النص المفهرس

صفحات 1-20

X
الكَثِفْ وَالبَيَان
المَعْروف
تَفْسِيرُ التَّعَلَي
للإمَامِ الَهَامِ أبو إِسْحَاق أحمد المعَرُوف بالإِمَامِ التَّعَلبي
ت ٤٢٧ هـ
دراسة وتحقيق
الإمَام أبي محمَد ◌ِن عَاشور
مُرَاجَعَة وَتدقيق
الأسْتَاذْ نَظِيرِ السَّاعِدِي
الجزء الثالث
بيروت- لبنان

جميع الحقوق محفوظة للناشر
الطبعة الاولى
١٤٢٢ هـ -٢٠٠٢ م

الكَثْفْ وَالبَيَان
المعروف
تفسير الثعلبي

سورة آل عمران، الآيات: ١ - ٧
سورة آل عمران
روي أنَّها أربعة عشر ألف حرف، وخمس مائة وخمسة وعشرون حرفاً، وثلاثة الآف
وأربعمائة وثمانين كلمة، ومائتا آية.
فضلها :
روي عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: ((من قرأ السورة التي يُذكر
فيها آل عمران يوم الجمعة صلى اللّه عليه وملائكتهُ حتى تغيب الشمس)) [١](١).
زرّ بن حُبيش عن أُبي بن كعب قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: ((من قرأ سورة
آل عمران أُعطي بكلَّ آية منها أماناً على جسر جهنّم)) [٢](٢) .
رويعن أبي إسحاق عن سليم بن حنظلة، قال: قال عبد الله بن مسعود: ((من قرأ آل عمران
فهو غني)).
يحيى بن نعيم عن أبيه عن أبي المعرش عن عمر قال: سمعتُ رسول اللّه صلَّى اللّه عليه
وسلَّم يقول: ((تعلَّموا البقرة وآل عمران فإنهما الزهراوان، وإنهما يأتيان يوم القيامة في صورة
ملكين شفعاء له جزاءً حتى يدخلاه الجنَّة)) [٣](٣).
إبراهيم بن أبي يحيى عن أبي الحُرين عن أبي عبد اللّه الشامَّي، قال: ((من قرأ سورة البقرة
وآل عمران في ليلة الجمعة يبدل له يوم القيامة جناحات يطير بهما على الصراط)) [٤](٤).
بسم الله الرحمن الرحيم
الََّّ ﴿﴿ اللّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّ هُوَ أَلْعَىُّ الْقَيُّوُ (٣) نَّلَ عَلَيْكَ اَلْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّفًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّةِ وَأَنَّلَ
مِن قَبَلُ هُدَى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْمُؤْقَانُ إِنَّ الَّذِيْنَّ كَفَرُواْ ◌ِثَايَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَهُ
التَّوْزَيَّةَ وَالْإِنجِيلَ
(٤) إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَىْءٌ فِ اَلْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ بَ هُوَ الَّذِى يُصَوِّرُكُمْ في
عَزِيزٌ ذُو أَنِقَامِ
(١) مجمع الزوائد: ٢ / ١٦٨.
تفسير مجمع البيان: ٢ / ٢٣٢.
(٢)
(٣) مسند أحمد: ٥ / ٣٦١، مجمع الزوائد: ٧ / ١٥٩ مع اختلاف في الحديث.
(٤) ميزان الاعتدال: ٢ / ٤٢٤، وفيه: جناحين منظومين بالدرّ والياقوت.

٦
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
الأَشَاءِ كْتَّ بَنَّهُ لَّ إِنَّهَ إلَّا هُوَ أَلَبِرُ المَكِمُ (وَقَ) مُرَ أَذْهَ أَرٌَّ عَتِكَ أَلْكَبِ مَهُ ،َ هَمّ ◌َّمَكَُّ هُنَ
أُّ الْكِتَبِ وَأَرْ مُنَكَبِهَجُ ◌َ الْبِنَ فيِ كْرِهِمْ رَبَعْ فَلْفْنَ ،َا تَقَبَهُ مِنْهُ أَبْعَُّ الْبَشْفَرِ وَالْعَلَ تَأْرِمٌ وَمَا
بِسُ تأري، إِلَّ اللَّهُ وَأَرْلِتُهُ فِي أَلْبِلِ بَقُولُونَ، مَنَّا بِهِ. كُلَّ مِنْ عِدِ رَةَ وَمَا إِذَهَ إِلَ أُوْلُواْ الأَلَيْ (فَـ
أخبرنا محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر الزبير، ومحمد بن مروان عن الكلبي، وعبد
اللّه بن أبي جعفر الرازي عن أبيه عن الربيع بن أنس، قالوا: نزلت هذه في وفد نجران، وكانوا
ستين راكباً قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وفيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم،
وفي الاربعة عشر ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم العاقب، وهو أميرهم وصاحب مشورتهم الذي لا
يصدَّرون عن رأيه، واسمهُ عبد المسيح. والسيَّد [عالمهم] وصاحب رحلهم واسمه [الأيْهم
ويقال: شرحبيل](١) وأبو حارثة بن علقمة الذي يعتبر حبرهم وإمامهم وصاحب مدارسهم، وكان
قد شرف فيهم ودرَّس كهنتهم من حسن عمله في دينهم، وكانت ملوك الروم قد شرّفوه [ومؤّلوه
وبنو له] الكنائس لعلمه واجتهاده.
فقدموا على رسول اللّه المدينة ودخلوا مسجدهُ - حين صلى العصر - عليهم ثياب الحبرة
وأردية مكفوفة بالحديد، في جمال رجال بلحرث(٢) بن كعب، يقول بعض مَن رآهم من أصحاب
رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم: ما رأينا وفداً مثلهم!
وقد حانت صلاتهم فقاموا وصلَّوا في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلَّم وصلَّوا الى
المشرق.
فكلَّم السيد والعاقب رسوال الله. فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلَّم: أسلمنا. قالا :.
قد أسلمنا قبلك، قال: كذبتما؛ يمنعكما من الإسلام [اذَّعاء كما](٣) لله ولداً، وعبادتكما
الصليب، وأكلكما الخنزير.
قالا: إن لم يكن ولد لله فمن [أبيه](٤) وخاصموه جميعاً في عيسى عليه السلام، فقال
لهما النبي صلى اللّه عليه وسلم: [إنّه لا يكون ولد إلاّ وشبه أباه. قالوا: بلى، قال: ألستم]
تعلمون أن ربَّنا حيّ لا يموت وإنَّ عيسى يأتي عليه الفناء؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أنَّ
ربَّنا قيّم على كل شيء يحفظه ويرزقه؟ قالوا: بلى. قال: فهل يملك عيسى من ذلك شيئاً؟ قالوا:
لا. قال: ألستم تعلمون إن اللّه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟ قالوا: بلى.
(١) تاريخ المدينة لابن شبه: ٢ / ٥٨١.
(٢) للتخفيف وهو بالأصل: بني الحرث.
(٣) في المخطوط: (دعاءكما).
(٤) هكذا في الأصل.

٧
سورة آل عمران، الآيات: ١ - ٧
قال: فهل يعلم عيسى من ذلك إلاّ ما عُلَّم؟
قالوا: لا .
قال: فإنّ ربَّنا صوَّر عيسى في الرحم كيف شاء وربّنا لا يأكل ولا يشرب ولا يحدث؟
قالوا: بلى قال: ألستم تعلمون إنّ عيسى حملتهُ أمهُ كما تحمل المرأة، ثم وضعتهُ كما تضع
المرأة حملها، ثم غذي كما يغذى الصبي، وكان يُطعم ويشرب ويُحدث، قالوا: بلى. قال:
فكيف يكون هذا كما زعمتم؟ فسكتوا .
فأنزل الله تعالى فيهم صدر سورة آل عمران الى بضع وثمانين آية منها .
فقال عزَّ من قائل: ﴿آلم﴾ قرأ ابن جعفر بن زبير القعقاع المدني ﴿الم﴾ مفصولاً،
ومثلها جميع حروف التهجّي المُفتح بها السور.
وقرأ ابن جعفر الرواسي والأعشى والهرحمي: ﴿الم الله﴾ مقطوعاً والباقون موصولاً
مفتوح المیم. فمن فتح المیم ووصل فله وجهان:
قال البصريون: الإلتقاء الساكنين حركت إلى أخف الحركات.
وقال الكوفيون: كانت ساكنة؛ لأن حروف الهجاء مبنية على الوقف فلمّا تلقاها ألف
الوصل وأدرجت الألف فقلبت حركتها وهي الفتحة الى الميم.
ومن قطع فلهُ وجهان:
أحدهما : نية الوقف ثم قطع الهمزة للإبتداء، كقول الشاعر:
لتسمعنَّ وشيكاً في ديارهم اللّه أكبر يا ثارات عثمانا (١)
والثاني: أن يكون أجراه على لغة من يقطع ألف الوصل.
كقول الشاعر:
إذا جاوز الأثنين سرَّ فإنه بنت وتكثير الوشاة قميرٌ(٢)
ومن فصل وقطع فالتفخيم والتعظيم تعالى ﴿اللّه﴾ إبتداء وما بعده خبر، ﴿لا إله إلاّ هو
الحيَّ القيوم﴾ نعت له، ﴿نزل عليك الكتاب﴾ قرأ إبراهيم بن أبي عبلة: نزل بتحفيف (الزاي)،
الكتاب: برفع الباء، وقرأ الباقون: بتشديد الزاي ونصب الباء على التكثير؛ لأنَّ القرآن كان ينزل
نجوماً شيئاً بعد شيء والتنزيل يكون مرّة بعد مرَّة، وقال: (وأنزل التوراة والأنجيل)؛ لأنهما نزلتا
(١) البداية والنهاية: ٧ / ٢١٩ وتاج العروس: ٣ / ٧٠.
(٢) الصحاح: ١ / ٢٩٤.

٨
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
دفعة نزل عليك يا محمد الكتاب القرآن ﴿بالحق﴾: بالعدل، والصدق، ﴿مصدقا): موافقاً ﴿لما
بين يديه﴾: لما قبله من الكتب في التوحيد، والنبوَّات، والأخبار، وبعض الشرائع.
﴿وأنزل التوراة والإنجيل﴾ قال البصريون: أصلها وَوْديه دوجله وحرقله فحوَّلت الواو
الاولى تاء وجعلت الياء المفتوحة ألفاً فصارت توراة، ثم كتبت بالياء على أصل الكلمة، وقال
الكوفيون: هي تفعله والعلة فيه ما ذكرنا مثل (توصية)، و(توفية) فقلبت الياء ألفاً كما يفعل طي،
فيقول للجارية: جاراة، وللناصية: ناصاة، وأصلها من قولهم: ((وري الزند)) إذا أخرجت ناره
وأولته أنا، قال الله عز وجل: ﴿أفرأيتم النار التي تورون﴾(١)، وقال: ﴿فالموريات قدحاً﴾(٢)
فتسمى تورية؛ لأنه نور وضياء دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿وضياء وذكرى للمتقين﴾(٣) قاله الفراء،
وأكثر العلماء، وقال [المؤرج:] هي من التورية وهي كتمان الشيء والتعريض لغيره.
ومن الحديث كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلَّم ((إذا أراد شيئاً وري بغيره)) [٥].
وكان أكثر التورية معارض وتلويحاً من غير إيضاح وتصريح، وقيل: هي بالعبرانية ((نوروثو))
ومعناه: الشريعة.
والإنجيل أفضل من [النجل] وهو الخروج، ومنه سميَّ الولد ((نجلاً)) لخروجه.
قال الأعشى:
أنجب أزمان والداه به
اذ نجَّلاه فنعم ما نجلا (٤)
فسمي بذلك؛ لأن اللّه تعالى أخرج به دارساً من الحق عافياً.
ويقال: هو من المتنجل، وهو سعة الجن، يقال: قطعنه نجلا أي: واسعة فسمي بذلك؛
لأنه أصل أخرجه لهم ووسعه عليهم نوراً وضياء، وقيل: هو بالسريانية ((انقليون)) ومعناه:
الشريعة :
وقرأ الحسن الأنجيل بفتح الهمزة، يصححه الباقون بالكسر مثل: الإكليل.
﴿من قبلُ﴾ رفع على الغاية والغاية هاهنا قطع الكتاب عنه كقوله تعالى: ﴿لله الأمر من
قبل ومن بعد﴾ وقال زهير:
فإنّما توارثه آباء آبائهم قبل(٥)
وما كان من خير أتوه
(١) سورة الواقعة: ٧١.
(٢) سورة العاديات: ٢.
(٣) سورة الأنبياء: ٤٨.
(٤) الصحاح: ١ / ٢٢٢.
(٥) تفسير القرطبي: ٣ / ١٧٣.

٩
سورة آل عمران، الآیات: ١ - ٧
﴿هدى للناس﴾ هاد لمن تبعه، ولم ينته؛ لأنَّه مصدر وهو في محل النصب على الحال
والقطع.
﴿وأنزل الفرقان﴾ الفرق بين الحق والباطل، قال السدي: في الآية تقديم وتأخير تقديرها:
وأنزل التوراة والانجيل والفرقان هدى للمتقين.
﴿إِنَّ النَّين كفروا بأيات اللّه لهم عذابٌ شديد والله عزيزُ ذو إنتقام﴾.
﴿إِنَّ اللّه لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء﴾.
﴿هو الَّذي يصوّركم في الأرحام كيف يشاء﴾ ذكراً وأنثى، قصيراً وطويلاً، أسوداً وأبيضاً،
حسناً وقبيحاً، سعيداً وشقياً.
﴿لا إله إلّ هو العزيز الحكيم﴾.
﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آياتُ محكماتٌ﴾ متقنات مبينات مفصلات.
﴿هنَّ أمُّ الكتاب﴾ أي أصله الذي يعمل عليه في الأحكام ويجمع الحلال والحرام ويفرَّغ
لأهل الإسلام، وهنَّ آيات التوراة والإنجيل والقرآن، وفي كل كتاب يرضى به أهل كل دين، ولا
یختلف فيه أهل کل بلد.
والعرب تسمي كلَّ شيء فاضل جامع يكون مرجعاً لقوم، كما قيل للَّوح المحفوظ: أم
الكتاب، والفاتحة: أمُّ القرآن، ولمّه: أمَّ القرى وللدماغ: أمُّ الرأس، وللوالدة: أم، وللراية:
أم، وللرجل الذي يقوم بأمر العيال: أم، وللبقرة والناقة أو الشاة التي يعيش بها أهل الدار: أم،
وكان عيسى (عليه السلام) يقول: ((للماء هذا أبي))، وللخبز: ((هذه أُمَّي))؛ لأنَّ قوام الأبدان
بهما .
وإنَّما قال أُمَّ الكتاب ولم يقل أُمَّهات الكتب ؛ لأنَّ الآيات كلها في تكاملها واجتماعها
كالآية الواحدة، وكلام اللّه واحدٌ.
وقيل: معناه كلمة واحدة فهُنَّ أُمَّ الكتاب كما قال: ﴿وجعلنا ابن مريم وأُمَّه آية﴾(١) أي كل
واحد منهما آية .
﴿وَأُخر﴾: جمع أخرى ولم يصرف؛ لأنَّه معدول عن أواخر، مثل عُمر، وزفر وهو قاله
الكسائي.
وقيل: ترك أخراه؛ لأنَّه نعت مثل جُمع، وكُسع لم يصرفا؛ لأنَّهما نعتان.
(١) سورة المؤمنون: ٥٠.
٠

١٠
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
وقيل: لأنَّه مبني على واحدة في ترك الصرف وواحدة اخرى غير مصروف.
﴿متشابهات): تشبه بعضها بعضا، واختلف العلماء في المحكم والمتشابه كليهما فقال
فتادة والربيع والضحاك والسدي: ((المحكم: الناسخ الذي يُعمل له)).
((والمتشابه: المنسوخ الذي يؤمن به ولا يعمل به، هي رواية عطيه عن ابن عباس)).
روى علي ابن أبي طلحة عنه قال: ((محكمات القرآن ناسخة، وحلاله، وحرامه،
وحدوده، وفرائضه، وما يؤمر به ويعمل به)).
والمتشابها: منسوخه ومقدمه ومؤخره وأمثاله واقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به.
زهير بن معاوية عن أبي إسحاق قال: قال ابن عباس: قوله تعالى: ﴿منه آيات محكمات﴾
قال: هي الثلاث الآيات في سورة الأنعام ﴿قل تعالوا أتلُ ما حرّم ربّكم عليكم﴾(١) إلى آخر
الآيات الثلاث، نظيرها في سورة بني اسرائيل ﴿وقضى ربُّك ألّ تعبد إلّ إِيَّاه﴾(٢) الآيات.
وقال مجاهد، وعكرمة: «المحكم: ما فيه من الحلال والحرام وما سوى ذلك متشابه
[یصدَّق] بعضها بعضا)).
قد روى محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: الحكم: مالا يُحتمل من
التأويل غير وجه واحد.
والمتشابه: ما أحتمل من التأويل أوجهاً .
وقال ابن زبير: من المحكم ما ذكر اللّه تعالى في كتابه من قصص الانبياء (عليهم
السلام)، وفصلت وتنته لمحمد ◌َّل﴿ وأمَّته، كما ذكر قصة نوح في أربع وعشرين آية منها، وقصة
هود في عشر آيات، وقصّة صالح في ثمان آيات، وقصة إبراهيم في ثمان آيات، وقصة لوط في
ثمان آيات ، وقصة شعيب في عشر آيات، وقصة موسى في آيات كثيرة.
وذكر [آيات] حديث رسول اللّه وَ ل في أربع وعشرين آية.
والمتشابه: هو ما أختلف به الالفاظ من قصصهم عند التكرير، كما قال في موضع من
قصة نوح: ﴿قلنا احمل﴾(٣) وقال وفي موضع آخر: ﴿فأسلك﴾(٤).
(١) سورة الأنعام: ١٥١.
(٢) سورة الإسراء: ٢٣.
(٣) سورة هود: ٤٠.
(٤) سورة المؤمنون: ٢٧ .

١١
سورة آل عمران، الآیات: ١ - ٧
وقال في ذكر عصا موسى: ﴿فإذا هي حيَّة تسعى﴾(١)، وقال في موضع آخر: ﴿ثعبان
مبين﴾(٢) ونحوها .
وإن بعضهم قال: ((المحكم: ما عرف العلماء تأويله، وفهموا معناه)).
((والمتشابه: ما ليس لأحد الى علمه سبيل مما استأثر اللّه بعلمه)) وذلك نحو الخبر عن
وقت خروج الدجّال، ونزول عيسى، وطلوع الشمس من مغربها، وقيام الساعة، وفناء الدَّنيا،
ومحوها .
وقال أبو فاختة: ((المحكمات التي هنَّ أم الكتاب فواتح السور منها يستخرج القرآن ﴿الم
ذلك الكتابُ لا ريب فيه﴾(٣) منها استخرجت البقرة، و﴿آلم * الله﴾(٤) أستخرجت آل عمران.
وقال ابن كيسان: ((المحكمات حجتها واضحة، ودلائلها لائحة، لا حاجة بمن سمعها
الى طلب معانيها في المتشابه الذي شك علمه، بالنظر فيه يعرف العوَّام تفصيل الحق فيه من
الباطل)).
وقال بعضهم: ((المحكم ما أجمع على تأويله، والمتشابه ما ليس معناه واضح)).
وقال أبو عثمان: المحكم فاتحة الكتاب.
وقال الشعبي: رأيتُ في بعض التفاسير(٥) أنَّ المتشابه هو [ما خفي لفظه والمحكم ما كان
لفظه واضح وعلى هذا القرآن كلّه](٦) محكم من وجه على معنى [بشدّة] [ ..... ] (٧)، قال اللّه
تعالى: ﴿كتاب أُحكمت آياته﴾(٨).
والمتشابه من وجه فهو إنَّه يشبه بعضه بعضاً في الحسن ويصدق بعضه بعضاً .
وقال ابن عبّاس في رواية شاذان: المتشابه حروف التهجّي في أوائل السَّور، وذلك بأنَّ
حكام اليهود هم حُيي بن أحطب، وكعب بن الأشرف ونظراءهما أتوا النبي صلى اللّه عليه وسلَّم
فقال له حيِّي :
سورة طه: ٢٠ .
(١)
سورة الأعراف: ١٠٧ .
(٢)
(٣)
سورة البقرة: ٢.١.
سورة آل عمران: ٢٠١.
(٤)
راجع تفسير مجمع البيان: ٢ / ٢٤٢، عن تفسير الماوردي، وتفسير القرطبي: ٤ / ١٠.
(٥)
(٦) زيادةٌ منّا لتقويم المعنى.
كلمة غير مقروءة.
(٧)
سورة هود: ١ .
(٨)

١٢
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
بلغنا أنَّه أُنزل عليك (آلم) أأُنزلت عليك؟ قال: نعم، فإن كان ذلك حقّاً فإنَّي أعلم من
هلك بأُمَّتك وهو إحدى وسبعون سنة فهل أنزلت عليك غيرها؟ قال: نعم والى ﴿المص﴾(١)،
قال: هذه أكبر من تلك هي إحدى وستون ومائة سنة فربما غيرها؟ قال: نعم ﴿الر﴾(٢) قال: هذه
أكثر من مائة وسبعون سنة ولقد خلطت علينا فلا ندري أبكثيره نأخذ أم بقليلة؟ ونحن ممَّن لا
يؤمن بهذا، فأنزل تعالى: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آياتٌ محكمات هنَّ أمَّ الكتاب
وأُخر متشابهات فأمَّا الَّذين في قلوبهم زيغ﴾: أي ميل عن الحق، وقيل: شك.
﴿فيتبعون ما تشابه منه﴾: إختلفوا في معنى هذه الآية، فقال الربيع: هم وفد نجران
خاصموا النبي صلى اللّه عليه وسلَّم وقالوا: ألست تعلم أنَّه كلمة اللّه وروح منه؟ قال: بلى،
قالوا: فحسبنا ذلك، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية.
وقال الكلبي: هم اليهود [أجهل] هذه الأمَّة باستخراجه بحساب الجمل. وقال ابن جري:
هم المنافقون.
[قال] الحسن: هم الخوارج.
وكان قتادة إذا قرأ هذه الآية ﴿فأمَّا الَّذين في قلوبهم زيغ﴾ قال: إن لم يكونوا آخرون
فالسبابيَّة ولا أدري من هم.
وقال بعضهم: هم جميع المُحدثة.
وروي حمَّاد بن سلمة وأبو الوليد يزيد بن أبي ميثم وأبوه جميعاً عن عبد الله بن أبي مليكة
الفتح عن عائشة: أنَّ رسول اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم قرأ هذه الآية: ﴿هو الذي أنزل عليك
الكتاب﴾ فقال صلَّى اللّه عليه وسلّم: ((إذا رأيتم الَّذين يسألون عمَّا تشابه منه ويجادلون فيه الَّذين
عنى اللّه عزَّ وجل فاحذروهم ولا تخالطوهم [٦](٣).
﴿ابتغاء الفتنة﴾: طلب الشرك قالهُ الربيع، والسدي، وابن الزبير، ومجاهد: ابتغاء
الشبهات واللبس ليضلّوا بها جهّالهم.
﴿وابتغاء تأويله﴾: تفسيره وعلمهُ دليله قوله تعالى: ﴿سأنبتك بتأويل مالم تستطع عليه
صبرا﴾ (٤).
وقيل: ابتغاء عاقبته، وطلب مدة أجل محمَّد، وامته من حساب الجمل، دليله قوله تعالى
(١) سورة الأعراف: ١.
(٢) سورة يونس: ١.
(٣) تفسير القرطبي: ٤ / ٩ بتفاوت، وتفسير الدرّ المنثور: ٢ / ٥، من طرق كلّها متفاوتة.
(٤) سورة الكهف: ٧٨.

١٣
سورة آل عمران، الآيات: ١ - ٧
﴿ذلك خير وأحسن تأويلاً﴾(١) أي عاقبته، وأصلهُ من قول العرب: تأول الفتى إذا انتهى.
قال: الأعشى :
تأوّل ربعي السقاب فأصحبا (٢)
على أنها كانت تأوّل جها
يقول: هذا السجيُّ لها فانقرت لها وابتغتها، قال اللّه تعالى: ﴿وما يعلمُ تأويلهُ إلّ اللّه
والراسخون في العلم﴾ واختلف العلماء في نظم هذه الآية وحكمها .
فقال قوم: الواو في قوله ﴿الراسخون في العلم﴾ واو العطف، يعني أن تأويل المتشابه
يعلمهُ اللّه ويعلمهُ الراسخون في العلم وهم مع علمهم يقولون: ﴿آمنا به﴾.
وهو قول مجاهد والربيع، ومحمد بن جعفر بن الزبير، واختيار القتيبي قالوا: معناها
يعلمونه ويقولون آمنا به فيكون قوله: يقولون، حالاً والمعنى: الراسخون في العلم قائلين آمنًا
به .
قال ابن المفرغ الحميري :
من بعد أيام برامه
أضربت حبك من امامه
والبرق يلمعُ في الغمامة(٣)
الريح تبكي شجوها
أراد والبرق لامعاً في غمامه وتبكي شجوه أيضاً، ولو لم يكن البرق يشرك الريح في البكاء
لم يكن لذكر البرق ولمعانهُ معنى.
٠
ودليل هذا التأويل قولهُ: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فللَّه والرسول ولذي
القُربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾(٤). ثم قال: ﴿للفقراء المهاجرين الذين أُخرجوا من
ديارهم﴾(٥) الآية.
ثم قال: ﴿والَّذين تبوؤا الدار والإيمان﴾(٦): أي والذين تبؤوا الدار، ثم قال: ﴿والَّذين
جاءوا من بعدهم﴾. ثم أخبر عنهم أنَّهم ﴿يقولون ربَّنا إغفر لنا﴾(٧) الآية.
ولا شك في أنَّ قوله: ﴿والَّذين جاءوا من بعدهم﴾ عطف على قوله: ﴿والَّذين تبوؤا
(١) سورة النساء: ٥٩.
(٢) الربعي: نتاج الربيع، وأصحب الرجل: إذا بلغ ابنه، والبيت في تفسير الطبري: ٣ / ٢٥٠.
(٣) تفسير القرطبي: ٤ / ١٧، وأحكام القرآن للجصّاص: ٢ / ٧.
(٤)
سورة البقرة: ١٧٧ .
سورة الحشر: ٨.
(٥)
(٦) سورة الحشر: ٩.
(٧) سورة الحشر: ١٠.

١٤
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
الدار﴾، وانَّهم يشاركون للفقراء المهاجرين والأنصار في الفيء ﴿ويقولون ربَّنا إغفر لنا﴾ من
جملة ﴿الَّذين جاءوا من بعدهم﴾. فمعنى الآية ﴿والذين جاءوا من بعدهم﴾ وهم مع استحقاقهم
الفيء ﴿يقولون ربَّنا إغفر لنا﴾(١) أي قائلين على الحال. فكذلك هاهنا في ﴿يقولون ربّنا﴾ أي
ويقولون آمنا به .
ومما يؤيد هذا القول أنَّ اللّه تعالى لم ينزل كتابه إلاّ لينتفع له مبارك، ويدل عليه على
المعنى الذي ارادهُ فقال: ﴿كتابٌ أنزلناهُ إليك مبارك ليدَّبِّروا آياته﴾(٢)، وقال: ﴿بلسان عربي
مبين﴾(٣).
والمبين الظاهر، وقال: ﴿بكتاب فصلناه﴾(٤). فوصف جميعهُ بالتفصيل والتبيين وقال:
﴿لتبيَّن للناس ما نزل إليهم﴾(٥) .
ولا يجوز أن تبّين مالا يعلم، وإذا جاز أن يعرفهُ الرسول صلى اللّه عليه وسلَّم مع قوله لا
يعلمهُ إلاّ اللّه، جاز أن يعرفهُ الربانيون من أصحابه.
وقال: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم﴾(٦) ولا تؤمر باتّباع مالا يُعلم؛ ولأنَّه لولم يكن
للراسخين في العلم هذا لم يكن لهم على المعلمين والجهال فضلُ؛ لأنهم ايضاً يقولون آمنا به.
﴿كلَّ من عند ربَّنا﴾: ولأنَّا لم نر من المفسرين على هذه الغاية [قوماً] يوفقوا عن شيء من
تفسير القرآن وقالوا: هذا متشابه لا يعلمهُ إلاّ اللّه، بل أعزوه كله وفسروه حتى حروف التهجي
وغيرها .
وكان ابن عباس يقول: في هذه الآية: أنا من الراسخين في العلم.
وقرأ مجاهد هذه الآية وقال: أنا ممّن يعلم تأويله.
وروى سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: كل القرآن أعلم ولا أعلم أربعة: غسلين،
وحناناً، والاوَّاه، والترقيم. وهذا إنَّما قال ابن عباس في وقت ثم علمها بعد ذلك وفسرَّها .
وقال آخرون: الواو في قوله ﴿والراسخون في العلم﴾ واو الاستئناف وتم الكلام، وانقطع
عند قوله: ﴿وما يعلم تأويلهُ إلاّ اللّه﴾. ثم إبتدأ وقال: ﴿والراسخون في العلم يقولون آمنا به كلَّ
(١) سورة الحشر: ١٠ .
(٢)
سورة ص: ٢٩.
سورة الشعراء: ١٩٥ .
(٣)
سورة الأعراف: ٥٢.
(٤)
سورة النحل : ٤٤ .
(٥)
(٦) سورة الأعراف: ٣.

١٥
سورة آل عمران، الآيات: ١ - ٧
من عند ربنا﴾ لل ﴿والراسخون﴾ أبتداء وخبره في يقولون، وهذا قول عائشة وعروة بن الزبير،
ورواية طاوس عن ابن عباس، واختيار الكسائي والفراء والمفضَّل بن سلَّمة ومحمد بن جرير
قالوا: إنَّ الراسخين لا يعلمون تأويله، ولكنهم يؤمنون به. والآية راجعة على هذا التأويل الى
العلم بما في أجَلَ هذه الأمة ووقت قيام الساعة، وفناء الدنيا، ووقت طلوع الشمس من مغربها،
ونزول عيسى (عليه السلام) ، وخروج الدجال، ويأجوج ومأجوج، وعلم الروح ونحوها مما
إستأثر اللّه لعلمه ولم يطلع عليه أحد من خلقه.
وقال بعضهم: [إعلم أنّ المتشابه من الكتاب قد](١) أستأثر اللّه بعلمه دوننا، ونفسّره نحنُ،
ولم نتعبد بذلك. بل ألزمنا العمل بأوامره واجتناب نواهيه، ومما يصدَّق هذا القول قراءة عبد (٢)
اللّه أنَّ تأويلهُ لا يُعلم إلاّ عند اللّه، والراسخون في العلم يقولون آمنا به.
وفي حرف [](٣) الراسخون في العلم آمنًا به.
ودليله أيضاً ما روَّي عن عمر بن عبد العزيز، إنَّه قرأ هذه الآية ثم قال: انتهى علم
الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا: ﴿آمنا به كلَّ من عند ربَّنَا﴾(٤).
وقال أبو نهيك الأسدي: إنَّكم تصلون هذه الآية وإنَّها مقطوعة وهذا القول أقيس العربَّية
وأشبه مظاهر الآية والقصة والله أعلم.
والراسخون: الداخلون في العلم الذين أتقنوا علمهم، واستنبطوه فلا يدخلهم في معرفتهم
شك، وأصله من رسوخ الشيء في الشيء وهو ثبوته وأوجب فيه يُقال: (رسخ الإيمان في القلب
فلان) فهو يرسخ رسخاً ورسوخاً وكذلك في كل شيء ورسخ رصخ، وهذا كما يُقال: مسلوخ
ومصلوخ قال الشاعر:
لقد رسخت في القلبٍ منك مودة للنبي أبتْ آياتها أن تغيرا(٥)
وقال بعض المفسّرين من العلماء: الراسخون علماً: مؤمني أهل الكتاب، مثل عبد الله بن
سلام و [ابن صوريا وكعب].
[قيل:] الراسخون في العلم هم بعض الدارسين علم التوراة.
وروي عن أنس بن مالك [وأبي الدرداء وأبي أمامة]: أن رسول اللّهِ وَ لَّ سُئل مَنْ
(١) عن تفسير القرطبي: ٤ / ١٨.
(٣)
في معاني القرآن للنحاس أنّها قراءة ابن عباس (١ / ٣٥١).
(٢)
كلمة غير مقروءة في المخطوط.
تفسير الطبري: ٣ / ٢٤٩.
(٤)
(٥) تفسير القرطبي: ٤ / ١٩ وفيه: الصدر، بدل القلب.

١٦
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
الراسخون في العلم؟ فقال: ((منْ برَّت يمينهُ، وصدق لسانهُ واستقام قلبهُ، وعف بطنهُ وفرجهُ،
فذلك الراسخ في العلم)) [٧](١) .
وقال وهيب: سمعتُ مالك بن أنس يُسأل عن تفسير قولهِ ﴿والراسخون في العلم﴾ من
هم؟ قال: العالم العامل بما علم تبع له.
وقال نافع بن يزيد: كما أن يُقال الراسخون في العلم المؤمنون بالله، المتذللون في طلب
مرضاته، لا يتعاظمون على من فوقهم، ولا [يحقّرون] من دونهم (٢).
وقال بعضهم: ﴿الراسخون في العلم﴾: من وجد في عملهِ أربعة أشياء:
التقوى بينهُ وبين اللّه تعالى، والتواضع بينهُ وبين الخلق، والزهد بينه وبين الدنيا،
والمجاهدة بينهُ وبين نفسهُ(٣).
وقال ابن عباس ومجاهد والسدي بقولهم: (آمنا به) سمّاهم اللّه تعالى: الراسخين في
العلم؛ فرسوخهم في العلم قولهم: آمنا به أي بالمتشابه ﴿كلَّ من عند ربَّنا﴾ المحكم والمتشابه،
والناسخ والمنسوخ، ما علمناه وما لم نعلمهُ.
قال المبرد: زعم بعض الناس أن (عند) ههنا صلة ومعناهُ كل من ربَّنا. ﴿وما يذكرُّ﴾:
يتعظ بما في القرآن.
﴿إلاّ أولو الألباب): ذووا العقول ولبَّ كل شيء خالصه [فلذلك قيل للعقل لب].
رَبَّنَا لَا تُعْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّذُنَكَ رَحْمَةٌ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (جَ رَبََّآَ إِنَّكَ جَامِعُ
النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّ رَّبَ فِيهَ إِنَ اللّهَ لَا يُخْلِفُ اَلْبِعَادَ (١) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُنْتِى عَنْهُمْ أَمَوَّلُهُمْ
وَ أَوْلَدُهُم مِّنَ اَللَّهِ شَيْئََّ وَأُوْلَكَ هُمْ وَقُودُ اَلََّارِ ﴿٣َ حَدَأْبِ ءَالٍ فِرْعَوْنَ وَالَذِنَّ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ جَائِنَا
فَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِمٌ وَلَهُ شَدِيدُ أَلْمِغَابِ (١٦) قُل لِلَّذِينَ كَغَرُواْ سَتُغْلَُنَ وَتُْتَرُونَ إِلَى جَهَنَّمٌ وَيِفْسَ
اَلْمِهَادُ ﴿﴿ قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَيَّةٌ فِ فِتَتَيْنِ اَلْتَغَنَّا بِئَةٌ تُقَتِلُ فِى سَبِلِ أَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ
يَرَوْنَهُم مِثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَبْنِّ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَ فِ ذَاِكَ لَعِبْرَةٌ لِّأَوْلِ الْأَبْصَرِ
زُيِّنَّ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النَّاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَتَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْنِضََّةِ
١٣
وَالْخَيْلِ اَلْهُوَّمَّةِ وَاَلْأَثْدِمِ وَالْعَرْثِ ذَلِكَ مَنَبَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَّا وَاللَّهُ عِنْدَهُ مُسْنُ الْمَتَّابِ (وَ
﴿رَبَّنَا لا تزغ قلوبنا﴾: أي ويقول الراخون كقوله في آخر السورة: ﴿ويتفكرون في خلق
(١) المعجم الكبير: ٨ / ١٥٢، وتفسير الطبري: ٣ / ٢٥١.
(٢) تفسير ابن كثير: ١ / ٣٥٦.
(٣) فغني المحتاج: ٣ / ٦٠.

١٧
سورة آل عمران، الآيات: ٨ - ١٤
السموات والأرض ربَّنا﴾(١) أي ويقولون ﴿ربَّنا لا تزغ قلوبنا﴾ لا تملها عن الحق والهدى، كما
ازغت قلوب اليهود والنصارى، والذين في قلوبهم زيغ.
يُقال: زاغ - يزيغ - ازاغة إذا مال.
وزاغ - تزيغ - زيغاً - وزيوغاً - وزيغاناً اذا حال.
﴿بعد إذْ هديتنا﴾: وفقنا لدينك، والإيمان بالمحكم والمتشابه من كتابك.
﴿وهب لنا من لدنك رحمة﴾: وآتنا من لدنك رحمة وتوفيقاً وتثبيتاً للذي نحن عليه من
الهدى والإيمان.
وقال الضحاك: تجاوزاً ومغفرة الصدَّق [ ..... ] (٢) على شرط السنة.
﴿إِنَّك أنت الوهاب﴾: تعطي. وفي الآية ردّ على القدرية.
وروى عن أسماء بنت يزيد: أنَّ رسول اللّه وَ ل﴾ كان يُكثر في دعائه: ((اللهم [يا] مقلَّب
القلوب ثبَّت قلبي على دينك)) [٨](٣).
قالت: فقلتُ: يا رسول اللّه وإنَّ القلوب لتقلب؟. قال: نعم ما خلق الله من بني آدمَّ من
بشر إلاّ وقلبه بين اصبعين من أصابع الله عزّ وجلّ فإن شاء أزاغه، وإن شاء أقامه على الحق،
فنسأل الله تعالى أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسألهُ أن يهبْ لنا من لدنه رحمةً إنَّهُ هو
(٤)
الوهاب (٤).
قالت: قلت: يا رسول الله ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟
قال: بلى قولي: ((اللهم ربَّ محمّد النبي، اغفر لي ذنبي، واذهب غيظ قلبي وأجرني من
مضلاّت الفتن ما أحييتني)) [٩](٥).
وعن أبي موسى الأشعري قال: وإنما مثلُ القلب مثل ريشة بفلاة من الأرض (٦).
خالد بن معدان عن أبي عبيدة بن الجراح: أنّ رسول اللـه وَّ قال: إنّ قلب ابن آدم مثل
العصفور يتقلب في اليوم سبع مرات(٧).
(١) سورة آل عمران: ١٩١.
(٢) كلمة غير مقروءة.
(٣) مسند أحمد: ٦ / ٣٠٢.
(٤) إلى هنا الحديث في تفسير ابن كثير: ١ / ٣٥٦.
(٥) مسند أحمد: ٦ / ٣٠٢.
(٦) الدرّ المنثور: ٢ / ٨.
(٧) المصدر السابق.

١٨
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
﴿رَبَّنا إنك جامع الناس ليوم﴾: [بالبعث ليوم القيامة](١) وقيل: اللام بمعنى في أيَّ يوم.
﴿لا ريب فيه﴾: لا شك فيه وهو يوم القيامة [ ... ](٢) عندما قرأ الآية [ ... ](٣) ولذلك
انصرف عن الخطر الى الخبر.
﴿إِنَّ اللّه لا يخلف الميعاد) وهو مفعال من الوعد.
﴿إِنَّ الذين كفروا لن تغني﴾ قرأ السلمي (يغني) بالياء المتقدمة من الفعل ودخول [الحائل]
بين الاسم والفعل.
وقرأ الحسن (لن يغني) بالياء وسكون الياء الأخيرة(٤) كقول الشاعر:
وليس لسقمها إذا طال شافي
كفى باليأس من أسماء كافي
وكان حقّه أن يقول: كافياً، فأرسل الياء، وأنشد الفرّاء في مثله:
أيدي جوار يعاطين الورق
كأن أيديهنّ بالقاع القرق
القرق والقرقة لغتان في القاع(٥) .
ومعنى قوله (لن يغني): أي لن ينفع، ولن يدفع وإنما سمى المال غنى؛ لأنه ينفع الناس
ويدفع عنهم الفقر والنوائب.
﴿عنهم أموالهم ولا أولادهم من اللّه شيئاً﴾.
قال الكسائي وقال أبو عبيدة: معناه عند اللّه شيئاً، من بمعنى الحال.
﴿أولئك هم وقود النَّار﴾ ﴿كدأب آل فرعون﴾ نظم الآية ﴿إنَّ الذين كفروا لن تغني عنهم
أموالهم ولا أولادههم﴾: عند حلول النقمة والعقوبة مثل آل فرعون، وكفَّار الأمم الخالية
عاقبناهم فلن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم.
وأما معنى ﴿كدأب﴾: فقال [ابن عباس] وعكرمة ومجاهد والضَّحاك وأبو روق والسدَّي
وابن زيد: كمثل آل فرعون [مع موسى] يقول كعب اليهود: لكفر آل فرعون والذين من قبلهم.
ربيع والكسائي وأبو عبيدة: كسنّة آل فرعون. الأخفش: كأمر آل فرعون.
قال أمرؤ القيس :
(١) عن تفسير الثعالبي: ٢ / ١٣.
(٢) (٣) كلمتان غير مقروءتان.
(٤) فتح القدير: ١ / ٣٢٠، وتفسير القرطبي: ٤ / ٢١.
(٥) عن تفسير القرطبي: ٤ / ٢٢.

١٩
سورة آل عمران، الآيات: ٨ - ١٤
وجارتها أم الرباب بمأسل(١)
كدأبك من أم الحويرث قبلها
وهذا أصل الحرف يقال: دائب في الأمر أو أبة دأباً ودائب [ويدأ ودءوبا] إذا أدمنت
العمل ونعیته .
وأدأب السير أداباً، فإنَّما يرجع معناه الى النَّساب والحاك والعادة.
قال الشاعر(٢):
لأرتحلن بالفجر ثمّ لادئبنّ
قال سيبويه: موضع الكاف رفع؛ لأن الكاف للتشبيه تقوم مقام الاسم، وتقديرهُ: دأبهم
﴿كدأب آل فرعون والَّذين من قبلهم﴾ كدأب الأمم الماضية ﴿كذَّبو بأياتنا فأخذهم اللّه﴾.
فعاقبهم .
﴿بذنوبهم﴾: نظيره قوله ﴿فكلاً أخذنا بذنبه﴾(٣).
﴿والله شديدُ العقاب﴾ ﴿قل للَّذين كفروا ستغلبون وتحشرون﴾: قرأ إسحاق وثابت
والأعمش وحمزة والكسائي وخَلْقٌ بالياء فيهما، الباقون بالتاء، فمن قرأهما بالياء فعلى الأخبار
عنهم أنَّهم يحشرون ويقلبون، ومن قرأهما بالتاء فعلى الخطاب أي قلَّ لهم إنكم ستغلبون
وتحشرون وكلا الوجهين [صحيح] ؛ لأنه لم يوح إليهم، واذا كان المخاطب بالشيء غير حاضر
وكانت مخاطبته [في] الكلام بالتاء على الخطاب، وبالياء على الأخبار والأعلام كما تقول: (قل
لغير اللّه ليضربن ولتضربن).
واختلف المفسرون في المعنى لهذه الآية من هم؟ فقال مقاتل: هم مشركو مكَّة، ومعنى
الآية قيل لكفَّار مكّة: ستغلبون يوم بدر وتحشرون في الهجرة، فلما نزلت هذه الآية قال النبي
صلَّى الله عليه وسلَّم للكافرين يوم بدر: ((إنَّ اللّه غالبكم وحاشركم الى جهنَّم)) [١٠].
دليلُ التأويل قوله تعالى: ﴿سيهزم الجمع ويوَلَّونَ الدُبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى
وَأَمَرْ﴾(٤).
وقال بعضهم: المراد بهذه الآية اليهود.
وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: إنَّ يهود أهل المدينة قالوا لمَّا هَزَمَ رسول
اللّه وَيّ المشركين يوم بدر: هذا والله النبي الأمَّ الذي بشَّرنا به موسى ونجده في كتابنا بنعته
(١) فتح القدير: ١ / ٣٢١.
(٢) وهو زهير راجع تفسير مجمع البيان: ٢ / ٢٤٤ والمعنى: إلّ أن يمنعني ولادة طفل.
(٣) سورة العنكبوت: ٤٠.
(٤) سورة القمر: ٤٦.٤٥.

٢٠
الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي
وصفته، وأنَّه لا تردُّ له راية، وأرادوا تصديقه واتَّباعه، ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى
الى وقفة أخرى به، فلمَّا كان يوم أُحدْ ونكب أصحاب رسول اللّه وَلي شكّوا وقالوا: لا والله ما
هو به فغلبَ عليهم الشقاء ولم يسلموا، وقد كان بينهم وبين رسول اللّه ◌َ﴿ عهدُ الى مدة لم
تنقضِ فنقضوا ذلك العهد من أجله.
وإنطلق كعب بن الإشرف في ستين راكباً الى أهل مكّة، أبي سفيان واصحابه، فوافقوهم
وأجمعوا أمرهم على رسول اللّه وَلي لتكون كلمتنا واحدة، ثم رجعوا الى المدينة، فأنزل الله
فيهم هذه الآية.
وقال محمد بن إسحاق عن رجاله لمَّا أصاب رسول اللّه وَّل قريشاً ببدر، وقدِم الى المدينة
جمع اليهود في سوق قينقاع فقال: ((يا معشر اليهود إحذروا من اللّه مثل ما نزل بقريش يوم بدر
وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم قد عرفتم إنَّي نبي مرسل تجدونَ ذلك في كتابكم وعهدَ اللّه
إليكم)) [١١](١) .
فقالوا: يا محمَّد لا يغرنَّك أن لقيت قوماً أغماراً لا علم لهم بالحرب فأصبت فيهم فرصة،
لك والله لو قاتلناك لعرف منا البأس، فأنزل الله تعالى ﴿قل للَّذين كفروا﴾(٢): يعني اليهود
ستغلبون وتهزمون وتحشرون الى جهنّم في الآخرة، وهذه رواية عكرمة، وسعيد بن جبير عن أبن
عباس.
قال: أهل اللغة إشتقاق جهنّم من الجهنام وهي البئر البعيدة القعر.
﴿وبئس المهاد﴾ يعني النار ﴿قد كان﴾ ولم يقل كانت؛ لأنّ (آية) تأنيهثا غير حقيقي،
وقيل: ردّها] الى البيان أي: قد كان لكم بيان فذهبَ الى المعنى وترك اللفظ كقول أمرؤ القيس:
كخر عوبة البانة المنقطر(٣)
برهرهة رأدة رخصة
ولم يقل المنفطرة؛ لأنَّه ذهب الى القضيب، وقال الفراء: ذكّره؛ لأنَّه فرق بينهما بالصفة
فلما حالت الصفة بين الفعل والاسم المؤنث ذكَّر الفعل وأنَّثه:
إِنَّ أمرؤاً غرَّه منكره واحدة بعدي
وبعدك في الدنيا لمغرورُ
وكل ما جاء في القرآن من هذا النحو، فهذا وجهه، فمعنى الآية ﴿قد كان لكم آية﴾: أي
عبرة ودلالة على صدق ما أقول لكم ستغلبون.
(١) أسباب نزول الآيات: ٦٢.
(٢) سورة آل عمران: ١٢.
(٣) الصحاح: ١ / ١١٩.