النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ سورة البقرة، الآيات: ٢٢٢ - ٢٢٥ ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ الآية، جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله هلكت، قال: ما الذي أهلكك؟ قال: حوّلت رحلي البارحة فلم يردّ عليّ شيئاً فأوحى الله تعالى ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم﴾ يقول أقبل وأدبر واتق الدّبر والحيضة(١). محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: كان اليهود يقولون: من جامع امرأته وهي مجبيّة من دبرها في قبلها كان ولدها أحول، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كذبت اليهود فأنزل الله تعالى ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم﴾ (٢). مجاهد عن ابن عباس قال: كان هذا الحي من الأنصار، وهم أهل وثن مع هذا الحي من اليهود، وهم أهل كتاب، وكانوا يرون لهم فضلاً عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم وكان من شأن أهل الكتاب أن لا يأتوا النساء إلاّ على حرف، وذلك أيسر ما يكون للمرأة، فكان هذا الحي من الأنصار يأخذون بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يشرح عن النساء شرحاً منكراً، ويتلذذون بهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات، فلمّا قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف فإن شئت فاصنع وإلاّ فاجتنبني، حتى انتشر أمرهما فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عزّ وجلّ ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم﴾ يعني موضع الولد(٣) قالوا: ﴿حرثكم أنّى شئتم﴾ مدبرات ومقبلات ومستلقيات. قال الحسن وقتادة والمقاتلان والكلبي تذاكر المهاجرون والأنصار واليهود إتيان النساء في مجلس لهم فقال المهاجرون: إنّا نأتيهن باركات وقايمات ومستلقيات ومن بين أيديهن ومن خلفهن، بعد أن يكون المأتي واحداً في الفرج، فعابت اليهود وقالت: ما أنتم إلاّ أمثال البهائم لكنّا نأتيها على هيئة واحدة، فإنا لنجد في التوراة أن كل إتيان يؤتى للنساء غير الاستلقاء دنس عند الله، ومنه يكون الحَوَل والخبل، فذكر المسلمون ذلك لرسول الله رَله وقالوا: يا رسول الله إنّا كنا في جاهليتنا وبعدما أسلمنا نأتي النساء كيف شئنا، فإنّ اليهود عابت ذلك علينا وزعمت أنّا كذا وكذا، فكذّب الله عزّوجل اليهود، وأنزل رخصة لهم ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم﴾ أي كيف شئتم وحيث شئتم ومتى شئتم بعد أن يكون في [فرج] واحد (٤). (أنّى) حرف استفهام ويكون سؤالاً عن الحال والمحلّ. وقال سعيد بن المسيب: هذا في العزل يعني إن شئتم فاعزلوا وإن شئتم فلا تعزلوا . (١) مسند أحمد: ١ / ٢٩٧. (٢) صحيح مسلم: ٣ / ١٥٦. (٣) تفسير ابن كثير: ١ / ٢٦٨. (٤) أسباب النزول للواحدي: ٤٩. ١٦٢ الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي يحيى بن أبي كثير عن رجل قال: قال عبد الله ستامر الحرّة في العزل ولا تستأمر الأمة، وفي هذه الآية دليل على تحريم أدبار النساء لأنها موضع الفرث لا موضع الحرث، وإنما قال الله تعالى: ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ وهذا من لطف كنايات القرآن حيث عبّر بالحرث عن الفرج فقال: ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ أي مزرع ومنبت الولد، وأراد به المحرث المزدرع، ولكنّهن لما كنّ من أسباب الحرث جُعلن حرثاً . وقال أهل المعاني: تقدير الآية: نساؤكم كحرث لكم، كقوله تعالى: ﴿حتى إذا جعله ناراً﴾ أي كنار، قال الشاعر: النشر مسك والوجوه دنانير (١) وأطراف الأكف عنم والعرب تسمي النساء حرثاً، قال المفضل بن سلمة: أنشدني أبي: فحرثي همّه أكل الجراد (٢) إذا أكل الجراد حروث قوم وقال الثعلبي: وأنشدني أبو القاسم الحسن بن محمد السدوسي، قال: أنشدني أبو منصور مهلهل بن علي العزّي، قال: أنشدني أبي قال: أنشدنا أحمد بن یحیی: هن النسل والمزروع بهنّ الشجرات حبّذا من حبّة الله النبات الصالحات إنما الأرضون لنا مـحـرثات يجعل الله لنا فيما يشاء البركات فعلينا الزرع فيها وعلى الله النبات(٣) وقد وهم بعض الفقهاء في تأويل هذه الآية وتعلق بظاهر خبر رواه وهو ما أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن الحسين من رواة الدينوري، حدّثنا محمد بن عيسى الهيّاني أبو بكر الطرسوسي وإسحاق الغروي عن مالك بن أنس عن نافع قال: كنت أمسك على ابن عمر المصحف فقرأ هذه الآية ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ قال: أتدري فيما نزلت هذه الآية؟ قلت: لا، قال: نزلت في رجل أتى امرأة في دبرها على عهد رسول الله ◌َّ﴾ فشقّ ذلك عليه فنزلت ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ الآية (٤)، وأما تأويل حديث ابن عمر فهو ما روى عطاء عن موسى بن عبد الله بن الحسن عن أبيه أنّه لقي سالم بن عبد الله، فقال: يا أبا عمر ما حدّث محدّث نافع عن عبد الله؟ قال: وما هو؟ قال: زعم أنه لم يكن يرى بأساً بإتيان النساء من أدبارهنّ، قال: كذب العبد وأخطأ، إنّما قال عبد الله: تؤتى في فروجهنّ من أدبارهنّ، الدليل على تحريم (١) نسبه في تاج العروس لمرقش: ٣ / ٥٦٥. (٢) لسان العرب: ٢ / ١٣٥. (٣) كذا في المخطوط، وكأن فيها خلل، راجع تفسير القرطبي: ٣ / ٩٣. (٤) السنن الكبرى للنسائي: ٣١٦ ح ٨٩٨١. ١٦٣ سورة البقرة، الآيات: ٢٢٢ - ٢٢٥ الأدبار ما روى عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله رَّ في قوله تعالى ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ قال: لا يكون الحرث إلاّ حيث يكون النبات، وعن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله وَل: إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهنّ. مخرمة بن سليمان عن كريب عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله: ملعون من أتى امرأته في دبرها . ﴿وقدِّموا لأنفسكم﴾ يعني طلب الولد، وقيل: التزوّج بالعفائف ليكون الولد صالحاً طاهراً، وقيل: هو لذم الإفراط، قال رسول الله وَتليفون: من قدم ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم تمسّه النار إلاّ تحلّة القسم، فقيل: يا رسول الله اثنان، قال: واثنان، فقال: فظننا أن لو قيل واحد لقال واحد. شهر بن عطية عن عطاء ﴿وقدموا لأنفسكم﴾ قال: التسمية عند الجماع، وقال مجاهد ﴿وقدّموا لأنفسكم﴾ يعني: إذا أتى أهله فليدعُ. سالم بن أبي الجعد عن ابن عباس قال: قال النبي ◌َّ: إذا أراد أحدكم أن يأتي أهله فليقل: بسم الله اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنْ قدر بينهما منهما ولد لم يضرّه شيطان(١). السدّي والكلبي يعني الخير والعمل الصالح دليله سياق الآية ﴿واتقوا الله واعلموا أنّكم ملاقوه﴾ ابن كيسان قدِّموا لأنفسكم في كل ما أحلّ الله لكم، وما تعبّدكم به، فإن تصديقكم الله ورسوله بكل ما أحلّه لكم وحرّم عليكم وما تعبّدتم به قدم صدق لكم عند ربّكم، واتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، واعلموا أنّكم ملاقوه فيجزيكم بأعمالكم. ﴿وبشّر المؤمنين ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم) الآية، قال الكلبي: نزلت في عبد الله ابن رواحة ينهاه عن قطيعة ختنه على أخته بشير بن النعمان الأنصاري، وذلك أنه كان بينهما شيء فحلف عبد الله أن لا يدخل عليه ولا يكلّمه ولا يصلح عنه وعن خصم له، وجعل يقول: قد حلفت بالله ألاّ أفعل، فلا تحلّ لي الاّ أن يبرّ يميني، فأنزل الله هذه الآية. قال مقاتل بن حيان: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) حين حلف ألاّ يصل ابنه عبد الرحمن حتى يسلم. ابن جريج: حُدِّثت أنها نزلت في أبي بكر الصديق حين حلف أن لا ينفق على مُسيطح حين خاض في حديث الإفك. والعرضة أصلها الشدّة والقوة، ومنه قيل للدابة التي تتخذ للسفر وتُعد له: عرضة، لقوتها عليه، يقال: عرضت ناقتي لذلك أي اتخذتها له، قال أوس بن حجر: (١) مسند أحمد: ١ / ٢١٧، وصحيح البخاري: ٤ / ٩٤. ١٦٤ الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي لرحلي وفيها هزّة وتقاذف(١) وأدماء مثل الفحل يوماً عرضتها ثم قيل لكل ما يصلح لشيء هو عرضة له، حتى قالوا للمرأة: هي عرضة للنكاح إذا صلحت له وقويت عليه، ويقال فلان عرضة للسهر والحرب، قال حسّان : وقال الله قد يسّرتُ جنداً همُ الأنصار عرضتها اللقاء(٢) قال المفسرون: هذا في الرجل يحلف بالله تعالى لا يصل رحماً ولا يكلّم قرابته أولا يتصدق له بالصنع خيراً، أو يصلح بين اثنين فيعصيانه أو يتهمانه أو أحدهما فيحلف بالله لا يصلح بينهما، فأمره الله أن يحنث في يمينه ويفعل ذلك سرّاً ويكفّر عن يمينه، فمعنى الآية ولا تجعلوا الله علّة ومانعاً لكم من البرّ والتقوى، يقول أحدكم: حلفت بالله فيغلّ يمينه في ترك البرّ والصلاح وهو قوله ﴿أن تبرّوا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم﴾ معناه أن لا تبرّوا كقوله ﴿يبين الله لكم أن تضلّوا﴾(٣) أي لئلاّ تضلّوا، وقال امرؤ القيس: فقلت يمين الله أبرح قاعداً. ولو قطّعوا رأسي لديك وأوصالي(٤) ويبيّن هذه الآية ما روى سماك عن الحسين عن عبد الرحمن بن سمرة، قال: قال رسول الله ◌َله: ((إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها، فأت الذي هو خير، وكفّر عن يمينك)) [١٣٤]. وقال سنان بن حبيب: قلت لسعد بن حمير: إنّي عصت عليّ مولاة لي كان مسكنها معي فحلفتُ أن لا تساكنني، فقال: هذا من عمل الشيطان كفّر عن يمينك وأسكنها ثم قرأ ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾ . ﴿لا يؤاخذكم الله بالغوا في أيمانكم﴾ أصل اللغو في كلام العرب ما أسقط فلم يعتد به، قال ذو الرمّة : وتطرح بينها المرّي لغواً ما ألغيت في الماية الحوارا(٥) يريد بالماية التي تُساق في الدية إذا وضعت ناقة منها حواراً لا يقدّمه، والمرّي منسوب إلى امرئ القيس بن زيد بن مناة بن تميم، قال المثقب العبدي : لغواً وعرض المائة الجلمد (٦) أومائة تجعل أولادها (١) تفسير القرطبي: ٣ / ٩٨. (٣) سورة النساء: ١٧٦ . (٢) صحيح مسلم: ٧ / ١٦٥. (٤) الصحاح للجواهري: ٦ / ٢٢٢٢. (٥) الصحاح: ٦ / ٢٤٨٤، وفيه: ويهلك بينها المرئي لغواً، وفي اللسان: ويهلك وسطها، والباقي مثل الصحاح. .(٦) الصحاح: ٣ / ١٠٨٩. ١٦٥ سورة البقرة، الآيات: ٢٢٢ - ٢٢٥ واللغو واللغاء في الكلام ما لا خير فيه ولا معنى له، ونظيره في اللغة صفو فلان معك وصفاه، قال الله تعالى: ﴿والذين هم عن اللغو معرضون﴾ وقال تعالى: ﴿لا يسمعون فيها لغواً﴾ قال أُمية : وما فاهوا به لهمُ مقيم (١) فلا لغوٌ ولا تأثيم فيها وقال العجّاج : وربّ أسراب الحجيج الكظّم عن اللغا ورَفَث التكلّم(٢) واختلف العلماء في لغو اليمين المذكور في هذه الآية، فقال قوم هو ما يسبق به لسان الإنسان من الايمان على سرعة وعجلة ليصل به كلامه من غير عقد ولا قصد، مثل قول القائل: لا والله وبلى والله وكلا والله ونحوها، فهذا لا كفارة فيه ولا إثم. هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ قالت: قول الإنسان لا والله وبلى والله، وعلى هذا القول الشعبي وعكرمة ومجاهد في رواية الحكم، وقال الفرزدق : ولست بمأخوذ بلغو تقوله إذا لم تعمد صاغرات العزايم (٣) وقال آخرون: لغو اليمين هو أن يحلف الإنسان على الشيء يرى أنه صادق فيه ثم يتبيّن أنه خلاف ذلك، فهو خطأ منه من غير عمد، ولا كفارة عليه ولا إثم، وهو قول الزهري والحسن وسليمان بن يسار وإبراهيم النخعي وأبي مالك وقتادة والربيع وزرارة بن أوفى ومكحول والسدي وابن عباس في رواية الوالبي، وعن أحمد برواية ابن أبي نجيح. وقال علي وطاووس: اللغو اليمين في حال الغضب والضجر من غير عزم ولا عقد، ومثله روى عطاء عن وسيم عن ابن عباس، يدلّ عليه قوله اَلر: ((لا يمين في غضب)) [١٣٥](٤). وقال بعضهم: هو اليمين في المعصية لا يؤاخذ به الله عزّ وجلّ في الحنث فيها، بل يحنث في يمينه ويكفّر، قاله سعيد بن جبير، وقال غيره: ليس فيه كفارة. وقال مسروق: في الرجل الذي يحلف على المعصية ليس عليه كفّارة. الكفر عن خطوات الشيطان، ومثله روى عكرمة عن ابن عباس، وقال الشعبي: في الرجل الذي يحلف على المعصية كفارته أن يتوب منها، فكل يمين لا يحل لك أن تفي بها فليس فيها كفارة، فلو أمرته بالكفارة لأمرته أن يتم على قوله، يدلّ عليه ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول (١) لسان العرب: ١٢ / ٦. (٢) الصحاح: ١ / ٢٨٣. (٣) مفردات غريب القرآن: ٤٥٢، وفيه: عاقدات العزائم ، وكذا في تفسير القرطبي. (٤) جامع البيان للطبري: ٢ / ٥٥٦. ١٦٦ الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي الله ◌َ﴾ قال: ((من نذر فيما لا يملك فلا نذر له، ومن حلف على معصية الله فلا يمين له)) [١٣٦](١). وروت عمرة عن عائشة، قالت: قال رسول الله وَّله: ((من حلف على قطيعة رحم أو معصية فبرّه أن يحنث منها ويرجع عن يمينه)) [١٣٧](٢). وروى حماد عن إبراهيم قال: لغو اليمين أن يصل الرجل كلامه بأن يحلف: والله لا آكلنّ أو لا أشرينّ، ونحو هذا لا يتعمد به اليمين ولا يريد حلفاً فليس عليه كفارة يدل عليه ما روى عوف الأعرابي عن الحسين بن أبي الحسن، قال: مرّ رسول الله وَّل بقوم ينتضلون ومعه رجل من أصحابه، فرمى رجل من القوم فقال: أصبت والله وأخطأت، فقال الذي مع النبي ◌َّ: حنث الرجل، قال والله، فقال: ((كلا، أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة)) [١٣٨](٣). وقالت عائشة: أيمان اللغو ما كان في الهزل والمراء والخصومة، والحديث الذي لا يعقد القلب عليه. وقال زيد بن أسلم: هو دعاء الحالف على نفسه كقوله: أعمى الله بصري إن لم أفعل كذا، أخرجني من مالي إن لم أرك غداً، أو تقول: هو كافر إنْ فعل كذا، فهذا كلّه لغو إذا كان باللسان دون القلب لا يؤاخذه الله بها حتى يكون ذلك من قلبه ولو واحدة بها لهلك، يدلّ عليه قوله ﴿ويدع الإنسان بالشر دعائه بالخير وكان الإنسان عجولا ولو يعجّل الله للناس الشرّ استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم﴾ . الضحاك: هو اليمين المكفّر وسمي لغواً لأن الكفارة تُسقط منه الإثم، تقديره: لا يؤاخذكم الله بالاثم في اليمين إذا كفّرتم. المغيرة عن إبراهيم: هو الرجل يحلف على الشيء ثم ينسى فيحنث [بالله] فلا يؤاخذه الله عزّ وجلّ به، دليله قوله وَّهِ: «رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) [١٣٩](٤). ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ أي عزمتم وقصدتم وتعمّدتم لأن كسب القلب العقد على الشيء والنّة. ﴿والله غفور حليم) الآية. اعلم أنّ الأيمان على وجوه: منها أن يحلف على طاعة كقوله: والله لأصلينّ أو لأصومنّ أو لأحجّنّ أو لأتصدقنّ ونحوها، فإنْ كان فرضاً عليه فالواجب عليه أن لا يحنث، فإنْ حنث (١) المستدرك: ٤ / ٣٠٠. (٢) جامع البيان للطبري: ٢ / ٥٥٨. (٣) مجمع الزوائد: ٤ / ١٨٥، وتفسير الطبري: ٢ / ٥٥٩. (٤) سنن ابن ماجة: ١ / ٦٥٩ ح ٢٠٤٢، وفيه: وضع عن أُمتي. ... ١٦٧ سورة البقرة، الآيات: ٢٢٦ - ٢٢٩ فعليه الكفارة، لأنه كان فرضاً عليه فزاده تأييداً باليمين، وإنْ كان ذلك تطوعاً ففيه قولان: أحدهما أنّ عليه الكفارة بالحنث فيه، والقول الثاني: عليه بالوفاء بما قال ولا يجزيه غيره، ومنها أن يحلف على معصية وقد ذكرنا حكمه والاختلاف فيه، ومنها أن يحلف على مباح، وهو على ضربين: من ماض ومستقبل، فاليمين على المستقبل مثل أن يقول: والله لأفعلنّ كذا، والله لا أفعل كذا، فإنّ هذا إذا حنث فيه لزمته الكفارة بلا خلاف، واليمين على الماضي مثل أن يقول: والله لقد كان كذا ولم يكن، أو لم يكن كذا وقد كان، وهو عالم به فهو اليمين الغموس الذي يغمس صاحبه في الإثم لأنّه تعمد الذنوب، ويلزمه الكفارة عندنا، وقال أبو حنيفة: لا يلزمه الكفارة وتحصيله كاللغو. ثم اعلم أن المحلوف به على ضروب: ضرب منها يكون يميناً ظاهراً وباطناً، ويلزم المرء الكفارة بالحنث فيها، وهو قول الرجل: والله وبالله وتالله، فهذه أيمان صريحة ولا يعتبر فيها النية، والضرب الثاني أن يحلف بصفة من صفات الله عزّ وجلّ كقوله: وقدرة الله وعظمة الله وكلام الله وعلم الله ونحوها، فإنّ حكم هذا كحكم الضرب الأول سواء، والضرب الثالث أن يحلف بكنايات اليمين كقوله: أيم الله وحق الله وقسم الله ولعمرو الله ونحوها، فهذا يعتبر فيها النية، فإن نوى اليمين كان يميناً، وإنْ قال: لم أرد به اليمين قبلنا قوله فيه، والضرب الرابع: أن يحلف بغير الله مثل أن يقول: والكعبة والصلاة واللوح والقلم وحق محمد وأبي وحياتي ورأس فلان ونحوها، فهذا ليس بيمين، ولا يلزم الكفارة بالحنث فيه، وهو يمين مكروه فيه، قال الشافعي: والمعنى أن يكون [ ... ](١). عبد الله بن دينار قال: سمعت ابن عمر يقول: كانت قريش تحلف بآبائها، فقال رسول اللهِ وَله: ((من كان حالفاً فليحلف بالله، لا تحلفوا بآبائكم)) [١٤٠](٢). وسمع رسول الله وَ﴾ [عمر](٣) يقول: وأبي فنهاه عن ذلك، قال عمر: فما حلفت بهذا بعد ذاكراً ولا آثراً . لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَبِهِمْ تَرَبُّسُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦َ) وَإِنْ عَزَمُواْ الَّلَقَ فَإِنَّ اللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ (﴿٣َ وَالْمُطَلَّقَتُ بَرَبََّنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَثَهُ فُرُوَءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الَلَهُ فِى أَزْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَ بِالَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَبُوَهُنَّ أَحَقُّ بَِّهِنَّ فِ ذَلِكَ إِنْ أَرَدُوَاْ إِصْلَحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَتِنَّ بِالْعْرِفِّ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمُ (َ الَّلَقُ مَّتَانِ فَإِنْسَالِكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَسْرِيخُ بِإِحْسَانِ وَلَا يَجِلُ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ مِمَآ ءَاتَّيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّ أَنْ يَخَفَا أَلَّا يُقِمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ (١) كلام غير واضح. (٣) زيادة يقتضيها السياق. (٢) مسند أحمد: ٢ /٣٠. ١٦٨ الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَا أَقَدَتْ بِهُ ئِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَ نَعْتَدُوهَا وَمَن بَعَذَّ حُدُودَ اَللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الَّلِمُونَ ١٢٢٩ ﴿الذين يؤلون من نسائهم تربّص أربعة أشهر﴾ قتادة: كان الإيلاء طلاق أهل الجاهلية. سعيد بن المسيّب: كان ذلك من ضرار أهل الجاهلية، كان الرجل لا يريد المرأة ولا يحبّ أن يتزوجها غيره يحلف ألاّ يقربها أبداً، وكان يتركها كذلك لا أيّماً ولا ذات بعل، وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية وفي الإسلام، فجعل الله الأجل الذي يعلم به عند الرجل في المرأة وهي أربعة أشهر، فأنزل الله تعالى ﴿الذين يؤلون من نسائهم﴾ وفي حرف عبد الله للذين آلوا من نسائهم على أنها الماضي، وقرأ ابن عباس: للذين يقسمون من نسائهم. الإيلاء: الحلف، يقال: آلى يولي، إيلاء، قالت الخنساء: أو أسأل نائحة مالها (١) فآليت آسى على مالك والاسم منه الألية، قال الشاعر: علـيّ ألية وصيام أمسك طارها ألاّ يكفّ وفيه أربع لغات، أليّة وألوة وللوة وآلوة ومعنى الآية ﴿للذين يؤلون﴾ أن يعتزلوا من نسائهم، فترك ذكره اكتفى بدلالة الكلام عليه، والتربّص: التريث والتوقف، وزعم بعضهم أنّه من المقلوب، قالوا: التربّص: التصبّر، فمثلا أن يحلف الرجل أن لا يقرب امرأته فيقول لها: والله لا أجامعك أو لا يجتمع فراشي بفراشك، ونحو ذلك من ألفاظ الجماع، وكل حين يحلفها الرجل على امرأته فيصير ممتنعاً من جماعها أكثر من أربعة أشهر إلاّ بشيء [يكون] في بدنه وماله فهو إيلاء، وما كان دون أربعة شهر فليس بإيلاء. وكان علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) يقول: الإيلاء يمين في الغضب فإذا حلف في حال الرضا فليس بإيلاء، وعامة الفقهاء يجرونه على العمد، ويلزمون الإيلاء في كل يمين منع من جماعها في حال الرضا والغضب، فإذا آلى تُبان فإنْ هو جامع قبل مضي أربعة أشهر كفّر عن يمينه ولا شيء عليه، والنكل ثابت هو إنْ هو لم يجامع حتى تنقضي أربعة أشهر، فاختلف الفقهاء فيه، فقال بعضهم: إذا مضت أربعة أشهر ولم يفِ بانت منه بتطليقة وهي أملك بنفسها، وهذا قول عبد الله بن مسعود ومحمد بن ثابت وقتادة ومقاتل بن حبّان والكلبي وأبي حنيفة، يدلّ عليه قول ابن عباس: عزيمة الطلاق إمضاء أربعة أشهر. وقال بعضهم: إذا مضت أربعة أشهر والرجل ممتنع فإن عفّت المرأة ولم تطلب حقّها من الجماع فلا شيء على الرجل ولا يقع به طلاق وهما على نكاح ما لو قامت على ذلك، وإن (١) زاد المسير: ٢٠٤/٤، وكتاب العين: ٣٤٩/٨، ولسان العرب: ٤٦٥/١٥. ١٦٩ سورة البقرة، الآيات: ٢٢٦ - ٢٢٩ طلبت حقها وقف الحاكم زوجها، فإما أن يفي وإما أن يطلّق، فإنْ أبى [الفيئة] والطلاق جميعاً طلق عليه الحاكم، وقيل: يحبسه أبداً حتى يطلّق، وجملة هذا القول الذي ذكروا من الوقف قول عمر وعثمان وعليّ وأبي الدرداء وابن عمر وعائشة وسعيد بن جبير وسليمان بن يسار ومجاهد، ومذهب مالك والشافعي وأبي ثور وأبي عبيدة وأحمد وإسحاق وعامة أهل الحديث. وقال يونس الصواف: أتيت سعيد بن المسيّب فقال: من أين؟ قلت: من الكوفة، قال: وإنّهم يقولون في الإيلاء إذا مضت أربعة أشهر [فلا شيء عليه] ولا أربع سنين حتى لو [يفىء أن يطلّق] وألغى الجماع فإن كان عاجزاً عن الجماع بمرض أو عنّة أو نحوها فاء بلسانه وأُشهد. وقال: كان إبراهيم النخعي يقول: ألغي باللسان على كل حال، فإذا فاء فعليه الكفارة ليمينه في قول الفقهاء، إلاّ الحسن وإبراهيم وقتادة فإنهم أسقطوا الكفارة عن المولى إذا فاء لقوله ﴿فإن فاؤا فإن الله غفور رحيم﴾ وقال إبراهيم: هذا في إسقاط الحق به لا في الكفارة. ﴿وإن عزموا الطلاق﴾ أي حققوا وصدّقوا ونووا، وقرأ ابن عباس: وإن عزموا السراح، وهو الطلاق أيضاً . ﴿فإنّ الله سميع﴾ لقولهم (عليم﴾ بنيّتهم، وفيه دليل على أنّها لا تطلّق بعد مضي الأربعة الأشهر ما لم يطلقها زوجها أو السلطان لأنه شرط فيه العزم، ولأن السماع يقتضي [ ... ](١) والقول هو الذي يسمع، والسماع راجع إلى الطلاق والله أعلم. ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ الآية، قال مقاتل بن حيان والكلبي: كان الرجل أول الإسلام إذا طلّق امرأته ثلاثاً وهي حبلى فهو أحق برجعتها ما لم تضع ولدها إلى أن نسخ الله ذلك بقوله ﴿الطلاق مرّتان﴾ وقوله ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد﴾ الآية، وطلّق إسماعيل بن عبد الله الغفاري امرأته قتيلة وهي حبلى. وقال مقاتل: هو مالك بن الأشدق رجل من أهل الطائف، قالوا جميعاً: ولم يشعر الرجل بذلك ولم تخبره بذلك، فلمّا علم بحبلها راجعها وردّها إلى بيته، فولدت وماتت ومات ولدها، وفيها أنزل الله تعالى هذه الآية ﴿والمطلقات﴾ أي المخلّيات من حبال أزواجهن وهو من قولهم: أطلقت الشيء من يدي وطلقته إذا خلّيته، إلاّ أنهم لكثرة استعمالهم اللفظين فرّقوا بينهما ليكون التطليق مقصوراً في الزوجات وبذلك أنزل القرآن ﴿يا أيها النبي إذا طلّقتم النساء﴾ والاسم منه الطلاق، ويقال: طلق الرجل المرأة وطلّقت وطلقت معاً، وأصله من قولهم: انطلق الرجل إذا مضى غير ممنوع، ويقال للشوط الذي يجريه الفرس وغيره من غير أن يمنع طلق. ﴿يتربّصن﴾ ينتظرن بأنفسهن ولا يتزوجن ثلاثة قروء، جمع قُرء، مثل قرع وجمعه القليل (١) كلمة غير مقروءة في المخطوط. ١٧٠ الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي قروء والجمع الكثير أقراء وقرؤ، واختلف الفقهاء في القروء، فقال قوم: هي الحيض، وهو قول علي وعمر وابن مسعود وأبي موسى الأشعري ومجاهد ومقاتل بن حيّان، ومذهب سفيان وأبي حنيفة وأهل الكوفة، واحتجوا بقول النبي وَلّ للمستحاضة: ((دعي الصلاة أيام أقرائك)) [١٤١](١) والصلاة إنما تترك في حال الحيض، يقول الراجز أنشده تغلب عن ابن الأعرابي : له قروء كقروء الحائض (٢) يعني أنّ عداوته تهيج في أوقات معلومة كما أن المرأة تحيض بأوقات معلومة، فمَنْ قال بهذا القول قال: لا تحلّ المرأة للأزواج ولا تخرج من عدّتها ما لم تنقضِ الحيضة الثالثة، يدل عليه ما روى الزهري عن ابن المسيّب أن علياً قال في الرجل يطلق امرأته واحدة أو ثنتين: [لا] يحل لزوجها الرجعة إليها حتى تغتسل من الحيضة الثالثة وتحلّ لها الصلاة. وقال آخرون: هي الأطهار وهو قول زيد بن ثابت وابن عمر وعائشة ومذهب مالك والشافعي وأهل المدينة، واحتجوا بقوله ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء طلقوهنّ لعدتهنّ﴾ وقال النبي ◌َ ﴿ ـ لمّا طلّق ابن عمر امرأة وهي حائض - لعمر: مُرْه فلْيراجعها، فإذا طهرت فليطلق أو ليمسك، وتلا النبي بَّل قوله عزّ وجلّ ﴿إذا طلقتم النساء فطلّقوهن﴾ فأخبر ◌َّ أنّ العدّة الأطهار من الحيض وقرأ ﴿فطلقوهن﴾ لتتم عدتهنّ، وهو أن يطلقها طاهراً لأنها حينئذ تستقبل عدّتها، ولو طلقت أيضاً لم تكن مستقبلة عدّتها إلاّ بعد الحيض، ويدلّ على تلك القروء والأطهار قول الشاعر وهو الأعشى : تشد لأقصاها عزيم غزائكا وفي كل عام أنت جاشم غزوة لما ضاع فيها من قروء نسائكا (٣) مورثة مالاً وفي الحي رفعة. والقُرء في هذا البيت الطهر، لأنّه خرج إلى الغزو ولم يغش نساءه فأضاع اقراءهنّ أي أطهارهن، ومن قال بهذا القول قال: إذا حاضت المرأة الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها وحلّت للزواج، يدلّ عليه ما روى الزهري عن عروة وعمرة عن عائشة، قالت: إذا دخلت المطلقة في الحيضة الثالثة فقد بانت من زوجها وحلّت للأزواج، قالت عمرة: وكانت عائشة تقول: القرء: الطهر ليس الحيض. ابن شهاب قال: سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: ما أدركت أحداً من فقهائنا إلاّ وهو يقول هذا، يريد قول عائشة الأقراء الأطهار، وإنما وقع هذا الاختلاف لأن القُرء في اللغة (١) سنن الدار قطني: ١ / ٢٢٠. (٢) لم نجدها بهذه الألفاظ، انظر: جامع البيان للطبري: ١ / ٤٨٤، وتفسير القرطبي: ١ / ٤٤٨، وغريب الحديث: ١ / ٣٤. (٣) جامع البيان للطبري: ٢ / ٦٠٣، والصحاح للجوهري: ١ / ٦٤. ١٧١ سورة البقرة، الآيات: ٢٢٦ - ٢٢٩ من الأضداد يصلح للمعنيين جميعاً، يقول أقرأت المرأة إذا حاضت وأقرأت إذا طهرت، فهي تقرى، واختلفوا في أصلها، فقال أبو عمر وأبو عبيدة هو وقت مجيء الشيء وذهابه، يقال: رجع فلان لقُرئه وقاريه أي لوقته الذي يرجع فيه، وهذا قاري الرياح أي وقت هبوبها(١). قال مالك بن الحرث الهذلي : (٢) إذا هبّت لقارئها الرياح كرهت العقر عقر بني شليل أي لوقتها، ويقال: أقرأت النجوم إذا طلعت، وأقرأت إذا أفلت. قال كثير : إذا ما الثريا وقد أقرأت أحسُّ السما كان منها أُفولا فالقرء للوجهين، لأن الحيض يأتي لوقت والطهر يأتي لوقت، وقيل: هو من [قرء الماء في الحوض، وهو جمعه]، قال عمرو بن كلثوم : ذراعي عيطل إذماء بكر هجان اللون لم تقرأ جنينا (٣) أي لم تحمل، ولم تضم في رحمها، وإنما تقول العرب: ما قرأت الناقة بلا قرط أي لا تضمّ رحمها على ولد، ومنه قولهم: قرأت القرآن أي نطقت به مجموعاً، هذا اختيار الزجّاج. قال: ومنه قريت الماء في المقراة، ترك همزها والأصل فيه الهمز، فالقرء احتباس الدم واجتماعه وهو يكون في حال الطهر والحيض جميعاً، إلاّ أن الترجيح للطهر لأنّه يجمع الدم ويحبسه، والحيض يرخّيه ويرسله والله أعلم. حكم الآية اعلم أن لفظها خبر ومعناها أمر، كقوله ﴿والوالدات يتربّصن أولادهن﴾ وأمثاله، والعدّة على ضربين: عدّة المطلقة وعدة المتوفى عنها زوجها، فعدّة المطلقة على ثلاثة أضرب: عدة الحائض ثلاثة قروء، وعدّة الحامل أن تضع حملها، وعدّة الصغيرة التي لم تحض والكبيرة التي آيست ثلاثة أشهر، وعدّة المتوفى عنها زوجها ضربان: إن كانت حاملا فعدّتها أن تضع حملها وإلاّ فعدّتها أربعة أشهر وعشرة، وعدّة الإماء فيما له نصف ومن الأقراء قُرآن لأنها لا نصف ولا عدّة على متن لم يدخل بها إذا توفي عنها زوجها، فعدّتها أربعة أشهر وعشراً. ﴿ولا يحلّ لهنّ أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن﴾ قال عكرمة وإبراهيم: يعني الحيض، وهو أن تعتدّ المرأة فيريد الرجل أن يراجعها فتقول: إنّي قد حضت الثالثة. ابن عباس (١) زاد المسير: ١ / ٢٣٢. (٣) تفسير الطبري: ١ / ٦٥، والصحاح: ٥ / ١٧٦٨. (٢) الصحاح للجوهري: ١ / ٦٤. ١٧٢ الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي وقتادة ومقاتل: يعني الحمل في الولد، فمعنى الآية لا يحلّ لهنّ أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن من الحيض والحمل ليبطلن حق الزوج في الرجعة والولد، فإنّ المرأة أمينة على فرجها . ﴿إن كنّ يؤمنّ بالله واليوم الآخر وبعولتهنّ﴾ أزواجهنّ، وهو جمع بعل، كالفحولة والذكورة والحزولة والخيوطة، ويقال: تبعّلت المرأة إذا تزوجت، ومنه قيل للجماع بعال، وإنما سمي الزوج بعلا لقيامه بأمور زوجته، وأصل البعل السيّد والمالك، قال الله تعالى ﴿أتدعون بعلا﴾ وقرأ مسلم بن محارب ﴿وبعولتهن﴾ بإسكان التاء لكثرة الحركات، والاتباع أفصح وأحسن وأوفق وأولى. ﴿أحق﴾ أولى ﴿بردّهنّ﴾ أي برجعتهن ﴿في ذلك﴾ أي في حال العدّة ﴿إن أرادوا إصلاحاً﴾ لا إضراراً، وذلك إن الرجل إذا أراد الإضرار بامرأته طلّقها واحدة وتركها حتى إذا قرب انقضاء عدّتها راجعها، ثم تركها مدّة، ثم طلّقها أُخرى وتركها كما فعل في الأولى، ثم راجعها فتركها مدّة ثم طلقها ﴿ولهنّ﴾ أي وللنساء على أزواجهنّ ﴿مثل الذي عليهنّ﴾ من الحق. يُروى أن امرأة معاذ قالت: يا رسول الله ما حق الزوجة على زوجها؟ قال: ((أن لا يضرب وجهها، وأن لا يقبحها، وأن يطعمها مما يأكل، ويلبسها مما يلبس ولا يهجرها)) [١٤٢](١). المبارك بن فضالة عن الحسن قال: قال رسول الله وَله: ((استوصوا بالنساء خيراً فإنّهن عندكم عوان لا يملكنّ لأنفسهن شيئاً))(٢) ((إنما اتخذتموهنّ بأمانة الله واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله)) [١٤٣](٣). وعن ميمونة زوج النبي ولو قالت: قال رسول الله وَل): ((خيار الرجال من أمتي خيرهم لنسائهم، وخير النساء من أمتي خيرهنّ لأزواجهنّ، يرفع لكل امرأة منهنّ كل يوم وليلة أجر ألف شهيد قتلوا في سبيل الله صابرين محتسبين، ولفضل إحداهنّ على الحور العين كفضل محمّد على أدنى رجل منكم، وخير النساء من أمتي من تأتي مسيرة زوجها في كل شيء يهواه ما خلا معصية الله عزّ وجلّ، وخير الرجال من أُمتي من يلطف بأهله لطف الوالدة بولدها، يُكتب لكل رجل منهم في كل يوم وليلة أجر مائة شهيد قتلوا في سبيل الله محتسبين صابرين)). فقال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه): يا رسول الله فكيف يكون للمرأة أجر ألف شهيد وللرجل مائة شهيد؟ قال: ((أوما علمت أن المرأة أعظم أجراً من الرجل، وأفضل ثواباً، وأنّ الله عزّ وجلّ لَيرفع الرجل في الجنة درجات فوق درجاته برضا زوجته عنه في الدنيا ودعائها له؟ أوما (١) تفسير مجمع البيان: ١٠٠/٢. (٣) مسند أحمد: ٥ / ٧٣. (٢) سنن ابن ماجة: ١ / ٥٩٤ / من حديث ١٨٥١ . ١٧٣ سورة البقرة، الآيات: ٢٢٦ - ٢٢٩ علمت أنّ أعظم وزر بعد الشرك بالله المرأة إذا غشت زوجها؟ ألا فاتقوا الله في الضعيفين، فإنّ الله سائلكم عنهما: اليتيم والمرأة، فمن أحسن إليهما فقد بلغ إلى الله ورضوانه، ومن أساء إليهما فقد استوجب من الله سخطه، حق الزوج على المرأة كحقّي عليكم، فمن ضيّع حقّي فقد ضيّع حق الله، ومن ضيّع حق الله فقد باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير)) [١٤٤]. ﴿بالمعروف وللرجال عليهنّ درجة﴾ في الفضل. قال ابن عباس: بما ساق إليها من المهر، وأنفق عليها من المال، وقيل: بالعقل، وقيل: بالميراث، وقيل: بالدرجة، قال قتادة: بالجهاد. عن أبي جعفر محمد بن علي عن جابر بن عبد الله، قال: بينما نحن عند رسول الله وَّ وهو في نفر من أصحابه إذ أقبلت امرأة حتى قامت على رأسه، ثم قالت: السلام عليك يا رسول الله، أنا وافدة النساء إليك، ليست من امرأة [سمعت بمخرجي] إليك إلا أعجبها ذلك، يا رسول الله: إن الله ربّ الرجال وربّ النساء، وآدم أب الرجال وأب النساء، وحواء أم الرجال وأم النساء، فالرجال إذا خرجوا في سبيل الله وقتلوا فأحياء عند ربهم يرزقون، وإذا خرجوا فلهم من الأمر ما قد علمت، ونحن [نحبس] عليهم ونخدمهم فهل لنا من الأجر شيء؟ قال: ((نعم، اقرأي النساء السلام وقولي لهنّ: ((إنّ طاعة الزوج واعترافاً بحقه يعدل ذلك، وقليل منكنّ يفعلهُ)) [١٤٥](١). ثابت عن أنس، قال: جئن إلى رسول الله وَل فقلن: يا رسول الله ذهب الرجال بالفضل بالجهاد في سبيل الله، فما لنا عمل بعدك به عمل في سبيل الله. بكر بن عبد الله المزني عن عمران بن الحصين قال: سئل رسول الله و هل على النساء جهاد؟ قال: ((نعم، جهادهن الغيرة، يجاهدن أنفسهن فإنْ صبرن فهنّ مجاهدات، وإن صبرن فهنّ مرابطات ولهنّ أجران اثنان)) [١٤٦](٢). وقيل: بالطلاق والرجعة، وقيل: بالشهادة، وقيل: بقوة العبادة، وقال سفيان وزيد بن أسلم: بالإمارة. وقال القتيبي: معناه: وللرجال عليهنّ درجة أي فضيلة للحق. ﴿والله عزيز حكيم الطلاق مرّتان﴾ روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن امرأة أتتها فشكت أنّ زوجها يطلقها ويسترجعها ليضارّها بذلك، وكان الرجل في الجاهلية إذا طلّق امرأته ثم راجعها قبل أن تنقضي عدّتها كان له ذلك، فإنْ طلّقها ألف مرة لم يكن للطلاق عندهم حدّ، فذكرت ذلك عائشة لرسول الله وَ﴿ فنزلت ﴿الطلاق مرّتان﴾ فجعل حدّ الطلاق ثلاثاً وللطلاق الثالث قوله تعالى ﴿فإن طلقها فلا تحلّ له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾ وقيل للنبي وَالّ (١) المصنف لعبد الرزاق: ٨ / ٤٦٣. (٢) لم نجده في المصادر. ١٧٤ الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي ﴿الطلاق مرتان﴾ فأين الثالثة؟ قال ﴿إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾. وقال المفسّرون: معنى الآية الطلاق الذي يملك فيه الرجعة مرّتان ﴿فإمساك بمعروف﴾ أي عليه إمساك بمعروف أي يراجعها في التطليقة الثالثة ﴿أو تسريح بإحسان﴾ بعدها ولا يضارّها فإنْ طلقها واحدة أو ثنتين فهو أملك برجعتها ما دامت في العدّة، فإذا انقضت العدّة فهي أحق بنفسها، وجاز أن يراجعها عن تراض منهما بنكاح جديد، فإن طلّقها الثالثة بانت منه وكانت أحق بنفسها منه، ولا تحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره. ﴿ولا يحلّ لكم أن تأخذوا﴾ في حال الاستبدال والطلاق ﴿ممّا آتَيتموهنّ شيئاً﴾ أعطيتموهنّ من المهور وغيرها، ثم استثنى الخلع فقال ﴿إلاّ أن يخافا ألاّ يقيما حدود الله﴾ نزلت هذه الآية في جميلة بنت عبد الله بن أبي أوفى تزوجها ثابت بن قيس بن شماس، وكانت تبغضه بغضاً شديداً، وكان يحبّها حبّاً شديداً، وكان بينهما كلام فأتت أباها فشكت إليه زوجها وقالت: إنه يسيء إليّ ويضربني، فقال لها: ارجعي إلى زوجك فوالله إنّي لأكره للمرأة أن لا تزال رافعة يدها تشكو زوجها، فرجعت إليه الثانية وبها أثر الضرب، فشكت إليه فقال لها : ارجعي إلى زوجك، فلمّا رأت أنّ أباها لا يشكيها أتت رسول الله وَلّل ، فشكت إليه زوجها وأرته آثاراً بها من الضرب وقالت: يا رسول الله لا أنا ولا هو، قال: فأرسل رسول الله وَلّل إلى ثابت بن قيس فقال: يا ثابت مالك ولأهلك؟ قال: والذي بعثك بالحق ما على ظهر الأرض أحبّ إليّ منها غيرك، قال لها: ما تقولين؟ فكرهت أن تكذب رسول الله حين سألها، فقالت: صدق يا رسول الله، ولكنّي خشيت أن يهلكني فأخرجني منه يا رسول الله، فقال: إني قد أعطيتها حديقة لي فقل لها فلتردّها عليّ وأنا أُخلّي سبيلها، قال لها: ما تقولين تردّين إليه حديقته وتملكين أمرك؟ قالت: نعم، وأنا لا أريده، قال: لا، حديقته فقط. ثم قالت: يا رسول الله ما كنت أحدثك اليوم حديثاً ينزل عليك خلافه غداً هو من أكرم الناس حبّه لزوجته ولكنّي أبغضه، فلا هو ولا أنا، فقال له النبي وَلجر: ((يا ثابت خذ منها ما أعطيتها وخلّ سبيلها)) [١٤٧](١) ففعل، وكان أوّل خلع في الإسلام، فأنزل الله عزّ وجلّ ﴿ولا يحلّ لكم أن تأخذوا مما آتيتموهنّ شيئاً إلاّ أن يخافا﴾ يعلما، وتصديقه قراءة أبي: إلاّ أن يظنّا، وقال محجن : أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها فلا تدفننّي بالفلاة فإنّني أي أعلم، وقرأ أبو جعفر وحمزة ويعقوب: (يخافا) بضمّ الياء أي يعلم ذلك منهما اعتباراً (١) ذكرها النسائي في سننه: ٦ / ١٨٦، وكذلك جامع البيان للطبري: ٢ / ٦٢٦، والإصابة لابن حجر: ٨/ ٨١، لكن كلها على نحو الاختصار. (٢) جامع البيان للطبري: ٢ / ٦٢٥. ١٧٥ سورة البقرة، الآيات: ٢٢٦ - ٢٢٩ بقراءة ابن مسعود: إلاّ أن يخافوا، واختاره أبو عبيد لقوله تعالى ﴿فإن خفتم ألاّ يقيما حدود الله﴾ قال: فجعل الخوف لغيرهما ولم يقل فإن يخافا ألاّ يقيما حدود الله وهو أن تخاف المرأة الفتنة على نفسها فتعصي الله في أمر زوجها، ويخاف الزوج إذا لم تطعه امرأته أن يعتدي عليها، فنهى الله تعالى الرجل أن يأخذ من امرأة شيئاً بغير رضاها إلاّ أن يكون النشوز وسوء الخلق من قبلها فتقول: والله لا أبرّ لك قسماً ولا أطيع لك أمراً ولا أطأ لك مضجعاً، ونحو ذلك، فإذا فعلت ذلك به حلّ له العقوبة منها إذا دعته إلى ذلك، ويكره أن يأخذ منها أكثر ممّا أعطاها، ولكنه في الحكم جائز. يبيّن ذلك ما روى الحكم بن عيينة أنّ امرأة نشزت على زوجها في إمارة عمر بن الخطاب، فوعظها عمر (رضي الله عنه) وأمرها بطاعة زوجها فأبت وقالت: لئن رددتني إليه والله لأقتلنّ نفسي، فأمر بها فحُبست في اصطبل الدواب في بيت الزمل ثلاث ليال، ثم دعاها فقال: كيف رأيت مكانك؟ فقالت: ما بتّ ليالي أقرّ لعيني منها، وما وجدت الراحة مذ كنت عنده إلاّ هذه الليالي، فقال: هذا وأبيكم النشوز، ثم قال لزوجها: اخلعها ولو من قرطيها، اخلعها بما دون عقاص رأسها فلا خير لك فيها، فذلك قوله عزّ وجلّ ﴿فلا جناح عليهما فيما افتدت به﴾ المرأة نفسها منه . قال الفراء: أراد به الزوج دون المرأة فذكرهما جميعاً لأقرانهما كقوله ﴿نسيا حوتهما﴾ وإنما الناسي فتى موسى دون موسى النّ وقوله ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾ وإنما يخرج من المالح دون العذب، وقال الشاعر : فإن تزجراني يابن عفّان أنزجر وإن تدعاني أحم عرضاً ممنّعا(١) وقال قوم معناه: فلا جناح عليهما جميعاً، لا جناح على المرأة في النشوز إذا خشيت الهلاك والمعصية، ولا فيما افتدت به وأعطبت من المال، لأنها ممنوعة من اتلاف المال بغير حق، ولا على الرجل فيما أخذ منها من المال إذا أعطته طائعة بمرادها، وللفقهاء في الخلع قولان : أحدهما: إنه فسخ بلا طلاق، وهو قول ابن عباس، وقول الشافعي في القديم بالعراق، ثم رجع عنه بمصر. والقول الثاني: إنّ الخلع تطليقة بائنة إلاّ أن ينوي أكثر منها، وهو قول عثمان بن عفان (رضي الله عنه)، والقول الجديد من قول الشافعي. ﴿تلك حدود الله﴾ هذه أوامر الله ونواهيه ﴿فلا تعتدوها﴾ فلا تجاوزوها ﴿ومن يتعدّ (١) الصحاح للجوهري: ٣ / ٨٦٨، والبيت لسويد بن كراع. ١٧٦ الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي حدود الله فأولئك هم الظالمون﴾ . فَإِنِ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًّا غَيْرَهُ فَإِنِ طَلََّهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَرَجَعَاً إِن ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ الَّهِ يُّبَيُِّهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿٢) وَإِذَا ◌َلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأْسِكُوهُنَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ يِعْرُوفٍّ وَلَا مُسِكُوُهُنَّ ضِرَارًا لِعْنَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَمَ نَفْسَهُ وَلَا نَتَّخِذُوَاْ ءَتِ اَللَّهِ هُوَاْ وَاَذَكُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَّا أَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَبِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ، وَأَتَّقُواْ اللّهَ وَأَعْلَُّواْ أَنَّ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمُ (٢٣) وَإِذَا طَلَقُْ اُلْنِسَآءَ فَلَغْنَّ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ إِذَا تَضَوْ بَيْنَهُم بِاْمَعْرُوفِّ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِلّهِ وَأَلْيَوْمِ اَلَآَخِرْ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَظْهَرُ وَاللَّهُ يَعَلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَّمُونَ ﴿فإن طلقها﴾ يعني ثلاثاً ﴿ولا تحلّ له من بعد﴾ يعني من بعد التطليقة الثالثة، وبعد رفع على الغاية ﴿حتى تنكح زوجاً غيره﴾ أي غير المطلِّق فيجامعها، والنكاح يتناول العقد والوطء جميعاً . نزلت هذه الآية في تميمة، وقيل: عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك القرطي، كانت تحت رفاعة بن وهب بن عتيك القرطي، وكان ابن عمها فطلّقها ثلاثاً، وتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير وما معه إلاّ مثل هدية الثوب، وإنه طلقني قبل أن يمسّني أفأرجع إلى ابن عمي زوجي الأول؟ فتبسّم رسول الله ◌َ ﴿ وقال: ((أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة، لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسیلتك)). قال: وأبو بكر جالس عند النبي وَله، وخالد بن سعيد بن العاص جالس بباب الحجرة فطفق خالد ينادي: يا أبا بكر ألا تزجر هذه عما تهجر به عند رسول الله [١٤٨](١)، والعسيلة اسم للجماع، وأصلها من العسل شبّه للّذة التي ينالها الإنسان في تلك الحال بالعسل يقال منه: عسلها يعسلها عسلا إذا جامعها . فلبثت ما شاء الله أن تلبث ثم رجعت إلى النبي وآل﴾ فقالت: إن زوجي كان قد مسّني، فقال لها النبي ◌َّر: ((كذبت بقولك الأول فلن نصدّقك في الآخر)) [١٤٩] فلبثت حتى قبض النبي وَ﴿ فأتت أبا بكر، فقالت: يا خليفة رسول الله أرجع إلى زوجي الأول، فإن زوجي الآخر قد مسّني وطلّقني، فقال أبو بكر: قد شهدت رسول الله وٍَّ حين أتيته، وقال لك ما قال فلا ترجعي إليه، فلمّا قُبض أبو بكر أتت عمر (رضي الله عنه) وقالت له مثل ما قالت لأبي بكر، فقال عمر: لئن رجعت إليه لأرجمنّك، فإن الله تعالى قد أنزل ﴿فإن (١) مسند أحمد: ٦ / ٣٤، ٣٧، ٢٢٦، وجامع البيان للطبري: ٢ / ٦٢٦. ١٧٧ سورة البقرة، الآيات: ٢٣٠ - ٢٣٢ طلقها فلا تحلّ له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾ ﴿فإن طلقها﴾ زوجها الثاني أو مات عنها بعد ما جامعها ﴿فلا جناح عليهما﴾ يعني على المرأة المطلّقة وعلى الزوج الأول ﴿أن يتراجعا﴾ بنكاح جديد، فذكر النكاح بلفظ التراجع ﴿إن ظنّا) عَلِما، وقيل: رجوا، قالوا: ولا يجوز أن يكون بمعنى العلم لأنّ أحداً لا يعلم ما هو كائن إلّ الله عزّ وجلّ ﴿أن يقيما حدود الله﴾ يعني ما بيّن الله من حق أحدهما على الآخر، ومحلّ (أن) في قوله ﴿أن يتراجعا﴾ نصب بنزع حرف الجر أي في أن يتراجعا، وفي قوله ﴿أن يقيما﴾ نصب بوقوع الظن عليه . وقال مجاهد: ومعناه إن علما أنّ نكاحهما على غير دلسة، وأراد بالدلسة التحليل، هذا مذهب سفيان والأوزاعي ومالك وأبي عبيدة وأحمد وإسحاق، قالوا في الرجل يطلّق امرأته ثلاثاً فتزّوج زوجاً غيره ليحلّها لزوجها الأول: إن النكاح فاسد، وكان الشافعي يقول: إذا تزوّجها ليحلّها فالنكاح ثابت إذا لم يشترط ذلك في عقد النكاح مثل أن يقول: أنكحك حتى أصيبك فتحلّي لزوجك الأول، فإذا اشترط هذا فالنكاح باطل، وما كان من شرط قبل عقد النكاح فلا يفسد النكاح. وقال نافع أتى رجل ابن عمر فقال: إنّ رجلا طلّق امرأته ثلاثاً، فانطلق أخ له من غير مراجعة فتزوجها ليحلّها للأول فقال: لا، إلّ بنكاح رغبة، كنّا نعدّ هذا سفاحاً على عهد رسول اللهِ الَّله، وقال علّله: ((لعن الله المحلّل والمحلَّل له)) [١٥٠](١). عقبة بن عامر قال: قال رسول الله وَّلير: ((ألا أدلكم على التيس المستعار؟)) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((هو المحلِّل والمحلَّل له)) [١٥١](٢). قبيصة بن جابر الأسدي، قال: سمعت عمر بن الخطاب يخطب وهو على المنبر: والله لا أوتى بمحلّل ولا بمحلَّل له إلّ رجمتها. ﴿وتلك حدود الله يبيّتها﴾ روى المفضل وأبان عن عاصم بالنون ﴿لقوم يعلمون وإذا طلّقتم النساء فبلغن أجلهنّ﴾ نزلت في رجل من الأنصار يُدعى ثابت بن يسار، طُلُّقت امرأته حتى إذا انقضت عدتها إلاّ يومين أو ثلاثة وكادت تبين منه، راجعها ثم طلقها، ففعل بها ذلك حتى مضيت لها تسعة أشهر مضارة لها بذلك، ولم يكن الطلاق يومئذ محصوراً، وكان إذا أراد الرجل أن يُضارّ امرأته طلقها ثم تركها حتى تحيض الحيضة الثالثة، ثم راجعها ثم طلّقها فتطويله عليها هو الضرار، فأنزل الله تعالى ﴿وإذا طلّقتم النساء فبلغن أجلهنّ﴾ أي أمرهنّ في أن تبين بانقضاء العدة، ولم يرد إذا انقضت عدتهنّ لأنها إذا انقضت عدّتها لم يكن للزوج إمساكها، فالبلوغ ها (١) سنن ابن ماجة: ١ / ٦٢٢ . (٢) كنز العمال: ٩ / ٧٠٦ ح ٢٨٠٦٦. ١٧٨ الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي هنا بلوغ مقاربة، وقوله بعد هذا ﴿فبلغن أجلهنّ فلا تعضلوهنّ﴾ بلوغ انقضاء وانتهاء، والبلوغ يتناول المعنيين جميعاً، يقال: بلغ المدينة إذا صار إلى حدّها وإذا دخلها . ﴿فأمسكوهنّ﴾ أي راجعوهنّ ﴿بمعروف﴾ قال محمد بن جرير: بمعروف أي بإشهاد على الرجعة وعقد لها دون الرجعة بالوطء ﴿أو سرّحوهنّ بمعروف﴾ أي اتركوهنّ حتى تنقضي عدّتهنّ، وكنّ أملك لأنفسهنّ. ﴿ولا تمسكوهنّ ضراراً﴾ مضارّة وأنتم لا حاجة بكم إليهنّ ﴿لتعتدوا﴾ عليهن بتطويل العدّة ﴿ومن يفعل ذلك﴾ الاعتداء ﴿فقد ظلم نفسه﴾ ضرّها بمخالفة أمر الله عزّ وجلّ. مرّة الطيب، عن أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله وَيقول: ((ملعون من ضارّ مسلماً أو ماكره)) [١٥٢](١). ﴿ولا تتّخذوا آيات الله هزواً﴾ الحسن عن أبي الدرداء قال: كان الرجل يطلق في الجاهلية ويقول: إنّما طلّقت وأنا لاعب فيرجع فيها ويعتق، فيقول مثل ذلك ويرجع فيه وينكح، ويقول مثل ذلك، فأنزل الله تعالى ﴿ولا تتخذوا آيات الله هزواً﴾ يقول: حدود الله وقرأها رسول اللهِ وَل﴾، فقال: من طلق أو حرّر وأنكح وزعم أنّه لاعب فهو جدّ، وفي الخبر: خَمسٌ جدّهنّ جدّ وهزلهنّ جدّ: الطلاق، والعتاق، والنكاح، والرجعة، والنذر. وعن أبي موسى، قال: غضب رسول الله وَلل على الأشعريين قال: يقول ((أحدكم لامرأته: قد طلقتك، قد راجعتك، ليس هذا طلاق المسلمين، طلّقوا المرأة في قبل طمئها (٢)))(٣) ٠ وقال الكلبي ﴿ولا تتخذوا آيات الله هزواً﴾ يعني قوله ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ . ﴿واذكروا نعمة الله عليكم﴾ بالإيمان ﴿وما أنزل عليكم من الكتاب﴾ يعني القرآن ﴿والحكمة﴾ يعني مواعظ القرآن والحدود والأحكام. ﴿يعظكم به واتقوا الله واعلموا أنّ الله بكل شيء عليم وإذا طلّقتم النساء فبلغن أجلهنّ فلا تعضلوهنّ﴾ الآية، نزلت في جميلة بنت يسار أخت معقل بن يسار المزني، كانت تحت أبي البدّاح عاصم بن عدي بن عجلان، فطلّقها تطليقة واحدة ثم تركها حتى انقضت عدّتها ثم جاء يخطبها وأراد مراجعتها وكان رجل صدق، وكانت المرأة تحبّ مراجعته، فمنعها أخوها معقل (١) سنن الترمذي: ٣ / ٢٢٣. (٢) في تفسير الطبري والدر المنثور: (٢٨٦/١): عدتها . (٣) بتفاوت في سنن ابن ماجه: ٦٥٠/١ ح ٢٠١٧، والسنن الكبرى: ٣٢٢/٧، وتمامه في تفسير الطبري: ٦٥٥/٢. ١٧٩ سورة البقرة، الآيات: ٢٣٠ - ٢٣٢ وقال لها: لئن راجعتهِ لا أكلمك أبداً، وقال لزوجها: أفرشتك كريمتي وآثرتك بها على قومي فطلّقتها، ثم لم تراجعها حتى إذا انقضت عدّتها جئت تخطبها، والله لا أنكحك بها أبداً، وحمى أنفاً، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فدعا رسول الله معقلا وتلاها عليه، فقال: فإني أؤمن بالله واليوم الآخر، فأنكحها إيّاه وكفّر يمينه على قول أكثر المفسّرين. وقال السّي: نزلت هذه الآية في جابر بن عبد الله الأنصاري، وكانت له بنت عم فطلّقها زوجها تطليقة واحدة وانقضت عدّتها ثم أراد رجعتها، فأتى جابر فقال: طلّقت ابنة عمي ثم تريد أن تنكحها الثانية، وكانت المرأة تريد زوجها فأنزل الله ﴿وإذا طلّقتم النساء فبلغنَ أجلهنّ﴾ فانقضت عدّتهن قال الزجّاج: الأجل آخر المدة وعاقبة الأُمور، قال لبيد : فاخرها بالبرّلله الأجل يريد عاقبة الأُمور. ﴿فلا تعضلوهنّ﴾ فلا تمنعوهنّ، والعَضْل: المنع من التزوّج، وأنشد الأخفش: ونحن عضلنا بالرماح لسانا وما فيكم عن حرمة له عاضل وأنشد : كرائم قد عضلن عن النكاح وأن قصائدي لك فاصطنعني وأصل العضل الضيق والشدّة، يقال: عضلت المرأة والشاة إذا تشبث ولدهما في بطنهما فضاق عليه الخروج، وعضلت الدجاجة إذا تشبّث البيض فيها، وعضل الفضاء بالجُلَّس إذا ضاق عليهم لكثرتهم، ويقال: ذا عضال إذا ضاق علاجه فلا يطاق، ويقال: عضل الأمر إذا اشتدّ وضاق. قال عمر (رضي الله عنه): أعضل أهل الكوفة لا يرضون بأمير ولا يرضاهم أمير، وقال أوس بن حجر : يذمّك إن ولّى ويرضيك مقبلا وليس أخوك الدائم العهد بالذي وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا(١) ولكنّه النائي إذا كنت آمناً قال طاووس: لقد وردت عضل أقضية ما قام بها إلاّ ابن عباس، وكل مشكل عند العرب معضل ومنه قول الشافعي : إذا المعضلات بعدن عني كشفت حقائقها بالنظر ﴿أن ينكحن أزواجهنّ﴾ الأوّل بنكاح جديد ﴿إذا تراضوا بينهم بالمعروف﴾ بعقد حلال (١) جامع البيان للطبري: ٢ / ٦٦١ . ١٨٠ الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي ومهر جائز، ونظم الآية: فلا تعضلوهنّ أن ينكحن أزواجهنّ بالمعروف إذا تراضوا بينهم، وفي هذه الآية دليل قول من قال: لا نكاح إلاّ بولي لأنه تعالى خاطب الأولياء في التزويج، ولو كان للمرأة إنكاح نفسها لم يكن هناك عضل ولا لنهي الله الأولياء عن العضل معنى، يدلّ عليه ما روى أبو بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله وَلجر: ((لا نكاح إلّ بولي)) [١٥٣](١). ﴿ذلك﴾ أي ذلك الذي ذكرت من النهي ﴿يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر﴾ وإنما قال ذلك موحداً والخطاب للأولياء؛ لأنّ الأصل في مخاطبة الجمع ذلكم ثم كثر ذلك حتى توهّموا أنّ الكاف من نفس الحرف، وليس بكاف الخطاب، فقالوا ذلك، وإذا قالوا هذا كانت الكاف موحدة منصوبة في الآيتين والجمع والمذكر والمؤنث. وقيل: ها هنا خطاب للنبي ◌ّل﴿ فلذلك وحَّده ثم رجع إلى خطاب المؤمنين، فقال عزّ من قائل ﴿ذلكم أزكى﴾ خيرٌ وأفضل ﴿لكم وأطهر﴾ لقلوبكم من الريبة وذلك أنهما إذا كان في نفس كل واحد منهما علاقة حبّ لم يؤمن بأن يتجاوز ذلك إلى غير ما أحلّ الله لهما، ولم يؤمن من أوليائهما إن سبق إلى قلوبهم منهما لعلّهما أن يكونا بريئين من ذلك فيأثمون. ﴿والله يعلم﴾ من خبر كل واحد منهما لصاحبه ﴿وأنتم لا تعلمون﴾ ٤ُ وَلْوَإِذَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَ هُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنٌ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتَمَّ الرَّضَاعَةُ وَعَلَى أَلُودِ لَهُ رِزْتُهُنَّ وَكَسْوَتُ هُنَّ بِالْعْرُوفِّ لَا تُكَلَُّ نَفْسُ إِلَّ وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَلِدَةٌٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهٍ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكٌ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَّشَاوُرٍ فَلَ جُنََّ عَلَِّمَّاً وَإِنْ أَرَدُمْ أَنَ تَسْتَرْضِعُوَاْ أَوْلَدَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَمْتُم مَّآ ءَالَيْتُم بِالْغَرُوفِّ وَأَنَّعُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ بِمَّا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (َ) وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَهَا يَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَثْرَاً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِىَّ أَنْفُسِهِنَّ ٢٣٤) بِلْمَعْرُوفِ، وَاللَّهُ بِمَا نَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿والوالدات﴾ المطلقات اللاتي لهنّ أولاد من أزواجهنّ المطلقين ولدنهم قبل الطلاق أو بعده ﴿يرضعن أودلاهنّ﴾ يعني أنهنّ أحق برضاعهنّ من غيرهنّ، أمر استحباب لا أمر إيجاب من أنه رضاعهن عليهنّ لأنه سبحانه وتعالى قال في سورة الطلاق ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهنّ أجورهنّ﴾ إلى ﴿له أُخرى﴾(٢) . ثم بيّن حدّ الرضاع فقال: ﴿حولين﴾ أي سنتين، وأصله من قولهم: حالَ الشيء إذا انتقل وتغيّر ﴿كاملين﴾ على التأكيد كقوله تلك عشرة كاملة، وقال أهل المعاني: إنما قال ﴿كاملين﴾ (١) مسند أحمد: ٤ / ٣٩٤. (٢) سورة الطلاق: ٦ .