النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
سورة المائدة، الآيات: ٢٠ - ٢٦
((أربعة [كلّهم] يدلي على الله يوم القيامة بحجة وعذر، رجل مات فى الفترة ورجل أدرك [الفترة
ـر ؟
الأخيرة](١)، ورجل أصم أبكم ورجل معتوه، فيبعث اللّه عزّ وجل إليهم ملكاً رسولاً فيقول
أطيعوه فيأتهم الرسول فيؤجج لهم ناراً فيقول: إقتحموها فمن اقتحمها كانت عليهم برداً وسلاماً
ومن قال لا حقت عليه كلمة العذاب)) [٤٣](٢).
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمٍ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيَكُمْ أَنْبِيَاةَ وَجَعَلَكُمْ تُلُوكَا
وَءَاتَّنَكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًّاً مِّنَ الْعَلَمِينَ (٣) يَفَوْمِ أَدَخُلُواْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ أَلَِّى كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلَا زَنَدُواْ
عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلُواْ خَسِرِينَ ﴿ قَالُواْ يَمُوسَىّ إِنَّ فِيَهَا قَوْمَا جَبَّارِنَّ وَإِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُواْ مِنْهَا
فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ﴿٣٦) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمَا أَدْ خُلُواْ عَلَيْهِمُ
أَلْبَابٌَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَِيُونَ وَعَلَ اللَّهِ فَتَّوَّكَُّواْ إِنْ كُم مُؤْمِنِينَ ﴿َ قَالُواْ يَمُوسَىَّ إِنَّا لَنَ
نَّدْ خُلَهَاَ أَبَدَأَ مَّ دَامُواْ فِيهَا فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتْلَاً إِنَّا هَهُنَّا فَعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِّ لَا أَمْلِكُ
إِلَّا نَفْسِى وَأَخِىّ فَأَفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَسِفِينَ ﴿٣٤َ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَّةٌ
يَنْهُونَ فِىِ الْأَرْضِّ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْنَسِنِينَ
﴿وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً﴾
إختلفوا في معنى الملوك.
فروى أبو الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن رسول اللّه وَ ل قال: ((كان بنو إسرائيل إذا كان
لأحدهم خادم وامرأة ودابة يكتب ملكاً))(٣) [٤٤].
وقال ابن عباس ومجاهد والحسن والحكم: من كان له بيت وخادم وامرأة فهو ملك.
وقال أبو عبد الرحمن: قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص وسأله رجل فقال: ألسنا
من فقداء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك إمرأة تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكن
تسكنه؟ قال نعم، قال: فأنت من الأغنياء، قال: إنّ لي خادماً ومالاً. قال: فأنت من الملوك.
وروى أبو عبلة عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: قال رسول اللّه وسلم: ((من أصبح
معافى في بدنه آمناً في سربه وعنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها، يا ابن جعشم
يكفيك منها ما يسدّ جوعك ويواري عورتك فإن كان بيت يواريك فذاك، وإن كان دابة تركبها
فبخ، فلق الخبز وماء البحر وما فوق ذلك حساب عليك))(٤) [٤٥].
(١) هكذا في الأصل، وفي المصدر: الإسلام هرماً.
(٢) كتاب السنّة لعمرو بن أبي عاصم: ١٧٦ .
(٣) فتح القدير: ٢ / ٢٩.
(٤) تاريخ دمشق: ٧٠ / ١٤٧.

٤٢
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
وقال الضحّاك: كانت منازلهم واسعة فيها مياه جارية فمن كان مسكنه واسعاً وفيه ماء جار
فهو ملك.
وقال قتادة: كانوا أول من ملك الخدم وأول من سخّر لهم الخدم من بني آدم.
قال السدّي: يعني وجعلكم أحراراً تملكون أنفسكم بعد أن كنتم في أيدي القبط بمنزلة
أهل الجزية فينا فأخرجكم اللّه من الذّل ﴿وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين﴾ يعني عالمي من
غيركم .
وقال مجاهد: يعني المن والسلوى والحجر والغمام ﴿يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة﴾
إختلفوا في الأرض المقدسة ما هي.
فقال مجاهد: هي الطور وما حوله. وقال الضحّاك: هي إيليا وبيت المقدس الحرام محرم
مقداره، السماوات والأرض بيت المقدس مقدّس مقداره من السماوات والأرض.
عكرمة والسدّي وابن زيد: هي أريحا .
الكلبي: دمشق وفلسطين وبعض الأردن.
قتادة: هي الشام كلها .
قال زيد بن ثابت: بينما نحن حول رسول اللّه ◌َ﴾ يؤلف القرآن من الرقاع إذ قال: ((طوبى
للشام)) قيل: يا رسول اللّه ولم ذاك؟قال: ((إن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليهم)) [٤٦](١).
نصير بن علقمة الحمصي عن جبير بن نقير عن عبد الله بن حواله قال: كنّا عند النبي وَلَّه
فقال: ((والله لا يزال هذا الأمر فيكم حتى يفتح الله أرض فارس والرّوم وأرض حمْير وحتى
تكونوا أجناداً ثلاثة، جنداً بالشام، وجنداً بالعراق وجنداً باليمن)).
فقال ابن حوالة: يا رسول الله أن أدركني ذلك، قال: ((إختار لك الشام فإنها صفوة الله
من بلادكم وإليها [يجتبي] صفوته من عباده، يا أهل الإسلام فعليكم بالشام فإن صفوة اللّه من
الأرض الشام فمن أبى فليلحق بيمينه وليستق من غدره إن الله قد تكفّل لي بالشام وأهله))(٢)
[٤٧].
روى الأعمش عن عبد الله بن صبّار عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال: قسّم الخير
عشرة أعشار فجعل منه تسعة بالشام وواحد بالعراق. وقسم الشّر عشرة أعشار فجعل منه تسعة
بالعراق وواحد بالشام. ودخل الشام عشرة ألف عين رأت النبي ◌َّر ونزل خمس وسبعمائة من
(١) المعجم الكبير: ٥ / ١٥٨.
(٢) تاريخ دمشق: ١ / ٧٤، معجم البلدان: ٣ / ٣١٤.

٤٣
سورة المائدة، الآيات: ٢٠ - ٢٦
أصحاب النبي وَلَّ(١) فيهم سبعون [صحابياً] ﴿التي كتب اللّه لكم﴾ يعني كتبه في اللوح المحفوظ
إنها لكم مساكن.
وقال ابن إسحاق: ذهب اللّه لكم. السّدي: أمركم به يدعو لها، وقتادة: أمروا بها كما
أمروا بالصلاة ﴿ولا ترتدوا على أدباركم﴾ أعقابكم بخلاف اللّه ﴿فتنقلبوا﴾.
قال الكلبي: صعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام جبل لبنان فقيل له: أنظر فما أدركه بصرك
فهو مقدس وهو ميراث لذريّتك من بعدك، قالوا: يعني بني إسرائيل، يا موسى إكتموا أمرهم لا
تخبروا به أحداً من أهل العسكر فيفشيانه فذهب كل رجل منهم فأخبر قريبه وابن عمّه إلاّ رجلين
وفيا. فقال لهم موسى: وهما يوشع بن نون بن أفراثيتم بن يوسف فتى موسى وكالب بن يوفنا
ختن موسى على أخته مريم ابنت عمران وهما من إيليا فعلمت جماعة بني إسرائيل ذلك، ورفعوا
أصواتهم بالبكاء، وقالوا: يا ويلتنا متنا في أرض مصر، وليتنا نموت في هذه البرية ولا يدخلنا
اللّه لدينهم فيكون نساؤنا وأولادنا وأثقالنا غنيمة لهم، وجعل الرجل يقول لأصحابه: تعالوا
نجعل علينا رأساً وننصرف إلى مصر وذلك قوله عز وجل إخباراً عنهم: ﴿قالوا: يا موسى إنّ
فيها قوماً جبّارين وإنّا لن ندخلها﴾.
وقال قتادة: كانت لهم أجسام وخلق عجيب ليست لغيرهم ﴿وإنّا لن ندخلها حتّى يخرجوا
منها فإن يخرجوا منها فإنّا داخلون﴾ فلما قالوا ذلك وهمّوا بالإنصراف إلى مصر خرّ موسى
وهارون (عليهم السلام) ساجدين وخرق يوشع وكالب ثيابهما وهما اللذان أخبر الله عز وجل
عنهما في قوله ﴿قال رجلان من الذين يخافون﴾ أي يخافون الله.
قرأ سعيد بن جبير يخافون بضم الياء وقال: كانا من الجبّارين فأسلما واتّبعا موسى
﴿أنعم الله عليهما﴾ بالتوفيق والعصمة ﴿أدخلوا عليهم الباب﴾ يعني قرية الجبّارين ﴿فإذا
دخلتموه فإنكم غالبون﴾ لأنّ اللّه منجز وعده ولا ينساهم فكانت أجسامهم عظيمة قوية، وقلوبهم
ضعيفة فلا يخشونهم ﴿وعلى اللّه فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾ فأراد بنو إسرائيل أن يرجموهما
بالحجارة وعصوهما ﴿قالوا: يا موسى إنّا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربّك فقاتلا
إنّا ها هنا قاعدون﴾.
روي أن رسول اللّه و ير قال لأصحابه يوم الحديبية حين صدّ عن البيت: إني ذاهب بالهدي
فناحره عند البيت. فقال المقداد بن الأسود: أما والله لا نقول لك ما قال قوم موسى إذهب أنت
وربك فقاتلا إنّا ها هنا قاعدون، ولكنّا نقاتل عن يمينك وشمالك ومن بين يديك ومن خلفك فلو
خضت البحر لخضناه معك، ولو تسنّمت جبلاً لعلوناه معك فسر بنا على بركة الله، فلما سمع
أصحاب رسول اللّه وَ لير بايعوه على ذلك وأشرق وجه رسول اللّه مَ ليل بذلك وسرّه.
(١) إلى هنا في تاريخ دمشق: ١ / ٣٢٧.

٤٤
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
قال ابن مسعود: لأن أكون صاحب هذا المسجد أحبّ إليّ مما عدل بي.
فلمّا فعلت بنو إسرائيل ما فعلت من معصيتهم بينهم ومخالفتهم أمر ربهم وهممتم بيوشع
وكالب، غضب موسى ودعا عليهم ﴿قال رب إني لا أملك إلاّ نفسي وأخي فافرق﴾ أي فأفصل
واقضٍ.
وقرأ عبيد بن عمير: فافرق بخفض الرّاء ﴿بيننا وبين القوم الفاسقين﴾ العاصين. وكانت
عجلة عجلها موسى وظهر الغمام على باب قبة الزمر موضع مناجاته وأوحى اللّه تعالى إلى
موسى: إلى متى يعصيني هذا الشعب وإلى متى لا يصدّقون بالآيات لأهلكنّهم جميعاً ولا جعلنّ
لك شعباً أشد وأكثر منهم، فقال موسى (عليه السلام): إلهي لو إنّك قتلت هذا الشعب كلّهم
كرجل واحد لقالت الأمم الذين سمعوا: إنمّا قتل هذا الشعب لإنه لم يستطع أن يدخلهم الأرض
المقدسة فقتلهم في البرية، وإنّك طويل صبرك كثير نعمك وإنّك تغفر الذنوب وتحفظ الآباء على
الأبناء وأبناء الأبناء، فاغفر لهم توبتهم، فقال اللّه لموسى: قد غفرت لهم بكلمتك ولكن بعد ما
سميّتهم فاسقين ودعوت عليهم لأحرّمن عليهم دخول الأرض المقدسّة غير عبديّ يوشع وكالب
ولأتيِّهنَّهم في هذه البرية أربعين سنة فكان كل يوم من الأيام الذي يحتسبوا فيها سنة وليلقين
حتفهم في هذه القفار وأما بنوهم الذين لم يعلموا الخير والشر فإنهم يدخلون الأرض المقدسة
فذلك قوله تعالى ﴿قال فإنها محرّمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض﴾ يتحيرون في الأرض
فلبثوا أربعين سنة في ستة فراسخ يسيروا في كل يوم جادّين حتّى إذا أمسوا وباتوا فإذا هم في
الموضع الذي ارتحلوا عليه، وكانوا ستمائة ألف مقاتل ومئات من النقباء العشرة الذين أفشوا
الخبر بغتة فكل من دخل التيه ممن جاوز عشرين سنة مات في التيه غير يوشع وكالب، ولم
يدخل أريحا أحد ممن قالوا ﴿إنّا لن ندخلها أبداً﴾ فلمّا هلكوا وانقضت أربعون سنة ونشأت
النواشي من ذرياتهم ساروا إلى حرب الجبارين(١).
واختلف العلماء في من تولي ذلك الحرب وعلى يد من كان الفتح، فقال القوم: إنمّا فتح
أريحا موسى (عليه السلام) وكان يوشع على مقدمته فسار موسى إليهم بمن بقي من بني إسرائيل
فدخل بهم يوشع وقاتل الجبابرة التي كانوا بها ثم دخلها موسى (عليه السلام) بني إسرائيل فأقام
فيها ما شاء الله أن يقيم فيه ثم قبضه الله إليه لا يعلم بقبره أحد من الخلائق، وهذا أصح
الأقاويل، لإجماع العلماء أن عوج ابن عناق قتله موسى، والله أعلم.
وقال الآخرون: إنّما قاتل الجبّارين يوشع ولم يسر إليهم إلاّ بعد موت موسى، وهلاك
جميع من أبى المسير إليها فقالوا: مات موسى وهارون في التيه.
(١) تفسير الطبري: ٦ / ٢٤٩.

٤٥
سورة المائدة، الآيات: ٢٠ - ٢٦
قصة وفاة هارون (عليه السلام)
قال السدّي: أوحى الله عز وجل إلى موسى: أني متوفي هارون، فأت به جبل كذا وكذا
فانطلق موسى وهارون نحو الجبل، فإذا هما بشجر لم ير شجر مثلها وإذا بيت مبني فيه سرير
عليه فرش وإذا فيه ريح طيبة فِلمًا نظر هارون إلى ذلك بجنبه أعجبه وقال: يا موسى إنّي أحب أن
أنام على هذا السرير، قال: فنم عليه، فقال: إنّي أخاف أن يأتي رب هذا البيت فيغضب عليّ،
قال له موسى: لا، أنا أكفيك رب هذا البيت فنم، قال: يا موسى بل نم معي فإن جاء رب
البيت غضب عليّ وعليك جميعاً، فلما ناما أخذ هارون الموت فلما وجد حتفه قال: يا موسى
خذ عيني فلما قبض رفع ذلك البيت وذهبت تلك الشجرة ورفع السرير إلى السماء، فلما رجع
موسى إلى بني إسرائيل وليس معه هارون، قالوا: إنّ موسى قتل هارون وحسده حبّ بني إسرائيل
له، فقال موسى: ويحكم فإنّ أخي أُمر ولن أقتله فلما أكثروا عليه قام فصلى ركعتين ثم دعا الله
فنزل السرير حتى نظروا إليه بين السماء والأرض فصدقوه.
وقال عمرو بن ميمون: كان وفاة موسى وهارون في التيه، ومات هارون قبل موسى. فكانا
خرجا في التيه إلى بعض الكهوف، فمات هارون ودفنه موسى، وانصرف إلى بني إسرائيل،
فقالوا: ما فعل هارون؟ قال: مات، قالوا: كذبت ولكنك قتلته لمحبّتنا إياه، وكان محبباً في بني
إسرائيل .
فتضرع موسى إلى ربّه وشكى ما لقي من بني إسرائيل فأوحى الله عز وجل إليه أن انطلق
بهم إلى قبر هارون حتى تخبرهم أنه مات موتاً ولم تقتله، وانطلق بهم إلى قبر هارون فنادى: یا
هارون فخرج من قبره ينفض من رأسه فقال: أنا قتلتك؟ قال: لا والله ولكنّ متّ قال: فعد إلى
مضجعك، وانصرفوا .
وأما وفاة موسى (عليه السلام)
فقال ابن إسحاق: كان صفي الله موسى قد كره الموت وأعظمة فلما كرهه أراد الله أن
يحبِّب إليه الموت ويكرِّه إليه الحياة فالتقى يوشع بن نون وكان يغدو ويروح عليه فيقول له
موسى: يا نبي الله ما أحدث اللّه ؟ فيقول له يوشع: يا نبي الله ألم أصحبك كذا وكذا سنة وهل
كنت أسألك عن شيء مما أحدث اللّه إليك حتّى تكون أنت الذي تهتدي به وتذكره ولا تذكر له
شيئاً؟ فلما رأى ذلك موسى كره الحياة وأحبّ الموت، ثم اختلفوا في صفة موته.
فروى همام بن منبه عن أبي هريرة عن محمد رسول اللّه وسلم قال: ((جاء ملك الموت إلى
موسى (عليه السلام) فقال له: أجب ربك، قال فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها فرجع ملك
الموت إلى اللّه تعالى فقال: إنّك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت، وقد فقا عيني، قال: فرّد

٤٦
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
اللّه عينه وقال: إرجع إلى عبدي، فقل له: الحياة تريد فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن
ثور فما وارت يدك من شعره فإنك تعيش بعدد كل شعرة من ذلك سنة قال: ثم ماذا، قال: ثم
تموت، قال: فألان من قريب قال: ياربّ أدنني من الأرض المقدسة قدر رمية حجر))، فقال
رسول اللّه وسلم: ((والله لو إني عنده لأريتكم قبره إلى جانب الطور الطريق عند الكثيب
الأحمر))(١) [٤٨].
قال الثعلبي: سمعت أبا سعيد بن حمدون قال: سمعت أبا حامد المقري قال: سمعت
محمد ابن يحيى يقول: قد صحّ هذا من رسول اللّه ◌َليل معنى قصة ملك الموت وموسى لا يردّها
إلاّ ضال. وفي حديث آخر: أن رسول اللّه ◌َّ﴾ قال: ((إنّ ملك الموت كان يأتي النّاس عياناً
حتّى أتى موسى ليقبضه فلطمه ففقأ عينه فرجع ملك الموت، فجاء بعد ذلك خفية))(٢) [٤٩].
وقال السّدي: في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن رسول اللّه وَل﴾: ((كان
موسى (عليه السلام) يمشي وفتاه يوشع إذ أقبلت ريح سوداء فلما نظر إليها يوشع ظن أنها الساعة
فالتزم موسى. فقال: تقوم الساعة وأنا ملتزم لموسى نبي اللله فأستلّ موسى من تحت القميص
وترك القميص في يدي يوشع، فلما جاء يوشع بالقميص أخذته بنو إسرائيل. وقالوا: أقتلت نبي
اللّه؟ قال: لا والله ما قتلته ولكن استلّ منّي، فلم يصدّقوه وأرادوا قتله، قال: فإذا لم تصدقوني
فأخّروني ثلاثة أيام فدعا اللّه عز وجل فأتى كل رجل ممّن كان يحرسه في المنام فأخبر أن يوشع
لم يقتل وإنا قد رفعناه إلينا فتركوه))(٣) [٥٠].
وقال وهب: خرج موسى (عليه السلام) لبعض حاجته فمرّ برهط من الملائكة يحفرون قبراً
فعرفهم فأقبل إليهم حتى وقف عليهم فإذا هم يحفرون قبراً لم ير شبيهاً قط أحسن منه ولم ير مثل
ما فيه من الخضرة والنضرة والبهجة، فقال لهم: يا ملائكة اللّه لمن تحفرون هذا القبر؟ قالوا:
نحفره والله لعبد كريم على ربّه، قال: إنّ لهذا العبد من اللّه لمنزلة فإني ما رأيت كاليوم
مضجعاً، فقالت الملائكة: يا صفي اللّه أتحب أن يكون لك؟ قال: وددت، قالوا: فانزل
فاضطجع فيه وتوجّه إلى ربك ثم تنفس أسهل تنفس تنفّسته قط، فنزل فاضطجع فيه وتوجّه إلى
ربه ثم تنفس فقبض اللّه روحه ثم سوّت عليه الملائكة(٤).
وقيل: إن ملك الموت أتاه فقال له: يا موسى أشربت الخمر؟ قال: لا، فاستكرهه فقبض
روحه. وقيل: بل أتاه بتفاحة من الجنّة فشمها فقبض روحه.
(١) تاريخ دمشق: ٦١ / ١٧٨.
(٢) مسند أحمد: ٢ / ٥٣٣ وتاريخ الطبري: ١ / ٣٠٥.
(٣) تاريخ الطبري: ١ / ٣٠٤.
(٤) المصدر السابق: ٣٠٥.

٤٧
سورة المائدة، الآيات: ٢٠ - ٢٦
ويروى أن يوشع بن نون رآه بعد موته في المنام فقال: كيف وجدت الموت. قال كشاة
تُسلخ وهي حيّة، وكان عمر موسى (عليه السلام) مائة وعشرون سنة، عشرين سنة منها في ملك
إفريدون ومائة في ملك منوجهر(١) فلما انقضت الأربعون سنة مات.
ولما مات موسى بعث اللّه تعالى إليهم يوشع نبياً فأخبرهم إنه نبي الله وأن الله أمرهم
بقتال الجبّارين فصدقوه وبايعوه فتوجه ببني إسرائيل إلى أريحا ومعه تابوت الميثاق فأحاط بمدينة
أريحا ستة أشهر فلما كان في السابع نفخ في القرون وضجّ الشعب ضجة واحدة فسقط سور
المدينة فدخلوا وقاتلوا الجبّارين وهزموهم وهجموا عليهم يقتلونهم وكانت الغلبة من بني إسرائيل
يجتمعون على عنق الرجل يضربونها حتى يقطعونها وكان القتال يوم الجمعة فبقيت منهم بقية
وكادت الشمس تغرب ودخل ليلة السبت فخشي أن يعجزوا فقال: اللهم أردد الشمس عليّ فقال
للشمس: إنّك في طاعة اللّه فسأل الشمس أن تقف والقمر أن يقم حتى ينتقم من أدعائه دخول
السبت فردت عليه الشمس وزيد له في النهار ساعة حتى قطعهم أجمعين ثمّ أرسل ملوك
الأرمانيين بعضهم إلى بعض فكانوا خمسة فجمعوا كلمتهم على يوشع وقومه وهزمت بنو إسرائيل
الملوك حتى أهبطوهم إلى هبطة خوران ورماهم اللّه تعالى بأحجار مبرّد وكان من قبله البرد أكثر
مما قبله بنو إسرائيل بالسيف، وهرب الخمسة الملوك فاختفوا في غار فأمرهم يوشع فأخرجوا
فقتلهم وصلبهم ثم أنزلهم فطرحهم في ذلك الغار وتتّبع سائر ملوك الشام فاستباح منهم واحداً
وثلاثين ملكاً حتى غلب على جميع أرض الشام وصارت الشام كلها لبني إسرائيل، وفرق عمّاله
في نواحيها ثم جمع الغنائم فلم ينزل النار.
فأوحى الله تعالى إلى يوشع أنّ فيها غلولا فمرهم فليبايعوك فبايعوه فالتصقت. فدخل
بينهم بيده، فقال ◌َله: هلمّ لما عندك فأتاه برأس الثور مكلل بالياقوت والجوهر كان قد غلّه
فجعله في القربان وجعل الرجل معه فجاءت النار فأحنث الرجل والقربان(٢).
معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه وسلم: ((غزا نبي من الأنبياء
فقال: لقومه لا يتبعني رجل قد ناكح إمرأة وهو يريد أن يبني بها ولما بنى ولا آخر قد بنى بناءاً له
ولما يرفع سقفها، ولا آخر قد اشترى غنماً أو خلفات وهو ينتظر ولادها. قال: فغزا فدنا للدير
حين صلّى العصر أو قريباً من ذلك. فقال للشمس: أنت مأمورة وأنا مأمور، اللّهم احبسها عليّ
ساعة فحبست له ساعة حتى فتح اللّه عليه . . قال من علمي أنها لم تُحبس لأحد قبله ولا بعده.
ثم وضعت الغنيمة فجمعوا فجاءت النار ولم تأكلها فقال: إنّ فيكم غلول فليبايعني من كل قبيلة
منكم رجل فبايعوه فلصقت يد رجل بيده. فقال: فيكم الغلول أنتم غللتم، قال: فأخرجوا مثل
(١) في تاريخ الطبري: ١ / ٣٠٦ افريذون، منوشهر.
(٢) بتفاوت في تاريخ الطبري: ١ / ٣١١ وتاريخ ابن خلدون: ٢ / ٨٧.

٤٨
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
رأس بقرة من ذهب فألقوه في الغنيمة وهو بالصعيد فأقبلت النار فأكلتها)) قال النبي وَّر: ((فلم
تحل الغنائم لأحد من قبلنا وذلك لأن اللّه تعالى رأى ضعفنا وعجزنا فطيّبها لنا))(١) [٥١].
قالوا: ثم مات يوشع (عليه السلام) ودفن في جبل أفرايم وكان عمره مائة وستاً وعشرين
سنة. وتدبّر أمر بني إسرائيل بعد وفاة موسى سبعاً وعشرين سنة.
وَتَّلُ عَلَّهِمْ نَبَأَ أَبْنَىْ ءَادَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُنَقَبَّلْ مِنَ الْآَخْرِ قَالَ
◌َأَ قْلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ ﴿٦َ لَبِنْ بَطِتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِنَقْتُلَنِى مَآ أَنَّ بِبَاسِطِ يَدِىَ إِلَيْكَ
إِّ أُرِيدُ أَنْ تَبُوَأَ بِإِنِى وَإِثْكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَبِ النَّارِ وَذَلِكَ
لِأَقْتُلَكَ إِنْ أَخَافُ اللّهَ رَبِّ الْعَلَمِينَ
﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَبْلَ أَخِيهِ فَقَنَهُ فَأَصَّيَحَ مِنَ الْخَبِرِينَ (٣٦) فَعَثَ اللَّهُ غُرَبًا يَبْحَثُ
جَزَّوْاْ الطَّلِينَ
فىِ الْأَرْضِ لِيُرِيَّهُ كَيْفَ يُؤَرِى سَوْءَةً أَخِيَّةٍ قَالَ يَوْيَتَ أَعَجَزْتُ أَنَّ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَبِ فَأُوَرِىَّ
سَّوْءَةَ أَخِّ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّدِمِينَ (٣٨) مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِىَّ إِسْرَاهِلَ أَنَّهُ مَن قَتْلَ نَفْسًا بِغَيْرٍ
نَفَّسِ أَوْ فَنَادٍ فِى الْأَرْضِ فَكَأَنََّا فَتَّلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَخْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَخْيَا أُلنَّاسَ جَمِيعًاً
وَلَقَدْ جَآَ تَهُمْ رُسُلْنَا بِالْبَعْنَتِ ثُقَ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِ الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ
﴿واتل عليهم نبأ﴾ خبر ﴿ابني آدم﴾ وهما هابيل وقابيل، فهابيل في إسمه ثلاث لغات:
هابيل وهابل وهابن. وقابيل في إسمه خمس لغات: قابيل وقابين وقابل وقبن وقابن ﴿إذا قرّبا
قرباناً﴾ وكان سبب تقرّبهما القربان على ما ذكره أهل العلم بالقرآن. أن حوّاء كانت تلد لآدم
(عليه السلام) توأماً في كل بطن غلاماً وجارية إلاّ شيئاً فإنها ولدته مفرداً وكان جميع ما ولدته
حوّاء أربعين من ذكر وأنثى في عشرين بطناً أولهم قابيل وتوأمته أقليما وآخرهم عبدالمغيث مغيت
وتوأمته أمة المغيث ثم بارك اللّه في نسل آدم (عليه السلام) (٢).
قال ابن عباس: لم يمت آدم (عليه السلام) حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفاً بنوذ(٣).
ورأى آدم (عليه السلام) فيهم الزنا وشرب الخمر والفساد.
واختلف العلماء في وقت مولد قابيل وهابيل، وموضع اختلافهما. فقال بعضهم: غشى آدم
حوّاء بعد هبوطهما إلى الأرض بمائة سنة فولدت له قابيل وتوأمته أقليما في بطن، ثم هابيل
وتوأمته في بطن .
وقال محمد بن إسحاق: عن بعض أهل الكتاب، العلم الأول إنّ آدم كان يغشى حوّاء في
(١) صحيح ابن حبان: ١١ / ١٣٨، وشرح صحيح مسلم للنووي: ١٢ / ٥١.
(٢) فيه تفاوت عمّا في أخبار الزمان للمسعودي: ٧٤ .
(٣) كذا أيضاً في تاريخ الطبري: ١ / ١١٤، والطبقات الكبرى: ١ / ٣٩.

٤٩
سورة المائدة، الآيات: ٢٧ - ٣٢
الجنّة قبل أن يصيب الخطيئة فحملت له فيها بقابيل وتوأمته فلم يجد عليها وحماً ولا وصباً ولا
يجد عليها طلقاً حين ولدتهما ولم تر معهما دماً، لطهر الجنّة فلما هبط إلى الأرض واطمأنا بها
تغشّاها فحملت بهابيل وتوأمته فوجدت عليهما الوصب والوحم والطلق والدم.
وكان آدم إذا شبّ أولاده تزوّج غلام هذا البطن جارية البطن الآخر وتزوج بجارية هذا
البطن غلام البطن الآخر وكان الرجل منهم يتزوّج أي أخواته يشاء إلاّ توأمته التي ولدت معه
فإنها لا تحل له، وذلك أنه لم يكن يومئذ نساء إلاّ أخواتهم وأمهم حوّاء، فلما ولد قابيل
وأقليما، ثم هابيل وتوأمته ليوذا في بطن، وكان بينهما سنتين . في قول الكلبي. وأدركوا أمر الله
عز وجل آدم (عليه السلام) أن ينكح قابيل ليوذا أخت هابيل. ونكح هابيل أقليما أخت قابيل،
وكانت أخت قابيل من أحسن الناس. فذكر ذلك آدم لولده فرضي هابيل وسخط قابيل، وقال:
هي أختي ولدت معي في بطن. وهي أحسن من أخت هابيل وأنا أحق بها منه، لأنّها من ولادة
الجنة وهما من ولادة الأرض. وأنا أحق بأختي فقال له أبوه: إنها لا تحلّ لك، فأبى أن يقبل
ذلك منه وقال إنّ اللّه لم يأمر بهذا وإنما هو من رأيه. فقال لهما آدم: فقرّبا قرباناً فأيكما يقبل
قربانه فهو أحق بها .
وقال معاوية بن عمار: سألت الصادق عليه سلام اللّه عن آدم (عليه السلام) أكان زوّج
ابنته من ابنه، فقال: معاذ الله والله لو فعل ذلك آدم ما رغب عنه رسول اللّه وَطير. وما كان دين
آدم إلّ دين رسول الله ﴿ ﴿ إنّ الله تبارك تعالى لما نزل آدم وحواء إلى الأرض وجمع بينهما
ولدت حوّاء بنتاً وسمّاها ليوذا فبغت وهي أوّل من بغت على وجه الأرض فسلّط الله عليها من
قتلها فولدت لآدم على أثرها قابيل، ثم ولد له هابيل، فلما أدرك قابيل أظهر اللّه جنية من ولد
الجان يقال لها جهانة في صورة إنسية وأوحى الله تعالى إلى آدم (عليه السلام) أن زوجها من
قابيل فزوجها منه فلما أدرك هابيل أهبط اللّه تعالى حوراء إلى آدم (عليه السلام) في صورة إنسية
وخلق لها رحماً وكان اسمها نزلة، فلما نظر إليها قابيل ومقها، وأوحى الله تعالى إلى آدم (عليه
السلام) أن زوّج نزلة من هابيل، ففعل ذلك، فقال قابيل له: ألست أكبر من أخي وأحق بما
فعلت به منه. فقال له آدم: يا بني إنّ الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. فقال: لا ولكنّك آثرته عليّ
بهواك. فقال له آدم: إن كنت تريد أن تعلم ذلك فقرّبا قرباناً فأيكما تقبل قربانه فهو أولى بالفضل
من صاحبه (١).
قالوا: وكانت القرابين إذا كانت مقبولة نزلت نار من السماء فأكلتها . وإذا لم تكن مقبولة لم
تنزل النار وأكلتها الطير والسباع، فخرجا ليقرّبا وكان قابيل صاحب زرع وقرّب حبرة من طعام
من أردى زرع وأضمر في نفسه: ما أبالي أيقبل مني أم لا لأتزوج أختي أبداً، وكان هابيل راعياً
(١) تفسير القرطبي: ٦ / ١٣٤.

٥٠
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
صاحب ماشية فقرّب حملاً سميناً من بين غنمه ولبناً وزبداً وأضمر في نفسه الرضا للّه عز وجل .
وقال إسماعيل بن رافع: بلغني أنّ هابيل أمنح له غنمه وكان في حملتها حمل فأحبه حتى
لم يكن له مال أعظم له منه وكان يحمله على ظهره فلما أمر بالقربان قرّبه، قال: فوضعا
قربانيهما على الجبل، ثم دعا آدم (عليه السلام) فنزلت نار من السماء وأكلت الحمل والزبد
واللبن، ولم تأكل من قربان قابيل حبّاً، لأنه لم يكن زاكي القلب. وقُبل قربان هابيل لأنه كان
زاكي القلب.
فما زال يرتع في الجنة حتى فدى به ابن إبراهيم فذلك قوله عز وجل ﴿فتقبل من أحدهما
ولم يتقبل من الآخر﴾ فنزلوا عن الجبل وعرفوا وغضب قابيل لمّا ردّ اللّه قربانه وظهر فيه الحسد
والبغي وكان يضمر ذلك من نفسه، إلى أن أتى آدم مكّة ليزور البيت فلمّا أراد أن يأتي مكّة قال
للسماء: إحفظي ولدي بالأمانة فأبت، وقال ذلك للأرض فأبت، وللجبال فأبت، فقال: ذلك
لقابيل فقبل منه وقال: نعم ترجع وترى ولدك كما يسرّك، فرجع آدم وقد قتل قابيل أخاه وفي
ذلك قوله ﴿إنّا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها
وحملها الإنسان﴾(١) يعني قابيل ﴿إنّه كان ظلوما جهولاً﴾ حين حمل أمانة أبيه ثم خانه. قالوا:
فلمّا غاب آدم أتى قابيل وهابيل وهو في غزة قال: لأقتلك. قال: ولم ؟قال: لأن اللّه قبل
قربانك، وردّ عليّ قرباني وتنكح أختي الحسناء، وأنكح أختك الدميمة وتحدث الناس إنّك خير
منّي وأفضل ويفتخر ولدك على ولدي، فقال له هابيل: وما ذنبي ﴿قال إنّما يتقبل الله من المتقين
لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إنّ أخاف اللّه رب العالمين﴾.
قال عبد الله بن عمر: أيم اللّه إن كان المقتول لأشدّ الرجلين ولكن منعه التحرّج أن يبسط
إلى أخيه يده.
وقال مجاهد: كتب عليهم في ذلك الوقت، إذا أراد رجل قتل رجل أن يتركه ولا يمتنع منه
﴿إني أريد أن تبوء بأثمي وإثمك﴾ يعني بإثم قتلي إلى إثمك الذي عملته قبل قتلي، هذا قول
عامة المفسرين.
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: معناه إني أريد أن يكون عليك خطيئتي التي عملتها
أنا إذا قتلتني وإثمك فتبوء بخطيئتي ودمي جميعاً ﴿فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء
الظالمين﴾ وفي هذا دليل على إنهم كانوا في ذلك الوقت مكلفين قد لحقهم الوعد والوعيد
﴿فطوّعت له نفسه﴾ أي طاوعته وبايعته في ﴿قتل أخيه﴾.
وقال مجاهد: شجعت. قتادة: زيّنت. ﴿فقتله﴾ .
(١) سورة الأحزاب: ٧٢.

٥١
سورة المائدة، الآيات: ٢٧ - ٣٢
قال السدّي: فلما أراد قتل هابيل راغ الغلام في رؤوس الجبال. ثم أتاه يوماً من الأيام
[وهو يرعى غنماً له وهو نائم] فرفع صخرة فشدخ بها رأسه فمات.
وقال ابن جريح: لم يدر قابيل كيف يقتل هابيل، فتمثل له إبليس وأخذ طيراً فوضع رأسه
على حجر ثم شدخ رأسه بحجر آخر وقابيل ينظر فعلّمه القتل، فوضع قابيل رأس أخيه بين
حجرين. وكان لها بيل يوم قُتِل عشرون سنة فاختلفوا في مصرعه وموضع قتله.
قال ابن عباس: على جبل نود، وقال بعضهم: عند عقبة حرّا .
حكى محمد بن جرير، وقال جعفر الصادق: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم.
فلما قتله بالعراء لم يدر ما يصنع به، لأنه كان أوّل ميّت على وجه الأرض من بني آدم
فقصده السباع، فحمله في جراب على ظهره سنة حتى أروح وعلقت به الطير والسباع تنظر متى
يرمي به فتأكله. ﴿فبعث الله﴾ غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه ثم حفر له بمنقاره وبرجله
عليه حتى مكّن له ثم ألقاه في الحفيرة وواراه. وقابيل ينظر إليه فلما رأى ذلك ﴿قال يا ويلتي
أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي﴾ أي جيفته وفيه دليل على أن الميت كلّه
عورة ﴿فأصبح من النادمين﴾ على حمله لا على قتله، وقيل: على موت أخيه لا على ركوب
الذنب.
يدل عليه ما أخبر الأوزاعي عن المطلب بن عبد اللّه المخزومي قال: لما قتل ابن آدم أخاه
رجفت الأرض بما عليها سبعة أيام ثم شربت الأرض دمه كما يشرب الماء، فناداه اللّه: أين
أخوك هابيل؟ قال: ما أدري، ما كنت عليه رقيباً، فقال الله عز وجل: إن صوت دم أخيك
ليناديني من الأرض فلم قتلت أخاك؟ فأين دمه إن كنت قتلته؟ ومنع اللّه عز وجل على الأرض
يومئذ أن تشرب دماً بعدها أبداً .
مقاتل بن الضحّاك عن ابن عباس قال: لما قتل قابيل هابيل وآدم بمكّة أشتال الشجر
وتغيّرت الأطعمة وحمضت الفواكه: وأمرّ الماء واغبرّت الأرض.
فقال آدم (عليه السلام): قد حدث في الأرض حدث فأتى الهند فإذا بقابيل قد قتل هابيل
فأنشأ يقول، وهو أوّل من قال الشعر:
ووجه(١) الأرض مغبر قبيح
تغيرت البلاد ومن عليها
تغير كل ذي لون وطعم وقلّ بشاشة الوجه الصبيح (٢)
وروى ميمون بن مهران عن ابن عباس قال: من قال إن آدم قال شعراً فقد كذب على الله
(١) في الطبري: فلون.
(٢) جامع البيان: ٦ / ٢٥٨، وفي تاريخ الطبري: ١ / ٩٨ المليح.

٥٢
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
ورسوله ورمى آدم بالمآثم، إنّ محمداً وَّهِ والأنبياء كلهم صلوات الله عليهم في النهي عن الشعر
سواء، قال اللّه تعالى ﴿وما علّمناه الشعر وما ينبغي له﴾ ولكن لما قتل قابيل هابيل رثاه آدم وهو
سرياني، وإنما يقول الشعر من تكلّم بالعربية فلمّا قال آدم مرثية في إبنه هابيل، وهو أوّل شهيد
كان على وجه الأرض. قال آدم لابنه شيث : - وهو أكبر ولده ووصيّه -: يا بني إنّك وصيي،
إحفظ هذا الكلام ليتوارث فلم يزل يقل حتى وصل إلى يعرب بن قحطان وكان يتكلم بالعربية
والسريانية وهو أول من خط بالعربية، وكان يقول الشعر فنظر في المرئية فإذا هو سجع، فقال إن
هذا ليقوّم شعراً فرّد المقدم إلى آخره والمؤخر إلى المقدم فوزنه شعراً وما زاد فيه ولا نقص حرفاً
. من ذلك قال:
ووجه الأرض مغبرّ قبيح
تغيّرت البلاد ومن عليها
وقلّ بشاشة الوجه الصبيح
ـل فواحزني لقد فقد المليح
وهابيل تضمنّه الضريح
قلبي عند قلبه جريح
وهل أنا من حياتي مستريح
عدوماً يموت فنستريح
بهالك ليس بالثمن الربيح
إذا ما المرء غيّب في الضريح
فلست مخلداً بعد الذبيح
تغير كل ذي طعم ولون
وقابيل أذاق الموت هابي
ومالي لا أجود بسكب دمع
بقتل ابن النبني بغير جرم
أرى طول الحياة عليّ غمّاً
فجاورنا عدوّاً ليس يفنى
دع الشكوى فقد هلكا جميعاً
وما يغني البكاء عن البواكي
فيك النفس منك ودع هواها
فأجابه إبليس في جوف الليل شامتاً :
تنحّ عن البلاد وساكنيها
فكنت بها وزوجك في رخاء
فما انفكت مكايدي ومكري
فلولا رحمة الجبّار أضحى
فتىَ في الخلد ضاق بك الفسيح
.
وقلبك من أذى الدنيا مريح
إلى أن فاتك الخلد الرّبيح
بكفك من جنان الخلدريح(١)
وقال سالم بن أبي الجعد: لما قتل هابيل مكث آدم (عليه السلام) مائة سنة لا أكثر. ثم
أتى فقيل: حيّاك الله وبياك أي ضحّكك، ولما مضى من عمر آدم مائة وثلاثون سنة وذلك بعد
قتل هابيل بخمس سنين ولدت له حوّاء شيئاً وتفسيره: هبة الله، يعني إنه خلف من هابيل،
(١) تاريخ بغداد بتفاوت: ٥ / ٣٣٦ ترجمة رقم: ٢٨٦٨.

٥٣
سورة المائدة، الآيات: ٢٧ - ٣٢
وعلّمه اللّه تعالى ساعات الليل والنهار وأعلمه عبادة الخلق في كل ساعة منها وأنزل عليه هبة
اللّه وصار وصي آدم عليهما السلام وولي عهده، وأما قابيل فقيل له: إذهب طريداً شريداً فزعاً
مرهوباً لا يأمن من يراه فأخذ بيد أخته هبة اللّه ذهب بها إلى عدن من أرض اليمن، فأتاه إبليس،
فقال له: إنما أكلت النار قربان هابيل لأنه كان يعبد النّار ويخدمها فانصب أنت ناراً يكون لك
ولعقبك فنصب ناراً وهو أوّل من نصب ناراً وعبدها.
قالوا: كان لا يمرّ به أحداً من ولده إلاّ رماه، فأقبل ابن لقابيل أعمى ومعه ابن له فقال
الأعمى: إنّ هذا أبوك قابيل فرمى الأعمى ابن قابيل فقتله. فقال ابن الأعمى: قتلت أباك. فرفع
يده فلطم إبنه فمات قال الأعمى: ويل لي قتلت أبي برميتي وقتلت ابني بلطمتي.
قال مجاهد: فعلقت إحدى رجل قابيل إلى فخذه وساقه وعلقت يومئذ إلى يوم القيامة،
ووجهه إلى الشمس حيث أدارت عليه بالصيف حظيرة من نار وفي الشتاء حظيرة من ثلج، قالوا:
واتّخذ أولاد قابيل آلات اللهو من اليراع والطنبور، والمزامير، والعيدان، والطنابر، وانهمكوا
في اللهو وشرب الخمر وعبادة النار والزنا والفواحش حتى طوّفهم الله عز وجل بالطوفان أيام
نوح (عليه السلام) وبقي نسل شيث.
قال عبد الله بن عمر: إنا لنجد إبن آدم القاتل يقاسم أهل النار العذاب قسمة صحيحة
العذاب عليه شطر عذابهم .
الأعمش عن عبد الله بن مرّة عن مسروق بن عبد الله عن النبي وَل قال: ((لا تقتل نفس
مسلمة ظلماً إلاّ كان على ابن آدم [الأوّل] كفل من دمه، لأنه أوّل من سنّ القتل)) [٥٢].
مسلم بن عبد اللّه عن سعيد بن صور عن أنس بن مالك قال: سئل رسول اللّه وَله عن يوم
الثلاثاء فقال: ((يوم دم)) قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: ((فيه حاضت حوّاء وقتل ابن آدم
أخوه))(١) [٥٣].
وعن يحيى بن زهدم قال: حدّثني أبي عن أبيه عن أنس قال: سمعت رسول اللّه وَ ل
يقول: ((امتن الله عز وجل على ابن آدم بثلاث بعد ثلاث، بالريح بعد الروح فلولا إن الريح يقع
بعد الروح ما دفن حميم حميماً، وبالدودة في الحبة فلولا أن الدودة تقع في الحبة لأكنزها
الملوك وكانت حباً (٢) من الدنانير والدراهم. وبالموت بعد الكبر، فإن الرجل ليكبر حتى يمّل
نفسه ويملّه أهله وولده وأقرباؤه فكان الموت أيسر له))(٣) [٥٤].
(١) تفسير القرطبي: ٦ / ١٤٠.
(٢) في المصدر: خيراً لهم.
(٣) تفسير القرطبي: ٦ / ١٤٢.

٥٤
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
﴿من أجل ذلك﴾ يعني من جرّاء ذلك القاتل ووحشيّته، يقال: أجل فلان يأجل أجلاً، مثل
أخذ يأخذ أخذاً.
قال الشاعر(١):
قد احتربوا في عاجل أنا آجله (٢)
وأهل خباء صالح ذات بينهم
﴿كتبنا على بني إسرائيل إنه من قتل نفساً بغير نفس﴾ قتله فساداً منه ﴿أو فساد في
الأرض﴾ يعني قوله إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله الآية ﴿فكأنما قتل الناس جميعاً﴾.
مجاهد: اختلف الناس بينهما فقال ابن عباس: في رواية عكرمة وعطية: من قتل نبياً
وإماماً عادلاً فكأنما قتل الناس جميعاً ومن عمل على عضد نبي أو إمام عادل ﴿فكأنما أحيا
الناس جميعاً﴾
.
مجاهد: من قتل نفساً محرّمة يصلى النار بقتلها كما يصلاها لو قتل الناس جميعاً، ومن
أحياها من سلم من قتلها فقد سلم من الناس جميعاً(٣).
السدّي: من قتل فكأنما قتل الناس جميعاً عند المقتول في الإثم ومن أحياها واستنقذها
من هلكة من غرق أو حرق أو هدم أو غير ذلك فكأنما أحيا الناس جميعاً عند المستنقذ.
الحسن وابن زيد: فكأنما قتل الناس جميعاً يعني إنه يجب عليه من القصاص بقتلها مثل
الذي نوى بقلبه لو كان قتل الناس جميعاً ومن أحياها من عفا عمّن وجب له القصاص منه فلم
يقتله فكأنما أحيا الناس جميعاً .
قتادة والضحّاك، عظم الله قتلها أو عظم وزرها فمعناها من أستحل قتل مسلم بغير حقه
فكأنما قتل الناس جميعاً لأنهم لا يسلمون منه. ومن أحياها فحرمها وتورع من قتلها فكأنما أحيا
الناس جميعاً لسلامتهم منه .
وقال سليمان بن علي الربعي: قلت للحسن: يا أبا سعيد هي لنا كما كانت لبني إسرائيل،
قال: إي والذي لا إله غيره لإن دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا.
﴿ولقد جاءتهم رسلنا بالبّات ثم إنّ كثيراً منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون﴾ .
روى محمد بن الفضل عن الزيات بن عمرو عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه وَالاول: ((من
(١) الشاعر هو: خوات بن جبير.
(٢) الصحاح: ٤ / ١٦٢١.
(٣) تفسير الطبري: ٦ / ٢٧٣.

٥٥
سورة المائدة، الآيات: ٣٣ - ٤٠
سقى مؤمناً ماءً على [ظمأ](١) فكأنما أعتق سبعين رقبة، ومن سقى في غير موطنها فكأنما أحيا
نفساً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً)) (٢) [٥٥].
إِنَّمَا جَزَُّواْ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهُ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَُّواْ أَوْ بُصَلَبُوَاْ أَوَ تُقَطَّعَ
أَيْدِيهِزْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ اْأَرْضِّ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِ الذُّنْيَّاً وَلَهُمْ فِ اَلْآَخِرَةِ
عَذَابٌ عَظِيمُ (َ) إِلَّ الَّذِيِنَّ ثَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَأَعْلَمُواْ أَنْتَ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٢٦)
يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللّهَ وَأَبَتَغُواْ إِلَيْهِ اَلْوَسِيلَةَ وَجَِهِدُواْ فِى سَبِيلِهِ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (®) إِنَّ
الَّذِينَ كَفَّرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِ اُلْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ, مَعَهُ لِفْتَدُواْ بِهِ، مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَئِمَةِ مَا نُقُتِلَ
مِنْهُمْ وَلَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (َ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَرِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُِّيمٌ
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَّهُ فَقْطَعُوَاْ أَيْدِيَهُمَا جَزَّاءً بِمَا كَسَبَا فَكَلًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (َا فَنْ تَابَ
مِنَّ بَعْدٍ ظُلِهِ، وَأَصْلَحَ فَإِنَ اللَّهَ يَنُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ (٢٩) أَلَمْ تَعَلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ
الشَمَوْنِ وَالْأَرْضِ يُعَذِبُ مَن يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَّنْ يَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله) الآية.
قال الضحاك: نزلت في قوم من أهل الكتاب، كان بينهم وبين رسول اللّه وَلٍّ عهد
فنقضوا العهد وقطعوا السبيل وأفسدوا في الأرض.
الكلبي: نزلت في قوم هلال بن عويمر وذلك أن رسول اللّه ◌َ﴾ وادع هلال بن عويمر وهو
أبو بردة الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه ومن أتاه من المسلمين لم يهجّ.
قال: فمرّ قوم من بني كنانة يريدون الإسلام. بناس من قوم هلال ولم يكن هلال يومئذ
شاهداً فانهذّوا إليهم فقتلوهم وأخذوا أموالهم فبلغ ذلك رسول الله وكللل فنزل جبرئيل (عليه
السلام) بالقضية فيهم.
وقال سعيد بن جبير: نزلت في ناس من عرينة وغطفان أتوا رسول اللّه وَله وبايعوه على
الإسلام وهم كَذَبة وليس الإسلام يريدون. ثم قالوا: إنا نجتوي المدينة لأن أجوافنا انتفخت،
والواننا قد اصفرّت فقال النبي ◌َلّم: ((أُخرجوا إلى لقاحنا واشربوا أبوالها وألبانها))(٣) [٥٦]
فذهبوا وقتلوا الرعاة واستاقوا الإبل. وارتدّوا عن الإسلام فنودي في الناس: يا خيل الله اركبي
فركبوا لا ينتظر فارس فارساً فخرجوا في طلبهم فجيء بهم. فأمر رسول اللّه وَليل بقطع أيديهم
(١) في المصدر: مؤمناً شربة من الماء والماء موجود.
(٢) ذكر أخبار إصبهان: ١ / ١٩٧.
(٣) أنظر المصنّف: ٥ / ٤٥٦، ومسند أبي يعلى: ٦ / ٢٢٥. وجامع البيان: ٦ / ٢٨٣.٢٨١.

٥٦
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم بالحرّ حتى ماتوا، ثم اختلفوا في حكم الآيتين. فقال بعضهم:
هي منسوخة لأن المثلة لا تجوز وشرب بول الإبل لا يجوز.
وقال آخرون: حكمه ثابت إلاّ السمل والمثلة. قال الليث بن سعد: نزلت هذه الآية معاتبة
لرسول اللّه ◌َ﴾ وتعليماً منه إيّاه عقوبتهم فقال: ((إنما جزاؤهم هذا)) أي المثلة [٥٧].
ولذلك ما قام رسول اللّه ◌َلل خطيباً إلّ نهى عن المثلة، واختلفوا في المحارب الذي
يستحق هذا الحد.
فقال بعضهم: واللص الذي يقطع الطريق والمكابر في الأمصار والذي يحمل السلاح على
المسلمين ويقصدهم في أي موضع كان حتى كان بالغيلة. وهو الرجل يخدع الرجل والمرأة
والصبي فيدخله بيتاً ويخونوا به فيقتله ويأخذ أمواله وهذا قول الأوزاعي ومالك والليث بن سعد
وعبد الله بن لهيعة والشافعي. وقال بعضهم: فهو قاطع الطريق، وأما المكابر فليس بالمحارب ..
وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه ﴿ويسعون في الأرض فساداً﴾ بالفساد أي بالزنا والقتل إهلاك
الحرث والنسل ﴿أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا﴾ إختلفوا في
حکم الآية.
فقال قوم: الإمام فيهم بالخيار فأي شيء من هذه الأشياء شاء فعل. وهو قول الحسن
وسعد بن المسيب والنخعي ومجاهد ورواية الوالبي عن ابن عباس ..
واحتجّوا بقوله تعالى ﴿ففدية من صيام أو صدقة أو نسك﴾(١) وبقوله تعالى في كفّارة
اليمين ﴿فكفّارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾(٢) الآية.
وقال آخرون: هذا حكم مختلف باختلاف الجناية، فإن قتل قُتل، وإن قتل وأخذ المال
قتل وصلب، وإن أخذ المال ولم يقتل قطع، وإن أخاف السبيل ولم يقتل وأخذ المال نفي.
وهذا قول سعيد بن جبير، وقتادة، والسدّي، والنخعي والربيع. ورواية العوفي عن ابن عباس.
فاختلف العلماء في معنى النفي، فقال ابن عباس: هو حكم من أعجز فإذا أعجزك أن
تدركه وخرج من لقيه، قتله.
وقال آخرون: والمقبوض عليه ثم اختلفوا في معناه، فقال طائفة: هو أن ينفى من بلدته
إلى بلدة أخرى غيرها وهو قول سعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز. وإليه ذهب الشافعي.
وقال الآخرون والحسن، وهو مذهب أبي حنيفة، وقال محمد بن الحسن: هو نفيه من
(١) سورة البقرة: ١٩٦.
(٢) سورة المائدة: ٨٩.

٥٧
سورة المائدة، الآيات: ٣٣ - ٤٠
بلده إلى غيره وحبسه في السجن في البلد الذي نُفي إليه حتى يظهر توبته وهو المختار يدل عليه
ما روى ابن وهب عن أبي صيعة عن يزيد بن أبي حبيب، أن حبان بن شريح كتب إلى عمر بن
عبد العزيز: إن ناساً من القبط قامت عليهم البيّنة بأنهم حاربوا اللّه ورسوله وسعوا في الأرض
فساداً وأن اللّه يقول ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله﴾ إلى قوله ﴿من خلاف﴾. وسكت عن
النفي فإن رأى أمير المؤمنين أن يمضي قضاء الله فيهم فليكتب بذلك فلما قرأ عمر كتابه، قال:
لقد إجترأ حبّان، ثم كتب: إنه بلغني كتابك وفهمت ولقد اجترأت حين كتبت بأوّل الآية وسكتّ
عن آخرها تريد أن تجترىء للقتل والصلب فإنك عبد بني عقيل يعني الحجاج فإن اللّه يقول ﴿أو
ينفوا﴾ آخر الآية، فإن كانت قامت عليهم البيّنة فاعقد في أعناقهم حديداً فأنفهم إلى شعب وبدا
وأصل النفي الطرد.
وقال أوس بن حجر:
ينفى المطارق ما يلي القردا(١)
ينفون عن طرق الكرام كما
أي ما يليه القرد وهو الصوف الرديء. ومنه قيل: الدراهم الرديئة نفاية ولما تطاير من
الماء عن الدلو نفي.
قال الراجز:
كأن متنيه من الـنـفي
مواقع الطير على الصفي(٢)
﴿ذلك﴾ الذي ذكرتم من الحد لهم ﴿خزيٌ﴾ عذاب وهوان ﴿في الدنيا ولهم في الآخرة
عذاب عظيم﴾ ثم قال ﴿إلّ الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم﴾.
قال أكثر العلماء: إلاّ الذين تابوا من شركهم وحريهم وفسادهم وآمنوا وأصلحوا من قبل
القدرة عليهم فإنه لا سبيل عليهم بشيء من الحدود التي ذكرها اللّه في هذه والآية لأحد قبله فيما
أصاب في حال كفره لا في مال ولا في دم ولا حرمة، هذا حكم المشركين والمحاربين.
فأما المسلمون المحاربون فاختلفوا فيهم.
فقال بعضهم: سقط عنه بتوبته من قبل أن يقدر عليه حدّ اللّه ولا يسقط عنه بها حقوق بني
آدم وهو قول الشافعي.
وقال بعضهم: يسقط عنهم جميع ذلك ولا يؤخذ شيء من أمواله الآ أن يوجد عنده مال
بعينه فيرده إلى صاحبه ويطلبه وليّ دم بدم يقوم عليه البينة فيه فيقاد به، وأما الدماء والأموال التي
(١) تفسير الطبري: ٦ / ٢٩٨.
(٢) لسان العرب: ٨ / ٤٠٤ وتفسير الطبري: ٢ / ٥٩.

٥٨
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
أصابها ولم يطلبها أولياؤه فلا يتبعه الإمام، على هذا قول مالك، والأوازعي والليث بن سعد.
وقال بعضهم: إذا استأمن من وصايانا من قبل أن يقدم عليه قبل اللّه توبته ولا يؤخذ بشيء
من جناياته التي سلفت فلا يكون لأحد قبله معه في دم ولا مال.
وهذا قول السدّي يدل عليه. وروى الشعبي أنّ حارثة بن يزيد خرج محارباً في عهد علي
ابن أبي طالب (رضي الله عنه) فأخاف السبل وسفك الدماء وأخذ الأموال ثم جاء تائباً من قبل
أن يقدر عليه فأتى الحسن بن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) فطلب إليه أن يستأمن له فأتى
ابن جعفر فأتى عليه فأتى سعيد بن قيس الهمدالي فقبّله وضمّه إليه فلمّا صلّى علي (رضي الله
عنه) الغداة أتاه سعيد بن قيس. فقال: يا أمير المؤمنين ما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله؟
قال: أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض قال: ما
تقول فيمن تاب قبل أن تقدر عليه فقال أقول: كما قال اللّه عز وجل ﴿إلاّ الذين تابوا من قبل أن
تقدروا عليهم) الآية.
فقال سعيد: وإن كان حارثة بن بدر، قال: نعم فجاء إليه فبايعه وآمنه وكتب له أماناً
منشوراً .
فقال حارثة :
على النأي لا يسلم عدوٌ يعيبها
ألا أبلغا همدان إما لقيتها
له ويقضي بالكتاب خطيبها(١)
لعمر أبيها إن همدان تتقي الا
قال الشعبي: جاء رجل من مراد إلى أبي موسى وهو على الكوفة في أمارة عثمان بن عفّان
(رضي الله عنه) بعد ما صلّى المكتوبة فقال: يا أبا موسى هذا مقام العائذ بك أنا فلان بن فلان
المهدي وأني كنت حاربت الله ورسوله وسعيت في الأرض وإني تبت من قبل أن يقدر عليّ،
فقام أبو موسى فقال: إن هذا فلان بن فلان وإنه كان يحارب الله ورسوله وسعى في الأرض
بفساد فإنه تاب من قبل أن يقدر عليه فمن لقيه فلا يعرضن إلاّ بخير فإن يك صادقاً فسبيله سبيل
من صدق. وإن يك كاذباً تدركه ذنوبه، فأقام الرجل فاستأذن وإنه خرج فأدركه اللّه بذنوبه فقتله.
وروى الليث بن سعيد عن محمد بن إسحاق أن علياً الأسدي حارب وأخاف السبيل
وأصاب الدم والمال فطلبته الأئمّة والعامّة فامتنع ولم يقدر عليه حتى جاء تائباً وذلك أنّه سمع
رجلاً يقرأ هذه الآية ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا﴾(٢) الآية فوقف عليه، فقال: يا عبد الله أعد
فأعادها عليه فغمد سيفه ثم جاء تائباً حتى قدم المدينة من السحر ثم اغتسل وأتى مسجد رسول
(١) جامع البيان: ٦ / ٣٠٢.
(٢) سورة الزمر: ٥٣.

٥٩
سورة المائدة، الآيات: ٣٣ - ٤٠
اللّه ◌َ لل فصلّى الصبح ثم مضى إلى أبي هريرة وهو في غمار أصحابه فلما استغفر عرفه الناس
فقاموا إليه، فقال: لا سبيل لكم عليّ جئت تائباً من قبل أن تقدروا عليَّ.
فقال أبو هريرة: صدق، وأخذ بيده حتى أتى مروان بن الحكم في إمرته على المدينة في
زمن معاوية، فقال: هذا عليّ جاء تائباً ولا سبيل لكم عليه فترك، وخرج عليّ تائباً مجاهداً في
سبيل اللّه في البحر فلقوا الروم فقربوا سفينة إلى سفينته من سفنهم فاقتحم على الروم في سفينتهم
فهربوا إلى شقها الآخر فمالت ثم أوقعهم فغرقوا جميعاً (١).
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة﴾ واطلبوا إليه القربة وهي [في الأصل ما
يتوصّل به إلى الشيء ويتقرّب به، يقال: وسل إليه وسيلة وتوسّل](٢)، وجمعها وسائل.
قال الشاعر:
(٣)
وعاد التصافى بيننا والوسائل
إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا
قال عطاء: الوسيلة أفضل درجات الجنة. وقال رسول اللّه وَل﴾: ((الوسيلة أفضل درجات
الجنة))(٤) [٥٨]. وقال رسول اللّه ◌َ﴾: ((سلوا الله لي الوسيلة فإنها أفضل درجة في الجنة لا
ينالها إلاّ عبد واحد وأرجوا أن أكون أنا هو))(٥) [٥٩].
وروى سعيد بن طريف عن الأصمعي عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: ((في
الجنة لؤلؤتان إلى بطنان العرش إحداهما بيضاء والأخرى صفراء في كل واحد منهما سبعون ألف
غرفة أبوابها وأكوابها من عرق واحد فالبيضاء . واسمها الوسيلة . لمحمد (صلى الله عليه وآله
وسلم) وأهل بيته والصفراء لإبراهيم (عليه السلام) وأهل بيته)) [٦٠](٦).
﴿إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم
القيامة ما تُقبل منهم ولهم عذاب أليم﴾ روى أنس عن النبي وَّر قال: ((يقال للكافر يوم القيامة:
أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبٌ تفتدى به فيقول: نعم، فيقال: قد سألت أيسر من ذلك))(٧)
[٦١].
(١) تفسير الطبري: ٦ / ٣٠٤.
(٢) مستدرك عن تحفة الأحوذي: ١٠ / ٥٧.
(٣)
جامع البيان: ٦ / ٣٠٨.
(٤) تفسير مجمع البيان: ٣ / ٣٢٧.
(٥) مسند أحمد: ٢ / ١٦٢ بتفاوت وتفسير مجمع البيان: ٣ / ٣٢٧.
(٦) تفسير ابن كثير: ٢ / ٥٦.
(٧) مسند أحمد: ٣ / ٢٩١.

٦٠
الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي
﴿يريدون أن يخرجوا من النار﴾ قرأه العامة بفتح الياء كقوله ﴿وما هم بخارجين منها ولهم
عذاب مقيم﴾ قائم.
وقرأ أبو واقدة، والجرّاح يخرجوا بضمّ الياء كقوله ﴿ربنا أخرجنا منها وما هم بمخرجين﴾
﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ الآية. نزلت في طعمة بن الأبرق سارق الدرع وقد مرّت
قصته في سورة النساء .
والسبب في وجه رفعهما. فقال بعضهم: هو رفع بالإبتداء، وخبره فيما بعد. وقال
بعضهم: هو على معنى الجزاء، تقديره من سرق فاقطعوا أيديهما الآية والزاني فاجلدوا كل
واحد منهما مائة جلدة. ولو أراد سارقاً وزانياً بعينهما لكان وجه الكلام النصب.
وقال الأخفش: هو الرفع على الخبر وابتداء مضمر كأنه قال: مما يقص عليك ويوحى
إليك والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما .
وقال أبو عبيدة: هو رفع على لغة [ .... ] من رفع [ .... ] (١) فيقول: الصيد [غارمه]،
والهلال فانظر إليه، يعني أمكنك الصيد غارمه، وطلع الهلال فانظر إليه.
وقرأ عيسى بن عمرو: والسارق والسارقة منصوبين على إضمار إقطعوا السارق والسارقة.
ودليل الرفع قراءة عبد اللّه، والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم ومستثناً في هذا السارق
الذي عناه اللّه عز وجل بقطع يده وفي القدر الذي يقطع به يد السارق.
فقال قوم: يقطع إذا سرق عشر دراهم فصاعداً، ولا يقطع فيما دون ذلك.
وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه واحتجوا بما روى عطاء ومجاهد عن أيمن بن أم أيمن
قال: يقطع السارق في ثمن المجن وكان ثمن المجن على عهد رسول اللّه وَ ◌ّل﴾ ديناراً أو عشرة
دراهم.
وروى أيّوب بن موسى عن عطاء عن ابن عباس قال: كان ثمن المجن على عهد رسول
اللّه ◌َ لّ عشرة دراهم.
وروى عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء قال: أدنى قيمة عن المجن هو ثمن المجن
عشرة دراهم.
قال سليمان بن يسار: لا يقطع الخمس إلاّ بالخمس.
واستدل بما روى سفيان عن عبد اللّه أن النبي ◌َّر: قطع في قيمة خمسة دراهم [٦٢].
وروى سفيان عن عيسى عن الشعبي عن عبدالله أنّ النبي ◌َّ قطع في خمسة دراهم.
(١) كلام غير مقروء.