النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ سورة آل عمران، الآيات: ١٦٩ - ١٧٨ إخوانكم يوم أُحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر تزور أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتسرح من الجنة حيث شاءت، وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش، فلما وجدوا طيب مقيلهم ومطعمهم ومشربهم، ورأوا ما أعد الله تعالى لهم من الكرامة. قالوا: يا ليت قومنا يعلمون ما نحن فيه من النعيم وما صنع الله بنا، كي يرغبوا في الجهاد ولا ينكلوا عنه، فقال الله تعالى: أنا مخبر عنكم ومبلغ إخوانكم، ففرحوا بذلك واستبشروا فأنزل الله تعالى ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً﴾ إلى قوله ﴿أجر المؤمنين))) [١٧٩](١). قال قتادة والربيع: ذُكر لنا أنّ رجلا من أصحاب النبي بَّ قال: يا ليتنا نعلم ما فعل بإخواننا الذين قتلوا يوم أحد، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال مسروق: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية فقال: جعل الله عزّ وجلّ أرواح شهداء أحد في أجواف طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش، قال: فأطلع الله تعالى عليهم اطلاعة فقال: هل تشتهون من شيء فأزيدكموه؟ قالوا: ربّنا ألسنا نسرح في الجنة في أيّها شئنا، ثم اطلع عليهم الثانية فقال: هل تشتهون من شيء فأزيدكموه؟ فقالوا: ربّنا أليس فوق ما أعطيتنا شيئاً إلاّ أن نحب أن تعيدنا أحياء، ونرجع إلى الدنيا فنقاتل في سبيلك فنقتل مرة أخرى فيك قال: لا. فقالوا: فتقرىء نبيّنا منّا السلام وتخبره بأن قد رضينا ورضي عنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال جابر بن عبد الله: قتل أبي يوم أُحد وترك عليَّ بنات فقال رسول الله وعليه: ((ألاّ أُبشرك يا جابر)) قلت: بلى يا نبي الله قال: ((إنّ أباك حيث أُصيب بأُحد أحياه اللـه وكلمه كلاماً فقال: يا عبد الله سلني ما شئت قال: أسألك أن تعيدني إلى الدنيا فأُقتل فيك ثانياً، فقال: يا عبد الله إني قضيت أن لا أعيد خليقة إلى الدنيا. قال: يا ربِّ فمن يبلّغ قومي ما أنا فيه من الكرامة. قال الله تعالى: أنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية))(٢) [١٨٠]. حميد عن أنس قال: قال رسول الله وَلاير: ((ما من نفس تموت لها عند الله خير يسرّها أن ترجع إلى الدنيا ولها الدنيا وما فيها إلاّ الشهيد لما يرى من فضل الشهادة فيتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أُخرى))(٣) [١٨١]. وقال بعضهم: نزلت في شهداء بئر معونة، وكان سبب ذلك على ما روى محمد بن (١) مسند أحمد: ١ / ٢٦٦، سنن أبي داود: ١ / ٥٦٦، ح ٢٥٢٠. (٢) تفسير القرطبي: ٤ / ٢٦٨. (٣) مسند أحمد: ٣ / ١٢٦. ٢٠٢ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي إسحاق بن يسار عن أبيه عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام، وعبد الله بن أبي بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم، وعن حميد الطويل عن أنس بن مالك وغيرهم من أهل العلم قالوا: قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنّة . وكان سيد بني عامر بن صعصعة . على رسول الله﴿ المدينة وأهدى إليه هدية، فأبى رسول الله ) أن يقبلها وقال: ((يا أبا براء أنا لا أقبل هدية مشرك فأسلم إن أردت أن أقبل هديتك)) [١٨٢] ثم عرض عليه، وأخبره بما له فيها وما وعد الله المؤمنين من الثواب، وقرأ عليه القرآن فلم يسلم ولم يبعد وقال: يا محمد إن أمرك هذا الذي تدعو إليه حسن جميل، فلو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك. فقال رسول الله وَيقول: ((إني أخشى عليهم أهل نجد)) فقال أبو براء: أنا لهم جار. أي هم في جواري. فابعثهم ليدعوا الناس إلى أمرك. فبعث رسول الله﴿ المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة في سبعين رجلاً من خيار المسلمين، فيهم الحارث بن الضمة وحَرام بن ملحان وعروة بن أسماء بن الصلت السلمي ونافع بن ورقاء الخزاعي وعامر بن فهير مولى أبي بكر، وذلك في صَفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد، فساروا حتى نزلوا بين معونة. وهي أرض بين أرض بني عامر - وحرة بني سليم، فلما نزلوها قال بعضهم لبعض: أيّكم يبلغ رسالة رسول الله ﴿ أهل هذا الماء؟ فقال حرام بن ملحان: أنا، فخرج بكتاب رسول الله وَّ أبي عامر بن الطفيل وكان على ذلك الماء، فلما أتاهم حرام بن ملحان لم ينظر عامر بن الطفيل في كتاب رسول الله ﴿ فقال حرام: يا أهل بئر معونة إني رسول رسول الله إليكم وإني أشهد أن لا إله إلّ الله وأن محمداً عبده ورسوله فآمنوا بالله ورسوله. فخرج إليه رجل من كسر البيت برمح فضرب به في جنبه حتى خرج من الشق الآخر، فقال: الله أكبر فزت وربّ الكعبة. ثم استصرخ عامر بن الطفيل بني عامر على المسلمين، فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه وقالوا: لن نخفر أبا براء وقد عقد لهم عقداً وجواراً. فاستصرخ قبائل من بني سليم عصبة ورعيل وذكوان فأجابوه إلى ذلك، فخرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوهم في رجالهم، فلما رأوهم أخذوا السيوف ثم قاتلوهم حتى قتلوا من آخرهم إلاّ كعب بن زيد فإنهم تركوه وبه رمق، فارتث من بين القتلى فعاش حتى قتل يوم الخندق(١). وكان في سرح القوم عمرو بن أميّة الضمري ورجل من الأنصار أحد بني عمرو بن عوف، فلم ينبههما على مصاف أصحابهما إلاّ الطير يحوم على العسكر فقالا: والله إن لهذا الطير لشأناً، فأقبلا لينظرا إليه فإذا القوم في دمائهم وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة، فقال الأنصاري لعمرو بن أميّة: ماذا ترى؟ قال: أرى أن نلحق برسول الله فنخبره الخبر، فقال الأنصاري: لكني (١) بطوله في عيون الأثر: ٢ / ١٧. ٢٠٣ سورة آل عمران، الآيات: ١٦٩ - ١٧٨ لا أرغب بنفسي عن موطن قُتل فيه المنذر بن عمرو، ثم قاتل القوم حتى قُتل، وأخذوا عمرو بن أمية أسيراً، فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل وجز ناصيته وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمّه، فقدم عمرو بن أمية على رسول الله وَ ل﴿ فأخبره الخبر، فقال رسول الله: (هذا عمل أبي براء قد كنت لهذا كارهاً متخوفاً)) [١٨٣] فبلغ ذلك أبا براء فشق عليه إخفار عامر إياه وما أصاب رسول الله وَل بسببه وجواره، وكان فيمن أصيب عامر بن فهيرة. وروى محمد بن إسحاق عن هشام بن عروة: أن عامر بن الطفيل كان يقول: من الرجل منهم لما قتل رأيته رفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماء من دونه، قالوا: هو عامر بن فهيرة(١) . قالوا وقال حسان بن ثابت يحرض أبي براء على عامر بن الطفيل: وأنتم من ذوايب أهل نجد فتى أم البنين ألم يرعكم ليخفره وما خطأ كعمد نهكم عامر بأبي براء فما أحدثت في الحدثان بعدي وخالك ماجد حكم بن سعد(٢) ألا أبلغ ربيعة ذا المساعي أبوك أبو الحروب أبو براء وقال كعب بن مالك في ذلك. لقد طارت شعاعاً كل وجه بني أم البنين أما سمعتم وتنويه الصريخ بلى ولكن خفارة ما أجار أبو براء دعاء المستغيث مع النساء عرفتم أنه صدّق اللقاء(٣) فلما بلغ ربيعة من البراء قول حسان وقول كعب بن مالك، حمل على عامر بن الطفيل وطعنه فخر عن فرسه فقال: هذا عمل أبي براء، إن متُّ فدمي لعمي ولأتبعنّ به وإن أعش فسأرى فيه الرأي. وقال إسحاق بن أبي طلحة حدثني أنس بن مالك قال: أنزل الله تعالى في شهداء بئر معونة قرآناً بلّغوا قومنا عنا إنا قد لقينا ربّنا فرضى عنّا ورضينا عنه، ثم نسخت ورفعت بعد ما قرأناها زماناً وأنزل الله عزّ وجلّ ﴿ولا تحسين الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً﴾ الآية. وقال بعضهم: إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة أو سروراً تحسروا على الشهداء وقالوا: نحن في النعمة والسرور وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور، فأنزل الله عزّ وجلّ تنفيساً عنهم وإخباراً عن حال قتلاهم ﴿ولا تحسبن﴾ ولا تظنن وروى هشام عن أهل الشام: (يحسبن) (١) بطوله في تاريخ الطبري: ٢ / ٢٢١. (٢) تاريخ الطبري: ٢ / ٢٢١. (٣) تاريخ الطبري: ٢ / ٢٢١. ٢٠٤ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي بالياء. وقرأ الحسن وابن عامر: (الذين قتلوا) مشدداً، (أمواتاً) كموت من لم يقتل في سبيل الله، ونصب أمواتاً على المفعول الثاني، لأن الحسبان يتعدى إلى مفعولين، فإذا قلت: حسبت زيداً، لا يكون كلاماً تاماً حتى تقول: قائماً أو قاعداً ﴿بل أحياء﴾ تقديره: بل هم أحياء. وقرأ ابن أبي عبلة: أحياءً نصباً أي أحسبهم أحياء ﴿عند ربهم﴾. وقال بعضهم: يعني أحياء في الدنيا حقيقة (١)، وقيل: [في العالم] وقيل: بالثناء والذكر، كما قيل : قد مات قوم وهم في الناس أحياء (٢) موت التقي حياة لا فناء لها وقيل: ممّا هم أحياء. ﴿ربّهم يرزقون﴾ ويأكلون ويتنعمون كالأحياء، وقيل: إنه يكتب لهم في كل سنة ثواب غزوة ويشتركون في فضل كل مجاهد يكون في الدنيا إلى يوم القيامة، لأنهم سلوا أمر الجهاد، فيرجع أجر من يقتدي بهم إليهم، نظيره قوله: ﴿كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً﴾(٣) الآية، وقيل: لأن أرواحهم تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش إلى يوم القيامة، كأرواح الأحياء من المؤمنين الذين باتوا على الوضوء. وقيل: لأن الشهيد لا يبلى في القبر ولا تأكله الأرض. يقال: أربعة لا تبلى أجسادهم: الأنبياء والعلماء والشهداء وحملة القرآن. وعن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة: أنه بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريين ثم السلميين، كانا قد خرّب السيل قبرهما وكانا في قبر واحد وهما من شهداء أُحد، وكان قبرهما ممّا يلي السيل، فحفر عنهما ليغيّروا عن مكانهما فوجدا لم يتغيرا، كأنهما ماتا بالأمس، وكان قد جرح فوضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك، فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت، وكان بين يوم أحد وبين يوم حُفر عنهما ستة وأربعون سنة. وقيل: سمّوا أحياءً لأنهم لا يغسّلون كما لا يغسل الأحياء. وقال النبي ◌ِّ: ((زمّلوهم في كلومهم ودمائهم، اللون لون الدم والريح ريح المسك))(٤) [١٨٤]. وقال عبيد بن عمر: إن رسول اللـه ◌َ ﴿ حين انصرف يوم أحد مرَّ على مصعب بن عمير (١) وهذا قول ابن عباس وقتادة ومجاهد والحسن وعمرو بن عبيد وواصل بن عطاء والجبائي والرماني، راجع تفسير مجمع البيان: ١ / ٤٣٧ . (٢) تفسير القرطبي: ٤ / ٢٦٩. (٣) سورة المائدة: ٣٢. (٤) السير الكبير: ١ / ٢٣٢، ح ٢٩٤. ٢٠٥ سورة آل عمران، الآيات: ١٦٩ - ١٧٨ وهو مقتول فوقف عليه ودعا ثم قرأ: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا﴾(١) الآية، ثم قال ◌َله: ((إن رسول الله يشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة، فأتوهم وزوروهم وسلّموا عليهم، فوالذي نفسي بيده لا يسلّم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلّ ردّوا عليه، يرزقون من ثمار الجنة وتحفها))(٢) [١٨٥]. ﴿فرحين﴾ نصب على الحال والقطع من قوله ﴿يرزقون). وقرأ ابن السميقع: (فارحين) بالألف، وهما لغتان كالفرة والفأرة والحذر والحاذر والطمع والطامع والبخل والباخل. ﴿بما آتاهم الله من فضله﴾ من ثوابه ﴿ويستبشرون﴾ يفرحون، وأصله من البشرة، لأن الإنسان إذا فرح ظهر أثر السرور في بشرة وجهه ﴿بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم﴾ من إخوانهم الذين فارقوهم وهم أحياء في الدنيا على منهاجهم من الإيمان والجهاد، لعلمهم بأنهم إن استشهدوا لحقوا بهم فصاروا من كرائم الله عزّ وجلّ إلى مثل ما صاروا هم إليهم، فهم لذلك مستبشرون . وقال السدي: يؤتى الشهيد بكتاب فيه من تقدم عليه من إخوانه وأهله فيقال: تقدم فلان عليك يوم كذا وتقدم فلان يوم كذا، فيستبشر حين يقدم عليه كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا . ﴿ألّ خوف عليهم﴾ يعني بأن لا خوف ﴿عليهم ولا هم يحزنون * يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله﴾ يعني وبأن الله في محل الخفض على قوله: ﴿بنعمة من الله وفضل﴾. وقرأ الكسائي والفرّاء والمفضل ومحمد بن عيسى: (وأن الله) بكسر الألف على الاستثناء، ودليلهم قراءة ابن مسعود ﴿والله﴾ (لا يضيع أجر المؤمنين). قال الكلبي باسناده: إن العبد إذا لقى العدو في سبيل الله، فتح له باب من السماء وأطلعت عليه زوجتاه من الحور العين، فإذا أقبل على العدو يقاتلهم قالتا: اللهم وفقه وسدّده، وإذا أدبر عن العدو قالتا: اللهم أعف وتجاوز، فإذا قتل يباهي الله عزّ وجلّ به الملائكة فيقول لهم: انظروا إلى عبدي بذل نفسه ودمه ابتغاء مرضاتي، فتقول الملائكة: يا ربّ أفلا تذهب فتنصره على من يريد قتله؟ فيقول لهم: خلّوا عن عبدي، فقد سهر ونصب في طلب مرضاتي، أحبَّ لقائي وأحببت لقاءه. فينزل إليه زوجتاه من الحور العين، ويأمر الله الملائكة أن يأتوه من آفاق الأرض، فيحبونه ويبشرونه بالجنة والكرامة من الله تعالى، فإذا فعلوا ذلك بعث الله إليهم: (١) سورة الأحزاب: ٣٢. (٢) كنز العمال: ١٠ / ٣٨١، ح ٢٩٨٩٢. ٢٠٦ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي أن خلّوا بين عبدي وبين زوجته حتى يستريح، فتقول زوجتاه: لقد كنا إليك بالأشواق، ويقول لهما مثل ذلك. وعن الحسين بن علي (عليه السلام) قال: بينما علي بن أبي طالب يخطب الناس ويحثهم على الجهاد إذ قام إليه شاب وقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن فضل الغزاة في سبيل الله؟ قال: كنت رديف رسول الله وَلل على ناقته العصباء ونحن منقلبون من غزوة، فسألته عمّا سألتني عنه فقال ◌َله: ((الغزاة إذا همّوا بالغزو كتب الله تعالى لهم براءة من النار، فإذا تجهزوا لغزوهم باهى الله تعالى بهم الملائكة، فإذا ودعهم أهلوهم بكت عليهم الحيطان والبيوت، ويخرجون من ذنوبهم كما تخرج الحية من سلخها، يوكل عزّ وجلّ بكل رجل منهم أربعين ألف ملك يحفظونه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، ولا يعمل حسنة إلاّ ضعفت له، وکتب له كل يوم عبادة ألف رجل يعبدون الله عزّ وجلّ ألف سنة كل سنة ثلاثمائة وستون يوماً، اليوم مثل عمر الدنيا، فإذا صاروا بحضرة عدوّهم انقطع علم أهل الدنيا عن ثواب الله إياهم، فإذا برزوا لعدوّهم وأشرعت الأسنّة وفوّقت السهام وتقدم الرجل إلى الرجل حفّتهم الملائكة بأجنحتها ويدعون الله لهم بالنصرة والتثبت، ونادى مناد: الجنة تحت ظلال السيوف، فتكون الضربة والطعنة على الشهيد أهون من شرب الماء البارد في اليوم الصائف، وإذا زال الشهيد عن فرسه بطعنة أو ضربة لم يصل إلى الأرض حتى يبعث الله تعالى إليه زوجته من الحور العين فتبشره بما أعد الله له من الكرامة، وإذا وصل إلى الأرض تقول له الأرض: مرحباً بالروح الطيب التي أُخرجت من البدن الطيب أبشر فإن لك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر . ويقول الله تعالى: أنا خليفته في أهله، من أرضاهم فقد أرضاني ومن أسخطهم فقد أسخطني، ويجعل الله روحه في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث تشاء تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة بالعرش، ويعطى الرجل منهم سبعين غرفة من غرف الفردوس، سلوك كل غرفة ما بين صنعاء والشام يملأ نورها ما بين الخافقين، في كل غرفة سبعون باباً، على كل باب سبعون مصراعاً من ذهب، وعلى كل باب سبعون غرفة مسبلة، وفي كل غرفة سبعون خيمة، في كل خيمة سبعون سريراً من ذهب قوائمها الدر والزبرجد، مزمولة بقضبان الزمرد، على كل سرير أربعون فراشاً، غلظ كل فراش أربعون ذراعاً، على كل فراش زوجة من الحور العين ﴿عُرباً أتراباً﴾))(١) . فقال الشاب: يا أمير المؤمنين أخبرني عن العروبة؟ قال: ((هي الغنجة الرضية المرضية الشهية، لها ألف وصيف وسبعون ألف وصيفة، صفر الحلي بيض الوجوه، عليهن تيجان اللؤلؤ، (١) سورة الواقعة: ٣٧. ٢٠٧ سورة آل عمران، الآيات: ١٦٩ - ١٧٨ على رقابهم المناديل، بأيديهم الأكواب والأباريق، وإذا كان يوم القيامة يخرج من قبره شاهراً سيفه تشخب أوداجه دماً، اللون لون الدم والرائحة رائحة المسك، يخطو في عرصة القيامة. فوالذي نفسي بيده لو كان الأنبياء على طريقهم لترجّلوا لهم، ممّا يرون من بهائهم، حتى يأتوا إلى موائد من الجواهر فيقعدون عليها، ويشفع الرجل منهم في سبعين ألف من أهل بيته وجيرته، حتى أن الجارين يتخاصمان أيهما أقرب جواراً فيقعدون معي ومع إبراهيم على مائدة الخلد، فينظرون إلى الله في كل يوم بكرة وعشية))(١). وروى مكحول عن كثير بن مرة عن قيس الجذامي: رجل كانت له صحبة قال: قال النبي ◌ُّه: ((يُعطى الشهيد ست خصال عند أول قطرة من دمه: يكفّر عنه كل خطيئة، ويرى مقعده من الجنة، ويزوَّج من الحور العين، ويؤمن الفزع الأكبر وعذاب القبر، ويحلّى بحلية الإيمان)) (٢) [١٨٦ ]. ثابت بن أسلم البناني عن أنس بن مالك قال: كان النبي و 10 في بعض غزواته فأتاه رجل أسود فقال: يا رسول الله إني أسود قبيح الوجه منتن الريح لا مال لي، فإن قاتلت هؤلاء حتى أُقتل فأين أنا؟ قال: ((في الجنة)) قال: فحمل عليهم فقاتل حتى قُتل، قال: فجاء رسول الله (عليه السلام) حتى وقف على رأسه فقال: ((لقد بيّض الله وجهك وطيّب ريحك وأكثر مالك)) ثم قال: ((لقد رأيت زوجتيه من الحور العين في الجنة تنازعانه جبة له من صوف، ليدخلا بينه وبين جبته)»(٣) [١٨٧]. أبو صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَاليقول: ((ما يجد الشهيد من القتل في سبيل الله إلّ كما يجد أحدكم مسَّ القرصة))(٤) [١٨٨]. وفي غير هذا الحديث: ((عضة نملة أشد على الشهيد من مس السلاح))(٥) [١٨٩]. وعن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه قال: قال رسول الله وَ له: ((إن لله عباداً يصونهم عن القتل والزلازل والأسقام، يطيل أعمارهم في حسن العمل، ويحسن أرزاقهم ويُحييهم في عافية ويقبض أرواحهم في عافية على الفرش، ويعطيهم منازل الشهداء))(٦) [١٩٠]. ﴿الذين استجابوا لله والرسول﴾ الآية، وذلك أن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا عن (١) تفسير مجمع البيان: ٢ / ٤٤٤. (٢) المصنف - الكوفي -: ٤ / ٥٨٥. (٣) البداية والنهاية - ابن كثير -: ٤ / ٢١٨. بتفاوت. (٤) مسند أحمد: ٢ / ٢٩٧. (٥) كنز العمال: ٤ / ٤٠٥. (٦) كنز العمال: ٤ / ٤٢٦. بتفاوت. ٢٠٨ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي المسلمين من أُحد فبلغوا الروحاء، ندموا على انصرافهم وتلاوموا وقالوا: لا محمداً قتلتم ولا الكواعب أردفتم قتلتموهم حتى لم يبق منهم إلاّ الشريد، تركتموهم ارجعوا فاستأصلوهم، فبلغ ذلك الخبر رسول الله ﴿ فأراد أن يذهب العدو ويريهم من نفسه وأصحابه قوة، فندب أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان، فقال: ((ألا عصابة تشدد لأمر الله تطلب عدوها فإنها أنكأ للعدو وأبعد للسمع)) فانتدب عصابة منهم مع ما بهم من الجروح والقروح الذي أصابهم يوم أُحد، ونادى منادي رسول الله: ألا لا يخرجن فيها أحد إلاّ من حصر يومنا بالأمس، فكلمه جابر بن عبد الله فقال: يا رسول الله إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع، وقال لي: يا بني إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة ولا رجلٌ فيهم، ولست بالذي أُؤثرك على نفسي بالجهاد مع رسول الله وَّير فتخلف على أخواتك، فتخلفته عليهن، فأذن له رسول الله وَ﴾ فخرج معه، وإنما خرج رسول الله وَّليه مرعباً للعدو ليبلغهم أنه خرج في طلبهم فيظنوا به قوة، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم فينصرفوا، فخرج رسول الله وَّر ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن اليمان وأبو عبيدة بن الجراح في سبعين رجلا، حتى بلغوا حمراء الأسد وهي من المدينة على ثلاثة أميال. وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت لعبد الله بن الزبير: يابن أُختي أما والله إن أباك وجدّك يعني أبا بكر والزبير لمن الذين قال الله: ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح﴾. وروى محمد بن إسحاق عن عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبي السايب: أن رجلا من أصحاب النبي وَل﴿ من بني عبد الأشهل كان شهد أحداً، قال: شهدت أحداً أنا وأخ لي فرجعنا جريحين، فلما أذّن مؤذّن رسول الله بالخروج في طلب العدو قلنا: لا تفوتنا غزة مع رسول الله ◌َ﴿ فوالله ما لنا دابة نركبها وما منّا إلاّ جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله وَ ل وكنت أيسر جرحاً من أخي وكنت إذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة حتى انتهينا مع رسول الله وث لة إلى حمراء الأسد، فمرَّ رسول الله ◌َ﴿ معبد الخزاعي بحمراء الأسد، وكانت خزاعة مسلمهم وكافرهم عيبة رسول الله وَل بتهامة، صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئاً كان بها، ومعبد يومئذ مشرك فقال: يا محمد والله لقد عزّ علينا ما أصابك في أصحابك ولوددنا أن الله كان أعفاك فيهم، ثم خرج من عند رسول الله وَل حتى لقى أبا سفيان ومن معه بالروحاء، قد أجمعوا على الرجعة إلى رسول الله ﴿ وقالوا: قد أصبنا جلّ أصحابه وقادتهم وأشرافهم، ثم رجعنا قبل أن نستأصلهم لنكرّن على بقيتهم فلنفرغن منهم، فلما رأى أبو سفيان معبداً قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه بطلبكم في جمع لم أرَ مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقاً قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على صنيعهم، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أرَ مثله قط، قال: ويلك ما تقول؟ قال: والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل، قال: ٢٠٩ سورة آل عمران، الآيات: ١٦٩ - ١٧٨ فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنأتي على بقيتهم. قال: فإني والله أنهاك عن ذلك فقد حملني ما رأيت على أن قلت فيه أبياتاً قال: وما قلت؟ قال: قلت: إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل كادت تهدّ من الأصوات راحلتي عند اللقاء ولا خرق معاذيل تردي بأسد كرام لا تنــابــة فظلت عدواً أظن الأرض مائلة لمّا سمعوا برئيس غير مخذول إذا تغطمطت البطحاء بالجيل فقلت: ويٌّ لابن حرب من لقائكم ولكل ذي إربة منهم ومعقول إني نذير لأهل السير ضاحية وليس يوصف ما أثبت بالقيل من جيش أحمد لا وحش قنابله قال: فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه، ومرَّ به ركب من عبد القيس فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة نريد الميرة. قال: فهل أنتم مبلّغون محمداً عني برسالة أرسلكم بها وأُحمّل لكم إبلكم هذه زبيباً بسوق عكاظ إذا وافيتمونا؟ قالوا: نعم، قال: فإذا جئتموه فأخبروه إنا قد أجمعنا إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم. وانصرف أبو سفيان إلى مكة ومرَّ الركب برسول الله وَله وهو بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان. فقال رسول الله وأصحابه: حسبنا الله ونعم الوكيل، ثم انصرف رسول الله ﴾ بعد الثالثة إلى المدينة وقد ظفر في وجهه بمعاوية بن المغيرة بن العاص وأبي غرة الجمحي، هذا قول أكثر المفسرين . وقال مجاهد وعكرمة: نزلت هذه الآيات في غزوة بدر الصغرى، وذلك أن أبا سفيان قال يوم أُحد حين أراد أن ينصرف: يا محمد موعدنا بيننا وبينك موسم بدر الصغرى لقابل إن شئت. فقال رسول اللـه وسلم: ((ذلك بيننا وبينك إن شاء الله)) [١٩١] فلما كان العام المقبل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة من ناحية من الظهران، ثم ألقى الله عزّ وجلّ الرعب في قلبه قبل الرجوع، فلقى نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمراً فقال له أبو سفيان: يا نعيم إني واعدت محمداً وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر الصغرى، وإن هذه عام جدب ولا يصلحنا إلاّ عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي أن لا أخرج إليها، وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا، فيزيدهم ذلك جرأة، ولأن يكون الخلف من جهتهم أحبُّ إليَّ من أن يكون من قبلي، فالحق بالمدينة فثبطهم وأعلمهم أنّا في جمع كثير ولا طاقة لهم بنا، ولك عندي عشرة من الإبل أضعها لك على يدي سهيل بن عمرو يضمنها . ٢١٠ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي قال: فجاء سهيل فقال له نعيم: يا أبا يزيد أتضمن لي هذه الفرائض فانطلق إلى محمد وإثبطه. قال: نعم، فخرج نعيم حتى قدم المدينة فوجد الناس يتجهزون بميعاد أبو سفيان، فقال: أين تريدون؟ فقالوا: واعدنا أبو سفيان بموسم بدر الصغرى أن نقتتل بها . قال: بئس الرأي رأيتم، أتوكم في دياركم وقراكم فلم يفلت منكم إلّ شريد، فتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم، والله لا يفلت منكم أحد. فكره أصحاب رسول الله الخروج، فقال رسول الله وَلجر: ((والذي نفسي بيده لأخرجنّ ولو وحدي)) [١٩٢] فأما الجبان فرجع وأما الشجاع فإنه تأهب للقتال وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، فخرج رسول الله وَّل في أصحابه حتى وافوا بدر الصغرى، فجعلوا يلقون المشركين ويسألونهم عن قريش فيقولون: قد جمعوا لكم. يريدون أن يرعبوا المسلمين، فيقول المؤمنون: حسبنا الله ونعم الوكيل، حتى لقوا بدر. وهو ماء لبني كنانة وكانت موضع سوق لهم في الجاهلية يجتمعون إليها في كل عام ثمانية أيام. فأقام رسول الله وَل ببدر ينتظر أبا سفيان، وقد انصرف أبو سفيان من مجنة إلى مكة، فسماهم أهل مكة جيش السويق وقالوا: إنما خرجتم تشربون السويق، فلم يلق رسول الله وَلو وأصحابه أحداً من المشركين ببدر، ووافوا السوق وكانت معهم نفقات وتجارات فباعوها وأصابوا الدرهم والدرهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين(١). فذلك قوله تعالى: ﴿الذين استجابوا لله والرسول﴾. ومحل (الذين) خفض على صفة المؤمنين تقديره ﴿وإن الله لا يضيع أجر المؤمنين﴾ المستجيبين لله والرسول ومعنى الاستجابة: الاجابة والطاعة، نظيره قوله تعالى: ﴿فليستجيبوا لي﴾(٢) فليطيعوا لي ﴿من بعد ما أصابهم القرح﴾ أي نالهم الجراح والكلوم، وتم الكلام هاهنا ثم ابتدأ فقال: ﴿للذين أحسنوا منهم﴾ بطاعة رسول الله وإجابته إلى الغزو ﴿واتقوا﴾ معصيته وطاعته ﴿أجر عظيم﴾ ثواب كثير ﴿الذين قال لهم الناس﴾ ومحل (الذين) خفض أيضاً مردود على الذين الأول، وأراد (بالناس) نعيم ابن مسعود في قول مجاهد ومقاتل وعكرمة والواقدي، وهو على هذا التأويل من العام الذي أُريد به الخاص، نظيره قوله: ﴿أم يحسدون الناس﴾(٣) يعني محمداً وحده، وقوله: ﴿لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس﴾(٤) يريد الرجال وحده . وقال ابن اسحاق وجماعة: يريد بـ (الناس) الركب من عبد القيس وقد مضت قصتهم. وقال السدي: لما تجهز رسول الله صل﴾ وأصحابه للمسير إلى ميعاد أبي سفيان، أتاهم (١) راجع: تفسير الطبري: ٤ / ٢٣٥ - ٢٣٦، وتاريخ الطبري: ٢ / ٢١٢. (٢) سورة البقرة: ١٨٦. (٤) سورة غافر: ٥٧ . (٣) سورة النساء: ٥٤ . ٢١١ سورة آل عمران، الآيات: ١٦٩ - ١٧٨ المنافقون وقالوا: نحن أصحابكم الذين نهيناكم عن الخروج إليهم فعصيتمونا، وقد أتوكم في داركم وقاتلوكم وظفروا، فإن أتيتموهم في ديارهم لا يرجع أحد منكم. فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. وقيل: (الناس) ساروا الناس في هذه الآية هم المنافقون. وقال أبو معشر: دخل ناس من هذيل من أهل تهامة المدينة، فسألهم أصحاب رسول الله ◌َّ﴾ عن أبي سفيان فقالوا: قد جمعوا لكم جموعاً كثيرة فاجتنبوهم. فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، فأنزل الله تعالى ﴿الذين قال لهم الناس﴾ يعني أولئك القوم من بني هذيل ﴿إن الناس﴾ يعني أبا سفيان وأصحابه ﴿قد جمعوا لكم فاخشوهم﴾ فخافوهم واحذروهم، فإنه لا طاقة لكم بهم ﴿فزادهم﴾ ذلك ﴿إيماناً﴾ يعني تصديقاً ويقيناً وقوة وجرأة. ذكر بعض ما ورد في الأخبار في زيادة الإيمان ونقصانه روى مالك عن نافع عن ابن عمر قال: قلنا يا رسول الله الإيمان يزيد وينقص؟ قال: ((نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه النار))(١) [١٩٣]. عطاء: إنما مجادلة أحدكم في الحق، فيكون له في الدنيا بأشد من مجادلة المؤمنين لربّهم في إخوانهم الذين أدخلوا النار. قال: فيقولون: ربّنا إخواننا كانوا يصلّون معنا ويصومون معنا ويحجّون معنا فأدخلتهم النار. قال: فيقول: إذهبوا فأخرجوا من قد عرفتم منهم، فيأتونهم فيعرفونهم بصورهم، فمنهم من أخذته النار إلى أنصاف ساقيه ومنهم من أخذته إلى كعبيه، فيخرجونهم فيقولون: ربّنا قد أخرجنا من أمرتنا. قال: ثم يقول لهم: أخرجوا من كان في قلبه وزن دينار من الإيمان، ثم كان في قلبه وزن نصف دينار، حتى يقول فمن كان في قلبه ذرة (٢). وعن سهل بن حنيف قال: سمعت أبا سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَ له: ((بينما أنا نائم رأيت الناس يعرضون عليَّ وعليهم قميص منها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ دون ذلك، وعرض عليَّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره)) قالوا: فماذا أولت يا رسول الله؟ قال: ((الدين))(٣) [١٩٤]. وعن هذيل بن شرحبيل عن عمر(رضي الله عنه) قال: قال رسول الله وَالر: ((لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض أو بإيمان هذه الأمة لربح به))(٤) [١٩٥]. (١) بحار الأنوار: ٦٦ / ٢٠٩. (٢) مسند أحمد: ٣ / ٩٤. (٣) مسند أحمد: ٥ / ٣٧٤، صحيح البخاري: ٨ / ٧٥. (٤) كنز العمال: ١٢ / ٤٩٣، بنقص يسير. ٢١٢ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي وعن ابن سابط قال: كان عبد الله بن رواحة يأخذ بيد النفر من أصحابه فيقول: تعالوا نؤمن ساعة تعالوا نزدد إيماننا، تعالوا نذكر الله تعالى، [تعالوا نذكره بطاعته لعله يذكرنا بمغفرته](١). وعن عبد الله بن عمرو بن هند قال: قال علي كرم الله وجهه: إن الإيمان يبدأ نقطة بيضاء في القلب، كلما ازداد الإيمان ازدادت بياضاً، حتى يبيضّ القلب كله، وإن النفاق يبدأ نقطة سوداء في القلب، وكلما ازداد النفاق ازدادت سواداً، حتى يسوّد القلب كله، والذي نفسي بيده لو شققتم عن قلب مؤمن لوجدتموه أبيض القلب ولو شققتم عن قلب منافق لوجدتموه أسود القلب . وعن عمير بن حبيب بن خماشة قال: الإيمان يزيد وينقص. فقيل له: وما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا ربّنا وخشيناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وضيقنا فذلك نقصانه. وعن محمد بن طلحة عن زبيد عن زر قال: كان عمر ممّا يأخذ الرجل والرجلين من أصحابه فيقول: قم بنا نزدد إيماناً . وعن محمد بن فضيل عن أبيه عن سماك عن إبراهيم عن علقمة أنه كان يقول لأصحابه: امشوا بنا نزدد إيماناً . وعن الحرث بن عمير عن أبي الدرداء قال: الإيمان يزيد وينقص. وعن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس وأبي هريرة قالا : الإيمان يزداد وینقص. الحرث بن الحصين عن أبي الدرداء قال: الإيمان يزداد وينقص. أبو حذيفة: إن عمر بن عبد العزيز قال: الإيمان يزيد وينقص. سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه قال: ما نقصت أمانة عبد قط إلاّ نقص من إيمانه. وعن عثمان بن سعد الدارمي قال: سألت محمد بن كثير العبدي عن الإيمان فقال: هو قول وعمل يزيد وينقص، قلت: أكان سفيان يقوله؟ قال: نعم بلا شك. وقال: سألت أبا حذيفة موسى بن مسعود عن الإيمان قال: هو قول وعمل يزيد وينقص، قلت: أكان سفيان يقوله؟ قال: نعم. قال: وسألت عارم بن الفضل عن الإيمان، فقال: هو قول وعمل يزيد وينقص، قلت: أكان حماد بن يزيد يقوله؟ قال: نعم. (١) المصنف لابن أبي شيبة: ٧ / ٢٢٧ وما بين معكوفتين منه. ٢١٣ سورة آل عمران، الآيات: ١٦٩ - ١٧٨ قال: وسألت أبا الوليد الطيالسي عن الإيمان، فقال: قول وعمل ونية، قلت: أيزداد وينقص؟ قال: نعم. قال: وسألت سليمان بن حرب عن الإيمان، فقال: مثل ذلك. قال: وسمعت مسلم بن إبراهيم يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. قال: وسألت علي بن عبد الله المديني عن الإيمان، قال: قول وعمل ونية، قلت: أينقص ويزداد؟ قال: نعم يزداد وينقص حتى لا يبقى منه شيء. قال: وسألت عمر بن عون الواسطي عن الإيمان فقال: مثل ذلك. قال: وسمعت يحيى بن يحيى يقول: الإيمان قول وعمل والناس يتفاضلون في الإيمان. قال: وسألت أحمد بن يونس عن الإيمان. قال: هو عمل يزيد وينقص. قال: وسألت عبد الله بن محمد [الطفيل] وكان مُتّقياً عن الإيمان فقال: هو قول وعمل يزيد وينقص، فأروه عني. قال: وسألت أبا بويه الجيلي عن الإيمان فقال: قول وعمل يزيد وينقص. قال: وسمعت محبوب بن موسى الأنطاكي يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ومن كره الاستثناء فقد أخطأ السنّة. قلت: أكان أبو إسحاق الفراري يقوله؟ قال: كان أبو إسحاق يخرج من المصيصة (١) من لا يقول الإيمان يزيد وينقص. قال: وسمعت محبوب بن موسى يقول: سمعت يوسف بن أسباط يقول: الإيمان يزيد وینقص. قال: وسمعت الحسين بن عمر السجستاني يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. قال الحسن: وكان وكيع بن الجراح وعمر بن عمارة وابن أبي برزة وزهير بن نعيم يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص .. قوله تعالى ﴿وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾ أي كافينا وثقتنا، والنون والألف مخفوضتان بالإضافة كقولك: حسب زيد درهم، لان حسب اسم وإن كان في مذهب الفعل ألا ترى ضمة الثانية . قال الشاعر: فتملأ بيتنا إقطا وسمنا .(٢) وحسبك من غنىّ شبع وري (١) المصيصة: بلد بالشام، لا تشدد. (٢) الصحاح: ٥ / ٢١٣٨، تاج العروس: ٥ / ٣٩٢. . ٢١٤ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي ﴿ونعم الوكيل﴾ أي الموكول إليه الأمور، فعيل بمعنى مفعول. قال الواقدي: ونعم الوكيل أي المانع. نظيره قوله: ﴿ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا﴾(١) أي مانعاً، وقوله: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى (٢) بربك وكيلا﴾(٢). عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَالر: ((كان آخر ما تكلم به رسول الله إبراهيم (عليه السلام) حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل)) (٣) [١٩٦]. وعن عوف بن مالك الأشجعي قال: قضى رسول الله وَله بين رجلين فقال المقضي عليه: حسبي الله ونعم الوكيل. فقال النبي ◌َله: ((إن الله يحمد على الكيس ويلوم على العجز، وإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل)) (٤) [١٩٧]. ﴿فانقلبوا﴾ فانصرفوا ورجعوا، نظيره قوله: ﴿لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم﴾(٥) أي رجعوا . ﴿بنعمة من الله﴾ أي بعافية لم يلقوا بها عدواً وبراء جراحهم ﴿وفضل﴾ بربح وتجارة، وهو ما أصابوا من السوق فربحوا ﴿لم يمسسهم سوء﴾ لم يصبهم قتل ولا جرح ولا ينالهم سوء ولا أذى ولا مكروه ﴿واتبعوا رضوان الله﴾ في طاعة الله وطاعة رسوله، وذلك أنهم قالوا: هل يكون هذا غزواً؟ فأعطاهم الله ثواب الغزو ورضى عنهم ﴿والله ذو فضل عظيم * إنما ذلكم الشيطان﴾ يعني ذلك الذي قال لكم: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، من فعل الشيطان ألقى في أفواههم يرهبوهم ويجبنوا عنهم ﴿يخوف أولياءَهُ﴾ أي يخوفكم بأوليائه، أي أولياء إبليس حتى يخوّف المؤمنين بالكافرين. وقال السدي: يعظم أولياءه في صدورهم ليخافوهم، نظيره قوله عزّ وجلّ: ﴿لينذر بأساً شديداً﴾(٦) أي بيأس، وقوله: ﴿لينذر يوم التلاق﴾(٧) و﴿تنذر يوم الجمع﴾(٨) أي بيوم الجمع (١) سورة الاسراء: ٨٦. (٢) سورة الاسراء: ٦٥. (٣) السنن الكبرى: ٦ / ١٥٤، والجامع الصغير: ١ /٦. (٤) المعجم الكبير: ١٨ / ٥٤، كنز العمال: ٣ / ٨٦. (٥) سورة يوسف: ٦٢ . سورة الكهف: ٢. (٦) (٧) سورة غافر: ١٥. (٨) سورة الشورى: ٧. ٦ ٢١٥ سورة آل عمران، الآيات: ١٦٩ - ١٧٨ يخوف الناس أولياءه، كقول القائل: ويعطى الدراهم ويكسي الثياب، بمعنى هو يعطي الناس الدراهم ويكسي الناس الثياب. يدل عليه قراءة ابن مسعود: (يخوف الناس أولياءه). وروى يحيى بن اليمان عن طلحة عن عطاء أنه كان يقرأ ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه﴾ . وروى محمد بن مسلم بن أبي وضاح قال: حدثنا علي بن خزيمة قال: في قراءة أبي بن کعب: بخوفکم بأوليائه. ﴿فلا تخافوهم وخافوز﴾ في ترك أمري ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ مصدقين بوعدي فإني المتكفل لكم بالنصر والظفر ﴿ولا يحزنك﴾. قرأ نافع: (يُحزِنك) بضم الياء وكسر الزاي، وكذلك جميع ما في القرآن من هذا الفعل، إلّ التي في الأنبياء ﴿لا يَحزُّنهم الفزع الأكبر﴾(١) فإنه بفتح الياء وضم الزاي، وضده أبو جعفر، وقرأ ابن محيصن كلها بضم الياء وكسر الزاي. الباقون كلها بالفتح وضم الزاي، وهما اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، وهما لغتان، حزن يحزن وأحزن يحزن إلاّ أن اللغة العالية الفصيحة: حزن يحزن وأحزنته قال الشاعر: مضى صحبي وأحزنني الديار (٢) ﴿الذين يسارعون في الكفر﴾. قرأه العامة: هكذا، وقرأ طلحة بن مصرف: يسرعون. قال الضحاك: هم كفار قريش، وقال غيره: هم المنافقون يسارعون في الكفر بمظاهرة الكفار. ﴿إنهم لن يضروا الله شيئاً﴾ بمسارعتهم في الكفر ومظاهرتهم أهله ﴿يريد الله ألا يجعل لهم حظاً في الآخرة﴾ نصيباً في ثواب الآخرة، فلذلك خذلهم حتى سارعوا في الكفر ﴿ولهم عذاب عظيم﴾ وفي هذه الآية ردّ على القدرية. ﴿إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان﴾ استبدلوا الكفر بالإيمان ﴿لن يضروا الله شيئاً﴾ فإنهم يضرون أنفسهم ﴿ولهم عذاب أليم * ولا يحسبن الذين كفروا﴾. قراءة حمزة وأبي بحتريه: بالتاء. الباقون: بالياء، فمن قرأ بالياء فـ (الذين) في محل الرفع على الفاعل تقديره: ولا يحسبن الكفار أن إملاءنا خير لهم. (١) سورة الأنبياء: ١٠٣. (٢) تفسير القرطبي: ٤ / ٢٨٥. ٢١٦ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي ومن قرأ بالتاء، قال الفراء: هو على التكرير في المعنى، ولا تحسبن يا محمد الذين كفروا ولا تحسبن إنما نملي، لأنك إذا أعلمت الحسبان في الذين لم يجز أن يقع على إنما، وهو كقوله: ﴿فهل ينظرون إلّ الساعة أن تأتيهم بغتة﴾(١) يعني هل ينظرون إلاّ أن تأتيهم بغتة، وقيل: موضع إنما نصب على البدل من الذين. كقول الشاعر: ولكنه بنيان قوم تهدّما (٢) فما كان قيس هلكه هلك واحد فرفع (هلك) على البدل، من الأول، والاملاء الإمهال والتأخير والإطالة في العمر والإنساء في الأجل، ومنه قوله تعالى: ﴿واهجرني ملياً﴾(٣) أي حيناً طويلا ويقال: عشت طويلا، أي تمليت حيناً، وأصله من الملاوة والملا وهما الدهر. قال الشاعر: (٤) ملاوة كأن فوقى جلداً وقد أراني للغوالي مصيداً والملوان: الليل والنهار. قال تميم بن مقبل : بالسبعان أمل عليها بالبلى(٥) ألا يا ديار الحي ثم قال ﴿إنما نملي لهم﴾ نمهلهم ﴿ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين﴾ نزلت هذه الآية في مشركي قريش . قال مقاتل: قال عطاء: في قريظة والنضير. وعن عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه أن رجلا قال: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: ((من طال عمره وحسن عمله))، قال: فأي الناس شر؟ قال: ((من طال عمره وساء عمله)) (٦) [١٩٨]. وقال ابن مسعود: ما من نفس برّة ولا فاجرة إلّ والموت لها، فأما الفاجرة فمستريح ومستراح منه، وقرأ ﴿ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم خيرٌ﴾ الآية، وأما البرّة فقرأ ﴿نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار﴾ . (١) سورة محمد: ١٨. تفسير القرطبي: ٣ / ٤٤، البداية والنهاية: ٨ / ٣٥. (٢) (٣) سورة مريم : ٤٦. (٥) لسان العرب: ٨ / ١٥٠. (٦) مسند أحمد: ٥ / ٤٠. (٤) لسان العرب: ٣ / ١٢٥. ٢١٧ سورة آل عمران، الآيات: ١٧٩ - ١٨٦ كَا كَ أَنَّهُ إِنَذَرَ اَلْتُؤْمِينَ عَ مَا أَّمْ عَتِهِ عَلَى بِرَ الْحَمْمِثَ مِنَّ الْغَيْبِ وَهَا لَنَا أَّهُ يَعْلِمَكُمْ عَ الْنّْبِ وَلَكِنَّ أَلَّهُ بِهْتَّى مِنْ أُمَّاءِ، مَّن بَ دَمِنُواْ بِأَِّ وَرُسُِّمْ، وَإِنْ تُؤْمِنُواْ وَتَسْقُوَ فَكُمْ أَبْرُّ جَرِيمٌ (َ). وَلَّ يَحَْعَّ أَذُِّ بَخَلُونَ بِمَّاً ◌َتَّنَهُمْ أَنَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، هُوَّ مََْ لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرّ ◌َُّ سَيْمُؤْفُونَ مَّا تَعِلُّواْ بِهَ. بَّ الَّكَّمَةُ وَبِلَّهِ مِرْثُ أَنْتَمَوَتِ وَالأَرْسِنُّ وَلَهُ مَّ ◌َكُونَ خَيْهٌ مِنَ لَقَدْ صَمِعَ لَّهُ قَوَلَ اَلَِّينَ وَلَوَأ إِنَّ أَنَّهُ فَثِّرُ وَّرُّ أَضِبَهُ سَتَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الْأَلِيَ بِسَبِ حَقِّ وَيَقُولُ أَوْقُواْ عَذَابَ الْخَرِيقِ ﴿يَ ذَكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيُّدِيَكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَّيْسَ بَظَلَامِ أَنْفِيدِ (لَ أَنََِّ قَالُواْ إِنَّ أَلَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلََّّ لُؤْمِنَ رَسُولٍ عَلَى أَنْيَنَا بِقُرَارٍ نَأكُهُ النَاءُ قَلْ قَدْ جَكُ رُسُلَّ مِنْ قَبْلِ بَلَيْنَتِ وَالَّذِى فَلْتُمْ فَّ فَتْتُمُوهُمْ إِنْ كَّنْتُمْ مَدِفِيَّ ◌َ﴾ فَإِن ◌َكَّذُلُ فَقَدْ كَذِّبَ رُسُّلُ فِىِ لَيْكُ عَدُو ◌ِأَيْتَنْ وَأَنَزَثُرِ وَالْكِتَبِ الْمُسْبِ ﴿لَّ كُلُّ نَفْسِ وَأَبِنَّهُ لَنَّوْتٍ وَإِنَّمَا أُنََّ أُوْرِكْ يَوْمَ الْقِيَمَّةُ فَمَنْ أُشْرَجَ عَنْ أَلَكَارِ وَأُنْجِلَ الْبَهُ فَقَدْ فَارَ وَهَا آَلَّوْءُ الذُّنْيَا إِلَّا مَتَمُ اَلْمُُّورِ (َِّ ﴾ْ لَتْلَكَ فَ أَنْلَكُمْ وَأَفْسِكُمْ وَتَمُوَ مِنَّ الَّذِينَ أُوْنُواْ الْكِتَبَ مِنْ قَيِّدِكُمْ وَمِنَّ الَّذِبَ أَثْرَ ذَا أَذَلِ كَثِيراً وَإِنَ تَصْرُواْ وَتَشْفُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ مَحَزْمِ الْأُمُورِ ◌َ ﴿ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه﴾، اختلفوا في نزولها: فقال الكلبي: قالت قريش: يا محمد تزعم أن من خالفك فهو في النار، والله عليه غضبان " وأن من اتبعك على دينك فهو من أهل الجنة والله عنه راض، فأخبرنا من يؤمن بك ومن لا يؤمن بك؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال السدي: قال رسول الله وَله: ((عرضت عليَّ أُمّتي في صورها في الطين كما عرضت على آدم (عليه السلام) وأُعلمت من يؤمن بي ومن لا يؤمن)) فبلغ ذلك المنافقين واستهزؤا وقالوا: زعم محمد أنه یعلم من يؤمن به ومن يكفر به ممّن لم يخلق بعد، ونحن معه ولا يعرفنا، فبلغ ذلك رسول الله ولي﴿ فقام على المنبر خطيباً فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ((ما بال [القوم] (١) حملوني وطعنوا في حلمي، لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة إلاّ أنبأتكم)) [١٩٩]. فقام عبد الله بن حذافة السهمي فقال: يا رسول الله من أبي؟ فقال: ((حذافة))، فقام عمر ابن الخطاب (رضي الله عنه) فقال: يا رسول الله رضينا بالله ربّاً وبالإسلام ديناً وبالقرآن إماماً وبك نبيّاً فاعف عنّا عفا الله عنك. فقال النبي وقال: ((فهل أنتم منتهون، فهل أنتم منتهون؟)) ثم نزل عن المنبر، فأنزل الله تعالى هذه الآية (٢). (١) هكذا في الأصل. (٢) أسباب النزول للواحدي: ٨٨، باختلاف، ومصنف بن أبي شيبة: ٨ / ٦٩٨، وتفسير الطبري: ٧ / ١١٠. ٢١٨ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي فقالت أم حذافة له: ويحك ما أردت إلاّ أن تعرضني لرسول الله. فقال: كان الناس قد أذوني فيك فأحببت أن أسأل رسول الله و له فإن كانوا صدقوا رضيت وسكت، وإن كذبهم رسول اللهِ وَلُّ كفّوا عني. وقال أبو العالية: سأل المؤمنون أن يُعطوا علامة يفرقون بها بين المؤمنين والمنافقين، فأنزل الله عزّ وجلّ ﴿ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه﴾ واختلفوا في حكم الآية ونظمها : فقال بعضهم: الخطاب الكفار والمنافقين من الكفر والنفاق ﴿حتى يميز الخبيث من الطيب﴾ وهذا قول ابن عباس والضحاك ومقاتل والكلبي وأكثر المفسرين. وقال آخرون: الخطاب للمؤمنين الذين أخبر عنهم، ومعنى الآية: ما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من التباس المؤمن بالمنافق، حتى يميز الخبيث من الطيب، وعلى هذا القول هو من خطاب التلوين، رجع من الخبر إلى الخطاب كقوله: ﴿وجرين بهم﴾(١). وكقول الشاعر: يا لهف نفسى كان جلدة خالد وبياض وجهك للتراب الأعفر وهذا قول أكثر أهل المعاني، واللام في قوله: ﴿ليذر﴾ لام الجحد، وهي في تأويل كي، ولذلك نصب ما بعدها حتى يميّز. قرأ الحسن وقتادة وأهل الكوفة: بضم الياء والتشديد وكذلك التي في الأنفال، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم. الباقون: بفتح الياء مخففاً . يقال: بان الشيء يميّزه ميزاً وميّزه تميّزاً، إذا فرّقه وامتاز وانماز هو بنفسه. قال أبو معاذ يقال: مزت الشيء أميزه ميزاً إذا فرقت بين شيئين، فإذا كانت أشياء قلت: ميّزتها تمييزاً، ومثله إذا جعلت الشيء الواحد شيئين، قلت: فرّقت بينهما، ومنه فرق الشعر، فإن جعلت أشياء قلت: فرقه وفرقها تفريقاً، ومعنى الآية: حتى يميّز المنافق من المخلص فيميّز الله المؤمنين يوم أحد من المنافقين، حيث أظهروا النفاق وتخلفوا عن رسول الله وَلقر . قتادة: حتى يميّز المؤمن من الكافر بالهجرة والجهاد، ونظيرها في سورة الأنفال. ابن (١) سورة يونس: ٢٢. (٢) تفسير الطبري: ١ / ١٠١. ٢١٩ سورة آل عمران، الآيات: ١٧٩ - ١٨٦ كيسان ﴿ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه﴾ من الإقرار حتى نفرض عليهم الجهاد والفرائض التي فيها تخليصهم، ليميّز بها بين من يثبت على إيمانه ممّن ينقلب على عقبيه. الضحاك: ﴿ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه﴾ في أصلاب الرجال وأرحام النساء، يا معشر المنافقين والمشركين حتى يفرّق بينكم وبين من في أصلابكم وأرحام نسائكم من المؤمنين. وقال بعضهم: حتى يميّز الخبيث وهو المذنب، من الطيب وهو المؤمن، يعني حتى يحط الأوزار من المؤمن ما يصيبه من نكبة ومحنة ومصيبة. ﴿وما كان الله ليطلعكم على الغيب﴾ لأنه لا يعلم الغيب أحد غيره ﴿ولكن الله يجتبي﴾ يختار ﴿من رسله من يشاء﴾ بالغيب فيطلعه على بعض علم الغيب، نظيره قوله تعالى: ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلاّ من ارتضى من رسول﴾(١). وقال السدي: وما كان الله ليطلع محمداً يسير على الغيب ولكن الله اجتباه ﴿فآمنوا بالله ورسوله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم﴾. وروى الفضل بن موسى عن رجل قد سمّاه قال: كان عند الحجاج منجم فأخذ الحجاج حصيات لم يعدّهن وقال للمنجم: كم في يدي؟ فحسب فأصاب المنجم، ثم اعتقله الحجاج، فأخذ حصيات لم يعدّهن فقال للمنجم: كم في يدي؟ فحسب وحسب ثم أخطأ ثم حسب أيضاً فأخطأ، فقال: أيها الأمير أظنك لا تعرف عددها في يدك؟ قال: فما الفرق بينهما؟ قال: إن ذلك أحصيته فخرج عن حد الغيب فحسبت وأصبت، وإن هذا لم يعرف عددها فصار غيباً ولا يعلم الغيب إلاّ الله. ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم﴾. من قرأ بالياء جعل هو [ابتداء] وجعل الاسم مضمراً وجعل الخير خيراً بحسبان تقديره: ولا تحسبن الباخلون البخل خيراً لهم، فاكتفا بذكر (يبخلون) من البخل كما تقول في الكلام: قد قدم زید فسررت به، وأنت ترید سررت بقدومه. قال الشاعر: إذا نهي السفيه جرى إليه وخالف والسفيه إلى خلاف (٢) أي جرى إلى السفه ونظير هذا قوله: ﴿اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك﴾(٣) هو (١) سورة الجن: ٢٦ - ٢٧. (٢) تفسير القرطبي: ٤ / ٢٩٠. (٣) سورة الأنفال: ٣٢. ٢٢٠ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي ابتداء والحق خبر كان، وقوله: ﴿ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق﴾(١). ومن قرأ بالتاء فعلى التكرير والبدل، كما ذكرنا في آية الاملاء(٢)، قال الله تعالى: ﴿بل هو﴾ يعني البخل ﴿شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة﴾. قال المبرد: السين في قوله: ﴿سيطوقون﴾ سين الوعيد وتأويلها: سوف يطوقون، واختلفوا في معنى الآية: فقال قوم: معناها فجعل ما بخل به وما يمنعه من الزكاة حيّة تطوق في عنقه يوم القيامة تنهشه من قرنه إلى قدمه وتنقر رأسه، تقول: أنا مالك، فلا يزال كذلك حتى يساق إلى النار ويغل، وهذا قول ابن مسعود وابن عباس وأبي [وائِل] وابن مالك وابن فرعة والشعبي والسدي، ويدل عليه ما روى أبو وائل عن عبد الله عن النبي ون * قال: ((ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلاّ جُعل له شجاع في عنقه يوم القيامة)) [٢٠٠] ثم قرأ علينا رسول الله وَل و مصداق من كتاب الله تعالى ﴿سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة﴾(٣). وعن رجل من بني قيس قال: قال رسول الله وَلجر: ((ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه يسأله من فضل الله إيّاه فيبخل به عنه إلاّ أخرج الله له من جهنم شجاع يتلمظ حتى يطوقه)) [٢٠١] ثم تلا ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون﴾ (٤) الآية. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ لجر: ((ما من عبد يكون له مال فيمنعه من حقه ويضعه في غير حقه إلّ مثله الله شجاعاً أقرع منتن الريح لا يمر بأحد إلاّ استعاذ منه حتى دنا من صاحبه، فإذا دنا من صاحبه أعوذ بالله منك، قال: لمَ تستعيذ مني وأنا مالك الذي كنت تبخل به في الدنيا فيطوقه في عنقه فلا يزال في عنقه حتى يدخله الله جهنّم)) وتصديق ذلك في القرآن ﴿سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة﴾(٥) [٢٠٢]. فقال إبراهيم النخعي: معناه يُجعل يوم القيامة في أعناقهم طوقاً من نار. مجاهد: يكلفون يوم القيامة أن يأتوا ممّا بخلوا به في الدنيا من أموالهم يوم القيامة. المؤرّخ: يلزمون أعمالهم مثل ما يلزم الطوق بالعنق، يقال: طوق فلان عمله مثل طوق الحمامة . (١) سورة سبأ: ٦. (٢) سبق في تفسير قوله تعالى: ﴿ولهم عذاب أليم ولا يحسبنَّ الذين كفروا﴾. (٣) مسند أحمد: ٢ / ٩٨. والسنن الكبرى: ٤ / ٨٩. (٤) تفسير الطبري: ٤ / ٢٥٤، تفسير ابن كثير: ١ / ٤٤٢. (٥) تفسير الطبري: ٧ / ٢٣٧، تفسير ابن كثير: ٢ / ١٣٣، (بتفاوت).