النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ سورة آل عمران، الآيات: ٧٥ - ٨٥ ويعلم منه ما مضى وتأخرا(١) لوى اللّه علم الغيب عم سواءه ونظيره قوله: ﴿وإن تلووا أو تعرضوا .... ) الآية. ﴿لتحسبوهُ﴾: لتظنّوا ما حرّفوا ﴿من الكتاب﴾: الذي أنزله الله. ﴿وما هو من الكتاب ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون﴾: إنّهم كاذبون. وروى جويبر عن الضحّاك عن ابن عباس: إنّ الآية نزلت في اليهود والنّصارى جميعاً والذين هم حرّفوا التوراة والإنجيل، وضربوا كتاب اللّه بعضه ببعض وألحقوا به ما ليس منه فأسقطوا منه الدين الحنفي، فبيّن اللّه تعالى كذبهم للمؤمنين. ﴿ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوّة﴾ الآية. قال الضحّاك ومقاتل: ما كان لبشر يعني عيسى (عليه السلام) ﴿أن يؤتيه الله الكتاب﴾ يؤتى الحكمة. نزلت في نصارى أهل نجران. وقال ابن عباس وعطاء: ما كان لبشر يعني محمداً وسلو أن يؤتيه الله الكتاب: يعني القرآن؛ وذلك أنّ أبا رافع القرظي من اليهود والرئيس من نصارى أهل نجران قالا: يا محمد أتريد أن نعبدك ونتخذك رباً؟ فقال رسول اللّه وقوله: ((معاذ الله أن نعبد غير الله أو نأمر بعبادة غير الله ما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني» [٧٣] (٢). فأنزل اللّه تعالى هذه الآية. وقال الحسن: بلغني أنّ رجلاً قال: يا رسول اللّه نسلّم عليك كما يسلّم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك؟ قال: (( لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله ، ولكن أكرموا نبيّكم واعرفوا الحق لأهله)) [٧٤](٣). فأنزل اللّه ﴿ما كان لبشر﴾: يعني ما ينبغي لبشر، كقوله ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً﴾(٤) وكقوله ﴿ما يكون لنا أن نتكلّم بهذا﴾(6): يعني ما ينبغي. وقال أهل المعاني: هذه اللام منقولة وأن بمعنى اللام، وتقدير الآية: ما كان لبشر ليقول ذلك. نظير قوله: ﴿ما كان للّه أن يتّخذ من ولد﴾(٦): أي ما كان الله ليتخذ ولداً وقوله ﴿ما كان لنبي أن يغل﴾(٧) أي ما كان لنبىّ ليغلّ. والبشر جميع بني آدم لا واحد من لفظه: كالقوم والجيش، ويوضع موضع الواحد والجمع. (١) لسان العرب: ١٤ / ٤١٣. (٢) تفسير الطبري: ٣ / ٤٤١. (٣) أسباب نزول الآيات: ٧٤، تفسير مجمع البيان: ٢ / ٣٣١. (٤) سورة النساء: ٩٢. سورة النور: ١٦ . (٥) (٦) سورة مريم: ٣٥. (٧) سورة آل عمران: ١٦١ . ١٠٢ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي ﴿أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوّة﴾: يعني الفهم والعلم، وقيل أيضاً الأحكام عن اللّه تعالى، نظير قوله تعالى ﴿أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوّة﴾(١). ﴿ثمّ يقول للنّاس﴾: نصب على العطف، وروى محبوب عن أبي عمرو: ثُمّ يقولُ بالرفع على الإستئناف. ﴿كونوا عباداً لي من دون الله﴾: قال ابن عباس: هذه لغة مُزينة تقول للعبيد عباد. ﴿ولكن كونوا﴾: أي ولكن يقول كونوا، فحذف القول. ﴿ربّانيّن﴾: إختلفوا فيه: فقال عليّ وابن عباس والحسن والضحّاك: كونوا فقهاء علماء. مجاهد: فقهاء وهم دون الأحبار. أبو رزين وقتادة والسّدّي: حكماء علماء، وهي رواية عطية عن ابن عباس. وروى سعيد بن جبير عنه: فقهاء معلّمين. وقال مرّة بن شرحبيل: كان علقمة من الرّبانيّن الذين يعلّمون النّاس القرآن. وروى الفضل بن عياض عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير: حكماء أتقياء. ابن زيد: ولاة النّاس، وقادتهم بعضهم متعبدین مخلصين. عطاء: علماء حكماء نصباء لله في خلقه. أبو عبيد: لم يعرف العرب الرّبانيّن. أبو [عبيد]: سمعتُ رجلاً عالماً يقول: الرّباني: العالم بالحلال والحرام والأمر والنهي. العارف بأنباء الأمّة وما كان وما يكون. المؤرّخ: كونوا ربّانيين تدينون لرّبكم، كأنّه فعلاني من الربوبية. وقال بعضهم: كان في الأصل ربّي، فأدخلت الألف للتضخيم وهو لسان السريّانية، ثم أدخلت النون لسكون الألف كما قيل: صنعاني وبحراني وداراني. المبرّد: الرّبانيوّن: أرباب العلم واحدها ربّان وهو الذي يرث العلم ويربّب النّاس أي يعلّمهم ويصلحهم فيقوم بأمرهم، والألف والنون للمبالغة. كما قالوا: ريّان وعطشان وشبعان وغوثان ونعسان من النّعاس ووسنان ثم ضُمّ إليه ياء النسبة كما قيل. وقال الشاعر: منه الحديث وربّاني أحباري(٢) لو كنت مرتهناً في الحقّ أنزلني وقد جمع علي (رضي الله عنه) هذه الأقاويل أجمع فقال: هو الّذي يُربى علمه بعمله. وقال محمد بن الحنفية يوم مات ابن عباس: مات ربّاني هذه الأمّة. (١) سورة الأنعام: ٨٩. (٢) تفسير القرطبي: ٤ / ١٢٢. ١٠٣ سورة آل عمران، الآيات: ٧٥ - ٨٥ ﴿بما كنتم﴾: معناه الوجوب أي: بما أنتم. كقوله ﴿وَكَانَتْ امْرَأَتِي عَاقِراً﴾(١): أي وامرأتي، وقوله ﴿مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً﴾(٢) أي من هو في المهد صبيّاً. ﴿تعلّمون الكتاب﴾: قرأ السلمي والنخعي وابن جبير والضحاك وأهل الكوفة: تعلّمون بالتشديد من التعليم، واختاره أبو عبيدة، وقرأ الباقون تعلمون بالتخفيف من العلم، واختاره أبو حاتم، وقال أبو عمرو: وتصديقها ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ فلم يقل يدرسون وقرأ الحسن تعلّمون، التاء والعين وتشديد اللام على معنى تعلمون، وقرأ أبو عبيدة: تدرسون من أدرسَ يُدرس. وقرأ سعيد بن جبير: تدرّسون من التدريس. الباقون: يدرسون من الدرس أي يقرأون، نظيره في سورة الأعراف ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾(٣). جويبر عن الضحّاك عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللّه وَ ل﴾ ((ما من مؤمن ذكر ولا أُنثى حرِّ ولا عبد مملوك إلاّ وللّه عزّ وجل عليه حقّ واجب أن يتعلّم من القرآن ويتفقّه فيه، ثم تلا هذه الآية ﴿ولكن كونوا ربّانيين بما كنتم تعلّمون وبما كنتم تدرسون﴾))(٤). ﴿ولا يأمركم﴾: قرأ الحسن وابن أبي إسحاق وعاصم وحمزة: ﴿ولا يأمركم﴾ بالنصب عطفاً على قوله ﴿ثمّ يقولَ﴾. وقيل: على إضمار أنّ وهو على هذه القراءة مردود على البشر. وقرأ الباقون بالرفع على الإستئناف والإنقطاع من الكلام الأوّل، يدلّ عليه قراءة عبد الله وطلحة ﴿ولن يأمركم) ثمّ اختلفوا فيه، فقرأ الأكثر على معناه ﴿ولا يأمركم الله﴾. وقال ابن جريح: ولا يأمركم محمد عليه الصّلاة والسّلام، وقيل: ولا يأمركم البشر. ﴿أن تتخذوا الملائكة والنبيّن أرباباً﴾: كقول قريش وبني مليح حيث قالوا: الملائكة بنات اللّه، واليهود والنّصارى حيث قالوا في المسيح وعُزير ما قالوا. ﴿أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون﴾: على ظهر التعجّب والإنكار، يعني: لا يفعل هذا . ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النّبيّن لمّا آتيتكم من كتاب وحكمة﴾، قرأ سعيد بن جبير ﴿لمّا) بتشديد الميم، وقرأ يحيى بن رئاب والأعمش وحمزة والكسائي بجرّ اللام وتخفيف الميم. وأما الباقون: بفتح اللام وتخفيف الميم، فمن فتح اللام وخفّف الميم فقال الأخفش: هي (١) سورة مريم: ٥. (٢) سورة مريم: ٢٩. (٣) سورة الأعراف: ١٦٩. (٤) تفسير القرطبي: ٤ / ١٢٢. ١٠٤ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي لام الابتداء أدخلت على ما الخبر كقول القائل: لزيد أفضل منك، وما آتيتكم والذي بعده صلة له وجوابه في قوله: ﴿لتؤمنن به﴾ فإن شئت جعلت خبر ما. من كتاب الله. وتقول من زائدة معناها: لما آتيتكم كتاب وحكمة، ثم ابتدأ فقال: ﴿ثم﴾ يعني: ثم يجيئكم، وإن شئت قلت: ثم أن جاءكم رسولٌ مصدقٌ لما معكم لتؤمنن به . ﴿ولتنصرنّه﴾: اللام لام القسم تقديره: والله لتؤمننّ به. فأكدّ في أول الكلام بلام التأكيد، وفي آخر الكلام بلام القسم. وقال الفرّاء: من فتح اللام جعلها لاماً زائدة لقوله: اليمين إذا وقعت على جملة صيّرت فعل ذلك الجزاء على هيئة فعل، وصيّرت جوابه كجواب اليمين، والمعنى: أي كتاب آتيتكم ثم جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتؤمننّ به، للآم في قوله لتؤمننّ به . وقال المبرّد والزجّاج: هذه لام التحقيق دخلت على ما الجزاء كما تدخل على أن، ومعناه: مهما آتيتكم من كتاب وحكمة، ثمّ جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتؤمننّ به، اللام في قوله لتؤمننّ به جواب الجزاء كقوله: ﴿ولئن شئنا لنذهبن﴾(١) ونحوه. وقال الكسائي: لتؤمننّ: متصل بالكلام الأول وجواب الجزاء في قوله: ﴿فمن تولى بعد ذلك﴾، ومن كسر اللام فهي لام الإضافة دخلت على ما الذي، ومعناه: الذي آتيتكم يعني: أخذ ميثاق النبيين لأجل الذي أمامهم من كتاب وحكمة ثم أن جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتؤمننّ به من بعد الميثاق؛ لأن أخذ الميثاق بمنزلة الاستحلاف، وهو كما نقول في الكلام أخذت ميثاقك لتفعلن كذا وكذا كأنك قلت: استحلفتك لتفعلن. وقال صاحب النظم: من كسر اللام فهو بمعنى بعد يعني: بعد ما آتيتكم من كتاب وحكمة، كقول النابغة : توهّمت آيات لها فعرفتها لستة أعوام وذا العام سابع (٢) أي: بعد ستة أعوام، ومن شدد الميم فمعناه: حين آتيتكم لقوله تعالى ﴿آتيتكم﴾. قرأ أهل الكوفة: آتيناكم على التعظيم، وقرأ الآخرون: آتيتكم على التفريد، وهو الاختيار الموافقة الخط كقوله: ﴿وأنا معكم﴾(٣) والقول مثمر في الآية على الأوجه الثلاثة تقديرها: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين). واختلف المفسّرون في معنى هذه الآية، فقال قوم: إنّما أخذ الميثاق على الأنبياء أن (١) سورة الإسراء: ٨٦. (٢) لسان العرب: ٤ / ٥٦٩. (٣) سورة آل عمران: ٨١. ١٠٥ سورة آل عمران، الآيات: ٧٥ - ٨٥ يصدق بعضهم بعضاً، ويأمر بعضهم بالإيمان ببعض، فذلك معنى آخر بالتصديق، وهذا قول سعيد بن جبير وطاووس وقتادة والحسن والسدّي، يدل عليه ظاهر الآية، وقال علي (رضي الله عنه): لم يبعث الله نبياً . آدم ومن بعده. إلاّ أخذ عليه العهد في محمد رَّر، وأمره بأخذ العهد على قومه لتؤمنن به ولئن بعث وهم أحياء لينصرنّه، وقال آخرون: إنّما أخذ الميثاق على أهل الكتاب الذين أرسل منهم النبيين، وهو قول مجاهد والربيع. قال مجاهد: هذا خلط من الكتاب وهو من قراءة عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب: وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب، قالوا: ألا ترى إلى قوله ثم ﴿جائكم رسول مصدّق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه﴾ وإنّما كان محمد له مبعوثاً إلى أهل الكتاب دون النبيين. وقال بعضهم: إنّما أخذ الميثاق على النبيين وأُممهم [ليؤمنن به]، ففرد الأنبياء عن ذكر الأمم لأن في أخذ الميثاق على المتبوع دلالة على أخذه على الأتباع، وهذا معنى قول ابن عباس وهذا أولى بالصواب. قال الله: ﴿أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري﴾ أي وقبلتم على ذلك عهدي، نظير قوله تعالى: ﴿إن أوتيتم هذا فخذوه﴾(١) أي فاقبلوه، وقوله تعالى: ﴿لا يؤخذ منها عدل﴾ أي لا يقبل منها فداء، وقوله: ﴿يأخذ الصدقات﴾ أي يقبلها، ﴿قالوا أقررنا﴾. قال الله: ﴿فاشهدوا﴾ على أنفسكم وعلى أتباعكم ﴿وأنا معكم من الشاهدين﴾ عليكم وعليهم. قال ابن عباس: فاشهدوا: يعني فاعلموا، قال الزجّاج: فاشهدوا أي فبيّنوا لأن الشاهد هو الذي عين دعوى المدّعي، وشهادة الله للنبيين بيّنوا أمر نبوتهم بالآيات والمعجزات، وقال سعيد بن المسيب: قال الله تعالى للملائكة: فاشهدوا عليهم، فتكون كناية عن غير مذكور. ﴿فمن تولى بعد ذلك﴾ الإقرار والإشهاد ﴿فأولئك هم الفاسقون﴾ العاصون، الخارجون عن الإيمان. ﴿أفغیر دین الله يبغون) الآية. قال ابن عباس: اختصم أهل الكتاب إلى رسول الله وَل﴾ فيما اختلفوا بينهم من دين إبراهيم (عليه السلام) كل فرقة زعمت أنّه أولى بدينه، قال النبي ◌َّ: كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم، فغضبوا وقالوا: والله ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك، فأنزل الله ﴿أفغير دين الله يبغون﴾ وهو قراءة الحسن وحميد ويعقوب وسلام وسهل وصفوان بالياء لقوله: ﴿أولئك هم (١) سورة المائدة: ٤١ . ١٠٦ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي الفاسقون﴾، وقرأ أبو عمرو: يبغون بالياء وترجعون بالتاء، قال: لأن الأول خاص والثاني عام؛ ففرّق بينهما لافتراقهما في المعنى، وقرأ الباقون: بالتاء فيهما على الخطاب لقوله: ﴿لما آتيتكم من کتاب وحکمة﴾. ﴿وله أسلم﴾ خضع وانقاد من في السموات والأرض طوعاً﴾ والطوع الانقياد والاتباع بسهولة من قولهم: فرسٌ طوع العنان، أي منقاد ﴿وكرهاً﴾ والكره: ما كان بمشقة وإباء من النفس، كرهاً بضم الكاف وهما مصدران وضعا موضع الحال، كأنّه قال: وله أسلم من في السموات والأرض طائعين وكارهين، واختلفوا في قوله طوعاً وكرهاً، فروى أنس بن مالك عن رسول الله ﴿ في قوله: ﴿وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً﴾ قال: ((الملائكة أطاعوه في السماء، والأنصار وعبد القيس أطاعوه في الأرض)) [٧٥](١). وقال النبي صل﴿: ((لا تسبّوا أصحابي فإنّ أصحابي أسلموا من خوف الله، وأسلم الناس من خوف السيف)) [٧٦](٢). وقال الحسن والمفضّل: الطوع لأهل السموات خاصة، وأهل الأرض منهم من أسلم طوعاً ومنهم من أسلم كرهاً . ابن عباس: عبادتهم لله أجمعين طوعاً وكرهاً وانقياداً له. الربيع عن أبي العالية في قول الله تعالى: ﴿وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً﴾ قال: كل بني آدم أقرّ على نفسه أنّ الله ربّ وأنا عبده، فهذا الإسلام لو استقام عليه، فلمّا تكلّم به صار حجة عليه، ثم أشرك في عبادته فهذا الذي أسلم كرهاً، ومنهم من شهد أنّ الله ربّي وأنا عبده، ثم أخلص العبودية فهذا الذي أسلم طوعاً، وقال الضحاك: هذا حين أخذ منه الميثاق وأقرّ به. مجاهد: طوعاً: ظل المؤمن وكرهاً: ظل الكافر، يدلّ عليه قوله: ﴿ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدوّ والآصال﴾(٣)، وقوله: ﴿يتفيّؤا ظلاله عن اليمين والشمائل سجداً لله﴾ (٤). الشعبي: هو استعاذتهم به عند اضطرارهم، يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين﴾(٥). (١) الدر المنثور: ٢ / ٤٨. (٢) تفسير القرطبي: ٤ / ١٢٨. (٣) سورة الرعد: ١٥. سورة النحل: ٤٨ . (٤) (٥) سورة العنكبوت: ٦٥. ١٠٧ سورة آل عمران، الآيات: ٨٦ - ٩٢ قتادة: المؤمن أسلم طائعاً والكافر كارهاً؛ فإما المؤمن فأسلم طائعاً فنفعه ذلك وقبل منه، وأما الكافر فأسلم كارهاً في وقت البأس والمعاينة حتى لا يقبل منه ولا ينفعه، يدل عليه قوله: ﴿فلم يكُ ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا﴾(١). الكلبي: طوعاً: الذين ولدوا في الإسلام، وكرهاً: الذين أجبروا على الإسلام. عكرمة: وكرهاً: من اضطرته [الحجة] إلى التوحيد، يدلّ عليه قوله تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله﴾(٢)، وقوله: ﴿ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولنّ الله﴾(٣). ابن كيسان: وله أسلم أي خضع من في السموات والأرض فيما صيّرهم عليه وصوّرهم فيه وما يحدث فهم لا يمتنعون عليه، كرهوا ذلك أو أحبوه. ﴿وإليه يُرجعون﴾(٤) الحكم عن مجاهد عن ابن عباس قال: إذا استصعبت دابة أحدكم أو كانت شموساً فليقرأ في أذنها هذه الآية. ﴿قل آمنا بالله﴾ إلى قوله ﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً﴾ الآية نزلت في اثني عشر رجلا ارتدّوا عن الإسلام وخرجوا من المدينة ولحقوا بمكة كفاراً منهم: الحرث بن سويد الأنصاري أخو الحلاس بن سويد، وطعمة بن أشرف الأنصاري، ومقيس بن صبابة الليثي، وعبد الله بن أنس بن خطل من بني تميم بن مرة، ووجوج بن الأسلت، وأبو عاصم بن النعمان، فأنزل الله فيهم: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾. كِّفَ يَهْدِى أَنَّهُ فَوْمَا حِكَوَرُواْ بِمَذَ إِيَعَنِهِمْ وَشَهِدُوَاْ أَنَّ أَزَّسُولُ عَنَّ وَبَدَهُمُ الَّتَتَّ وَأَلَّهُ لَا يَهْدِى أَلَنَّوْءٌ أَلَّيْلِمِينَ (١١) أَزَلَهَكَ جَرَ آَهُمْ أَنَّ عَيْهِمْ لَنَّنَةَ أَّهِ وَالْمَتْبِكُمْ وَأَلنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٥٧) عَبِيِنَّ فِيهَا لَا أُعْفُ عَنْهُمُ الْمَذَابُ وَلَ هُمْ يُنَظُونَ ﴿يَهَ إِلَّ أَلِّيَ دَبَُّأْ مِنْ بَعْدِ ذَّبِّكَ وَأَسْلَمْرَا وَنَّ الَّهُ غَفُورٌ أحِهِ. فَ إِنَّ أَِّنَ كَّرَأَ بَعْدَ إِيَمَنِهِمْ ثُمَّ أَزْدَادُوا كُتْرَا أَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُّهُمْ وَأَوْلَكَ هُمْ اشَاءُونَ (٤٥) إِنَّ الَّذِينَ كَرُوًا وَمَاءًاً وَهُمْ كُفَّارٌ فَتَى بُقْبَكْلَ مِنْ أَحَدِهِم بِلْ؛ اَلْأَرْضِ ذَهَا وَأَِّ أَقْتَدَدْ هُ، أَنَّهَكَ لَهْ عَذَابٌ أَيٌِّ وَمَا لَهُمِ قِنْ نَِّنَّ (١) أَ ثَالُواْ أَلْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِنَا فُونَ وَمَا أُعِفُواْ مِنْ تَوْمٍ فَإِنَّكَ اللَّهُ مْ عَلِمُ لَ (١) سورة غافر: ٨٥. (٢) سورة الزخرف: ٨٧. (٣) سورة العنكبوت: ٦١. (٤) سورة آل عمران: ٨٣. ١٠٨ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي ﴿كيف يهدي الله قوماً كفروا بعد إيمانهم﴾: لفظه استفهام ومعناه جحد، أي لا يهدي الله . قال الشاعر: كيف نومي على الفراش ولمّا تشمل الشام غارة شعواء(١) أي لا نوم لي، نظير قوله: ﴿كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله﴾(٢): أي لا يكون لهم عهد، وقيل: معناه كيف يستحقون العبادة؟ وقيل: معناه كيف يهديهم الله للمغفرة إلى الجنّة والثواب ؟ ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾(٣) أي لا يرشدهم ولا يوفقهم، وهو خاص فيمن علم الله عز وجل منهم، وأراد ذلك منهم، وقيل: معناه: لا يثيبهم ولا ينجيهم [إلى الجنة]. ﴿أولئك جزاؤهم ... ﴾ (٤) إلى قوله: ﴿إلّ الذين تابوا﴾ وذلك أنّ الحرث بن سويد لما لحق بالكفار ندم، فأرسل إلى قومه أن اسألوا رسول الله هل له من توبة؟ ففعلوا ذلك فأنزل الله تعالى: ﴿إلاّ الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإنّ الله غفورٌ رحيمٌ﴾(٥) لما كان، فحملها إليه رجل من قومه وقرأها عليه، فقال الحرث: إنّك والله ما علمت لصدوق، وأنّ رسول اللـه وَ ل ◌َه لأصدق منك، وأنّ الله عز وجل لأصدق الثلاثة، فرجع الحرث إلى المدينة وأسلم وحسن إسلامه. وقال مجاهد: نزلت هذه الآية في رجل من بني عمرو بن عوف كفر بعد إيمانه ولحق بالروم فتنصّر، فأنزل الله عز وجل فيه هذه الآيات: ﴿إنّ الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً ... ﴾. قال الحسن وقتادة وعطاء الخراساني: نزلت هذه الآية في اليهود، كفروا بعيسى (عليه السلام) والإنجيل بعد إيمانهم بأنبيائهم وكتبهم، ثم ازدادوا كفراً بكفرهم بمحمد بَطاهر والقرآن. أبو العالية: نزلت في اليهود والنصارى، كفروا بمحمد بسي ار لما رأوه وعرفوه بعد إيمانهم بنعته وصفته في كتبهم، ثم ازدادوا ذنوباً في حال كفرهم. مجاهد: نزلت في الكفار كلهم، أشركوا بعد إقرارهم بأنّ الله خالقهم، ثم ازدادوا كفراً أي أقاموا على كفرهم حتى هلكوا عليه. الحسن: كلّما نزلت عليم آية كفروا بها فازدادوا كفراً. قطرب: كما ازدادوا كفراً بقولهم نتربص بمحمد ريب المنون. (١) لسان العرب: ١١ / ٣٦٨. (٢) سورة التوبة: ٧. (٣) سورة التوبة: ١٩. (٤) سورة آل عمران: ٨٧. (٥) سورة آل عمران: ٨٩. ١٠٩ سورة آل عمران، الآيات: ٨٦ - ٩٢ الكلبي: نزلت في أحد عشر أصحاب الحرث بن سويد، لما رجع الحرث قالوا: نقيم بمكة على الكفر ما بدا لنا، فمتى ما أردنا الرجعة رجعنا، فينزل فينا ما نزل في الحرث، فلمّا فتح رسول الله ور مكة دخل في الإسلام من دخل منهم فقبلتْ توبته، فنزل فيمن مات منهم كافراً ﴿إنّ الذين كفروا وماتوا وهم كفار﴾ الآية، فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: ﴿لن تُقبل توبتهم﴾ وقد سبقت حكمة الله تعالى في قبول توبة من تاب؟ قلنا: اختلف العلماء فيه، فقال بعضهم: لن يقبل توبتهم عند الغرغرة والحشرجة. قال الحسن وقتادة وعطاء: لن يقبل توبتهم لأنّهم لا يؤمنون إلاّ عند حضور الموت، قال الله تعالى: ﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إنّ تبت الآن ... ﴾ الآية. مجاهد: لن يقبل توبتهم بعد الموت إذا ماتوا على الكفر. ابن عباس وأبو العالية: لن يقبل توبتهم ما أقاموا على كفرهم ﴿إنّ الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً﴾ أي حشوها، وقدر ما يملأ الأرض من شرقها إلى غربها ذهباً، نصب على التفسير في قول الفراء. وقال المفضّل: ومعنى التفسير أن يكون الكلام تاماً وهو مبهم، كقولك: عندي عشرون، فالعدد معلوم والمعدود مبهم، وإذا قلت: عشرون درهماً فسّرت العدد، وكذلك إذا قلت: هو أحسن الناس، فقد أخبرت عن حسنه ولم تبين في أي شيء هو، فإذا قلت: وجهاً أو فعلا منه فإنّك بيّنته ونصبته على التفسير، وإنّما نصبته لأنّه ليس له ما يخفضه ولا ما يرفعه، فلمّا خلا من هذين نصب لأنّ النصب أخف الحركات فجُعل لكل ما لا عامل فيه، وقال الكسائي: نصب ذهباً على إضمار من، أي من ذهب كقولهم: وعدل ذلك صياماً أي من صيام. ﴿ولو افتدى به﴾: روى قتادة عن أنس بن مالك أن النبي وسلم قال: ((يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت مفتدياً به؟ فيقول: نعم، فيقال لقد سئلت ما هو أيسر من ذلك)) [٧٧] (١)، قال الله: ﴿أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرین﴾(٢). ﴿لن تنالوا البرّ﴾: يعني الجنّة، قاله ابن عباس ومجاهد وعمر بن ميمون والسدّي، وقال عطية: يعني الطاعة. أبو روق: يعني الخير، مقاتل بن حيان: التقوى، الحسن: لن يكونوا أبرارا. (١) مسند أحمد: ٣ / ٢١٨، جامع البيان للطبري: ٣ / ٤٦٨. (٢) سورة آل عمران: ٩١. - ١١٠ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي ﴿حتى تنفقوا مما تحبّون﴾: أي مما تهوون ويعجبكم من كرائم أموالكم وأحبّها إليكم طيّبة بها أنفسكم، صغيرة في أعينكم. مجاهد والكلبي: هذه الآية منسوخة، نسختها آية الزكاة. وروى الضحاك عن ابن عباس قال: أراد بهذه الآية الزكاة يعني: حتى تخرجوا زكاة أموالكم، وقال عطاء: لن تنالوا شرف الدين والتقوى حتى تتصدقوا وأنتم أصحّاء أشحّاء، تأملون العيش، وتخشون الفقر، وقال الحسن: كل شيء أنفقه المسلم من ماله يبتغي به وجه الله تعالى فإنّه من الذي عنى الله سبحانه بقوله: ﴿لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبّون﴾ حتى التمرة . وروي أنّ أبا طلحة الأنصاري كان من أكثر الأنصار نخلا بالمدينة، وكان أحب أمواله إليه بئر ماء(١)، وكانت مستقبلة المسجد، وكان النبي ◌ّلو يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، فلمّا نزلت ﴿لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبّون﴾ قام أبو طلحة فقال: يا رسول الله إنّ الله يقول: ﴿لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا ممّا تحبّون﴾ وإنّ أحبّ أموالي إليّ بئر ماء وإنّها صدقة أرجو برّها وذخرها عند الله عز وجل، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله وتلقى: ((بخ بخ، ذلك مال رابح لك وقد عرفت(٢) ما قلت، وإنّ أرى أن تجعلها في الأقربين)) [٧٨](٣). فقال له: أفعل يا رسول الله، فقسّمها في أقاربه وبني عمّه. وروى معمّر عن أيوب وغيره قال: لما نزلت: ﴿لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبّون﴾ جاء زيد بن حارثة بفرس كانت له يحبّها وقال: هذه في سبيل الله، فحمل عليها النبي وَل أسامة بن زيد. فكان زيداً واجداً في نفسه وقال: إنّما أردت أن أتصدق به، فقال رسول الله وَاليقول: ((أما إنّ الله قد قبلها منك)) [٧٩](٤). وقال حوشب: لمّا نزلت ﴿لن تنالوا البرّ﴾ قالت امرأة لجارية لها لا تملك غيرها: أعتقك وتقيمين معي غير أنّي لست أشرط عليك ذلك، فقالت: نعم، فلمّا أعتقتها ذهبت وتركتها فأتت النبي وَ له فأخبرته به فقال النبي وتلير: ((دعيها فقد حجبتك عن النار، وإذا سمعت بسببي قد جاءني فأتيني)) [٨٠]. وروى شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قالوا: كتب عمر بن الخطّاب (رضي الله عنه) أن يبتاع جارية من سبي جلولاء يوم فتحت مدائن كسرى، فقال سعد بن أبي وقاص: فدعا بها (١) بئر ماء: مال وموضع وبستان كان لأبي طلحة بالمدينة بجوار المسجد. (٢) في المصدر: ((سمعت)). (٣) سنن الدارمي: ١ / ٣٩٠، وصحيح البخاري: ٢ / ١٢٦. (٤) الدر المنثور: ٢ / ٥٠، تفسير القرطبي: ٤ / ١٣٢. ١١١ سورة آل عمران، الآيات: ٩٣ - ١٠٣ عمر فأعجبته فقال: إنّ الله عز وجل يقول: ﴿لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون﴾ فأعتقها. وروى حمزة بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر قال: خطرت على قلبي هذه الآية: ﴿لن تنالوا البرّ ... ﴾ فتذكرت ما أعطاني الله، فما كان شيء أعجب إليّ من فلانة فقلت: هي حرة لوجه الله، ولولا أنني لا أعود في شيء جعلته لله عز وجل لنكحتها . ويقال: ضاف أبا ذر الغفاري ضيف فقال للضيف: إنّي مشغول فاخرج إلى أبواء فإنّ لي بها إيلا فأتني بخيرها، فذهب وجاء بناقة مهزولة فقال له أبو ذر: جئتني بشرها، فقال: وجدت خير الإبل فحلها فتذكرت يوم حاجتكم إليه، فقال أبو ذر: إنّ يوم حاجتي إليه ليوم أوضع في حفرتي مع أنّ الله عز وجل يقول: ﴿لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون﴾. وعن رجل من بني سليم يقال له عبد الله بن سيدان عن أبي ذر قال: في المال ثلاث شركاء: القدر لا يستأمرك أن تذهب بخيرها أو شرها من هلاك أو موت أو فعل، والوارث ينتظرك أن تضع رأسك ثم يستاقها وأنت ذميم، والثالث أنت فإن استطعت أن لا يكون أعجب إليك مالا فإنّ الله عز وجل يقول: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾، وإنّ هذا الجمل كان مما أحب من مالي فأحببت أن أقدّمه لنفسي. وروي عن ربيع بن خيثم أنّه وقف سائل على بابه، فقال: أطعموه سكراً فقيل: ما يصنع هذا بالسكّر فنطعمه خبزاً فهو أنفع له، فقال: ويحكم أطعموه سكّراً ؛ فإنّ الربيع يحب السكّر. وروي عن الربيع بن خيثم أيضاً أنّه جاءه سائل في ليلة باردة، فخرج إليه فرآه كأنّه مقرور قال: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ فنزع برتشاً له وأعطاه إياه وذكر أنّه كساه عروة. وبلغنا أن زبيدة أم جعفر اتخذت مصحفاً في تسعين قطعة كتب بالذهب على الرق وجعلت ظهورها من الذهب مرصعة بالجواهر، فبينما هي تقرأ القرآن ذات يوم فقرأت هذه الآية، فلم يكن شيء أحبّ إليها من المصحف، فقالت: عليَّ بالصاغة، فأمرت بالذهب والجواهر حتى بيعت وأمرت حتى حفرت الآبار وأشرف الحياض بالبادية. وقال أبو بكر الورّاق: دلّهم بهذه الآية على الفتوة، وقال: لن تنالوا برّي بكم إلاّ ببرّكم أخوانكم والإنفاق عليهم من أموالكم وجاهكم وما تحبّون، فإذا فعلتم ذلك نالكم برّي وعطفي. ﴿وما تنفقوا من خير فإنّ الله به عليم): أي فإنّ الله يجازي عليه لأنّه إذا علمه جازى عليه، وتأويل (ما) تأويل الشرط والجزاء وموضعها نصب لينفقوا، المعنى: وأي شيء ينفقون فإنّ الله به عليم. كُلُّ الَّعَامِ كَانَ حِلَّ لِبَنِىّ إِسْرَهِيَلَ إِلَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَِّيِلُ عَلَى نَفْسِهِ، مِن قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَّيَّةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْزَنَةِ فَتَّلُوهَا إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ (٨٣) فَمَنِ أَفْتَىُ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ١١٢ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي وَأَوَلَبِكَ هُ الَِّبُونَ وج ◌َلّ ◌َكَدَ أَنَّهُ وَالْبِعُوا مَِّ إِزََّمِمُ حَنِيفًا وَمَا كَنَّ مِنَّ المُشْرِكِينَ (60) إِنَّ أَوَلَّ يََّ وُضِعَ لِنَّابِ لَلَّذِى يَبِّكَّةٌ مُبَارَكًا وَهْدِى لِلْنِيَ (١٧) فِيهِ ءَيْتُ بَيَهُ نَظَاهُ إِزَّهِيَةٌ وَمَنْ دَخَلَمُ كَنَا ◌َمِنَّ وَمِ ثَلَّ أَِّ حِّ الْبَيْتِ مَّنْ أَسْتَطَاعَ إِنَّهُ سَبِلاَ وَمَّ كَفَرَ فَإِنَّ أَنَّهُ عَبِىُّ عَنِ الْعَلَِّنَّ ◌َ قُلْ بَأَئِذَ الكِتَبِ م تَكْفُونَ بِغَيْءٍ أَنَّوٍ وَاللَّهُ غَهِيدُ عَلَّ مَا نَحْمَلُونَ (هَ) قُلْ بَتَأَمْلَ اَلْكِتَبِ لِمَ تَمُدُّونَ عَنْ. سَبِيلِ اللَّهِ مَنَّ ءَامَنَّ ◌َغُونَهَا هُوْنَا وَأَنْتُّمْ شُهَكَدَلَهُ وَمَا لَنَّهُ بِعْفِلٍ عَمَّا نَحْمَلُونَ (َ بَأَيُّهَا أَلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ أُعْطِعُواْ فَرِيْئًا مِّنَ الَّذِىَ أُوتُواْ أَنْكِتَبَ إِّدُوَكُمْ بِمَذَ إَِبِكُمْ كُفِيَّ (َ) وَكِفَ تَكْفُونَ وَأَنْتُمْ كُمْلَ عَلَيْكُمْ ،َّ أَفَهِ وَفِعَكُمْ رَسُولُمٌ وَمَنْ بَعْنَعِ بَللَّهِ فَقَدْ ذُرِىُّ إِلَّ سِرَاطِ تُسْتَهِمِ (َ كَأَنَّهَا الَّذِىَ ءَامَنُواْ أَنَّقُواْ أَلَّهُ حَلَّ تُغَيِهِ، وَلاَ تُوَّ إِلَّ وَهُمْ مُسْلِمُونَ (١٠) وَأَنْتَصِلُواْ بَحَبَّلِ أَّهِ حَمِيعًا وَلَا تَعَرَّفُرَأَ وَ أَوَا ◌ِحْمُتَ لَّهِ عَكُمْ أكُلُ أَحْدَاءُ ذَكَّ ◌َ فُلُوبِكُمْ وَأَسْبَحُمِ يِعْمَيْهِ، إِخْوَنَا وَكَنُمْ عَلَى شَفَّ ◌ُعَرَوْ مِنَّ أَثَّارِ وَأْنَذَّكُمْ مِنْهَا كَذَاكَ بْنُ أَنَّهُ لَكُمُّ ◌َإِ لَمْ تَتَدُونَ ◌َ ﴿كل الطعام كان حلاًّ لبني إسرائيل﴾ الآية. قال أبو روق والكلبي: كان هذا حين قال النبي وَلير: (أنا على ملة إبراهيم)). فقالت اليهود: كيف وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها، فقال النبي وَليقول: ((كان ذلك حلالاً لإبراهيم فنحن نحّله)) [٨١](١) فقالت اليهود: كل شيء أصبحنا اليوم نحرّمه فإنّه كان محرّماً على نوح وإبراهيم هاجراً حتى انتهى إلينا، فأنزل الله تعالى تكذيباً لهم: ﴿كل الطعام﴾ المحلل لكم اليوم ﴿كان حلا لبني إسرائيل﴾. ﴿إلاّ ما حرّم إسرائيل) وهو يعقوب ﴿على نفسه من قبل أن تنزّل التوراة). واختلف المفسّرون في ذلك الطعام، فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي وأبو مجلز: هي العروق وكان [سبب] ذلك أنّ يعقوب (عليه السلام) اشتكى عرق النساء، وكان أصل وجعه ذلك، ما روى جويبر ومقاتل عن الضحاك أنّ يعقوب بن إسحاق كان قد نذر إن وهب الله له اثني عشر ولداً وأتى بيت المقدس صحيحاً أن يذبح آخرهم، فتلقّاه ملك من الملائكة فقال له: يا يعقوب إنّك رجلٌ قوي، هل لك في الصراع؟ فعالجه فلم يصرع واحد منهما صاحبه، ثم غمزه الملك غمزة فعرض له عرق النساء من ذلك، ثم قال: أما أنّي لو شئت أن أصرعك لفعلت، ولكن غمزتك هذه الغمزة لأنّك قد كنت نذرت إن أتيت بيت المقدس صحيحاً ذبحت آخر ولدك، وجعل الله لك بهذه الغمزة مخرجاً، فلمّا قدمها يعقوب أراد ذبح ابنه ونسي قول الملك، فأتاه الملك فقال: أنا غمزتك هذه الغمزة للمَخرج وقد وفي نذرك فلا سبيل لك إلى ولدك. (١) أسباب نزول الآيات: ٧٥. ١١٣ سورة آل عمران، الآيات: ٩٣ - ١٠٣ وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: أقبل يعقوب (عليه السلام) من حران يريد بيت المقدس حين هرب من أخيه عيص وكان رجلا بطّيشاً قوياً، فلقيه ملك فظنّ [يعقوب] أنّه لصّ فعالجه أن يصرعه فغمز الملك فخذ يعقوب ثم صعد إلى السماء ويعقوب ينظر إليه، فهاج به عرق النساء ولقي من ذلك بلاء شديداً وكان لا ينام بالليل من الوجع [ويبيت] وله زقاء أي صياح، فحلف يعقوب (عليه السلام) لئن شفاه الله أن لا يأكل عرقاً ولا طعاماً فيه عرق، فحرّمها على نفسه فجعل بنوه يبتغون العروق يخرجونها من اللحم (١)، وقال أبو العالية وعطاء ومقاتل والكلبي: كان ذلك لحمان الإبل وألبانها . وروى شهر بن حوشب عن ابن عباس أن عصابة حضرت رسول الله صل﴾ فقالوا: يا أبا القاسم أخبرنا أي الطعام حرّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟ فقال رسول الله و الر: «أشهدكم بالذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أنّ يعقوب مرض مرضاً شديداً فطال سقمه عليه، فنذر لله لئن عافاه الله من سقمه ليحرّمن أحبّ الطعام والشراب إلى نفسه، وكان أحبّ الطعام إليه لحمان الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها)) [٨٢](٢) فقالوا : اللهم نعم. وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: لما أصاب يعقوب عرق النساء ووصف له الأطباء أن يجتنب لحوم الإبل، فحرّم يعقوب على نفسه لحوم الإبل، فقالت اليهود: إنّا حرّمنا على أنفسنا لحوم الإبل ؛ لأنّ يعقوب حرّمها وأنزل الله تحريمها في التوراة فأنزل الله هذه الآية . وقال الحسن: حرّم إسرائيل على نفسه لحوم الجزور تعبداً لله عز وجل فسأل ربّه عز وجل أن يجيز له ذلك، فحرّمه الله على ولده، وقال عكرمة: حرّم إسرائيل على نفسه زائدة الكبد والكليتين والشحم إلّ ما على الظهور، وروى ليث عن مجاهد قال: حرّم إسرائيل على نفسه لحوم الأنعام ثم اختلفوا في هذا الطعام المحرّم على إسرائيل بعد نزول التوراة، وقال السدي: إنّ الله لما أنزل التوراة حرّم عليهم ما كانوا يحرّمونها قبل نزولها اقتداءً بأبيهم يعقوب (عليه السلام)، وقال عطية: إنّما كان ذلك حراماً عليهم لتحريم إسرائيل ذلك عليهم وذلك أنّ إسرائيل قال حين أصابه عرق النساء: والله لئن عافاني الله منه لا يأكله لي ولد، ولم يكن ذلك محرّماً عليهم في التوراة. وقال الكلبي: لم يحرّمه الله عليهم في التوراة وإنّما حرّم عليهم بعد التوراة لظلمهم وكفرهم، وكان بنو إسرائيل كلما أصابوا ذنباً عظيماً حرّم الله عليهم طعاماً طيباً، أو صبّ عليهم (١) المجموع للنووي: ١٨ / ٧٢. (٢) مسند أحمد: ١ / ٢٧٣ بتفاوت يسير. ١١٤ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي رجزاً وهو الموت، وذلك قوله تعالى: ﴿فبظلم من الذين هادوا حرّمنا عليهم طيبات أحلت لهم﴾(١)، وقوله: ﴿وعلى الذين هادوا حرّمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرّمنا عليهم﴾ إلى قوله ﴿وإنّا لصادقون﴾(٢). وقال الضحاك: لم يكن شيء من ذلك علينا حراماً، ولا حرّم الله عليهم في التوراة وإنّما هو شيء حرّموه على أنفسهم اتّباعاً لأبيهم، وأضافوا تحريمه إلى الله فكذّبهم الله تعالى فقال: قل لهم يا محمد ﴿فأتوا بالتوراة فاتلوها﴾ حتى يتبين أنّه كما يقول لا كما قلتم، فلم يأتوا، فقال الله ﴿فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون﴾(٣). وروى أنس بن سيرين عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَ لقوله في عرق النساء يأخذ إليّة كبش عربي لا صغير ولا كبير فيقطع صغاراً فيخرج أهالته فيخرج على ثلاث قِسَم، ويأكل كل يوم على ريق النفس(٤)، قال أنس: فوصفته لأكثر من مائة فشفاهم الله(٥). وروى شعبة أنّه رأى شيخاً في زمن الحجاج بن يوسف يقول لعرق النساء: أقسم عليك بالله الأعلى لئن لم تنته لأكوينّك بنار أو لألحقنك بموسى، قال شعبة: فإنّه يقول ذلك ويمسح على ذلك الموضع فيبرأ بإذن الله. ﴿قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين﴾ ﴿إنّ أوّل بيت وضع للناس﴾ الآية. قال مجاهد: تفاخر المسلمون واليهود، فقال اليهود: بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة؛ لأنّها مهاجر الأنبياء في الأرض المقدسة، وقال المسلمون: بل الكعبة أفضل، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنّ أوّل بيت وضع للناس﴾ وقرأ ابن السميقع: وضع بفتح الواو والضاد يعني وضعه الله ﴿للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين﴾ ﴿فيه آيات بينات مقام إبراهيم) وليس ذلك في بيت المقدس ﴿ومن دخله كان آمناً﴾ وليس ذلك في بيت المقدس ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ وليس ذلك في بیت المقدس. واختلف العلماء في تأويل قوله ﴿إنّ أوّل بيت﴾ فقال بعضهم: هو أول بيت ظهر على وجه الماء عندما خلق الله السماء والأرض فخلقه الله قبل الأرض بألفي عام، وكان زبدة بيضاء على الأرض فدحيت الأرض من تحتها، هذا قول عبد الله بن عمرو ومجاهد وقتادة والسدي. (١) سورة النساء: ١٦٠. (٢) سورة الأنعام: ١٤٦. (٣) سورة آل عمران: ٩٤. (٤) مسند أحمد: ٣ / ٢١٩ بتفاوت يسير وموجود بتمامه في تفسير القرطبي: ٤ / ١٣٦. (٥) المستدرك على الصحيحين: ٢ / ٢٩٢. ١١٥ سورة آل عمران، الآيات: ٩٣ - ١٠٣ وقال بعضهم: هو أوّل بيت وضع: بُني في الأرض، يروى أنّ علي بن الحسين سُئل عن بدء الطوفان، فقال: إنّ الله تعالى وضع تحت العرش بيتاً وهو البيت المعمور الذي ذكره الله، وقال للملائكة: طوفوا به ودعوا العرش، فطافت الملائكة به وتركوا العرش، وكان أهون عليهم، ثم أمر الله الملائكة الذين يسكنون في الأرض أن يبنوا له في الأرض بيتاً على مثاله وقدره، فبنوا، واسمه الضراح، وأمر من في الأرض من خلقه أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور. وقيل: هو أول بيت بناه آدم في الأرض، قاله ابن عباس. وقال الضحاك: إنّ أول بيت وضع فيه البركة وأحسن من الفردوس الأعلى. وروى سماك عن خالد بن عرعرة قال: قام رجل إلى علي (رضي الله عنه) فقال: ألا تخبرني عن البيت؟ أهو أول بيت كان في الأرض؟ قال: لا، فأين كان قوم نوح وعاد وثمود، ولكنه أول بيت مبارك وهدىً وضع للناس. وقيل: إنّ أول بيت وضع للناس يُحج إليه لله، وروي ذلك عن ابن عباس أيضاً، وقيل: هو أول بيت جُعل قبلة للناس. وقال الحسن والكلبي والفراء: معناه: إن أول مسجد ومتعبد وضع للناس يعبد الله فيه، يدل عليه قوله: ﴿أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتاً﴾(١) يعني مساجدهم واجعلوا بيوتكم قبلة، وقوله: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه﴾(٢) يعني المساجد. إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر عن النبي ◌َّ أنّه سُئل عن أول مسجد وضع للناس، قال: ((المسجد الحرام ثم بيت المقدس)) [٨٣](٣)، وسُئل: كم بينهما قال: أربعون عاماً حيث ما أدركتك الصلاة فصلٌ فثم سُجد للذي ببكة. قال الضحاك والمدرج: هي مكة، والعرب تعاقب بين الباء والميم، فتقول: سبد رأسه وسمد، واغبطت عليه الحمى واغمطت، وضربة لازم ولازب. وقال ابن شهاب وضمرة بن ربيعة: بكة: المسجد والبيت، ومكة: الحرم كله. وقال الآخرون: مكة اسم البلد كله، وبكة موضع البيت والمطاف، وسمّيت بكة لأن الناس يتباكون فيها: أي يزدحمون، يُبكي بعضهم بعضاً، ويصلي بعضهم بين يدي بعض، ويمر بعضهم بین یدي بعض، لا يصلح ذلك إلاّ بمكة. (١) سورة يونس: ٨٧. (٢) سورة النور: ٣٦. (٣) مسند أحمد: ٥ / ١٦٧. ١١٦ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي قال الراجز: إذا الشريب أخذته أكه فخلّه حتى يبك بكه (١) قال عطاء: مرّت امرأة بين يدي رجل وهو يصلي وهي تطوف بالبيت فدفعها، فقال أبو جعفر الباقر: إنّها بكة يبكي بعضهم بعضاً . وقال عبد الرحمن بن الزبير: سميت بكة لأنّها تُبك أعناق الجبابرة أي تدقها، فلم يقصدها جبار يطلبها إلاّ وقصمه الله، وأما مكة فسميت بذلك لقلة مائها من قول العرب: مكتَ الفصيل ضرع أُمّه وامتكّه إذا امتص كل ما فيه من اللبن، قال الشاعر: مكّتْ فلم تُبقِ في أجوافها دررا(٢) عن الحسين عن ابن عباس قال: ما أعلم اليوم على وجه الأرض بلدة تُرفع فيها الحسنات بكل واحدة مائة ألف ما يرفع بمكة، وما أعلم بلدة على وجه الأرض يُكتب لمن صلى فيها ركعة واحدة بمائة ألف ركعة ما يُكتب بمكة، وما أعلم بلدة على وجه الأرض [يُكتب لمن تصدّق فيها بدرهم] واحد يكتب له مائة ألف درهم ما يُكتب بمكة، وما أعلم بلدة على وجه الأرض [يُكتب] لمن فيها شراب الأحبار ومصلى الأخيار إلاّ بمكة، وما أعلم على وجه الأرض بلدة ما مس شيئاً أحد فيها إلّ كانت تكفير الخطايا إلّ بمكة، وما أعلم على وجه الأرض بلدة إذا دعا فيها آمن له الملائكة فيقولون: آمين آمين ليس إلاّ بمكة، وما أعلم على وجه الأرض بلدة [ .. ... ](٣) إلّ بمكة، وما أعلم على وجه الأرض بلدة يكتب لمن نظر إلى الكعبة من غير طواف ولا صلاة عبادة الدهر وصيام الدهر إلاّ بمكة، وما أعلم على وجه الأرض بلدة ورد إليها جميع النبيين [ما قد] صدر إلى مكة، وما أعلم بلدة يحشر فيها من الأنبياء والأبرار والفقهاء والعباد من الرجال والنساء ما يحشرون من مكة أي يُحشرون وهم آمنون يوم القيامة، وما أعلم على وجه الأرض بلدة ينزل فيها كل يوم من روح الجنّة ورائحتها ما ينزل بمكة حرسها الله (٤). ﴿مباركاً﴾: نصب على الحال ﴿وهدى للعالمين﴾: لأنه قبلة المؤمنين ﴿فیه آيات بينات﴾: قرأ ابن عباس: آية بينة. ](٥) ﴿مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً﴾ [ .. . (١) الصحاح للجوهري: ٤ / ١٥٧٣. (٢) تفسير القرطبي: ٤ / ١٣٨. (٣) كلمات غير مقروءة في المخطوط. (٤) بطوله في فضائل مكة للبصري مع تفاوت: ٢٠. (٥) سقط في أصل المخطوط من الآية ٩٧ إلى الآية ١٠٢. ١١٧ سورة آل عمران، الآيات: ٩٣ - ١٠٣ ﴿واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً﴾ . [حدثنا إبن حميد قال: حدثنا محمد بن إسحاق قال حدثنا بن أبي حبيب عن مرثد بن عبدالله المزني عن أبي عبدالرحمن بن عسيلة الضابحى عن عبادة بن الصامت قال: كنت فيمن حضر العقبة الأولى وكنا اثنى عشر رجلا فبايعنا رسول الله ◌َّ على بيعة النساء وذلك قبل أن تفترض الحرب على أن لا نشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، فإن وفيتم فلكم الجنة وإن غشّيتم شيئاً من ذلك](١). فأخذتم [بحدّه] في الدنيا فهو كفارة له، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمْركم إلى الله إن شاء عذّبكم وإن شاء غفر لكم، قال: وذلك قبل أن يفرض عليهم الحرب، فلمّا انصرف القوم بعث معهم رسول الله وَّر مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف، وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلّمهم الإسلام ويفقّههم، وكان مصعب يسمى بالمدينة المقرئ، وكان أول مقرئ بالمدينة، وكان منزله على أسعد بن زرارة، فقال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير: انطلق إلى هذين الرجلين الذين قد أتيا دارنا ليسفّها ضعفاءنا فازجرهما، فإنّ أسعد ابن خالتي، ولولا ذلك لكفيتك، وكان سعد بن معاذ وأسيد بن حضير سيدي قومهما من بني الأشهل، وكلاهما مشركان، فأخذ أسيد بن حضير حرسه ثم أقبل إلى مصعب وأسعد وهما جالسان في حائط، فلمّا رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب: هذا سيّد قومه قد جاءك والله، فاصدق الله فيه. قال مصعب: إن يجلس نكلّمه، قال: فوقف عليهما مشتّماً، فقال: ما جاء بكما إلينا؟ تسفّهان ضعفاءنا، اعتزلانا إن كانت لكما في أنفسكما حاجة، فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمراً قبلته، وإن كرهته كفّ عنك ما تكرهه، قال: أنصفت ثم ركز حربته وجلس إليهما، فكلّمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن. قال: والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في أشراقه وتسهّله، ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له: تغتسل، وتطهّر ثوبك ثم تشهد بشهادة الحق، ثم تصلي ركعتين، فقام واغتسل وطهّر ثوبه، وشهد بشهادة الحق، ثم قام وصلّى ركعتين، ثم قال لهما: إنّ ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرسله إلیکما الآن، سعد بن معاذ. ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم، فلمّا نظر إليه سعد بن معاذ مقبلا قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب من عندكم، فلمّا وقف على (١) سقط في المخطوط وما بين معكوفتين مستدرك عن تاريخ الطبري: ٢ / ٨٨. ١١٨ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي النادي قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلّمت الرجلين، فوالله ما رأيت بهما بأساً وقد نهيتهما، فقالا: لا نفعل إلاّ ما أحببت. وفي الحديث أنّ بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه ؛ وذلك أنّهم عرفوا أنّه ابن خالتك ليحقروك، فقام سعد مغضباً مبادراً للذي ذكره له، فأخذ الحربة منه، ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئاً، فلمّا رآهما مطمئنين عرف أنّ أسيداً إنّما أراد أن يسمع منهما، فوقف عليهما مشتّماً ثم قال لأسعد بن زرارة: يا أبا أمامة لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني، تغشانا في دارنا بما نكره، وقد قال لمصعب: جاءك والله سيد قومه إن تبعك لم يُخالفك منهم أحد، فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع، فإن رضيت أمراً ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته قد كفاك ما تكره، قال سعد: أنصفت، ثم ركز الحربة فجلس، فعرض عليه الإسلام، وقرأ عليه القرآن، قالا: فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلّم في إشراقه وتسهّله، ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟ قالا: تغتسل وتطهّر ثوبك وتشهد بشهادة الحق، ثم تصلّ ركعتين، فقام فاغتسل فطهّر ثوبه وشهد شهادة الحق وركع ركعتين، ثم أخذ حربته فأقبل عامداً إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير، فلمّا رآه قومه مقبلا قالوا: نحلف بالله لقد رجع سعد إليكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلمّا وقف عليه قال: يا بني عبد الأشهل کیف تعلمون أمري فیکم؟ قالوا: سيدنا وأفضلنا رأياً وأيمننا نقيبةً، قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله، قال: فما أمسى في دار عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلاّ مسلماً ومسلمة ورجع أسعد ومصعب إلى منزل أسيد بن زرارة فأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلّ وفيها رجال ونساء من المسلمين إلاّ ما كان من بني أمية بن زيد وحطمة ووائل وواقف [وتلك أوس الله وهم من أوس بن حارثة وذلك أنه](١) كان فيهم أبو قيس الشاعر وكانوا يسمعون منه ويطيعونه، فوقف بهم عن الإسلام حتى هاجر النبي وَلّر إلى المدينة ومضى بدر وأحد والخندق قالوا: إنّ مصعب بن عمير رجع إلى مكة وخرج معه من الأنصار من المسلمين سبعون رجلا مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة، فواعدوا رسول الله وَله العقبة من أوسط أيام التشريق وهي بيعة العقبة الثانية. قال كعب بن مالك - وكان شهد ذلك -: فلمّا فرغا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله ﴾ ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر أخبرناه، فكنّا نكتم عمّن معنا من المشركين من قومنا أمرنا، وكلّمناه وقلنا له: يا جابر إنّك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا، وإنّك ترغب بك عمّا أنت فيه أن نكون حطباً للنار غداً، ودعوناه إلى الإسلام فأسلم فأخبرناه (١) زيادة عن تاريخ الطبري: ٢ / ٩٠. ١١٩ سورة آل عمران، الآيات: ٩٣ - ١٠٣ بميعاد رسول الله ﴿ فشهد معنا العقبة وكان تقياً، فبتنا تلك الليلة في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا لميعاد رسول الله و ﴿ فنتسلّل مستخفين تسلل القطا، حتى إذا اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن سبعون رجلا، ومعنا امرأتان من نسائنا : نسيبة بنت كعب أم عمارة احدى نساء بني النجّار، وأسماء بنت عمرو بن عدي إحدى نساء بني سلمة وهي أمّ منيع، واجتمعنا بالشعب ننتظر رسول اللـه ◌َ﴿ حتى جاء ومعه عمّه العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ على دين قومه إلاّ أنّه أحبّ أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثّق له فلمّا جلسنا كان أول من تكلم العباس بن عبد المطلب فقال: يا معشر الخزرج. وكانت العرب إنما يسمّون هذا الحي من الأنصار: الخزرج؛ خزرجها وأوسها . إنّ محمداً منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا، وهو في عزّ من قومه ومنعة في بلده وإنه قد أبى إلاّ الانقطاع لكم واللحوق بكم. فإن كنتم ترون أنكم وافون له ما دعوتموه إليه و[مانعوه](١) ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنّكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم، فمن الآن دعوه فإنّه في عز ومنعة . قال: فقلنا: سمعاً ما قلت، فتكلم يا رسول الله، وخذ لنفسك ولربك ما شئت. قال: فتكلم رسول الله وَ ل﴿ فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغّب في الإسلام وقال: ((أبايعكم على أن تمنعوني عمّا تمنعون منه نساءكم)) . قال: فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: والذي بعثك بالحق، لنمنعك مما نمنع منه أزرنا، فَبَايِعْنَا يا رسول الله، فنحن أهل الحرب وأهل الحلقة [وإنّا](٢) ورثناها كابراً عن كابر. قال: فاعترض القول. والبراء يكلم رسول الله و لو ـ أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله، إن بيننا وبين الناس حبالا . يعني اليهود. وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك [الله] أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله وَ ليل ثم قال: ((بل الدم الدم، والهدم الهدم وأنتم مني وأنا منكم أحارب من حاربتم وأُسالم من سالمتم)). وقال رسول الله وير: ((أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيباً كفلاء على قومهم بما فيهم، ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم عليه السلام)) [٨٤](٣)، فأخرجوا اثني عشر نقيباً: تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس». قال عاصم بن عمر بن قتادة: إن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله و ﴿ قال العباس بن (١) في المخطوط: مانعه. (٢) في المخطوط : نسانا. (٣) الطبقات الكبرى: ١ / ٢٢٣. ١٢٠ الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي عبادة بن نضلة الأنصاري: يا معشر الخزرج هل تدرون على ما تبايعون هذا الرجل؟ إنّكم تبايعونه على حرب الأسود والأحمر، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة؟ وأشرافكم قتل أسلمتموه، فمن الآن فهو والله خزي في الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون بالعهد له فيما دعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟ قال: ((الجنة)). قالوا: ابسط يدك. فبسط يده فبايعوه، فأول من ضرب على يده البراء بن معرور، ثم تتابع القوم. قال: فلما بايعنا رسول الله وَلو صرخ الشيطان من رأس العقبة بأبعد صوت سمعته قط: يا أهل الجباجب(١) هل لكم في مذمم والصباء معه قد اجتمعوا على حربكم؟ فقال رسول الله يقول: ((هذا والله زنا العقبة اسمع أي عدو الله، أما والله لأفرغن لك)). ثم قال رسول الله وقالله: ((ارجعوا إلى رحالكم)). فقال له العباس بن عبادة بن نضلة: والذي بعثك بالحق لئن شئت لنميلن غداً على أهل منى بأسيافنا. فقال رسول الله وَلجر: ((لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم)). قال: فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها حتى أصبحنا [ف] غدت علينا جلة قريش حتى جاؤونا في منازلنا وقالوا: يا معشر الخزرج بلغنا أنكم جئتم صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا، فإنه والله ما حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم. قال: فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون بالله ما كان من هذا شيء وما علمناه . وصدقوا لم يعلموا . وبعضنا ينظر إلى بعض، فقام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي وعليه نعلان جديدان قال: فقلت له كلمة كأني أُريد أن أُشرك القوم بها فيما قالوا: يا أبا جابر أما تستطيع أن تتخذ. وأنت سيد من ساداتنا . مثل نعلي هذا الفتى من قريش؟ قال: فسمعها الحارث فخلعهما من رجليه، ثم رمى بهما إليّ وقال: والله لتنتعلنّهما، فقال أبو جابر: والله أخفظت الفتى فاردد إليه نعليه. قال: قلت: لا أردهما، قال: والله صلح، والله لئن صدق لأسلبنه. قال: ثم انصرف أبو جابر إلى المدينة، وقد شدّدوا العقد، فلما قدموها أظهروا الإسلام بها وبلغ ذلك قريشاً فآذوا أصحاب رسول الله وَله، فقال رسول الله وَلّ لأصحابه: ((إنّ الله قد جعل لكم إخواناً وداراً تأمنون فيها)) [٨٥](٢). فأمرهم بالهجرة إلى المدينة واللحوق بإخوانهم الأنصار، فكان ممن هاجر أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، ثم عامر بن ربيعة ومعه امرأته ليلى بنت أبي خيثمة، ثم عبد الله بن (١) الجباجب هنا المنازل وفي الصحاح: الجبجبة جمع جباجب: زبيل من جلود ينقل فيه التراب، وتسمّى ((القِفّة)) راجع لسان العرب: ٨ / ٢٩١. (٢) بطوله في تاريخ الطبري: ٢ / ٨٨ إلى ٩٤، ومسند أحمد: ٣ / ٤٦٢.