يدي النبي ◌َّ- وبين
ركانة فقال له ركانة: أريتني عظيماً، فمرها فلترجع، فقال (عليه السلام) اللّه شهيد عليك لئن أنا
دعوت ربي عز وجل فأمرها فرجعت لتجيبني إلى ما دعوتك إليه؟
قال: نعم، فأمرها النبي (عليه السلام) فرجعت بقضبانها وفروعها حتى إلتأمت فلما قال
النبي ◌َّه: أسلم تسلم، فقال له ركانة: فما لي ألاّ أكون أما أنا فقد رأيت عظيماً، ولكني أكره
أن يتحدث فينا أهل المدينة وفتيانهم فيّ إنما أجيبك لرعب دخل قلبي منك، ولكن قد علمت في
أهل المدينة وصبيانهم إنه لم يوضع جنبي قط ولم يدخل قلبي رعب ساعة قط ليلاً ولا نهاراً فلك
دونك فاختر غنمك، فقال (عليه السلام): ليس في حاجة إلى غنمك إذ أبيت أن تسلم، فانطلق
رسول اللّه وَ﴾ راجعاً فأقبل أبو بكر وعمر يسألانه في بيت عائشة فأخبرتهما إنه قد توجه قِبَل
وادي أضم وقد عرفا إنه وادي ركانة لا يخطيه، فخرجا في طلبه وأشفقا أن يلقاه ركانة فيقتله،
فجعلا يصعدان على كل شرفة ونظرا فإذا هما كذلك إذا نظر نبي الله (عليه السلام) مقبلاً، فقالا:
يا نبي الله كيف تخرج إلى هذا الوادي وحدك وقد عرفت إنه جهة ركانة وإنه من أفتك الناس
وأشدهم تكذيباً لك، فضحك إليهما النبي وَلّر وقال: ((اليس اللّه يقول: ﴿والله يعصمك من
الناس﴾ إنه لم يكن يصل إليّ والله معي)) وأنشأ يحدثهما حديث ركانة والذي فعله به والذي أراه
فعجبا من ذلك وقالا: يا رسول اللّه عرفت ركانة فلا والذي بعثك بالحق ما نعلم إنه وضع جنبيه
إنسان قط، فقال (عليه السلام): ((إني دعوت ربي عز وجل فأعانني عليه، وإن ربي قال خذ
عشرة لك وبقوة عشرة)) [١٠٢].
قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَّبِ لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَتَّى تُقِيمُواْ النَّوْرَنَةَ وَالْإِنِلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمُ مِن رَّبِّكُمُّ

٩٥
سورة المائدة، الآيات: ٦٨ - ٧٧
وَكَبِيَدَنَ كَثِيرًا مِنْهُم مَّ أُنِلَ إِلَيَّكَ مِنْ زَّبِّكَ مُغَيَدْنَا وَكُغْرَا فَلَا تَأْسَ عَلَى أَلْقَوْمِ اَلْكَعْرِنَ (٣٨) إِنَّ الَّذِينَّ
ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَِّئُونَ وَالنَّصَنَِّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صََلِحًا فَلَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
وَلَا هُمْ يَحِرَّتُونَ (٤َ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَبِىِّ إِسْرَاءِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلَا كُلَّا جَاءَ هُمْ رَسُولُ بِمَا
لَا تَهْوَىَ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُواْ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ﴿ وَحَسِبُواْ أَلَّ تَكُونَ فِتْنَهُ فَعَمُواْ وَصَمُواْ ثُمَّ نَابَّ
الَّهُ عَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَفُواْ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا بَعْمَلُونَ ﴿﴿ لَقَدْ كَفَرْ أَذِينَ قَالُوَأْ
إِنَ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ أَبْنُ مَرْيَهٌ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَلَنِيَّ إِسْرَهِيلَ أَعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّ وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكَ بِاللَّهِ
فَقَدْ حَزَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ اَلْجَنَّةَ وَمَأْوَنَّهُ النَّارُ وَمَا لِظَّلِينَ مِنْ أَصَحَارِ (٤٦) لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ
اللَّهَ ثَالِثُ ثَاثَةُ وَمَا مِنْ إِلَهِ إِلَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمَّ يَنْتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ
غَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَلَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩) مَّا الْمَسِيحُ أَبْنُ
مَرْيَّمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبِّلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُ صِدِيقَةٌ كَنَا بَأْكُلَانِ الطّعَامُ أَنْظُرْ حِكَيْفَ
◌َّيِّنُ لَهُمُ الْأَيَاتِ ثُمَّ أَنْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٢٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَعْلِكُ لَكُمْ
مَّا وَلَا نَفْعَاً وَاللَّهُ هُوَ السَِّعُ الْعَلِيمُ ﴿ قُلْ بَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِ دِكُمْ غَيْرَ أَلْحَقِّ وَلَا
تَتَّبِعُواْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ مِكَ ثِيرًا وَضَلُواْ عَنِ سَوَاءِ الشَِّيلِ
VV
﴿قل يا أهل الكتاب لستم على شيء﴾ من الدين ﴿حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل
إليكم من ربكم وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك﴾ يا محمد ﴿من ربك طغياناً وكفراً﴾ حيث
أمرهم بالقرآن مع قيام الدلالة والحجة عليهم ﴿فلا تأس﴾ فلا تحزن ﴿على القوم الكافرين * إن
الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى﴾ كان حقه والصابئين وإنما رفعه عطفاً على الذين
قبل دخول أنّ فلا يحدث معنى كما تقول: زيد قائم، وأن زيداً قائم معناها واحد، وقرأ الحسن
إن الله وملائكته برفع التاء ﴿والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً﴾ الآية.
﴿لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل﴾ في التوحيد والنبوّة ﴿وأرسلنا إليهم رسلا﴾ إلى قوله
﴿وحسبوا أن لا تكون فتنة﴾ وظنوا أن لا يكون ابتلاء واختبار. ورفع نونه بعض قرّاء العراق فمن
نصب فعلى ترك المبالاة بلا ومن رفع فعلى معنى لا يكون ﴿فعموا﴾، عن الحسن: فلم يبصروه
﴿وصموا﴾ عنه فلم يسمعونه وكان ذلك عقوبتهم ﴿ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا﴾ بعد
ذلك بخذلانهم أياً منهم في قتال ﴿كثير منهم﴾ وهم كفار أهل الكتاب ﴿والله بصير بما يعملون
لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم﴾ يعني الملكانية ﴿وقال المسيح يا بني
إسرائيل﴾ الآية.
﴿لقد كفر الذين قالوا إن اللّه ثالث ثلاثة﴾ هي النسطورية وذلك إنهم قالوا أباً وإبناً وروحاً
قدسياً ﴿وما من إله إلّ إله واحد﴾ إلى قوله ﴿ليمسّنّ﴾ لتصيبن ﴿الذين كفروا منهم﴾ خص الكفر

٩٦
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
لعلمه أن بعضهم [لهم](١) ﴿عذاب أليم أفلا يتوبون﴾ الآية.
﴿ما المسيح ابن مريم) إلى قوله ﴿وأمّه صديقة﴾ الآية، تصدق، وقال مقاتل: إنما سميت
صديقة لأنها لما أتاها جبرئيل، وهي في منجم وقال لها: إنما أنا رسول ربك صدّقته ﴿كانا
يأكلان الطعام﴾ في هذا المعنى هذا عبارة عن الحدث ومن أكل وأحدث لا يستحق أن يكون
إلهاً ﴿أنظر﴾ يا محمد ﴿كيف نبين﴾ إلى قوله ﴿أنى يؤفكون﴾ [يرتدون] عن الحق ﴿قل
أتعبدون﴾ الآية ﴿قل يا أهل الكتاب﴾ يعني النصارى ﴿لا تغلوا في دينكم غير الحق﴾ لا
تجاوزوا الحق إلى غيره ﴿ولا تتبعوا﴾ الآية.
لُمِنَ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرُوِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى أَبْنِ مَرْيَهُ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ
وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ ﴿٢٨) كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ.
تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَّوَلَّوْنَ الَّذِينَ حَكَفَرُواْ لَبِثْسَ مَا فَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِى
الْعَذَابِ هُمْ خَلِدُونَ ﴿َ وَلَوْ كَانُواْ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيْ وَمَّا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا أَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءُ
وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَسِقُونَ
﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل﴾ أي عذبوا بالمسيح فقال ﴿على لسان داود).
يعني أهل أيلة لما اعتدوا في السبت، قال داود: اللهم العنهم واجعلهم آية فمسخوا قردة
﴿وعيسى ابن مريم﴾ يعني كفّار أصحاب المائدة لمّا لم يؤمنوا، قال عيسى: اللهم العنهم
واجعلهم آية فمسخوا خنازير ﴿ذلك بما عصوا﴾ الآية ﴿كانوا لا يتناهون﴾ أي لا ينهي بعضهم
بعضاً ﴿عن منكر فعلوه﴾ الآية.
الحسن بن محمد بن الحسين، موسى بن محمد بن علي بن عبد الله، عبد الله بن سنان،
عبد العزيز بن الخطاب، خالد بن عبد اللّه، العلاء بن المسيب عن عمرو بن مرّة عن أبي عبيدة
عن ابن مسعود، الحسن بن محمد، أحمد بن محمد بن إسحاق، أبو علي الموصلي، وهب بن
منبه، خالد عن العلاء بن المسيب عن عمرو بن مرّة عن أبي عبيدة عن ابن مسعود قال: قال
رسول اللّه وَلجر: ((إن من كان قبلكم من بني إسرائيل إذا عمل العامل منهم الخطيئة نهاه الناهي
تعذيراً فإذا كان الغد جالسه وواكله وشاربه وكأنه لم يره على خطيئة بالأمس، فلما رأى اللّه ذلك
منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض وجعل منهم القردة والخنازير ولعنه على لسان داود وعيسى
ابن مريم، وذلك بما عصوا وكانوا يعتدون)).
((والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهنّ عن المنكر، ولتأخذن على يد المسيء
(١) هكذا في الأصل.

٩٧
سورة المائدة، الآيات: ٨٢ - ٨٩
ولتأطرنه على الحق إطراً أو ليضربن اللّه بقلوب بعضكم على بعض ويلعنكم كما لعنهم))(١)
[١٠٣].
﴿ترى كثيراً منهم﴾ أي من اليهود، كعب بن الأشرف وأصحابه ﴿يتولون الذين كفروا﴾
منكر في منكر حين خرجوا إليها يعينون على محمد (عليه السلام) ﴿لبئس ما قدّمت لهم أنفسهم
أن سخط الله﴾ عذاب الله ﴿عليهم وفي العذاب هم خالدون ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي﴾
محمد ﴿وما أنزل إليه﴾ من القرآن ﴿وما اتّخذوهم أولياء ولكن كثيراً منهم فاسقون﴾ يعني من لم
يسلم .
لَنَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَّوَةٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَلْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَّكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمِ نَّوَدَّةً
لِلَّذِينَ ءَامَنُوا الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَىَّ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِيْبِسِينَ وَرُهْيَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْرُونَ
(َ وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَ أَعْيُنَهُمْ نَغِيِضُ مِنَ اْلَّمْعِ مِمَا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّاَ ءَامَنَّا
فَأَكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِلَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ الْحَقْ وَتَطَمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْغَوَّمِ
فَأَنَّبَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَّجْرِى مِن تَحْتَّهَا الْأَنْهَرُ خَلِيْنَّ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَّآءُ الْمُحْسِنِينَ
الصَّلِحِينَ
وَلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ جَابِنَا أُوْلَبَّكَ أَمْعَلَبُ اَلْمَحِيمِ (
(٨٥
يَتُهَا الَّذِينَ ،َمَنُواْ لَا مُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَّ
٨٩
أَعَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لَّ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
﴿ وَكُواْ مِنَّا رَزَّفَكُمُ اللَّهُ حَلًا طَيْبًّا وَأَذَّقُواْ أَلَهُ
الَّذِىَّ أَنْتُم بِهِ، مُؤْمِنُونَ ﴿ََّ لَا يُؤَخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ فِيَ أَيْمَنْكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنِّ
فَكَفََّتُهُ: إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا نُطْعِمُونَ أَهْلِكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيُ رَقَبَّةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدُ
فَصِيَامُ ثَكَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفََّرَهُ أَيْمَئِنَّكُمْ إِذَا حَفْتُمْ وَأَحْفَظُواْ أَيْمَنَّكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَآَتِهِ، لَعَلَّكُنْ
تَشْكُرُونَ القَّ
﴿لتجدّن﴾ يا محمد ﴿أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود﴾ يهود أهل المدينة.
أخبرنا الحسن بن محمد بن الحسين، أبو جعفر علي بن محمد بن أحمد الصفار
الهمداني، أبو علي عبد الله بن علي بن الزبير النخعي، إسماعيل بن بهرام الأشجعي، عباد ابن
العوّام عن يحيى بن عبد الله عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي وسلم قال: ((ما خلا يهوديان بمسلم
إلاّ همّا بقتله))(٢) [١٠٤].
﴿والذين أشركوا﴾ مشركي العرب ﴿ولتجدّن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا
نصارى﴾ لم يرد به جميع النصارى مع ما فيهم من عداوة المسلمين وتخريب بلادهم وهدم
(١) كنز العمال: ٣ / ٧٧، ح ٥٥٧٣
(٢) كشف الخفاء: ٢ / ١٨٧، ح ٢٢١٠.

٩٨
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
مساجدهم وقتلهم وأسرهم وإحراق مصاحفهم لا ولا كرامة لهم وإنما نزلت هذه الآية في
النجاشي وأصحابه.
قال المفسرون: أنتمرت قريش بأن يفتنوا المؤمنين عن دينهم فوثبت كل قبيلة على محمد
فيها من المسلمين يؤذونهم ويعذبونهم فأفتن ما أفتن وعصم الله منهم من شاء ومنع اللّه رسوله
بعمّه أبي طالب فلما رأى رسول اللّه وَليل ما بأصحابه ولم يقدر على منعهم ولم يؤمر بعد بالجهاد
أمرهم بالخروج إلى أرض الحبشة وقال: ((إن بها ملكاً صالحاً لا يظلم ولا يُظلم عنده أحد))(١)
[١٠٥].
فاخرجوا إليه حتى يجعل اللّه للمسلمين فرجاً وأراد به النجاشي وإسمه أصحمة وهو
الحبشة عطية فإنما النجاشي إسم الملك كقوله قيصر وكسرى فخرج إليها سراً عشرون رجلاً
وأربع نسوة وهم عثمان بن عفان وامرأته رقية بنت رسول اللّه وَل والزبير بن العوام وابن مسعود
وعبد الرحمن بن عوف وأبو حذيفة بن عتبة وامرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو ومصعب بن عمير
وأبو سلمة بن عبد الأسد وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية وعثمان بن مضعون وعامر بن ربيعة
وامرأته ليلى بنت أبي خيثمة وحاطب بن عمرو وسهيل بن البيضاء فخرجوا إلى البحر وأخذوا
سفينة إلى أرض الحبشة بنصف دينار وذلك في رجب في السنة الخامسة من مبعث رسول اللّه وقل
وهذه الهجرة الأولى، ثم خرج جعفر بن أبي طالب وتتابع المسلمون إليها وكان جميع من هاجر
إلى الحبشة من المسلمين إثنين وثمانين رجلاً سوى النساء والصبيان فلما علمت قريش بذلك
وجّهوا عمرو بن العاص وصاحبه بالهدايا إلى النجاشي وإلى بطارقته ليردهم إليه فيعصمهم الله
وقد ذكرت هذه القصة في سورة آل عمران، فلما انصرف عمرو وأقام المسلمون هناك بخير دار
وأحسن جوار إلى أن هاجر رسول اللّه ◌َلقر هجرته إلى المدينة وذلك في سنة ستة من الهجرة كتب
رسول الله (عليه السلام) إلى النجاشي على يدي عمرو بن أمية الضمري يزوجه أم حبيبة بنت أبي
سفيان وكانت هاجرت مع زوجها فمات زوجها وبعث إليه من عنده من المسلمين.
فأرسل النجاشي إلى أم حبيبة جارية لها يقال لها أبرهة فزوجها حطيئة رسول اللّه ولو إياها
وأعطتها أوضاحاً لها سروراً بذلك وأمر بها أن يوكل من زوجها فوكلت خالد بن الوليد بن
العاص حتى أنكحها على صداق أربعمائة دينار وكان الخاطب لرسول اللّه النجاشي فدعا
النجاشي بأربعمائة دينار وأخذها إلى أم حبيبة على يدي أبرهة فلما جاءتها بها أعطتها منها
خمسين ديناراً فقالت أبرهة: قد أمرني الملك أن لا آخذ منك شيئاً فإن أرد الذي أخذت منك
وأنا صاحبة دهن الملك وثيابه وقد صدقت محمداً رسول اللّه وَ ل﴾له وآمنت به وحاجتي إليك أن
تقرأه منّي السلام قالت: نعم، وقد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بما عندهن من عود وعنبر
(١) تفسير مجمع البيان: ٣ / ٤٠٠.

٩٩
سورة المائدة، الآيات: ٨٢ - ٨٩
وكان رسول اللّه وي ليه يراه عليها وعندها فلا ينكره، فقالت: أم حبيب: فخرجنا في سفينتين وبعث
النجاشي معنا الملاحين(١) حتى قدمنا الجار ثم ركبنا الظهر إلى المدينة فوجدنا رسول اللّه ◌َاخل
بخيبر فخرج من خرج إليه وأقمت بالمدينة حتى قدم رسول اللّه و سير فدخلت عليه وكان يسألني
عن النجاشي وقرأت عليه من أبرهة السلام فرد رسول اللّه ◌َ ل﴿ وقال: ((لا أدري أنا بفتح خيبر
أشد أم بقدوم جعفر))(٢) [١٠٦] وأنزل اللّه تعالى ﴿عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتهم
منهم مودة﴾ يعني أبا سفيان مودة بتزويج أم حبيبة [فقيل لأبي سفيان وهو يومئذ مشرك يحارب
النبي وَله: إنّ محمّداً قد نكح ابنتك قال: ذاك الفحل لا يقرع أنفه](٣).
وبعث النجاشي بعد قدوم جعفر إلى رسول اللّه ◌َ لل إبنه أرها بن أصحمة مع ستين رجلاً
من الحبشة، وكتب إليه: يا رسول اللّه أشهد أنّك رسول اللّه صادقاً مصدقاً وقد بايعتك وبايعت
ابن عمك وأسلمت لله رب العالمين، وقد بعثت إليك أرها وإن شئت أن آتيك بنفسي فعلت
والسلام عليكم يا رسول اللّه.
فركبوا سفينة مع جعفر وأصحابه، حتى إذا كانوا في وسط البحر غرقوا ورأى جعفر
وأصحابه رسول اللّه في سبعين رجلاً عليهم ثياب الصوف منهم إثنان وستون من الحبشة وثمانية
من أهل الشام وهم خيرة الحبشة الراهب وأبرهة وإدريس وأشرف وتمام ومريد وأيمن فقرأ عليهم
رسول اللّه وَ﴿ل سورة يس إلى آخرها فبكوا. حين سمعوا القرآن وآمنوا وقالوا: جئتنا بما كان
ينزل على عيسى (عليه السلام) فأنزل الله تعالى فيهم ﴿لتجدن أشد الناس عداوة) إلى قوله
﴿النصارى﴾ يعني وفد النجاشي الذين غرقوا مع جعفر بن أبي طالب وهم السبعون وكانوا
أصحاب الصوامع.
وقال مقاتل والكلبي: كانوا أربعين رجلاً إثنان وثلاثون في الحبشة وثمانية من أهل الشام.
عطاء: كانوا ثمانين رجلاً أربعون رجلا من أهل نجران من بني الحرث بن كعب وإثنان
وثلاثون من الحبشة وثمانية روميّون من أهل الشام.
وقال قتادة: نزلت في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من أهل الحق وكانوا لعيسى
يؤمنون به وينتهون إليه فلما بعث اللّه محمداً صدّقوه وآمنوا به فأثنى اللّه عليهم ذلك ﴿بأن منهم
قسیسین﴾، أي علماء.
قال قطرب: القس والقسيس العالم بلغة الروم.
وقال ورقة :
(١) في المصدر: النواتي.
(٢) تاريخ الطبري: ٢ / ٢٩٦.
(٣) تاريخ دمشق: ٢٣ / ٤٤٦.

١٠٠
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
بما خبرتنا من قول قس
من الرهبان أكره أن يعوجا (١)
وقال عروة بن الزبير حرّفت النصارى الإنجيل فأدخلوا فيه ما ليس منه وكان الذي غيّر ذلك
أربعة نفر لوقاس ومرقوس ويحنس ومتيوس، وبقي قيس على الحق وعلى الإستقامة والإقتصاد
فمن کان علی هدیه ودینه فهو قسيس(٢).
عبد الله بن يوسف بن أحمد، محمد بن حامد بن محمد التميمي الحسن بن الهيثم
السمري، عبد الله بن محمد، يحيى بن الحمامي، نصير عن زياد الطائي عن الصلت الدهان عن
[حامية](٣) بن رئاب عن سلمان قال: قرأت على رسول اللّه ◌َ و ذلك بإن منهم قسيسين ورهباناً
فاقرأ في ذلك بأن منهم صديقين ورهباناً والرهبان العبّاد وهم أصحاب الصوامع وأخذهم راهب
مثل فارس وفرسان، وراكب وركبان، وقد يكون واحداً وجمعه رهابين، مثل قربان وقرابين،
وجردان وجرادين، وأنشد في الواحد:
لو كلمت رهبان دير في القلل
لانحدر الرهبان يسعى فنزل (٤)
وأنشد في الجمع:
(٥)
رهبان مدين لو رأوك تنزلوا
العصم من شعف العقول الغادر
وهو من قول القائل: رهب اللّه أي خافه، يرهبه رهبة ورهباً ورهباناً ﴿وأنهم لا
يستكبرون﴾ لا يتكبرون عن الإيمان والإذعان للحق ﴿وإذا سمعوا ما أُنزِل إلى الرّسُول﴾
محمد رَُّ ﴿ترى أعيُنَهم تفيضُ من الدّمع مما عرفوا من الحقِ﴾.
أبو عثمان بن أبي بكر الزعفراني، شيخي، أبو جعفر بن أبي خالد عبدالرحمن بن عمر ابن
يزيد، ابن أبي عدي، سعيد عن عمرو بن مرّة قال: قدم على أبي بكر الصديق وفد من اليمن.
فقالوا: إقرأ علينا القرآن، فقرأ عليهم القرآن فجعلوا يبكون فقال أبو بكر: كذا كنا حتى قست
القلوب، وكان أبو بكر لا يملك دمعة حين يقرأ القرآن ﴿يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين﴾
يعني أمة محمد (عليه السلام) دليله قوله ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾ ﴿وما لنا لا نؤمن بالله﴾
إلى قوله ﴿الصالحين﴾ أي في أمة محمد (عليه السلام) دليله قوله ﴿يرثها عبادي الصالحون﴾
﴿فأثابهم اللّه﴾ جازاهم الله ﴿بما قالوا) إلى قوله ﴿خالدين فيها أبداً﴾ على قولهم بالإخلاص
بدليل قوله ﴿وذلك جزاء المحسنين والذين كفروا ... ﴾ الآية.
(١) البداية والنهاية: ٢ / ٣٦٢ وذكر بقية الأبيات.
(٢) تفسير القرطبي: ٦ / ٢٥٧.
(٣) كذا في تفسير القرطبي، وفي تفسير ابن كثير: جاثمة بن رئاب.
(٤) لسان العرب: ١ / ٤٣٧.
(٥) لسان العرب: ١ / ٤٣٧.