النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
سورة النساء، الآيات: ٢٩ - ٣٦
وقرأ أهل الكوفة: عقدت خفيفة بغير ألف أراد عقدت لهم ﴿أَيمانكم﴾ وقرأت أم سعد
بنت سعد بن الربيع: (عقّدت) بالتشديد يعني وثقته وأكدته، والأيمان جمع يمين من اليد
والقسم، وذلك أنهم كانوا يضربون صفقة البيعة بأيمانهم، فيأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء
والتمسك بالعهد ويتحالفون عليه، فلذلك ذكر الأيمان.
قتادة وغيره: أراد بالذين عاقدت إيمانكم الحلفاء، وذلك أن الرجل في الجاهلية كان
يعاقد الرجل فيقول: دمي دمُك وهدمي هدمك وثاري ثارك وحربي وحربك وسلمي وسلمك
وترثني وارثك وتطلب لي وأطلب لك وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من
ميراث الحليف، وعاقد أبو بكر مولى له فورثه لذلك قوله: ﴿فآتوهم نصيبهم﴾ أي وأعطوهم
حظهم من الميراث، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب
الله﴾(١).
وقال إبراهيم ومجاهد: أراد فآتوهم نصيبهم من النصر والعقل والرفد، ولا ميراث، وعلى
هذا القول تكون الآية غير منسوخة لقوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾(٢)، ولقول رسول الله وكلين :
((أوفوا للحلفاء بعهودهم التي عقدت أيمانكم)) [٣٠٣].
ولقوله (عليه السلام) في خطبته يوم فتح مكة: ((ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به
فإنه لم يزده الإسلام إلّ شدة ولا تحدثوا حلفا في الإسلام))(٣) [٣٠٤].
وروى عبد الرحمن بن عوف، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((شهدت حلف
المطيبين وأنا غلام مع عمومتي، فما أحب أن لي حمر النعم وإنّي أنكثه)) (٤) [٣٠٥]، وقال ابن
عباس وابن زيد: نزلت هذه الآية في الذين آخى بينهم رسول الله وَلّ، من المهاجرين والأنصار
حين أتوا إلى المدينة، وكانوا يتوارثون تلك المؤاخاة، ثم نسخ الله ذلك بالفرائض.
وقال سعيد بن المسيّب: نزلت في الذين كانوا يتبنّون أبناء غيرهم في الجاهلية، ومنهم زيد
مولى رسول الله وَله، فأمروا في الإسلام [أن] يوصوا إليهم عند الموت بوصية، وردّ الميراث
إلى ذوي الرحم، وأبى الله أن يجعله يجعل للمدّعى ميراثاً ممّن ادّعاهم وتبنّاهم، ولكن جعل
الله لهم نصيباً في الوصية، فذلك قوله: ﴿فآتوهم نصيبهم﴾.
﴿إنّ الله على كلِّ شيء شهيد﴾ وقال أبو روق: نزل قوله: ﴿ولكلّ جعلنا موالي﴾. الآية.
(١) سورة الأنفال: ٧٥.
(٢) سورة المائدة: ١.
(٣) مسند أحمد: ٥ / ٦١، سنن الترمذي: ٣ / ٧٣، ح ١٦٣٤.
(٤) مسند أحمد: ١ / ١٩٠.

٣٠٢
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
في أبي بكر الصديق، وابنه عبد الرحمن، وكان كافراً، أن لا ينفعه ولا يورثه شيئاً من ماله، فلمّا
أسلم عبد الرحمن أُمر أن يؤتى نصيبه من المال.
﴿الرجال قوّامون على النساء﴾. الآية. قال مقاتل: نزلت هذه الآية في سعيد بن الربيع بن
عمرو . وكان من النقباء . وفي امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير - وهما من الأنصار. وذلك أنها
نشزت فلطمها، فانطلق أبوها معها إلى النبي و 8، فقال: أفرشته كريمتي ولطمها، فقال
النبيِ وَّرُ: (لتقتصَّ من زوجها))، فانصرفت مع أبيها لتقتصّ منه، فقال النبي ◌َّ: ((ليرجعوا، هذا
جبرئيل))، وأُنزلت هذه الآية، وقال النبي ◌ِّلي: ((أردنا أمراً وأراد الله أمراً، فالذي أراد الله
خير)) (١) [٣٠٦]، ورُفع القصاص.
وقال الكلبي: نزلت في أسعد بن الربيع وامرأته بنت محمد بن مسلم، وذكر نحوها أبو
روق: نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي، وفي زوجها ثابت بن قيس بن شماس، وذلك أنّها
نشزت عليه فلطمها، فأتت النبي وهي تستعدي، فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿الرجال قوّامون على
النساء﴾ أي مسلّطون على تأديب النساء ﴿بما فضّل الله بعضهم على بعض﴾ فليس بين الرجل
وامرأته قصاص فيما دون النفس، فلو شجّ رجل امرأته، أو جرحها لم يكن عليه قود، وكان عليه
العقل إلاّ التي يقتلها فيُقتل بها، قاله الزهري وجماعة من العلماء، وقال بعضهم: ليس بين
الزوج والمرأة قصاص إلاّ في النفس والجرح.
والقوّامون: البالغون في القيام عليهن بتعليمهنّ وتأديبهنّ وإصلاح أمرهنّ ﴿بما فضّل الله
بعضهم على بعض﴾ قيل: بزيادة العقل، وقيل: بزيادة الدّين واليقين، وقيل: بقوة العبادة،
وقيل: بالشهادة، قال الله: ﴿فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾، قال القرظي: بالتصرّف
والتجارات، وقيل: بالجهاد، قال الله: ﴿انفروا خفافاً وثقالا﴾(٢)، وقال للنساء: ﴿وقرْن في
بيوتكن﴾(٣)، الربيع: الجمعة والجماعات، قال الحسن: بالإنفاق عليهنّ، قال الله تعالى:
﴿وبما أنفقوا من أموالهم﴾ .
وقال بعضهم: يمكن للرجل أن ينكح أربع نسوة، ولا يحلّ للمرأة غير زوج واحد، وقيل:
هو إنّ الطلاق إلى الرجال وليس إليهنّ منه شيء، وقيل: بالدّية، وقيل: بالنبوّة، وقيل: الخلافة
والإمارة، إسماعيل بن عياش [.
.] (٤) عن بعض أشياخه رفعه قال: قال رسول
الله وسلم: ((المرأة مسكينة ما لم يكن لها زوج)).
(١) تفسير القرطبي: ٥ / ١٦٨ بتفاوت.
(٢) سورة التوبة: ٤١ .
(٣) سورة الأحزاب: ٣٣.
(٤) كلمة غير مقروءة.

٣٠٣
سورة النساء، الآيات: ٢٩ - ٣٦
فقيل: يا رسول الله، وإن كان لها مال؟ قال: ((وإن كان لها مال، الرجال قوّامون على
النساء)) [٣٠٧].
سعيد [عن أبي سعيد المقبري](١) عن أبي هريرة قال: قال رسول اللـه وَلي: ((خير النساء
امرأة إن نظرت إليها سرّتك، وإن أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالها ونفسها، ثم
تلا ◌َ لي: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾))(٢) [٣٠٨].
﴿فالصالحات قانتات﴾ مطيعات ﴿حافظات للغيب﴾ يعني لغيب أزواجهنّ إذا غابوا،
وقيل: سرّهم ﴿بما حفظ الله﴾ أي بحفظ الله لهنّ، وقرأ أبو جعفر بفتح الهاء، ومعناه: بحفظ
من الله في الطاعة، وهذا كقوله عليه السلام: ((احفظ الله يحفظك)) (٣)، و﴿ما﴾ على القراءتين
[مصدريّة](٤)، كقوله: ﴿بما غفر لي ربّيٍ﴾(٥)، أي يغفر لي ربّي.
﴿واللاتي تخافون نشوزهنّ﴾ عصيانهن، وأصله من الحركة ﴿فعظوهنّ﴾، فإنْ نزعن عن
ذلك وإلاّ ﴿واهجروهن في المضاجع﴾، وقيل: ولّوهنّ ظهوركم في المضاجع، فإن نزعن وإلاّ
﴿واضربوهنّ﴾ ضرباً غير مبرح ولا شائن.
ابن أبي ليلى عن داود بن علي عن أبيه عن جده عن النبي وَ ◌ّ قال: ((علّق السوط حيث
يراه أهل البيت))(٦) [٣٠٩]. هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر قالت: كنت رابعة
أربع نسوة عند الزبير بن العوام، فإذا غضب على إحدانا ضربها بعود المشجب حتى يكسره
عليها .
﴿فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلا﴾ أي لا [تطلبوا] عليهنّ بالذنوب، قال ابن عينه: لا
تكلفوهن الحبّ.
﴿إنّ الله كان عليّاً كبيراً * وإن خفتم شقاق بينهما﴾ أي خلافاً بين الزوجين، ﴿فابعثوا
حكماً من أهله وحكماً من أهلها﴾ يتوسطون، ﴿إِن يُريدا اصلاحاً﴾ يعني الزوجين وقيل:
الحكمين، ﴿يوفق الله بينهما﴾ بالصلاح والإلفة، ﴿إنّ الله كان عليماً خبيراً﴾.
وعن عبيدة السلماني قال: جاء رجل وامرأة علياً (عليه السلام)، مع كل واحد منهما قيام
من النّاس، فقال عليٍّ: ((ما شأن هذين؟)). قالوا: وقع بينهما شقاق. قال عليٍّ: ﴿فابعثوا حكماً
(١) زيادة عن تفسير الطبري: ٥ / ٨٦، والمخطوط ممسوح.
(٢) كنز العمال: ١٦ / ٢٨٢ ح ٤٤٤٧٧.
(٣) مسند أحمد: ١ / ٢٩٣.
(٤) في المخطوط : مصدر.
(٥) سورة يس: ٢٧.
(٦) كنز العمال: ١٦ / ٣٧١ ح ٤٤٩٤٦.

٣٠٤
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
من أهله وحكماً من أهلها﴾. قال: فبعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها، فقال عليّ
للحكمين: «هل تدريان ما عليكما؟ إنّ عليكما إنْ رأيتما أن يُجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن يُفرّقا
فرقتما))، قالت المرأة: رضيت بكتاب الله بما عليّ فيه ولي، فقال الرجل: أمّا الفرقة فلا، قال
عليٌّ: ((كذبت والله، لا تنقلب منّي حتى تقرّ بما أقرّت به))(١).
﴿واعبدوا الله﴾ وحّدوا الله وأطيعوه، قالت الحكماء: العبودية ترك العصيان، وملازمة
الذلّ والانكسار، وقيل: العبودية أربعة أشياء: الوفاء بالعهود، والحفظ للحدود، والرّضا
بالموجود، والصبر على المفقود.
﴿ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً﴾ برّاً بهما وعطفاً عليهما. وقرأ ابن جني:
(إحسانٌ) بالرفع، أي وجب الإحسان بهما، ﴿وبذي القربى واليتامى والمساكين﴾ عن أبي هريرة
أن رجلا شكا إلى النبي وَ﴿ قسوة قلبه، فقال: ((إن أردت أن يلين قلبك فاطعم المسكين، وامسح
رأس اليتيم وأطعمه))(٢) [٣١٠].
﴿والجار ذي القربى﴾: قرأ العامة بالخفض عطفاً على الكلام الأول، وقرأ ابن أبي عبلة:
﴿والجار﴾ وما يليه نصباً. و ﴿الجار ذي القربى﴾ ذو القرابة ﴿والجار الجُنب﴾ البعيد الذي بينك
وبينه قرابة، وقال الضحاك: هو الغريب من قوم آخرين، وقرأ الأعمش والفضل: (والجار
الجنب) بفتح الجيم وسكون النون، وهما لغتان: رجل جَنْب وجُنُب وجانب وأجنب وأجنبيّ،
إذا لم يكن قريباً، وجمعها أجانب، وقال الآعشى:
أتيت حريثاً زائراً عن جنابة فكان حريث في عطائي جامدا(٣)
أي عن غربة من غير قربة، ومنه يقال: اجتنب فلان فلاناً، إذا بعد منه، ومنه قيل
للمجنب: جنب لاعتزاله الصّلاة، وبُعده من المسجد حتى يغتسل، وقال نوف البكالي: الجار
الجُنب هو الكافر، ﴿والصاحب بالجنب﴾ يعني الرفيق في السفر، قال ابن عباس ومجاهد وأبو
جعفر وعكرمة وقتادة، عن سعيد بن معروف بن رافع، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رسول
الله وَله: ((التمسوا الجار قبل الدار، والرفيق قبل الطريق)) (٤) [٣١١].
وقال بعضهم: الجار الجُنب هو الجار اللاصق داره بدارك، فهو إلى جنبك، وقال علي
وعبد الله وابن أبي ليلى والنخعي: هو المرأة تكون معه إلى جنبه. ابن زيد وابن جريح: هو
(١) تفسير الطبري: ٥ / ١٠١.
(٢) الجامع الصغير: ١ / ٤٠٧.
تفسير الطبري: ٥ / ١١٣ .
(٣)
(٤) كنز العمال: ١٥ / ٣٨٨ ح ٤١٤٩٥.

..-
٣٠٥
سورة النساء، الآيات: ٢٩ - ٣٦
الذي يلزمك ويصحبك رجاء برّك ورفدك. وقال ابن عباس: إنّي لاستحي أن يطأ الرجل بساطي
ثلاث مرات لا يُرى عليه أثر من برّي. وقال المهلّب: إذا غدا عليكم الرجل وراح، فكفى به
مسألة وتذكرة بنفسه. وقد قال النبي ◌َّله: ((إنّ خير الأصحاب عند الله عز وجلّ خيرهم لصاحبه،
خير الجيران عند الله خيرهم لجاره))(١) [٣١٢].
عثمان بن عطا، عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلجر: ((ليس بمؤمن من لا
يؤمن جاره بوائقه، فأيّما رجل أغلق أبوابه دون جاره، فخافه على أهله وماله فليس ذلك
بمؤمن)). قالوا: يا رسول الله، وما حق الجار؟ قال: ((إن دعاك أجبته، وإن أصابته فاقة عُدت
عليه، وإن استقرضك أقرضته، وإن أصابه خير هنأته، وإن مرض عُدته، وإن أصابه مصيبة
عزّيته، وإن توفي شهدت جنازته، ولا تستعلُ عليه بالبنيان لتحجب عنه الريح إلاّ بإذنه، ولا تؤذه
بقتار(٢) قِدرك إلاّ أن يُغرف له منها، وإن ابتعت فاكهة فأهدٍ له منها، وإن لم تفعل فأدخلها سرّاً،
ولا يخرج ولدك منها فيغيظ ولده)).
ثم قال ◌َّ: ((الجيران ثلاثة: فمنهم من له ثلاثة حقوق، ومنهم من له حقّان، ومنهم من له
حق واحد؛ فأما صاحب الثلاثة الحقوق: فالمسلم الجار ذو الرحم، له حق الإسلام وحق
الجوار وحق الرحم، وأمّا صاحب الحقّين: فالمسلم الجار له حق الإسلام وحق الجار، وأمّا
صاحب الحق الواحد، فالمشرك الجار، له حق الجوار، وإن كان مشركاً))(٣) [٣١٣].
أبو هشام القطان، عن أنس قال: قال رسول الله وَلجه: ((من آذى جاره فقد آذاني، ومن
آذاني فقد آذى الله، ومن حارب جاره فقد حاربني، ومن حاربني فقد حارب الله عزّ وجلّ))(٤)
[٣١٤].
﴿وابن السبيل وما ملكت أيمانكم﴾ يعني المماليك، عن أبي أمامة أن رسول الله بَّر دفع
إلى أبي ذّر غلاماً، فقال: ((يا أبا ذّر أطعمه مما تأكل واكسُه مما تلبس))، قال: لم يكن له سوى
ثوب واحد فجعله نصفين، فراحَ إلى نبي الله وَ لّر، فقال: ((ما شأن ثوبك هذا؟))، فقال: إن الفتى
الذي دفعته إليّ أمرتني أن أطعمه مما آكل واكسوه مما ألبس، وإنه لم يكن معي إلّ هذا الثوب
فناصفته، فقال رسول الله وَلجر: ((أُشير عليك بأن تعتقه))، ثم قال رسول الله: ((ما فعل فتاك؟))
قال: ليس لي فتّى فقد أعتقته، قال: ((آجرك الله يا أبا ذر))(٥) [٣١٥].
(١) الجامع الصغير: ١ / ٦١٧ ح ٣٩٩٨.
(٢) القتار: رائحة القدر. النهاية في غريب الحديث والأثر ٤: ١٢ . قتر.
(٣) كنز العمال: ٩ / ١٨٥ ح٢٥٦١٣ بتفاوت، وتفسير القرطبي: ٥ /١٨٤.
(٤) كنز العمال: ٩ / ٥٦ ح ٢٤٩٢٧.
(٥) مجمع الزوائد: ٤ / ٢٣٧ بتفاوت.

٣٠٦
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
الأعمش عن عتيق عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلقر: ((الغنم بركة، والإبل عزّ
لأهلها، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، والعبد أخوك فإن عجز فأعنه))(١).
وعن عليٍّ (رضي الله عنه) قال: ((كان آخر كلام رسول إله صلى الله عليه وسلم الصلاة
واتقوا الله فيما ملكت أيمانكم))(٢) [٣١٦].
﴿إنّ الله لا يحبُّ من كان مختالا فخوراً﴾ .
الَّذِينَ يَسْكَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسََ بِلْمُظْلِ وَيَكْتُونَ مََّ، تَنَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَتْسِهُ، وَأَعْتَدْنَا
لِلْكَفِرْنَ عَذَاً لَهِيْئًا فِيَهَ) وَالَّذِنَ بُنِقُونَ أَنْوَّلَهُمْ رِفَهَ اَلنَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُوتَ إِلَّهِ وَلَا الْتَوْمِ الآخِرُ.
وَمِنْ بَّكُِّ اَلَّيْطَنُ لَمُ قَرِيَا قَ فَرِيبًا (٢٤) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ تَّوْ ءَامَنُواْ بَّهِ وَاَلْيَوْمِ اَلَمِ وَأَنْفَقُّوْ مِنَّا رَزَّفَمُ
أَنَّهُ {كَانَ أَّهُ مم ءٌ قَلِيقًا (٣٧) إِنَّ أَنَّهُ لَا يَلِمُ مِنْقَالَ دَرَّةٌ وَإِنْ نَهُ عَلَهُ مُحَدِلُهَا وَلَّأْتِ مِنْ قَدَهُ
أْ عَبِيهَا (٥) فَكَتَ إذَا بجً من كلِّ أَتَّ بِشَهِيدٍ وَجِلنَا بِكَ عَنْ هَؤلاً، شَهِيدَ (5)) يزيد
تَوَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَّواْ الرَّسُولَ لَ نَوَِّ مِمُ الْأَرْضُّ وَلَا يَخْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (َ).
﴿الذين﴾ في محل النصب ردّاً على ﴿من﴾ وقيل: (المختال الفخور)، ﴿يبخلون﴾ البخل
في كلام العرب: منع الرجل سائله ما لديه من فضل عنه، وفي الشرع: منع الواجب، وفيه أربع
لغات: البخل . بفتح الباء والخاء . وهي قراءة أنس بن مالك وعبيد بن عمير ويحيى بن يعمر
ومجاهد وحمزة والكسائي وخلف والمفضل ولغة الأنصار. والبَخْل . بفتح الباء وسكون الخاء .
وهي قراءة قتادة وعبد الله بن سراقة، وأيّوب السجستاني، والبُخُل ـ بضم الباء والخاء. وهي
قراءة عيسى بن عمرو. والبُخْل ـ بضم الباء وجزم الخاء. وهي قراءة الباقين، واختيار أبي عبيد
وأبي مسلم لأنها اللغة العالية، وفي الحديد مثله. وكلَّها لغات، ونظيره في الكلام: (أرض
جَرز، وُجُرُز، وُجُرْز).
واختلف العلماء في نزول الآية ومعناها، فقال أكثرهم: نزلت في اليهود؛ كتموا صفة
محمد وَلٍ، ولم يبيّنوها للنّاس، وهم يجدونها مكتوبة عندهم في التوراة. يمان عن أشعث عن
جعفر عن سعيد بن جبير: ﴿الذين يبخلون ويأمرون النّاس بالبخل﴾، قال هذا في العلم ليس
للدنيا منه شيء.
قال ابن عباس وابن زيد: نزلت في كردم بن زيد وأسامة بن حبيب ونافع بن أبي نافع
ويحيى بن يعمر وحيي بن أخطب ورفاعة بن زيد بن التابوت، كانوا يأتون رجالا من الأنصار
(١) كنز العمال: ١٢ / ٣٢٥ ح ٣٥٢٢٨ بتفاوت يسير.
(٢) كنز العمال: ٨/ ٦ ح ٢١٦٢٥.

٣٠٧
سورة النساء، الآيات: ٣٧ - ٤٢
ويخالطونهم وينصحونهم، فيقولون لهم لا تنفقوا أموالكم؛ فإنّا نخشى عليكم الفقر، ولا ندري
ما يكون، فأنزل الله عزّ وجلّ ﴿الذين يبخلون﴾ إلى قوله: ﴿من فضله﴾ يعني المال.
وقال يمان: يعني يبخلون بالصدقة. الفضل بن فضالة، عن أبي رجاء قال: خرج علينا
عمران بن حصين في مطرف من خزّ لم نره عليه قبل ولا بعد، فقال: قال رسول الله وَله: ((إنّ
الله عزّ وجلّ إذا أنعم على عبد نعمة، أحبَّ أن يُرى أثر نعمته عليه))(١) [٣١٧].
﴿وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً * والذين ينفقون﴾ إلى الأخير، محل الذين نصب عطفاً
على قوله: ﴿الذين يبخلون﴾، وإن شئت جعلته في موضع الخفض عطفاً على قوله: ﴿وأعتدنا
للكافرين﴾ نزلت في اليهود، وقال السدي: في المنافقين، وقيل: في مشركي مكة المتفقين على
عداوة رسول الله وَ الله.
﴿ومن یکن الشيطان له قریناً﴾ صاحباً وخلیلا، وهو فعیل من الاقتران، قال عدي بن زيد:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه
(٢)
فكل قرين بالمقارن يقتدي
﴿فساء قريناً﴾ فبئس الشيطان قريناً، وقد نصب على التمييز، وقيل: على الحال، وقيل:
على القطع بإلقاء الألف واللام منه، كما نقول: نعم رجلا، عبد الله، تقديره: نعم الرجل عبد
الله، فلمّا حذف الألف واللام نصب، كقوله ﴿بئس للظالمين بدلا﴾(٣)، ﴿وساء مثلا﴾(٤)، و
﴿ساءت مرتفقاً﴾(٥)، ﴿وساءت مستقرّاً﴾(٦)، ﴿وحسن أولئك رفيقاً﴾(٧)، و﴿كبر مقتاً﴾ (٨)، قال
المفسرون: ﴿فساء قريناً﴾ أي يقول: ﴿ياليت بيني وبينك بُعد المشرقين فبئس القرين﴾(٩).
﴿وماذا عليهم﴾ وما الذي عليهم ﴿لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا ممّا رزقهم الله وكان
الله بهم عليماً * إنّ الله لا يظلم مثقال ذرّة﴾ إلى آخر الآية، وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم
الآخر، وأنفقوا مما رزقهم الله؟ فإنّ الله لا يظلم. أي لا يبخس. ولا ينقص أحداً من خلقه من
ثواب عمله شيئاً مثقال ذرّة مثلا، بل يجازيه بها ويثيبه عليها وهذا مثل يقول: إنّ الله لا يظلم
مثقال ذرّة، فكيف بأكثر منها؟ والمراد من الكلام: لا يظلم قليلا، لأن الظلم مثقال ذرّة لا ينتفع
به الظالم، ولا يبين ضرره في المظلوم. وقيل: [ ... ] (١٠)، ودليله من التأويل قوله تعالى:
﴿إنّ الله لا يظلم الناس شيئاً﴾(١١) في الدنيا.
(١) المعجم الكبير: ١٨ / ١٣٥.
(٣) سورة الكهف: ٥٠.
(٥) سورة الكهف: ٢٩.
(٧) سورة النساء: ٦٩.
(٩) سورة الزخرف: ٣٨.
(١١) سورة يونس: ٤٤.
(٢) تفسير الطبري: ٥ / ١٢٣.
(٤) سورة الأعراف: ١٧٧ .
(٦) سورة الفرقان: ٦٦ .
(٨) سورة غافر: ٣٥، سورة الصف: ٢.
(١٠) سواد في مصوّرة المخطوط.

٣٠٨
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
واختلفوا في الذرّة، فقال ابن عباس: هي النملة الحميراء الصغيرة، لا تكاد تبين في رأي
العين. وقال يزيد بن هارون: وزعموا أنّ الذرة ليس لها وزن، ويحكى أنّ رجلا وضع خبزاً حتى
علاه الذرّة يستره، فلم يزد على وزن الخبز شيئاً. ودليل هذا التأويل ما روى بشير بن عمرو عن
عبد الله أنّه قرأ: (إنّ الله لا يظلم مثقال نملة).
يزيد بن الأصم عن ابن عباس في قوله عزّ وجلّ: ﴿مثقال ذرّة﴾، قال: أدخل ابن عباس
يده في إناء ثم رفعها، ثم نفخ فيها، ثم قال: كلُّ واحدة من هؤلاء ذرّة، وقال بعضهم: أجزاء
الهباء في الكوّة كلّ جزء منها ذرّة. وقيل: هي الخردلة.
وفي الجملة هي عبارة عن أقلّ الأشياء وأصغرها، روى أنس أنّ النبي ◌َّ قال: ((إنّ الله
لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأمّا الكافر، فيطعم
بها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة، لم يكن له حسنة))(١) [٣١٨].
قتادة: كان بعض أهل العلم يقول: لئن يفضل حسناتي على سيئاتي وزن ذرّة أحبُّ إليّ من
أن يكون لي الدنيا جميعاً.
عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَلو: ((إذا خلص المؤمنون من
النار يوم القيامة، وأمنوا فما مجادلة أحدكم صاحبه في الحق يكون له في الدنيا بأشدّ من مجادلة
المؤمنين لربّهم في إخوانهم الذين أُدخلوا النار))، قال: ((يقولون: ربّنا إخواننا كانوا يُصلّون معنا،
ويصومون معنا، ويحجّون معنا، فأدخلتهم النار؟ فيقول الله عزّ وجلّ: اذهبوا وأخرجوا من
عرفتم، فيأتونهم فيعرفونهم بصورهم، لا تأكل النار صورهم، فمنهم من أخذته النار إلى أنصاف
ساقيه، ومنهم من أخذته إلى كعبه، فيخرجونهم فيقولون: ربّنا أخرجْنا من أَمرتَنا، ثم يقول
تعالى: أخرجوا من كان في قلبه وزن دينار من الإيمان، ثم من كان في قلبه وزن نصف دينار،
حتى يقول: من كان في قلبه مثقال ذرّة))(٢) [٣١٩].
وقال أبو سعيد: فمن لم لم يصدق بهذا فليقرأ هذه الآية ﴿إنّ الله لا يظلم ... ﴾.
قال: ((فيقولون: ربّنا قد أخرجنا من أمرتنا، فلم يبقَ في النار أحد فيه خير)). قال: ((ثم
يقول الله عزّ وجلّ: شُفعت الملائكة، وشُفعت الأنبياء، وشُفعت المؤمنون(٣)، وبقي أرحم
الراحمين))، قال: ((فيقبض قبضة من النار. أو قال: ((قبضتين)). ممن لم يعملوا له عزّ وجلّ خيراً
قط، قد احترقوا حتى صاروا حمماً، قال: فيؤتى بهم إلى ماء يقال له ماء الحياة فيصبّ عليهم
(١) مسند أبي داود الطيالسي: ٢٦٩.
(٢) مسند أحمد: ٣ / ٩٤، سنن ابن ماجة: ١ / ٢٣.
(٣) في المصدر: وشفع الانبياء وشفع المؤمنون.

٣٠٩
سورة النساء، الآيات: ٣٧ - ٤٢
فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، فيخرجون وأجسادهم(١) مثل اللؤلؤ في أعناقهم
الخاتم: (عتقاء الله عزّ وجلّ)، فيقال لهم: ادخلوا الجنة فما تمنيتم أو رأيتم من شيء فهو لكم
عندي أفضل من هذا)).
قال: ((فيقولون: ربّنا أعطيتنا ما لم تعط أحداً من العالمين!)). قال: ((فيقول: ان لكم
عندي أفضل من هذا، فيقولون: ربّنا وما أفضل من ذلك؟)) قال: «فيقول: رضائي عنكم فلا
أسخط عليكم أبداً))(٢).
وقال آخرون: هذا في الخبر عن ابن [ ... ] (٣) عن عبد الله بن مسعود قال: إذا كان يوم
القيامة جمع الله الأوّلين والآخرين، ثم نادى مناد من عند الله: ألا من كان يطلب مظلمة إلى
أخيه فليأخذ. قال: فيفرح والله المرء أن يكون له الحق على والده وولده أو زوجته أو أخيه،
فيأخذ منه، وإن كان صغيراً، ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿فإذا نفخ في الصور فلا
أنساب بينهم ولا يتساءلون﴾(٤)، فيؤتى بالعبد وينادي مناد على رؤوس الأشهاد: الأولين
والآخرين، هذا فلان بن فلان من كان له عليه حق، فليأتِ إلى جنبه ثمّ يقال له: آتِ هؤلاء
حقوقهم. فيقول: من أين وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول الله تعالى لملائكته: انظروا في أعماله
الصالحة فأعطوهم منها، فإن بقي مثقال ذرّة من حسنة، قالت الملائكة: ربّنا أنت أعلم بذلك
منهم، أعطينا كلّ ذي حق حقه وبقي له مثقال ذرّة من حسنة، فيقول للملائكة: ضاعفوها لعبدي
وأدخلوه بفضل منّي الجنّة، ومصداق ذلك في كتاب الله ﴿إنّ الله لا يظلم مثقال ذرّة وإن تك
حسنة يضاعفها ويؤتٍ من لدنه أجراً عظيماً﴾.
وإن كان العبد شقيًّا، فتقول الملائكة: إلهنا فنيت حسناته وبقيت سيئاته، وبقي طالبون
كثير، فيقول عزّ وجلّ: خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته ثم صكّوا له صكاً إلى النار.
فمعنى الآية على هذا التأويل: لا يظلم، مثقال ذرّة للخصم على الخصم، بل يثيبه عليها
ويضاعفها له، وذلك قوله ﴿وإن تك حسنة يضاعفها﴾ قراءة العامة ﴿حسنة﴾ بالنصب على معنى:
وان يكن زنةُ الذرّة. وقرأها أهل الحجاز رفعاً، بمعنى أن يقع أو يوجد حسنة، وقال المبرّد:
معناه وإن تك حسنة باقية يضاعفها .
وقرأ الحسن: (نضاعفها). بالنون . الباقون: بالياء، وهو الصحيح؛ لقوله: ﴿ويؤت من
لكنه﴾ وقرأ أبو رجاء وأهل المدينة يُضعّفها. الباقون: يُضْعِفها وهما لغتان معناهما التكثير. وقال
(١) في المصدر: من أجسادهم.
(٢) مسند أحمد: ٣ / ٩٤.
(٣) كلمة غير مقروءة.
(٤) سورة المؤمنون: ١٠١ .

٣١٠
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
أبو عبيده: يضاعفها معناه يجعلها أضعافاً كثيرة، ويضعّفها بالتشديد يجعلها ضعفين.
﴿ويؤت من لدنه﴾ أي من عنده، قال الكسائي: في (لدن) أربع لغات لدن، ولدى ولدُ
ولدُنْ. ولمّا أضافوها إلى انفسهم شدّدوا النون.
﴿أجراً عظيماً﴾ وهو الجنّة. عن أبي عثمان قال: بلغني عن أبي هريرة أنه قال: إنّ الله عزّ
وجلّ يعطي عبده المؤمن بالحسنة ألف ألف حسنة، قال أبو هريرة: لا بل سمعت رسول الله وَله
يقول: (إن الله يعطيه ألفي ألف حسنة))(١)، ثم تلا: ﴿إنّ الله لا يظلم مثقال ذرّة﴾، إلى ﴿أجراً
عظيماً﴾[٣٢٠].
وقال: ((إذا قال الله: أجراً عظيماً، فمن بعد يدري قدره؟)).
﴿فكيف إذا جئنا من كلِّ أُمّة بشهيد﴾ يعني فكيف يصنعون إذا جئنا من كلِّ أُمّة بشهيد حق
منها، يشهد عليهم بما عملوا، ﴿وجئنا بك﴾ يا محمد ﴿على هؤلاء شهيداً﴾؟ نظيره في البقرة(٢)
والنحل(٣) والحج(٤).
عاصم عن زر عن عبد الله قال: قال لي النبي وَلقول: ((اقرأ)). فقرأت(٥) سورة النساء، حتى
إذا بلغت، ﴿فكيف إذا جئنا من كلِّ أُمّة بشهيد﴾ دمعت عينا رسول الله وَلخير، وقال: ((حسبنا))(٦)
[٣٢١].
﴿يومئذ يودّ الذين كفروا وعصوا الرسول لو تُسوّى بهمُ الأرض﴾ قرأ أهل المدينة والشام
بفتح التاء وتشديد السين، على معنى: تتسوّى فأدغمت التاء بالسين، وقرأ أهل الكوفة إلّ
عاصماً بفتح التاء وتخفيف السين، على حذف تاء تفعل، كقوله: ﴿لا تكلّم نفس إلّ بإذنه﴾(٧)،
وقرأ الباقون بضم التاء وتخفيف السين على المجهول، قالوا: سُوّيت بهم الأرض وصاروا هم
والأرض شيئاً واحداً، وقال قتادة وعبيدة: يعني لو تحركت الأرض فساروا فيها، وعادوا إليها
كما خرجوا منها، ثم تسوى عليهم حتى تعلوهم، ابن كيسان: ودوّا أنهم لم يبعثوا طرّاً، وإنما
نقلوا من التراب وكانت الأرض مستوية بهم. الكلبي: يقول الله عزّ وجلّ للبهائم والوحش
والطير والسباع: كنّ تراباً فتسوّى بها الأرض، فعند ذلك يتمنى الكافرون لو كانوا تراباً يمشي
(١) كنز العمال: ٦ / ٣٥٢ ح ١٦٠١٩ بتفاوت.
(٢) هو قوله تعالى: (ويكون الرسول عليكم شهيداً) الآية: ١٤٢.
(٣) هو قوله تعالى: (وجئنا بك شهيداً على هؤلاء) الآية: ٨٩.
(٤)
هو قوله تعالى: (ليكون الرسول شهيداً عليكم) الآية: ٧٨.
(٥)
في المصدر: فاستفتحت.
(٦) السنن الكبرى: ٥ / ٢٨.
(٧) سورة هود: ١٠٥.

٣١١
سورة النساء، الآيات: ٤٣ - ٥٣
عليهم أهل الجمع، بيانه قوله عزّ وجلّ: ﴿ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً)(١).
قال الثعلبي: وحكي أُستاذنا أبو القاسم الحسين أنّه سمع من تأول هذه الآية: يعدل بهم
ما على الأرض من شيء فدية، بيانه: ﴿يودّ المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ بينيه﴾(٢) الآية.
﴿ولا يكتمون الله حديثاً﴾؟: قال عطاء: ودّوا لو تسوّى بهم الأرض، وإنّهم لم يكونوا
كتموا أمر محمد بَل﴿ ولا نعته، وقال آخرون: بل هو كلام مستأنف، يعني ويكتمون الله حديثاً؛
لأنّ ما عملوا لا يخفى على الله عزّ وجلّ، ولا يقدرون على كتمانه، الكلبي وجماعة: لا
يكتمون الله حديثاً لأنّ خزنة جهنم تشهد عليهم.
سعيد بن جبير: جاء رجل إلى ابن عباس، فقال: أشياء تختلف عليّ في القرآن، أهو شك
فيه؟ قال: لا، ولكن اختلاف في آيات الاختلاف عليك من ذلك، فقال: اسمع، الله عزّ وجلّ
يقول: ﴿ثم لم تكن فتنتهم إلاّ أن قالوا والله ربّنا ما كنّا مشركين﴾(٣)، وقال: ﴿لا يكتمون الله
حديثاً﴾ فقد كتموا، فقال ابن عباس: أمّا قولهم ﴿والله ربّنا ما كنّا مشركين﴾ فإنهم لما رأوا يومَ
القيامة أنّ الله يغفر لأهل الإسلام قالوا: تعالوا فلنشهد فجحد المشركون، فقالوا: ﴿والله ربّنا
ما كنّا مشركين﴾ رجاء أن يغفر لهم فيختم على أفواههم، وتتكلم أيديهم وأرجلهم بما كانوا
يعملون، فعند ذلك ﴿يودّ الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوّى بهم الأرض ولا يكتمون الله
حديثاً﴾. الحسن: إنّها مواطن، ففي موطن لا يتكلمون ولا يسمع الا همساً، وفي مواطن
يتكلمون ويكذبون، ويقولون: ﴿ما كنا مشركين﴾ وما كنّا نعمل من سوء، وفي موطن يعترفون
على أنفسهم، وهو قوله عزّ وجلّ ﴿فاعترفوا بذنبهم﴾ (٤)، وفي موضع آخر يسألون الرحمة، وإنّ
آخر تلك المواطن أنّ أفواههم تختم، وجوارحهم تتكلم، وهو قوله تعالى ﴿ولا يكتمون الله
حديثاً﴾ .
بَنَّهَا الَّذِينَّ ءَامَنُواْ لَا تَقْرُواْ أَنَّكَلَةَ وَأَنَّهِ شَخْرَّىَ حَتّى تَعْلَدُواْ مَا تَقُولُونَ وَلََّ حُشْبًا إِلََّ عَرِي
عَبيلِ عَى تَنَيلُوا وَإِن كُم ◌َجْ أَ عَلَ تَفَرِ أَوْ ◌ََّ لَمَّدٌّ مُنَكُم مِّنَّ الْمَلِطِ أَوْ لَمَسْهُ أَنْسَ عَلَمْ
ملا ئه قبلها عميدًا لها أصلاً بِلِهَا وَصَدِيكُمْ إِهَ الَ لَ عَمَ عَثورا (يَا أَثَم ◌َرَّ إِلى
أَيهَّ أَرْتُوا أَبِيبًا مِنَّ الْكِتَبِ بَنْزُونَ أَضَّكَلَةَ وَمِيدُونَ أَنْ تُضِلُوَ أَلْتَبِلَ (٢٥) وَأَنَّهُ أَقْلَمُ بِنْذَابِكُمْ وَكَفَىَّ
بَهِ وَّ وَكَفْ بَّهِ أَمِهًا (١٥) إِنَّ أَّذِينَّ مَّدُواْ أُمَُّونَ أَلْكَّلِ عِنْ أَوَاضِعِهِ، وَيَقُِّلُونَ مَمِعْنَا وَعَصَيْنَا
وَأَعْمَعْ غَيْرَ نُسْمَعِ وَدَهَنَا لَّ بِأَلْبِلِمْ وَطَعْنَا فِى أَرِّ وَقَوْ أَحَدٍ وَأَوَ عَهِمْنَا وَأَطْنَا وَأَحَيَمْ وَمَُ لَكَانَ خَا
(١) سورة النبأ: ٤٠.
(٢) سورة المعارج: ١١.
(٣) سورة الأنعام: ٢٣.
(٤) سورة الملك: ١١ .

٣١٢
...
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
◌َهُمْ وَأَقَمَ وَلَكِنْ أَعَنَّهُمُ اللَّهُ بَكْثَرِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَاَ قَِلَّ ◌َ مَا أَلْبِينَ أُوتُوا الَكَ ،َبِوَا بَ رَا
مُعَذَ لَمَّا مَّهِ فِي قَبْلِ أَن تَطْمِسَ وَحُرِهَاً فَذْهَا عَلَى أَدَارِهَا أَوْ لَلْعَبْ كَمَا لَمَّنَا أَحْتَبَ أَتَجْهُ و ◌َنَّ
أَمْرُ اللَّهِ مَنْعُولًا (٢٧) إِنَّ اللَّهَ لَّا يَغْفِرْ أَنْ يُنْتَكُ مْ وَيَغْفِرُ مَا هُوَتَ ذَهَلَ لِمَّنْ يَبْدَهُ وَمَنْ بُدْرِفِ أَنَّهِ فَقَّهِ
أَدْرَةُ إِنَّا خَطِيِّمًا (١٨) أَنْ تَرَّ إِلَّ أَّذِينَ بِرَُّنَ أَنفُسَهُمْ كَلِ اللَّهُ مُرَِّ مَن يَتَهُ وَّلَا يُظْلَمُونَ قَبَيِلََّ (9َ)
أَنْظُرْ كَفَ بَقَزَّوَذَ عَلَ اللَّهِ الكَبِّ وَكَلَى ◌ِهِ إِنْمَا تُبِحَ لَيْنَ أَكْ تَرَ إِلى أَلَيْنَ أُوتُواْ تَصِيبَا فِيَ
اَلْكِتَب ◌ِّؤْمِلُونَ بَلْجِسْتِ وَالْتَغُوتِ وَيَقُولُونَ إِلَيْ كَفَرُواْ عَنْلَ، أَهْذَنْ مِنَّ أَلْدِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلُ (َ).
أَوْكَبِكُ الَّذِنَّ لَهُمُ أَنَّهُ وَمَن يَلْعَنِ أَنَّهُ عَلَّى تَِّدٌ أَمْ نَمِهَا (٠َ لَمَّ هُمْ تَصِيبٌ قِىَ أَلْتُعَِ فَذَاً لََّ بُّؤْتُّونَ أَلنَّاسَ
﴿يا أيّها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ نزلت في ناس من أصحاب رسول
الله *كانوا يشربون الخمرة، ويشهدون الصلاة وهم نشاوى، فلا يدرون كم يُصلّون، ولا
يدرون ما يقولون في صلواتهم، فأنزل الله عزّ وجلّ ﴿يا أيّها الذين آمنوا لا تقربوا الصّلاة وأنتم
سكارى﴾ نشاوى من الخمر، جمع سكران، وقرأ النخعي: (جُنباً) وهما لغتان.
﴿حتى تعلموا ما تقولون﴾ وتقرؤون في صلاتكم، وكانوا بعد نزول هذه الآية يجتنبون
السكر أوقات الصّلاة، حتى نزل تحريم الخمر في سورة المائدة. سلمة بن نبيط عن الضحاك بن
مزاحم: ﴿لا تقربوا الصّلاة وأنتم سكارى﴾، قال: لم يعنِ سكر الخمر، إنّما يعني سكر النوم.
هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله وَليقول: ((إذا نعس أحدكم وهو في
الصّلاة، فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإنّه إذا صلّى وهو ينعس، لعلّه يذهب فيستغفر فيسبّ
نفسه))(١) [٣٢٢].
هشام بن عروة أيضاً عن أبيه عن عائشة، قالت: قال رسول الله وَليقول: ((إذا نعس الرجل
وهو يصلّي، فلينصرف فلعلّه يدعو على نفسه وهو لا يدري))(٢) [٣٢٣].
همام بن منبه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَّلقول: ((إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم
القرآن على لسانه، فلم يدرِ ما يقول، فليضطجع))(٣) [٣٢٤].
وروي عن عبيدة السلماني في هذه الآية أنّه قال: هو الحاقن، دليله قوله وَّ: ((لا يصلينَّ
أحدكم وهو يدافع الأخبثين(٤))(٥) [٣٢٥].
(١) مسند أحمد: ٦ / ٥٦.
(٣) كنز العمال: ٧ / ٧٨٩ ح ٢١٤٢٠.
(٤) في جميع المصادر: يدافع بولاً وطوفاً.
(٥) كنز العمال: ٨ / ١٧٩ ح ٢٢٤٦٤.
(٢) السنن الكبرى: ١ / ٩٧.

٠
٣١٣
سورة النساء، الآيات: ٤٣ - ٥٣
﴿ولا جُنباً﴾ نصب على الحال، يعني ولا تقربوا الصلاة وأنتم جُنب، وقرأ إبراهيم
النخعي: (جُنْباً) بسكون النون، يقال: رجل جنب، ورجلان وامرأتان جُنب، ورجال ونساء
جُنب، والفعل منه أجنب . يجنب، وأصل الجنابة البُعد، فقيل له: جنب لأنّه يجتنب حتى
يتطهر، ثم استثنى فقال: ﴿إِلاّ عابري سبيل﴾ واختلفوا في معناها، فقال: بعضهم: الاّ إن
يكونوا مسافرين ولا يجدون الماء فيتيمّموا، وهذا قول عليّ وابن عباس وابن جبير وابن زيد
ومجاهد والحكم والحسن بن مسلم وابن كثير.
وقال الآخرون: معناه إلّ مجتازين فيه للخروج منه مثل أن ينام في المسجد، فيجنب، أو
يكون الماء فيه، أو يكون طريقه عليه، فرخص له أن يمرّ عليه ولا يُقيم، وعلى هذا القول تكون
الصلاة بمعنى المصلّى والمسجد كقوله ﴿صلوات﴾(١) اي موضع الصلوات، وهذا قول عبد الله
وابن المسيّب وابن يسار والضحاك والحسن وعكرمة وإبراهيم وعطاء الخراساني والنخعي
والزيدي، يدلّ عليه ماروى الليث عن يزيد بن أبي حبيب أنّ رجالا من الأنصار كانت أبوابهم في
المسجد، فيصيبهم الجنابة، ولا ماء عندهم فيريدون الماء ولا يجدون ممرّاً للماء إلاّ في
المسجد، فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية.
وأصل العبور: القطع يقال: عبر الطريق والنهر إذا قطعهما وجال فيهما(٢).
﴿وإنْ كنتم مرضى﴾ جمع مريض. إسماعيل عن أبيه عن الحسين عن أم سلمة قالت: قال
رسول الله وَ﴾: ((ألا إنّ مسجدي حرام على كلِّ حائض من النساء، وعلى كلِّ جُنب من الرجال
إلّ على محمد وأهل بيته علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام))(٣) [٣٢٦].
وأراد به مرضاً يضرّه مساس الماء كالجدري والجروح والقروح، أو كسر قد وضع عليه
الجبائر، فإنّه رخّص له في التيمّم، هذا قول جماعة من الفقهاء، إلاّ ما ذهب [إليه] (٤) عطاء
والحسن أنه لا يتيمّم مع وجود الماء، واحتجا بقوله تعالى ﴿فلم تجدوا ماء فتيمّموا﴾(٥)، وهذا
واجد الماء.
وهذا غلط، لما روى عطاء عن جابر قال: خرجنا في سفر وأصاب رجلا معنا حجر فشجّه
في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة
وأنت تقدر على الماء، فاغتسلَ، فمات، فلمّا قدمنا على رسول الله وَ ل﴿ أُخبر بذلك، فقال:
(١) سورة البقرة: ١٥٧.
(٢) كذا في المخطوط.
(٣) السنن الكبرى: ٧ / ٦٥.
(٤) في المخطوط: عليه.
(٥) سورة النساء: ٤٣.

٣١٤
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
(«قتلوه قتلهم الله، هلاّ سألوا إذا لم يعلموا، فإنّما شفاء العيّ السّؤال، إنّما كان يكفيه أن يتيمّم
ويعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده))(١) [٣٢٧].
﴿أو على سفر﴾ طويلا كان أو قصيراً، فله التيمّم عند عدم الماء، فإذا لم يكن مرض ولا
سفر لكنه عدم الماء في موضع لا يُعدم فيه الماء [عادة](٢)، مثل أن يكون في مصر فانقطع الماء
عنه رأساً، أو في قرية فانقطع ماؤها، ففيه ثلاث مذاهب: ذهب الشافعي ومحمد بن الحسن إلى
أنّ عليه التيمم والصّلاة ويعيد الصّلاة، وذهب مالك والأوزاعي وأبو يوسف إلى إنّه يتيمّم
ويصلّي ولا إعادة عليه، وذهب أبو حنيفة إلى أنّه لا يتيمّم ولا يصلّي، ولكنّه يصبر حتى يجد
الماء ويتوضأ ويصلّي.
﴿أو جاء أحدٌ منكم من الغائط﴾ قرأ الزهري: (من الغيط)، والغيط والغوط والغائط كلُّها
بمعنّى واحد، وهي الخبت المطمئن من الأرض، وقال مجاهد: هو الوادي، الحسن: الغور من
الأودية، وتصوّب(٣). المؤرّخ: قرارة من الأرض يحفها الكرم ويسترها، وجمعها غيطان،
والفعل منه (غاط يغوط)، مثل (عاد يعود). وتغوّط يتغوّط، إذا أتى الغائط، وكانوا يتبرّزون هناك
فكنّى عن الحدث بالغائط مثل العذرة والحدث، وهو هاهنا كناية عن حاجة البطن.
﴿أو لا مستم النّساء﴾ قرأ حمزة والكسائي وخلف: (لمستم). بغير ألف هاهنا، وفي
المائدة(٤) . وهو اختيار أبي عبيد، وقرأ الباقون بالألف فيهما وهو اختيار أبي حاتم.
واختلف المفسّرون في معنى اللمس والملامسة، فقال قوم: المجامعة، وهو قول ابن
عباس والحسن ومجاهد وقتادة، وقال سعيد بن جبير: ذكروا اللمس فقال ناس من الموالي:
ليس بالجماع، وقال ناس من العرب: هو الجماع، فأتيت ابن عباس فذكرت له، فقال: من أيّ
الفريقين كنت؟ قلت: من الموالي. قال: غُلب فريق الموالي، إنّ اللمس والمسّ والمباشرةَ
الجماعُ، لكنّ الله يكنّي عمّا يشاء بما يشاء، وعلى هذا القول إنّما كنّى عن اللمس بالجماع؛
لأنّ اللمس يوصَل إليه، كما يقال للسّحاب: سماء، وللمطر: سماء وللكلأ سماء لأنّ بالسحاب
يوصل إلى المطر، وبالمطر يوصل إلى الكلأ، قال الشاعر:
إذا سقط السّماء بأرض قوم رعيناه وإنْ كانوا غضابا(٥)
وقال الآخرون: هو التقاء البشرتين سواء كان بجماع أو غير جماع، وهو قول ابن مسعود
(١) سنن أبي داود: ١ / ٨٥.
(٢) كلمة غير مقروءة، والظاهر ما أثبتناه.
(٣) كذا في المخطوط.
هي قوله تعالى: (أو لا مستم النساء) سورة المائدة: ٦.
(٤)
(٥) الصحاح: ٦ / ٢٣٨٢.

٣١٥
سورة النساء، الآيات: ٤٣ - ٥٣
وابن عمر وأبي عبيدة ومنصور وعبيدة والشعبي والنخعي وحماد والحكم.
واختلف العلماء في حكم الآية على خمسة مذاهب، فقال الشافعي: إذا أفضى الرجل
بشيء من بدنه إلى شيء من بدن المرأة سواء كان باليد أو بغيرها من أعضاء الجسد تعلّق نقض
الطهارة به، وهو قول ابن مسعود وابن عمر والزهري وربيعة.
وقال الأوزاعي: إن كان للمس باليد نقض الطهر، وإن كان بغير اليد لم ينقضه، فأجراه
مجرى مسّ الفرج.
وقال مالك والليث بن سعد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه: إذا كان اللمسّ
للشهوة نقض، وإنْ كان لغير شهوة لم ينقض، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إنْ كانت ملامسة
فاحشة نقضت وإلاّ لم تنقض، والملامسة الفاحشة: ما تحدث الإفساد.
وذهبت طائفة إلى إنّ الملامسة لا تنقض الطهارة بحال، وبه قال من الصحابة ابن عباس،
ومن التابعين الحسن البصري، وإليه ذهب محمد بن الحسين.
وعن الثوري روايتان: إحداهمها هذا (١)، والثانية مثل (قول مالك بدليل الشافعي من
الآية)(٢) أنّ الملامسة باليد ما روي عن النبي ◌َّر أنّه نهى عن بيع الملامسة، واللمس أكثر ما
يستعمل في لمس اليد، وأنشد الشافعي:
ولم أدر أن الجود من كفّه يُعدي
لمست(٣) بكفي كفّه طلب (٤) الغنى
أفدت وأعداني فأنفقت(٥) ما عندي(٦)
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى
روى الزهري عن سالم عن أبيه قال: جسها بيده من الملامسة، ويدل عليه ما روى عبد
الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ أنّ رجلا سأل النبيّ وَّر عن الرجل ينال من امرأة لا تحل له ما
يناله من امرأته إلاّ الجماع، فقال: ((يتوضّأ وضوءاً حسناً))(٧) [٣٢٨]، فثبت أنّ اللمسّ ينقض
الوضوء.
احتج من لم يوجب الوضوء بالملامسة نفسها، بما روى مالك عن أبي النضر عن أبي
(١) أي القول المارّ.
(٢) كذا في المخطوط.
(٣) في المصدر: اخذت.
(٤) في المصدر: أبتغي.
(٥) في المصدر: فبدّدتُ.
(٦) الانساب للسمعاني: ١ / ٢٣٦، والبداية والنهاية: ١٠ / ١٦٦.
(٧) المستدرك على الصحيحين ١: ٣٥.

٣١٦
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
سلمة عن عائشة قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله 8﴿ ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني
فقبضت رجلىّ، فإذا قام بسطتها والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح.
وروى عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم عن عائشة قالت: إن كان رسول الله ولم يصلّي
وأنا لمعترضة بين يديه اعتراض الجارية(١) حتى إذا أراد أن يوتر مسّني برجله.
وروي الأعرج عن أبي هريرة عن عائشة قالت: فقدت النبي ومسؤذات ليلة، فجعلت أطلبه
بيدي فوقعت يدي على قدميه وهما منصوبتان وهو ساجد يقول: ((أعوذ برضاك من سخطك،
وبمعافاتك من غضبك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على
نفسك)»(٢).
وفي بعض الاخبار: فلما فرغ من صلاته قال لي: ((يا عائشة أتاكِ شيطانكِ؟))(٣) [٣٢٩]،
قالوا: فلمسته عايشة وهو في الصلاة فمضى فيها .
ولأجل هذه الأخبار خصّ من ذكرنا مسّ الشهوة بنقض الوضوء. روى أبو روق عن
إبراهيم التيمي عن عائشة أنّ النبي ◌َِّ كان يُقبّل بعض أزواجه ثم يصلّي ولا يتوضأ.
وأمّا الغسل وكيفية الملامسة على مذهب الشافعي فهو على ثلاثة أوجه: لمس ينقض
الوضوء قولا واحداً، ولمس لا ينقض الوضوء، ولمس مختلف فيه، فالذي ينقض الوضوء
ملامسة الرجل المرأة الشابة [ .... ] متعمداً حية كانت أو ميتة، والذي لا ينقضه ملامسة الشعر
والسنّ والظفر، والذي اختلف فيه هو أن يلمس فتاة صغيرة، أو امرأة كبيرة، أو واحدة من
ذوات محارمه ممن لا يحلّ له نكاحها، [وفيه](٤) قولان: أحدهما ينقض الوضوء لأنه لمس
متعمد [ .... ]، والثاني لا ينقض لانّه لا تدخل للشهوة فيهن، يدلّ عليه ما روي عن أبي قتادة
السلمي الانصاري أنّ رسول الله وهل كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله وَّ
لأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس، فإذا سجد وضعها وإذا قام رفعها. وهذا حكم الملامسة
إذا لم يكن(٥) حائل، فأمّا إن كانت من دون حائل فإنها تنقض الطهارة سواء كان الحائل صفيقاً
أو رقيقاً، هذا قول الجمهور.
وقال مالك: ينقضها إن كان رقيقاً ولا ينقضها إن كان صفيقاً، وقال الليث وربيعة: ينقضها
(١) في مسند أحمد بن حنبل ٦: ٢٦٠: الخبازة، وهو الأوفق.
(٢) مسند أحمد: ١ / ٩٦، وسنن ابن ماجة: ٢ / ١٢٦٣.
(٣) المستدرك: ١ / ٢٢٨ والسنن الكبرى: ٢ / ١١٦.
(٤) في المخطوط: فيها .
(٥) كذا في المخطوط، والظاهر أنه: إذا كان مع الحائل.

٣١٧
سورة النساء، الآيات: ٤٣ - ٥٣
سواء كان صفيقاً أو رقيقاً، والدليل على أنّها لا تنقض الوضوء إذا كانت من دون حائل ظاهر
الآية ﴿أو لا مستم﴾ فإذا لمسها مع الحائل فما لمسها وإنّما لمس الحائل، وعليه إنّه لو حلف ألاّ
يلمسها ولمسها من وراء حائل لم يحنث.
فهذا كلّه حكم اللامس، وأما الملموس فهل ينتقض به طهره أم لا؟ فعلى قولين للشافعي:
أحدهما: أنّه ينتقض لاشتراكهما في الالتذاذ.
والثاني: لا ينتقض لخبر عائشة: ((فوقعت يدي على أخمص قدمي رسول اللـه وَلي)) والله
أعلم.
قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماءً فتيمموا﴾ اعلم أنّ التيمّم من خصائص هذه الأُمة لما روى
ربّعي بن خمّاش، عن حذيفة قال قال رسول الله وَّر ((فُضّلنا على الناس بثلاث: جُعلت صفوفنا
كصفوف الملائكة، جُعلت الأرض لنا مسجداً، وجُعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء))(١)
[٣٣٠].
وأما بدء التيمّم فأخبر مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة، وهشام بن
عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كنّا مع رسول الله وَ لير بالأبواء(٢)، حتى إذا كنّا بالبيداء أو بذات
الجيش انقطع عقد لي وكنت استعرتها من أسماء، فصلّ، فأخبرت رسول الله وَّ فأمر بالتماسه
فالتُمس، فلم يوجد، فأناخ رسول الله وَله فباتوا ليلتهم تلك، وأقاموا على النجاسة وليسوا على
ماء وليس عندهم ماء، فأتى الناس أبا بكر، فقالوا: ألا ترى إلى عائشة حبست رسول الله وَل﴾
على غير ماء؟ فجاء أبو بكر، ورسول الله وَلتر واضع رأسه على فخذي قد نام فعاتبني، وقال: ما
شاء الله! وقال: قبّحها الله من قلادة حبست الناس على غير ماء وقد حضرت الصلاة، ثم طعن
بيده على خاصرتي فما منعني من التحريك(٣) إلاّ أنّ رسول الله وَليل كان واضعاً رأسه على
فخذي، فقام رسول الله وَّه حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله عزّ وجلّ آية التيمّم.
قالت: فبعثت البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته، فقال أُسيد بن حضير: ما هي
بأوّل بركتكم يا آل أبي بكر جزاكم الله خيراً، فوالله ما نزل بكِ أمر قط تكرهينه إلّ جُعل لكِ
وللمسلمین فیه خیرٌ.
فأباح الله تعالى التيمّم لخمس شرائط :
أحدها: دخول وقت الصلاة، فلا يجوز التيمّم إلاّ بعد دخول وقت الصّلاة، وقد يجمع
(١) كنز العمال: ١١ / ٤٠٩ ح ٣١٩١٢.
(٢) في صحيح البخاري ٤: ١٩٥ (في بعض أسفاره)، وكذا في سنن النسائي ١ : ١٦٣.
(٣) كذا في المخطوط، وفي سنن النسائي ١: ١٦٤ (التحرك).

٣١٨
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
بالتيمم بين صلاتي فرض، هذا قول عليّ وابن عباس وابن حمزة ومذهب مالك والشافعي
والليث بن سعد وأحمد بن حنبل، قالوا: لأنها طهارة ضرورة، فقسناها على المستحاضة، ولأنّ
النبي ◌َّ﴿ قال: ((فأينما أدركتكم الصّلاة فتيمّموا وصلّوا)) [٣٣١].
وروى أبو إسحاق عن الحريث عن عليٍّ رضى الله عنه قال: ((تيمّموا لكلِّ صلاة))(١)
[٣٣٢].
وروي ابن المهدي عن عاصم الأحول عن عمرو بن قيس (٢) قال: بل تتيمم لكلِّ صلاة وإن
لم تحدث.
وذهبت طائفة إلى أنّ التيمم كالطهارة بالماء يجوز تقديمه على وقت الصلاة ويصلّي من
الحدث الأكبر إلى الحدث لمساً من الفرايض والنوافل، وهو قول سعيد بن المسيّب والحسن
والثوري وأبي عبيدة واحتجوا بقول النبي وَلّر ((الصّعيد الطيّب وضوء المسلم ولو لم يجد الماء
(عشر حجج))(٣) [٣٣٣].
والشرط الثاني من الشرايط المبيحة للتيمم: طلب الماء، وكيفيّة الطلب أن يطلبه في رحله
فإنْ لم يجد طلب من أصحابه، فإنْ لم يجد عندهم طلبَ يميناً وشمالا ووراء وأمام، فإن كان
هناك تلّ صعد ونظر، فإنْ رأى إنساناً قادماً فليتعرّف منه، فإنْ تيمم قبل الطلب لم يصح عند أكثر
الفقهاء.
وقال أبو حنيفة: طلب الماء ليس بشرط في جواز التيمم بل مستحب، فان تيمم قبله
أجزأه، لأنه لو كان شرطاً فيه لكان شرطاً في النافلة لعدم الماء، ولما كان التيمم للنافلة دون
طلب الماء جاز أيضاً للفريضة دونه، دليلها قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماءاً فتيمموا صعيداً طيباً﴾،
ولا يقال: لم يجز إلاّ لمن طلب الماء، والدليل عليه أنّه لو وكّل وكيلا ليشتري له شيئاً فان لم
يجد فخيّره فاشترى الشيء الثاني قبل طلبه الأول ضمن.
والشرط الثالث: إعوازه بعد طلبه، فأمّا إذا كان بينه وبين الماء حائل من لص أو عدو أو
سبع أو جمل صائل أو نار ونحوها فهو عادم للماء، وكذلك إن كان عليه ضرر في إتيانه مثل أن
يخاف على رحله إن غاب عنه، وكذلك إن كان الماء في بئر ولم يمكنه الوصول إليه.
والشرط الرابع: العذر من مرض أو سفر لقوله: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر﴾.
والمرض على ثلاثة أضرب: مرض لا يضرّ استعمال الماء معه، فلا يجوز التیمم معه،
(١) تفسير الطبري: ٥ / ١٦٠ وفيه التيمم.
(٢) كلمة غير مقروءة، والظاهر ما أثبتناه.
(٣) سنن الدار قطني: ١ / ١٩٦ بتفاوت يسير.

٣١٩
سورة النساء، الآيات: ٤٣ - ٥٣
وضرب يخاف معه من استعمال الماء التلف فيجوز معه التيمم، وكذلك إن كان على قرحه دم
يخاف إن غسله التلف تيمّمَ، وأعاد إذا قدر على غسل الدم، وضرب يخاف باستعماله الماء
الزيادة في العلّة بطء البرء، والمتعيّن فيه أوجه:
الأول: أنه يجوز التيمم، وهو مذهب أبي حنيفة.
والثاني: أنه لا يجوز فإنْ كانت الجراحة في بعض جسده دون بعض، غسل ما لا ضرر
عليه وتيمّم، ولا يجزيه أحدهما دون الآخر، وقال أبو حنيفة: إذا كان أكثر بدنه لزمه الوضوء
واستعمال الماء، ولم يُجزِهِ معه التیمم ولا دونه، وإن كان أكثر بدنه جریحاً يسقط عنه فرض
الوضوء والغسل ويجزيه التيمم في الجميع.
قال: (ولا يجوز الجمع بين استعمال الماء في بعض الأعضاء والتيمم في بعضها)،
وكذلك لو وجد الجُنب أو المحدث من الماء ما لا يسع المحدث لوضوئه، ولا الجُنب
لأغساله، وللشافعي فيه قولان:
أحدهما: أنه يسقط فرض استعماله الماء ويكفيه التيمم، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك
والمزني.
والقول الثاني: يلزمه استعمال القدر الذي وجده، والتيمم كما حُدّثته(١)، وإن كان جُنباً
غسل به أي أعضائه شاء ثم تيمّم على الوجه واليدين، وإن كان محدثاً غسل وجهه ثم يديه على
الترتيب ثم تيمّم لما لم يغسل من أعضاء الوضوء، حتى لو غسل جميع أعضاء وضوئه وبقيت
لمعة من رجله لم يصبها ماء فإنه يتيمّم لها .
وإن انكسر بعض أعضائه فجبرها، فإنه لا يعدو في الجبائر موضع الكسر، ولا يضعها إلاّ
على وضوء كالخفين، فان وضعها على الطهارة فله أن يمسح على الجبيرة ما دام العذر باقياً ثم
هل يلزمه إعادة الصلوات التي صلاها بالمسح على الجبائر أم لا؟ فيه قولان:
أحدهما: عليه الإعادة.
والثاني: لا إعادة عليه، وهو اختيار المزني، والدليل عليه ما روى زيد بن علي عن أبيه
عن جده أن حزماً انكسر إحدى زنديه فأمره النبي وعليه أن يمسح على الجبائر، قال الشافعي: إن
صح حديث عليّ قلت به، وهذا مما استخير الله فيه. وإن وضعها على غير الطهارة وعدا بها إلى
غير موضع الكسر ينظر؛ فإن لم يخشَ تلف يديه أو عضو من أعضائه نزعها، وإن خاف على
ذلك لم ينزعها، ولكنه يغسل ما يقدر عليه، ويعيد الصلاة إذا قدر على نزعها.
وأمّا السفر فهو أقل ما يقع عليه اسم سفر، طالت أو قصرت؛ لأنّ الله تعالى لم يفرّق
(١) كذا في المخطوط.

٣٢٠
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
بينهما، دليله ما أخبر الشافعي عن ابن عيينة عن ابن عجلان عن نافع عن ابن عمر: إنّه أقبل من
الجُرف حتى إذا كان بالمدينة تيمّم فمسح وجهه ويديه وصلّى العصر، ثم دخل المدينة والشمس
مرتفعة، فلم يُعد الصلاة، والجرف قريب من المدينة.
والشرط الخامس: النية المكنونة.
وقوله تعالى: ﴿فتيمّموا صعيداً طيّباً﴾ عنى: اقصدوا تراباً طيباً، واختلف العلماء في
الممسوح به في التيمم على أربعة مذاهب:
قال أبو حنيفة: يجوز التيمم بالأرض ومما كان من جنسها، وإن لم يعلق بيده منها شيء،
فأجاز بالكحل والزرنيخ والنورة من الجصّ والحجر المسحوق، بل وحتّى الغبار، وحتى فيما لو
ضرب يده على صخرة ملساء فمسح أجزاه، فأمّا إن تيمّم بسحالة الذهب والفضة والصفر
والرصاص والنحاس لم يجزه، لإنّه ليس من جنس الأرض.
قال مالك: يجوز بالأرض وبكلِّ ما اتّصل فيها، فأجاز التيمم بأجناس الأرض والشجر،
فقال: لو ضرب يده على غيره ثم مسح بها أجزأه.
وقال الأوزاعي والثوري: يجوز بالأرض وبكلِّ ما عليها من الشجر والحجر والمدر
وغيرها حتى قالا: لو ضرب يديه على الجمد والثلج أجزاه، واحتجوا بما روى عبد الرحمن بن
هرمز عن عمير مولى ابن عباس أنه سمعه يقول: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة، حتى
دخلنا على أبي جهيم الحارث بن الصمة الأنصاري، فقال أبو جهيم: أقبل رسول اللـه وَ ل﴿ من
نحو بئر الجمل فلقيه رجل فسلّم عليه فلم يرد على رسول الله ◌َلل حتى أقبل على الجدار فمسح
بوجهه ویدیہ ثم ردّ علیه.
وذهب الشافعي إلى أن الممسوح به تراب طاهر ذو غبار تعلّق باليد وهو الاختيار لهذا؛
لأن الله عزّ وجلّ قال: ﴿وتيمّموا صعيداً طيّباً﴾ فالصعيد اسم التراب، والطيب اسم لما ينبت،
فأمّا ما لا ينبت من الأرض فليس بطيّب، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿والبلد الطيب يخرج نباته
بإذن ربّه﴾، ولقول النبي وَلّ ((جُعلتْ لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً)) [٣٣٤]، فخصّ التراب
ذلك، والله أعلم.
﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إنّ الله كان عفواً غفوراً﴾ وقد مضى الكلام في الممسوح
به، فأما قدر الممسوح وكيفية التيمم، فاختلف الناس فيه على خمسة مذاهب:
فقال الزهري: تمسح على الوجه واليدين إلى الآباط والمناكب، واحتجّ بما روى عبد الله
ابن عتبة عن ابن عباس عن عمار بن ياسر عن النبي ◌َّ أنّه كان في سفر ومعه عائشة فضلٌ
عقدها، فاحتبسوا في طلبه يوماً، قال: فنزلت آية التيمم، فضربوا بأيديهم إلى الأرض، ثم رفعوا