النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
سورة النساء، الآيات: ٦٤ - ٧٣
وقال الضحاك: أي إثماً يأتون بإنكارهم لما قضيت (١) ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ أي يخضعوا
وينقادوا إليك إنقياداً ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا﴾ فرضنا وأوجبنا ﴿عَلَيْهِمْ أنْ اقْتُلُوا أنفُسَكُمْ﴾ ما أمرنا بني
اسرائيل. ﴿أوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ كما أمرناهم بالخروج من مصر ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾ أرجع الهاء إلى
فعل القتل والخروج لأن الفعل وإن اختلفت أجناسه فمعناه واحد ﴿إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ وهذه الآية
نزلت في قول ثابت بن قيس وكان هو من القليل الذي استثنى الله عز وجل ورفع القليل على
ضمير الفاعل بأنهم فعلوه وقلّ على التكرار تقديره: ما فعلوه، تم الكلام. ثم قال: إلاّ أنه فعله
قليل منهم. كقول عمر بن معدي كرب :
فكلُّ أخ مفارقه أخـوه
لعمر أبيك إلاّ الفرقدان(٢)
وقرأ أبي بن كعب وعيسى بن عمر وابن أبي اسحاق وابن عامر (قليلاً) بالنصب، وكذا هو
في مصاحف أهل الشام على [النصب] وقيل: فيه اضمار تقديره إلاّ أن يكون قليلاً منهم.
قال الحسن ومقاتل: لما نزلت هذه الآية قال عمر وعمار وابن مسعود وناس صحبوا
رسول الله وَل وهم القليل: والله لو أمرنا لفعلنا، فالحمد لله الذي عافانا، فبلغ ذلك النبي وَل
فقال: ((إن من أُمتي لرجالاً الإيمان أثيت في قلوبهم من الجبال الرواسي))(٣) [٣٦٧].
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَقْبِيتاً﴾ تحقيقاً
وتصديقاً لإيمانهم.
﴿وَإِذاً لأَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أجْراً عَظِيماً﴾ ثواباً .
﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً * وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ﴾ نزلت هذه الآية في ثوبان مولى
رسول الله ﴾ وكان شديد الحب لرسول الله وَ له، قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم، وقد تغير
لونه [ونحل جسمه يعرف في وجهه الحزن](٤) وقلّ لحمه، فقال له رسول الله ◌َالقول: ((يا ثوبان ما
غيّر لونك؟))(٥) [٣٦٨]؟
فقال: يا رسول الله مابي مرض، ولا وجع، غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك، وتوجّست
وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة وأخاف أن لا أراك هناك، لأني عرفت أنك ترفع مع
النبيين وأني وإن ادخلت الجنة، كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة فذلك حين
لا أراك أبداً .
(١) راجع تفسير القرطبي: ٥ / ٢٦٩.
(٢) المغني: ٤ / ٣٠٠.
(٣) كنز العمّال: ١٢ / ١٨٢، ح ٣٤٥٧٣.
(٤) زيادة عن أسباب النزول للواحدي: ١١٠.
(٥) زاد المسير: ٢ / ١٥٠ وتفسير القرطبي: ٥ / ٢٧١.

٣٤٢
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال النبي ◌َّل: ((والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه وأبويه
وأهله وولده والناس أجمعين))(١) [٣٦٩].
وقال قتادة ومسروق بن الأجدع: أنّ أصحاب محمد بَلّه قالوا: ما ينبغي لنا أن نفارقك
فإنا لا نراك إلّ في الدنيا فأما في الآخرة فإنك ترفع فوقنا بفضلك فلا نراك، فأنزل الله تعالى
﴿ومن يطع الله﴾ في الفرائض ﴿والرسول﴾ في السنن ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ
النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ وهم أفاضل أصحاب محمد بَّهِ ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ وهم الذين استشهدوا في
سبيل الله ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ من صلحاء أمة محمد وَّه.
قال عكرمة: النبيون: محمّد، والصديقون: أبو بكر الصديق، والشهداء عمر وعثمان وعلي
رضي الله عنهم، والصالحون سائر أصحابه. ﴿وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً﴾ يعني دوماً في الجنة كما
يقول: نعم الرفقا هم.
والعرب تضع الولي في معنى الجمع كثيراً، كقوله: نحن منكم قبلاً أي اطياداً، ويولون
الدبر أي الأدبار ويقولون ينظرون من طرف خفي.
وقوله ورفيقاً نصب على خبر ﴿ذَلِكَ الفَضْلُ﴾ [احسان] ﴿مِنَ اللهِ وَكَفَى بِاللهِ عَلِيماً﴾ يعني
بالآخرة وثوابها .
وقيل: بمن أطاع رسول الله وأحبه، وفي هذه الآية دلالة على خلافة أبي بكر الصديق
(رضي الله عنه) وذلك أن الله تعالى لما ذكر مراتب أوليائه في كتابه بدأ بالأعلى منهم، وهم
النبيون فجعل الروضة الأعلى للنبيين فلم يجز أن يتقدمهم فيها أحد وثنى بذكر الصديقين فلا
يجوز أن يتقدمهم أحد غير النبيين ولأن يكون من النبي صديق سرهم، وقد أجمع المسلمون على
تسمية أبي بكر صديقاً كما أجمعوا على تسمية محمد رسول الله ولم يجز أن يكونوا غالطين في
تسميتهم محمد الرسول كذلك لا يجوز أن يكونون غالطين في تسمية أبي بكر صديقاً فإذا صح انه
صديق وأنه ثاني رسول الله وسير فلم يجز أن يتقدّمه بعده أحد والله أعلم، وفي قوله ﴿الفضل من
الله﴾ دليل على أنّهم لم ينالوا تلك الدرجة بطاعتهم بل نالوها بفضل الله خلافاً، لما قالت
المعتزلة ان العبد إنما ينال ذلك بفعله فلما احسن الله على عباده بما آتاهم من فضله فكان
لا يجوز أن يثني على نفسه بمالم يفعله، فثبت ذلك على بطلان قولهم ثم علّمهم مباشرة
الحروب، فقال: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ من عدوكم أي عدتكم وآلاتكم من
(١) صحيح البخاري: ١ / ٩، وسنن ابن ماجة: ١ / ٢٦، والسنن الكبرى: ٦ / ٥٣٤، بتفاوت، ويوجد
بتمامه في تفسير مجمع البيان: ٣ / ١٢٦ .

٣٤٣
سورة النساء، الآيات: ٦٤ - ٧٣
السلاح ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ والحِذر والحَذر واحد، كالمِثل والمَثل، والعِدل
والعَدل، والشِبه والشَبه، ﴿فَانِفِرُوا﴾ أي اخرجوا ﴿ثُّبَات﴾ أي سرايا ﴿متفرقين﴾ كسرية بعد سرية
وجماعة بعد جماعة، والثبات الجماعات في تفرقه واحدها ثبة ﴿أوِ انفِرُوا جَمِيعاً﴾ أي مجتمعين
كلّكم مع سلم واستدل أهل القدر بهذه الآية.
بقوله ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ قالوا: لولا أن الحذر يمنع عنهم مكايد الأعداء ما كان لأمره
بالحذر إياهم معنى.
فيقال لهم: الإئتمار لأمر الله والانتهاء عن نهيه واجب عليهم لأنهم به يسلمون من معصية
الله عز وجل لأن المعصية تزل، فائتمروا وانتهوا عمّا نھوا عنه.
وليس في هذه الآية دليل على أن حذرهم ينفع من القدر شيئاً، وهذا كقول النبي (صلى
الله عليه وآله وسلم): ((إعقلها وتوكّل))(١) [٣٧٠].
والمراد به طمأنينة النفس لا أن ذلك يدفع القدر، كذلك في أخذ الحذر فهو الدليل على
ذلك، أن الله تعالى أثنى على أصحاب رسول الله وَ له بقوله حاكياً عنهم ﴿لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّ مَا كَتَبَ
اللهُ لَنَا﴾ وأمر بذلك رسوله وَلّر كان يصيبهم غير ما قضى عليهم ما كان هذا متي.
﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾. قال بعضهم: نزلت هذه الآية في المؤمنين لأن الله خاطبهم
بقوله ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ﴾ وقد فرق الله بين المؤمنين والمنافقين بقوله ﴿مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ﴾ .
وقال: أكثر أهل التفسير: إنّها نزلت في المنافقين وإنما جمع منهم في الخطاب من جهة
الجنس والسبب ومن جهة الإيمان من ﴿لَمَنْ لَيُبَّئَنَّ﴾ أي ليثاقلن ويتخلفنّ عن الجهاد والغزو.
وقيل: معناه ليصدّقن غيره، وهو عبد الله بن أُبيّ المنافق وإنما دخلت (اللام) في (من)
لمكان (من) كما تقول: إنّ فيها لأخاك فاللام في ليبطئن لام القسم وهي صلة لمن على اعتماد
شبه باليمين كما يقال هذا الذي ليقومن وأرى رجلاً ليفعلن.
﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ أي قتل وهزيمة ﴿قَالَ قَدْ أنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ﴾ عهد ﴿إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ
شَهِيداً﴾ أي حاضراً في تلك الغزاة فيصيبني مثل ما أصابهم، يقول الله ﴿كأن لم يكن بينكم
وبينهم مودة﴾ أي معرفة.
وقال معقل بن حيان: معناه كأن ليس من أهل دينكم وان نظم الآية وقوله كأن لم يكن
متصل بقوله ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ ﴿وَلَئِنْ أصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ﴾ أي فتح وغنيمة ﴿لَيَقُولَنَّ﴾
هذا المنافق قول نادم حاسد: ياليتني كنت معهم في تلك الغزاة ﴿فَأْفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ أي آخذ
نصيباً وافراً من الغنيمة.
(١) سنن الترمذي: ح٢٥٢٢ كتاب صفة القيامة باب: إعقلها وتوكّل.

٣٤٤
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
وقوله (فأفوز) نصب على نحو التمني بالفاء، وفي [التمني](١) معنى يسرني أن افعل مافعل
كأنه متشوق لذلك النصيب، كما يقول: وددت أن أقوم فمنعني أناس ثم نزلت في المنافقين
الذين تخلفوا عن أُحد.
﴿ لَقَل ◌ِ كَمِلِ لَّهِ الَّذِينَ يَشَرُونَ الْعَيْوَةَ اللَّهَ بِالْآَخِرَأُ وَمَن يُقْلِلْ فىِ سَبِلِ اللَّهِ
فَيْقْتَلْ أَوْ يَنْيَتِ فَوْفَ يُؤْنِعِ أَبّْ عَبِىَ ◌ََ وَمَّا لَّْ لَ لَقَلُونَ فِ سَيْلِ أَنَّهِ وَالْسَطْمَّيْنَ مِنْ أَزَال
وَأَلَّهِ وَالْوَلَّنِ اَلْدِنِّ يَقُولُونَ رَبََّ أَخْرِبْنَا مِنْ هَذِهِ الْعَرِْ اَلْتََّالِ أَهْلُّهَا وَأَشْعَلَ أَنَّا مِنْ أَنُّنْكَ وَّا وَأَعْمَلِ أَنَّا
مِن ◌َُّكَّ نَصِيرً (ج) أَنَّ ◌َمْتُواْ بُخَيَقُونَ فِى سَِلِ أَنَّهِ وَأَنْدِنَّ كَعَرُوا بِعَنِنُونَ فِى سَيْلِ أَلَّغُوتِ مَشَيْلَوْا
أَوْلَّهُ اَلْنََّلِيُّ إِنّ ◌َّدَ الشَّبْعَنِ كَنَّ ◌َحَمِهَاً لَ، أَ فَرَ إِلَّ أَلَّذِينَ فِلَ فَ نُواْ أَدَِّكُمْ وَأَقِمُواْ أَلْسَّلَوَّةُ
وَمَاذَا أَرْكُوا مَا كُّبِ عَلِمُ الْفَالْ إِنَا وَهُ مْتَهُمْ فَضَوْنَ أَنَّسَ كَفَةَ أَلَِّ أَوْ أَتَذَ حْصَةُ وَمَا رَنَا فَ
كِتَبْتَ عَبْنَا الْبِنَالَ لَوْلاَ أَخَّرْنَاَ إِلَهْ لَبَلِ دَرِبُّ كُلَّ مَنَعُّ أَللَّهَ قَلِلُ وَالْآَخِرَّةُ خَيْرٌ لِمَنْ أَنََّى وَلََّ نُظْتَمُونَ أَِّلٌَّ
(٣) أَبْتَمَا تَُّواْ بََّرِكَكُمُ الْمَوْتُ وَّ كُلّمْ فِي ◌ُرُوجِ الْتَوَ وَبِ تُِّيَهُمْ حَسَنَّةٌ يَقُولُوَأَ خَذِهٍ مِنْ حِنْدِ أَلَّ وَإِنَّ
أُمِنَّهُمِ صََّةَ بَذَا عَذِهِ مِنْ صِبة قل كلَّ مِنْ عِمٍ أَمْمِ ذَلِ كَوَلاَ، أَقَوْمِ لَا يَدُونَ يَعْقَهُونَ سَدِيَا (َ.
﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ﴾ أي انهم يختارون الحياة الدنيا
على الآخرة ومعنى يشرون يشترون، يقال شريت الشيء أي اشتريت، وحينئذ يكون حكم الآية:
آمنوا ثم قاتلوا، لأنه لا يجوز ان يكون الكافر مأموراً بشيء مقدم على الإيمان.
وقال بعضهم: نزلت هذه الآية في المؤمنين المخلفين ومعناه (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ
يبتغون الحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ).
ثم قال: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ﴾ أو من يستشهد أو يعذب أو يظفر ﴿فَسَوْفَ
نُؤْتِيهِ﴾ في كلا الوجهين ﴿أجْراً عَظِيماً﴾ يعني الجنة ثم خصَّ المؤمنين على السعي في تخليص
المستضعفين مثل ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ﴾ أي تجاهدون ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ يعني في طاعة الله
﴿والمستضعفين﴾ في موضع الخفض.
قال الكلبي: عن أبي صالح عن ابن عباس ومعناه عن المستضعفين وكانوا بمكة يلقون من
المشركين أذى كثيراً وكانوا يدعون ويقولون: ربنا أخرجنا من هذه القرية يعني مكة الظالم أهلها
أي التي من صفتها إن أهلها ظالمون مشركون وإنّما خفض الظالم لأنه نعت الأهل فلما عاد
الأهل إلى القرية كان فعل ما أضيف إليها بمنزلة فعلها كقوله: مررت بالرجل الواسعة داره،
ومررت برجل حسنة عينه .
(١) كذا الظاهر من المخطوط.

٣٤٥
سورة النساء، الآيات: ٧٤ - ٧٨
﴿وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً﴾ يمنعنا من المشركين فأجاب الله
دعاءهم.
فلما فتح رسول الله وَالي مكة جعل الله لهم النبي ولياً فاستعمل عليها عتّاب بن أُسيد.
فجعله الله لهم نصيراً وكان ينصف للضعيف من الشديد فنصرهم الله به وأعانهم وكانوا
أعز بها من الظلمة قبل ذلك.
وفي هذه الأُية دليل على إبطال قول من زعم أنّ العبد لا يستفيد بالدعاء معنى لأن الله
تعالى حكى عنهم إنّهم دعوه وأجابهم وآتاهم ماسألوه ولولا أنّه أجابهم إلى دعائهم لما كان لذكر
دعائهم معنى، والله اعلم.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي طاعته ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلٍ
الطَّاغُوتِ﴾ أي في طاعة الشيطان ﴿فَقَاتِلُوا﴾ أيها المؤمنين ﴿أوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ أي حزبه وجنده
﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ﴾ ومكره وصنيعه ومكر من اتّبعه ﴿كَانَ ضَعِيفاً﴾ كما خذلهم يوم بدر. ﴿أَلَمْ تَرَ
إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِیَكُمْ﴾ .
قال الكلبي: نزلت في عبد الرحمن بن عوف الزهري والمقداد بن الأسود الكندي وقدامة
بن مظعون الجهني وسعد بن أبي وقاص الزهري وكانوا يلقون من المشركين أذى كثيراً وهم بمكة
قبل أن يهاجروا إلى المدينة فيشكون إلى رسول الله وَ ل﴿ ويقولون يا رسول الله أئذن لنا في قتال
هؤلاء فإنّهم آذونا فيقول لهم: ((كفّوا أيديكم [عنهم](١) فإني لم أُومَر بقتالهم))(٢) [٣٧١].
فلما هاجروا إلى المدينة وأمرهم الله بقتال المشركين وأمرهم رسول الله وَل بالمسير إلى
بدر فلما عرفوا إنه القتال كرهه بعضهم وشق عليهم فأنزل الله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ
◌ُقُوا أَيْدِيَكُمْ﴾ بمكة عن القتال ﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتَالُ﴾ بالمدينة
أي فرض ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ يعني مشركي مكة ﴿كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أشَدَّ﴾ أي أكبر
﴿خَشْيَةً﴾ .
وقيل: وأشد خشية كقوله آية (٣) ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القِتَالَ﴾ لَم فرضت علينا
القتال ﴿لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أجَل قَرِيب﴾ يعني الموت ألا تركتنا إلى أن نموت بآجالناً.
واختلفوا في قوله تعالى ﴿إذا فَرِيقٌ مِنْهُم﴾ فقال قوم: نزلت في المنافقين لأن قوله ﴿لِمَ
كتبت علينا القتال﴾ أي لِمَ فرضت، لا يليق بالمؤمنين، وكذلك الخشية من غير الله.
(١) زيادة في المصدر.
(٢) أسباب نزول الآيات: ١١١.
(٣) سورة الصافّات: ١٤٧ .

٣٤٦
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
وقال بعضهم: بل نزلت في قوم من المؤمنين لم يكونوا راسخين في العلم، وأهل الإيمان
يتفاضلون في الإيمان منهم الكامل الذي لا يخرجه إيمانه من غلبة الطبع عليه. ومنهم من ينقص
عن تلك الحالة فينفر نفسه عمّا يؤمر به فيما يلحقه فيه الشدة.
وقيل: نزلت في قوم كانوا مؤمنين فلما فرض عليهم الجهاد نافقوا عن الجهاد من الجبن،
وتخلفوا عن الجهاد.
ويدلّ عليه إن الله لايتعبد الكافر والمنافق بالشرائع بل يتعبدهم أولاً بالإيمان ثم بالشرائع
فلما نافقوا نبّه الله على أحوالهم.
وقد قال الله مخبراً عن المنافقين ﴿إِنَّهُم آمَنُوا ثُمّ كَفَروا﴾.
﴿قل﴾ يا محمّد لهم ﴿مَتَاعُ الدُّنْيَا﴾ أي منفعتها والاستمتاع بها ﴿قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ﴾ يعني
وثواب الآخرة ﴿خَيْرٌ﴾ أفضل ﴿لِمَنِ أَتَّقَى﴾ الشرك بالله ونبوة الرسول ﴿وَلا يُظْلَّمُونَ فَتِيلًا﴾.
قال ابن عباس وعلي بن الحكم: الفتيل الشق الذي في بطن النواة.
﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ﴾ أي ينزل بكم ﴿المَوْتُ﴾ نزلت في قول المنافقين لما أُصيب أهل
أحد، ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ فردَّ الله عليهم بقوله: ﴿أَيْنَما تَكُوْنُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْت
وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجِ مُشَيِّدَةٍ﴾ .
قتادة: في قصور محصنة، عكرمة: مجصّصة مشيّدة مُزيّنة، القتيبي: مطولة.
الضحاك عن ابن عباس البروج: الحصون والآطام والقلاع.
وفي هذه الآية ردّ على أهل القدر، وذلك أنّ الله حكى عن الكفار أنهم قالوا: ﴿لَوْ كَانُوا
عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾(١) وقال: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً﴾ ردَّ على
الفريقين بقوله: ﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ﴾ فعرّفهم بذلك أن الآجال متى انقضت فلابد من
زوال الروح، ومفارقتها الأجسام.
فإن كان ذلك بالقتل، وإلّ فبالموت. خلافاً لما قالت المعتزلة من أن هذا المقتول لو لم
يقتله هذا القاتل لعاش، فوافق قولهم هذا الكفار، فردَّ الله عليهم جميعاً ﴿إن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾
الآية.
نزلت في المنافقين واليهود، وذلك أنهم قالوا لما قدم رسول الله وَلقول المدينة: ما زلنا
نعرف النقص في ثمارنا، ومزارعنا، منذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه، فأنزل الله تعالى ﴿وإن
تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ يعني اليهود والمنافقين، أي خصب [وريف](٢) ورخص في السعر ﴿يَقُولُوا هَذِهِ
(١) سورة آل عمران: ١٥٦.
(٢) كذا في المخطوط.

٣٤٧
سورة النساء، الآيات: ٧٩ - ٨٤
مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ يعني الجدب وغلاء السعر وقحط المطر ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾
أي من قوم محمد واصحابه.
وقال بعضهم: معناه إن تصبهم حسنة يعني الظفر والغنيمة، يقولوا هذه من عند الله فإن
تصبهم سيئة يعني بالقتل والهزيمة، يقولوا هذه من جندك، نزلت الذي حملتنا عليه يا محمد ﴿قُلْ
كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ أي الحسنة والسيئة كلها من عند الله.
ثم عيّرهم بالجهل.
فقال: ﴿مَا لِهَؤُلاءِ القَوْمِ﴾ يعني المنافقين واليهود ﴿لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ أي ليسوا
يفقهون قولاً إلاّ التكذيب بالنعمة.
قال الفراء: قوله فما لهؤلاء القوم كذبوا في الكلام، حتى توهّموا إن اللام متصلة بها،
وإنهما حرف واحد، ففصلوا اللام في هؤلاء في بعض المصاحف، ووصلوها في بعضها
والاتصال بالقراءة، ولا يجوز الوقوف على اللام لأنّها لام خافضة.
فَ أَهَالَكَ مِنْ حَتَّ قَنْ أَنَّ وَمَا أَلَهُ مِنْ سَبْرِ إِن ◌َّمْسِكُ وَأَوْسَلْتَكَ لِلنَّاسِ رَسُولَا ذَكَفَى بِأَِّ شَهِدَاً.
◌َكَ مَن يُعْطِعِ الزَّسُولُ فَقَدُ أَّاعَ اللَّهُ وَمِّنْ قَوَأْ ذَنَا أَسَلْتَكَ عَلَيْهِمْ حَفِظً (٢٠) وَبَعْوَقُتَ عَاعَةٌ فَذَا
سَرَّراً مِنْ عِندِدُ بَنْتَ مَبِقَةُ بَّنْهُمْ غَرَ أَلَّذِى تَقُولَ وَاللَّهُ بَكْتُكُ مَا يُبْتُوَنَّ فَأَغْرِضَى عَنَهُمْ وَلَوْقَلْ عُلَ أَنَِّ
وَكَ بَِّ ذَكِيلًا (٠١٠) أَ يَتَدَثَرُونَ أَلْنََّّْنُ وَأَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَِّ أَهِ لَّمَدُواْ فِوَ أَمَيَّنَا كَيْهَا ◌َا
وَإِذَا جَهُمْ أَبْرٌّ بِنَ الْأَمَيَ أَوْ الْخَوْبِ أَذَاعُواْ بِهِ. وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَتِ أُوْلِ الأَمْرِ مِنَّمْ لَكَهُ
أَلَّذِنُ بَسْبَرَُّ مِنْهُّ وَلَوْلًا فَضْلُ أَللَّهِ عَنَكُمْ وَرَحْنُّهُ لَأَنْيَعْتُمُ الَّيْطَلَنَّ إِلََّ فَّبِلاَ أَ تَقَلْ فِى سَبِيلِ
اللَّهِ لَا تَكُلِّفُ إِلَّ تَنْسَهُ وَعَرْضِ لَلَّمِنَّ عَلَى أَنَّهُ أَنْ يَكُفْ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُّوْا وَأَهُ أَخَذُ بَأْسَا وَأَخَذُّ
﴿مَا أصَابَكَ مِنْ حَسَنَةِ﴾ أي من خير ونعمة ﴿فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيَِّةٍ﴾ أي بلية وأمر
تكرهه ﴿فمن نفسك﴾ أي، من عندك وأنا الذي قدرتهما عليك، الخطاب للنبي وَّر، والمراد به
غيره، نظيره.
قوله ﴿وَمَا أصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ .
قال رسول الله قال: ((ما من خدش بعود ولا اختلاج عرق ولا عثرة قدم إلا بذنب، وما
يعفو الله عنه أكثر))(١) [٣٧٢].
(١) كنز العمّال: ٣ / ٣٤١، ح ٦٨٤٩، بتقديم وتأخير في العبارات، ويتمامه في تفسير مجمع البيان: ٣ /
١٣٨ .

٣٤٨
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
وروى الهروي عن سفيان بن سعيد عمن سمع الضحاك بن مزاحم يقول: ماحفظ الرجل
القرآن ثم نسيه إلاّ بذنب، ثم قرأ ﴿وَمَا أصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَيِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ويعفو عن كثير﴾
قال: فنسيان القرآن أعظم المصائب.
وقال بعضهم: هذه الآية متصلة بما قبله، وتقديره: فما لهؤلاء القوم لم يكونوا يفقهون
حديثاً حتى يقولوا: ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيّئة فمن نفسك؟ وتعلق أهل
القدر بهذه الآية وقالوا: نفى الله السيئة عن نفسه بقوله ﴿وَما أصَابَكَ مِنْ مُصِيبَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾
ونسبها إلى العبد، فيقال لهم: إن ما حكى الله تعالى لنبيه من قول المنافقين، إنهم قالوا إذا
أصابتهم حسنة، هذه من عند الله، فإن تصبهم سيئة يقولوا: هذه من عندك، لم يرد به حسنات
الكسب، ولا سيئاته، لأن الذي منك فعل غيرك بك لا فعلك، ولذلك نسب إلى غيرك.
كما قال ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾(١) ﴿وإنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَظَيَّرُوا بِمُوسى وَمَن مَعَهُ﴾(٢)
وكل هذه سبب من الأسباب لامن الكسب ألا ترى إنه نسبها إلى غيرك، ولم يذكر بذلك ثواباً
ولا عقاباً، فلما ذكر حسنات العمل والكسب وسيآتهما نسبهما إليك وذكر فيها الثواب والعقاب.
كقوله ﴿مَنْ جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّ مِثْلَهَا﴾(٣) وكان ما
حكى الله عن المنافقين من قولهم في الحسنات والسيئات لم يكن حسنات الكسب ولا سيئاته،
ثم عطف عليه قوله ﴿مَا أصَابَكَ مِنْ حَسَنَة فَمِنَ اللهِ﴾ إلى نفسك فلم يكن بقوله ﴿فمن نفسك﴾
مثبتاً لما قد نفاه، ولا نافياً لما قد أثبته، لأن ذلك لا يجوز على الحكيم جل جلاله، لكن من
السبب الذي استحق هذه المصيبة، وكان ذلك من كسبه، ومنه قوله ﴿وَمَا أصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَة فَبِمَا
كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ فجعل هذه المصيبة جزاءً للفعل فإذا أوقع الجزاء لم يوقعه إلاّ على ما نسبه إلى
العباد، كقوله ﴿جزاءً بما كانوا يعملون﴾ ﴿جزاءً بما كانوا يكسبون﴾(٤) وقوله ﴿وَمَا أصَابَكَ مِنْ
سَيِّئَة فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ ليس فيه دليل على إنه لا يريد السيئة ولا يفعلها ولكن ما كان جزاءً، فنسبته إلى
العبد على [طريق] الجزاء.
﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ﴾ يا محمد ﴿رَسُولا وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً﴾ على إنك رسول صادق.
وقيل فيك ﴿وَكَفَى بِاللهِ شَهِيداً﴾ على أن الحسنة والسيئة كلها من الله ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ
فَقَدْ أطَاعَ اللهَ﴾ وذلك أن النبي ◌َّه كان يقول: ((من أطاعني فقد أطاع الله ومن أحبّني [أحبّه
الله](٥))(٦) [٣٧٣]، فقال بعض المنافقين: ما يريد هذا الرجل إلاّ أن نتّخذه رباً، كما في
(١) سورة آل عمران: ١٢٠.
(٣) سورة الأنعام: ١٦٠.
(٥) في المصدر: فقد أحبّ الله.
(٦) زاد المسير لابن الجوزي: ٢ / ١٥٨.
(٢) الأعراف: ١٣١.
(٤) سورة التوبة: ٨٢.
هـ

٣٤٩
سورة النساء، الآيات: ٧٩ - ٨٤
حديث النصارى لعيسى، فأنزل الله تعالى ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ﴾ فيما أمر به فقد أطاع الله ﴿وَمَنْ
تَوَلَّى﴾ عنه ﴿فَمَا أرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظً﴾ أي حافظاً ورقيباً.
وقال القتيبي: محاسباً، فنسخ الله تعالى هذه الآية الشريفة، وأمره بقتال من خالف الله
ورسوله ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ يعني المنافقين وذلك إنهم كانوا يقولون لرسول الله وَّه، إنّا آمنًا بك
فمرنا من أمرك طاعةً، وهم يكفرون به في السر، وقوله (طاعة) مرفوعة على معنى منّا طاعة
وأمرك طاعة وكذلك قوله (لا تقسموا طاعة) مرفوعة أي قولوا، سمعاً وطاعة، وكذلك قوله
﴿فأولى لهم طاعة وقول معروف﴾ وليست مرتفعة إليهم بل مني مرتفعة على الوجه الذي ذكرت.
﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي خرجوا ﴿َبَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ أي زوّر وموّه وقيل هنا.
فقال قتادة والكلبي: بيّت أي غيّر وبدّل الذي عهد إليهم النبي وَّ ويكون السبب معنى
التبدیل .
قال الشاعر:
بيّتِ قولي عبد المليك قاتله الله عبداً كفوراً (١)
وقال القتيبي وأبو عبيدة: (بيّت طائفة منهم) أي قالوا وقدروا ليلاً غير الذي أعطوك نهاراً،
وكل شيء قدرّ بليل من شر فهو تبييت.
قال عبيدة بن الهمام:
وكانوا أتوني بشيء نكر
أتوني فلم أرض ما بيّتوا(٢)
وهل ينكح العبد حر بحر(٣)
لأنكح أيّمهم منذراً
. وقال النمر بن تولب:
هبت لتعذلني بليل أسمعي سفهاً تبيتك الملامة فاهجعي
وقال أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش: يقول العرب للشيء إذا قدر قد بيّت، يشبهونه
تقدير بيوت [الشعر].
﴿وَاللهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ أي ما یغیرون ويزورون ويقدرون.
الضحاك عن ابن عباس: يعني ما تسرّون من النفاق ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ يا محمد فلا تعاقبهم
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا﴾ أي كفيلاً، وثقةً، وناصراً بالانتقام لك منهم، فنسخ الله
(١) تفسير القرطبي: ٥/ ٢٨٩، وتفسير الطبري: ٥ / ٣٦٨، وفيه: قاتلك الله عبداً كنوداً.
(٢) تفسير الطبري: ٥ / ٢٤٣.
(٣) تفسير القرطبي: ٥ / ٢٨٩، ولسان العرب: ٥ / ٢٣٤.

٣٥٠
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
تعالى قوله ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ﴾(١) بالسيف ﴿والمنافقين﴾
بالكلام الغليظ.
فإن قيل: ما وجه الحكمة في [أعدائه] ذكر مهلهم. ثم قال (بيت طائفة منهم) فصرف
الخطاب من [جلهم] إلى بعضهم.
يقال: إذ إنما عَبر عن حال من علم الله وبقي على كفره ونفاقه، فأما من علم أنه يرجع
عن ذلك فإنه صفح عن ذكرهم، وقد قيل: إنه غير عن حال من أحوالهم قد تستّر في أمره، فأما
من سمع وسكت فإنه لم يذكرهم، وفي قوله ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ دليل على إبطال
قول من زعم أنّ السنّة تعرُض على الكتاب لم يعمل بها وذلك إن كل ما نص الله عز وجل، عليه
فإنّما صار فرضاً بالكتاب، فإذا عدم النص من الكتاب، وورد به السنّة فوجب إتباعها، ومن
خالفها فقد خالف رسول الله وص له، ومن خالف رسول الله فقد خالف الله، لأن في طاعة
الرسول طاعة الله، فمن زعم أنه لم يقبل خبره إلاّ بعد أن يعرض على كتاب الله، فقد أبطل كلّ
حکم ورد عنه ما لم ينصّ عليه الكتاب.
وأما قوله ﴿ويقولون طاعة﴾ ففيه دليل على أنّ من لم يعتقد الطاعة فليس بمطيع على
الحقيقة، وذلك أن الله تعالى لمّا تحقّق طاعتهم فيما أظهروه، فقال: ويقولون ذلك لأنّه لو كان
للطاعة حقيقة إلّ بالاعتقاد لحكم لهم بها [فثبت] أنه لا يكون المطيع مطيعاً، إلّ باعتقاد الطاعة
مع وجودها .
﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ يعني أفلا يتفكّرون في القرآن، فيرون بعضه يشبه بعضاً، ويصدق
بعضه بعضاً، وإن أحداً من الخلائق لم يكن يقدر عليه فسيعلمون بذلك إنه من عند الله إذ ﴿وَلَوْ
كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِیهِ اختلافاً كَثِيراً﴾ أي تفاوتاً وتناقضاً ﴿کثیراً﴾ هذا قول ابن
عباس.
وقال بعضهم: ولو كان هو من عند غير الله لوجدوا فيه أي في الإخبار عما غاب عنهم.
ما كان وما يكون إختلافاً كثيراً، يعني تفاوتاً بيناً. إذا الغيب لا يعلمه إلاّ الله فيعلم بذلك أنه كلام
الله وأنّ محمداً رسول الله صادق، وفي هذه الآية دليل على أنّ القرآن غير مخلوق إذ هو معرى
عن الإخلاق من كل الجهات ولو كان مخلوقاً لكان لا يخلو من اختلاف وتفاوت.
﴿وَإِذا جَاءَهُمْ أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أَوْ الخَوْفِ﴾ الآية، وذلك أن رسول الله وَ ◌ّه كان يبعث
السرايا فإذا غلبوا أو غُلبوا بادر المنافقون إلى الاستفسار عن حال السرايا فيفشون ويحدّثون به
قبل أن يحدّث به رسول الله وَّهِ فأنزل الله ﴿وَإِذا جَاءَهُمْ﴾ يعني المنافقين، ﴿أَمْرٌ مِنَ الأمْنِ﴾
(١) سورة التوبة: ٧٣.

٣٥١
سورة النساء، الآيات: ٧٩ - ٨٤
[كظفر المسلمين وقتل عدوّهم](١) ﴿أو الخَوْفِ﴾ كالهزيمة والقتل. ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ أي أشاعوه
وأفشوه ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأمْرِ مِنْهُمْ﴾ أي وإن لم يحدّثوا به ولم يفشوه حتى
يكون النبي ◌ّر هو الذي يحدّث به ويفشيه، وأولي الأمر أهل الرأي من الصحابة، مثل أبي بكر
وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم.
﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ .
الكلبي عن أبي صالح وابن عباس، وعلي بن الحكم عن الضحاك: يستنبطونه أي يتبعونه.
وقال عكرمة: يحرصون عليه ويسألون عنه، وقال ابن عبيدة والقتيبي: يخرجونه، ويقال:
استنبط إستنبطه الماء إذا أخرجه.
[جويبر] عن الضحاك عن ابن عباس في قوله ﴿وَإِذا جَاءَهُمْ أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوْ الخَوْفِ
أَذَاعُوا بِهِ﴾ إنّ المنافقين كانوا إذا أمروا بالقتال لم يطيعوا الله فيما أمرهم به، وإن نهاهم عن
محارمه لم ينتهوا عنها، وإن أفضى الرسول إليهم سراً أذاعوا به إلى العدوّ ليلاً بتكتّم، فأنزل الله
تعالى ردّاً عليهم ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾ يعني آمورهم في الحلال والحرام (إلى الرسول) في التصديق به
والقبول (وإلى أولي الأمر منهم) يعني حملة الفقه والحكمة ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَشْبِطُونَهُ منهمٍ﴾ يعني
الذين يفحصون عن العلم. ثم قال ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إلاَّ قَلِيلا﴾
أي معناه لاتبعتم الشيطان كلّکم.
قال الضحاك: هم أصحاب محمد وَلغيره، يأمرهم بأمر من أمور الشيطان.
قال ابن عباس: فضل الله الإسلام ورحمته القرآن (لاتّبعتم الشيطان إلاّ قليل) يعني بالقليل
الذي امتحن الله قلوبهم يعني على هذا القول يكون قوله ﴿إِلَّ قَلِيلا﴾ مستثنى من قوله ﴿لاتَّبَعْتُمُ
الشَّيْطَانَ﴾ .
وقال بعضهم: في الآية تقديم وتأخير معناه: لعلمه الذين يستنبطونه إلاّ قليلاً.
وقال بعضهم: معناه: إذا أذاعوا به قليلاً لم يذع ولم يفش، وهكذا قال الكلبي: واختار
الفرّاء أيضاً هذا القول. وقال: لأنّ علم الله فاعتبر علمه المستنبط وغيره، والإذاعة قد تكون في
بعضهم دون بعض لذلك أُستحسن الاستثناء من الإذاعة، وفي هذه الآية دليل ممن يحبون القول
بالإجتهاد عند عدم النص.
قال الله تعالى ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُم﴾
فالعلم محيط بالاستنباط، ليس تلاوة.
(١) زيادة عن تفسير القرطبي لتقويم النص: ٥ / ٢٩١.

٣٥٢
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
وإذا كان إدراكه بالاستنباط، فقد دل بذلك على أن من العلم ما يدرك بالتلاوة والرواية وهو
النص .
ومنه ما يدرك منه ومن المعنى، وحقيقة الاعتبار والاستنباط من القياس للحكم بالمعاني
المودعة في النصوص غير الحكم بالنصوص ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إلَّ نَفْسَكَ﴾ وذلك
أن رسول اللـه ◌َليل لما التقى هو وأبو سفيان بن حرب يوم أحد وكان من هربهم ما كان، ورجع
أبو سفيان إلى مكة فواعد رسول الله ◌َّي- موسم بدر الصغرى في ذي القعدة فلما بلغ الميعاد قال
الناس: اخرجوا إلى العدو.
فكرهوا ذلك كراهه شديدة أو بعضهم، فأنزل الله تعالى ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إلاَّ
نَفْسَكَ﴾ أي لاتدع جهاد العدو وإنصاف المستضعفين من المؤمنين ولو وحدك.
وقيل: معناه لاتلزم فعل غيرك ولا تؤخذ به ولم يرد بالتكليف الأمر لأنه يقتضي على هذا
القول ألا يكون غيره مأموراً بالقتال.
والفاء في قوله (فقاتل) جواب عن قوله ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ
تُؤْتِيهِ أجْراً عَظِيماً﴾ فقاتل ﴿وَحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾ على القتال أي حثَّهم على الجهاد ورغّبهم فيه،
فتثاقلوا عنه ولم يخرجوا معه إلى القتال، فخرج رسول الله وَ لقر في سبعين راكباً حتى أتى موسم
بدر، فكفّ بهم الله تعالى بأس العدو ولم يوافقهم أبو سفيان ولم يكن له أن يُوافق، فانصرف
رسول الله ﴿و أصحابه.
وذلك قوله ﴿عَسَى اللهُ﴾ أي لعل الله ﴿أنْ يَكُفَّ بَأسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي قتال المشركين
وصولتهم حين ولّيتم وهي من الله واجب، حيث كان، وقد جاء في كلام العرب بمعنى اليقين.
قال ابن مقبل :
ظنّي أنهم كعسى (١)، وهم بنتوفة(٢). يتنازعون جوائز الأمثال
﴿وَاللهُ أشَدُّ بَأساً﴾ أي أشد صولة وأعظم سلطاناً وأقدر على ما يريد ﴿وَأَشَدُّ تَنكِيلا﴾ أو
عقوبة .
فإن قيل: إذا كان من قولكم: إن عسى من الله واجب فقد قال الله ﴿عَسَى اللهُ أنْ يَكُفَّ
بَأسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ونحن نراهم في بأس وشدة، فأين ذلك الوعد؟ فيقال لهم: قد قيل: إن
المراد به الكفرة الذين كفّ بأسهم في بدر الصغرى، والحديبية بقوله ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِیَهُمْ
عَنْكُمْ﴾ الآية، فإن كان ظاهرها العموم فالمراد منها الخصوص.
(١) هكذا في الأصل وفي تفسير القرطبي: ٥ / ٢٩٤ والمصدر.
(٢) وهي القفز من الأرض، راجع لسان العرب: ٥ / ٣٢٧ والبيت فيه.

٣٥٣
سورة النساء، الآيات: ٨٥ - ٩١
وقيل: أراد به المدة التي أمر الله فيها القتال لزوال الكفر بقوله ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ
فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ﴾ فعند ذلك يكف بأس الذين كفروا، وهو الوقت. حتى ينزل فيه
[المهدي] فيكون حكماً قسطاً ويظهر الإسلام على الدين كله.
وقيل: إن ذلك في القوم قذف الله في قلوبهم الرعب وأخرجهم من ديارهم وأموالهم بغير
قتال من المؤمنين لهم وهذا بأس قد كفّه الله عن المؤمنين.
وقد قيل: إنه أراد به اليهود والنصارى وهم يعطون الجزية وتركوا المحاربة، وقد كف
بأسهم عن المؤمنين إذا صاروا يؤدّون الجزية صاغرين.
شَ يَشْغَمْ شَقَامَةُ حَسَنَّةُ بَكُنْ أَمْ تَعِبْتٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْظَمَ شَتَعَهُ مَّيْتَةً بَكُّى لَّهُ كِمْلٌّ مِنْهَا وَنَ أَنَّهُ
عَلَ كَ ثَمْرِ فُِّكَ (٢) وَإِذَا ◌ُبِهِ ◌َِّ قََّ بِأَخَوَ مِنْهَا أَو ◌ُُّوهَاْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى عَلَّ شَهْم ◌َيِبًا
فَهَا الَّهُ لَا إِلَهُ إِلَّ هُوَ يَجْمَعَتْكُمْ إِلَى بَدْرِ الْفَهِ لَا رَيْتَ فِيهُ وَمَنْ أَشْذَلُّ مِنَّ أَثْمِ مَّدِينَا (٢٧) ﴾
نَالْ ي المَنَفَقِنَّ فِلَّقْ وَأَنَّهُّ أَزَكَهُم بِمَا كَسَبُّوْ أَتُرِدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ أَنَّهُ وَمَنْ يُضْفِلِ أَنَّهُ فَلَى
تِدَ مُ عيد وج وأُوا و تقارن ◌َا كَرَراً فَتَكْرمَن سَوَاء فَلَا تَشْهَدُوا مِنَجَمْ أَجَ عَّ يَمَا جَوا في
سَبِيلِ أَّهُ فَإِنَ تَلُّواْ فَخُذُوهُمْ وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَ لُهُمٌ وَلَا لَنَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلَِا وَلَا تَِّ ◌َ) إِلَّا الَّذِيِّ
يَعِيدُونَ إِلَى فَوْمٍ يَنْكُ وَيَتَهُمْ كِتَقُّ أَوِّ جَدُوَلَّمُ حَصِرْتُ مُّدُوُهُمْ أَنْ يُقَيَتُوَكُمْ أَوْ يُقَبِلُواْ فَوْمَهُمْ وَلَوْ ثَ
اللهُ تَأْخَهُ عَيْكُرْ فَقَتَكُونُمْ فَإِن أَ لُكُمْ عَمِ لَهُمْ وَاَلْقَوْاْ إِلَيْكُمْ أَلْتَكُمَ ا جَعَلَ أَلَهُ لَكَّرْ عَمْ
عَلَا (٢٠) ستيدون القرون يريدون أن يأنتوَكُمْ وَيَأُمَنُوا فَومَهُمْ كَلَ هَا لَذُوا إِلَى الْتَةِ أَنْكِسُوا يَأَ فَإِنْ
جدا ولَ الثّ الث وبِكُوا أَهرَ كَقْدُوهُمْ وَصَدَهمُ عَيْت زوجتهوهمٌ وَأَوْلَيْكُمْ جَمَلًا لَكَبـ
عَلَهُمْ مُلْكَمَا لِك ◌َ)
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةٌ﴾ أي يحسن القول في الناس ويسعى في إصلاح ذات البين ﴿یَكُنْ
لَهُ نَصِيبٌ﴾ أي حظ ﴿مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةٌ سَيَّةٌ﴾ فيسيء القول في الناس ويمشي بينهم بالنميمة
والغيبة. ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها﴾.
قال ابن عباس وقتادة: الكفل الوزر والإثم، وقال الفراء وأبو عبيدة: الحظ والنصيب،
مأخوذ من قولهم: اكتفلت البعير إذا [أدرت] على سنامه أو موضع من ظهره كساءً وركبت عليه.
وقيل له: اكتفل لأنه لم يستعمل الظهر كلّه وإنما شغل شيئاً من الظهر.
وقال مجاهد: شفاعة حسنة وشفاعة سيئة شفاعة الناس وهم البعض.
﴿وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً﴾ مقتدراً.
الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: مقيتاً أي مقتدراً مجازياً بالحسنة حسنة يقال: أقات
أي اقتدر.

٣٥٤
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
قال الشاعر:
وكنت على مساءته مقيتاً (١)
وذي ضغن كففت النفس عنه
وأنشد النضر بن [شميل]:
فأني عليَّ ما ثناه لمقيت(٢)
ولا تجزع وكن ذا حفيظه
المبرد: قتّ الشيء أقوته وأقيته أي كففته أمر قوته، ومجاهد: شاهداً، وقال قتادة:
حافظاً، والمقيت للشيء الحافظ له.
وقال الشاعر، في غير هذا المعنى:
قربوها منشورة ودعـيت
ليت شعري وأشعرن إذا ما
إنّي على الحساب مقيت(٣)
إليّ الفضل أم عليّ إذا حوسبت
أي موقوف عليه وقال الفرّاء: المقيت المقتدر أن يعطي كل رجل قوته.
وجاء في الحديث: وكفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت (٤) ويقيت، ثم نزل في قوم بخلوا
برد السلام ﴿وَإِذَا حُبِّيْتُمْ بِتَحِيَّةِ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنْهَا﴾ على المسلمين أي زيدوا عليها كقول القائل:
السلام عليكم فيقول: وعليكم السلام ورحمة الله ونحوها، ومن قال لأخيه المسلم: السلام
عليكم كتب له بها عشر حسنات، فإن قال: السلام عليكم ورحمة الله كتبت له عشرون حسنة،
فإن قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتب له ثلاثون حسنة، وكذلك لمن ردّ من الأجر.
قال ابن عباس: ومن يسلم عشر مرات فله من الأجر عتق رقبة وكذلك لمن ردًّ السلام
عشر مرات ﴿أوْ رُدُّوهَا﴾ بمثلها على أهل الكتاب وأهل الشرك فإن كان من أهل دينه فليزد عليه
بأحسن منها، وإن كان من غير أهل دينه فليقل وعليكم لا يزيد على ذلك.
قال رسول الله وَ﴾: ((إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم)(٥) [٣٧٤].
﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً﴾ من رد السلام مثله أو بأحسن منه حسيباً أي حاسباً
مجازياً .
وقال مجاهد: حافظاً. أبو عبيدة: كافياً مقتدراً، يقال حسبي كذا أي كفاني.
(١) لسان العرب: ٢ / ٧٦، تفسير الطبري: ٥ / ٢٥٦.
(٢) كذا في المخطوط ولم نجده.
(٣) تفسير الطبري: ٥ / ٢٥٧.
(٤) تفسير القرطبي: ٥ / ٢٩٦، وسنن أبي داود: ١ / ٣٨١.
(٥) مسند أحمد: ٣ / ٩٩.

٣٥٥
سورة النساء، الآيات: ٨٥ - ٩١
وأعلم إن بكل موضع وجُد ذكرٌ كان موصولاً بالله فإن ذلك صلح للماضي، والخبر هو
المستدل، فإذا كان لغير الله فإنه يكون على خلاف هذا المعنى.
ثم نزل في الذين أنكروا البعث ﴿اللهُ لا إِلَهَ إلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾
لاشك فيه، واللام في قوله ليجمعنكم لام القسم ومعناه، والله الذي لا إله إلاّ هو أعلم منكم في
الموت وفي أحيائكم إلى يوم القيامة.
وسمّيت القيامة قيامة، لأن الناس يقومون من قبورهم. قال الله تعالى ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ
الأجْدَاثِ سِرَاعاً﴾(١) وقيل: سميت قيامة لقيامهم إلى الحساب. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ
النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ﴾(٢) ﴿وَمَنْ أصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً﴾ أي قولاً ووعداً ﴿فَمَا لَكُمْ فِي المُنَافِقِينَ
فِتَتَيْنِ﴾ الآية.
نزلت هذه الآية في ناس من قريش، قدموا على رسول الله وَلّ المدينة فأسلموا فأقاموا بها
ثم ندموا على ذلك وأرادوا الرجعة، فقال بعضهم لبعض: كيف نخرج؟ قالوا: نخرج كهيئة البدو
فإن فطن بنا قلنا: خرجنا نتنزّه، وإن غفل عنّا مضينا، فخرجوا بهيئة المتنزهين، حتى باعدوا من
المدينة. ثم كتبوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّا على الذي فارقناك عليه من
الإيمان والتصديق بالله وبرسوله، ولكنا [اجتوينا] المدينة، واشتقنا إلى أرضنا. ثم إنّهم خرجوا
في تجارة لهم، على الشام، فبلغ ذلك المسلمين، فقال بعضهم: ما يمنعنا أن نخرج إلى هؤلاء
الذين رغبوا عن ديننا، وتركوا هجرتنا، وظاهروا على عدوّنا، فنقتلهم ونأخذ مالهم! وقالت
طائفة منهم: كيف تقتلون قوماً على دينكم، إن لم يذروا ديارهم، وكان هذا بين يدي رسول
الله ◌َلتر، وهو ساكت لاينهى واحداً من الفريقين، حتى نزلت هذه الآية والآيات بعدها، فبين
الله تعالى للنبي وَلير شأنهم.
وقال زيد بن ثابت: نزلت في ناس رجعوا يوم أحد عن النبي ◌َّلّ وكان أصحاب رسول
الله ◌َخل فيهم فرقتين فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لانقتلهم، فنزلت فيهم هذه الآية وقال
رسول الله وسلم: ((إنها طيبة وإنها تنفي الخبث كما ينفي النار خبث الفضة))(٣) يعني المدينة.
وقال قتادة: ذكرهما أنهما كانا رجلين من قريش بمكة تكلّما بالإسلام ولم يهاجرا إلى
النبي ◌َّله، لقيهما ناس من أصحاب رسول اللـه وق لقه مقبلين إلى مكة فقال بعضهم: إنّ دماءهما
وأموالهما حلال، وقال بعضهم: لا، [جلَّ ذلك منا] فأنزل الله تعالى ﴿فَمَا لَّكُمْ فِي المُنَافِقِينَ﴾
الآية.
سورة المعارج: ٤٣.
(١)
(٢) سورة المطفّفين: ٦.
(٣) مسند أحمد: ٥ / ١٨٤، وفي بعض المصادر: خبث الحديد.

٣٥٦
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
وقال عكرمة: هم ناس ممن قد صبوا ليأخذوا أموالاً من أموال المشركين فانطلقوا بها إلى
اليمامة فاختلف المسلمون فيهم فنزلت فيهم هذه الآية .
وقال مجاهد: هم قوم خرجوا مع النبي ◌َّ﴿ إلى المدينة ثمّ ارتدّوا بعد ذلك واستأذنوا
رسول الله 8* ليأتوا بضائع لهم يتاجرون فيها، فخاف المسلمون منهم فقائل يقول: هم
منافقون، وقائل يقول: هم مؤمنون، فبيّن الله تعالى نفاقهم.
وقال الضحاك: هم قوم أظهروا الإسلام بمكة فلما هاجر رسول اللـه وَليل لم يهاجروا
فاختلف المسلمون فيهم، فنزلت هذه الآية (فمالكم) يا معشر المؤمنين (في المنافقين فئتين) أي
صرتم في المنافقين فئتين فمحلّ ومحرّم، ونصب فئتين على خبر صار، وقال بعضهم: نصب على
إلاّ. ﴿وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ﴾ أي أهلكهم، ولكنهم تركوهم بكفرهم وضلالتهم بأعمالهم غير الزاكية
يقال: أركست الشيء ركسته أي نكسته ورددته، وفي قراءة عبدالله: وإني والله أنكسهم(١)، وقال
ابن رواحة :
أركسوا في فتنة مظلمة
كسواد الليل يتلوها فتن(٢)
﴿أَتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا﴾ أي ترشدوا إلى الهدى ﴿مَنْ أضَلَّ اللـهُ﴾ وقيل: معناه: أيقولون أنّ
هؤلاء يهتدون والله قد أضلّهم ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللـهُ﴾ عن الهدى ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ أي ديناً
وطريقاً إلى الهدى ﴿وَدُوا﴾ أي تمنّوا ﴿لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء﴾ شركاء في ذلك
مثلهم كفاراً، ثمّ أمرهم بالبراءة منهم فقال ﴿فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله﴾
الثانية معكم.
قال عكرمة: هي هجرة أخرى وبيعة اخرى، والهجرة على ثلاثة أوجه: أما هجرة المؤمنين
أوّل الإسلام فمضى في قوله ﴿لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾(٣) وقوله
﴿ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله﴾، وأما هجرة [المؤمنين] فهي الخروج في سبيل الله مع
رسول الله وَ ﴾ صابراً محتسباً. قال الله ﴿حتى يهاجروا في سبيل الله﴾، وأما هجرة المؤمنين
فهي أن يهجروا ما نهى الله عنه كما قال رسول الله وَ ل﴿ ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن التوحيد والهجرة
﴿فَخُذُوهُمْ﴾ يقول اسروهم ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ يعني في الحل والحرم ﴿وَلا تَتَّخِذُوا
مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً﴾ يعني ما ينافي العون والنصرة، وقوله ﴿لو تُدْهِنُ﴾ لم يرد به جواباً التمني
لأن جواب التمني بالفاء منصوب بما أراد به الفسق على من نزل ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ وودّوا لو
(١) في تفسير القرطبي: وفي قراءة عبدالله وأبي (والله ركسهم)، أي بغير الألف.
(٢) تفسير القرطبي: ٥ / ٣٠٧.
(٣) سورة الحشر: ٨.
لا

٣٥٧
سورة النساء، الآيات: ٨٥ - ٩١
تكونون سواء مثل قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُذْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾(١) أي ودّوا لو تدهن وودوا لو
تكفرون، ومثله ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ﴾(٢) أي ودوا لو
تغفلون وودّوا لو تميلون، ثم إستثنى طائفة منهم فقال ﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ﴾ أي يتصلون
بقوم وينتسبون اليهم يقال: إتصل أي انتسب، وفي قول النبي وَله: ((من تعزى بعزاء الجاهلية
فاعضوه))(٣) أي من إدعى بدعوى الجاهلية.
قال الأعشى:
إذا اتصلت قالت لبكربن وائل
سبتها والأنوف رواغم(٤)
أي إذا انتسب.
ويقال: يصلون من الوصول أي يلحقون إليهم إلى قوم ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ أي عهد
وهم [الأسلميون] وذلك إن رسول الله وَليل، وادع هلال بن عويمر الأسلمي عند خروجه إلى مكة
على أن لا يعنيه ولا يعين عليه حتى أتى ويرى، ومن وصل إلى هلال من قومه أو غيرهم ولجأ
إليه فلهم من الجوار مثل الذي لهلال.
الضحاك عن ابن عباس: أراد بالقوم الذين بينهم وبينكم ميثاق. بني بكر بن زيد مناة
وكانوا في الصلح والهدنة وقوله ﴿أَوْ جَاؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ أي ضاقت صدروهم عن
قتالكم، وهم بنو مدلج جاءوا المؤمنين ﴿أو يقاتلوا قومهم﴾ يعني من آمن منهم، ويجوز أن
يكون معناه إنهم لا يقاتلوكم ولا يقاتلون قومهم فعلم المؤمنون لا عليكم ولا عليهم ولا لكم.
وقال بعضهم: وبمعنى الواو. كانه يقول: إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق وجاءوكم ضيقت
صدورهم عن قتالكم، والقتال معكم، وهم قوم هلال الأسلميون وبني بكر بن زيد [مناة] وقوله ﴿أو
جَاؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ أي قد حصرت، كقول العرب أي ذهب [نظره] يريدون قد ذهب.
قال الفراء: سمع الكسائي بعضهم يقول: أصبحت فنظرت إلى ذات [البساتين].
﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ يعني سلط الله المشركين على المؤمنين عقوبة
ونقمة .
﴿فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ عند القتال، ويقال يوم فتح مكة فهم يقاتلوكم مع قومهم ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ
السَّلَمَ﴾ أي المسالمة والمصالحة ﴿فَمَا جَعَلَ اللهُ لَّكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ أي حجة في قتالهم، وعلى
دينهم فأمر الله رسوله بالكف عن هؤلاء ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ﴾ غيرهم.
(١) سورة القلم: ٩.
(٢) سورة النساء: ١٠٢.
(٣) مسند أحمد: ٥ / ١٣٦.
(٤) لسان العرب: ١١ / ٧٢٧.

٣٥٨
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: هم أسد وغطفان [قدموا] المدينة، وكانوا قد
تكلموا بالإسلام، وأقروا بالتوحيد ديناً وهم غير مسلمون.
وكان الرجل منهم يقول له قومه: بماذا أسلمت؟ فيقول: هذا الرد بهذا العقرب
والخنفساء(١).
وإذا لقوا محمداً وأصحابه قالوا: إنا على دينكم، يريدون بذلك الأمن في الفريقين جميعاً،
فذلك قوله ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكُمْ﴾ ولا تعرضوا لهم ﴿وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ ولا تعرضوا لهم يرضونكم
ويرضونهم.
جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: التوحيد، الذين كانوا بهذه الصفة ﴿كُلّما رُدُوا إِلَى
الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ يعني إذا دَعوا إلى الشرك رجعوا وعادوا إليه ودعوا عليه.
ثم بيّن لرسوله ◌َ ﴿ أمرهم فقال ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ أي فإن لم يكفّوا عن قتالكم ويعتزلوكم
حتى تسيروا [ ...... ] (٢) ﴿وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أي المقاد والصلح ﴿وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِقْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِكُمْ﴾ أي أهل هذه الهدنة ﴿جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُبِينً﴾ أي
عهداً وحجة بيّنة في قتالهم.
وَمَا كَنَّ ◌ِيُؤْمِنْ أَنْ يَكْتُلَ مُؤْمِثًا إلَّا خَلَّ وَمَنْ فَثَلَ مُؤْمِنَّا جَمَا فَتَرِرُ رَفِيَةٍ مُؤْمَّةٍ
وَوَيَّةٌ فَلَّةُ إِلَّ أَمْهِهِ إِلَّ أَنْ يَمَدَّلُواْ فَإِن كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌّ فَتَشْرِرُ رَفَةَ
مُؤْمِنَّةٍ وَإِن ◌َكَّاتَ مِنْ قَوْمٍ يَلْتَكُمْ وَيَلَهُمِ مِتَنْ ذَوِيَّةُ مُعَلَّمَةُ إِلَىَّ أَهْلِهِ، وَتَّخِرُ رَقَ
لزِمَةِ قَصْ أمْ تَمِدَ قَبسيَمُ تَهُوَلِ مُكَنَّبِعَةٍ فَبَةُ مِنَّ اللَّهُ وَكَ أَلَهُ عَنِيسَمَا سُكِبِمَا (١))
وَمَنَ يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُعَبْدًا فَجَزَوْمُ حَهَنَّهُ خَدَا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَّمَنَّهُ وَأَعْذَّ أَمُـ
عَلَ عَطِمًا (١٣) يَأَيُّهَا الَِّ،َقُوا إِذَا مَرْ دِ عَبْلِ لنَّ فَتَيُّأَ وَلاَ تَقُولُواْ لَمَنْ أَلَقْ إِلَّكُمُ
الشَّكَّمُ لَسْتَ مُؤْمِنًاً تَلَغَوْتَ عَرَبَ الْحَيْرَةِ اَللَّنْيَا فَمِنْدَ أَِّ مَغَائِمُ سِكِرَةً كَذَِّكَ صِكُنْتُمِ
ـئِ قَبْلَ مَعَّرَ لَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَّبَهُوَاْ إِنَ اللَّهُ كَنَ بِمَّا تَمْعَلُونَ خَسِرًا فَ لَ يَسْتَوِىَ
الْتَهِدُونَ مِنَّ الْنَّأْمِهَ غَّ أُوْلِ الشََّرِ وَالْكَهِدُونَ فِي حِلِ أَلَّهِ أَنْوَلِمْ وَهِمْ مَسْلَ أَُّ لَكِنُ بِأَتَوَلِهِمْ
وَسُِّبْ عَلَى الْقَِّنَّ دَرَبَّهُ وَلَا تَعْدَ اللَّهُ لْمَشُّْ ◌َفَلَ أَنَّهُ الْمُكَّهِينَ عَنَّ الْتَهِينَ أَمْرًا مَظِيمًا (٥ِيَ) دَرَجَنَتٍ
(١) في تفسير الطبري (٥ / ٢٧٣): فيقرب إلى العود والحجر وإلى العقرب والخنفساء، فيقول المشركون لذلك
المتكلم بالإسلام: قل هذا ربي، للخنفساء والعقرب.
(٢) كلمة غير مقروءة.

٣٥٩
سورة النساء، الآيات: ٩٢ - ٩٦
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنِ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إلاَّ خَطَأَ﴾ الآية نزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي
وذلك إنه أتى رسول الله و له بمكة قبل أن يهاجر رسول الله إلى المدينة وأسلم معه، ثم خاف أن
يظهر إسلامه لأهله، وأن يبلغ أهل مكة إسلامه، فخرج هارباً من مكة إلى المدينة، ثم قدمها
فكان أطماً من آطامها فتحصن فيه، فجزعت لذلك امه جزءاً شديداً، حين بلغها إسلامه،
وخروجه إلى المدينة، فقالت: لابنها الحرث وأبي جهل بن هشام وهما أخواه لأمه، والله
لا يظلني سقف ولا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى تأتوني به، فخرج في طلبه وخرج معهم الحرث
ابن زيد بن أبي أنيسة من الكعبة إلى المدينة، فأتوا بالمدينة، فاتوا عياشاً وهو في الأطم ((يعني
الجبل)) فقالا له: إنزل فإن أمك لم يؤوها سقف بيت بعدك، وقد حَلفت أن لا تأكل طعاماً ولا
تشرب شراباً حتى ترجع إليها. ذلك عهد الله علينا أن لا نكرهك على شيء ولا نحول بينك وبين
دينك، فلما ذكروا له خرج اليهم ثم حلفوا بالله، فنزل إليهم فأخرجوه من المدينة، ثم أوثقوه
بنسع فجلده كل رجل منهم مائة جلدة، ثم قدموا به على أمه وهي أسماء بنت مخرمة، فلما دخل
قالت: والله لا أفکك من وثاقك حتی تکفر بالذي آمنت به.
ثم تركوه متروكاً موثقاً في الشمس ماشاء الله ثم أعطاهم الذي أرادوا فأتاه الحرث بن
زيد، فقال له: ياعياش هذا الذي كنت عليه، فوالله لئن كان هدى لقد تركت الهدى ولئن كانت
ضلالة لقد كنت عليها فغضب عياش من مقاله، وقال: والله لا ألقاك خالياً أبداً إلاّ قتلتك، ثم
أن حارثاً بعد ذلك أسلم وهاجر إلى رسول الله - * بالمدينة وكان عياش يؤمئذ حاضراً، ولم
يشعر باسلامه فبينا عياش حاضر إذ لقي الحرث بن زيد ولما رآه حمل عليه فقتله فقال الناس:
أي شيء [صنعت] إنه قد أسلم، فرجع عياش إلى رسول الله وَلجر، فقال: يا رسول الله قد كان
أمري وأمر الحرث ماقد علمت وإني لم أشعر بإسلامه حتى قتلته(١)، فنزل عليه قوله تعالى ﴿مَا
كَانَ لِمُؤْمِن﴾ أي لا ينبغي لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلاّ خطئاً وليس معنى قوله ﴿وما كان﴾ على
النفي وإنما هو على التحريم والنهي كقوله ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ﴾(٢).
ولو كان ذلك على النفي لما وجدت مؤمناً قتل مؤمناً قط لأنّ ما نفى الله لم يجز وجوده.
كقوله تعالى ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أنْ تُنِْتُوا شَجَرَهَا﴾(٣) ولا يقدر العباد على إنبات شجرها البتة.
وقوله تعالى ﴿إلاّ خطأً﴾ عندنا ليس من الأول للمعنى.
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنِ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً﴾ البتة إلّ أن المؤمن قد يخطىء في القتل وكفّارة خطأه ما
ذكر بعده.
(١) أسباب النزول للواحدي: ١١٤.
(٢) سورة الأحزاب: ٥٣.
(٣) سورة النمل: ٦٠.

٣٦٠
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
قال أبو عبيدة: العرب تستثني الشيء من الشيء فليس منه على اختصار وضمير، أي ليس
مؤمناً على حال، إلاّ أن يقتل مخطئاً فإن قتله مؤمناً فعليه، كذا وكذا، ومثله قوله ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ
كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالفَوَاحِشَ إلاَّ اللَّمَمَ﴾(١) واللمم ليس من الكبائر ومعناه إلاّ أن يلم بالفواحش
والكبائر أي يقرب منها .
ومثله قول جرير:
على الأرض إلاّ ذيل برد مرجّل(٢)
من البيض لم تظعن بعيداً ولم تطأ
فكأنه قال: لم يطأ على الأرض إلاّ أن يطأ ذيل البرد فليس هو من الأرض.
وقال أبو خراش الهذلي :
إلاّ السباع ومرّ الريح بالغرف(٣)
أمست سقام خلاء لا أنيس به
الغرف متجر يعمل فيها الغرابيل، وسقام واد لهذيل وكان أبو عمر الهذلي يرتع ذلك ومثله
قول الشاعر:
إلّ اليعافير وإلّ العيس (٤)
وبلدة ليس بها أنيس
يقول: إلاّ أن يكون بها اليعافير والعيس.
وقال بعضهم: إلاّ ههنا معنى لكن فكأنه قال ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنِ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إلاَّ خَطَأَ﴾
ولا عمداً إلاّ بحال. لكن إن قتله خطأ فكذا وكذا وهذا كقوله ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ
بِالْبَاطِلِ إلا أن تكون تجارة﴾(٥) معناه لكن تجارة عن تراض منكم.
وقوله ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأَ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أي فعليه تحرير أي إعتاق ﴿رَقَبَة مُؤْمِنَةٍ﴾ .
قال المفسرون: المؤمنة المصلية المدركة التي حصّلت الإيمان، فإذا لم تكن المؤمنة
جبرها الصغيرة المولود فما فوقه ممن ليس بها زمانة ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾ أي كاملة إلى أهل القتيل
الذين يرثهم ويرثونه ﴿إلاَّ أنْ يَصَّدَّقُوا﴾ أي يتصدقوا بالدية فيعفوا ويتركوا الدية.
﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْم عَدُوٌّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية على القاتل ولا دية لأهل
القتيل، لأنهم كفار محاربون ومالهم في المسلمين وليس بينهم وبين الله عهد، ولا ذمّة وذلك ان
الرجل كان يسلم ولا يسلم من تبعه غيره وقومه حرب للمسلمين فيصيبه الرجل.
(١) سورة النجم: ٣٢.
(٢) تفسير مجمع البيان: ٣ / ١٥٥ وفيه: ربط، بدل: ذيل، وتفسير القرطبي: ٥ / ٣١٢، وفيه: مرط مرحل،
بدل: برد مرجّل.
(٣)
الصحاح: ٤ / ١٤٠٩ وتفسير القرطبي: ٥ / ٣١٢.
(٤) لسان العرب: ١٥ / ٣١٢.
(٥) سورة النساء: ٢٩.