النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
سورة النساء، الآيات: ١٣٦ - ١٤١
الْتَُّهَذِينَ إِنَّ هُمْ عَدَّامَا أَلْهَا وَ أَلْبِنَ بِنَّيِّدُونَ الْكَفِنَّ أَوْلِيَُّ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنُ أَسْتَمُوتَ عِندَهُ
أَلِرَّةَ فَنَّ أَلْزَّةَ أَهِ عَمِهَا (أَ وَقَدْ فَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِ اَلْكِتْبِ أَنْ إِذَا تَبِئْتُمْ وَلَبَتِ لَّهِ يَخْفَرُّ بَ وَيَُّهْرَّاً
بِهَا فَلَّ نَقَعُدُواْ مَعَهُمْ عَّ يَمُوَمُواْ فِى حَدِيثٍ غَرِيِّ إِنَّكُرْ يَذَا مِثْلَهُمْ إِنّ ◌َنَّهَ بَابِعُ الْمُنَّهِفِنَّ وَالْكَغِنَّ فى
يُّهَمُ جَبِهَا (َهَ الَإِنَ بَعُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَنَّ لَكُمْ فَتَحَ مَنْ أَِّ قَالَوْ أَرْ ثَكُنْ تَمَكُمْ وَإِنَ كَّ
◌ِكَبِيرَ تَسِيت قالواً أَلَهُ نَتْهُ عَيْكُ وَنَسْتَتْكُمْ فِنَّ الْمُؤْمِينَّ ◌َاللَّهُ إِنَّكُمُ ◌َعَكُمْ لَوْمَ الْقَمَةِ وَلَّى
إِجْلَ أَلَّهُ إِلَكَمِرِينَ عَلَ المُؤْمِينَ شَبِيلٌ (!)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية.
الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في عبد الله بن سلام وأسد وأسيد
ابني كعب وثعلبة بن قيس بن كعب وسلام ابن اخت عبد الله بن سلام، وسلامة بن أخيه ويامين
ابن يامين، فهؤلاء مؤمنو أهل الكتاب. أتوا رسول الله وَ ل﴿ وقالوا: يا رسول الله إنا نؤمن بك
وبكتابك، وبموسى والتوراة، وعزير ونكفر بما سواه من الكتب والرسل، فقال لهم النبي وَل:
(بل آمنوا بالله ورسوله محمد وبكتابه القرآن وبكل كتاب كان قبله))(١) [٣٩١] فقالوا: لا نفعل،
فأنزل الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ ﴿وَالكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾
يعني القرآن ﴿وَالكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ يعني الكتب المتقدمة التوراة والإنجيل والزبور وسائر
الكتب المتقدمة ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ﴾ إلى قوله ﴿ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً﴾ يعني خطأ خطأً بعيداً، فلما
نزلت هذه الآية، قالوا: يا رسول الله فإنّا نؤمن بالله ورسوله وبالقرآن وبكلّ رسول وكتاب كان
قبل القرآن والملائكة واليوم الآخر لا نفرق بين أحد منهم كما فعلت اليهود والنصارى، ونحن له
مسلمون فدخلوا في الإسلام.
وقال الضحاك: هي في اليهود والنصارى، ومعنى الآية: يا أيها الذين آمنوا بموسى
والتوراة وعيسى والإنجيل آمنوا بمحمد والقرآن.
وقيل: إنه ورد في اليهود خاصة، والمعنى: يا أيها الذين آمنوا في وجه النهارِ آمنوا في
آخر النهار، وذلك قوله تعالى ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أهْلِ الكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا
وَجْهَ النَّهَارِ﴾ الآية.
وقال [أبو العالية] وجمع من المفسرين: هذه الآية خطاب للمؤمنين وتأويله: يا أيها الذين
آمنوا آمنوا أي أقيموا واثبتوا على الإيمان، وكقوله لنبيه وَ ليه (فإعلم إنه لا إله إلّ الله) أي اثبت
على ما أنت عليه وكقوله ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأْرٌ عَظِيمٌ﴾(٢)
(١) الدرّ المنثور: ٢٣٤.
(٢) سورة المائدة: ٩.

٤٠٢
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
ومعناه: وعد الله الذين آمنوا على الإيمان من أصحاب النبي ﴿ الذين هم في هذه القصة مغفرة
وأجراً عظيماً، ويقال في الكلام للقائم: قم، وللقاعد: أُقعد، والمراد منه الاستدامة.
ويقال: أنها خطاب للمنافقين الذين أصروا التكذيب ومعناها: يا أيها الذين آمنوا في الملأ
آمنوا في الخلاء، وقال آخرون: المراد منه الكفار يعني: يا أيها الذين آمنوا باللات والعزى
والطاغوت آمنوا بالله، ومعناه: إن كان لابد للإيمان يعني فالإيمان بالله تعالى ورسله والكتب
أحق وأولى من الإيمان بما لا يضر ولا ينفع ولا ينفق ولا يرزق ولا يحيي ولا يميت، والله أعلم.
ثم ذكر من لم يؤمن من أهل الكتاب، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بموسى ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾
بموسى ﴿ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ بعد عزير بالمسيح وكفرت النصارى بما جاء به موسى وآمنوا
بعيسى بن مريم ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً﴾ بمحمد وبما جاء به.
قتادة: هم اليهود والنصارى آمنت اليهود بالتوراة ثم كفروا وآمنت النصارى بالانجيل ثم
كفرت وكفرهم هو [تكذيبهم] إياه، ثم ازدادوا كفراً بالقرآن وبمحمد وله
وقال مجاهد: ثم ازدادوا كفراً أي ماتوا عليه ﴿لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ﴾ ما
أقاموا على ذلك ولا ليهدهم ﴿سپیلا﴾ سبیل ھدی.
وقال ابن عباس: يدخل في هذه الآية كل منافق كانوا على عهد رسول الله وَله.
قال نحو ذكر ما في هذه الآية من الكلام على أهل القدر.
يقال لأهل القدر: خبرونا عن الكفار هل هداهم الله عز وجل إلى الإسلام؟ فإن قالوا:
نعم. قيل كيف يجوز أن يقال إن الله هداهم وقد قال الله تعالى ﴿وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾؟ قيل:
ومعناه إنه لا يهديهم إلى طريق الجنة يقال لهم كيف يهديه إلى طريق الجنة وقد هداه عندك لأن
من أصلك إن العبد إنما يدخل الجنة فمعناه أنه يدخل الجنّة لفعله ويدخل النار بفعله، وقد هداه
إلى طريق الجنة بهدايته إلى الإسلام فكيف يصح هذا التأويل على أصلك؟
واعلم أنهم إذا ألزمهم الشيء، فقالوا في التأويل، فإذا فحصت عن تأويلهم بان لك فساد
قولهم.
واعلم إن الله عز وجل قد بيّن لك إنه لا يهديهم سبيلاً ليعلم العبد إنما يقال هُدي بالله عز
وجل ويحرم الهدى بإراده الله عز وجل ثم لايكون لهم عاذر بنفي الهدى عنهم، ولا مزيلاً
للحجة ﴿بَشِّرِ المُنَافِقِينَ﴾ نبّئهم يا محمّد ﴿بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً ألِيماً﴾.
قال الزجاج: بشّر أي اجعل في موضع بشارتك لهم العذاب الأليم، والعرب تقول:
تحيتك الضرب، وعتابك السيف، أي تضع الضرب موضع التحية [والسيف موضع العتاب](١).
(١) زيادة منّا لتمام المعنى.

٤٠٣
سورة النساء، الآيات: ١٣٦ - ١٤١
وقال الشاعر:
تحية بينهم ضرب وجمع (٢)
وخيل قد دلفت(١) لها بخيل
ثم وصف المنافقين فقال ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكَافِرِينَ أوْلِيَاءَ﴾ أنصاراً وبطانة ﴿مِنْ دُونِ
المُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ﴾ يعني الرفد والمعونة والظهور على محمّد وأصحابه.
وقال الزجاج: العزة يعني المنعة والشدة والغلبة مأخوذ من قولهم: أرض عزاز أي صلبة
لا يفيد عليها شيء ويقال: إستعز على المريض إشتد وجعه، وقولهم يعز عليّ أي يشتد، وقولهم
إذا عز الشيء لم يوجد فتأويله قد اشتد وجود وصف إن وجد ﴿فَإِنَّ العِزَّةَ للهِ جَمِيعاً﴾ أي القدرة
لله جميعاً وهو سيد الأرباب. ثم قال ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ يا معشر المسلمين بمكة ﴿فِي الكِتَابِ
أنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ﴾ يعني القرآن ﴿يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي
حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ أي يأخذوا في حديث غير الإستهزاء بمحمد وأصحابه والقرآن.
وذلك إن المنافقين كانوا يجلسون إلى أحبار اليهود فيستهزئون بالقرآن ويكذبون به
ويحرفونه عن مواضعه فنهى الله تعالى المسلمين عن مجالستهم ومخالطتهم، والذي نزل في
الكتاب قوله تعالى ﴿وَإِذَا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾(٣) الآية.
الضحاك عن ابن عباس: ودخل في هذه الآية كل محدث في الدين، وكل مبتدع إلى يوم
القيامة .
الكلبي عن أبي صالح: صح هذا القول بقوله عز وجل وما على الذين يتقون الشرك
والاستهزاء من حسابهم من شيء ولكن ذكرى أي ذكروهم وعظوهم بالقرآن لعلهم يتقون
الاستهزاء بمحمّد والقرآن ﴿إِنَّكُمْ إذاً مِثْلُهُمْ﴾ إذا قعدتم عندهم فأنتم إذاً مثلهم ﴿إنَّ اللهَ جَامِعُ
المُنَافِقِينَ وَالكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾ ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ أي ينتظرون بكم الدوائر يعني
المنافقين ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ نَتْحٌ مِنَ اللهِ﴾ يعني النصر والغنيمة ﴿قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ على دينكم
فأعطونا من الغنيمة ﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ يعني دولة وظهوراً على المسلمين ﴿قَالُوا﴾ يعني
المنافقين ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ ألم نخبركم بعزيمة محمد بَّ وأصحابه ونطلعكم على سرّهم.
وقال أهل اللغة: ألم نستحوذ عليكم ويغلب عليكم قال: إستحوذ أي غلب.
وفي الحديث كان عمر أحوذنا أي غالب أمرنا في الحق.
وقال العجّاج: یحوذهن وله حوذی.
[كما يحوذ الفئة] الكميّ (٤).
(١) دلفت: زحفت.
(٢) لسان العرب: ٥ / ٢٦٤. (٣) سورة الأنعام: ٦٨.
(٤) الحوذ: السير الشديد، والحوز: السير برفق، والبيت في تصحيفات المحدثين للعسكري: ٢٠٦.

٤٠٤
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
الكميّ. أي يغلب عليها ويجمعها، ويروى بالزاي فيهما .
وقال النحويون: استحوذ خرج على الأصل(١)، فمن قال: حاذ يحوذ لم يقل إلاّ استحاذ
يستحذ وإن كان أحوذ يحوذ كما قال بعضهم: أحوذت [وأطّيبت] بمعنى أحذتُ وأطبت. قال
إستحوذ إستخرجه على الأصل ﴿وَنَمْتَعْكُمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ونمنعكم منازلة المؤمنين ﴿فَاللهُ يَحْكُمُ
بَيْنَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ يعني بين أهل الإيمان وأهل النفاق ثم يفصل بينهم ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ
عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾.
عكرمة والضحاك عن ابن عباس يعني حجة.
الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: ولن يجعل الله الكافرين على المؤمنين يعني
أصحاب محمد ◌َّله سبيلاً يعني ظهوراً عليهم.
وقال علي (رضي الله عنه): ولن يجعل الله الكافرين على المؤمنين في الآخرة، وفي هذه
الآية دليل على أن المنافق ليس بمؤمن وليس الإيمان هو الإقرار فقط، اذ لو كان الإيمان هو
الإقرار لكانوا بذلك هم مؤمنين.
وفيه دليل أيضاً على صحة نبوة النبي وسير لأن القوم كانوا كاتمين اعتقادهم فأظهر الله عز
وجل رسوله على اعتقادهم وكان ذلك حجة له عليهم إذ علموا إنه لايطلع على ضمائر القلوب
إلا البارىء جل وعز.
إِنَّ الْمُنَّفِفِينَ بُحَبِثُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَيْخُهُمْ وَإِذَا قَامُّوَاْ إِلَى الشَّكَوَرْ قَامُواْ كَانَ بِرَكُونَ أَلَّاسِ وَلَّا
بِدَكَرُونَ له إلَّ فِيه ون) مُذَكَ ينَ يّ ذيك لا إلَّ هؤلاً، وَلاَ إِلَى حَوْلاً، وَمَن يُطْبِلِلِ أَنَّهُ فَلَى قَبْدُ ثُ سَبِيلاً
مَ كَلِمَا أَلِنَّ مَاهَؤُاَ لَا تَنْبِذُوا الْكَّفِينَ أَوْلَهُ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنُ أَِّدُونَ أَنَّ أَمَلُواْ ذَوْ عَبْتُمْ
مُأَلَكَ لَبِهَا (فَ إِذَ الَهْدِينَ فِ الذَّرَِّ اَلْأَشْغَلِ مِنَّ الثَّارِ وَلْ قِدَ أَهُمْ تَمِعْمَ (9) إلَّا أَلْبِتَ ثائراً
وَأَسْلَمْ وَلَعَّضََّمُوا بِاللَّهِ وَالْحَسُواْ وَيَهُمْ أَمْ فَأُوْلَتِلْكَ مَعَ الْمُؤْمِنَّ وَعَنْفَ يُؤْنِ أَنَّهُ الْمُؤْمِنَّ أَبَّْ عَظِيمًا
◌َ مَا بَلَعَلَ للَّهُ مَذَابِعَكُمْ إِنَ شَكَّرْتُمْ وَءَامَهُمْ وَكَنَّ أَّهُ نَاصِرًا عُلِمَا (0َ).
﴿إِنَّ المُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ﴾ قد مرّ تفسيره.
﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ أي يجازيهم جزاء خداعهم، وذلك أنهم على الصراط يعطون نوراً كما
يعطي المؤمنين، فإذا مضوا على الصراط [يسلبهم ذلك النور] ويبقى المؤمنون ينظرون بنورهم
فينادون المؤمنين (انظرونا نقتبس من نوركم﴾ فيناديهم الملائكة على الصراط ﴿ارجعوا ورائكم
فالتمسوا نوراً﴾(٢) وقد علموا أنهم لا يستطيعون الرجوع [فيشفق] المؤمنون حينئذ من نورهم أن
(١) راجع لسان العرب: ٣ / ٤٨٧.
(٢) سورة الحديد: ١٣ .

٤٠٥
سورة النساء، الآيات: ١٤٢ - ١٤٧
يطفىء(١) فيقولون: ﴿رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نورَنا وإِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ على كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ﴾(٢) ﴿وَإِذَا قَامُوا﴾
يعني [تهيّأوا] ﴿إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ يعني متثاقلين، يعني لا يريدون بها [وجه] الله فإن
رآهم أحد صلّوا وإلّ انصرفوا ولم يصلّوا ﴿يُرَاؤُونَ النَّاسَ﴾ يعني المؤمنين بالصلاة ﴿وَلا يَذْكُرُونَ
اللهَ إلاَّ قَلِيلا﴾ ابن عباس والحسن: إنما قال ذلك لأنهم يصلونها رياء وسمعة ولو كانوا يريدون
بذلك وجه الله عز وجل لكان ذلك كثيراً .
قتادة: إنما قلّ ذكر المنافقين لأن الله عز وجل لم يقبله وكما ذكر الله قليل وكلما قبل الله
كثير ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي مترددين متحيرين بين الكفر والإيمان ﴿لا إلى هولاء ولا إلى
هؤلاء﴾ ليسوا من المؤمنين فيجب لهم ما يجب للمسلمين، فليسوا من الكفار فيؤخذ منهم ما
يؤخذ من الكفار فلا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء.
[القاسم بن طهمان] عن قتادة: ماهم بمؤمنين مخلصين ولا بمشركين مصرحين بالشرك
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ أي طريقاً إلى الهدى.
وذكر لنا أن نبي الله ولو كان يضرب مثلاً للمؤمن والمنافق والكافر كمثل رهط ثلاثة دفعوا
إلى نهر فوقع المؤمن فقطع ثم وقع المنافق حتى إذا كاد يصل إلى المؤمن ناداه الكافر أن هلمّ
إليّ فإني أخشى عليك وناداه المؤمن هلمَّ إلي فأن عندي الهدى وكفى له ما عنده، فما زال
المنافق يتردد منهما حتّى أتى على أذى فعرفه فإن المنافق لم يزل في شك وشبهة حتى أتى عليه
الموت وهو كذلك.
وروى عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنّ رسول الله بَّر قال: ((إنّما مثل المنافق
مثل الشاة العايرة من الغنمين يبدي إلى هذه مرة وإلى هذه مرة لا يدري أيهما يتبع))(٣) [٣٩٢].
ثم ذكر المؤمنين ونهاهم عن الإتيان بما أتى المنافقون.
فقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكَافِرِينَ أوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أنْ
تَجْعَلُوا للهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً﴾ ثم ذكر منازل المنافقين فقال: ﴿إِنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ
مِنَ النَّارِ﴾ يعني في أسفل برج من النار، والدُرك والدَرك لغتان مثل الطعن والطَعن والنُّهَر والنَّهر
واليُيس والييس.
قال عبد الله بن مسعود: الدرك الأسفل من النار توابيت مقفلة في النار تطبق عليهم ﴿وَلَنْ
تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾ [عوناً].
(١) راجع تفسير ابن كثير: ١ / ٥٩.
(٣) تفسير مجمع البيان: ٣ / ٢٢٢ بتفاوت.
(٢) سورة التحريم: ٨.

٤٠٦
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
عن عوف عن أبي المغيرة القواس عن عبد الله بن عمر قال: إن أشد الناس عذاباً يوم
القيامة ثلة المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون(١).
قال الثعلبي: وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى فأما أصحاب المائدة فقوله عز وجل
﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ العَالَمِينَ﴾(٢)، وأما آل فرعون فقوله تعالى: ﴿أدْخِلُوا آلَ
فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ﴾(٣)، وأما المنافقون فقوله تعالى ﴿إِنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ
النَّارِ﴾(٤).
﴿إِلَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ من النفاق ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ عملهم ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ﴾ أي وثقوا بالله
﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ للهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ على دينهم. قال الفراء: مع المؤمنين تفسيره من
المؤمنين. قال القتيبي: حاد عن كلامهم غيظاً عليهم فقال (فأولئك مع المؤمنين)، ولم يقل
فأولئك هم المؤمنون ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ المُؤْمِنِينَ﴾ في الآخرة ﴿أجْراً عَظِيماً﴾ وهي الجنة وإنما
حذفت الياء من: يؤتي في الخط كما حذف في اللفظ لأن الياء سقطت من اللفظ لسكونها
وسكون اللام في الله وكذلك قوله ﴿يوم ينادي المناد﴾(٥) حذفت الياء في [الخط] لهذه العلة
وكذلك ﴿سندع الزبانية﴾(٦) ﴿يوم يدع الداع﴾(٧) قالوا: والياء هذه حذفت لالتقاء الساكنين.
وأما قوله ﴿ما كنا نبغ﴾ (٨) حذفت لأن الكسرة دلت على الياء فحذفت لثقل الياء، وقد قيل
حذفت الياء من المناد والدّاع لأنك تقول: داع ومناد حذفت اللام بها كما حذفت قبل دخول
الألف واللام.
وأما قوله تعالى ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرٍ﴾(٩) فحذفت الياء لأنها مابين آية ورؤس الآية يجوز فيها
الحذف ﴿مَا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ﴾ نعماه ﴿وَآَمَنْتُمْ﴾ به وفي الآية تقديم، وتأخير،
تقديرها ما يفعل الله بعذابكم ان آمنتم وشكرتم لأن الشكر لا ينفع مع عدم الإيمان بالله والله
تعالى عرف خلقه بفضله على ان تعذيبه عباده لا يزيد في ملكه. وتركه عقوبتهم على افعالهم،
لا ينقص من سلطانه ﴿وَكَانَ اللهُ شَاكِراً﴾ للقليل من اعمالكم ﴿عَلِيماً﴾ بإضعافها لكم إلى عشرة
إلى سبعمائة ضعف.
قال أهل اللغة: أصل الشكر إظهار النعمة والتحدث بها. قال الله تعالى ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ
فَحَدِّثْ﴾(١٠) وذكر بعض أهل اللغة إن الشكر مأخوذ من قول العرب لغة شكور إذا كان يظهر
(١) تفسير الطبري: ٧ / ١٨٢.
(٣)
سورة غافر: ٤٦ .
(٥) سورة ق: ٤١.
(٧) سورة القمر: ٦.
(٩) سورة الفجر: ٤.
(٢) سورة المائدة: ١١٥.
(٤) سورة النساء: ١٤٥.
(٦) سورة العلق: ١٨.
(٨) سورة الكهف: ٦٤.
(١٠) سورة الضحى: ١١.

٤٠٧
سورة النساء، الآيات: ١٤٨ - ١٥٢
سمنها على القليل من العلف فكان الله تعالى سمّى نفسه شاكراً إلا أنه يرضى من عباده بالقليل
من العبادة، بعد رتبة التوحيد.
وقال بعض المعتزلة: إن الوصف لله بأنه شكور وشاكر على جهة المجاز لأن الشكر في
الحقيقة هو الاعتراف بنعم المنعم فلما كان القديم تعالى ذكره مجازياً للمطيعين على طاعتهم
سمي مجازاته إياهم عليها شكراً على التوسعة، وليس الحمد عنده هو الشكر لأن الحمد ضد
[الذم] والشكر ضد الكفر، فيقال له: إن لم يجز أن يكون الباري تعالى شاكراً على الحقيقة لما
ذكرته لم يجز أن يكون مثيباً، لأن المثيب من كافى غيره على نعمة [قدمت] إليه ابتداءً، [وإلّ لم
يجزيه] أن يكون شاكراً في الحقيقة، والشكر من الله تعالى الثواب.
ومن العباد الطاعة وحقيقة مقابلة الطاعة بغيرها، فإذا قابلت أوامر الله بطاعتك فقد شكرته
وإذا قابلك الله طاعتك بثوابه فقد شكرك عليها .
﴿ لا يُبُ لَهُ الْعَهْرِ بالثُّوَم مِنَ الْقَوْلِ إِلَا سَ طَرُ وَنَّ الَّهُ عَمِهَا عَلِمَا (َ) إِن نَبْدُوا حَتْ أَوْ
أُعْلُوهُ أَوْ تَقْرَأَ عَنْ سُوءِ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَهُوَاَ قَدِيرًا ذَهَ إِنَّ الَّذَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرَسُلْهِ، وَِّدُونَ أَنْ
◌ُغَرِّقُرَ بَيَْ أَنَّهِ وَرُسُِّهِ وَقُولُوَتَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَحْمُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُتَّخِذُواْ بِيَنَّ ذَيْكَ سَبِيلًا
وَ أَرقية، ثم الكَّرُونَ عَلَّاً وَأَمْتَدَ،َ لَكَتِنَّ عَذَّاً مُهِينَا لَ وَِّنَّ مَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُبِهِ، وَلَِّ بَُّلُوا
يََّّ ◌َسَ مِنَهُمْ أُوْثَبِكَ مَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أَخُوَرَهُمْ وَلَنَّ أَنَّهُ عَفُورًا رَحِمَا (َ
﴿لا يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ﴾ يعني القول القبيح ﴿إِلَّ مَنْ ظُلِمَ﴾ فقد اذن
للمظلوم ان ينتصر بالدعاء على ظالمه ﴿وَكَانَ اللهُ سَمِيعاً﴾ لدعاء المظلوم ﴿عَلِيماً﴾ بعقاب
الظالم، نظير قوله ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾(١) مجاهد: هذا في
الضيف النازل إذا لم يضيف ومنع حقه أو اساءوا قراه فقد رخص الله له أن یذکر منه ماصنع به،
وزعم أن ضيفاً نزل بقوم فأساءوا قراه فاشتكاهم، فنزلت هذه الآية رخصة في أن يشكو.
والضيافة ثلاثة أيام ومافوق ذلك فهو صدقة.
وقوله (من ظلم) من في محل النصب لأنه استثناء ليس من الأول، وإن شئت جعلت من
رفعاً فيكون المعنى ﴿لا يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إِلَّ مَنْ ظُلِمَ﴾ فيكون من بدلاً من
معنى أحد والمعنى لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول إلّ المظلوم، وقرئ إلاّ مَنْ ظلم
بفتح الظاء واللام على معنى إن الظالم يجهر بالسوء من القول ظلماً واعتداءً، ويكون المعنى
لكن الظلم الجهر بذلك ظلماً ومحل من في ﴿مَن ظُلم﴾ النصب لأنه استثناء من الأول، وفيه
(١) سورة الشورى: ٤١.

٤٠٨
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
وجه آخر: وهو أن يكون إلاّ من ظلم على معنى لكن الظالم جهروا له بالسوء من القول وهو بعد
استثناءه من الأول، وموضعه نصب وهو وجه حسن.
﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْراً﴾ يعني حسنة فتعمل بها كتبت له عشر وإن همّ بها ولم يعمل بها كتبت له
حسنة واحدة ﴿أوْ تُخْفُوهُ﴾ وقيل الخير ماصفى المال ومعناه أن تبدوا الصدقة والمعروف أو
تصدّقوا بسرّ ﴿أُوْ تَعْفُوا عَنْ سُوء﴾ عن ظلم ﴿فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً﴾ يعني فإنّ الله عز وجل
أولى أن يتجاوز عنكم يوم القيامة عن الذنوب العظام.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ الآية نزلت في اليهود وذلك إنهم آمنوا بموسى وعزير
والتوراة وكفروا بعيسى والإنجيل وبمحمّد والقرآن وذلك قوله ﴿وَيُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ
وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْض وَتَكْفُرُ بِبَعْض وَيُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ أي ديناً من
اليهودية والإسلام، قال الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ حَقّاً وَأعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً (
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ كلهم ﴿وَلَمْ يُقَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنْهُمْ﴾ يعني بين الرسل وهم المؤمنون،
قالوا: ﴿لا نفرق بين أحد من رسله﴾ كما علمهم الله، فقال ﴿قولوا آمنا. إلى قوله. لانفرق بين
أحد منهم ونحن له مسلمون﴾ ﴿أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ بايمانهم بالله وكتبه ورسله
﴿وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ كما كان منهم في الشرك.
بَثْقَلَكَ أَقْلَ الْكِتَّبِ أَنْ تُزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَبًا مِنَ أَنتَمَلَمُ تَقَدْ عَآَمَا مُوسَ أَكْثَرْ مِنْ ذَلِكَ فَلَوْاْ أَ
الَّ جَهَ بَلْفَذَتْهُمُ النََّمِنَّهُ بِظْلِهِمْ أُمَّ أَخَذُواْ أَلْمِعْلَ مِنْ بَعْدِ مَا حَتََّتْهُمُ اَلْتُ فَعَنْهَ عَنْ ذَكُ
وَءَاتَيْنَا مُوسَى مُأَكَمًا ثِيْنَا (٠ْ) وَنَ فَنَهُمْ أَلُوَرَ بِتَتِهِمْ وَقَدْنَ هُمْ أَدْعُواْ أَلَهِ عُمَّدَ، وَ فَتْ لَا
لَقْدُواْ فِي أَلْتَبِ وَالْخَذَ مِنْهُم ◌ِنَّهَ غَيْكَا قَلْ) ◌َّمَا نَفْهِمِ مِينَنَّهُمْ وَكُمْرِهِم ◌ِثَابَتِ أَنٍَّ وَقَهِمُ الْأَبِيَ
بِغَِّ حَّ وَفَوْلِمْ عُنُوْنَاً عُلَّفُ بَّلْ تَعَ أَنَّهُ عَلَا يَخْفِهِمْ فَ يُؤْمِلُّونَ إِلَّا فِلاَ لَ وَيَكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ
عَ مَرْبَّهُ لْتَ غَبِهَا (٤) وَقَوَّهِمْ إِنَّ فَلْنَ أَبِيحَ مِيسَى أَبْنَ مَرْجَ رَسُولُ أَلَّهِ وَمَا فَلْوَهُ وَمَا صَلَدُوهُ
وليكن تشيه هُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ المتقوا جه فى منك فته ، فهم هم من حكم إلا مع اثيُ وَمَا تَترا يميناً (ن)
بَل ◌َهُ اللهُ إلَهْ وَكَانَ اللَّهُ عَرْزً ◌َكِيمًا فَ وَإِنَ فِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّ ◌َِّؤْ مِنَّنَّ بِهِ قَبْلَ مَوَضْ وَمُ الْقِيَةِ
يَكُّدُ عَلَيهِمْ كَبِيفَ ك
﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتَابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآية، وذلك إن كعب بن الأشرف
وفنحاص بن عازورا قالا لرسول الله وَلجر: إن كنت نبياً حقاً فأتنا بكتاب من السماء فما أتى به
موسى فأنزل الله عز وجل ﴿يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء﴾ ﴿فَقَدْ سَأَلُوا
مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ يعني السبعين الذين خرج بهم موسى (عليه السلام) إلى الجبل ﴿فَقَالُوا أرِنَا
اللهَ جَهْرَةً﴾ عياناً ﴿فَأْخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ
فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ﴾ ولم نستأصلهم ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً مُبِيناً﴾ الآية.

٤٠٩
سورة النساء، الآيات: ١٥٣ - ١٥٩
يعني الآيات التسع ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الُورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمْ ادْخُلُوا البَابَ سُجَّداً﴾ قتادة:
كنا نتحدث أنه باب من أبواب بيت المقدس(١)، وقيل: إيليا، وقيل: أريحا، وقيل: هي لهم
قربة .
﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ أي لاتظلموا باصطيادكم الحيتان فيها ﴿وَأْخَذْنَا مِنْهُمْ
مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾ يعني العهد الذي أخذ الله عليهم في الصيد ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ أي فينقضهم
ميثاقهم كقوله ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ﴾(٢)، و﴿عَمَّا قَلِيل﴾(٣) و﴿جندٌ مّا هنالك﴾(٤) أي فبرحمة
وعن قليل، وبجند ما هنالك.
﴿وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقِّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا
بِكُفْرِهِمْ﴾ تقدير الآية، فنقضهم ميثاقهم وكفرهم وقتالهم وقولهم طبع الله على قلوبهم ولعنهم
﴿فَلا يُؤْمِنُونَ﴾ بمعنى من ممن كذب الرسل إلاّ من طبع الله على قلبه وإن من طبع الله على
قلبه، فلا يؤمن أبداً، ثم قال تعالى ﴿إلاَّ قَلِيلا﴾ يعني عبد الله بن سلام، وقيل معناه: فلا
يؤمنون لا قليلاً ولا كثيراً ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً﴾ حين رموها بالزنا
﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ﴾ الآية.
الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: إنّ عيسى (عليه السلام) استقبل رهطاً من اليهود
وقالوا: الفاجر بن الفاجرة والفاعل بن الفاعلة، فقذفوه وأُمّه فلما سمع عيسى ذلك دعا عليهم،
وقال: اللهم أنت ربي وأنا عبدك من روح نفخت ولم أَنَّهم من تلقاء نفسي ((اللهم فالعن من سبّني
وسبَّ أُمّي))(٥) [٣٩٣]
فاستجاب الله دعاءه ومسخ الذين سبوّه وسبّوا أُمّه خنازير، فلما رأى رأس اليهود ما
جرى بأميرهم فزع لذلك وخاف دعوته آنفاً فاجتمعت كلمة اليهود على قتل عيسى فاجتمعوا عليه
وجعلوا يسألونه فقال لهم: كفرتم وان الله يبغضكم، فغضبوا من مقالته غضباً شديداً وثاروا إليه
ليقتلوه فبعث الله تعالى جبرئيل، وأدخله خوخة فيها روزنة في سقفها فصعد به إلى السماء من
تلك الروزنة فأمر يهودا رأس اليهود رجلاً من أصحابه يقال له ططيانوس أن يدخل الخوخة ويقتله
فلما دخل ططيانوس الخوخة لم ير عيسى بداخلها فظنوا إنه يقاتله فيها وألقى الله تعالى عليه شبه
عيسى، فلما خرج ظن إنه عيسى فقتلوه وصلبوه.
مقاتل: إن اليهود وكّلوا بعيسى رقيب عليه يدور معه حيثما دار فصعد عيسى الجبل، فجاء
(١) تفسير الطبري: ٦ / ١٤.
(٣) سورة ص: ١١.
(٤) سورة المؤمنون: ٤٠ .
(٥) تفسير مجمع البيان: ٣ / ٢٣٢ بتفاوت.
(٢) سورة آل عمران: ١٥٩.

٤١٠
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
الملك فأخذ ضبعيه ورفعه إلى السماء فألقى الله تعالى على الرقيب شبه عيسى، فلما رأوه ظنوا
انه عيسى فقتلوه وصلبوه، وكان يقول: أنا لست بعيسى، أنا فلان بن فلان، فلم يصدّقوه فقتلوه.
وقال السدّيّ: إنهم حبسوا عيسى مرّتين في بيت فدخل عليهم رجل منهم وألقى الله تعالى
عليه شبه عيسى ورفع عيسى إلى السماء من كوّة في البيت فدخلوا عليه وقتلوه بعيسى.
قتاده: ذكر لنا إن نبي الله عيسى بن مريم قال لأصحابه: أيّكم يقذف عليه شبهي فإنّه مقتول
فقال رجل من القوم: أنا يا نبيّ الله فشبّه الرجل ومنع الله تعالى عيسى ورفعه إليه فلما رفعه الله
إليه كساه الريش وألبسه النور وحظّ عنه لذة المطعم والمشرب وصار مع الملائكة يدور حول
العرش وكان إنسياً ملكياً سمائياً أرضياً .
وهب بن منبه: أوحى الله تعالى إلى عيسى على رأس ثلاثين سنة ثم رفعه الله إليه وهو
[أربع] وثلاثين سنة وكانت نبوته [ثلاثة سنين].
قوله تعالى ﴿وقولهم﴾ يعني اليهود ﴿إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله﴾ فكذبهم
الله تعالى ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَقُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ .
الكلبي: إختلافهم فيه فاليهود قالت: نحن قتلناه وصلبناه. وقالت طائفة من النصارى: بل
نحن قتلناه، وقالت طائفة منهم: ماقتلوه هؤلاء ولا هؤلاء بل رفعه الله إليه [ونحن ننظر إليه]
وقال الذين لمّا قتل ططيانوس: ألم تروا إنه قتل وصلب فهذا إختلافهم وشكهم.
قال محمد بن مروان: ويقال أنّ الله وضع في شبه من عيسى على وجه ططيانوس ولم يلق
عليه شبه جسده وخلقه، فلما قتلوه نظروا إليه، فقالوا: إن الوجه وجه عيسى وإنّما هو
ططيانوس، وقد قيل إن الذي شبَّه لعيسى وصلب مكانه رجل إسرائيلي وكان يقال له إيشوع بن
مدین .
قال السدي: اختلافهم فيه أنهم قالوا إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا وإن كان هذا
صاحبنا فأين عيسى، قال الله تعالى ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم إلاَّ اتِّبَاعَ الَِّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً﴾ أي ما
قتلوا عيسى يقيناً ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ﴾.
قال الفراء والقتيبي: والهاء في قوله ﴿إليه﴾ إلى العلم يعني: وما قتلوا العلم يقيناً كما يقال
قتلته عِلْماً وقتلته يقيناً للرأي والحديث.
وقال المقنع الكندي:
[ .... ] (١) فلكم يقيناً
كذلك نخبر عنها الغانيات
ويؤيد هذا التأويل ما روى معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: وما
(١) كلام غير مقروء.

٤١١
سورة النساء، الآيات: ١٥٣ - ١٥٩
قتلوه يقيناً يعني ما قتلوه ظنهم يقيناً ﴿وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً﴾ أي قوياً بالنقمة من اليهود فسلط عليه
طغرى بن اطسيانوس(١) الرومي فقتل منهم مقتلة عظيمة ﴿حَكِيماً﴾ حكم عليهم] باللعنة
والغضب].
﴿وإن من أهل الكتاب إلاّ ليؤمنن به قبل موته﴾ قال الأستاذ الإمام: معناه ومامن أهل
الكتاب إلّ ليؤمنن به وتلا قوله تعالى ﴿وما منا إلاّ وله مقام معلوم﴾ أي ومامنا أحد إلاّ له مقام
معلوم .
وقوله ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾(٢) المعنى: ومامنكم أحد إلاّ واردها. قال الشاعر:
لو قلت ما في قومها لم تيثم (٣) يفضلها في حسب ومبسم
(٤)
المعنى: ما في قومها أحد يفضلها، ثمّ حذف.
عن قتادة والربيع بن انس وابو مالك وابن زيد: هما راجعتان إلى عيسى، المعنى فإن من
أهل الكتاب إلاّ ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى وينزل من السماء في آخر الزمان فلا يبقى أحد
من أهل الكتاب إلّ آمن به حتى تكون الملة واحدة ملة الإسلام، وهو رواية سعيد بن جبير
وعطية عن ابن عباس عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، وروى قتادة عن عبد
الرحمن بن آدم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّر: ((الأنبياء إخوة لعلات أُمهاتهم شتّى
ودينهم واحد وإني أولى الناس بعيسى بن مريم لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، ويوشك أن ينزل
فيكم ابن مريم حكماً عدلاً فإذا رأيتموه وهو رجل مربوع فلق إلى الحمرة والبياض سبط الشعر
كان رأسه يقطره وان لم يصبه بلل بين ممصّرتين، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية
ويفيض المال ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله في زمانه الملل كلها غير الإسلام
وتكون السجدة واحدة لله تعالى ويهلك الله في زمانه الرجل الكذاب الدجال يقع الأمنة في
الأرض في زمانه حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمور مع البقرة، والذئاب مع الغنم، ويلعب
الصبيان مع بعضهم بعضاً ثم يلبث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون
ويدفنونه وإقرأوا إن شئتم (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمننّ به قبل موته) عيسى بن مريم)) (٥)
[٣٩٤] رددها أبو هريرة ثلاث مرات.
(١) في تفسير القرطبي: (٦ / ١٠) بطرس بن أستيسانوس الرومي، وبالهامش عن نسخة: نطوس بن
استینانوس.
(٢) سورة مريم: ٧١.
(٣) بكسر التاء، لغة بعض العرب، فلمّا كسروا التاء قلبت الهمزة ياء.
(٤) البيت في تفسير القرطبي: ٥ / ٢٤٣، ومعاني القرآن للنحاس: ١٠١.
(٥) مسند أحمد: ٢ / ٤٠٦ وصحيح ابن حبّان: ١٥ / ٢٣٣ بتفاوت في الكل، وجامع البيان للطبري: ٦ /
٣٠.
٧

٤١٢
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
عكرمة ومجاهد والضحاك والسدي: الهاء في قوله تعالى (به) راجعتين إلى عيسى ابن مريم
إلى الكتابي الذي يؤمن والمعنى وإن من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنَنَّ بعيسى قبل موته إذا عاين
الملك فلا ينفعه حينئذ ايمانه، لأن كل من نزل عليه الموت يعاين نفسه حتى يتبين له الحق من
الباطل في دينه وهذه رواية أبي هريرة عن أبي عليّ عن ابن عباس قالوا: لايبقى يهودي
ولا صاحب كتاب حتى يؤمن بعيسى، وإن احترق أو غرق أو تردى أو سلط عليه حيتان أو أكله
السبع أو أي ميتة كانت(١).
قيل لابن عباس: أرأيت إن خرّ من فوق بيت؟ قال: يتكلم به في الهواء، فقال: أرأيت إن
ضرب عنق أحدهم؟ قال: يتلجلج بها لسانه.
يدل على صحة هذا التأويل، قراءة أُبيّ: قبل موتهم.
الكلبي: خرجت من الكوفة حتى أتيت طابت وهي قرية دون واسط فنزلتها فإذا أنا بشهر بن
حوشب فتذاكرنا هذه الآية. ﴿فإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به﴾ فقال شهر: خرج العطاء
والحجاج يؤمئذ بواسط فأمر بالعطاء فوضع بين يديه فجعل يدعو الرجل فيدفع العطاء بما قال،
فدعا باسمي وجئت على فرس لي عجفاء رثّة الهيئة وعليّ ثياب رثّة، فلما رآني الحجاج قال لي:
ياشهر مالي أرى ثيابك رثة وفرسك رثة، فقلت: أصلح الله الأمير أما ماذكرت من فرسي فإني
قد اشتريتها ولم آل نفسي خيراً، وأما ما تذكر من الثياب فحسب المؤمن من الثياب ما وارى
عورته، فقال: لا ولكنك رجل تكره الخز وتعيب من يلبسه، فقلت: إني لا أكره ذلك ولا أعيب
على من يلبسه، قال: فدعا بقطعة له خزّ فأعطانيها فصببتها عليه فلما أردت أن أخرج، قال لي:
هلم، فرجعت فقال: آية من كتاب الله تعالى ماقرأتها قط إلاّ اختلج في نفسي منها شيء، قلت:
أصلح الله الأمير، ماهي؟ فقرأ هذه الآية ﴿وَإنْ مِنْ أهْلِ الكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ فإني
لأُوتى بالأسير من اليهود والنصارى فآمر بضرب أعناقهم فما أسمعه يتكلّم بشيء، فقلت: إن
اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة وجهه ودبره، وقالت: ياعدوّ الله أتاك عيسى ابن
مريم عبداً نبياً فكذبت به، فيقول: إني آمنت به إنه نبي عبد فيؤمن به حين لا ينفعه إيمانه، ويؤتى
بالنصراني فيقولون له: ياعدو الله أتاك عيسى عبد نبي فقلت: إنه الله وابن الله، فيؤمن به حين
لا ینفعه إيمانه.
قال شهر: فنظر إليّ الحجاج وقال: من حدثك بهذا الحديث؟ فقلت: محمد بن الحنفية،
قال: وكان متكئاً فجلس ثم نكث بقضيبه في الأرض ساعة ثم رفع رأسه إليّ وقال: أخذتها من
عين صافية أخذتها من معدنها(٢).
(١) تفسير الطبري: ٦ / ٢٧.
(٢) تفسير القرآن للصنعاني: ١ / ١٧٨.

٤١٣
سورة النساء، الآيات: ١٦٠ - ١٦٦
قال الكلبي: فقلت: يا شهر ما الذي أردت أن تقول: حدثني محمد بن الحنفية وهو يكرهه
ويكره ماجاء من قبلهم، قال: أردت أن أُغيظه.
وقال بعضهم: الهاء في (به) راجعة إلى محمد وَ ل وفي (موته) راجعة إلى الكتابي.
وهو رواية حماد بن حميد عن عكرمة قال: لا يموت اليهودي ولا النصراني حتى يؤمن
بمحمد ◌ّ، وقيل الهاء في (به) راجعة إلى الله تعالى، وإن من أهل الكتاب إلّ ليؤمننّ به قبل
أن يموت عند المعاينة ولا ينفعه إيمانه في وقت البأس ﴿وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكُونُ﴾ عيسى ﴿عَلَيْهِمْ
شَهِيداً﴾ بأنّه قد بلّغهم رسالة من ربه وأقرَّ له بالعبودية على نفسه، نظير قوله ﴿وكنت عليهم شهيداً
مادمت فيهم﴾ وهو نبي شاهد على أُمّته، قال الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّة بِشَهِيد)
الآية، وقال تعالى ﴿وَيَوْمَ نَّبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّة شَهِيداً﴾ .
◌َاذِ بَنَ اَلْدَعَكَ هَاهُوَاَ عَّمَ عَلَيْهِمْ عَيْبَتِ أَمِلْتْ لَهُمْ وَبِصَذِهِمْ عَنْ عَنِلِ أَِّ كَبِهَاَ لْنَ) وَأَعْدِهِمُ
أَرْتُواْ وَقَدْ لُهُوا عَنْهُ وَأَكِْهِمْ أَمَوْلَ أَسِِ الْآَيْلِلِ، وَأَعْنَدَ إِلَكِينَ مَهُمْ عَذَلَ أَيْمَا يَ أَكِنْ أَلَِّتُونَ فِى
اَلْبِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بََّ أُرِلَ إِنْكَ وَمَا أُرِلَّ مِنْ قَبْكُ وَاْعَمِنَّ أَلَلََّةُ وَالْمُؤَنَّنَ الَكَةُ وَالَّؤْمِنُونَ
وَّهِ وَأَوْمِ آَمِّ أَوَ سَّؤْمِمْ أَبْ عَ (َ) ﴾ إِنَّا أَوْبَحْنَا إِلََّ كَنَّا أَوْحَْئاً إِلَى أُرِ وَأَلَِّنَّ مِنَّ
عَدِدْ وَأَزَّْاً إِلَ إِلَّهِمُ وَإِسْعَمِلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَنْتَ وَلُونُسَ وَحَقِّوَّ
وَسَُّنَّ وَءَاتَيْنَا دَاوُدَ زَمُوْرَاً (َ وَرُسُلًا قَدْ فَسَمْسَهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُّهُلًاِ لْمِ نْهُضْهُمْ عَلَّ وَكَّةْ
اللَّهُ مُوسٍَّ تَكْلِمَاً (6) رُسُلًا مُّبَشِرِينَ وَمُدْرِنَّ إِلَّا بِكُونَ إِنَّاسِ عَلَ اللَّهِ حُبَّهُ بَعْدَ أَزَّمَلْ وَ كَرُ الَّهُ
﴿ لَكِن أَنَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَرَلَ اتذك أمرامُ بيليةٌ، وَالْمَنَّبِكَّهُ بَشَدُونَ وَكَفَى بِأَلَّهِ
زيزاً حَكِيمُ
شَهيد (3)
﴿فَبِظُلْم مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ وهو ما تقدّم ذكره من نقضهم الميثاق وكفرهم بالآيات وبهتانهم
على مريم وقولهم: إنا قتلنا المسيح.
ونظم الآية ﴿فبظلم من الذين هادوا﴾ وبصدهم أي صرفهم انفسهم وغيرهم عن سبيل الله
عن دين الله صداً كبيراً ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأكْلِهِمْ أمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ مثل الاكل
التي كانوا يصيبونها من عوامهم، وما كانوا يأخذونها في ايمان كتبهم التي كتبوها، وقالوا هذه
من عند الله، وما كانوا يأخذون من الرشاء في الحكم، كقوله تعالى ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾(١)
عاقبناهم بأن حرّمنا عليهم الطيبات وكانوا كلما ارتكبوا كبيرة حرم عليهم شيئاً من الطيبات التي
(١) سورة المائدة: ٦٣ .

٤١٤
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
كانت حلالاً لهم، يدلّ عليه قوله تعالى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُر﴾(١) و﴿وَعَلَى
الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾(٢).
نكتة قال لهم: ﴿وحرّمنا عليهم طيبات﴾ وقال لنا: ﴿ويحل لهم الطيبات﴾، وقال:
﴿وكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً﴾ فلم يحرّم علينا شيئاً بذنوبنا فكما أمننا من تحريم الطيبات
التي ذكر في هذه الآية نرجوا أن يؤمننا في الآخرة من العذاب الأليم وقال الله تعالى ﴿وَأَعْتَدْنَا
لِلْكَافِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً ألِيماً﴾ لأنه جمع بينهما في الذكر.
نكتة اطلق في تحريم الطيبات اللفظ في العذاب، لأن التحريم شيء قد مضى له العذاب
مستقبل، وقد علم ان منهم من يؤمن فيأمن من العذاب، فقال ﴿وأعتدنا للكافرين منهم عذاباً
أليماً﴾ ثمّ استثنى مؤمني أهل الكتاب فقال: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ مِنْهُمْ﴾ يعني ليس أهل
الكتاب كلّهم كما ذكرنا لكن الراسخون التائبون المناجون، في العلم ﴿وَالمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا
أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾.
واختلفوا في وجه انتصابه.
فقالت عائشة وأبان بن عثمان: هو غلط من الكاتب، ونظيره قوله: ﴿إنّ الذين آمنوا
والَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾(٣) وقوله تعالى: ﴿إِنْ هَذانٍ لَسَاحِرَازٍ﴾(٤) وقال بعض
النحويين: هو نصب على المدح والعرب تفعل ذلك في صفة الشيء الواحد إذا تطاولت بمدح أو
ذم خالفوا من اعراب أوله وأوسطه، نظيره قوله ﴿وَالمُوفُونَ بِعِهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي
البَأْسَاءِ﴾(٥) وقيل: نصب على فعل، تقديره: اعني المقيمين، على معنى: أذكر النازلين وهم
الطيبون.
وقال قوم: موضعه خفض، واختلفوا في وصفه، قال بعضهم: معناه: لكن الراسخون في
العلم منهم ومن المقيمين الصلاة، وقيل معناه: يؤمنون بما أنزل إليك وإلى المقيمين الصلاة،
وقال بعضهم: يؤمنون بما أُنزل إليك من الكتاب والمقيمين الصلاة.
ثم اختلفوا فيهم من هم؟ فقيل: هم الملائكة، وقيل: هم الأنبياء، وقيل: هم المؤمنون،
وقيل: مؤمنوا أهل الكتاب وهم الراسخون.
قوله تعالى ﴿إِنَّا أوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ الآية، نزلت في اليهود وذلك لما أنزل الله تعالى قوله
(١) سورة الأنعام: ١٤٦.
(٢) سورة النحل: ١١٨.
(٣) سورة المائدة: ٦٩.
(٤) سورة طه: ٦٣ .
(٥) سورة البقرة: ١٧٧ .

٤١٥
سورة النساء، الآيات: ١٦٠ - ١٦٦
﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتَابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ﴾(١) إلى قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً
حَكِيماً﴾(٢).
لفضحهم وذكر عيوبهم وذنوبهم؛ غضبوا وقالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء وأنزل
﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح﴾ جعله الله تعالى ثاني المصطفى وخ لل في موضعين من
كتابه في أهل الميثاق بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾(٣) والثاني
في الوحي، فقال: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوح﴾ فإن قيل: ما الحكمة في تقديم نوح
على سائر الأنبياء وفيهم من هو أفضل منه؟ يقال: لأنه كان أبو البشر قال الله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا
ذُرِّيَتَهُ هُمُ البَاقِينَ﴾ وقيل: لأنه أول نبي من أنبياء الشريعة وأول داع ونذير عن الشرك.
وقيل: لأنه أول من عذب أمّته لردّهم دعوته وأهلك كل الأرض بدعائه عليهم لأنه كان
أطول الأنبياء عمراً .
وقيل: إنه كبير الأنبياء، وجعل معجزته في نفسه لأنه عُمِّر ألف سنة ولم ينقص له سن ولم
تنقص له قوة ولم یشب له شعر.
وقيل لأنه لم يبالغ أحد من الأنبياء في الدين ما بالغ نوح ولم يصبر على أذى قوم ما صبر
نوح وكان يدعو قومه ليلاً ونهاراً إعلاناً وإسراراً وكان يشتم ويضرب حتى يغمى عليه فإذا فاق
دعا وبالغ وكان الرجل منهم يأخذ بيد إبنه فيقول له: يابني إحذر هذا فإنه ساحر كذاب. قال الله
تعالى ﴿وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطفى﴾(٤)
وقال من عتق عنه [ ...... ](٥) يوم القيامة بعد محمد رَّله، وقيل لأن مقامه الشكر قال
الله تعالى ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً﴾(٦) فكما [ ...... ] (٧) القرآن فكذلك نوح (عليه السلام)
صدر [ ...... ](٨) وقال أول من يُدَعى إلى الجنة الحمّادون لله على كل حال.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ﴾ وهم أولاد يعقوب
﴿وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً﴾ قرأ يحيى بن وثاب، والأعمش
وحمزة ﴿زبوراً﴾ بضم الزاي بمعنى جمع زبر وزبور كأنه قال: قد كتبنا صحفاً من بعده أي
مكتوبة، والباقون بفتح الزاي على أنه كتاب داود المسمى زبوراً، وكان داود يبرز إلى البرّية
فيدعو بالزبور وكان يقوم معه علماء بني اسرائيل فيقومون خلفه. ويقوم الناس خلف العلماء
ويقوم الجن خلف الناس، الأعظم فالأعظم في [فلاة] عظيمة ويقوم [الناس] لهذا الجن الأعظم
(١) سورة النساء: ١٥٣.
(٣) سورة الأحزاب: ٧.
(٥) كلمة غير مقروءة.
(٧) كلمة غير مقروءة.
(٢) سورة النساء: ١٦٥ .
(٤) سورة النجم: ٥٢.
(٦) سورة الإسراء: ٣.
(٨) كلمة غير مقروءة.

٤١٦
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
فالأعظم وتجيء الدواب التي في الجبال، إذا سمعن صوت داود فيقمن بين يديه تعجباً لما
سمعن منه، وتجيء الطير حتى يظللن داود وسليمان والجن والإنس في كثرة لا يحصيهم إلاّ الله
عز وجل يرفرفن على رؤسهم ثم تجيء السباع حتى تخالط الدواب والوحش لما سمعن حتى من
لم ير ذلك، فقيل له: ذاك انس الطاعة، وهذه وحشة المعصية.
وروى طلحة بن يحيى عن أبي بردة أبي موسى عن أبيه قال: قال لي رسول الله وَّ: ((لو
رأيتني البارحة وأنا أستمع القرآنك، لقد أُعطيت مزماراً من مزامير آل داود)) (١) [٣٩٥] قلت: أما
والله يا رسول الله لو علمت إنّك تسمع قراءتي لحسّنت صوتي وزدته [تحبيراً].
وكان عمر (رضي الله عنه) إذا رآه قال: ذكّرنا يا أبا موسى فيقرأ عنده.
وعن أبي عثمان [النهدي] وكان قد أدرك الجاهلية، قال: ما سمعت [طنبوراً ولا صنجاً]
ولا مزماراً أحسن من صوت أبي موسى وإن كان لَيَؤُمّنا في صلاة الغداة لنودّ أنه يقرأ سورة البقرة
من حسن صوته (٢) (٣) حيث نزع حرف الصفة فالمعنى: كما أوحينا إلى نوح وإلى رسل.
وقيل معناه وقصصنا عليك رسلاً نصب بعائد الذكر، وفي قراءة ﴿وَرُسُلا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ
عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ بمكة في سورة الأنعام لأن هذه السورة مدنية أُنزلت من بعد الأنعام ﴿وَرُسُلا لَمْ
نَقْصُضْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ ﴿رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ سمّى الله تعالى النبيين
بهذين الإسمين، فقال: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾(٤) ثم سمّى
المرسلين خاصة بهذا الإسم، فقال (مبشرين ومنذرين) ثم سمّى نبينا خاصة بهذين الإسمين،
فقال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾(٥) ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ
حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ فيقول: ما أرسلت إلينا رسولاً فنتبع وما أنزلت علينا كتاباً. وقال في آية
أخرى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾(٦).
قال رسول الله صل﴾: ((ما أحد أغير من الله تعالى))(٧) [٣٩٦]. ولذلك ﴿حرم ربّي
الفواحش ماظهر منها وما بطن﴾(٨) وما [أحسن] إليه المدح من الله تعالى ولذلك مدح نفسه جل
(١) صحيح البخاري: ٦ / ١١٢، باب حسن الصوت بالقراءة، وصحيح مسلم ٢ / ١٩٣.
(٢) التغنّي بالقرآن: ٢٦، وسير أعلام النبلاء: ٣ / ٣٩٢.
(٣) كلمة غير مقروءة.
(٤)
سورة البقرة: ٢١٣.
سورة الفتح: ٩.٨.
(٥)
سورة الإسراء: ١٥.
(٦)
(٧) مجمع الزوائد: ٨ / ١١٨.
سورة الأنعام: ١٥١ .
(٨)

٤١٧
سورة النساء، الآيات: ١٦٧ - ١٧٣
جلاله وما أحد أحبّ إليه العذر من الله تعالى لذلك أرسل الرسل، وأنزل الكتب ﴿لكن الله
يشهد﴾ الآية. اعلم أن الله تعالى شهد على سبعة أشياء على التوحيد، فقال: ﴿شهد الله أنه لا
إله إلا هو﴾(١) والثاني على العدل ﴿وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً﴾ ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ﴾(٢) وقال تعالى
﴿قُلْ كَفَى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً﴾ (٣) وقال: ﴿قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾(٤) وقال: ﴿فاشهدوا
وأنا معكم من الشاهدين﴾(٥) والثالث على اعمال العباد فقال: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمْ اللهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ
بِمَا عَمِلُوا﴾(٦) الآية وقال: ﴿إلا كنا عليكم شهوداً﴾(٧) أي تفيضون فيه وقال: ﴿والله شهيد على
مَا تَعْمَلُونَ﴾(٨)، والرابع على جميع الأشياء فقال ﴿أو لم يكف بربك انه على كل شيء
شهيد﴾(٩) والخامس على كذب المنافقين قال تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إنَّ
المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾(١٠)، والسادس على شريعة المصطفى فقال عز من قائل ﴿قل الله شهيد بيني
وبينكم﴾(١١) أي شهيد على القرآن ﴿لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ الآية.
وقال ابن عباس: إن رؤساء مكة أتوا رسول الله وسلم فقالوا: يا محمد أخبرنا أولاً عن
صفتك ونعتك في كتابهم فزعموا إنهم لا يعرفونك، ودخل على رسول الله ولير جماعة من اليهود
فقال لهم: ((إني والله أعلم أنكم تعرفون أني رسول الله)) [٣٩٧].
فقالوا: نعلم، فأنزل الله تعالى إن كذبوك وجحدوك لكن الله يشهد ﴿بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ
بِعِلْمِهِ وَالمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً﴾ .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ أَقَّهِ فَدْ سَنُواْ ضَّكَلَُّ بَِّهَا (١٠) إِنَّ أَِّنَّ كَفَرُواْ وَسَلَهُوَاَ لَمْ
يَكُنَّ أَلَّهُ إَِغْفِرْ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا ◌َ إِلَّ نَظَرِيقَّ جَهَذَمَ خَدِىٌّ ◌ِبَ أَبْدَهُ وَنَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهِ
قَبِهَا فَ بَايَهَا النَّاسُ قَدْ حَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْبَّ مِنْ زَبَّكُمْ فَقَد ◌ِوَأَ خَيْرَ لَكُمْ وَإِن ◌َتْهُرَوَ دَنَّ بِّهِ مَ
◌ِ الشَّمُوَّنِ وَالْأَرْضِّ وَنَّ أَنَّهُ عَ ◌َكِيمًا (٠َ بَأَهْلُ الْكِتَّبِ لاَ تَخْلُواْ فِى وَيِنِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَ
أَنَّ إِلَّ الْحَّ إِنَّمَا أَلْمَسِبِعُ عِبَى أَنْهُ مَرْجَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَبِمَتَّهُ، أَلْتَنْهَا إِلَّ مَرَ وَدُوَمُ مِنْهٌ لَاِوَاَ
أَمْ وَرُسُلَّهِ، وَلاَ أَقْرِأَ نَةٌ أَنَهُوا شَيْ فَسِكُمْ إِمَا أَّهُ إِلَهُ وَبِةٌ سَكَّهُ أَنْ كَ لَمْ وَقَدَّ لَمْرِمَ
فِى أَلْتََّوَتِ وَمَّ ◌ِ الْأَرْضِىُّ وَكَفَى بِأَلَّهِ وَسِيلًا () لَى بَسْتَنَكِفَ الْسَِّعُ أَنْ يَكُونَتَ عَبْدَاً لِلَّهِ وَلَا
الْمَلَكَةُ لْغَرَُّنَّ وَمَنْ تَسْتَكِفْ عَنْ عِبَادَةِ. وَنَسْتَكْهِ فَسَبَحْتُ إِلَيْهِ جَمِيعًا لَ كَمَا الْرِنَّ ◌َامَنُوا
سورة آل عمران: ١٨.
(١)
سورة العنكبوت: ٥٢.
(٣)
سورة آل عمران: ٨١.
(٥)
سورة يونس: ٦١ .
(٧)
(٩) سورة فصّلت: ٥٣.
(١١) سورة الأنعام: ١٩.
سورة الفتح: ٢٩.٢٨.
(٢)
(٤)
سورة الأنعام: ١٩.
سورة المجادلة: ٦.
(٦)
(٨) سورة آل عمران: ٩٨.
(١٠) سورة المنافقون: ١.

٤١٨
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
وَمِلُواْ الْفَّذِحَةِ يُوَفِيهِمْ لُهُوَرَهُمْ وَرِؤُهُمْ مِنْ نَسْسِ، وَأَنَا أَلَّذِينَ أَسْتَكَمُواْ وَأَسَتَكََ ◌َنْ مُهُمْ
عَذَابً أَلِيهَا وَلَ غَبِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ أَنَّهِ وَنََّ وَلَا تَبِهَا (َ
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالا بَعِيداً إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَّمُوا﴾
يعني اليهود الذين علم الله تعالى منهم إنهم لا يؤمنون ﴿لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ
طَرِيقاً﴾ يعني دين الإسلام ﴿إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ يعني اليهودية ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى
اللهِ يَسِيراً﴾ إلى قوله تعالى ﴿يَا أَهْلَ الكِتَابِ لا تَغْلُوا﴾ الآية نزلت في النسطورية والماريعقوبية
والملكانية والمرقوسية وهم نصارى نجران وذلك إن الماريعقوبية قالوا لعيسى: هو الله، وقالت
النسطورية: هو ابن الله، وقالت المرقوسية: هو روح الله، فأنزل الله تعالى ﴿يا أهل الكتاب﴾
يعني يا أهل الانجيل وهم النصارى ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ أي لا تتشددوا في دينكم فتفتروا عليّ
بالكذب، وأصل الغلو مجاوزة الحد في كل شيء، يقال: غلا بالجارية لحمها وعظمها إذا
أسرعت الشباب فجاوزت لداتها(١) يغلو بها غلواً وغلاء.
خالد المخزومي :
رؤد الشباب غلا بها عِظَم (٢)
خمصانة فلق موشحها
﴿وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إلَّ الحَقَّ﴾ لا تقولوا أن لله شركاء أو ابناً، ثم بين حال عيسى
وصفته فقال ﴿إِنَّمَا المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ وهو الممسوح المطهر من الذنوب والأدناس التي
تكون في الناس كما يمسح للشيء من الاذى الذي يكون فيه فيطهر، عيسى ابن مريم لا ابن الله
بل رسول الله [وعبده قال: ﴿إنّي عبدالله آتاني الكتاب وجعلني نبّياً﴾] ردَّ بهذا على اليهود
والنصارى جميعاً ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾ يعني قوله: كن، فكان بشراً من غير أب وذلك قوله تعالى ﴿كمثل
آدم خلقه من تراب﴾(٣) الآية وقيل: هي بشارة الله مريم بعيسى ورسالته إليها على لسان جبرئيل
وذلك قوله تعالى ﴿إذ قالت الملائكة يامريم إن الله يبشرك بغلام اسمه المسيح﴾ وقال تعالى
مصدّقاً بكلمة من الله ﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ يعني أعلمها وأخبرها بها كما يقال: ألقيت إليك كلمة
حسنة ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ الآية.
قال بعضهم: معناه ونفخة منه وذلك أن جبرئيل نفخ في درع مريم فحملت بإذن الله،
فقال: ﴿وروح منه﴾ لأنه بأمره كان المسيح وربما لأنه ريح يخرج من الروح(٤)، قال ذو الرمة
يصف شرر النار التي تسقط من القداحة:
(١) لداته، اللدات جمع لدة: الترب، وهو الذي ولد معك وتربّی.
(٢) لسان العرب: ١٥ / ١٣٢.
(٣) سورة آل عمران: ٥٩.
(٤) هكذا في الأصل.

٤١٩
سورة النساء، الآيات: ١٦٧ - ١٧٣
فقلت له ارمها إليك وأحيها
2(١)
بروحك واقتته لها قيتة قدراً
واجعل لها قوتاً بقدر. يدل عليه قوله تعالى ﴿وَالَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ الآية هذا معنى قول
عذرتها .
وقال أبو عبيدة: إنّه كان إنساناً بإحياء الله عز وجل إياه، يدل عليه قول السدّي ﴿وروح
منه﴾ أي مخلوق من عنده، وقيل: معناه ورحمة من الله تعالى، عيسى رحمة لمن شهد وآمن به،
يدل عليه قوله في المجادلة ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوح مِنْهُ﴾(٢) أي قوّاهم برحمة منه، فدلّ الروح بالوحي
أوحى إلى مريم بالبشارة وأوحى إلى مريم بالمسيح وأوحى أنه ابن مريم يدلّ عليه [قوله تعالى:
﴿بروح منه] يعني بالوحي، وقال في حم المؤمن: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ
عِبَادِهِ﴾(٣) .
وقال: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا﴾(٤) أي وحينا، وقيل: إهدنا بروح جبرئيل
فقال: ﴿وكلمة ألقاها إلى مريم) وألقى إليها أيضاً روح منه وهو جبرائيل. يدل عليه قوله في
النحل ﴿قل نزله روح القدس﴾(٥) نظيره في الشعراء قال: ﴿انزله الروح الأمين﴾(٦) وقال
﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾(٧) وقال ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾(٨) يعني جبرئيل، وقال
﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَاَ رُوحَنَا﴾(٩) الروح الوحي يعني من الإضافة إليه على التخصيص كقوله لآدم (عليه
السلام) ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾(١٠) .
قال الثعلبي: وسمعت الأستاذ أبا القاسم الحبيبي يقول: كان لهارون الرشيد غلام نصراني
متطّب وكان أحسن خلق الله وجهاً وأكملهم أدباً وأجمعهم للخصال التي يتوسل بها إلى الملوك
وكان الرشيد مولعاً بأن يسلم وهو ممتنع وكان الرشيد يمنيه الأماني [فيأبى] فقال له ذات يوم:
مالك لا تؤمن؟ قال: لأن في كتابكم حجة على من انتحله، قال وما هو؟ قال: قوله ﴿وَكَلِمَتُهُ
أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ أفغير هذا دين النصارى أن عيسى جزء منه، [فغمّ] قلب الرشيد
لذلك فدعا العلماء والفقهاء فلم يكن منهم من يزيل تلك الشبهة حتى قيل: قدم حجاج خراسان
وفيهم رجل يقال له علي بن الحسين بن واقد من أهل مرو إمام في أهل القرآن، فدعاه وجمع بينه
وبين الغلام، فسأل الغلام فأعاد قوله، فاستعجم على علي بن الحسين الوقت جوابه فقال: يا
أمير المؤمنين قد علم الله في سابق علمه أن مثل هذا [الحدث] يسألني في مجلسك، وإنه لم
(١) لسان العرب: ٢ / ٤٦٠ وفيه: واجعله لها قتية، وكذا في تاج العروس.
(٢) سورة المجادلة: ٢٢.
سورة الشورى: ٥٢.
(٤)
سورة الشعراء: ١٩٣.
(٦)
(٨) سورة النحل: ٢.
(١٠) سورة الحجر: ٢٩.
(٣) سورة غافر: ١٥.
(٥) سورة النحل: ١٠٢.
(٧) سورة البقرة: ٨٧.
(٩) سورة مريم: ١٧ .

٤٢٠
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
يخل كتابه من جوابي وليس يحضرني في الوقت لله عليَّ أن لا أُطعم حتى آتي الذي فيأمن حقها
ان شاء الله، فدخل بيتاً مظلماً، وأغلق عليه بابه [وانشغل] في قراءة القرآن حتى بلغ سورة
الجاثية ﴿وسخر لكم مافي السماوات وما في الأرض جميعاً منه﴾ فصاح بأعلى صوته: إفتحوا
الباب فقد وجدت، ففتحوا، ودعا الغلام وقرأ عليه الآية بين يدي الرشيد، وقال: إن كان قوله
(وروح منه) توجبان عيسى بعض منه وجب أن يكون ما في السماوات وما في الأرض بعضاً منه،
فانقطع النصراني وأسلم وفرح الرشيد فرحاً شديداً ووصل علي بن الحسين بصلة فاخرة فلما عاد
إلى مرو صنف كتاب ((النظائر في القرآن)) وهو كتاب لا يوازيه في بابه كتاب.
﴿فَآَمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ قال أبو عبيدة: معناه ولا تقولوا هم ثلاثة.
وقال الزجاج: ولاتقولوا آلهتنا ثلاثة، وذلك أنهم قالوا: أب وابن وروح القدس،
﴿اَنْتَهُوا﴾ عن كفركم ﴿خَيْراً لَكُمْ﴾ إلى قوله ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْداً للهِ﴾ وذلك إن
وفد نجران قالوا: يا محمد لم تعيب صاحبنا؟ قال: ومن صاحبكم؟
قالوا: عيسى. قال: وأي شي أقول؟ قال: تقول أنه عبد الله ورسوله، فقال لهم: إنه ليس
بعار لعيسى إن يكون عبداً لله. قالوا: بلى، فنزلت ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْداً للهِ﴾
الآية. لم يأنف ولم يتعظّم ولم [يختتم](١) وأصله الأنفة، والتجنب وأصله في اللغة من قولهم
نكفت الدمع إذا نحیته بإصبعك عن خدك.
قال الشاعر:
من الحلف لم ينكف لعينيك تدمع
فياتوا فلولا ما تذكر عنهم
﴿وَلَا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ هم حملة العرش لا يأبون ان يكونوا عبيداً لله، لأن من الكفار
من اتخذ الملائكة آلهة فلذلك ذكرهم ثم أوعدهم فقال ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ
فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً﴾ المستكبر والمقر ﴿فَأْمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِيهِمْ أُجُورَهُمْ
وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ في [التضعيف] ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا﴾ عن عبادته ﴿وَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن السجود ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً ألِيماً وَلا
يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ ثم قال (الله ولي الذين آمنوا).
◌َ أَنَّاسُ قَدْ عَكُمْ لَّحَدُّ بِيْ رَبِّكُمْ وَرَنَا أَكُمْ لُوَزَّا تُبِنَا ◌َ ◌َنََّ أَدْرَءَامَنُوا بِاللَّهِ
وَأَقْتَصَمُواْ بِ. فَسَيَدْجَّهُمْ فِ رَحَرْ قِرْهُ وَفَضْلِ وَيَبْعِمْ إِنَّهِ صِرَحًا مُسْتَقِهَا إِيَ مَسْتَظَلُونَكُ ثُلِ اللَّهُ
(١) هكذا في الأصل.