النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
سورة آل عمران، الآيات: ٣٣ - ٤٣
﴿إنّ الله﴾ قرأ ابن عامر وعيسى بن عمرو والأعمش وحمزة: بكسر الألف على إضمار
القول تقديره: فنادته الملائكة فقالت: إن الله؛ لأن النداء قول.
وقرأ الباقون: بالفتح بإيقاع النداء عليه كأنه قال: فنادته الملائكة أن اللَّه يُبشرك.
وقرأ عبد اللَّه: ﴿وهو قائم يصلي في المحراب﴾ يا زكريا إن الله ﴿يبشرك): اختلف
الفرّاء في مستقبل هذا الفعل وجملها في القرآن عشرة: موضعين ههنا وفي التوبة ﴿يبشرهم﴾(١)
ومريم وفي الحجر ﴿إنا نبشرك بغلام عليم﴾ (٢)، و﴿قيم تبشرون﴾(٣) وفي سبحان والكهف
﴿وبشر المؤمنين﴾(٤)، وفي مريم موضعين: ﴿يا زكريا إنا نبشرك﴾ و﴿ولتبشر به المتقين﴾، وفي
حم عسق: ﴿ذلك الذي يبشر الله عباده﴾(٥) فهذه عشرة مواضع اتّفقوا على واحد منها إنها
مشددة، وهو قوله: ﴿فبم تبشرون﴾ واختلفوا في التسعة الباقية فقرأها: حمزة كلها بفتح الباء
وجزم الياء وضم الشين وتخفيفها .
وقرأ يحيى بن رئاب والكسائي خمسة منها مخففة، موضعين ههنا وفي سبحان والكهف
وعسق .
وخفّف ابن كثير وأبو عمرو منها حرفاً واحداً وهو قوله: في ﴿حم، عسق ذلك﴾ النبي
﴿الذي يبشر اللَّه عباده﴾.
وقرأها كلها حميد بن قيس: بضم الياء وجزم الباء وكسر الشين وتخفيفها .
الباقون: بضم الياء وفتح الباء وكسر الشين وتشديده، فمن خفّف الشين وضم الباء وهو
من أبشر يُبشر، قال الشاعر:
يا أُمّ عمرو أبشري بالبشرى موتُ ذريع وجراد عظلي(٦)
ومن قرأ بتخفيف الشين مع فتح الباء فهو من بشر يبشر، وهو لغة أهل تهامة وقراءة ابن .
مسعود. قال الشاعر :
نشرت عوالي إذا رأيتُ حيفة ماسك من الحجّاج تعلى كتابها
(١) سورة التوبة: ٢١.
(٢) سورة الحجر: ٥٣.
(٣) سورة الحجر: ٥٤.
سورة البقرة: ٢٢٣، والتوبة: ١١٢.
(٤)
(٥)
سورة الشورى: ٢١-٢٣.
(٦) الجراد العظلى: الذي لا يبرح، ومراده بأمّ عمرو: أمّ عامر كناية عن الضبع راجع تفسير القرطبي: ٤/ ٧٥،
والبيت أيضاً في كتاب العين: ٢ / ٨٥.

٦٢
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
وقال الفرّاء :
غبراً أكفهم بقاع ممحل
وإذا رأيت الباهشين(١) إلى العلى
وإذا هم نزلوا بضنك فأنزل(٢)
فأعنهم وأبشر بما بشروا به
روي عبد الرحمن بن أبي حماد عن معاذ الكوفي، قال: من قرأ يبشرهم مثقلة فإنّه من
البشارة ومن قرأ يبشّرهم مخفّفة بنصب الياء فإنّه من السرور، يسرّهم(٣)، وتصديق هذه القراءة ما
روى ابن زيد بن أسلم عن أبيه: إن النبي و # قال لرجل: إن الله يبشرك بغلام فولدت امرأته
غلاماً .
ومن قرأ بالتشديد من بشر يُبشر بشيراً وهو أعرب اللغات وأفصحهم. قال جرير:
هلا غضبت لنا وأنت أمير (٤)
يا بشر حق لوجهك التبشير
ودليل التشديد: إنّ كلّ ما في القرآن من هذا الباب من فعل واجب أو أمر فهو بالتثقيل
لقوله: ﴿فبشر عبادي الذين﴾(٥)، ﴿وبشرناه بإسحاق﴾(٦)، ﴿قالوا بشرناك بالحق﴾(٧).
﴿يحيى﴾: هو اسم لا يجري لمعرفته، والمزايد في أوله مثل: يزيد ويعمر ويشكر وأماله
قوم؛ لأجل الياء وفخّمه الآخرون، وجمعُهُ ((يحيون)) مثل موسون وعسون، واختلفوا فيه لِمَ سُمي
((یحیی) .
قال ابن عباس: لأن اللَّه أحيا به عقر أُمه. قتادة: لأن اللَّه أحيا قلبه بالإيمان. بعضهم:
لأن اللَّه أحيا قلبه بالنبوة.
الحسن بن الفضل: لأن اللَّه أحياه بالطاعة حتى لم يعصٍ ولم يهم بمعصية.
ما روى عن ابن عباس، قال: قال رسول اللَّه وَله: ما من أحد إلاَّ ويلقى الله عز وجل قد
همّ بخطيئة قد عملها إلاَّ يحيى بن زكريا فإنه لم يهم ولم يعملها .
قال الثعلبي: [سمعت] الاستاذ أبا القاسم بن حبيب يقول: سُمي بذلك؛ لأنه أُستشهد
والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون.
(١) من بهش إليه إذا نظر إلى الشيء فأعجبه.
(٢) لسان العرب: ٤ / ٦٢.
(٣) تفسير الطبري: ٣ / ٣٤٢.
شرح شافية ابن الحاجب: ٤ / ٣٢٨.
(٤)
سورة المزمل: ١٨.١٧.
(٥)
(٦) سورة الصافات: ١١٢ .
(٧) سورة الحجر: ٥٥.

٦٣
سورة آل عمران، الآيات: ٣٣ - ٤٣
قال النبي وَّر: ((من هوان الدنيا على اللَّه إن يحيى بن زكريا قتلته امرأة)) [٥١](١).
قال الثعلبي: وسمعت أبا منصور [الجمشاذي] يقول: عن عمر بن عبيد اللَّه المقدسي:
أوحى الله إلى إبراهيم الخليل: أن قل ليسارة وكذلك كان اسمها: أني مخرج منكما عبداً لا
يموت بمعصيتي اسمه حيى فهبي له من اسمك حرفاً، فوهبت له أول حرف من إسمها فصار
يحيى وصارت امرأة إبراهيم سارة.
﴿مُصدقاً بكلمة﴾: نصب على الحال ﴿من الله﴾: يعني عيسى (عليه السلام) سُمي كلمة؛
لأن الله قال له: كن من غير أب فكان، فوقع عليه اسم الكلمة؛ لأنه كان بها، ويحيى أول من
آمن بعيسى فصدّقه، وكان يحيى أكبر من عيسى بستة أشهر، وكانا ابني خالة، ثم قُتل يحيى قبل
أن يرفع عيسى (عليهما السلام).
وقال أبو عبيدة وعبدالعزيز بن يحيى: بكلمة من اللّه وآياته، يقول: أنشدني كلمة فلان:
أي قصيدته.
﴿وسيداً﴾: من فيعمل نحو ساد يسود أصله يسود، وهو الرئيس الذي يتَّبع ويُنتهى إلى
قوله.
قال المفضل: أراد سيداً في الدين.
شريك عن أبي روق عن الضحاك قال: السيد الحسن الخلق.
وروى شريك بإسناده أيضاً عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قال: السيد هو الذي
يطيع ربه عز وجل.
سعيد بن المسيب: السيد الفقيه العالم. قتادة: سيد في العلم والصوم، سعيد بن جبير:
الحليم، الضحّاك: التقي، عكرمة: الذي لا يغضب، مجاهد: الكريم على الله، ابن زيد:
الشريف الكبير، سفيان الثوري: الذي لا يحسد.
روى يوسف بن الحسين الرازي عن ذي النون المصري قال: الحسود لا يسود.
قال الخليل بن أحمد: مطاعاً .
الزجّاج: هو الذي ينوي وبكل شيء من الخير أقرانه.
أحمد بن عاصم: السيد القانع بما قسم له.
أبو بكر الورّاق: الراضي بقضاء اللَّه تعالى.
(١) الجامع الصغير: ١ / ٣٨٣، ح ٢٥٠٢.
٠٠,

٦٤
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
محمد بن علي الترمذي: المتوكل على الله.
أبو زيد البسطامي: هو الذي قد عظمت همته ونبل قدره، لم يُحدث نفسه بدار الدنيا،
وقيل: هو السخي.
روى ابن الزبير عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول اللّه وَّ: من سيدكم يا بني سلمة؟
قالوا: جد بن قيس غير أنّه بخيل جبان. قال: وأيُّ داء أدوى من البخل، بل سيدكم عمرو بن
(١)
جموح (١).
روى عبد الله بن عباس: إنه كان قاعداً مع رسول اللَّه وَّ فجاءه بضعة عشر رجلاً عليهم
ثياب السفر، فسلموا على رسول اللَّه وَ ل﴿ وعلى القوم، ثم قالوا: مَن السيد منكم؟ فقال رسول
اللَّهِ وَّ: ذلك يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فعرفوا أنه رسول الله، فقالوا: فما في
. أمتك سيد، قال: بلى رجلٌ أعطى مالاً حلالا ورُزِقَ سماحةً، وأدنى الفقراء وقلتْ شكايتهُ(٢).
وروى أن أسد بن عبد الله قال لرجل من بني شيبان: بلغني أن السودد فيكم رخيص.
فقال: أما نحن فلا نسود إلاَّ من يعطينا رحله، ويفرش لنا عرضه، ويعطينا ماله. فقال: والله إن
السودد فيكم لغال.
﴿وحَصُوراً﴾: أصله من الحصر وهو الحبس، يُقال: حصرت الرجل عن حاجته إذا
حبسته، وحصرت من كذا أحصر إذا امتنع منهُ، وحصر فلان في قرأته إذا امتنع من القراءة فلم
يقدر عليها، ومنه احصار العدو. قال الله تعالى: ﴿وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً﴾(٣): أي
محبساً. ويقال للرجل الذي يكتم السر ويحبسهُ ولا يظره حُصر.
قال جرير:
حصراً بسركِ يا أميم ضنيناً (٤)
ولقد تسقطني الوشاة فصادفوا
فالحصور في قول ابن مسعود وابن عباس وابن جبير وقتادة وعطاء وأبي الشعثاء والحسن
والسدي وابن زيد: الذي لا يأتي النساء ولا يقربهنّ، فهو على هذا القول: مفعول بمعنى فاعل
يعني : أنه يحصر نفسه عن الشهوات.
وقال سعيد بن المسيب والضحّاك: هو العنّين الذي لا ماء له، ودليل هذا التأويل ما روى
أبو صالح عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول اللَّه وَله يقول: ((كل ابن آدم يلقى الله بذنب قد
أذنبه يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه إلاّ يحيى بن زكريا فإنه كان سيداً وحصورا)) [٥٢].
(١) أحكام القرآن: ٢ / ١٥ بتفاوت.
(٢) الدرّ المنثور: ٦ / ١٩٧.
(٣) سورة الإسراء: ٨.
(٤) الصحاح: ٢ / ٦٣١.

٦٥
سورة آل عمران، الآيات: ٣٣ - ٤٣
﴿ونبياً من الصالحين﴾: ثم أهوى النبي وَ ل ◌ُ بيده إلى قذاة من الأرض فأخذها وقال: ((كان
ذكره مثل هذه القذاة)) [٥٣](١).
وقال المبرد: الحصور الذي لا يدخل في اللعب والعبث والأباطيل، وأصله من قول
العرب الذي لا يدخل في الميسر حصور. قال الأخطل:
لا بالحصور ولا فيها بسوار (٢)
وشاربُ مربح بالكأس نادمني
فلما نادت الملائكة زكريا بالبشارة ﴿قال ربِّ﴾: يا سيدي قاله لجرائيل (عليه السلام)،
وهذا هو قول الكلبي وأكثر المفسرين.
وقال الحسن بن الفضل: إنّما قال زكريا لله يا رب لا لجبرائيل.
﴿أنّى يكون﴾: من أين يكون، ﴿لي غلام﴾: ابن. ﴿وقد بلغني الكبر﴾: قال أبو حمزة
والفرّاء والمورّخ بن المفضّل: هذا من المقلوب: أي قد بلغت الكبر كما يقال: بلغني الجهد:
أي إني في جهد، ويقول هذا القول لا يقطعني أي لا يبلغ [بي] ما أريد [أن] يقطعه، وأنشد
المفضل :
(٣)
كما كانت الزناء فريضة الرجم
كانت فريضة ما زعمت
وقيل معناه: وقد نالني الكبر وأدركني وأخذ مني وأضعفني.
قال الكلبي: كان يوم بُشر بالولد ابن اثنين وتسيعن سنة، وقيل: ابن تسع وتسعون سنة(٤)،
فذلك قوله: ﴿وامرأتي عاقر﴾: أي عقيم لا تلد، يقال: رجل عاقر وامرأة عاقر، وقد عُقر بضم
القاف، يعقر عقراً وعقارة، وقيل: تكلم حتى أُعقِر بكسر القاف يعقر عقراً إذا أبقى فلم يقدر على
الكلام.
وقال عامر بن الطفيل:
ولبئس الفتى إن كنت أعورُ عاقراً جباناً فما عذري لدى كل محضر (٥)
وإنما حذف الهاء؛ لاختصاص الأُناث بهذه، وقال به تارة الخليل(٦) .
(١) كنز العمّال: ١١ / ٥٢٠، ح ٣٢٤٢٨، مجمع الزوائد: ٨ / ٢٠٩.
(٢) لسان العرب: ٤ / ١٩٤.
تفسير الطبري: ٢ / ١١١، وزاد المسير: ٥ / ٢٤، ولسان العرب: ١٤ / ٣٥٩، والبيت للجعدي وفيه:
(٣)
ما تقول كما .
(٤) وقيل: ثمان وتسعون راجع تفسير البغوي: ١ / ٢٩٩، وقيل غير ذلك راجع زاد المسير: ١ / ٣٢٨.
(٥)
فتح الباري: ٦ / ٣٣٧.
(٦) عبارة غير مقروءة والظاهر ما ذكرناه.

٦٦
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
وقال سيبويه: للنسبة أي ذات عقر، كما يقال: امرأة مرضع أي ذات ولد رضيع وكل
[ ... ] (١) امرأتي عنى عاقر، وشخص عاقر.
وقال عبيد: عاقر مثل ذات رحم، أو خانم مثل من [ينحب].
﴿قال كذلك اللَّه يفعل ما يشاء﴾: فإن قيل: لم تنكر زكريا ذلك وسأل الآية بعدما بشرته به
الملائكة أكان ذلك [شكّ في صدقهم [أم أنّ] ذلك منه استنكاراً لقدرة ربّه](٢)؟ وهذا لا يجوز أن
يوصف به أهلُ الإيمان فكيف الأنبياء (عليهم السلام)؟
قيل: إن الجواب عنه ما روى عكرمة والسدي: إن زكريا لما سمع نداء الملائكة جاءه
الشيطان، فقال: يا زكريا إن الصوت الذي سمعته ليس من اللَّه، إنما هو من الشيطان يسخر
بك، ولو كان من اللَّه لأوحاه إليك خفياً، كما (ناداك) خفياً وكما يوحى إليك في سائر الأمور،
فقال ذلك دفعاً للوسوسة.
والجواب الثاني: إنه لم يشك في الولد وإنما شك في كيفيته والوجه الذي يكون منه الولد
فقال: ﴿أَنّى يكون لي ولد﴾: أي فكيف يكون لي ولد؟ أتجعلني وامرأتي شابين؟ أم ترزقنا ولداً
على كبرنا؟ أم ترزقني من امرأتي أو غيرها من النساء؟ قال ذلك مستفهماً لا منكراً، وهذا قول
الحسن وابن کیسان.
﴿قال ربِّ اجعل لي آية﴾: علامة أعلم بها وقت حمل امرأتي فأزيد في العبادة شكراً لك.
﴿قال آيتك ألاَّ تكلم الناس﴾: تكف عن الكلام.
﴿ثلاثة أيام إلاَّ رمزاً﴾: تقبل بكلمتك على عبادتي وطاعتي لا أنه حبيس لسانه عن الكلام،
ولكنه نُهي عنه يُدل عليه قوله: ﴿واذكر ربك كثيراً وسبح بالعشيّ والإبكار﴾.
قال بعض أهل المعاني وقال أكثر المفسرين: عُقد لسانه عن الكلام؛ عقوبة له لسؤاله الآية
بعد مُساءلة الملائكة إياه، فلم يصدر على الكلام ثلاثة أيام إلاَّ رمزاً: إشارة.
قال الفرّاء: ويكون الرمز باللسان من غير أن يبين، وهو الصوت الخفي شبه الهمس.
وقرأ الأعمش: ﴿رمزاً﴾: بفتح الميم وهو الصلاة كالطلب به.
وقال عطاء: أراد به صوم ثلاثة أيام؛ لأنهم كانوا إذا صاموا لم يتكلموا إلاَّ رمزاً.
﴿وإذ قالت الملائكة﴾: يعني جبرئيل وحده.
(١) سقط في أصل المخطوط.
(٢) تفسير الطبري: ٣ / ٣٥٠.

٦٧
سورة آل عمران، الآيات: ٤٤ - ٥٤
﴿يا مريم إن اللَّه اصطفاك): بولادة عيسى من غير أب.
﴿وطهرك﴾: من [مسيس] الرجل(١). وقال السدي: كانت مريم لا تحيض.
﴿فاصطفاكِ﴾: بالتحرير في المسجد، ﴿على نساء العالمين﴾: عالمي زمانها ولا يحرر غيرها.
﴿يا مريم أُقنتي﴾: أطيعي وأطيلي الصلاة، ﴿لربك﴾: كلمت به الملائكة شفاهاً.
قال [الأوزاعي]: لمّا قالت لها الملائكة ذلك، قامت في الصلاة حتى ورمت قدماها
وسالتا دماً وقيحاً (٢).
﴿واسجدي واركعي مع الراكعين﴾.
ذَلَّ مِنْ أَبَّ الْغَيْبِ أُسِهِ إِلْكُ وَمَا كَلَتَ لَيْهِمْ أ ◌َنَّوْتَ لَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُّ مَرْيَمٌ وَمَا
سَكُنَتْ لَيْهِمْ إِذَّ بِعَصِمُونَ (60) إِذَ قَالَتِ الَلِكَةُ بِمَرِيَّ إِيَ أَنَّهَ يُبَتُهُ بِكْمُؤْ مِنْهُ أَسْمُهُ أَلْتِخُ
عِيسَى أَنَّ ◌َرَّيْمُ وَجِهَا فِ الدُّنْيَا وَالأَخِرَةِ وَمِنْ الْمُقْرَِّنَّ (١٥) وَيُكَلَمُ أَنَّصَ لِ أَهْدِ وَكَوَلَّهِ أَمِنَّ
الكتبستَ (10) ذاتهُ رَّتْ أَنْ يَكْرِنُ بِ وَلَّمُّ وَلْ يَعَسْفِى بَرِّ قَلَّ كَدَّهِ أَلَهُ يَمْلَهُ مَا بَعْلَهُ إِذَا قَسَحْ أَ
وَ بَوَلَ لَمُ كَلِ فَكَّهُ (١٠) وَعَلَيُّهُ الْكِتَّبُ وَالْمِكَةَ وَالتََّنَّهُ وَالْإِلَ (١٨) وَرَسُولَا إِلَّ بُونَ إِشَرَوِيلَ
أَنْ فَدَ بِئْتَكُم بِتَابَ مِنْ أَيْكُمَّ أَنْ أَهْلُؤُ لَعْتُمْ فِرَ أَنْذِ كَيْثُمِ أَغَيْرِ ذَاْفَعُ هِمْ فَكَهُ طَوِّ ◌ِدْرَ
الله وَأُرِئُ الأَكُمَهُ وَالأَنْظُكِ وَأَمَِّ اَلََّوَّ بِْنٍ أَنَّ وَأَنْشَكُمْ بِمَا تَأَفْظُهُ وَمَا تَتَّخِرُونَ فِى تُوَيَسِكُمْ إِذَّ
◌ِهِ ذَ إلى لأنَّهُ لَهُ بِ كُثُمْ مُؤْمِيِكَ (١) دَمْسَبِهَا لِمَا يَعَْ يَنْ مِنَ الَرَّنَةِ وَلِأُمَِ لََّكُم بَعْضَ أَّرِىَ
حُزَمَ عَلَيْكُمْ وَبِشْتَكُم بِتَابَعَ فِى أَبْثُمَّ ◌َنَّقُوا اللَّهُ وَأَطِيعُونِ ( إِنَّ اللَّهُ وَلِ وَرَبُّكُمْ أَصَدَرَأُ مَنَا
سِرَهُ مُشْتَقِهُ ون ◌َ﴾ فَنَفَاَ أَنَّ عِلَى مِنْهُ الْكُفْرَ فَلَّ مَنْ أَسْكَارِى إِلَّ أَإِ ذَلَ الْتَرِيَّنَ عَمْ
أَنْصَارُ الَّهِ عَمَنَّا بِأَلَّهِ وَ اَلَقَدْ بِأَنَا مُسْقُوَتَ (١) وَثََّاَ ءَامَكَ بِمَّاً أَرَكْ وَأَنْبَعْنَا الرَّسُولُ أَكُبْنَا مَعَ
اللَّهِيبَ ﴿ وَمَكْراً ،تكر اله زلله خير ألتكون فيه
﴿ذلك﴾: الذي ذكرت من حديث زكريا ومن حديث ويحيى ومريم وعيسى، ﴿من أنباء﴾:
أخبار، ﴿الغيب نوحيه إليك﴾: ردّ الكناية إلى ذلك فلذلك ذكر. ﴿وما كنت﴾: يا محمد،
﴿لديهم﴾: عندهم، ﴿إِذ يلقون أقلامهم﴾ سهامهم وقداحهم للاقتراع في الماء واحدها: قلم،
وقيل: [أقلامهم التي كانوا يكتبون بها](٣) التوراة فألقوا أقلامهم التي كانت بأيديهم في الماء.
﴿أيهم يكفلُ مريم): [ .... ](٤).
(١) تفسير الجلالين: ٧٢.
(٣) تفسير القرطبي: ٤ / ٨٦.
(٤) كلام غير مقروء.
(٢) تفسير الطبري: ٤ / ٨٤.

٦٨
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
﴿وما كنتُ لديهم إذ يختصمون﴾: في كفالتها .
﴿وإذ قالت الملائكة يا مريم إن اللَّه يُبشرك بكلمة منهُ﴾ وقرأ أبو السماك (١) وهب بن يزيد
العدوي: (بكلمة) مكسورة الكاف مجزومة اللام في جميع القرآن، وهي لغة فصيحة مثل كتف
وفخذ.
﴿اسمهُ﴾: رد كناية إلى عيسى وكذلك ذكر. وقيل: رده إلى الكلام؛ لأن الكلمة والكلام
واحد .
﴿المسيح﴾: قال بعضهم: هو فعيل بمعنى المفعول يعني: أنهُ مُسِح من الأقذار وطهر.
وقيل: مُسح بالبركة.
وقيل: لأنه خرج من بطن أُمه ممسوحاً بالدهن(٢).
وقيل: لأنه مسح القدمین لا أخمص له.
وقيل: مسحه جبرئيل بجناحهٍ من الشيطان حتى لم يكن للشيطان فيه سبيل في وقت
ولا دته.
وقال بعضهم: هو بمعنى الفاعل مثل عليم وعالم، وسمي ذلك لأنهُ كان يمسح المرضى
فیبرأون بإذن الله.
قال الكلبي: سمي بذلك لأنه كان يمسح عين الأعمى فيبصره.
وقيل: سمي بذلك لأنه كان يسيح في الأرض يخوضها ولا يقيم في مكان، وعلى هذا
القول الميم فيه زائدة.
وقال أبو عمرو بن العلاء: المسيح الملك.
وقال أبو تميم النخعي: المسيح الصديق، فإما هو المِسّيح بكسر الميم وتشديد السين،
وقال غيره: هذا قول لا وجه له؛ بل الدجال مسيح أيضاً فعيل بمعنى مفعول لأنه ممسوح إحدى
العينين كأنها عين طافية، ويكون بمعنى [السائح](٣) لأنه يسيح في الأرض فيطوف الأرض كلها
إلاّ مكة والمدينة وبيت المقدس.
قال الشاعر:
(١) في بعض المصادر دون اسمه: أبو السمال واسمه قعنب، راجع تاج العروس: ٧ / ٣٨١، ولسان العرب:
٣٤٧/١١، وإكمال الكمال: ٤ / ٣٥٤.
(٢) زاد المسير: ١ / ٣٣١، وهو قول أبو سليمان الدمشقي.
(٣) في المخطوط: الساحل، ولم نجده في التفاسير.

٦٩
سورة آل عمران، الآيات: ٤٤ - ٥٤
إنّ المسيح يقتل المسيخا(١)
﴿عيسى ابن مريم وجيهاً﴾: نصب على الحال، أي شريفاً [ذا جاه وقدر](٢).
﴿في الدنيا والآخرة ومن المقربين﴾ إلى ثواب اللّه ﴿ويكلّمُ النّاس في المهد﴾ صغيراً قبل
[أوان](٣) الكلام.
روى ابن أبي [نجيح] عن مجاهد قال: قالت مريم (عليها السلام): كنتُ إذا خلوت أنا
وعيسى حدّثني وحدثته. فإذا شغلني عنه إنسان سبّح في بطني وأنا أسمع(٤).
﴿وَكَهْلاً﴾: قال مقاتل: يعني إذا اجتمع قبل أن يرفع إلى السماء.
وقال الحسن بن الفضل: (كهلاً) بعد نزوله من السماء.
وقال ابن كيسان: أخبرهما أنّهُ یبقی حتّى يکتهل.
وقيل: ﴿يُكلّمُ النّاس في المهد﴾: صبيّاً وكهلاً نبيّاً [ولم يتكلّم في المهد من الأنبياء](٥)
إلاّ عيسى (عليه السلام)، فكلامه في المهد معجزة وفي الكهولة دعوة.
وقال مجاهد: ﴿وكهلاً﴾ أي عظيماً والعرب تمدح بالكهولة لأنّها أعظم؟ على في احتناك
السنّ، واستحكام العقل، وجودة الرأي والتجربة.
﴿ومن الصالحين﴾ أي فهو من العباد الصالحين.
﴿قالت ربِّ﴾ يا سيّدي بقولها لجبرئيل ﴿أنّى يكون لي ولدٌ ولم يمسسني بشر﴾ يعني رجل.
﴿قال كذلك الله﴾: كما تقولين يا مريم ولكن الله ﴿يخلق ما يشاء إذا قضى أمراً):
.([ ... ]
﴿فإنما يقولُ لهُ كُنْ فیکون﴾: کما یرید.
قال بعض أهل المعاني: ذكر القول ههنا بيان وزيادة إلى ذكره ليتعارف النّاس به سرعة
کون الشيء فيما بينهم.
وقال آخرون: هذا وقع على الموجود في علمه وإرادته وتحت قدرته وإن كان معدوماً في
ذاته .
(١) تفسير القرطبي: ٤ / ٨٩.
(٢) تفسير القرطبي: ٤ / ٩٠، نسبه للأخفش.
(٣) كذا الظاهر.
(٤) المصنف لإبن أبي شيبة: ٧ / ٤٦٠ ما ذكره في فضل عيسى.
(٥) زيادة يقتضيها السياق وعبارة المخطوط مشوشة.
(٦) سقط في أصل المخطوط.

٧٠
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
ونصب بعض القرّاء النون في قوله ﴿فيكون﴾ على جواب الأمر بالفاء، ورفع الباقون على
إضمار ﴿هو﴾ أي فهو يكون. وقيل: على تكرير الكلام تقديره: فإنما يقول له كن فيكون.
﴿وَيُعَلِّمُهُ﴾: قرأ أهل المدينة ومجاهد وحميد والحسن وعاصم: بالياء، واختاره أبو عبيد
وأبو حاتم لقوله تعالى ﴿كذلك يخلق ما يشاء﴾: قد جری ذکره عز وجل.
وقال المبرد: ردّوه على قوله ﴿إنّ الله يبشرك ويعلّمهُ﴾ وقرأ الباقون بالنون على التعظيم،
واحتجّ أبو عمرو في ذلك لقوله ﴿ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك﴾.
﴿الكتاب﴾: أي الكتابة والخط والعلم.
﴿والحكمة والتوراة والإنجيل﴾ ﴿ورسولاً﴾: أي ونجعله رسولاً.
﴿إلى بني إسرائيل﴾: فترك ذكره لأن الكلام عليه، كقول الشاعر:
ورأيت بعلك(١) في الوغى
مستقلداً سيفاً ورمحا (٢
أي وحاملاً رمحاً .
وأنشد الفرّاء لرجل من عبد القيس:
حتى شتت همالة عيناها(٣)
علفتها تبناً وماءً باردا
يعني سقيتها ماءً بارداً.
قال الأخفش: وإن شئت جعلت الواو في قوله (ورسولا) مضخمة والرسول حالاً للهاء،
تقديره: ويعلّمه الكتاب رسولاً (٤)، وكان أول أنبياء بني إسرائيل يوسف وآخرهم عيسى (عليه
السلام)(٥).
روى محمد بن إسكندر عن صفوان بن سليم عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه ◌َل:
(بُعثت على أثر ثمانية آلاف نبي أربعة آلاف من بني إسرائيل)). [٥٤](٦) فلمّا بعث قال لهم:
[ ... ](٧).
(١) في المصدر: زوجك.
(٢) تفسير الطبري: ٣ / ٣٧٤.
(٣) لسان العرب: ٢ / ٢٨٧.
تفسير القرطبي: ٤ / ٩٣.
(٤)
(٥) وهو حديث أبي ذر الطويل، راجع تفسير القرطبي.
(٦) البداية والنهاية: ٢ / ١٨٢ بتفاوت.
(٧) سقط في أصل المخطوط.

٧١
سورة آل عمران، الآيات: ٤٤ - ٥٤
قال الكسائي: وإنمّا فتح لأنّه أوقع الرسالة عليه وقيل: بأنّي أو لأنّي.
﴿قد جئتكم بآية﴾: والآية ﴿مِن ربّكم﴾: يصدّق قولي ويحقق رسالتي.
قال الخليل والفرّاء: أصلها بآيّة بتشديد الياء فثقل عليهم التشديد فأبدلوا لانفتاح ما قبل
التشديد وتقديرها فعله.
وقال الكسائي: هي في الأصل أييه مثل فاطمة فحذفت أحدى اليائين فلمّا قال ذلك عيسى
لبني اسرائيل. قالوا: وما هي؟ قال: إنّي، قول نافع بكسر الألف على الإستئناف وإضمار
القول .
وقرأ الباقون بالفتح على معنى بأنّي.
﴿أخلقُ﴾ : أي أصور وأقدّر.
﴿لكم من الطين كهيئة الطير﴾: قرأ الزهري وأبو جعفر: كهيّة بتشديد الياء. والآخرون
بالهمزة. والهيئة الصورة المهيّأة، وهي من قولهم هيأت الشيء إذا قصرته وأصلحته. وقرأ أبو
جعفر (الطاير) بالألف، والباقون بغير ألف.
﴿فأنفخ فيه﴾: أي في الطين.
﴿فيكون طيراً بإذن الله﴾: قرأه العامة على الجمع لأنّه خلق طيراً كثيراً .
وقرأ أهل المدينة: (طائراً) على الواحد ذهبوا إلى نوع واحد من الطير، لأنه لم يخلق غير
الخفّاش، وإنما خصّ الخفّاش لأنه أكمل الطير خلقاً، ليكون أبلغ في القدرة لأن لها ثدياً
وأسناناً وهي تحيض وتطير.
وقال وهب: كان يطير ما دام النّاس ينظرون إليه، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتاً ليتميّز
فعل الخلق من خلق اللّه، وليعلموا أنّ الكمال لله تعالى.
﴿وأُبرىء الأكمه والأبرص﴾: أي أشفيهما وأصححهما فقال: أبرأ اللّه المريض من أبرأ.
وبرئ . هو يبرأ. وبريء . مبرأ - برأوا فيهما جميعاً. واختلفوا في الأكمه:
فقال عكرمة والأعمش، ومجاهد والضحّاك: [هو الذي] يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل.
ابن عباس وقتادة: هو الذي ولِدَ أعمى ولم يبصر ضوءً قط، الحسن والسّدي: هو
[الأعمى، وحكى الزجاج عن الخليل أن الأكمه هو الذي يولد أعمى وهو الذي يعمى وان كان
بصيراً] (١) هو المعروف من كلام العرب يقال: كمُهت عينه تكمه كمهاً وكمهتها أنا إذا أعميتها .
(١) زيادة عن زاد المسير: ١ / ٣٣٤.

٧٢
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
قال سويد بن أبي كاهل :
فهو يلحى نفسه لمّا نزع(١)
قال رؤبة :
كمهت عيناه حتى ابيضّتا
وكيد مطال وخصم [مَبْده](٢)
هدجنَ فإن تكلم [ ... ](٣) الأكمه هرّجت بالسّبع وقد صحت به، والأبرص الذي به
وضح.
وإنمّا خصّ هذين لأنهما عميان وكان [الغالب] على زمن عيسى الطبّ فأراهم الله
المعجزة من جنس ذلك داعياً لا دواء له.
وقال وهب: ثم اجتمع على عيسى من المرضى في اليوم الواحد خمسون ألفاً من أطاق
منهم أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق أتاه عيسى يمشي إليه. إنمّا كان يداويهم بالدّعاء على شرط
الإيمان.
﴿وأُحيي الموتى بإذن الله﴾: قيل: أحيا أربعة أنفس: عازر(٤) وكان صدّيقاً فأرسل أخته
إلى عيسى أنّ أخاك عازر يموت فأته وكان بينه وبين داره ثلاثة أيّام فأتاه هو وأصحابه فوجدوه قد
مات منذ ثلاثة أيّام، فقال لأخته: انطلقي بنا إلى قبره، فانطلقت معهم إلى قبره وهو في صخرة
مطبقة. فقال عيسى: اللهم ربّ السمواتِ السّبع والأرضين السّبع، إنّك أرسلتني إلى بني
إسرائيل أدعوهم إلى دينك وأخبرهم أنّي أُحيي الموتى بإذنك فأحيي عازر. قال: فقام عازر
وودكه تقطر، فخرج من قبره وبقي وولد له.
وابن العجوز مُرّ به ميّتاً على عيسى (عليه السلام) على سرير يحمل فدعا الله عيسى (عليه
السلام) فجلس على سريره ونُزّل عن أعناق الرجال ولبس ثيابه وحمل السرير على عنقه ورجع
إلی أهله فبقي وولد له.
والبنت العاقر(٥) قيل له: أتُحييها وقد ماتت أمس؟ فدعا اللّه فعاشت فبقيت وولد لها .
وسام بن نوح دعا عيسى (عليه السلام) بإسم الله الأعظم فخرج من قبره وقد شاب نصف
رأسه. فقال: قد قامت القيامة؟ قال: لا ولكني دعوتك بإسم الله الأعظم. قال: ولم يكونوا
(١) لسان العرب: ١٣ / ٥٣٦.
(٢) لسان العرب: ١٣ / ٤٧٦.
(٣) سقط في أصل المخطوط.
(٤) في تفسير القرطبي: ٤ / ٩٥: العاذر.
(٥) عند القرطبي: بنت العاشر.

٧٣
سورة آل عمران، الآيات: ٤٤ - ٥٤
يشيبون في ذلك الزّمان. وكان سام قد عاش خمسمائة سنة وهو شاب، ثم قال: مُت. فقال:
بشرط أن يعيدني اللّه من سكرات الموت. فدعا الله عز وجّل ففعل.
قال الكلبي: كان عيسى (عليه السلام) يحيي الأموات بـ: يا حىّ يا قيّوم.
﴿وُنبُكم﴾: أُخبركم، ﴿بما تأكلون﴾: ممّا أعاينه، ﴿وما تدّخرون﴾: وما ترزمونه ، ﴿في
بيوتكم﴾: حتى تأكلوه، وهو يفعلون من دخرت وقرأ مجاهد وأيوب السختياني: تذخرون،
بالذال المعجمة وسكونها وفتح الخاء من ذخر يذخر ذخراً.
قال الكلبي: فلما أبرأ عيسى الأكمه والأبرص وأحيى الموتى قالوا: هذا سحر، ولكن
أخبرنا بما نأكل وما ندّخر وكان يخبر الرجل بما أكل من غدائه وبما يأكل في عشائه.
وقال السدي: كان عيسى (عليه السلام) إذا كان في الكتّاب يحدّث الغلمان بما يصنع
أبوهم، ويقول للغلام إنطلق، فقد أكل أهلك كذا وكذا، ورفعوا لك كذا وكذا، وهم يأكلون كذا
وكذا. فينطلق الصبي إلى أهله، ويبكي عليهم حتى يعطوه ذلك الشيء فيقولون له من أخبرك
بهذا؟ فيقول: عيسى، فحبسوا صبيانهم عنه، وقالوا: لا تلعبوا مع هذا الساحر، فحبسوهم في
بيت، فجاء عيسى يطلبهم. قالوا: ليسوا عندنا. فقال: فما في هذا البيت؟ قالوا: خنازير. قال
عيسى: كذلك يكونون. ففتحوا عليهم، فإذا هم خنازير(١)، ففجئنا لذلك في بأس [ ... ](٢) بنو
إسرائيل، فلمّا خافت عليه أُمه حملته على حميّر لها، وخرجت به هاربة إلى مصر.
وقال قتادة: إنما هذا في المائدة وكان خواناً ينزل عليهم إنمّا كانوا كالمنِّ والسلوى، وأمر
القوم أن لا يخونوا لا يخبئوا لغد، وحذّرهم البلاء إن فعلوا ذلك [ ... ](٣) وخونوا. فجعل
عيسى يخبرهم بما أكلوا من المائدة وما ادخروا منه. فمسخهم اللّه خنازير.
﴿إنّ في ذلك﴾ الذي ذكرت لكم.
﴿لآيَةً لكم إن كنتم مؤمنين﴾ ﴿ومصدّقاً﴾ عطفها على قوله: ﴿ورسولاً﴾.
﴿لِما بين يدَي﴾: لما قبلي.
﴿من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حُرّمَ عليكم﴾: من اللحوم والشحوم. وقالوا أيضاً:
يعني كل الذي حرّمَ عليهم من الأطبّاء، و(بعض) يكون بمعنى ((كل)) ويكون كقول لبيد:
(٤)
أو يرتبط بعض النفوس حمامها
تراك أمكنة إذا لم أرضها
(١) إلى هنا في تفسير الطبري: ٣ / ٣٨١.
(٢) كلمات غير مقروءة في المخطوط.
(٣) كلمات غير مقروءة في المخطوط.
(٤) تفسير القرطبي: ٤ / ٩٦.

٧٤
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
أي كل النفوس.
وقال آخر:
حنانيك بعض الشر أهون من بعض(١)
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا
يريد بعض الشر أهون من كله.
وقرأ إبراهيم النخعي: ﴿حرّم﴾ مثل كرّم أي [صار حراماً].
﴿وجئتكم بآية من ربكم﴾: يعني ما ذكرنا من الآفات، وأما تعدّها لأنّها جنس واحد في
[الدلالة].
على رسالته.
﴿فاتقوا الله وأطيعون﴾
﴿إنّ الله ربّي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم * فلما أحس عيسى﴾: [ ... ].
وقال أبو عبيد: عَرَفَ.
مقاتل: رأى . نظر.
قرأه ضحّاك: هل تحس منهم من أحد. وقوله: ﴿فلمّا أحسوا بأسنا﴾ .
﴿منهم الكفر﴾: وأرادوا قتله استنصر عليهم وقال: ﴿من أنصاري إلى الله﴾: قال
السدي: كان بسبب ذكر أنّ عيسى (عليه السلام) لمّا [بعثه الله] إلى بني إسرائيل وأمره بالدعوة
نفته بنو اسرائيل وأخرجوه، فخرج هو وأمّه يسيحون في الأرض، فنزل في قرية [على رجل
فضافهم](٢) وأحسن إليهم، وكان كبير المدينة جبّار معتد. فجاء ذلك الرجل يوماً مُهتماً حزيناً،
فدخل منزله، ومريم عند امرأته فقالت: ما شأن زوجك أراه كئيباً؟ قالت: لا تسأليني. قالت:
أخبريني لعلّ اللّه يفرّج كربته. قالت: إنّ لنا ملكاً [يجعل على كل رجل يوماً يطعمه هو وجنوده
ويسقيهم من الخمر]. فإن لم يفعل عاقبهُ، واليوم نوبتنا وليس لذلك [عندنا سعة]. قالت: فقولي
له لا تهتم، فإنّي آمر إبني فيدعو له، فيكفى ذلك. فقالت مريم لعيسى في ذلك. فقال عيسى: إنْ
فعلت ذلك كان في ذلك شر، قالت: لا تبال، فإنه قد أحسن إلينا وأكرمنا .
قال عيسى: فقولي له إذا اقترب ذلك فأملأ قدورك وخوابيك، ففعل ذلك. فدعا الله عيسى
فحوّل القدر لحماً ومرقاً وخبزاً وما في الخوابي خمراً لم يرَ النّاس مثله قط. فلمّا جاء الملك
أكل فلمّا شرب الخمر قال: من أين هذا الخمر؟ قال: من أرض كذا. قال الملك: فإنّ خمري
(١) تفسير القرطبي: ٤ / ٩٦.
(٢) كلمات غير مقروءة في المخطوط.

٧٥
سورة آل عمران، الآيات: ٤٤ - ٥٤
أوتى بها من هذه الأرض وليست مثل هذه. قال: هي من أرض أُخرى، فاختلط على الملك
فشدد عليه. قال: أنا أخبرك، عندي غلام لا يسأل الله شيئاً إلا أعطاهُ إيّاه. وإنّه دعا اللّه تعالى
[فجعل الماء خمراً] وكان للملك ابن يريد أن يستخلفه فمات قبل ذلك بأيّام. وكان أحبّ الخلق
إليه. فقال: إنّ رجلاً دعا اللّه حتى جعل الماء خمراً لُيستجابنّ له حتى يُحيي ابني، فدعا عيسى
فكلّمهُ في ذلك. فقال عيسى: لا تفعل، فإنه إن عاش كان شراً، فقال الملك: لا أُبالي، أليس
أراه، فلا أُبالي ما كان.
فقال عيسى: فإن أحييته تتركوني وأُمّي نذهب حيث نشاء. قال: نعم. فدعا اللّه فعاش
الغلام. فلمّا رآه أهل مملكته قد عاش بادروا بالسلاح وقالوا: أكلنا هذا حتى إذا دنا موته يريد
أن يستخلف علينا إبنه. فيأكلنا كما أكلنا أبوه فاقتتلوا .
وذهب عيسى وأمّه فمرّا بالحواريين وهم يصطادون السمك. فقال عيسى: ما تصنعون؟
قالوا: نصطاد السمك. قال: أفلا [تمشون] حتى نصطاد النّاس؟ قالوا: كيف ذلك. قال: من
أنصاري إلى اللّه؟ قالوا: ومن أنت؟ قال: أنا عيسى بن مريم عبد اللّه ورسوله. فآمنوا به وانطلقوا
معه. فهم الحواريون وذلك قوله ﴿فلما أحسّ عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله﴾(١).
قال السدي وابن جريج والكسائي: مع اللّه، تقول العرب: الذّود إلي الذّود إبل.
وقال النابغة :
إلى النّاس مطليَّ به القار أجرب (٢)
فلا تتركوني بالوعيد كأنني
أي مع الناس .
وقال آخر(٣):
ولوح ذراعين في بدن(٤)
إلى جؤجؤ رهل المنكب(٥)
أي مع جؤجؤ.
نظيره قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾(٦): أي مع أموالكم.
وقال الحسن وأبو عبيدة [من أنصاري في السبيل إلى الله](٧)، تعني في: أي من أعواني
في اللّه؟: أي في ذات الله وسبيله.
(١) تفسير الطبري: ٣ / ٣٨٨ وما بين معقودين منه، والحديث طويل.
(٢) لسان العرب: ١٥ / ٤٣٥ وفيه تتركني بدل تتركوني.
(٥) لسان العرب: ١٥ / ١٦٧.
(٣)
في المصدر: البيت للجعدي.
(٦) سورة النساء: ٢.
(٧) زيادة عن تفسير القرطبي: ٤ / ٩٧.
(٤) في المصدر: بركة.

٧٦
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
وقال طرفة :
إلى ذروة البيت الكريم المضمّد(٢) (٣)
وإن ملتقى(١) الحيّ الجميع تلاقني
أي في ذروة.
وقال أبو ذؤيب:
بأري التي تأري اليعاسيب(٤) أصبحت
﴿قال الحواريون﴾: اختلفوا فيهم:
إلى شاهق دون السماء ذؤابها درجها
فقال السدّي: كانوا ملآّحين يصطادون السمك.
وكذلك روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كانوا صيّادین سُمّوا حواريين لبياض
ثيابهم.
وقال أبو أرطأة: كانوا قصّارين سمّوا بذلك لأنّهم كانوا يحورّون الثياب أي يُبيّضونها .
وقال عطاء: سلّمت مريم عيسى إلى أعمال سري، وكان آخر ما دفعته إلى الحواريين
وكانوا قوماً قصارين وصبّاغين، فدفعته إلى رئيسهم ليتعلم منه. فاجتمع عنده ثياب، وعرض له
سفر. فقال لعيسى: إنّك قد تعلّمت هذه الحرفة، وأنا خارج في سفر إلى عشرة أيّام، وهذه ثياب
مختلفة الألوان، وقد اعلمت على كل صنف منها بخيط على اللون الذي يصبغ به فيجب أن
تكون فارغاً منها وقت قدومي. فخرج وطبخ عيسى (عليه السلام) جُبّاً واحداً على لون واحد
أدخله جميع الثياب. وقال لها: كوني بإذن اللّه على ما أُريد منك. فقدم الحواري والثياب كلها
في جُبّ واحد فقال: ما فعلت؟ قال: قد فرغت منها. قال: أين هي؟ قال: في الجب. قال:
كلّها؟ قال: نعم.
قال: كيف تكون كلها أحمر في جُبّ واحد؟ فقد أفسدت تلك الثياب. قال: قم فانظر.
فأخرج عيسى ثوباً أحمر وثوباً أصفر وثوباً أخضر إلى أن أخرجها على الألوان التي أرادها.
فجعل الحواري يتعجب ويعلم أنّ ذلك من اللّه، وقال للنّاس: تعالوا وانظروا إلى ما صنع. فآمن
به وأصحابه فهم الحواریون.
وروى يوسف الفريابي عن مصعب قال: الحواريون إثنا عشر رجلاً اتّبعوا عيسى بن مريم،
(١) في المصدر: يلتقي.
(٢) في المصدر: المصمد.
(٣) تفسير مجمع البيان: ١٠ / ٤٨٣ ..
(٤) اليعسوب: أمير النحل.
(٥) لسان العرب: ١ / ٣٧٩.

سورة آل عمران، الآيات: ٤٤ - ٥٤
وكانوا إذا جاعوا قالوا: يا روح اللّه جعنا، فيضرب بيده الأرض سهلاً كان أو جبلاً فيُخرج لكل
إنسان منهم رغيفين فيأكلوهما، وإذا عطشوا قالوا: ياروح اللّه قد عطشنا، فيضرب بيده إلى
الأرض فيخرجون منه ماء فيشربون. قالوا: يا روح اللّه من أفضل منّا إذا شئنا أطعمنا وإذا شئنا
سقينا وآمنّا بك فاتّبعناك؟ قال: أفضل منكم من يعمل بيده ويأكل من كسبه. قال: فصاروا
يغسلون الثياب بالكراء.
وقال الضحّاك: سُمّوا حواريين لصفاء قلوبهم.
وقال عبد الله بن المبارك: سُمّوا حواريين لأنّهم كانوا نورانيين عليهم أثر العبادة ونورها
وحُسنها. قال الله تعالى: ﴿سيماهم في وجوههم من أثر السجود﴾(١).
وأصل الحور عند العرب شدة البياض. يقال: رجلٌ أحور وامرأة حوراء، شديد بياض نفلة
العينين. ويقال للدقيق الأبيض: الحواري، وكل شيء بيضّته فقد حوّرته. ويقال للبيضاء من
النساء حواريّة .
قال ابن [حلّزة](٢):
(٣)
ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح
فقل للحواريات يُبكين غيرنا
وقال الفرزدق :
فقلت أنّ الحواريات تغطية(٤)
إذا زيّن(٥) من تحت الجلابيب(٦)
وقال ابن عون: صنع ملك من الملوك طعاماً. فدعا النّاس إليه، وكان عيسى على قصعة،
فكانت القصعة لا تنقص. فقال له الملك: من أنت؟ قال: أنا عيسى بن مريم. قال: إنّي آتك
ملكي هذا واتبعك، فانطلق واتبعه ومن معه فهم الحواريون.
وقال الكلبي وأبو روق: الحواريون أصفياء عيسى وكانوا إثنا عشر رجلاً.
الحسن: الحواريون الأنصار والحواري الناصر.
النضر بن شميل: الحواريون: خاصة الرجل. عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال:
الحواري: الوزير.
(١) سورة الفتح: ٢٩.
(٢) في المصدر: أبو جلدة.
(٣) الصحاح: ٢ / ٦٤٠.
(٤) في المصدر: معطبة.
(٥) في المصدر: تفتلن.
(٦) لسان العرب: ٤ / ٢١٩.

٧٨
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
وعن روح بن القاسم قال: سألت قتادة عن الحواريين فقال: هم الذين تصلح لهم
الخلافة .
والحواري في كلام العرب الضامن خاصة الرجل الذي يستعين به فيما ينوبه. يدل عليه ما
روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول اللّه ◌َ ليقول: ((لكلّ نبيّ حواري وحواريي
الزبير بن العوّام)) [٥٥](١).
وروى أبو سفيان بن معمر قال: قال قتادة: إنّ الحواريين كلهم من قريش . أبو بكر وعمر
وعثمان وعلي والعباس وحمزة وجعفر وأبو عبيدة بن الجراح وعثمان بن مظعون وعبد الرحمن
بن عروة وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد اللّه والزبير بن العوام. قال: الحواريون
وأسماؤهم في سورة المائدة.
﴿نحن أنصار الله﴾: أعوان دين الله ورسوله.
:
﴿آمنا بالله وأشهد بأنّا مسلمون﴾ ﴿ربّنا آمنا بما أنزلت﴾: من كتابك.
﴿وأتبعنا الرّسول﴾ عيسى.
﴿فاكتبنا مع الشّاهدين﴾ الذين شهدوا لأنبيائك بالصّدق.
قال عطاء: مع النّ لأنّ كل نبي شاهد أُمّته [ .... ] (٢) مع محمّد وأُمّته(٣).
﴿ومكروا﴾: يعني كبار بني إسرائيل الذين أحسّ عيسى منهم الكفر ودبّروا في قتل عيسى.
والمكر ألطف التدبير. وذلك أنّ عيسى بعد إخراج قومه إيّاه وأُمّه من بين أظهرهم عاد إليهم مع
الحواريين وصاح فيهم بالدعوة فهمّوا بقتله وتواطأوا على القتل. فذلك مكرهم به.
وقال أهل المعاني: المكر . السعي في الفساد في ستر ومداجاة، وأصله من قول العرب:
مكر الليل.
﴿ومكر الله﴾: قال الفرّاء: المكر من المخلوقين الخبث والخديعة والحيلة، وهو من الله
استدراجه العباد. قال اللّه تعالى ﴿سنستدرجهم من حيث لا يعلمون﴾(٤) قال ابن عباس: معناه
كلّما أحدثوا خطيئة جدّدنا لهم نعمة.
(١) كنز العمال: ١١ / ٣٣١ ح ٣١٦٥٦.
(٢) كلمة سقط في أصل المخطوط.
(٣) راجع زاد المسير: ١ / ٣٣٦ مورد الآية.
(٤) سورة الأعراف: ١٨٢.

٧٥
سورة آل عمران، الآيات: ٤٤ - ٥٤
قال الزجاج: مكر اللّه مجازاتهم على مكرهم فسمّى باسم الابتداء كقوله: ﴿الله يستهزىء
بهم﴾(١)، وقوله: ﴿وهو خادعهم﴾(٢).
وقال عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحدٌ علينا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا (٣)
قال الثعلبي: سمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن عبدالله
البغدادي يقول: سأل رجل جُنيداً (٤) كيف رضي المكر لنفسه، وقد عاب به غيره؟ فقال: لا
أدري ما يقول ولكن لسيد بني [ ...... ](٥) الطبرانية:
فنفسي لا تنازعـنـي سواكا
فديتك قد جعلت على هواكا
وإن لم يُبق حبك لي حراكا
أحبُك لا ببعضي بل بكلي
وتفعله فيحسن منك ذاكا(٦)
ويقبح [من ] سواك الفعل عندي
فقال الرجل: أسألك عن آية من كتاب الله وتجيبني بشعر الطبرانية فقال: ويحك قد
أجبتك إن كنت تعقل.
إن تخليته إيّاهم مع المكر به. مكر منه بهم، ومكر اللّه تعالى خاص بهم في هذه الآية
إلقاء الشبه على صاحبهم الذي أراد قتل عيسى حتى قتل وصلب ورفع عيسى إلى السماء.
قال ابن عباس: إنّ ملك بني إسرائيل أراد قتل عيسى، وقصده أعوانه. فدخل خوخة فيها
كوّة، فرفعه جبرئيل من الكوّة إلى السماء. فقال الملك: لرجل منهم خبيث أُدخل عليه فاقتله
فدخل الخوخة فألقى اللّه عليه شبه عيسى فخرج إلى النّاس فخبرّهم أنّه ليس في البيت فقتلوه
وصلبوه وظنّوا أنّه عيسى.
وقال وهب: طرقوا عيسى في بعض الليل فأسروه ونصبوا خشبة ليصلبوه ؛ فلمّا أرادوا
صلبه أظلمت الأرض وأرسل اللّه الملائكة فحالوا بينهم وبينه وصلبوا مكانه رجلاً يقال له يهودا
وهو الذي دلّهم عليه. وذلك أنّ عيسى جمع الحواربين تلك الليلة وأوصاهم، ثم قال: ليكفرنّ
أحدكم قبل أن يصيح الديكويبيعني بدراهم يسيرة. فخرجوا وتفرّقوا، وكانت اليهود تطلبه. فأتى
(١) سورة البقرة: ١٥.
(٢) سورة النساء: ١٤٢.
(٣) لسان العرب: ٣ / ١٧٧.
(٤) نسبه في إقحام المخاصم (٣٩) لسمنون.
(٥) كلمة غير مقروءة في المخطوط.
(٦) إفحام المخاصم لشيث بن إبراهيم: ٣٩.
١

٨٠
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
أحد الحواريين إلى الجنود فقال لهم: ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح؟ فجعلوا له مائتين
درهماً فأخذها ودلّهم عليه فألقى اللّه عليه شبه عيسى لمّا دخل البيت. فرُفع عيسى، وأُخذ الذي
دلّهم عليه فقال: أنا الذي دللتكم عليه، فلم يلتفتوا إلى قوله وقتلوه وصلبوه، وهم يظنّون أنّه
عيسى. فلمّا صُلب شبه عيسى جاءت أُم عيسى وامرأة كان عيسى دعا لها فأبرأ لها إبنة من
الجنون . تبكيان عند المصلوب فجاءهما عيسى فقال لهما: علام تبكيان؟ فقالتا: عليك. فقال:
إنّ اللّه قد رفعني ولم يصبني إلاّ خير وأنّ هذا الصبّ شُبّه لهم. فلما كان بعد سبعة أيّام. قال
اللّه عز وجّل لعيسى: اهبط على مريم في المحراب موضع لأمّه في خبائها فإنّها لم يبك عليك
أحد بكاها، ولم يحزن عليك أحد حزنها .
ثم لتجمع لك الحواريين حيث هم في الأرض. دعاه اللّه تعالى فأهبط اللّه عليها فاشتعل
الجبل حين هبط نوراً فجمعت له الحواريين حيث هم في الأرض دعاه اللّه تعالى ثم رفعه إليه.
وتلك الليلة هي الليلة التي يدخن فيها النّصارى، فلمّا أصبح الحواريون حدّث كل واحد منهم
بلغة من أرسله عيسى إليهم فذلك قوله: ﴿ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين﴾.
﴿والله خير الماكرين﴾ أي أفضل المعاقبين. قال أهل التواريخ: حملت مريم بعيسى ولها
ثلاثة عشر سنة ودارت بعيسى بيت اللحم من أرض أورشليم لمضي خمسة وستين سنة من غلبة
الإسكندر على أرض بابل. ولإحدى وخمسين سنة مضت من ملك الكلدانيين وأوحى الله عز
وجّل لأُمّه على رأس ثلاثين سنة، ورفعه إليه من بيت المقدس ليلة القدر من شهر رمضان وهو
ابن ثلاثين سنة وكانت نبوّته ثلاث سنين، وعاشت أُمّه مريم بعد رفعه ستّ سنين.
إذَ قَالَ لَه ◌َبِسََّ إِلَّه هُتَزَقِيلَكَ وَرَِعُكَ إِلَّ وَمَهُهُ مِنَ الَإِنَّ كَّقْوَاَ وَصَعِلُ أَنْهُ أَنْعُونَ
وَقَ الَّذِينَ كَرَوَا إِلَّ وَر الْلِكَتَذْ كُرُ إِلَىْ تَرْجِئُ كُمْ الْمَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَمَا كُمْ بِمَ تَعْتُونَ (َةَ) ◌َأَّ
أَنَّ كَفَرُواْ فَلْعَذَلُهُمْ عَذَ كَذِيْمًاً فىِ الدُّنْيَا وَالْأَمِنَّ وَمَا لَهُم مِّنْ أَِّهَ (3) وَأَمَّا الَّذَِ،َصَلُوا
وَمِلُوا الْتَّبِعَنِ فَيُوَفِيهِمْ أَجُوَهُمْ وَأَنَّهُ لَ يُسْتُ النَِّنَ ﴿َ ذَلِدٌ مَتْلُوهُ عَنَّكَ مِنْ أَلَبَتِ وَأَلَذَرْ
الْتَكْم (6) إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ أَنَّ كُمْشَلٍ ،َادَمٌ عَلَفَهُ مِن لَّابِ قُدُّ قَالَ لَمُ أَنْ حَكُونُ (أَنْتَ أَلْعَنَّ
مِ زَّيْكَ فَلاَّ بَّ فِيَ اَلْتُمْزَّوَّ (١٥) فَمَنْ كَلَهَّ هِوٍ مِنَّ بَعْدِ مَا بَكَ مِنَّ أَلْبِلٍْ فَقُلْ كَ نَدْعُ أَسَناً
وَنَهُمْ رَبُدَ وَسَدَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْسَكُمْ ثُمَّ تَنْتَِّلُ نَشْكَل ◌َّمْنَكَ أَنَّهِ فَلْ أَجْرِينَ ( إنَّ هَذَا
لَّ الْقَسْمُ الْعَّ وَمَا مِنْ إِنَّهِ إِلَّا أَنْهُ وَإِنكَ أَلَهُ نَهُوَ الْعَزِرُّ أَلَكِيمُ (َ) وَنَ تَلَّاً مَنَّ اللَّهَ عَهُ الَّلِمِنَّ
(بِ أَوْ يَافَلَ الْكِتَبِ ثَمَالُوا إِلَّ كَلِمُرْ سَكَمٍ بَيْسَّنَا وَيَفْتَكْرِ أَلاَ تَصْبُدَ إِلََّ أَنَّهُ وَلاَ أُخْرِكَ بِهِ، فَيْثَ وْ لَ
يَتِطَ بِمَنْكَ بَمْنَا أَنَ) فى ذرنَ الَمْ فَإِن فَوَلََّا قَدْرِلُوا الَجَدُواْ بأنَّا مُسْشِرَتَ (١)
﴿إذ قال اللّهُ يا عيسى إنّي متوفيك﴾ اختلفوا في معنى التوفّ ههنا: