النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ سورة البقرة، الآيات: الآيتان: ٢٥٨ - ٢٥٩ قرأ الأعمش وحمزة وعيسى: ﴿ربّي الذي﴾ بإسكان الياء، وقرأ الباقون بفتحه لمكان الألف واللام. فقال نمرود: ﴿أنا أُحيي وأُميت﴾. قرأ أهل المدينة (أنا) بالمدّ في جميع القرآن، وهو لغة قوم يجعلون الوصل فيه كالأصل. وأنشد الكسائي : أنا سيف العشرة فاعرفوني وقال آخر: حميد قد تذرّيت السناما (١) أنا عبيد الله [يميني] عمرْ إلاّ رسول الله والشيخ الأغر خير قريش من مضى ومن غبر والأصل في (أنا) أن تفتح النون وابتغي لها الوقت فكتبت ألفاً على نيّة الوقف فصار: أنا . وأكثر العرب يقول في الوقف: أنّه . قال أكثر المفسّرين: دعا نمرود برجلين فقتل أحدهما واستحيا الآخر فسمّى ترك القتل إحياءً . كقوله: ﴿ومَنْ أحياها فكأنّما أحيا الناس جميعاً﴾ (٢) أي لم يقتلها . وقال السدي في قوله تعالى: ﴿أنا أُحيي وأُميت﴾ قال: أخذ أربعة نفر فأدخلهم بيتاً فلا يُطعمون ولا يُسقون حتّى إذا أشرفوا على الهلاك أطعم اثنين وسقاهما وترك اثنين فماتا، فانتقل إبراهيم إلى حجّة أخرى لا عجزاً لأن له أن يقول: فأحي مَنْ أمتّ إن كنت صادقاً، بل إيضاحاً بالحجّة فقال: ﴿قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس﴾ كلّ يوم ﴿من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر﴾ أي تحيّر ودُهش وانقطعت حجّته. يقال: رجل مبهوت، أي مدهوش. قال الشاعر : ألا إنّ لرئاها فجأة فأبهت حتّى ما أكاد أسير وقرأ محمد بن السميقع اليماني: ﴿فُبُهت﴾ بفتح الباء والهاء أي بهته إبراهيم. تصديقه قوله تعالى: ﴿بل تأتيهم بغتة فتيهتهم﴾(٣) أي تدهشهم. (١) جامع البيان: ١٥ / ٣٠٨، ولسان العرب: ١٣ / ٣٧ باختلاف: جميعا، بدل: حميداً. (٣) سورة الأنبياء: ٤٠. (٢) سورة المائدة: ٣٢. ٢٤٢ الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ إلى الحجّة ﴿أو كالذي مرّ على قرية﴾ هذا عطف على معنى الآية الأولى تقديره: هل رأيت كالذي حاج إبراهيم في ربّه، أو هل رأيت كالذي مرّ على قرية . قال بعض نحّاة البصرة: (الكاف) صلة كأنّه قال: ألم ير إلى الذي أو الذي. واختلفوا في ذلك المارّ من هو، فقال قتادة والربيع وعكرمة وناجية بن كعب وسليمان بن بريدة والضحاك والسدي وسليم الخواص: هو عزير بن شرحيا . وقال وهب بن منّه وعبد الله بن عبيد بن عمير: هو أرميا بن خلفيا وكان من سبط هارون ابن عمران، وهو الخضر. وقال مجاهد: هو رجل كافر شكّ في البعث. واختلفوا في القرية التي عليها، فقال وهب وعكرمة وقتادة والربيع: هي بيت المقدّس، وقال الضحاك: هي الأرض المقدّسة، وقال ابن زيد: الأرض التي أهلك الله فيها الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر موت. وقال الكلبي: هي دير سائداباذ، وقال السدي: هي سلماباذ، وقيل: دير هرافيل، وقيل: قرية العنب وهو على فرسخين من بيت المقدس. ﴿وهي خاوية﴾ ساقطة، يقال: خوى البيت يخوى خوىّ مقصوراً إذا سقط، وخوى البيت بالفتح خواً ممدود إذا خلا. ﴿على عروشها﴾ سقوفها وأبنيتها واحدها عرش وجمعه القليل: أعرش، وكلّ بناء عرش، يقال: عرش فلان، إذا بنى فهو يعرش ويعرش عرشاً، قال الله: ﴿وما كانوا يعرشون﴾(١) أي یینون . ومعنى الآية: إنّ السقوف سقطت ثم وقعت الحيطان عليها . وقيل: (على) بمعنى مع، أي خاوية مع عروشها . قال الشاعر: كأن مصفحات في ذراه وأبراجاً عليهن المالي(٢) أي معهن. نظيرها في سورة الكهف والحجّ .(٣) (١) سورة الأعراف: ١٣٧ . (٢) لسان العرب: ١٤ / ٤٤. (٣) في سورة الكهف الآية: ٤٢، وفي سورة الحجّ الآية: ٤٥ وفيها: (فهي خاوية). ٢٤٣ سورة البقرة، الآيات: الآيتان: ٢٥٨ - ٢٥٩ ﴿قال أنّى يُحيي هذه الله بعد موتها) وكان السبب في ذلك على ماروى محمد بن إسحاق عن وهب بن منبّه: إن الله سبحانه وتعالى قال لأرميا غلَّا حين بعثه نبيّاً إلى بني إسرائيل: يا أرميا من قبل أن خلقتك اخترتك، ومن قبل أن أُصوّرك في رحم أُمّك قدّستك، ومن قبل أن تبلغ السعي نبّأتك ولأمر عظيم أحببتك. فبعث الله أرميا إلى ناشئة بن أموص ملك بني إسرائيل ليسدده ويأتيه بالخبر من الله تعالى، فعظمت الأحداث في بني إسرائيل فركبوا المعاصي واستحلّوا المحارم، فأوحى الله تعالى إلى أرميا أن ذكّر قومك نعمي وعرّفهم أحداثهم فادعهم إليّ. فقال أرميا: إنّي ضعيف إنّ لم تقوّني عاجز إن لم تنصرني. فقال الله تعالى: أنا ألهمك، فقام أرميا فيهم ولم يدر ما يقول، فألهمه الله عزّ وجلّ في الوقت خطبة بليغة طويلة بيّن لهم فيها ثواب الطاعة وعقاب المعصية. وقال في آخرها: وإنّي أنا الله بعزتي لأقضين لهم فتنة يتحيّر فيها الحليم ولأسلطنّ عليهم جبّاراً قاسياً ألبسه الهيبة وأنزع من قلبه الرحمة يتّبعه عدد مثل سواد الليل المظلم. فأوحى الله تعالى إلى أرميا: إنّي مهلك بني اسرائيل بيافث ويافث، أهل بابل وهم من ولد يافث بن نوح، فلمّا سمع ذلك أرميا صاح وبكى وشقّ ثيابه ونبذ الرماد على رأسه فلما سمع الله تضرّع أرميا وهو الخضرظلَّا وبكاه ناداه: يا أرميا أشق عليك ما أوحيت إليك؟ قال: نعم يارب، أهلكني قبل أن أرى في بني إسرائيل ما لا أسرّ به. فقال الله عزّ وجلّ: وعزّتي لا أهلك بني اسرائيل حتّى يكون الأمر في ذلك من قبلك، ففرح بذلك أرميا وطابت نفسه، وقال: والذي بعث موسى بالحق لا أرضى بهلاك بني اسرائيل، ثم أتى الملك فأخبره بذلك . وكان ملكاً صالحاً . فاستبشر وفرح وقال: إن يُعذّبنا ربّنا فبذنوب كثيرة لنا وإنّ عفا عنّا فبرحمته. ثم إنّهم لبثوا بعد الوحي ثلاث سنين لم يزدادوا إلاّ معصية وتمادياً في الشر وذلك حين اقترب هلاكهم، فقل الوحي ودعاهم الملك إلى التوبة فلم يفعلوا، فسلّط الله عليهم بخت نصّر فخرج في ستمائة ألف راية تريد أهل بيت المقدس، فلما فصل سائراً أتى الخبر الملك فقال الأرميا: أين مازعمت أن الله أوحى إليك؟ فقال أرميا: إنّ الله لا يخلف الميعاد وأنا به واثق. فلما قرب الأجل وعزم الله تعالى على هلاكهم، بعث الله إلى أمریا مَلَكاً قد تمثّل له رجلاً من بني إسرائيل. ٢٤٤ الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي فقال: يا نبي الله أستعينك في أهل رحمي وصلت أرحامهم ولم أت إليهم إلاّ حيناً ولا يزيدون مع إكرامي إياهم إلّ اسخاطاً لي فأفتني فيهم، فقال له: أحسن فيما بينك وبين الله وصلهم وأبشر بخير. فانصرف المَلَك فمكث أياماً ثم أقبل إليه في صورة ذلك الرجل فقعد بين يديه، فقال له أرميا: أوماظهرت أخلاقهم لك بعد؟ قال: يانبي الله والذي بعثك بالحقّ ما أعلم كرامة يأتيها أحد من الناس إلى أهل رحمة إلاّ قدّمتها إليهم وأفضل. فقال النبيّ: أرجع إلى أهلك وأحسن إليهم واسأل الله تعالى الذي يصلح عباده الصالحين أن يصلحهم، فقام المَلَك فمكث أياماً وقد نزل بخت نصر وجنوده حول بيت المقدس أكثر من الجرّاد ففزع بني اسرائيل وشقّ عليهم. فقال المَلِك لارميا: يانبي الله أين ما وعدك الله؟ قال: إنّي بربّي واثق. ثم أقبل المَلَك إلى أرميا وهو قاعد على جدار بيت المقدس فضحك واستبشر بنصر ربّه الذي وعده فقعد بين يديه وقال: أنا الذي أنبأتك في شأن أهلي مرّتين. فقال النبيّ: ألم يأن لهم أن يفيقوا من الذي هم فيه؟ فقال المَلَك: يانبي الله كلّ شيء كان يصيبني منهم قبل اليوم أصبر عليه فاليوم رأيتهم في عمل لا يرضى الله عزّ وجلّ به. فقال النبي: على أي عمل رأيتهم؟ قال: عمل عظيم من سخط الله فغضبت لله ولك وأتيتك لأخبرك وإنّي أسألك بالله الذي بعثك بالحق إلاّ ما دعوت الله عليهم ليهلكهم. فقال أرميا: يا مَالك السماوات والأرض إنّ كانوا على حق وصواب فابقهم وإن كانوا على سخطك وعمل لا ترضاه فأهلكهم. فلما خرجت الكلمة من فم أرميا أرسل الله عزّ وجلّ صاعقة من السماء في بيت المقدس والتهب مكان القربان وخسف سبعة أبواب من أبوابها . فلما رأى ذلك أرميا صاح وشق ثيابه ونبذ الرماد على رأسه، وقال: يا مَالك السماوات والأرض أين ميعادك الذي وعدتني؟، فنودي أنّه لم يصبهم الذي أصابهم إلّ بفتياك ودعائك، فاستيقن النبيّ أنّها فتياه التي أفتى بها، وأنه رسول ربه. ٢٤٥ سورة البقرة، الآيات: الآيتان: ٢٥٨ - ٢٥٩ فطار أرميا حتّى خالط الوحوش، ودخل بخت نصّر وجنوده بيت المقدس ووطىء الشام وقتل بني إسرائيل حتّى أفناهم وخرّب بيت المقدس، ثم أمر جنوده أن يملأ كلّ رجل منهم ترسه تراباً ثم يقذفه في بيت المقدس فقذفوا فيه التراب حتى ملاؤه، ثم أمرهم أن يجمعوا مَنْ كان في بلدان بيت المقدس كلّهم فاجتمع عنده كلّ صغير وكبير من بني إسرائيل واختار منهم مائة ألف صبي فقسّمهم بين الملوك الذين كانوا معه فأصاب كلّ رجل منهم أربعة أغلمة، وفرّق بخت نصّر مَنْ بقى من بني إسرائيل ثلاث فرق: فثلثاً أقرّ بالشام، وثلثاً أسر، وثلثاً قتل، فكانت هذه الواقعة الأولى التي أنزلها الله ببني إسرائيل بظلمهم. فلما ولّى بخت نصّر عنهم راجعاً إلى بابل ومعه سبايا بني إسرائيل، أقبل أرميا على حمار له معه عصير عنب في زُكرة وسلّة تين حتى أتى ايليا فلما وقف عليها ورأى خرابها قال: ﴿أنى يُحيي هذه الله بعد موتها﴾؟! وقال الذين قالوا إن هذا المارّ كان عزيراً: إن بخت نصّر لما خرّب بيت المقدس وأقدم بسبي بني إسرائيل إلى أرض بابل كان فيهم عزير وكان من علماء بني إسرائيل، ودانيال وسبعة آلاف من أهل بيت داود. فلما نجا عزير من بابل ارتحل على حمار حتّى نزل على دير هرقل على شط دجلة، فطاف في القرية فلم يرَ فيها أحد وعلم بخبرها، فأكل من الفاكهة وعصر من العنب فشرب منه وجعل فضل الفاكهة في سلّة وفضل العصير في زق فلما رأى خراب القرية وهلاك أهلها قال: ﴿أنّ يُحيي هذه الله بعد موتها﴾(١). لم يشك في البعث ولكن قالها تعجباً. رجعنا إلى حديث وهب: قال: ربط أرميا حماره بحبل جديد فألقى الله عليه النوم، فلمّا نام نزع منه الروح مائة سنة وأمات حماره، وعصيره وتينه عنده، وأعمى الله عنه العيون فلم يره أحد وذلك ضحى، ومنع الله السباع والطير لحمه. فلمّا مضى من موته سبعون سنة أرسل الله عزّ وجلّ مَلَكاً إلى ملك من بني اسرائيل عظيم يقال له: [يوسك] فقال: إنّ الله عزّ وجلّ يأمرك أن تنفر قومك فتعمّر بيت المقدس وإيليا وأرضها حتّى تعود أعمر ما كان، فانتدب الملك ألف قهرمان مع كلّ قهرمان ثلاثمائة ألف عامل وجعلوا يعمّرونها، وأهلك الله تعالى بخت نصّر ببعوضة دخلت دماغه [ ... ](٢) الله تعالى مَنْ بقى من بني إسرائيل ولم يمت ببابل وردّهم جميعاً إلى بيت المقدس ونواحيه، فعمّروه ثلاثين سنة وكثروا حتى صاروا كأحسن ما كانوا عليه، فلما مضت المائة أحيا الله تعالى منه عينيه وسائر جسده ميّت، ثم أحيا جسده وهو ينظر، ثم نظر إلى حماره وإذا عظامه متفرّقة بيض تلوّح، فسمع صوتاً من السماء: أيّها العظام البالية إنّ الله يأمرك (١) سورة البقرة: ٢٥٩. (٢) غير مقروءة في المخطوط. ٢٤٦ الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي أن تجتمعي، فاجتمع بعضها إلى بعض واتصل بعضها ببعض. ثم نودي: إنّ الله يأمرك أن تكتسي لحماً وجلداً، فكان كذلك، ثم نُودي: إنّ الله يأمرك أن تحيي، فقام بأذن الله ونهق الحمار. وعمّر الله أرميا، فهو الذي يُرى في الفلوات فذلك قوله تعالى: ﴿فأماته الله مائة عام ثم بعثه﴾ أي أحياه(١) . ﴿قال كم﴾ إستفهام عن مبلغ العدد ﴿لبثت﴾ قرأ ابن محيص والأعمش وأبو عمرو وحمزة والكسائي: لبث وليئتم بالإدغام في جميع القرآن. الباقون بالإظهار. فَمَنْ أدغم فلا يجاوره في المخرج والمشاكلة في الهمس، ومَنْ أظهر [فلإظهارها](٢) في المصحف، وكلاهما غريبان فصيحان ومعناه: كم مكثت وأقمت هاهنا. يقال: لبث يلبث لبثاً والباثاً(٣). ﴿قال لبثت يوماً﴾ وذلك إنّ الله تعالى أماته ضحى في أول النهار وأحياه بعد مائة عام في آخر النهار قبل غيبوبة الشمس، فقال: ﴿لبثت يوماً﴾ وهو يرى إنّ الشمس قد غربت، ثم التَفَتَّ فرأى بقيّة من الشمس فقال: ﴿أو بعض يوم﴾ بمعنى بل بعض يوم، لأن قوله ﴿بعض يوم﴾ رجوع عن قوله: ﴿لبثت يوماً﴾ كقوله: ﴿أو يزيدون﴾(٤). ﴿قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك﴾ يعني التين ﴿وشرابك﴾ يعني العصير ﴿لم يتسنّه﴾ قرأ حمزة والكسائي بحذف الهاء وَضْلاً وكذلك في قوله ﴿فبهداهم أقتده﴾(٥). وقرأ الباقون بالهاء فيها وصلاً ووقفاً. وذكر أبو حاتم عن طلحة ﴿لم يتسنّه﴾ بادغام التاء في السين وزعم أنّه في حرف أُبيّ كذلك ومعناه: لم تغيّره السنون. فمن أسقط الهاء في الوصل حول الهاء صلة زائدة، وقال: أصله لم يتسنّي فحذف الياء بالجزم وأبدل منها هاء في الوقف، وهذا على قول من جعل الهاء في السنة زائدة. وقال: أصلها يسنوه وجمعها سنوات والفعل منه سانيت مساناة وتسنّيت تسنّياً، إلاّ أن الواو يردّ إلى الباقي التفعّل والتفاعل، كقولهم: التداعي والتداني؛ لأن الياء أخف من الواو. وقال أبو عمر: وهو من التسنن بنونين، وهو التغيير كقوله: ﴿من حماً مسنون﴾(٦) أي (١) بطوله في تفسير الطبري: ٣ / ٤٧ - ٥٠ وتاريخه: ١ / ٣٩٢ بتفاوت. (٢) الإظهار لتباين مخرج الثاء من مخرج التاء راجع تفسير القرطبي: ٣ / ٢٩٢. (٣) راجع مجمع البحرين: ٤ / ١٠٣. (٤) سورة الصافات: ١٤٧ . (٥) سورة الأنعام: ٩٠. (٦) سورة الحجر: ٢٦. ٢٤٧ سورة البقرة، الآيات: الآيتان: ٢٥٨ - ٢٥٩ متغيّر ثم عوّضت عن إحدى النونين كقول الشاعر: ولم تمس الحكومة بالتطني فهلا إذ سمعت بحثت عنه أراد بالتعيّن . قال العجّاج : - تفضّي البازي إذ البازي كسر أراد تفضض. وتقول العرب: نتلعى، إذا خرجوا في إجتناء نبت ناعم يقال له المقاع. قال الله تعالى: ﴿وقد خاب مَنْ دسّاها﴾(١) أي دسَّسها . ومن أثبت الهاء في الحالين جعلها هاءً أصلّيّة لام الفعل، وعلى هذا قول من جعل السنة سنهية وتصغيرها سنيهة والفعل منه المسانهة. قال الشاعر: ولكن عرايا في السنين الجوائح (٢) ليست بسنهاء ولا رجبية فإن قيل: أخبر عن شيئين اثنين ثم قال: ﴿لم يتسنّه﴾ ولم يثنه، قيل: لأن التغيير راجع إلى أقرب اللفظين وهو السنوات، واكتفى بذكر أحد المذكورين عن الآخر لأنّه في موضع الفاني كقوله الشاعر: وخرطوعة إلّ على سنان فلوج](٣) [عقاب عقبناه كان وظيفه ولم يقل سنانان فلوجان، ودليل هذا التأويل قراءة ابن مسعود: فانظر إلى طعامك وهذا شرابك لم يتسنّه. ﴿وأُنظر إلى حمارك ولنجعلك آيةً للناس﴾ قال أكثر العلماء: في الآية تقديم وتأخير، أي وانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنّه ولنجعلك آية للناس وأنظر إلى حمارك، ويحتمل أن يكون [المعنى]: فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنّه وأنظر إلى حمارك. ﴿وانظر إلى العظام كيف نتشزها ثم نكسوها لحماً﴾. فأمّا تفسير الآية والقراءات فيها فقرأ خارجة والأعرج وعيسى بن عمر وابن عامر وأبو عمرو وحمزة والكسائي حمارك والحمار بالأمالة، الباقون بالتفخيم، وقوله تعالى: ﴿كيف (١) سورة الشمس: ١٠. (٢) لسان العرب: ١ /٤١٢٠ العرية: النخلة يعريها صاحبها، تفسير القرطبي: ٣ / ٢٩٣. (٣) كذا في المخطوط. ٢٤٨ الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي ننشزها﴾. قرأ أُبي بن كعب وعبد الله بن عامر والأعمش وحمزة والكسائي وخلف: ننشزها بالزاء وضم النون وكسر الشين. وروى أبو العالية عن زيد بن ثابت قال: إنّما هي راء قرؤها زاء أي أنقطها. وكذلك روى معاوية بن قرّة عن ابن عباس بالزاي واختاره أبو عبيدة. وانشاز الشيء: رفعه ونقله وإزعاجه، فقال: أنشزته فنشز، أي رفعته فارتفع، ومنه نشز المرأة على زوجها ونشز الغلام، أي ارتفع، فمعنى الآية: كيف نرفعها من الأرض فنردّها إلى أماكنها من الجسد ونركّب بعضها على بعض. قال ابن عباس والسدي: نخرجها، والكسائي: فتنبتها ونعظّمها. قتادة وعطاء وأبو جعفر وشيبة ونافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وأيوب: ننشرها بالراء وضمّ النون وكسر الشين، وأختاره أبو حاتم، ومعناه: نحييها . فقال: أنشر الله الميّت إنشاراً فينشر هو نشوراً، قال الله تعالى: ﴿ثم إذا شاء انشره﴾. وقال: ﴿هم ينشرون﴾(١)، وقال: ﴿بل كانوا لا يرجون نشورا﴾(٢) وقال: ﴿كذلك النشور﴾(٣). ﴿وإليه النشور﴾(٤). وقال حارثة بن بدر الغداني: فأنشر موتاها وأقسط بينها فبان وقد ثابت إليها عقولها وقال الأعشى في اللازم: حتّى يقول الناس ممّا رأوا يا عجباً للميّت الناشر(٥) وقرأ الحسن والمفضّل ننشرها بالراء وفتح النون وضمّ الشين. قال الفرّاء: ذهب إلى النشر والطي. وقال بعضهم: هو من الإحياء أيضاً، يقال: أنشر الله الميّت ونشره إذا أحياه، قال أبو حاتم: وليس بالمعروف. وقرأ النخعي بالزاء وفتح النون وضم الشين. قال أبو حاتم ذلك غلط، وقال غيره: يقال نشزه [ونشطه] وأنشزه بمعنى واحد. ﴿ثم نكسوها لحماً﴾ أي نكسوها ونواريها به كما نواري الجسد بالثوب، واختلفوا في معنى الآية، فقال بعضهم: أراد به عظام حماره وذلك أن الله تعالى أمات حماره ثم أحياه خلقاً (١) سورة الأنبياء: ٢١. (٣) سورة فاطر: ٩. (٥) لسان العرب: ٥ / ٢٠٦. (٢) سورة الفرقان: ٤٠. (٤) سورة الملك: ١٥. ٢٤٩ سورة البقرة، الآيات: الآيتان: ٢٥٨ - ٢٥٩ سويّاً وهو ينظر. قال السدي: إنّ الله أحيا عزيراً ثم قال انظر إلى حمارك قد هلك وبليت عظامه، فبعث الله عزّ وجلّ ريحاً فجاءت بعظام الحمار من كلّ سهل وجبل ذهبت به الطير والسباع واجتمعت فركّب بعضها في بعض وهو ينظر فصار حماراً من عظام ليس فيه لحم ولا دم، ثم كسا العظام لحماً ودماً فصار حماراً ليس فيه روح، ثم أقبل مَلَك يمشي حتّى أخذ منخر الحمّار فنفخ فيه فقام الحمار ونهق بإذن الله. ومعنى الآية على هذا القول: وانظر إلى لحم حمارك وإلى عظامه كيف ننشزها، فلما وعلى هذا أكثر المفسّرين. حذف الهاء من العظام أبدل الألف و. وقال آخرون: أراد به عظام هذا الرجل نفسه، وذلك أنّ الله تعالى لم يمت حماره فأحيا الله عينيه، ورأسه وسائر جسده ميّت، ثم قال له: انظر إلى حمارك، فنظر فرأى حماره قائماً واقفاً كهيئة يوم ربطه حيّاً لم يطعم ولم يشرب مائة عام ونظر إلى الرقية في عنقه جديداً لم تتغيّر. وتقدير الآية على هذا القول: فانظر إلى حمارك وانظر إلى عظامك كيف ننشزها. وهذا قول الضحاك وقتادة والربيع وابن زيد. ﴿ولنجعلك آية للناس﴾ فعلنا ذلك [لنجعلك]. وإن شئت جعلت الواو مفخّمة زائدة، كقول الشاعر الأسود بن جعفر : فإذا وذلك لا مهاة لذكره والدهر يعقب صالحاً بفساد (١) أي فإذا ذلك. ومعنى الآية: فعلنا هذا بك لنجعلك آية للناس، أي عبرة ودلالة على البعث بعد الموت، قاله أكثر المفسّرين. وقال الضحاك وغيره: هذه الآية أنّه عاد إلى قريته شاباً وإذا أولاده وأولاد أولاده شيوخ وعجائز وهو أسود الرأس واللحية. وروى قتادة عن كعب وعن الحسن ومقاتل وجويبر عن الضحاك عن ابن عباس، وعبد الله ابن إسماعيل السدي عن أبيه عن مجاهد عن ابن عباس قالوا: لمّا أحيا الله عزيراً بعدما أماته مائة سنة ركب حماره حتى أتى محلّته فأنكره الناس وأنكر الناس وأنكر منازله، فانطلق على وهم منه حتّى أتى منزله فإذا بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها مائة وعشرون سنة كانت أمةً لهم فخرج عنهم عزير وهي بنت عشرين سنة كانت عرفته وكفلته فلما أصابها الكبر أصابها الزمانة فقال لها (١) لسان العرب: ١٣ / ٥٤٢. ٠: ٢٥٠ الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي عزير: يا هذه أهذا منزل عزير؟ قالت: نعم هذا منزل عزير وبكت وقالت: ما رأيت أحداً من كذا وكذا سنة يذكر عزيراً نسيه الناس، قال: فإنّي أنا عزير. قالت: سبحان الله إنّ عزيراً قد فقدناه من مائة سنة فلم نسمع بذكره. قال: فإنّي أنا عزير كان الله عزّ وجلّ أماتني مائة سنة ثم بعثني. قالت: فإنّ عزيراً كان مستجاب الدعوة يدعو للمريض وصاحب البلاء بالعافية والشفاء، فادع الله حتّى يردّ عليّ بصري حتى أراك فإنّ كنت عزيراً عرفتك، قال: فدعا ربّه ومسح يده على عينيها ففتحت وأخذ بيدها وقال: قومي بإذن الله، فاطلق الله عزّ وجلّ رجليها فقامت صحيحة بإذن الله كأنّها نشطت من عقال، فنظرت فقالت: أشهد إنّك عزير، فأنطلقت إلى محلة بني إسرائيل وهم في أنديتهم ومجالسهم، وابن لعزير شيخ ابن مائة سنة وثمانية عشر سنة وبني بنيه شيوخ في المجلس فنادت: هذا عزير قد جاءكم، فكذّبوها. فقالت: أنا فلانة مولاتكم دعا لي ربّه عزّ وجلّ فردّ عليّ بصري وأطلق رجلي وزعم إنّ الله تعالى كان أماته مائة سنة ثم بعثه . قال: فنهض الناس فأقبلوا إليه، فقال ابنه: كانت لأبي شامة سوداء مثل الهلال بين كتفيه، فكشف عن كتفيه فإذا هو عزير. قال [قتادة ومقاتل] والسدي والكلبي: هو أن عزيراً رجع إلى قريته وقد أحرق بخت نصر التوراة ولم يكن من الله تعالى عهد بين الخلق فبكى عزير على التوراة، فأتاه مَلَك بأناء فيه ماء فسقاه من ذلك الإناء فمثلت التوراة في صدره، فرجع إلى بني إسرائيل، وقد علّمه الله التوراة وبعثه نبيّاً . فقال: أنا عزير، ولم يصدّقون. وقال: حدّثنا أبائنا إنّ عزيراً مات بأرض بابل. فقال: أنا عزير بعثني الله إليكم لأجدد لكم توراتكم. فقالوا: أملها علينا إن كنت صادقاً، فأملاها عليهم من ظهر قلبه(١). وقال رجل منهم: حدّثني أبي عن جدّي أنّه دفن التوراة يوم سُبينا في خابية في كرم لأبي، فإنّ أريتموني كرم جدي أخرجتها لكم، فأروه، فأخرجها لهم، فعارضوها بما أملى عزير فما اختلفا في حرف، ولم يقرأ التوراة منذ أنزلت عن ظهر قلبه إلى هذا اليوم غير عزير. (١) راجع تاريخ دمشق: ٤٠ / ٣٢٢، وتفسير الدر المنثور: ١ / ٣٣٢. ٢٥١ سورة البقرة، الآية: ٢٦٠ . فقالوا: ما جعل الله التوراة في قلب رجل بعدما نسخت وذهبت إلاّ أنّه ابنه، فعندها قالوا: عزير ابن الله، وسنذكر هذه القصّة بالاستقصاء في سورة التوبة إنّ شاء الله . ﴿فلما تبيّن له﴾ ذلك عياناً ﴿قال أعلم أنّ الله على كلّ شيء قدير﴾ قرأ ابن عباس وأبو رجاء وحمزة والكسائي: ﴿قال أعلم﴾ موصولاً مجزوماً على الأمر بمعنى قال الله له اعلم، يدلّ عليه قراءة عبد الله والأعمش: قل اعلم، وقرأ الباقون ﴿قال أعلم﴾ معطوفاً مرفوعاً على الخبر عن عزير أنّه قال لمّا رأى ذلك: ﴿أعلم أنّ الله على كلّ شيء قدير﴾. عن المنعم بن إدريس عن أبيه عن وهب قال: ليس في الجنّة كلب ولا حمار إلاّ كلب أصحاب الكهف وحمار أرميا الذي أماته الله مائة عام. وَإِذْ قَالَ إِنَّهِعْمُ رَبِّ أَرِ كَيْفَ تُحِى أَلْمَوْلَّ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنٌ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِْمَبِنَّ قَلِّ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةُ مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ نُمَّ أَجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلِ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ أَدَعُهُنَّ يَأْتِيَكَ سَعْيَاً وَأَعْلَمْ أَنَّ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( ٢٦٠ ﴿وإذ قال إبراهيم ربّ أرني كيف تُحيي الموتى﴾ الآية إن قيل: ما السبب في مسألة إبراهيم ربّه عزّ وجلّ أن يُريه كيف يُحيى الموتى، وما وجه ذلك، وهل كان إبراهيم شاكّاً في إحيائه الموتى حتى قال: ولكن ليطئمن قلبي؟ فالجواب عنه من وجوه: قال الحسن وقتادة وعطاء الخراساني والضحاك وابن جريج: كان سبب ذلك السؤال أنّ إبراهيم أتى على دابة ميّتة، قال ابن جريج: كانت جيفة حمار بساحل البحر، قال عطاء: بحيرة الطبريّة، قالوا: فرآها وقد توزّعتها [دواب] البر والبحر، وكان إذا مدّ البحر جاءت الحيتان ودواب البحر فأكلت منها فما وقع منها يصير في الماء، وإذا جزر البحر جاءت السباع فأكلت منها فما وقع منها يصير تراباً، فإذا ذهبت السباع جاءت الطيور فأكلن منها فما سقط قطعته الريح في الهواء، فلما رأى ذلك إبراهيم علّلا تعجّب منها وقال: يارب قد علمت لتجمعنها من بطون هذه السباع وحواصل الطيور وأجواف دواب البر فأرني كيف تُحييها لأعاين ذلك فأزداد يقيناً، فعاتبه الله عزّ وجلّ فقال: ﴿قال أولم تُومن﴾ بإحياء الموتى ﴿قال بلى﴾ يارب علمت وآمنت ولكن ليس الخبر كالمعاينة فذلك قوله: ﴿ولكن ليطمئن قلبي﴾ أي يسكن قلبي إلى المعاينة والمشاهدة. فعلى هذا القول أراد إبراهيم عليّ أن يصير له علم اليقين عين اليقين، كما أن الإنسان يعلم الشيء ويتيقنه ولكن يحب أن يراه من غير شك له فيه، كما أن المؤمنين يحبّون رؤية النبيّ ◌َّه ورؤية الجنّة ورؤية الله تعالى مع الإيمان بذلك وزوال الشك فيه. قال ابن زيد: مرّ إبراهيم بنالثلا بحوت ميّت نصفه في البر ونصفه في البحر فما كان في ٢٥٢ الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي البحر فدواب البحر تأكله وما كان في البر فدواب البر تأكله، فقال له الخبيث إبليس: متى يجمع الله هذا من بطون هؤلاء؟ فقال: ﴿ربّ أرني كيف تُحيي الموتى﴾، قال: ﴿أولم تؤمن﴾؟ ﴿قال بلى ولكن ليطئمن قلبي﴾ بذهاب وسوسة إبليس منه ويصير الشيطان خاسراً صاغراً. وقال بعضهم: إن إبراهيم فعاليَّلا لما أحتجّ على نمرود وقال: ﴿ربّ الذي يُحيي ويُميت﴾. وقال: ﴿أنا أُحيي وأُميت﴾ وقتل ذلك الرجل وأطلق الآخر. قال إبراهيم: فإنّ الله عزّ وجلّ يحيي بأن يقصد إلى جسد ميّت فيحييه ويجعل الروح فيه. فقال له نمرود: أنت عاينت هذا، فلم يقدر أن يقول نعم رأيته، فانتقل إلى حجّة أُخرى، فقال إنّ الله عزّ وجلّ يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب(١)، ثم سأل ربّه فقال: ﴿رَبّ أرني كيف تُحيي الموتى قال أولم تُؤمن﴾؟ ﴿قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ حتّى إذا قال لي قائل: أنت عاينت؟ أقول: نعم قد عاينت ولا أحتاج إلى الإنصراف لأي حجّة أُخرى، وليعلم نمرود إنّ الإحياء كما فعلت لا كما فعل هو. وهذا معنى قول محمد بن إسحاق عن ابن يسارة. روى في الخبر: إنّ نمرود قال لإبراهيم ظلَّا: أنت تزعم إن ربّك يُحيي الموتى وتدعوني إلى عبادته فسل لربّك يُحيي الموتى إنّ كان قادراً وإلاّ قتلتك. فقال إبراهيم عليَّل: ﴿ربّ أرني كيف تُحيي الموتى قال أولم تُؤمن﴾؟ ﴿قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ بقوّة حجّتي ونجاتي من القتل، فإن عدو الله توعدني بالقتل إنّ لم تُحيي له ميّاً . وقال ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي: لما أتخذ الله إبراهيم خليلاً، سأل مَلَك الموت أن يأذن له فيبشّر إبراهيم بذلك، فأذن له فأتى إبراهيم ولم يكن في الدار، فدخل داره وكان إبراهيم عليّلا أغير الناس، إذا خرج أغلق بابه، فلمّا دخل وجد في داره رجلاً فثار إليه ليأخذه فقال له: مَنْ أذن لك أن تدخل داري؟ فقال مَلَك الموت: أذن لي ربّ هذه الدار، قال إبراهيم: صدقت، وعرف أنّه مَلَك الموت . فقال: مَنْ أنت؟ قال: مَلَك الموت جئت أُبشّرك بأن الله عزّ وجلّ أتخذك خليلاً، فحمد (١) راجع أسباب النزول للواحدي: ٥٥. ٢٥٣ سورة البقرة، الآية: ٢٦٠ الله تعالى وقال له: ما علامة ذلك؟ قال: أن يجيب الله دعائك ويُحيي الموتى بسؤالك، ثم أنطلق مَلَك الموت. فقال إبراهيم: ﴿ربّ أرني كيف تُحيي الموتى قال أولم تُؤمن﴾؟ ﴿قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ بعلمي أنّك تجيبني إذا دعوتك وتعطيني إذا سألتك. واتخذتني خليلاً . محمد بن مسلم عن سعيد بن المسيّب وأبي عبيدة عن أبي هريرة عن رسول الله وَ ل قال: ((يرحم الله إبراهيم نحن أحق بالشك منه قال: ﴿ربِّ أرني كيف تُحيي الموتى قال أولم تُؤمن﴾؟ ﴿قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾)) ثم قرأ إلى آخر الآية(١). محمد بن إسحاق بن خزيمة قال سمعت أبا إبراهيم المزني يقول: معنى قوله علّل "نحن أحق بالشك من إبراهيم)) إنّما شك إبراهيم أيجيبه الله عزّ وجلّ إلى ما يسأل أم لا . عبد الرحمن السلمي قال: سمعت أبا القاسم النصر أباذي سُئل عن هذه الآية فقال: حنّ الخليل إلى صنع خليله ولم يتهمه، فذلك قوله عزّ وجلّ ﴿أولم تُؤمن﴾. يعني أنت مؤمن شهد له بالإيمان، كقول جرير: وأندى العالمين بطون راح(٢) يعني أنتم كذلك. ألستم خير من ركب المطايا ﴿قال بلى ولكن ليطمئن﴾ ليسكن ﴿قلبي﴾ بزيادة اليقين والحجّة، وحقيقة الخلّة وإجابة الدعوة . قال الله تعالى لإبراهيم تعالي : ﴿فخذ أربعة من الطير﴾ مختلفة أجناسها وطباعها ليكون أبلغ في القدرة، وخصّ الطائر من سائر الحيوان لخاصيّة الطيران، واختلفوا في ذلك الطير ماهي. فقال ابن عباس: أخذ طاووساً ونسراً وغراباً وديكاً . مجاهد وعطاء بن يسار وابن جريج وابن زيد: كانت غراباً وديكاً وطاووساً وحمامة. سعيد بن أيوب عن سعيد بن الحرث الغراب عن أبي هريرة السناني: أنّها الطاووس والديك والغراب والحمامة. (١) السنن الكبرى: ٦ / ٣٠٥. (٢) البداية والنهاية: ٩ / ٢٨٨ ومغني اللبيب: ١ / ١٧. ٢٥٤ الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي قال عطاء الخراساني: أوحى الله عزّ وجلّ لنبيّه أن أحضر أربعة من الطير: بطّة خضراء وغراباً أسود وحمامة بيضاء وديكاً أحمر. ﴿فصرهن إليك﴾ قرأ عليّ بن أبي طالب. كرّم الله وجهه. وأبو الأسود الدؤلي وأبو رجاء العطاردي وأبو عبد الرحمن السلمي والحسن البصري وعكرمة والأعرج وشيبة ونافع وابن كثير وابن عامر وعاصم والكسائي وأبو عمرو ويعقوب وأيوب: بضم الصاد، وأختاره أبو عبيد وأبو حاتم: إضممهنّ ووجّههنّ إليك. يقال: صرت الشيء أصوره إذا أملته. قال أمرؤ القيس : وعجز كدعص أثقلته البوايص. وأفرع ميّال يكاد يصورها وقال الطرقّاح: هوى والهوى للعاشقين صروع(١) عفايف الأذيال أو أن يصورها أي يميلها هوى. ويقال: رجل أصور إذا كان مائل العنق. ويقال: إنّي إليكم لأصور، أي مشتاق مائل، وامرأة صوراء، والجمع صور، مثل عوداء وعُود. قال الشاعر : الله يعلم أنا في تلفتنا يوم الفراق إلى جيراننا صور(٢) وقال عطاء وعطيّة وابن زيد والمؤرخ: معناه: أجمعهن وأضممهن، يقال: صار يصور صوراً إذا جمع، ومنه قيل: (إني إليكم لأصور](٣). قال الشاعر: (٤) يصوّر عنوقها أحوى زنيم وجاءت خلعة دُهس صفايا أي بضم خلعة والخلعة خيار المال، ودهس على لون الدهاس وهو الرمل. صفايا غزار معجبة (٥) . (١) تفسير الطبري: ٣ / ٧٣. (٢) لسان العرب: ١٤ / ٤٣٠. (٣) زيادة عن تفسير القرطبي: ٣ / ٣٠١. (٤) تفسير الطبري: ٣ / ٧٦، والبيت لمعلى بن جمال العبدي. (٥) راجع الصحاح: ٣ / ٩٣١. ٢٥٥ سورة البقرة ، الآية: ٢٦٠ قال أبو عبيدة وابن الأنباري: معناه: قطّعهن وأصغر القطع. قال به ابن الحمير: بأطراف عيدان شديد أسورها فلما جذبت الحبل أطّت نسوعه بنهض وقد كاد أرتقائي يصورها فأدنت لي الأسباب حتّى بلغتها قال رؤبة : أي قطعنا الحكم به صرنا به الحكم واعياً الحكما وقرأ علقمة وعبيد بن عمير وسعيد بن جبير وطلحة وقتادة وأبو جعفر ويحيى بن رئاب والأعمش وحمزة وخلف: ﴿فصرهن﴾ بكسر الصاد، ومعناه: قطّعهن وفرّقهن. يقال: صار يصير صيراً، إذا قطع، وأنصار الشيء بنصار أنصاراً إذا انقطع. قالت الخنساء: لظلت الشم (١) منها وهي تنصار(٢) فلو تلاقي الذي لاقته مضر أي مقطع مصدّع وتمهید. وأنشد أبو سهيل محمد بن محمد الأشعث الطالقاني في العزائم: .](٣) ساعتين صار غزالاً .. ] وغلام رأيته صار كلبا وقال الفرّاء: هو مقلوب من صرت أصري صريا إذا قطعت فقدمت هاوياً كما يقال: عوث وعاث يعني قطعهم ثم قلب فقيل صار. قال الشاعر: فمن لي إذا لم آته بخلود(٤) يقولون إن الشام يقتل أهله (٥) من الموت إن لم يذهبوا وجدودي تغرب آبائي فهلا صراهم وقال بعضهم: معناه أملهنّ، وهي لغة هذيل وسليم. وأنشد الكسائي: (٦) على الليت قنوان الكروم الدوالح وفرع يصير الجيد وحف كأنّه أي الجید یمیله من کثرته. (١) الشم: الجبال ، وفي تاج العروس: الشهب. (٢) تفسير الطبري: ٣ / ٧٣، وتاج العروس: ٣ / ٣٤٣. (٣) بياض في مصورة المخطوط. (٤) تفسير الطبري: ٣ / ٧٥، ولسان العرب: ١٢ / ٣١٦. (٥) تفسير الطبري: ٣ / ٧٥، ومعجم ما استعجم: ٣ / ٧٧٣. (٦) فرع وحف: شعر كثير حسن والليت: صفحة العنق ، والكروم الدوالح: المثقلات ، والبيت في لسان العرب: ٤ / ٤٧٨ . ٢٥٦ الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي وعن ابن عباس فيه روايتان: ﴿فصرهن﴾ مفتوحة الصاد مشددة الراء مكسورة من التصرية وهي الجمع ومنه المصرّاة. والثاني: ﴿فصرهن﴾ بضم الصاد وفتح الراء وتشديدها من الصرّة وهي في معنى الجمع والشدّ أيضاً. فمن تأوّله على القطع والتفريق، ففي الكلام تقديم وتأخير تقديره: فخذ أربعة من الطير إليك فصرهن. ومَنْ فسّره على الضم ففيه إضمار معناه: فصرهن إليك، ثم قطعهنَّ فحذفه فأكتفى بقوله تعالى: ﴿ثم اجعل على كلّ جبل منهن جزءاً﴾ لأنّه يدلّ عليه، وهذا كما يقال: خذ هذا الثوب واجعل على كلّ رمح عندك منه علماً، يريد قطعّهُ واجعل على كلّ رمح علماً . ﴿ثم اجعل على كلّ جبل منهنّ﴾، لفظه عام ومعناه خاص؛ لأنّ أربعة من الطير لا يبلغ الجبال كلّها، ولا كان إبراهيم عَلَّ يصل إلى ذلك فهذا كقوله عزّ وجلّ: ﴿وأتيت من كلّ شيء﴾(١) كقوله ﴿تدمر كل شيء﴾(٢). ﴿جزءاً﴾ قرأ عاصم رواية أبي بكر والمفضّل ﴿جزءاً﴾ مثقلاً مهموزاً حيث وقع. وقراء أبو جعفر ﴿جزءاً﴾ مشدّدة الزاء، وقرأ الباقون مهموزاً مخففاً، وهي لغات معناها: النصيب والبعض. قال المفسّرون: أمر الله تعالى إبراهيم عليّ أن يذبح تلك الطيور بريشها ويقطّعها ويفرّق أجزاءها ويخلط ريشها ودماءها ولحومها بعضها ببعض. ففعل ذلك إبراهيم ثم أمره أن يجعل أجزاءها على الجبال. واختلفوا في عدد الأجزاء والجبال، قال ابن عباس وقتادة والربيع وابن أبي إسحاق: أُمر بأن يجعل كلّ طائر أربعة أجزاء ثم يعمد إلى أربعة أجبل فيجعل على كلّ جبل ربعاً من كلّ طائر ثم يدعوهن: تعالين بإذن الله. هذا مثل ضربه الله عزّ وجلّ لإبراهيم وأراه إياه، يقول: كما بعثت هذه الأطيار من هذه الأجبل الأربعة فكذلك أبعث الناس يوم القيامة من أرباع الأرض ونواحيها . وقال ابن جريج والسدي: جزّأها سبعة أجزاء فوضعها على سبعة أجبل ففعل ذلك وأمسك رؤسهن عنده، ثم دعاهن: تعالين بأمر الله سبحانه، فجعل كل قطرة من دم طير تطير إلى القطرة الأخرى، وكل ريشة تطير إلى الريشة الأُخرى، وكلّ عظم يصير إلى الآخر، وكلّ بضعة تذهب إلى الأُخرى، وإبراهيم ينظر حتى لقيت كلّ جثة بعضها بعضاً في السماء بغير رأس، ثم أقبلن إليّ فكلّما جاء طائر مال برأسه فإنّ كان رأسه دنا منه وإن لم يكن رأسه تأخّر حتّى يلقي كلّ طائر برأسه. (١) سورة النمل: ٢٣. (٢) سورة الأحقاف: ٢٥. ٢٥٧ سورة البقرة، الآيات: ٢٦١ - ٢٦٤ فذلك قوله: ﴿ثم ادعهن يأتينّك سعيا﴾ هو مصدر، أي يسعين سعياً، وقيل: نصب بنزع حرف الصفة، أي بالسعي، واختلفوا في معنى السعي، فقال بعضهم: هو الإسراع والعدو، وقال بعضهم: مشياً على أرجلهن كقوله سبحانه في سورة القصص: ﴿وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى﴾(١) نظيره في سورة الجمعة: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾(٢) أي فامضوا. والحكمة في المشي دون الطيران كونه أبلغ في الحجّة وأبعد من الشبهة؛ لأنّها لو طارت لتوهم متوهم أنّها غير تلك الطير أو أن أرجلها غير سليمة والله أعلم. وقال بعضهم: هو بمعنى الطيران، وقال النضر بن شميل: سألت الخليل بن أحمد عن قوله ﴿يأتينّك سعياً﴾ هل يقال لطائر إذا طار سعي؟ قال: لا. قلت: فما معنى قوله: ﴿يأتينّك سعياً﴾؟ قال: معناه: يأتينّك وأنت تسعى سعياً. قال الثعلبي: سمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبا الحسن الأقطع وكان حكيماً يقول: صحّ عن النبيّ وَّ أنّه قال: ((لكلّ آية ظهر وبطن ولكل حرف حدّ ومطلع» [١٨٩](٣) . وظاهر الآية ما ذكره أهل التفسير، وبطنها: إن إبراهيم عليه أمر بذبح أربعة أشياء في نفسه بسكين [الأياس] كما ذبح في الظاهر الأربعة الأطيار بسكين الحديد، فالنسر مثل لطول العمر [والأجل]، والطاووس زينة الدنيا وبهجتها، والغراب الحرص، والديك الشهوة. قال الله تعالى: ﴿وأعلم أن الله عزيز حكيم﴾. ◌َّلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اَلَّهِ كَمَثَلِ حَّةٍ أَنْبَتَّتْ سَبْعَ سَنَائِلَ فِى كُلّ سُؤْلَةٍ مَِّهُ حَّةٍ وَلَهُ يُغَنِفُ لِمَنْ يَشَآءُ وَاللّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ ﴿َ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَّ أَنْفَقُواْ مَنَّا وَلَا أَزَّ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَُّونَ (٨٦) ﴾ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةُ خَيْرٌ مِّنِ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَاَ أَذَىْ وَاللَّهُ غَبِىُّ حَلِيمٌ ﴿٤َ بَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِأَلْمَنْ وَالْأَذَ كَّذِى يُنفِقُ مَالَمُ رِئَ اَلنَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِالَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَغْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَكُمُ صَلْدًا لَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّنَا كَسَبُواْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْغَوَمَ اَلْكَفِرِينَ (١) سورة القصص: ٢٠. (٢) سورة الجمعة: ٩. (٣) كنز العمال: ٢ / ٥٣. وفيه: لكل حرف، بدل: لكل آية. ٢٥٨ الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم﴾ الآية فيها إضمار واختصار تقديرها: مثل صدقات الذين ينفقون أموالهم، فإن شئت قلت: ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم﴾. ﴿في سبيل الله كمثل﴾ زارع حبّة ﴿أنبتت﴾ أخرجت ﴿سبع سنابل﴾ جمع سنبلة، أدغمها أبو عمر وأبو [غزية] وحمزة والكسائي، وأظهرها الباقون. فمن أدغم فلأن التاء والسين مهموزتان، ألا ترى أنهما متعاقبان. أنشد أبو عمرو : يالعن الله بني السعلاة عمرو بن ميمون لئام النات(١) أراد لئام الناس فحوّل السين تاء. ومن أبرز فلأنهما كلمتان وهو الأصل واللغة الفاشية. ﴿في كلّ سنبلة مائة حبّة﴾ أبو جعفر والأعمش: يتركان خمس مائة ومائة، حيث كانت استخفافاً (٢) وقرأ الباقون بالمد. فإن قلت: هل رأيت سنبلة فيها مائة حبة، أو هل بلغك ذلك؟ قيل: لا ننكر ذلك ولا يستحيل، فإن يكن موجوداً فهو ذلك وإلاّ فجائز أن يكون [معناه كمثل سنبلة أنبتت سبع سنابل](٣) في كلّ سنبلة مائة حبّة أن جعل الله سبحانه ذلك فيها، ويحتمل أن يكون معناه: أنّها إذا بُذرت أنبتت مائة حبّة، فيكون ما حدث عن البذر الذي كان منها من المائة الحبّة مضاهياً لها، لأنّه كان عنها، وكذلك ما قاله الضحاك قال: أنبتت كلّ سنبلة مائة حبّة. ﴿والله يضاعف لمن يشاء﴾ ما بين سبع وسبعين وسبعمائة إلى ما شاء الله عزّ وجل ممّا لا يعلمه إلاّ الله. ﴿والله واسع﴾ غني لتلك الأضعاف ﴿عليم﴾ بمن ينفق. قال الضحاك في هذه الآية: من أخرج درهماً [ابتغاء] مرضاة الله فله في الدنيا لكلّ درهم سبعمائة درهم خلفاً عاجلاً، ولقي ألف درهم يوم القيامة. قال الكلبيّ في قوله ﴿الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله﴾ الآية: نزلت في عثمان بن عفّان (رضي الله عنه) وعبد الرحمن بن عوف، أمّا عبد الرحمن فإنّه جاء إلى رسول الله وَليه بأربعة آلاف درهم صدقة فقال: كانت عندي ثمانية آلاف فأمسكت منها لنفسي وعيالي أربعة آلاف، وأربعة آلاف أقرضتها ربّي عزّ وجل. (١) السعلاة: أخبث الغيلان (الغول)، وبه تشبه المرأة القبيحة، والبيت في لسان العرب: ١٠١/٢ وفيه وكذلك في بقية كتب اللغة: عمرو بن يربوع. (٢) كذا في المخطوط. (٣) تفسير الطبري: ٣ / ٨٦. ٢٫٥٩ سورة البقرة، الآيات: ٢٦١ - ٢٦٤ . فقال له رسول الله وقال: ((بارك الله لك في ما أمسكت وفيما أعطيت))(١). فأمّا عثمان فقال: عليّ جهاز مَنْ لا جهاز له في غزوة تبوك، فجهّز المسلمين ألف بعير بأحلاسها وأقتابها وتصدق برومة (٢) ركية كانت له على المسلمين فنزلت فيهما هذه الآية(٣). قال عبد الرحمن بن سمرة: جاءَ عثمان (رضي الله عنه) بألف دينار في جيش العسرة فصبّها في حجر النبيّ ◌َّر. قال: رأيت النبيّ وَلَه يُدخل يده فيها ويقبلها ويقول: ((ماضرّ ابن عفّان ما عمل بعد اليوم)) . قال أبو سعيد الخدري: رأيت النبيّ وَ ل # رافعاً يده يدعو لعثمان (رضي الله عنه) ((يارب عثمان بن عفّان رضيت عنه فأرض عنه)) وما زال يدعو رافعاً يديه حتّى طلع الفجر فأنزل الله تعالى فيه ﴿الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله﴾ أي في طاعة الله. ﴿ثم لا يتّبعون ما أنفقوا منّاً﴾ وهو أن يمنّ عليه بعطائه ويعد نعمه عليه بكدّرها يواصل المنّة النعمة . يقال: مَنْ يمنّ منّة ومنّاً ومنيّتاً إذا أنعم وأعطى. قال الله تعالى: ﴿هذا عطاءنا فأمنن﴾(٤) أي إعط ثم كثر ذلك حتى صار ذكر النعمة والاعتداد بها منّة. ﴿ولا أذىَّ لهم أجرهم عند ربّهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزون﴾ بإظهار العطيّة وذكرها لمن لا يجب وقوفه عليها وما أشبه ذلك من القول الذي يُؤديه. قال سفيان والمفضّل في قوله: ﴿منّاً ولا أذىَّ﴾: هو أن يقول أعطيتك فما شكرت. قال الضحاك: أن لا ينفق الرجل ماله خير من أن ينفقه ثم يتّبعه مناً وأذىّ. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: كان أبي يقول: إذا أعطيت رجلاً شيئاً وظننت أنّ سلامك يثقل عليه، فكفّ سلامك عنه. قال ابن زيد: فشيء خير من السلام؟ قال: وقالت امرأة لأبي: يا أبا أسامة تدلّني على رجل يخرج في سبيل الله حقّاً فإنّهم لا يخرجون إلاّ ليأكلوا الفواكه، فعندي جعبة وأسهم فيها فقال: الله لا بارك الله لكِ في جعبتك. ولا في أسهمك فقد أذيتهم قبل أن تعطيهم. فحظر الله عن عباده المن بالصنيعة وأختص به صَفتاً لنفسه؛ لأن منّ العباد تعيير وتكدير (١) تفسير الطبري: ١٠ / ٢٤٨. (٢) بئر رومة في عقيق المدينة، راجع معجم البلدان: ١ / ٣٠٠. (٣) أسباب النزول للواحدي: ٥٥ . (٤) سورة ص: ٣٩. ٢٦٠ الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي ومَنّ الله عزّ وجلّ إنعام وأفضال وتذكير. وأنشد معاد بن المثنّى العنبري عن أبيه محمود بن الورّاق : في كلّ حين وزمن أَحَسَنُ مَنْ كلّ حَسَنْ خاليةٌ مِنَ المننُ(١) صنيعةٌ مربوبةٌ قال الثعلبي: أبو علي زاهر بن أحمد السرَخسي قال: أنشدنا أبو ذر القرطبي: كلّفته المعرف إعظامكا ماتم معروفك عند أمـري إكرام من أظهر إكرامكا إنّ من البر فلا تكذين تستفسدن بالمنّ إنعامكا والمن للمنعم نقصٌّ فلا مذلّة أحببت إعلامكا والعزّ في الجود وبخل الفتى قال: وأنشدني محمد بن القاسم قال: أنشدني محمد بن طاهر قال: أنشدني أبو علي البصري : أبطا عليه مكافاتي فعاداني وصاحب سلفت منه إليّ يد أبدى الندامة فيما كان أولاني (٢) لما تيقّن أنّ الدهر حاريني وقال آخر : أفسدت بالمن ماقدّمت من حُسن ليس الكريم إذا أعطى بمنّان (٣) ﴿قول معروف﴾ أي كلام حسن وردّ على السائل جميل، وقيل: [ ... ](8) حسن. وقال الكلبي: دعاء صالح يدعو لأخيه بظهر الغيب. قال الضحاك: قول في إصلاح ذات البين. ﴿ومغفرة﴾ أي مغفرة منه عليه لما علم خلّته وفاقته. قاله محمد بن جرير، وقال الكلبي والضحاك: تجاوز عن ظلمه، وقال: يتجاوز عنه إذا استطال عليه عند ردّه علم الله تعالى إنّ الفقير إذا رُدّ بغير نوال شقّ عليه ذلك مما يدعو إلى بذاء اللسان أو إظهار الشكوى، وعلم ما يلحق المانع منه، فحثّه على الصفح والعفو وبيّن أن ذلك خير له ﴿من صدقة﴾ يدفعها إليه ﴿يتبعها أذى﴾ أي مَنّ وتعيير السائل بالسؤال أو شكاية منه أو عيب أو قول يُؤذيه. ﴿والله غني﴾ عن صدقة العباد، ولو شاء لأغنى جميع الخلق ولكنّه أعطى الأغنياء لينظر كيف شكرهم [وأخلى الفقراء] لينظر كيف صبرهم، وذلك قوله عزّ وجلّ: ﴿والله فضّل بعضكم (١) تفسير القرطبي: ٣ / ٣١١. (٢) تفسير القرطبي: ٣ / ٣١١. (٣) تفسير القرطبي: ٣ / ٣١١ وفيه: أسديت، بدل: قدمت، وأسدى بدل: اعطى. (٤) غير مقروءة في المخطوط ولعلها: (التجاوز) على ما في زاد المسير: ١ / ٢٧٦.