النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ سورة النساء، الآيات: ٤٣ - ٥٣ أيديهم، ولم يقبضوا من التراب شيئاً، فمسحوا وجوههم وأيديهم إلى المناكب، ثم بطون أيديهم إلى الآباط. وقال ابن سيرين: ثلاث ضربات: ضربة للوجه، وضربة لليدين، وضربة للمرفقين، وبه قال من الصحابة عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله، ومن التابعين الحسن البصري والشعبي، ومن الفقهاء أبو حنيفة وحنبل ومالك والليث، رضي الله عنهم، واحتجوا بما روى الأعرج عن أبي الصمّة أنّ رسول الله التر تيمم فمسح وجهه وذراعيه. وروى أبو أُمامة وابن عمر أنّ النبي ◌َّه قال: ((التيمّم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين)) (١) [٣٣٥]. وروى ربيع بن سبرة عن أبيه عن جده عن أسلع قال: قال لي رسول الله وَل و ((ارجل بنا يا أسلع)). فقلت: أنا جُنب. فسكت، إلى مكة فنزلت آية التيمّم، فقال: ((يكفيك هذا)) [٣٣٦]. فضرب بكفّيه الأرض ثم نفضهما ثم مسح ذراعيه؛ ظاهرهما وباطنهما . وقال عليٍّ - كرم الله وجهه -: ((هو ضربتان: ضربة للوجه وضربة للكفين))(٢) [٣٣٧]. وذهبت طائفة إلى أنه ضربة واحدة للوجه والكفين، وهو قول سعيد بن المسيّب، والأوزاعي وأحمد وإسحاق، واحتجوا بقول الله تعالى: ﴿وأيديكم﴾(٣)، قالوا واليد على الإطلاق يتناول الكفّ إلى الكوع، بدليل أنّ السارق تقطع يده إلى الكوع، وقد قال الله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾(٤)، فاحتجوا بما روى سعيد بن عبد الرحمن عن أبيه عن عمار بن ياسر أنّ رسول الله وَ لير قال في التيمم: ((ضربة للوجه والكفين، والتيمّم من الجنابة كالتيمّم من الحدث)) [٣٣٨]. فإذا عدم الجنب الماء تيمّم كما يتيمّم المحدث بلا خلاف فيه إلاّ ما روي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود أنهما قالا: لا يحقّ للجُنب التيمّم، ولكنه يصبر إلى أن يجد الماء فيغتسل، وقال مفسرّاً قوله عزّ وجلّ: ﴿أو لا مستم النساء﴾ أراد اللمس باليد دون الجماع. وروى الأعمش عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أزي أنّ رجلا سأل عمر عن جُنب لا يجد الماء، فقال: لا يصلّي حتى يجد الماء، فقال عمار بن ياسر: أما تذكر حين بعثنا رسول الله ﴿ أنا وأنت وأجنبت فتمعكت في التراب، فأتيت رسول الله ونَ ﴾ فذكرت ذلك له، فقال: ((قد كان يكفيك أن تفعل كذا وكذا))(٥) [٣٣٩]. وضرب بيده على الأرض فمسح (٢) السنن الكبرى: ١ / ٢١٢. (١) المستدرك: ١ / ١٧٩. (٣) سورة النساء: ٤٣. (٤) سورة المائدة: ٣٨. (٥) قريب منه في السنن الكبرى ١ : ٦. ٣٢٢ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي وجهه وبدنه (١)؟ فقال: اتّقِ الله يا عمار، فقال: إن شئت لم أذكره أبداً. وروى عمار بن ياسر عن سلمة بن كهيل عن سعيد بن عبد الرحمن بن أزي، قال: كنت عند عمر رضي الله عنه، فسأله إعرابي فقال: إنّا نمكث الشهر والشهرين لا نجد الماء، فقال: أمّا أنا فلو كنت لم أصلّ، فقال عمار بن ياسر: أما تذكر يا أمير المؤمنين أني كنت أنا وأنت في الإبل؟ فقال: بلى. قال: فأنت أجنبت فتمعكت في التراب فأتيت رسول الله وَ ل﴿ فذكرت ذلك له فضحك، وقال: ((كان يجزيك هكذا))(٢). وبسط عمّار كفيه، ووضعهما على الأرض ثم نفض إحداهما بالأُخرى فمسح بهما وجهه، ووصل الكفين بشيء من الذراعين يسير، فقال عمر: اتّقِ الله يا عمار. فقال: يا أمير المؤمنين لو شئت لم اتفوّه به أبداً، قال: لا بل نولّيك [ما تولّيت](٣). وروى الأعمش عن شقيق قال: كنت جالساً مع عبد الله وأبي موسى، فقال أبو موسى: یا أبا عبد الرحمن، الرجل جُنب فلا يجد الماء أُيصلّي؟ فقال: لا. فقال: أما تذكر قول عمار لعمر: بعثنا النبي ول﴿ أنا وأنت فأجنبت فتمعّكت في التراب، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فقال: ((كان يكفيه هكذا)) [٣٤٠]. وضرب بيديه الأرض فسمح وجهه ويديه؟ فقال: لم أر عمر قنع بذلك، قال: فما يصنع بهذه الآية ﴿فلم تجدوا ماءاً فتيمّموا صعيداً طيباً﴾؟ فقال: أما إنّا لو رخّصنا لهم في هذا لكان أحدهم إذا وجد برد الماء تيمّم بالصعيد(٤)، قال الأعمش: فقلت لشقيق فلم يكن هذا إلاّ حباً له، قال: يدلّ علي أن صلاة الجُنب بالتيمّم جايز، ما روى ابن عوف عن أبي رجاء، قال: سمعت عمران بن حصين يقول: إنّ رسول الله وَ ﴿ رأى رجلا معتزلا لم يصلِّ في القوم، فقال: (يا فلان، ما منعك أن تصلّي مع القوم؟)). فقال: يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء، قال: ((عليك بالصعيد فإنّه يكفيك))(٥) [٣٤١]. وروى مسلم عن أبي رجاء عن عمران بن حصين قال: صلّيت خلف النبي ◌َّر وكان رجل جُنب، فأمره النبي ◌َّ أن يتيمّم ويصلّي، فلمّا وجد الماء أمره النبي وَّر أن يغتسل ولم يأمره أن یعید . عن أبي ذر قال: قال رسول الله وَله: ((الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين)) (٦) [٣٤٢]. (١) صحيح مسلم: ١ / ١٩٣. (٢) المصنف لعبد الرزاق: ١ / ٢٣٨. (٤) مسند أحمد: ٤ / ٢٦٥. (٣) كنز العمال: ٩ / ٥٨٨ ج٢٧٥٤٦ . (٥) مسند أحمد: ٤ / ٤٣٤. (٦) مسند أحمد: ٥ / ١٥٥. ٣٢٣ سورة النساء، الآيات: ٤٣ - ٥٣ قوله عزّ وجلّ: ﴿ألم تر إلى الذين أُوتوا نصيباً من الكتاب﴾ يعني يهود المدينة، وقال ابن عباس: نزلت في رفاعة بن زيد بن السائب ومالك بن دخشم، كانا إذا تكلّم رسول الله وَلقول لويا لسانيهما وعاباه، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ﴿يشترون الضّلالة﴾ مختصر تقديره: ويشترون الضّلالة بالهدى ﴿ويريدون أن تضلّوا﴾ يا معشر المؤمنين، وقرأ الحسن تُضَلّوا، ﴿السبيل﴾ أي عن السبيل. ﴿والله أعلم بأعدائكم﴾ منكم، فلا تستنصحوهم فإنهم أعداؤكم، ويجوز أن يكون ﴿أعلم﴾ بمعنى عليم [كقوله تعالى: ﴿وهو أهون] (١) عليه﴾، ﴿وكفى بالله وليّاً وكفى بالله نصيراً * من الذين هادوا﴾، فإنّ شئت جعلتها متصلة بقوله (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب من الذين هادوا﴾، وإنّ شئت جعلتها منقطعة عنها مستأنفة، ويكون المعنى: من الذين هادوا مَن يحرّفون، كقوله: ﴿وما منّا إلّ له مقام معلوم﴾(٢) اي من له مقام معلوم، وقال ذو الرمّة: وآخر يذري دمعة العين بالمهل (٣) فظلوا ومنهم دمعُهُ سابق له يريد: ومنهم من دمعه . ﴿يحرّفون﴾ يغيّرُون، ﴿الكلِمَ﴾ وقال علي بن أبي طالب(رضي الله عنه): ((الكلام عن مواضعه، يعني صفة محمد ◌َلي، وآية الرجم))، وقال ابن عباس: كان اليهود يأتون رسول الله ◌َّله ويسألونه عن الأمر فيخبرهم، ويرى أنّهم يأخذون بقوله، فإذا انصرفوا من عنده حرّفوا كلامه. ﴿ويقولون سمعنا﴾ قولك ﴿وعصينا واسمع غير مسمع﴾ أي غير مقبول منك، وقيل: هو مثل قولهم: اسمع لا سمعت. ﴿وراعنا﴾: وارعنا، وقد مضت القصة في سورة البقرة، ﴿ليّاً بألسنتهم وطعناً﴾ قدحاً ﴿في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا وأسمع وانظرنا﴾ مكان راعنا ﴿لكان خيراً لهم وأقوم﴾ أصوب وأعدل، ﴿ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلاّ قليلا * يا أيها الذين أوتوا الكتاب﴾ خاصة باليهود، ﴿آمنوا بما نزّلنا﴾ يعني القرآن، ﴿مصدقاً لما معكم﴾ قال ابن عباس: كلّم رسول الله ◌َ﴿ رؤساء من أحبار اليهود منهم عبد الله بن صوريا وكعب بن أسد، فقال لهم: (يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا، فوالله إنّكم تعلمون أنّ الذي جئتكم به لحقّ)) (٤) [٣٤٣]، فقالوا: ما نعرف ذلك يا محمد وأنكروا وأصرّوا على الكفر، فأنزل الله عزّ وجلّ ﴿يا أيّها الذين أُوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدّقاً لما معكم﴾. (١) بياض في مصوّرة المخطوط، وما أثبتناه من تفسير القرطبي: ٥ / ٢٤٢. (٢) سورة الصافات: ١٦٤. (٣) تفسير الطبري: ٥ / ١٦٤. (٤) صحيح البخاري: ٤ / ٢٦٠ بتفاوت. ٣٢٤ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي ﴿من قبل أن نطمِس وجوهاً فترُدّها على أدبارها﴾ قراءة العامة بكسر الميم، وقرأ أبو رجاء بضمّها، وهما لغتان، قال ابن عباس: يجعلها كخفّ البعير أو كحافر الدابة. قتادة والضحاك: نعميها، ذَكر الوجه والمراد به العين ﴿نردّها على أدبارها﴾ أي نحوّل وجوهها إلى ظهورها، ونجعل أبصارها من جهة أقفائها، وهذه رواية عطية عن ابن عباس. الفرّاء: الوجوه منابت للشعر كوجوه القردة، لأنّ منابت شعور الآدميين في أدبار وجوههم. القتيبي: نمحو آثارها وملامحها من عين وحاجب وأنف وفم، فتردّها على أدبارها أي كالأقفاء. فإن قيل: كيف جاز أن يهدّدهم بطمس وجوههم إن لم يؤمنوا، ثم لم يؤمنوا ولم يفعل بهم ذلك؟ فالجواب أن نقول: جعل بعضهم هذا الوعيد باقياً منتظراً، فقال: لابد من طمس وجوه اليهود أي بالمسخ قبل الساعة، وهذا قول المبرّد، وقال بعضهم: كان هذا وعيداً بشرط، فلمّا أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه رفع الباقين، وقيل: لمّا أُنزلت هذه الآية، أتى عبد الله بن سلام رسول الله و18 قبل أن يأتي أهله فأسلم، وقال: يا رسول الله ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحول وجهي في قفاي. وقال النخعي: قرأ عمر هذه الآية على كعب الأحبار، فقال كعب: يا ربّ أسلمت، يا ربّ أسلمت مخافة أن يشمله وعيد هذه الآية. وقال سعيد بن جبير: الطمس أن يرتدّوا كفاراً فلا يهتدوا أبداً. الحسن ومجاهد: من قبل أن نُعميَ قوماً عن الصراط وعن بصائر الهدى، فنردّها على أدبارها حتى يعودوا إلى حيث جاؤوا منه بدءاً، وهو الشام. وأصل الطمس: المحو والإفساد والتحويل، ومنه يقال: رسم طاسم، وطامس أي دارس، والريح تطمس الأثر أي تمحوه وتعفوه. ﴿أو نلعنهم كما لعنّا أصحاب السَّبت﴾ فنجعلهم قردة وخنازير ﴿وكان أمر الله مفعولا * إنّ الله لا يغفر أن يشرك به﴾ الآية، قال الكلبي: نزلت في المشركين: وحشي بن حرب وأصحابه، وقال: إنّه لما قَتل حمزة، وكان قد جُعل له على قتله أن يعتق، ولم يوفَ له بذلك فلمّا قدم مكة ندم على صنيعه هو أصحابه، فكتبوا إلى رسول الله وَل﴿ إنّا قد ندمنا على الذي صنعنا وإنه ليس يمنعنا عن الإسلام إلاّ أنّا سمعناك تقول وأنت بمكة: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرّم الله الاّ بالحق ولا يزنون﴾(١)، وقد دعونا مع الله إلهاً آخر، وقتلنا النفس التي حرّم الله، وزنينا، ولولا هذه الآية لاتبعناك، فنزلت ﴿إلا من تاب وآمن﴾ الآيتين. فبعث بهما رسول الله وَله إلى وحشي وأصحابه، فلمّا قرأوها كتبوا إليه: هذا شرط شديد نخاف ألاّ نعمل عملا صالحاً فلا نكون من [أهل] هذه الآية ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ فبعث بها إليهم فقرؤوها، فبعثوا إليه: إنا نخاف ألاّ (١) سورة الفرقان: ٦٨. ٣٢٥ سورة النساء، الآيات: ٤٣ - ٥٣ نكون من أهل مشيئته، فنزلت: ﴿ياعباد الذين أسرفوا على أنفسهم ... ﴾(١)، فبعث بها إليهم فلما قرؤوها دخل هو أصحابه في الإسلام، ورجعوا إلى رسول الله شهر فقبل منهم، ثم قال النبي وَ لّ لوحشي: ((أخبرني كيف قتلت حمزة؟))، فلما أخبره قال: ((ويحك غيّب وجهك عنّي)) (٢) [٣٤٤]، فلحق وحشي بالشام فكان بها إلى أن مات. وقال مقاتل: نزلت هذه الآية في اليهود ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ فمشيئته لأهل التوحيد. أبو مجلز، عن ابن عمر: نزلت في المؤمنين، وذلك أنّه لمّا نزلت ﴿يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم﴾. الآية. قام رسول الله والتو على المنبر فتلاها على الناس، فقام إليه رجل، فقال: والشرك بالله؟ فسكت ثم قام إليه مرّتين أو ثلاثاً، فنزلت: ﴿إنّ الله لا يغفر أن يشرك به﴾ الآية، فأثبتت هذه في الزمر وهذه في النساء. المسيب بن شريك، عن مطرف بن الشخير قال: قال ابن عمر: كنّا على عهد رسول الله ﴾ إذا مات الرجل منّا على كبيرة شهدنا أنّه من أهل النار، حتى نزلت هذه الآية ﴿إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، فأمسكنا عن الشهادات. عن جابر بن عبد الله أنّ النبي ◌َّ قال: (([لا تزال] المغفرة تحل بالعبد ما لم يرفع(٣) الحجاب)). قيل: يا رسول الله، وما [وقوع](٤) الحجاب؟ قال: ((الإشراك بالله)) [٣٤٥] ثم قرأ: ﴿إنّ الله لا يغفر أن يشرك به﴾(٥) الآية. مسروق عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله وَلفي ((من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنّة ولم يضرّه معه خطيئة، كما لو لقيه وهو يشرك به شيئاً دخل النار ولم تنفعه حسنة)) (٦) [٣٤٦]. وعن عليّ (رضي الله عنه) عنه قال: ((ما في القرآن أرجى إليّ من هذه الآية ﴿إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾))(٧) [٣٤٧]. ﴿ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً * ألم تر إلى الذين يُزكّون أنفسهم) الآية، قال الكلبي: نزلت في رجال من اليهود، أتوا بأطفالهم إلى النبي وَّ منهم عدي بن عمرو والنعمان ابن أوفى وصهيب بن زيد، فقالوا: يا محمد هل على هؤلاء من ذنب؟ فقال: ((لا))، فقالوا: (١) سورة الزمر: ٢٣. (٢) المعجم الأوسط: ٢ / ٢٢٢، والبداية والنهاية: ٤ / ٢١. (٣) في المخطوط: يقع وما أثبتناه من المصدر. (٤) غير موجودة في المصدر. الحديث في حسن الظن بالله لابن أبي الدنيا : ٦٥ ح٥٦. (٥) (٦) كنز العمال: ١ / ٨١ ح٣٢٨. (٧) سنن الترمذي: ٤ / ٣١٤ وفيه أحب بدل أرجى. : ٣٢٦ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي والله ما نحن إلّ كهيئتهم، ما عملناه بالنهار كفّر عنّا بالليل، وما عملناه بالليل كفّر عنا بالنهار، فكفّرهم الله تعالى، وأنزلت هذه الآية. الحسن والضحاك وقتادة وسفيان والسّديّ: نزلت في اليهود والنصارى ممن قالوا: ﴿نحن أبناء الله وأحبّاؤه﴾(١) وقالوا: ﴿لن يدخل الجنّة إلاّ من كان هوداً ونصارى﴾(٢). مجاهد وعكرمة: هو أنّهم كانوا يقدّمون أطفالهم في الصّلاة يزعمون أنهم لا ذنب لهم، فتلك التزكية. عطية عن ابن عباس: هو أنّ اليهود قالوا: إنّ آباءنا وأبناءنا تُوفوا، فهم سيشفعون لنا ويزكوننا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقال عبد الله: هو تزكية بعضهم لبعض، وعن طارق ابن شهاب قال: سمعت ابن مسعود يقول: إن الرجل ليغدو من بيته ومعه دينه، فيلقى الرجل لا يملك له ولا لنفسه ضرّاً ولا نفعاً، فيقول: والله إنّك لذيت لذيت، فلعله لا يخلو منه شيء، فيرجع إلى بيته وما معه من دينه شيء، ثم قرأ عبد الله: ﴿ألم تر إلى الذين يزكّون أنفسهم﴾. ﴿بل الله يزّي﴾ أي يطهّر من الذنوب ﴿من يشاء﴾ [ ... ] (٣) لذلك ﴿ولا يُظلمون فتيلا﴾ وهو ما يكون في شق النواة، وقيل: هو ما فتلته بين إصبعيك من الوسخ فيكون فعيلا بمعنى مفعول قال الشاعر: يجمع الجيش ذا الالوف فيغزو ثم لا يرزأ العدوّ فتيلا (٤) ﴿انظر﴾ يا محمد ﴿كيف يفترون﴾ يحيكون على الله الكذب في تفسيرهم كتابه ﴿وكفى به إثماً مبيناً * ألم تر إلى الذين أوتُوا نصيباً من الكتاب﴾ قرأ السلميّ: (ألم تره) في كلّ القرآن، وهي لغة قوم لا يكتفون من الجزم بحذف الحرف حتى يسكنوا حركته، كقول الشاعر: ومن أضل فما يهديه من هادي من يهدِه الله يهتدْ لا مضل له ويؤمنون بالجبت والطاغوت﴾ اختلفوا فيهما، فقال عكرمة: هما صنمان كان المشركون يعبدونهما من دون الله. أبو عبيدة: هما كلّ معبود من حجر أو مدر أو صورة أو شيطان، يدل عليه قوله: ﴿أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾(٥)، وقوله: ﴿الذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها﴾(٦). عطية عن ابن عباس: الجبت: الأصنام، والطاغوت: تراجمة الأصنام الذين يكونون بين (١) سورة المائدة: ١٨. (٢) سورة البقرة: ١١١. (٣) بياض في مصوّرة المخطوط. (٤) الدر المنثور: ٢ / ١٧١ وفيه: الاعادي بدل العدو، تفسير مجمع البيان: ٣ / ١٠٣. (٥) سورة النحل: ٣٦. (٦) سورة الزمر: ١٧. ٣٢٧ سورة النساء، الآيات: ٤٣ - ٥٣ أيديهم يفترون عنها الكذب ليضلوا النّاس، وقيل: الجبت: الأوثان، والطاغوت: شياطين الأصنام، لكل صنم شيطان يفسّر عنها فيغترّ بها النّاس. أبو عمرو الشّعبي ومجاهد: الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان. زيد بن أرقم: الجبت: الساحر، ويقال له: الجبس، قلبت سينه تاء، والطاغوت: الشيطان، يدل عليه قوله: ﴿الذين كفروا أولياؤهم الطاغوت﴾(١). قال محمد بن سيرين ومكحول: الجبت: الكاهن ، والطّاغوت: الساحر، وهو رواية الوالبي عن ابن عباس. سعيد بن جبير وأبو العالية، الجبت: شاعر بلسان الحبشة، والطّاغوت: الكاهن. عكرمة: كان أبو هريرة كاهناً في الجاهلية ممن أقرّ إليه ناس ممّن أسلم، فنزلت هذه الآية. الضحاك والكلبي ومقاتل: الجبت: حيي بن أخطب، والطاغوت: كعب بن الأشرف ودليله قوله: ﴿يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت﴾(٢). حكى أبو القاسم الحسين، عن بعضهم أنّ الجبت إبليس، والطاغوت أولياؤه، عن قطر بن قيصيه، عن مخارق عن أبيه، قال: قال رسول الله وَله: «الطرق والطيرة والعيافة من الجبت(٣)، والجبت كلّ ما حرّم الله، والطّاغوت هو ما يُطغي الإنسان))(٤) [٣٤٨]. ﴿ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الّذين آمنوا سبيلا﴾ قال المفسّرون: خرج کعب ابن الأشرف في سبعين راكباً من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشاً على رسول الله وله وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول اللّه ◌َ ل﴾، فنزل كعب على أبي سفيان فأحسن مثواه، ونزلت اليهود في دور قريش، فقال أهل مكة: إنّكم أهل كتاب، ومحمد صاحب كتاب ونحن أمية، ولا نأمن أن يكون هذا مكراً منكم، وإن أردت أن نخرج معك، فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما، ففعل ذلك، فذلك قوله: ﴿يؤمنون بالجبت والطاغوت﴾ ثم قال كعب لأهل مكة: ليجئ منكم ثلاثون ومنّا ثلاثون فلنلزق أكبادنا بالكعبة، فنعاهد ربّ البيت لنجهدنَّ على قتال محمد ففعلوا ذلك، فلمّا فرغوا قال أبو سفيان: إنّك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم، ونحن أمّيون لا نعلم فأيّنا أهدى طريقاً وأقرب الى الحق؟ أنحن أم محمد؟ فقال كعب: اعرضوا عليَّ دينكم، فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحاج الكرماء ونسقيهم الماء ونقري الضيف ونفكّ العاني ونصل الرحم ونعمّر بيت ربّنا ونطوف به، ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق دين آبائه وقطع الرحم وفارق الحرم، وديننا القديم ودين محمد الحديث. فقال (١) سورة البقرة: ٢٥٧. (٢) سورة النساء: ٦٠. (٣) مسند أحمد: ٣ / ٤٧٧، والمصنف لعبد الرزاق: ١٠ / ٤٠٣، والسنن الكبرى: ٦ / ٣٢٤، وتفسير القرطبي: ٥ / ٢٤٩. والعيافة: زجر الطير والتفاؤل بأسمائها، والطرق: الخط بخط في الأرض، وقيل: هو الخط في الرمل، وقيل: الضرب بالحصى. (٤) تفسير القرطبي: ٥ / ٢٤٩. ٣٢٨ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي كعب: أنتم والله أهدى سبيلا ممّا عليه محمد، فأنزل الله الآية ﴿إلى الذين اوتوا نصيباً من الكتاب﴾(١): يعني كعباً وأصحابه، يؤمنون بالجبت والطاغوت يعني الصنمين ﴿يقولون للذين كفروا﴾ أبي سفيان وأصحابه: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا؛ محمد وأصحابه سبيلا أي ديناً. ﴿أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً﴾. ﴿أم لهم﴾ يعني ألهمْ، والميم صلة ﴿نصيب﴾ حظ ﴿من الملك﴾ وهذا على وجه الإنكار، يعني ليس لهم من الملك شيء، ولو كان لهم من الملك ﴿فإذاً لا يؤتون الناس﴾ محمداً .](٢) . وأصحابه ﴿نقيراً﴾ من حسدهم وبخلهم وبغضهم. رفع قوله (يؤتون) [. (٣) . وفي قراءة عبدالله: فإذاً لا يؤتوا الناس بالنصب [. ٢(٤) واختلفوا في النقير، فقال ابن عباس: هو النقطة في ظهر النواة، ومنها: [ مجاهد: حبّة النواة التي وسطها(٥). الضحّاك: يعني النواة الأبيض الذي يكون وسطها. أبو العالية: هو نقر الرجل الشيء بطرف إصبعه، كما يُنقر الدرهم وقال: سألت ابن عباس عنه فوضع طرف الإبهام على باطن السبابة ثم رفعها وقال: هذا هو النقير(٦). أمَّ يَحْدُونَ أَنَّاسَ عَلَّ مَا بَشَهِهُمُ اللهُ مِن فَضَِّدْ فَقَدْ ،ُ قَبْنَاَ ءَالَّ إِلَّهِمَ الَكِتَبَ وَكَةُ وَمَهُمـ مَّلَهُ عُبِهَ (وَ قَبْهُم ◌َّ دَامَنَ ه، وَمَهُ فى مَلَّ عَلَهُ وَاني ◌َّهَامُ سَمِيرًا (5) إِنْ أَلْدِينَ كَمُوا تَبَيْنَا. سَوْفَ تْلِهِمْ كَّ لَ أَمْتَ شْرَاهُم بَذَلْتَهُمْ خُلُوهَا خَرَهَاً لَدُوَاَ أَلْعَذَابُ إِلَتَ اللَّهَ كَنَّ غَبًا مَكِيمً (٥٠) وَزِينَءَامَنُوا وَعَمِلُوا أَلْفَبِحَتِ سَنُدَّ ◌ِيَهُمْ جَّتٍ غَيْرِى مِنْ فْهَا الْأَثْبَرُ خَبِنَّ فَاَ لْذَ لَّْ بِبَ ازَوَجُ شكوراً وَتَيِلَهُم بِيلاً عليها (9) ﴿ إِنَّ لَّهَ بَأَمَثُم ◌َن تُؤَنَّا الأَمَتِهِ إِلََّ أَهْلِهَا وَإِذَا مَكْتُم وَأَيْهِعُواْ أَُّونَ وَأُوْلِ الَّتِي مِنْكُرْ فَإِنِ آَعٌَّ فِي خَوِْ ◌َُّوهُ إِلَّ أَِّ وَالَّسُولِ إِنَّ ◌َ لْبِسُونَ بِاللَِّ وَأَزْوِ الَِّّ ◌َِّ ◌َْ وَأَخْرُ ذَرِهِ (يَ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَّ بِّحْمُونَ أَنَهُمْ ءَامَنُواْ بِمَاً أُولُ إِلَيْكَ وَمَّ أُولَ مِنْ أَذْهِفَ أَبِدُونَ أَن يَتَاكَُّواْ إِلَى الْفَعُوتِ وَقَدْ أَمِرُوَاْ أَنْ يَكْفُرُّواْ بِهِ. وَيُرِيدُ أَشْتِعَطْنُ أَنْ يُعِلْهُمْ مَلَّ بَعِيدًا (١) أسباب النزول للواحدي: ١٠٤. (٢) كلمات غير مقروءة في المخطوط. (٣) كلمات غير مقروءة في المخطوط. (٤) كلمات غير مقروءة في المخطوط. (٥) راجع زاد المسير: ٢ / ١٤٠، ولسان العرب: ٥ / ٢٢٨. (٦) راجع تفسير القرطبي: ٥ / ٢٥٠. ٣٢٩ سورة النساء، الآيات: ٥٣ - ٦٣ ] وَإِذَا قِلَ هَمْ تَعَالُواْ إِنَّ مَّا أَنزَلَ أَنَّهُ وَإِلَ أَّسُولِ رَأَنْتَ الْمُنَفِفِيُ بَصُدُّونَ عَنَاكَ شُدُودَ (١٠) تَكَّفَ إِذَا أَسَهُمِ نُصِيَّهُ بِمَا قَدَّمَتْ دِيهِمْ ثُمَّ عَدُوَكَ فِئُونَ بِأَلَّهِ إِنْ أَرَدَنَا إِلََّ إِحْسَنَا وَتَّوْفِيقًا (١٧) أَوْلَتْكَ أَِّيَتَ بِمَّلَمْ أَنَّهُ مَا إِ عُنُوبِهِمْ فَأَخْرِضْ عَنَهُمْ وَِّظْهُمْ وَقُّلْ لَهُمْ ت اليهم فرا نيها فيا ﴿أم يحسدون﴾ يعني اليهود ﴿الناس﴾: قال قتادة: يعني العرب حسدوهم على النبّة وبما أکرمهم الله تعالى به محمد أڑ . عن محمد بن كعب القرظي قال: سمعت علياً (عليه السلام) على المنبر في قوله ﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله﴾ قال: هو رسول الله وأبو بكر وعمر (عليهم السلام). وقال آخرون: المراد بالناس هنا يعني رسول الله وَلفر، حسدوه على ما أحل الله له من النساء؛ وذلك ما روى علي بن علي عن أبي حمزة الثمالي في قوله ﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله﴾ يعني بالناس في هذه الآية نبيّ الله، قالت اليهود: انظروا إلى هذا النبي، والله ما يشبع من طعام، لا والله ماله همّ إلّ النساء، لو كان نبي لشغله أمر النبوة عن النساء، فحسدوه على كثرة نسائه وعيّروه بذلك فقالوا: لو كان نبيّاً ما رغب في كثرة النساء، فأكذبهم الله تعالى فقال: ﴿فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة﴾، يعني بالحكمة النبوّة. ﴿وآتيانهم ملكاً عظيماً﴾ فأخبرهم بما كان لداود وسليمان من النساء، فوبّخهم لذلك، فأقرت اليهود لنبي الله (عليه السلام) أنّه اجتمع عند سليمان ألف امرأة، ثلثمائة مهرية وسبعمائة سرية، وعند داود مائة امرأة. فقال لهم رسول الله وَل: ألف امرأة عند رجل، ومائة امرأة عند رجل أكثر أو تسع نسوة؟ وكان يومئذ تسع نسوة عند رسول الله وَل﴿ فسكتوا(١). قال الله تعالى: ﴿فمنهم من آمن به﴾ يعني بمحمد رَّ، يعني عبدالله بن سلام وأصحابه ﴿ومنهم من صدّ عنه﴾ أعرض عنه فلم يؤمن به ﴿وكفى بجهنم سعيرا﴾ وقوداً. قال السدي: [الآيتان] راجعتان الى إبراهيم (عليه السلام)؛ وذلك أنه زرع ذات سنة وزرع الناس، فهلكت زروع الناس وزكا زرع إبراهيم، واحتاج الناس إليه، وكانوا يأتون إبراهيم (عليه السلام) يسألونه، فقال لهم: من آمن بالله أعطيته، ومن أبى منعته، فمن آمن به أتاه الزرع ومن أبى لم يعطهٍ (٢). عن عمرو بن ميمون الأودي قال: لمّا تعجل موسى (عليه السلام) إلى ربّه عزَّ وجل، مرّ (١) تفسير أبي حمزة الثمالي: ١٤٤، والدر المنثور: ٢ / ١٧٣. (٢) المصدر السابق. ٣٣٠ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي برجل غبطه لقربه من العرش، فسأل عنه، فقال: يا ربّ من هذا؟ فقيل له: لن يخبرك اسمه، وسيخبرك بعمله، كان لا يمشي بالنميمة، ولا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، وكان لا يعقّ والدیه. أبو زياد عن أنس قال: قال رسول الله وقال: ((الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب))(١) [٣٤٩]. وعن يوسف بن الحسين الرازي قال: سمعت ذا النون يقول: الحسود لا يسود. الأصمعي قال: قال سفيان المغني: إنَّ الله يقول: ((الحاسد عدوّ نعمتي غير راض بقسمتي بین عبادي». قال الثعلبي: وأنشدت لمنصور الفقيه في معناه: أتدري على من أسأت الأدب آلا قل لمن كان لي حاسداً إذا أنت لم ترضَ لي ما ذهب أسأت على الله في فعله وأن لا تنال الذي تطلب (٢) جزاؤك مـنـه الزيادات لي ﴿إنّ الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم ناراً﴾ ندخلهم ناراً، وقرأ حميد بن قيس: نصليهم بفتح النون: أي نسوّيهم، وقيل: معناه نَصليهم. فنصب ناراً على هذه القراءة بنزع الخافض تقدیره بنار. ﴿كلّما نضجت بدّلناهم جلوداً غيرها﴾ غير الجلود المحترقة. قال ابن عبّاس: يُبدّلون جلوداً بيضاً كأصناف القراطيس. نافع عن ابن عمر قال: قرأ رجل عند عمر ﴿كلّما نضجت جلودهم بدّلناهم جلوداً غيرها﴾ قال عمر: أعدها، فأعادها، قال معاذ بن جبل: عندي تفسيرها : بدّلت في ساعة مائة مرّة؟، قال عمر: هكذا سمعت رسول الله وَ ﴾ يقول. هشام عن الحسن في قوله تعالى: ﴿كلّما نضجت جلودهم بدّلناهم جلوداً غيرها﴾ قال: تأكلهم كل يوم سبعين ألف مرّة كلّما أكلتهم فأنضجتهم قيل لهم: عودوا فيعودون كما كانوا. المسيب عن الأعمش عن مجاهد قال: ما بین جلده ولحمه ودمه دود فأجلدت کجلدة حمر الوحش. الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ ر: ((غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعاً وضرسهُ مثل أُحد))(٣) [٣٥٠]. (١) سنن ابن ماجة: ٢ / ١٤٠٨ ح ٤٢١٠. (٢) روضة الواعظين للفتال النيشابوري: ٤٢٤. (٣) كنز العمال: ١٤ / ٥٢٩، والدر المنثور: ٢ / ١٧٤. ٣٣١ سورة النساء، الآيات: ٥٣ - ٦٣ فإن قيل: كيف جاز أن يعذّب جلد لم يعصه قلنا: إنّ المعاصي والألم واقع على نفس. الإنسان لا الجلد، لأن الجلود إنما تألم بالأرواح، والدليل على من يقصد تعذيب الأبدان لا يعذّب] الجلود [قوله: ﴿ليذوقوا العذاب﴾(١)، لم يقل ليذوق العذاب. وقيل: معناه: يبدّل جلوداً هي تلك الجلود المحترقة، وذلك أنّ غير على ضربين: غير تضاد، وغير تناف، وغير تبديل، فغير تضاد مثل قولك: للصّائغ صغ لي من هذا الخاتم خاتماً غيره فيكسره ويصوغ لك خاتماً، فالخاتم المصوغ هو الأول ولكن الصياغة تغيّرت والفضّة واحد. وهذا كعهدك بأخ لك صحيحاً ثم تراه بعد ذلك سقيماً مدنفاً فتقول: فكيف أنت؟ فيقول: أنا على غير ما عهدتَ، فهو هو، ولكن حالهُ تغيّرت، ونظير هذا قوله تعالى ﴿يوم تبدّل الأرض غير الأرض﴾(٢) وهي تلك الأرض بعينها إلاّ أنها قد بُدّلت جبالها وآكامها وأنهارها وأشجارها، وأنشد: ولا الدّار بالدّار التي كنت أعرف فما النّاس بالنّاس الذين عهدتهم قال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا نصير محمد بن محمد بن مزاحم يقول: سمعت مزاحم بن محمد بن شاردة الكشي يقول: سمعت جابر بن زيد يقول: سمعت وكيع بن الجراح يقول: سمعت إسرائيل يقول: سمعت الشعبي يقول: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: ألا ترى ما صنعت عائشة ذمَّت دهرها وذلك [أنها] أَنشدت بيتي لبيد: وبقيت في خلف كجلد الأجرب ذهب الذين يعاش في أكنافهم ويعاب قائلهم وإن لم يشغب(٣) يتلذذون مجانة ومذلّة فقالت: رحم الله لبيد وكيف لو أدرك زماننا هذا. فقال له ابن عباس: لئن ذمّت [عائشة] دهرها لقد ذمت عاد دهرها، وذلك إنه وجد في خزانة عاد بعدما هلكت سهم كأطول ما يكون من رماحاً عليه مكتوب: لوى الرمل من قبل النفوس (٥) معاد وليس لي أحناطي(٤) بذي اللوى إذ الناس ناس(٦) والبلاد بلاد(٧) بلاد بها كنا ونحن من أهلها (١) سورة النساء: ٥٦. (٢) سورة إبراهيم: ٤٨. (٣) تفسير الطبري: ٩ / ١٤٠، وتفسير القرطبي: ٥ / ٢٥٥، ولسان العرب: ٩ / ٨٤. (٤) كذا في المخطوط وفي المعجم: ألا هل إلى أبيات شمخ بذي اللوى. (٥) في المعجم: الممات. (٦) في المعجم: إذ الأهل أهل. (٧) معجم البلدان للحموي: ٣ / ٣٦٢. ٣٣٢ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي البلاد باقية كما هي إلاّ أن أحوالها وأحوال أهلِها تنكرت وتغيرت(١). وقالت الحكماء: كما إن الجلد يلي قبل البعث فأنشىء كذلك تبدل [ورجع]. وقال: [السدّيّ]: إنما تبدل الجلود جلوداً غيرها من لحم الكافر، يعيد الجلد لحماً ويخرج من اللحم جلداً آخر لم يبدّل بجلد لم يعمل خطيئة. وقيل: أراد بالجلود سرابيلهم من قطران سمّيت بها للزومها جلودِهم على [المجاورة] كما يقال للشيء [الخاص] بالانسان هو جلدة مابين [عضمه] ووجهه فكلما احترقت السرابيل عذّب. قال الشاعر: فويل لتيم من سرابيلها الخضر (٢) كسا اللؤم تيماً خضرة في جلودها فكنّى عن جلودهم بالسرابيل. قال عبد العزيز بن يحيى: إن الله تعالى أبدل أهل النار جلوداً لا تألم ويكون [رماده] عذاب عليهم فكلّما أُحرق جلدهم أبدلهم الله تعالى جلداً غيره. يكون هذا عذاباً عليهم كما قال: ﴿سَرَائِلُهُمْ مِنْ قَطِرَان﴾(٣) فتكون السرابيل تؤلمهم ولا بألم. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ إلى قوله ﴿ظِلاً ظَلِيلًا﴾. کثیف لا یسخنه الشمس. ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إلَى أهْلِهَا﴾. نزلت في عثمان بن طلحة الحجبي من بني عبد الدار وكان سادن الكعبة، فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح، أغلق عثمان باب البيت وصعد السطح فطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم المفتاح، فقيل: إنّه مع عثمان، فطلب منه علي (رضي الله عنه) فأجاب: لو علمت إنه رسول الله لم أمنعه المفتاح، فلوى عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) يده، فأخذ منه المفتاح وفتح الباب، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى فيه ركعتين، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح وجمع له بين السقاية والسدانة فأنزل الله تعالى هذه الآية فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً أن يردّ المفتاح إلى عثمان، فأوعز إليه ففعل ذلك علي (رضي الله عنه). فقال له عثمان: يا علي [كرهت] (٤) وآذيت ثم جئت ترفق، فقال له: بما أنزل الله تعالى في شأنك؟ وقرأ عليه هذه الآية. (١) تفسير القرطبي: ٥ / ٢٥٥. (٢) لسان العرب: ١١ / ٧٣٨ وتفسير القرطبي: ٥ / ٢٥٤. (٣) سورة إبراهيم: ٥٠. (٤) هكذا في الأصل. ٣٣٣ سورة النساء، الآيات: ٥٣ - ٦٣ فقال عثمان: أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمداً رسول الله، وأسلم، فجاء جبرائيل رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه مادام هذا البيت أول لبنة من لبناته قائمة فإن المفتاح والسدانة في أولاد عثمان وهو اليوم في أيديهم. ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمًّا﴾ أي نعم الشيء أي ﴿یَعِظُكُمْ بِهِ إنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾. اختلفوا فيهم، فقال عكرمة: أولي الأمر منكم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، ويدلّ عليه ما روى مالك بن أنس عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر (١) إن لي وزيرين في السماء ووزيرين في الأرض أما في السماء جبرئيل وميكائيل، وفي الأرض أبو بكر وعمر))(٢) [٣٥١] وهما عندي بمنزلة الرأس من الجسد ومثلهما في الدنيا بالرأفة فمثل أبي بكر كمثل ابراهيم وعيسى، قال إبراهيم: ﴿فَمَنْ تَّبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾(٣) . وقال عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾(٤) الآية. ومثل عمر كمثل موسى ونوح قال موسى: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أمْوَالِهِمْ﴾ (٥). وقال نوح: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّاراً﴾(٦). وقال أبو بكر [الورّاق]: هُم الخلفاء الراشدون: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي (عليهم السلام)، ويدلّ عليه ما روى [هشيم] عن ابن بشير عن أبي [الزبير عن] جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الخلافة بعدي في أُمتي في أربع في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي)) [٣٥٢]. وروي سعيد بن جمهان عن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما بنى رسول الله ◌َ﴿ المسجد، جاء أبو بكر بحجر فوضعه، ثم جاء عمر بحجر فوضعه، ثم جاء عثمان بحجر فوضعه فقال: هؤلاء ولاة الأمر من بعدي. (١) المستدرك: ٣ / ٧٥. (٢) الجامع الصغير: ١ / ٣٧٣ ح ٢٤٣٨ وفيه: من أهل السماء، بدل: في السماء، ومن أهل الأرض، بدل: في الأرض. (٣) سورة إبراهيم: ٣٦. (٤) سورة المائدة: ١١٨. (٥) سورة يونس: ٨٨. (٦) سورة نوح: ٢٦. ٣٣٤ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي عطاء: هم المهاجرون والأنصار والتابعون بالإحسان، دليل قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأنصَارِ﴾ الآية. بكر بن عبد الله المزني: هم أصحاب رسول الله وَ لويدلّ عليه قول النبيّ وَّر: ((أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم)) [٣٥٣](١) . وعن الحسن: إنّ رسول الله وَل قال: ((مثل أصحابي في الناس مثل الملح في الطعام فلما ذهب فسد الطعام)) [٣٥٤](٢). جابر بن عبد الله والحسن والضحاك ومجاهد والمبارك بن فضالة واسماعيل بن أبي خالد: هم الفقهاء والعلماء أهل الدين والفضل الذين يعلّمون الناس معالم دينهم ويأمرونكم بالمعروف وينهونكم عن المنكر، وأوجب الله طاعتهم على العباد. هذه رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس هو دليل هذا التأويل. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ الآية. فقال أبو الأسود الدؤلي: ليس شيء أعزّ من العلم الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك. إبن كيسان: أُولو العقل والرأي الذين [يهتمّون] بامور الناس. قال ابن عباس: أساس الدين بني على العقل وفرضت الفرائض على العقل، وربُّنا يُعرف بالعقل ويتوسل إليه بالعقل، والعاقل أقرب إلى ربه من جميع المجتهدين بغير عقل، ولمثقال ذرّة من [بر] العاقل أفضل من جهاد الجاهل ألف عام(٣). وعن إسماعيل بن عبد الملك قال: قال: [الثوري] أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء: إذا رأيت عاقلاً فكن له خادماً. ميمون بن مهران ومقاتل والسدي [والشعبي]: أمراء السرايا. [سعيد بن جبير] عن ابن عباس قال: بعث رسول الله ولو خالد بن الوليد في سرية إلى حي من أحياء العرب وكان معه عمار بن ياسر فسار خالد حتى إذا دنا من القوم عرّس لكي ينصحهم فأتاهم [النذير] وهربوا غير رجل كان قد أسلم فأمر أصحابه تهيّأوا للمسير فثم انطلق حتى اتى عسكر خالد فدخل على عمار فقال: يا أبا اليقظان إني مسلم وإن قومي لما سمعوا بكم هربوا وأقمت كلامي ونافعي ذلك أو أهرب كما هرب قومي. (١) كشف الخفاء: ١ / ١٣٢. (٢) الجامع الصغير: ٢ / ٥٣٣ ح ٨١٦ بتفاوت يسير، وكنز العمال: ١١ / ٥٣١ ح٣٢٤٧٦. (٣) راجع روضة الواعظين: ٤. ٣٣٥ سورة النساء، الآيات: ٥٣ - ٦٣ فقال: أقم فإنّ ذلك نافعك، فانصرف الرجل إلى أهله وأمرهم بالمقام، فاصبح خالد وقام على القوم فلم يجد غير ذلك الرجل فأخذه وأخذ ماله فأتاه عمار فقال: خلِّ سبيل الرجل فإنه مسلم وقد كنت آمنته وأمرته بالمقام. فقال خالد: إنك تجير عليَّ وأنا الأمير، فقال: نعم. أجير عليك وأنا الأمير، وكان في ذلك منهما كلام، فانصرفوا إلى النبي وَلرفأخبروه خبر الرجل فآمنه النبي بَّر وأجاز أمان عمار ونهاه بعد ذلك على أمير بغير إذنه. قال: فاستبّ عمار وخالد أمام النبي ◌َّ فأغلظ عمار لخالد وغضب خالد وقال: يا رسول الله اتدع هذا العبد يسبني فوالله لولا أنت ما سبّني عمار. وكان عمار مولى لهاشم بن المغيرة. فقال رسول الله وسلم: ((يا خالد كف عن عمار فإنه من يسبّ عماراً يسبّه الله ومن يبغض عماراً يبغضه الله))(١) [٣٥٥]، فقام عمار وتبعه خالد فأخذ بثوبه وسأله أن يرضى عنه فرضي عنه . وأنزل الله هذه الآية وأمر بطاعة أولي الأمر. وقال أبو هريرة وابن زيد: هم الأمراء والسلاطين لما أُمروا بأداء الأمانة في الرعيّة، لقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أنْ تُؤَدُوا الأمَانَاتِ إِلَى أهْلِهَا﴾ [أمرت الرعية] بحسن الطاعة لهم. وقال عليّ كرم الله وجهه: ((حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك حق على الرعية أن يسمعوا له ويطيعوا ويجيبوا إذا دعوا)) [٣٥٦]. قال الشافعي (رضي الله عنه): إن من كان حول مكة من العرب لم يكن يعرف أمارة وكانت تأنف أن يعطي بعضها بعضاً طاعة الأمارة، فلما دانت لرسول الله وَ ل* بالطاعة لم تكن ترى ذلك يصلح لغير رسول الله وَ لمر فأمروا أن يطيعوا أولي الأمر(٢). وقال عكرمة: أمهات الأولاد أحرار بالقرآن. قيل له: أي القرآن قال: اعتقهن عمر بن الخطاب. ألم تسمع قول الله تعالى ﴿وأولي الأمر متكم﴾ وأن عمر من أولي الأمر! وأنه قال: اعتقها ولدها وإن كان سقطاً. عبد الرحمن بن الاعرج وهمام بن منبه وأبو صالح كلهم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ◌َله: ((من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني))(٣) [٣٥٧]. (١) أسباب نزول الآيات: ١٠٦. (٢) الرسالة للشافعي: ٨٠، رقم ٢٦١. (٣) رياض الصالحين: ٣٣٨، ومسند الشاميين: ٤ / ٢٧٢، بزيادة نهاية الحديث في المصدر الثاني. ٣٣٦ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي وعن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَيقول: ((إن بني اسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء فإذا مات نبي قام نبي وانه ليس بعدي نبي)) [٣٥٨]. فقال رجل: فما يكون بعدك؟ قال يكون خلفاء [ويكثر]. قالوا: وكيف نصنع؟ قال: (([أدوا] بيعة الأول فالأول، وأدّوا إليهم مالهم فإن الله سائلهم عن الذي لكم)) (١) [٣٥٩]. علقمة بن وائل عن أبيه قال: سمعت رسول الله وَ ليه ورجل يسأله: أرايت إن كان علينا أُمراء يمنعوننا حقّنا ويسألوننا حقّهم، فقال رسول الله وَّه: ((إسمعوا وأطيعوا فإنّ عليهم ما حمّلوا وعليكم ما حمّلتم))(٢) [٣٦٠]. وعن أبي إمامة قال: سمعت رسول الله وَل يقول: في حجة الوداع: ((وهو على [الجدعاء] يعني ناقته فدعا في الركاب يتطاول)) [٣٦١]. قال: ليسمع الناس فقال: ألا تسمعون؟. يطول بها صوته . فقال قائل من طوائف الناس: ما تعهد إلينا يا رسول الله؟ فقال: ((إعبدوا ربكم وصلّوا خَمْسكم وصوموا شهركم وأدّوا زكاة أموالكم وأطيعوا أُولي الأمر تدخلوا جنة ربكم))(٣) [٣٦٢]. مكحول عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله وسلم: ((يا معاذ أطع كل أمير وصل خلف كل إمام ولا تسبّنّ أحداً من أصحابي)) [٣٦٣]. هشام عن أبي صالح عن أبي هريرة أنّ رسول الله وَّ قال: ((سيليكم بعدي ولاة فيليكم البر بيرّه والفاجر بفجوره فاسمعوا لهم وأطيعوا في كلّ ما وافق الحقّ وصلّوا وراءهم فإن أحسنوا فلكم ولهم وإن أساءوا فلكم وعليهم)) (٤) [٣٦٤]. ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ اختلفتم ﴿فِي شَيْءٍ﴾ من أمر دينكم اختلاف الآراء فيتعاطى كلّ واحد مايرى خلاف رأي صاحبه وأصله من النزع كان المتنازعين يتحازبان ويتحالفان، ومنه قال: مناوأة: منازعة. قال الأعشى : (٥) وقهوة مرّة راووقها خضل نازعتم قضب الريحان متكئاً ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ﴾ يعني إلى كتاب الله والرسول مادام حيّاً، فإذا مات فإلى سنّته، وقوله: (١) صحيح ابن حبّان: ١٠ / ٤١٩. (٣) كنز العمال: ٥ / ٢٩٤، بتفاوت يسير. (٢) نظرات في الكتب الخالدة: ٩٥. (٤) المعجم الأوسط: ٦ / ٢٣٧. (٥) تفسير القرطبي: ٥ / ٢٦١، والراووق: المصفّاة. ٣٣٧ سورة النساء، الآيات: ٥٣ - ٦٣ ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أي ذلك الردّ خير لكم ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ جزاء وعاقبة، والتأويل ما يؤول للأمر. أبو المليح الهذلي عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله وَالقول: ((إعملوا بالقرآن، أحلّوا حلاله وحرّموا حرامه وآمنوا به ولا تكفروا بشيء منه، وما اشتبه عليكم، فردّوه إلى الله وإلى أولي العلم من بعدي كيما يخبروكم، وآمنوا به وآمنوا بالتوراة والانجيل والزبور وما أنزل إليكم من ربكم وليسعكم القرآن وما فيه من البيان فإنّه شافع مشفّع وكامل مصدّق وله بكلّ حرف نور يوم القيامة))(١) [٣٦٥]. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ الآية. قال الحسن: انطلق رجل يحاكم آخر إلى النبي وقالله فقال: الآخر لابل إنطلق إلى وثن بيت فلان [فأنزل] الله هذه الآية .. قال الشعبي: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة فقال اليهودي: أحاكمك إلى محمّد، وقال المنافق: لا، فجعل اليهودي يدعو إلى المسلمين لأنّه علم أنهم لا يقبلون الرشوة ولا يجورون في الحكم، وجعل المنافق يدعو إلى اليهود لأنّه علم أنّهم يقبلون الرشوة ويميلون في الحكم فاختلفا. ثم اتّفقا على أن يأتيا كاهناً في جهينة فيتحاكما إليه فأنزل الله تعالى هذه الآية. الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزلت في رجل من المنافقين يقال له بسر، كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال: إنطلق بنا إلى محمّد وقال المنافق بل إلى كعب بن الأشرف، وهو الذي سماه الله الطاغوت، فأبى اليهودي أن يخاصمه إلاّ إلى رسول الله وسل﴾ فلما رأى المنافق ذلك أتى معه رسول الله ﴿ فاختصما إليه، فقضى رسول الله وَلقول لليهودي فلما خرجا من عنده لزمه المنافق، وقال: انطلق بنا إلى عمر (رضي الله عنه) فأقبلا إلى عمر، فقال اليهودي: اختصمت أنا وهذا إلى محمّد فقضى لي عليه فلم يرضَ بقضائه وزعم أنه يخاصم إليكم وأنه تعلق بي فجئت معه فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم. فقال لهما: رويدكما حتى أخرج إليكما فدخل عمر البيت وأخذ السيف ثم خرج إليهما فضرب به المنافق حتى برد وقال. هكذا أقضي بين من لم يرضَ بقضاء الله وقضاء رسول الله وَيّ وهرب اليهودي ونزلت هذه الآية. وقال جبريل: إن عمر فرق بين الحق والباطل فسمي الفاروق. وقال السدي: كان ناس من اليهود أسلموا وأبى بعضهم وكانت قريضة والنضير في الجاهلية إذا قتل رجل من بني قريضة رجلاً من بني النضير قتل به وأخذ ديته مائة وسق تمر وإذا (١) تفسير الثعالبي: ١ / ١٧٧، والمستدرك: ١ / ٥٦٨. ٣٣٨ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي قتل رجل من بني النضير رجلاً من قريضة لم يقتل به وأعطى ديته ستّين وسقاً من تمر وكانت النضير وهم حلفاء الأوس أكثر وأشرف من قريضة وهم حلفاء الخزرج. فلما جاء الله بالإسلام وهاجر النبي ◌َّه إلى المدينة. قتل رجل من بني النضير رجلاً من قريضة فاختصموا في ذلك. فقالت بنو النضير: قد كنا وأنتم اصطلحنا في الجاهلية على أن نقتل منكم ولا تقتلون منا، وعلى أن ديتكم ستون وسقاً والوسق ستون صاعاً وديتنا مئة وسق فنحن نعطيكم ذلك. وقالت الخزرج: هذا شيء كنتم قلتموه (١) في الجاهلية لأنكم كثرتم وقللنا، فقهر تمونا ونحن وأنتم اليوم إخوة وديننا ودينكم واحد وليس لكم علينا فضل، وقالت بنو النضير: لا بل نحن على ما كنا . فقال المنافقون منهم: انطلقوا إلى أبي بردة الكاهن الأسلمي ومالك بن خزيمة، وقال المسلمون من الفريقين: لا بل إلى النبي ◌َّار، فأبى المنافقون فانطلقوا إلى أبي بردة ليحكم بینھم. فقال: أعظموا اللقمة. يعني الرشوة . فقالوا: لك عشرة أوسق قال: لا . بل مائة وسق ديتي فاني أخاف إن نصرت النضيري قتلتني قريظة أو أنصر قريظة قتلتني النضير، فأبوا أن يعطوه فوق عشرة أوسق وأبى أن يحكم بينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية وأنزل قوله: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى﴾ (٢) وقوله ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾(٣) الآية فدعا النبي ◌َّي كاهن] اسلم [ إلى الإسلام فأتى وانصرف فقال النبي وَله: لإبنيه: ((أدركا أباكما فإنّه إن جاوز عقبة كذا لم يسلم أبداً)) [٣٦٦] فأدركاه فلم يزالا به حتى انصرف وأسلم، فأمر النبي وَلـ منادياً ينادي ذلك الكاهن أسلم قد أسلم(٤)، فذلك قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ يعني الصنم، وقيل: الكاهن، وقيل: كعب بن الأشرف، وقيل: حيي بن أخطب. ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ إعراضاً فكل الفعل بمصدره كقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ وقوله: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ يعني فكيف يصنعون إذا أصابتهم مصيبة ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ يعني عقوبة صدودهم، هذا وعيد وتهديد وتم الكلام. ثم أبتدأ الخبر عن فعلهم يعني يتحاكمون إلى الطاغوت وهم یکفرون بالله ومعنى قوله ﴿ثمّ جاءوك﴾ أي یحیوك. (١) في المصدر: فعلتموه. (٣) سورة المائدة: ٤٥. (٤) أسباب النزول للواحدي: ١٠٩. (٢) سورة البقرة: ١٧٨. ٣٣٩ سورة النساء، الآيات: ٦٤ - ٧٣ وقيل: أراد بالمصيبة قتل صاحبهم وذلك أنّ عمر (رضي الله عنه) لما قتل المنافق جاءوا قومه يطلبون الدية ويحلفون ((إن أردنا)) ما أردنا بكون إن بمعنى إذ وبمعنى ما، أي ما أردنا بالترافع إلى عمر. ﴿إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً﴾ . قال الكلبي: إلاّ إحساناً في القول وتوفيقاً صواباً . ابن كيسان: حقاً وعدلاً نظيرها ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إلَّ الحُسْنَى﴾ ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من النفاق ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظُهُمْ﴾ في الملأ ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغاً﴾ وقيل: فأعرض عنهم وعظهم باللسان ولاتعاقبهم، وقيل: توعّدهم بالقتل إن لم يتوبوا من الشرك أعرض عنهم وعظهم يعني في الملأ. ﴿وَقُلْ لَهُمْ ... قَوْلا بَلِيغاً﴾ في السر والملأ، وقيل: هذا منسوخ بآية القتال. وَمَّا أَزْعَظْنَا مِن ◌َّسُولٍ إِلَّ يُّعَطَاءُ بِإِذْكَ اللَهِّ وَأَوْ أَنَّهُمْ إِ، مُظْلَمُوَاْ أَنْسُهُمْ مَحَلَمُوَ وَأَسْتَغْفَرُواْ أَلَهُ وَأَسْتَغْفَهُ لَهُهُ أَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهُ نًَا زَّحِهًا (١) وَّ وَرَيْكُ لَّا يُؤْمِنَّوَتَ عَنَّى مُحَكُِّكَ فِمَا شَخَرَّ ◌َنَهُمُ لُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيَ أَنَّهُبِهِمْ حَرَّمَاً مِنَّا تَسَبْتَ وَيَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا (٥) وَلَوْ أَ كَبَّنَا عَلَيْهِمْ أَوْ أَقْتُلُواْ أَمُسَكُمْ أَوْ أَخُسُواْ مِنْ وِيَرَّكُمْ نَّا حَدُوَهُ إِلَّا قَلِلٌ بِتَهُمْ وَلَوْ أَنَهُمْ فَمَلُوَأَ مَا ◌ُعَذُونَ مِ. لَكَانَ خَيْرًّاً لَهُمْ وَأَخَذُ نَبِتَ إِذَ وَإِنَّا لَأَ نَبْتَهُم بِ أَدْنَاَ أَبْرًاً غَيَظِيمًا (َ وَلَهَدَيْتَهُمْ سِعَطَا مُسْتَقِهَا (٣٧)﴾ وَمَنْ يُعِعِ اللَّهَ وَالنَّسُولَ دَأُوْلَهَكَ مَعَ الَّذِينَ أَهْمَ اللَّهُ عَلَّهِمِ مِنَ النَّبْسَنَ وَالسَّذِيفِىُّ وَاَللََّدَاً. والخَاِنْ وَعَدُقَ أَبِكَ رَفِقَا فَهَ ذَإِنَ الْنَضْلُ مِنَ أَنَّهِ وَكَلَىَّ بِأَنَّهِ عَلِمَا لَ بَيْهَ اَلَّيَّ ءَامَنَّوَأَ خُذُواْ جِذْرَكُمْ وَأَنْفِرُواْ تَبَّاتٍ أَوْ أَنْفِرُواْ جِعًا (إِنَ وَإِنّ ◌ِنَكُرٍ فَمَنْ أَنْطَفَةٌ وَإِنْ أَسْتَتَكْ تُصِيبَةٌ ذَلَ قَدْ أَهُمَّ أَنَّهُ عَلَّ إِذَ كر أكن تَعَهُمْ شَبِدًا (أَ وَلَبِنْ أَسْتَكُمْ فَضْلُ مِنَّ أَلَهِ لَقُولَةٌ كَأَنْ أَوْ تَكْرَا يَكُمْ وَبَعُ مَوَذَةٌ يَتَفِي كُنْتُّ مَعَهُمْ فَأَفُوَزْ فَوْزًا عَظِمَا لِمَ ﴿وَمَا أرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ بالتحاكم إلى الطاغوت ﴿جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ . روى الصادق عن علي (عليهما السلام) قال: قدم علينا أمرؤ عندما دفنًا رسول الله وَله ثلاثة أيام فرمى بنفسه على قبر النبي عليه الصلاة والسلام وحثا على رأسه من ترابه وقال: يا رسول الله قلت فسمعنا قولك ووعيت من الله فوعينا عنك وكان فيما أنزل الله عليك ﴿وَلَوْ أنَّهُمْ إذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ فقد ظلمت نفسي فجئتك لتستغفر لي فنودي من القبر أنه قد غفر لك(١). (١) كنز العمال: ٢ / ٣٨٦، ح ٤٣٢٢، وتفسير القرطبي: ٥ / ٢٦٥. ٣٤٠ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ الآية. نزلت في الزبير بن العوام وخصمه، واختلف في اسمه، فقال الصالحي: ثعلبة بن الحاطب، وقال الآخرون: حاطب بن أبي بلتعة وذلك أنهما اختصما إلى رسول الله وَّل في شراج من الخزة كانا يستقيان به النخل فقال وتلقى: إسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك، فغضب الرجل، فقال: يا رسول الله أكان ابن عمتك؟ فتغيّر وجه رسول الله وَل﴿ أرسل يازبير ثم احبَسْ الماء حتى ترجع الجدد فاستوف حقك ثم أرسل إلى جارك. وكان رسول الله له أشار إلى الزبير بالسقي له ولخصمه فلما احفظ رسول الله وكل استوعب الزبير حقه في صريح الحكم. ثم خرجا فمرّا على المقداد، فقال: لمن كان القضاء بالسقاية؟ فقال: قضى لابن عمته، ولوى شِدْقَه. ففطن به يهودي كان مع المقداد، فقال: قاتل الله فلولا يشهدون أنه رسول الله ثم يتهمونه كانوا أقضى منهم، وأيمُ الله لقد أذنبنا ذنباً مرة واحدة في حياة موسى (عليه السلام) فدعانا موسى إلى التوبة منه، وقال: فاقتلوا أنفسكم ففعلنا مع ذلك فقتلنا سبعين ألفاً في طاعة ربنا حتى رضي عنا . فقال ثابت بن قيس بن شماس: أما والله إن الله ليعلم مني الصدق لو أمرني محمد أن أقتل نفسي لفعلت، فأنزل الله تعالى في شأن حاطب ابن أبي بلتعة، وليِّهِ شِدْقِه ﴿فلا وربك لا يؤمنون﴾ الآية. وقال مجاهد والشعبي: نزلت في قصة بشر المنافق واليهودي اللذين اختصما إلى عمر (رضي الله عنه) وقد مضت القصة. قوله ﴿فلا﴾ يعني ليس الأمر كما يزعمون انهم مؤمنون ثم لا يرضون بحكمك ويصدون عنك ثم استأنف القسم فقال ﴿وربك لا يؤمنون﴾ ويجوز أن يكون لأصله كقولهم وهم ممن يحكموك أي يجعلوك حكماً ﴿فيما شجر بينهم﴾ أي اختلف واختلط من أمورهم والتبس عليهم حكمه، ومنه الشجر لا ختلاف أعضائه وقل يعطي الهودج شجار لتداخل بعضها في بعض. قال الشاعر: نفسي فداؤك والرماح شواهر والقوم في ضنك للقاء قيام(١) ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أنفُسِهِمْ حَرَجاً﴾ أي ضيقاً وشكاً ﴿مِمَّا قَضَيْتَ﴾ ومنه قيل الشجر الملتف الذي لا یکاد یوصل إليه حرج وحرجة وجمعها حراج. (١) راجع تفسير القرطبي: ٥ / ٢٦٩.