النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
سورة البقرة، الآيات: ٢٠٤ - ٢١٠
فذهب به [ ...... ] (١) وحملته ... خمسين(٢) من المشركين إلى النّار قال: وكان عاصم قد
أعطى لله عهداً أن لا يمس مشركاً ولا يمسه مشرك أبداً [تنجساً] (٣) منه وكان عمر بن الخطاب
رضي الله عنه يقول حين بلغه الخبر إن الدَّبر منعته، عجباً لحفظ الله العبد المؤمن كان عاصم
نذر أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركاً أبداً فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع من حياته، فأسر
المشركون خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة فذهبوا بهما إلى مكّة فأما حبيب فابتاعه بنو الحرث بن
عامر بن نوفل بن عبد مناه ليقتلوه [بأيديهم] وكان حبيب هو الذي قتل الحرث بن عامر بأحد
فبينما خبيب عند بنات الحرث إذا استعار من إحداهن موسى يستحل بها للقتل فما راع المرأة
ولها صبي يدرج الاباء بحبيب(٤) قد أجلس الصبي على فخذه والموسى في يده فصاحت المرأة
فقال حبيب: أتحنثين أن أقتله، إن الغدر ليس من شأننا، فقالت المرأة: ما رأيت أسيراً قط خيراً
من حبيب لقد رأيته وما بمكّة من تمرة وإن في يده لقطفاً من عنب يأكله إن كان إلّ رزقاً رزقه الله
حبيباً، ثمّ إنّهم خرجوا به من الحرم ليقتلوه وأرادوا أن يصلبوه فقال: ذروني أصلي ركعتين
فتركوه فصلى ركعتين فجرت [سنة لمن] قتل صبراً أن يُصلّي ركعتين، ثمّ قال: لولا أن يقولوا
جزع حبيب لزدت وأنشأ يقول:
على أي شق كان في الله مصرعي
ولست أبالي حين أقتل مسلماً
يبارك في أوصال شلو مـمـزع
وذلك في ذات الإله وإن يشأ
أي مقطع .
ثمّ قال: اللهم أحصهم عدداً [وخذهم] بدداً فصلبوه حياً، فقال: اللهم إنك تعلم إنه ليس
أحد حولي يبلغ رسولك سلامي فأبلغه لأمي، قال: ثمّ جاء به رجل من المشركين يقال له أبو
سروعة ومعه رمح فوضعه بين ثديي حبيب فقال له حبيب: إتق الله فما زاده إلاّ عتواً فطعنه
فأنفذه .
فذلك قوله ﴿وإذا قيل له إتق الله﴾ الآية.
يعني سلامان وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله [بأبيه] أمية بن خلف
الجحمي ثمّ بعثه مع مولى له يسمى قسطاس إلى التنعيم ليقتله فإجتمع رهط من قريش فيهم أبو
سفيان بن حرب، فقال أبو سفيان لزيد حين قدم ليُقتَل أنشدك الله يا زيد أتحب أن محمّداً عندنا
الآن بمكانك نضرب عنقه وإنك في أهلك؟ فقال: والله ما أحب أن محمّداً الآن بمكانه الذي
هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي.
(١) كلمة غير مقروءة.
(٣) هكذا في الأصل.
(٢) كلمة غير مقروءة.
(٤) هنا سقط في هامش المخطوطة وغير واضح.

١٢٢
الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي
فقال: أبو سفيان: ما رأيت من النّاس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمّد محمّداً، ثمّ
قتله قسطاس، فلما بلغ النبيّ وَّر هذا الخبر قال لأصحابه: أيكم يحتمل خبيباً عن خشبته فله
الجنة؟ قال الزبير بن العوام: أنا يا رسول الله وصاحبي المقداد بن الأسود فخرجا يمشيان بالليل
ويكتمان بالنهار حتّى أتيا التنعيم ليلاً فإذا حول الخشبة أربعون من المشركين نيام [نشاوى]
فأنزلاه فإذا هو رطب ينثني لم يتغير منه شيء بعد أربعين يوماً ويده على جراحته تخضب دماً،
اللون لون الدم والريح ريح المسك فحمله الزبير على فرسه وسارَ فانتبه الكفار وقد فقدوا حبيباً
فأخبر بذلك قريشاً فركب منهم سبعون فلما لحقوهما قذف الزبير حبيباً فابتلعته الأرض فسمي
بلیع الأرض.
فقال الزبير: ما جرّأكم علينا يا معشر قريش ثمّ رفع العمامة عن رأسه فقال: أنا الزبير بن
العوام وأمي صفية بنت عبد المطلب وصاحبي المقداد بن الأسود أسدان رابضان يدفعان عن
شبلهما فإن شئتم ناضلتكم وإن شئتم نازلتكم وإن شئتم إنصرفتم، فإنصرفوا إلى مكّة، وقدم على
رسول الله ﴿ وجبرئيل عنده فقال: يا محمّد إن الملائكة لتباهي بهذين من أصحابك فقال رجال
من المنافقين في أصحاب حيبب ياويَح لهؤلاء المقتولين الذين هلكوا لأنهم قعدوا في بيوتهم
ولاهم أدوّا رسالة صاحبهم، فأنزل الله في الزبير والمقداد بن الأسود وحبيب وأصحابه المؤمنين
وفيمن طعن عليهم من المنافقين(١) ﴿ومن النّاس من يعجبك﴾ يا محمّد ﴿قوله في الحياة الدنيا﴾
أي تستحسنه ويعظم في قلبك ومنه العجب لإنه تعظم في النفس .
فقال في الخبر الإستحسان والمحبة: أعجبني كذا، وفي الإنكار والكراهية: عجبت من
كذا، وأصل العجب مالم يكن مثله قاله المفضل.
﴿ويشهد الله على ما في قلبه﴾ يعني قول المنافق والله إني بك لمؤمن ولك محب.
وقرأ ابن محيصن: ويشهد الله بفتح الياء والهاء ورفع الهاء من قوله أي يظهر أمراً ويقول
قولاً ويعلم الله خلاف ذلك منه وفي مصحف أبي ويستشهد الله وهي حجة لقراءة العامة.
﴿وهو ألد الخصام﴾ أي شديد الخصومة.
يقال منه لددت يا هذا وأنت تلد لدّاً ولداد، وإذا أردت إنه غلب خصمه قلت لِدّه يلدة لداً.
ويقال: رجل الدّ وإمرأة لدّاء ورجال ونساء لدّ.
قال الله تعالى ﴿وتنذر ربه قوماً لدّاً﴾(٢).
(١) بطوله في زاد المسير لابن الجوزي: ١ / ٢٠١ - ١٩٩.
(٢) سورة مريم: ٩٧.

١٢٣
سورة البقرة، الآيات: ٢٠٤ - ٢١٠
وقال النبيّ وَّه: ((إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم)) [١٠١](١).
قال الشاعر :
وخصيماً ألدّذا مغلاق
إن تحت الأحجار حزماً وجوداً
وقال الراجز: تلدّ أقران الرجال اللدّ.
وقال الزجاج: إشتقاقه من لديدي العنق وهما صفحتاه وتأويله إنه في أي وجه أخذ من
يمين أو شمال في أبواب الخصومة غلب في ذلك.
والخصام: مصدر خاصمته خصاماً ومخاصمة قاله أبو عبيدة وقال الزجاج: هو جمع
خصم يقال: خصم وخصام وخصوم مثل بحر وبحار وبحور، وحقيقة الخصومة التعمق في
البحث عن الشيء والمضايقه فيه ولذلك قيل لزوايا الأوعية خصوم. قال السدي: ألدّ الخصام
أعوج الخصام.
مجاهد: الأخير المستقيم على خصومة.
الحسن: هو كاذب القول. قتادة: هو شديد القسوة في معصية الله جدل بالباطل عالم
باللسان جاهل بالعمل متكلم بالحكمة ويعمل بالخطيئة.
﴿وإذا توّلى﴾ أدبر وأعرض عنك.
الحسن: تولى عن قوله الذي أعطاه.
ابن جريح: غضب. الضحاك: ملك الأمر وصار والياً ﴿سعى في الأرض﴾ أي عمل فيها
يقال: فلان يسعى لعياله أي يعمل فيما يعود عليهم نفقه.
ومنه قول الأعشى:
وسعى لكندة سعي غير مواكل
قيس، فضر عدوها وبنى لها
وقيل سار ومشى.
﴿ليفسد فيها﴾ .
قال ابن جريح: قطع الرحم وسفك دماء المسلمين، والنساء إسم لجميع المعاصي.
﴿ويهلك الحرث والنسل﴾ .
قرأ الحسن وابن أبي إسحاق: ويهلك برفع الكاف على الابتداء.
(١) مواهب الجليل: ١٦٧/٧، ومسند أحمد: ٥٥/٦.

١٢٤
الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي
وقرأت العامّة: بالنصب، ويصدّقها قراءة أُبي: وليهلك.
قال المفسّرون: الحرث ما تحرثون من النبات، والنسل نسل كل دابة والنّاس منهم.
النضر بن عدي عن مجاهد في قوله﴿وإذا تولى سعى﴾ الآية قال: إذا ولى خاف فعمل
بالعدوان والعالم فأمسك الله المطر وأهلك الحرث والنسل.
والله لا يحب الفساد﴾.
عن سعيد بن المسيب قال: قطع الدرهم من الفساد في الأرض.
قتادة عن عطاء: إن رجلاً يقال له العلاء بن منبه أحرم في جبّة فأمره النبيّ ◌َّ أن ينزعها .
قال قتادة: فقلت لعطاء: إنّا كنا نسمع أن شقّها فقال عطاء: إن الله لا يحب الفساد.
﴿وإذا قيل له اتق الله﴾ خف الله، تكبّر ﴿أخذته العزة بالإثمّ﴾ أي حملته العزّة وحمية
الجاهليّة على الفعل بالإثمّ والعزة والقوّة والمنعة، ويقال: معناه أخذته العزة بالإثمّ الذي في قلبه
كما قام الهاء مقام اللام كقول عنترة يشبهه بالرب:
وكأن رباً أو كحيلاً معقداً
حش الوقود به جوانب قمقم
أي خلق الأمالة خشية جهنم أي كفاه عذاب جهنم.
﴿ولبئس المهاد﴾ الفراش.
قال عبد الله بن مسعود: إن من أكبر الذنب عند الله أن يقال للعبد: اتق الله فيقول: عليك
بنفسك .
﴿ومن النّاس من يشري﴾ يبيع ﴿نفسه ابتغاء مرضات الله﴾ أي يطلب رضا الله.
والكسائي: يميل مرضاة الله كل القرآن.
﴿والله رؤوف بالعباد﴾.
قال ابن عبّاس والضحاك: نزلت هذه الآية في الزبير والمقداد بن الأسود حين شريا
أنفسهما لإنزال حبيب من خشبته التي صُلب عليها، وقد مضت القصّة.
وقال أكثر المفسرين: نزلت في صهيب بن سنان المخزومي مولى عبد الله [بن جدعان]
التيمي أخذه المشركون في رهط من المؤمنين فضربوهم فقال لهم صهيب: إني شيخ كبير لا
يضركم أمنكم كنت، أم من غيركم فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني، ففعلوا ذلك،
وكان قد شرط عليهم راحلة ونفقة فأقام بمكة ما شاء الله ثمّ خرج إلى المدينة فتلقاه أبو بكر
وعمر رضي الله عنهما في رجال.
قال له ابو بكر: ربح بيعك أبا يحيى فقال صهيب: وبيعك فلا تخسر بأذاك.

٢٠
١٢٥
سورة البقرة ، الآيات: ٢٠٤ - ٢١٠
فقال: أنزل الله تعالى فيك كذا، وقرأ عليه هذه الآية.
قال سعيد بن المسيب وعطاء: أقبل صهيب مهاجراً نحو النبيّ وَل ◌ّ فأتبعه نفر من مشركي
قريش فنزل عن راحلته وهو ما في كنانته ثمّ قال: يا معاشر قريش لقد علمتم إني من أرماكم
رجلاً، والله لا أصنع سهماً مما في كنانتي إلاّ في قلب رجل، وأيم الله لا يصلون إليّ حتّى
أرمي كل سهم في كنانتي، ثمّ اضرب بسيفي ما بقي في يدي، ثمّ إفعلوا ما شئتم، وإن شئتم
دللتكم على مالي [وضيعتي] بمكة وخليتم سبيلي.
قالوا: نعم. ففعل ذلك، فأنزل الله هذه الآية.
وقال قتادة: ما هم بأهل الحرور المراق من دين الله تعالى، ولكن هم المهاجرون
والأنصار.
وقال الحسن: أتدرون فيمن نزلت هذه الآية، في أن مسلماً لقى كافراً فقال له: قل لا إله
إلاّ الله وإذا قلتها عصمت مالك ودمك إلا [بحقها] فأبى أن يقولها، قال المسلم: والله لأشرين
نفسي لله فتقدم فقاتل حتّى قُتل .
وقال المغيرة: بعث عمر جيشاً فحاصروا حصناً فتقدم رجل من بجيلة فقاتل وحده حتّى
قتل، فقال النّاس ألقى بيده إلى التهلكة فبلغ ذلك عمر فقال: كذبوا اليس الله يقول ﴿ومن الناس
من يشري نفسه﴾ الآية.
وقال بعضهم: نزلت هذه الآية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقال ابن عبّاس: أرى هاهنا من إذا أمر بتقوى الله أخذته العزة بالإثمّ. قال: [هذا] وأنا
أشري نفسي وأرى من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله يقوم هذا فيأمر هذا بتقوى الله، فإذا لم
يقبل أخذته العزّة بالإثمّ ثمّ قال: هذا وأنا أشري نفسي لمقاتلته فأقتل الرجلان لذلك، وكان علي
(رضي الله عنه) إذا قرأ هذه الآية يقول: اقتتلا ورب الكعبة.
وقال الخليل: سمع عمر بن الخطاب إنساناً يقرأ هذه الآية ﴿ومن النّاس من يشري نفسه﴾
الآية.
فقال عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل.
حماد بن سلمة عن أبي غالب عن أبي إمامة إن رسول الله ◌ّ قال: ((إن أفضل الجهاد
كلمة حق عند إمام جائر)) .
عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال النبيّ ◌ُله: ((سيد الشهداء يوم
القيامة حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله)) [١٠٢].
وقال الثعلبي: ورأيت في الكتب إن رسول الله وَ﴾ لما أراد الهجرة خلف علي بن أبي

١٢٦
الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي
طالب بمكة لقضاء ديونه ورد الودايع التي كانت عنده فأمره ليلة خرج إلى الغار وقد أحاط
المشركون بالدار أن ينام على فراشه و 8* وقال له: ((إتشح ببردي الحضرمي الأخضر، ونم على
فراشي، فإنّه لا يخلص إليك منهم مكروه إنشاء الله، ففعل ذلك عليّ، فأوحى الله تعالى إلى
جبرئيل وميكائيل إني قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الأخر فأيكما يؤثر
صاحبه بالبقاء والحياة؟ فإختار كلاهما الحياة فأوحى الله تعالى إليهما: أفلا كنتما مثل علي بن
أبي طالب ظلَّل آخيت بينه وبين محمّد بَّهِ فبات على فراشه [يفديه] نفسه ويؤثره بالحياة، إهبطا
إلى الأرض فاحفظاه من عدوه، فنزلا فكان جبرئيل عند رأس علي وميكائيل عند رجليه،
وجبرئيل ينادي: بخ بخ من مثلك يا بن أبي طالب، فنادى الله عزّ وجلّ الملائكة وأنزل الله على
رسوله # وهو متوجه إلى المدينة في شأن علي علا ﴿ومن النّاس من يشري نفسه ابتغاء مرضات
الله﴾)) [١٠٣](١).
قال ابن عبّاس: نزلت في علي بن أبي طالب حين هرب النبيّ وَّهِ من المشركين إلى الغار
مع أبي بكر الصديق ونام عليَّ على فراش النبيّ وَّر.
﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة﴾ نزلت في مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن
سلام النضري وأصحابه وذلك إنهم عظموا السبت وكرهوا لحم الابل وألبانها بعدما أسلموا
وقالوا: يا رسول الله إن التوراة كتاب الله فدعنا فلنقم بها في صلاتنا بالليل فأنزل الله تعالى ﴿يا
أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة﴾ أي في الإسلام قاله قتادة والضحاك والسدي وابن زيد،
يدلّ عليه قول الكندي: دعوت عشيرتي للسلم لما رأيتهم تولوا مدبرينا. أي دعوتهم إلى الإسلام
لما إرتدوا، قال ذلك حين إرتدة كندة مع الأشعت بن قيس بعد وفاة رسول الله وَله. وقال
طاووس: في الدين.
مجاهد: في أحكام أهل الإسلام وأعمالهم كافة أي جميعها .
ربيع: في الطاعة .
سفيان الثوري: في أنواع البر كلها، وكلها متقاربة في المعنى وأصله من الاستسلام
والانقياد ولذلك قيل للصلح سلم وقال زهير:
وقد ملتما إن ندرك السلم واسعاً
بمال ومعروف من الأمر نسلم(٢)
قال حذيفة بن اليمان: في هذه الآية الإسلام ثمانية أسهم: الصلاة سهم، والزكاة سهم،
(١) راجع أسد الغابة: ٤ / ٢٥، والمستدرك على الصحيحين: ٣ / ١٣٢، ومسند أحمد: ١ / ٣٣١، وتفسير
الطبري: ٩ / ١٤٠.
(٢) تفسير الطبري: ٢ / ٤٤٠.

١٢٧
سورة البقرة، الآيات: ٢٠٤ - ٢١٠
والصوم سهم، والحج سهم، والعمرة سهم، والجهاد سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن
المنکر سهم، وقد خاب من لا سهم له.
واختلف القراء في السلم.
فقرأ الأعمش وابن عبّاس: بكسر السين هاهنا وفي الأنفال وسورة محمّد ◌َّه.
وقرأها أهل الحجاز والكسائي: كلها بالفتح وهو اختيار أبي عبيد. لما روى عبد الرحمن
ابن [ابزي] أن النبيّ ◌َ لو كان يقرأها كلها بالفتح.
وقرأ حمزة وخلف في الانفال بالفتح وسائرها بالكسر.
وقرأ الباقون: هاهنا بالكسر والباقي بالفتح وهو اختيار أبي حاتم، وهما لغتان.
عاصم الأحول عن أنس قال: قال رسول الله له: ((مثل الإسلام كمثل الشجرة الثابتة
الإيمان بالله، أصلها الصلوات الخمس جذوعها، وصيام شهر رمضان لحاءها، والحج والعمرة
جناها، والوضوء وغسل الجنابة شربها، وبر الوالدين وصلة الرحم غصونها، والكف عمّا حرم
الله ورقها، والأعمال الصالحة ثمرها، وذكر الله تعالى عروقها)).
قال رسول الله دلر: ((كما لا تحسن الشجرة ولا تصلح إلاّ بالورق الأخضر، كذلك
الإسلام لا يصلح إلّ بالكف عن محارم الله تعالى والأعمال الصالحة)) [١٠٤].
﴿كافة﴾ جميعاً وهي مأخوذة من كففت الشيء إذا منعته وضممت بعضه إلى بعض، ومنه
قيل لحاشية القميص كفة، لأنها تمنعه من أن ينتشر وكل مستطيل فحرفه كفة بالضم وكل مستدير
فحرفه كفة بالكسر، نحو كفة الميزان، ومنه قيل للراحة مع الأصابع كفة لأنه يكفّ بها عن سائر
البدن، ورجل مكفوف أي كفَّ بصره من النظر فمعنى الكافة هو ان ينتهي إليه ويكفه من أن
يجاوزه.
﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾ أي أثاره ونزعاته فيما بيّن لكم من تحريم السبت ولحم
الجمل وغيره ﴿إنه لكم عدو مبين﴾.
الشعبي عن جابر بن عبد الله: إن عمر أتى رسول الله و ﴿ فقال: إنّا نسمع أحاديث من
يهود [قد أخذت بقلوبنا] (١) أن نكتب بعضها؟ فقال: ((أمتهوكون أنتم كما تهوّكت اليهود
والنصارى لقد جئتكم بها بيضاء نقية ولو كان موسى حياً ما وسعه إلاّ اتباعي)) [١٠٥](٢).
﴿فإن زللتم﴾. قال ابن حيان: أخطأتم. السدي: ضللتم. يمان: ملتم.
(١) عبارة المخطوط لا تقرأ والزيادة من تفسير الدر المنثور: ٥ / ١٤٨.
(٢) راجع تفسير ابن كثير: ٢ / ٤٨٤.

١٢٨
الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي
قال ابن عبّاس: يعني الشرك.
قتادة: أنزل الله هذه الآية وقد علم إنه سيزل زالون عن النّاس، فتقدّم في ذلك وأوعد فيه
فیکون لله حجة على خلقه.
وقرأ أبو السماك [العذري](١): زللتم بكسر اللام وهما لغتان وأصل الحرف من الزلق.
﴿من بعد ما جاءتكم البينات﴾ يعني الإيمان والقرآن والأمر والنهي ﴿فاعلموا أن الله
عزيز﴾ في نعمته ﴿حكيم﴾ في أمره ﴿هل ينظرون﴾ أي هل ينظر التاركون الدخول في السلم كافة
والمتبعون خطوات الشيطان؟ يقال نظرته وإنتظرته بمعنى واحد.
قال الشاعر :
فبينا نحن ننظره أتانا معلّق شكوة وزناد راع(٢)
أي ننتظره ونتوقعه فإذا كان النظر مقروناً بذكر الوجه فلا يكون إلاّ بمعنى الرؤية.
﴿إلاّ أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾ جمع ظلة وقرأ قتادة: في ظلال ولها وجهان
أحدهما: جمع ظلة فقال: ظلة وظلال مثل جلة وجلال، وظل ظلال كثر حلة وحلل، والثاني:
جمع ظل من الغمام وهو السحاب الأبيض الرقيق سمي بذلك لأنه نعم أي يستتر.
عكرمة عن ابن عبّاس في قوله ﴿يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾ قال: يأتي الله في ظلله
(٣)
من الغمام قد قطعت طاقات، ورفعه بعضهم
سلمة بن وهرام أن عكرمة أخبره أن ابن عبّاس أخبره عن النبيّ وَّ قال: ((إن من الغمام
طاقات يأتي الله عزّ وجلّ فيها محفوفة بالملائكة)) [١٠٦] (٤) وذلك قوله ﴿إلاّ أن يأتيهم الله في
ظلل من الغمام﴾ .
قال الحسن: في سترة من الغمام، فلا ينظر اليهم أهل الأرض، الضحاك: في [ضلع](6)
من السحاب.
مجاهد: هو غير من السحاب ولم يكن إلاّ لبني اسرائيل في تيههم(٦).
مقاتل: كهيئة الظبابة أبيض، وذلك قوله ﴿ويوم تشقق السماء بالغمام﴾(٧).
(١) هكذا في الاصل.
(٣) راجع تفسير الطبري: ٢ / ٤٤٦.
(٥) هكذا في الاصل.
(٧) سورة الفرقان: ٢٥.
(٢) تفسير الطبري: ٧ / ٣٧٠.
(٤) تفسير الطبري: ٤٤٦/٢، وتهذيب الكمال: ١٩٦/٢.
(٦) المصدر السابق: ٢ / ٤٤٧.

١٢٩
سورة البقرة، الآيات: ٢٠٤ - ٢١٠.
والملائكة﴾ .
قرأ ابن جعفر بالخفض: عطفاً على الغمام وتقديره مع الملائكة، تقول العرب: أقبل
الأمير في العسكر أي مع العسكر(١).
وقرأها الباقون: بالرفع على معنى إلاّ أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام، يدلّ
عليه قراءة أبي حاتم وعبد الله ﴿هل ينظرون إلاّ أن يأتيهم الله والملائكة﴾.
﴿في ظلل من الغمام﴾ .
أبو العالية والربيع: تأتيهم الملائكة في ظلل من الغمام ويأتي الله تعالى فيما يشاء.
قرأ معاذ: في ظلل مع الغمام وقضاء الأمر [بالمد] أراد المصدر ذكر البيان عن مغني
الإتيان .
واختلف الناس في ذلك، فقال بعضهم: (في) بمعنى الباء، وتعاقب حروف الصفات شائع
مشهور في كلام العرب، تقدير الآية: إلاّ أن يأتيهم الله بظلل من الغمام وبالملائكة أو مع
الملائكة، وبهذا التأويل زال الإشكال وسهل الأمر [وأجرى] الباقون للآية فهي ظاهرة.
ثم اختلفوا في تأويلها ففسّره قوم على الإتيان الذي هو الإنتقال من مكان إلى مكان
وأدخلوا فيه بلا كيف [يدل عليه] ظواهر أخبار وردت لم يعرفوا تأويلها وهذا غير مرضيّ من
القول لأنه إثبات المكان لله سبحانه، وإذا كان متمكناً وجب أن يكون محدوداً متناهياً ومحتاجاً
وفقيراً، وتعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً .
وقال بعض المحقّقين الموفّقين أظنّه علي بن أبي طالب علم: ((من زعم أن الله تعالى من
شيء أو في شيء أو على شيء فقد ألحد، لأنه لو كان من شيء لكان محدثاً، ولو كان في شيء
لكان محصوراً، ولو كان على شيء لكان محمولاً)) [١٠٧](٢).
وسكت قومٌ عن الخوض في معنى الإتيان فقالوا: نؤمن بظاهره ونقف عن تفسيره؛ لأنّا قد
نُهينا أن نقول في كتاب الله تعالى ما لا نعلم ولم ينبّهنا الله تعالى ولا رسوله على حقيقة معناه.
قال يحيى: هذه من [المكتوم] الذي لا يُفسّر، وكان مالك والأوزاعي ومحمد وإسحاق
وجماعة من المشايخ يقولون فيه وفي أمثاله أمرّوها كما جاءت بلا كيف.
وزعم قوم أن في الآية إضماراً أو اختصاراً تقديرها: إلاّ أن يأتيهم أمر الله وهو الحساب
والعذاب، دلّ عليه قوله: ﴿وَقُضِيَ الأَمرُ﴾ الآية وجب العذاب وفُرغ من الحساب، قالوا هذا
(١) راجع تفسير القرطبي: ٣ / ٢٥.
(٢) بتفاوت في التوحيد للصدوق: ١٧٨ ح٩.

١٣٠
الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي
كقوله: ﴿واسْأَل القَرِيَةَ﴾(١) ويقول العرب: قطع الوالي اللّص يعني يده وإنما فعل ذلك آخر أنه
بأمره.
ويقال: خطبتان مأتينا بنو أمية أي حكمهم.
وعلى هذا يحمل قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾(٢) لأن الله تعالى قال ذلك، وهذا معنى قول
الحسن البصري.
وقالت طائفة من أهل الحقائق: إن الله يُحدث فعلاً يسميه إتياناً كما سمعت فهلاً سمّاه
نزولاً وأفعاله بلا آلة ولا علّة.
قال الثعلبي: قلت: ويحتمل أن يكون معنى الإتيان ههنا راجعاً إلى الجزاء؛ فسمّى الجزاء
إتياناً كما سمّى التخويف والتعذيب في قصّة نمرود إتياناً فقال عزّ من قائل: ﴿فأتى الله بُنيَانَهُم
من القَوَاعِدِ فَخَرَّ عَليهِمُ السَّقْفُ من فَوقِهِم فأَتَاهُم العَذابَ من حَيثُ لا يَشْعُرُون﴾(٣).
وقال في قصّة بني النضير: ﴿فَأْتَاهُمُ اللهُ من حَيثُ لم يَحتَسِبُوا﴾(٤) ﴿وإن كان مِثْقَالُ حَبَّة
من خَرِدَل أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى﴾(٥): وإنّما احتمل الإتيان هذه المعاني لأنّ أصل الإتيان عند أهل
اللسان هو القصد إلى المشي في للآية فهل ينظرون إلاّ أن يظهر الله خلاف أفعاله مع خلق من
خلقه فيقصد إلى مجازاتهم ويقضي في لعنهم ما هو قاض ومجازيهم على فعل ويمضي فيهم ما
أراد، يدلّ عليه ما روى صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه
وسلم: ((إذا كان يوم القيامة فإنّ الله عزّ وجلّ في ظلال من الغمام والملائكة فيتكلم بكلام طلق
ذلق فيقول: انصتوا فطالما أنصتّ لكم منذ خلقتكم أرى أعمالكم وأسمع أقوالكم وإنّما من
عصابتكم بقي أهليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك لا يلومنَّ إلاّ نفسه))
[١٠٨](٦).
سَلْ بَبِيِّ إِشْرَّهِيَلَ كَمْ بَيْنَهُم مِّنْ ءَايَغْ بَيْنَةُ وَمَن يُبَدِّلْ نِمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مَا جَآَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ
الِْغَابِ ﴿٨َ زُبِنَّ لِّذِينَ كَعَرُوا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوَأُ وَالَّذِينَ أَتَّقَوْ فَوْفَهُمْ يَوْمَ الْقِيَّمَّةِ
وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٦) كَنَّ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةٌ فَعَثَ أَلَّهُ النَّبْنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنَّلَ
مَعَهُمُ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا أَخْتَلَفُواْ فِيْهِ وَمَا أَخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا
جَآءَنْهُمُ الْبَيْنَتُ بَغْيَا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا أَخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ، وَلَّهُ يَهْدِى مَن يَشَاءُ
سورة يونس: ٨٢.
(١)
سورة النحل: ٢٦.
(٣)
(٥) سورة الأنبياء: ٤٧ .
(٢) سورة الأنفال: ١٧ .
٠
(٤) سورة الحشر: ٢.
(٦) بتفاوت في الأحاديث الطوال: ٩٨ ح ٣٦ ورواه بسنده عن محمد بن كعب عن أبي هريرة.

١٣١
سورة البقرة، الآيات: ٢١١ - ٢١٥
إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمِ (٢) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّكَةَ وَلَمَّا يَأْتِّكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِكُمْ مَّسَتْهُمُ
اَلْبَأْسَآءُ وَالضَّاءُ وَزُلِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهٍُّ مَتَى نَصْرُ الَّهِ أَلَّ إِنَّ نَصْرَ اَللَّهِ قَرِيبٌ !
يَسْتَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَّ أَنَفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَّبِينَ وَالْتَّقَى وَالْتَكِنِ وَأَبِ الْتَّبِيلِّ وَمَا
تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ، عَلِمٌ (َِ
﴿سل بَنِي إِسْرَائِيل﴾ أي سل يا محمد يهود أهل المدينة ﴿كَم آتَيْنَاهُم﴾ أعطيناهم، آباءهم
وأسلافهم ﴿من آيَة بَيّنة﴾ علامة واضحة مثل العصا في اليد البيضاء وفلق البحر وغيرها.
﴿وَمَن يُبَدِّل نعْمَةَ الله﴾ يغيّر كتاب الله ﴿من بَعدِ مَا جاءته فإنّ اللهَ شَدِيدُ العِقَاب﴾ ﴿زُيِّنَ
اللَّذينَ كَفَرَوا الحَيَاةَ الدُّنيًا﴾ الآية، قال بعضهم: نزلت هذه الآية في مشركي العرب أبي جهل
وأصحابه كانوا يتنعّمون بما ينقل لهم في الدنيا من المال ونسوا يوم المعاد ﴿وَ يَسخَرُون﴾ من
المؤمنين الذين يعزفون عن الدنيا، ويقبلون على الطاعة والعبادة، ويقولون: لو كان محمد نبيّاً
لا تبعه أشرافنا وإنما تبعه الفقراء مثل أبي عمارة وصهيب وعمار وجابر بن عبد الله وأبي عبيدة بن
الجراح وبلال وخبآب وأمثالهم، وهذا معنى رواية الكلبي عن ابن عباس.
وقال مقاتل: نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه، وكانوا يتنعمون في الدنيا
ويسخرون من ضعفاء المؤمنين وفقراء المهاجرين، ويقولون: انظروا إلى هؤلاء الذين يزعم
محمد أنه یغلب بهم.
وقال عطاء: نزلت في رؤساء اليهود ووفدهم من بني قريضة والنضير والقينقاع سخروا من
فقراء المهاجرين فوعدهم الله أن يعطيهم أموال بني قريضة والنضير بغير قتال أسهل شيء
وأيسره. فقال: أين الذين كفروا في الحياة الدنيا، في قول مجاهد، وحملَ (زيّن) بفتح الزاي
والياء على معنى زينها الله وإنّما ذكّر الفعل بمعنيين أحدهما أن تأنيث الحياة ليس بحقيقي لأنّ
معنى الحياة والبقاء والعيش واحد، والآخر أنه فصل بين اسم المؤنث والفعل فأعمل المذكر،
كقول الشاعر:
بها المميز
بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور (١)
رمنعمال
إن امرأً غرّه منكن واحدة
﴿وَيَسْخِرُنَ مِن الَّذِيِنَ آمَنُوا﴾ لفقرهم.
العمالية بالمنا!
عن علي بن الحسين عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول اللـه ◌َله: ((من استذلّ: مؤمناً أن
مؤمنة أو حقّره لفقره وقلة ذات يده شهّره الله يوم القيامة ثم فضحه، ومن بهت مؤمناً أو مؤمنة أو
قال فيه ما ليس فيه، أقامه الله على تل من نار حتى يخرج مما قال فيه، وإن المؤمن أعظم عند
١٥٢٠* فيجطبقاالبية (١)
(١) زاد المسير: ١ / ٣٠٥، ولسان العرب: ٥ / ١١.

١٣٢
الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي
الله وأكرم عليه من مَلَك مقرب، وليس شيء أحبّ إلى الله من مؤمن تائب أو مؤمنة تائبة، وإن
[الرجل] المؤمن ليُعرف في السماء كما يعرف الرجل أهله وولده)» [١٠٩](١).
وعن إبراهيم بن أدهم قال: حدّثنا عباد بن كثير بن قيس، قال: جاء رجل عليه بزّة له فقعد
الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رجل عليه [لممار] (٢) له فقعد إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلّم، قال: ألقى بثيابه فضمّها إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أكلُّ هذا
تقززاً من أخيك المسلم، أكنت تخشى أن يصيبه من غناك أو يصيبك من فقره شيء،)) فقال
للنبي: معذرة إلى الله وإلى رسوله، إن النفس الأمّارة وشيطان يكيدني، أشهد يا رسول الله أن
نصف مالى له، فقال الرجل: ما أريد ذلك، فقال له النبي وَّ: ((وَلِمَ؟)) قال: لا يفسد قلبي كما
أفسد قلبه)) [١١٠].
وقال أبو بكر الصديق (رضي الله عنه): لا تحقرنّ أحداً من المسلمين فإنّ صغير المسلمين
عند الله كبيراً. وقال يحيى بن معاذ: بئس القوم قوم إن استغنى بينهم المؤمن حسدوه، وإذا افتقر
بينهم استذلّوه ﴿وَالَّذِنَ اتَّقَوْا فَوقَهُم يَومَ القِيَامة﴾ عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله ◌َّ: ((يا
أبا ذر ارفع بصرك إلى أرفع رجل تراه في المسجد)). فنظرت فإذا رجل جالس وعليه حلّة فقلت:
هذا. فقال: ((يا أبا ذر ارفع بصرك إلى أوضع رجل تراه في المسجد)) فنظرت فإذا رجل ضعيف
عليه أخلاق فقلت: هذا، فقال ◌َّر: (والذي نفسي بيده لهذا عند الله يوم القيامة أفضل من
قراب الأرض من هذا)) [١١١](٣).
﴿والله يرزق من يشاء بغير حساب﴾ قال ابن عباس: يعني كثيراً بغير فوت ولا [هنداز(٤)]
لأن كل ما دخل عليه الحساب فهو قليل.
وقال الضحاك: يعني من غير تبعة، يرزقه في الدنيا ولا يحاسبه ولا يعاقبه في الآخرة.
وقيل إنّ هذا راجع إلى الله ثم هو يحتمل على هذا القول معنيين: أحدهما أنه لا يُفترض
عليه، ولا يُحاسب فيما يرزق، ولا يقال له: لما أعطيت هذا، وحرمت هذا؟ ولم أعطيت هذا
أكثر مما أعطيت ذاك؟ لأنه لا شريك له بما عنده، ولا قسيم ينازعه .
والمعنى الآخر أنه لا يخاف نفاذ خزائنه فيحتاج إلى حساب ما يخرج منها إذا كان
الحساب من المعطي، إنما يكون ليعمّ أقدر العطاء لئلا يتجاوز في عطائه إلى ما يجحف به فهو
لا يحتاج الى الحساب؛ لأنه عالم غني لا يخاف نفاد خزائنه لأنها بين الكاف والنون
﴿كان الناس أمة واحدة﴾ الآية، قال الحسن وعطاء: كان الناس من وقت وفاة آدم إلى
(١) تفسير القرطبي: ٣ / ٢٩.
(٢) كذا في المخطوط.
(٣) مسند أحمد: ٥ / ١٧٠.
(٤) كذا في المخطوط.

١٣٣
سورة البقرة، الآيات: ٢١١ - ٢١٥
مبعث نوح بِالَّا أُمة واحدة على ملّة واحدة وهي الكفر، كانوا كفاراً كلّهم أمثال البهائم فبعث
الله نوحاً وإبراهيم وغيرهما من النبيين.
قتادة وعكرمة: كان الناس من وقت آدم إلى مبعث نوح أمة واحدة، وكان بين آدم ونوح
عشرة قرون كلّهم على شريعة واحدة من الحق والهدى، ثم اختلفوا في زمن نوح الّله؛ فبعث
الله إليهم نوحاً وكان أول نبي بُعث ثم بعث بعده النبيين.
وقال الكلبي والواقدي: أهل سفينة نوح كانوا مؤمنين كلّهم ثم اختلفوا بعد وفاة نوح.
﴿فبعث الله النبيين﴾ وروي عن ابن عباس قال: كان الناس على عهد إبراهيم أمة واحدة،
كفاراً كلّهم، وولد إبراهيم في جاهلية فبعث الله إليهم إبراهيم وغيره من النبيين.
روى الربيع عن أبي العالية عن أبي قال: كان الناس حين عُرضوا على آدم وأُخرجوا من
ظهره وأقروا بالعبودية أُمةً واحدة مسلمين كلّهم، ولم يكونوا أُمة واحدة قط غير ذلك اليوم، ثم
اختلفوا بعد آدم فبعث الله الرسل وأنزل الكتب، وكذلك في قراءة أُبيّ وعبد الله بن إسحاق:
فاختلفوا فبعث الله النبيين.
وقال محمد بن يسار ومجاهد: كان الناس أُمة واحدة يعني آدم وحده، سُمّي الواحد بهذا
لأنه يحمل النسل وأبو البشر، ثم خلق الله حوّاء ونشر منهما الناس فانتشروا وكثروا وكانوا
مسلمين كلّهم إلى أن قتل قابيل هابيل فاختلفوا حينئذ فبعث الله حينئذ.
قال الثعلبي: ورأيت فى بعض التفاسير: كان الناس أُمة واحدة في [الجنة] لا أمرٌ عليهم
ولا نهي فبعث الله النبيين وجملتهم مائة وأربعة وعشرون ألفاً، والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة
عشر، والمذكور في القرآن باسم العلم ثمانية وعشرون نبياً .
﴿مبشّرين﴾ بالثواب من آمن وأطاع ﴿ومنذرين﴾ محذّرين بالعذاب من كفر وعصى.
موسى بن عبيد عن محمد بن ثابت عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ((صلّوا على أنبياء الله ورسله فإن الله بعثهم كما بعثني)) [١١٢](١).
﴿وأنزل معهم الكتاب﴾ أي الكتب فأنزل معهم الكتاب ﴿بالحق﴾ بالعدل والصدق
﴿ليحكم بين الناس﴾ قراءة العامة بفتح الياء وضم الكاف وهو في القرآن في أربعة مواضع: ههنا
وفي آل عمران وفي النور موضعان.
وقرأها كلّها أبو جعفر القارئ وعاصم الجحدري بضم الياء وفتح الكاف لأنّ الكتاب
الحكم على الحقيقة إنّما يُحكم به، ولقراءة العامة وجهان: أحدهما على سعة الكلام كقوله
(١) فضل الصلاة على النبي للجهضمي: ٤٨، وتفسير ابن كثير: ٣ / ٥٢٣.

١٣٤
الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي
﴿هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق﴾، والآخر أن معناه: ليحكم كلّ نبيّ بكتابه، وإذا حكم بالكتاب
فكأنما حكم الكتاب ﴿فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه﴾ أي في الكتاب ﴿إلّ الذين أوتوه﴾
أعطوه وهم اليهود والنصارى ﴿من بعد ما جاءتهم البينات﴾ يعني أحكام التوراة والإنجيل.
قال الفرّاء(١): لاختلافهم معنيان: أحدهما كفر بعضهم بكتاب بعض كقوله: ﴿إن الذين
يكفرون بالله وبرسله﴾(٢) الآية [ ... ](٣) وتكفير ببعض، والآخر تحريفهم وتبديلهم كتاب الله
تعالى كقوله: ﴿يحرّفون الكلم عن مواضعه﴾(٤).
وقيل: هذه الآية راجعة الى محمد صلى الله عليه وسلم وكتابه ﴿اختلف فيه أهل الكتاب
من بعد ما جاءتهم البينات﴾ صفة محمد وّل في كتبهم ﴿بغياً﴾ ظلماً وحسداً ﴿بينهم فهدى الله
الذين آمنوا لما اختلفوا فيه﴾ كقوله: ﴿هدانا لهذا﴾ وقوله: ﴿يعودون لما قالوا من الحق بإذنه﴾
بعلمه وإرادته فيهم.
وقال ابن زيد في هذه الآية: اختلفوا في الصلاة؛ فمنهم من يصلّي الى المشرق، ومنهم
من يصلّي الى المغرب، ومنهم من يصلّي إلى بيت المقدس؛ فهدانا الله للكعبة، واختلفوا في
الصيام، فمنهم من يصوم بعض يوم، ومنهم من يصوم بعض ليلة، فهدانا الله لشهر رمضان،
واختلفوا في يوم الجمعة، أخذت اليهود السبت وأخذت النصارى الأحد، فهدانا الله له،
واختلفوا في إبراهيم، فقالت اليهود: كان يهودياً، وقالت النصارى: كان نصرانياً، فهدانا الله
للحق من ذاك، واختلفوا في عيسى فجعلته اليهود ابناً، وجعلته النصارى ربًّا، فهدانا الله منه
للحق(٥)
﴿والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم أم حسبتم أن تدخلوا الجنة﴾ الآية، قال قتادة
والسدّي: نزلت هذه الآية في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والمشقّة
[والحر والبرد] وضيق العيش، وأنواع الأذى كما قال: ﴿وبلغت القلوب الحناجر﴾ وقيل: أنها
نزلت في حرب أُحد ونظيرها في آل عمران(٦).
وقال: إنّ عبد الله بن أُبي وأصحابه قالو لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلى
متى تقتلون أنفسكم ولا تملكون أموالكم، ولو كان محمد نبيّاً لما سلّط عليه الأسر والقتل،
فقالوا: لا جرم أنّ من قُتل منّا دخل الجنّة، فقالوا: إلى متى تمنون أنفسكم الباطل [وقد
استمعتم] إلى هذه الآية.
(١) راجع زاد المسير: ١ / ٠٢٩.
(٣) كلمة غير مقروءة.
(٢) سورة النساء: ١٥٠.
(٤) سورة النساء: ٤٦.
(٥) تفسير الطبري: ٢ / ٣٦١.
(٦) قوله: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم)

١٣٥
سورة البقرة، الآيات: ٢١١ - ٢١٥
وقال عطاء: لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة اشتدّ الضرّ عليهم لأنّهم
خرجوا بلا مال فتكون أرضهم وأموالهم في أيدي المشركين؛ فآثروا رضا الله عزّ وجلّ ورضا
رسوله صلى الله عليه وسلم، وأظهر اليهود والعداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلّم، وأسرَّ
قوم من الأغنياء النفاق فأنزل الله تطبيباً لقلوبهم ﴿أم حسبتم﴾ وهو ابتداء بأم من غير استفهام،
فالألف والميم صلة معناه: أحسبتم، قاله الفرّاء.
وقال الزجاج: معناه: بل حسبتم، كقول الشاعر:
بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى
وصورتها أم أنت في العين أملح(١)
أي بل وأنت، وكل شيء في القرآن من هذا النحو فهذا سبيله وتأويله، ومعنى الآية أظننتم
والرسول أن تدخلوا الجنة. ﴿ولمّا يأتكم﴾ يعني ولم يأتكم وحاصله كقوله تعالى: ﴿وآخرين
منهم لمّا يلحقوا بهم﴾ وقال النابغة:
ـمّا تزل برحالنا وكأَنْ قَدٍ(٢)
أزف الترحّل غير أنّ ركابنا
أي لم تزل ﴿مثل الذين خلو من قبلكم﴾ مَضَوا (من قبلكم) من النبيين والمؤمنين
[وسُنّتهم](٣).
ثم ذكر ما أصابهم فقال: ﴿مسّتهم البأساء﴾ يعني الفقر والضرّ والشدّة والبلاء ﴿والضرّاء﴾
المرض والزمانة ﴿وزلزلوا﴾ حُرّكوا بأنواع البلايا والرزايا وخُوِّفوا ﴿حتى يقول الرسول والذين
آمنوا معه متى نصر الله﴾ ما تلك البلايا حتى استبطأوا الرزق، قال الله: ﴿ألا أن نصر الله
قريب﴾ واختلف القرّاء في قوله تعالى: ﴿يقول الرسول﴾ فقرأ مجاهد بفتح وضمّة.
الأعرج: يقول رفعاً، وقرأها الآخرون نصباً، فمن نصب فعلى ظاهر الكلام لأن حتى
تنصب الفعل المستقبل، ومَنْ رفع لأنّ معناه حتى قال الرسول، وإذا كان الفعل الذي يلي حتى
في معنى الماضي ولفظه لفظ المستقبل، فلك فيه دون الرفع والنصب، فالرفع لأنّ حتى لا بعمل
الماضي، والنصب بإضمار أنّ الخفيفة عند البصريين، وبالصرف عند الكوفيين، [مثل قولك: ]
سرنا حتى ندخل مكة بالرفع أي حتى دخلناها، فاذا كان بمعنى المستقبل فالنصب لا غير.
وقال وهب بن منبه: يوجد فيما بين مكة والطائف سبعون [نبيًّا] ميتين كان سبب موتهم
الجوع والعمل، وقال وهب أيضاً: قرأت في كتاب رجل [من الحواريين] إذا سُلك بك سبيل
البلاء فقرَّ عيناً، فإنه سُلك بك سبيل الأنبياء والصالحين. وإذا سُلك بك سبيل الرخاء فابكِ على
(١) لسان العرب: ١٤ / ٥٤.
(٢) لسان العرب: ٣/ ٣٤٦، أفد، وكذا في المغني: ١/ ١٧١.
(٣) كذا في المخطوط .

١٣٦
الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي
نفسك [لأنّه حاد] بك عن سبيلهم.
[شعبة عن عاصم بن بهدلة] عن مصعب بن سعد عن أبيه أنه سأل النبي ◌َله: أيّ الناس
أشدّ بلاء فقال: ((الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل من الناس، فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان
صلب الدين اشتدّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقّة فهي على حسب ذلك، ولا يبرح البلاء عن العبد
حتى يدعه يمشي على الأرض وليس عليه خطيّة)) [١١٣](١).
وعن عبد الرحمن بن ذهل قال: كان وزير عيسى عليه الصلاة والسلام ركب يوماً فأخذه
السبع فأكله فقال عيسى: يا ربّ! وزيري في دينك، وعوني على بني إسرائيل، وخليفتي من
سلّطت عليه كلبك فأكله، قال: نعم كانت له عندي منزلة رفيعة، لم أجد عمله بلغها فأبتليته
بذلك لأبلغه تلك المنزلة .
﴿يسألونك ماذا ينفقون﴾ الآية، نزلت في عمرو بن الجموح، وكان شيخاً كبيراً ذا مال،
فقال: يا رسول الله بماذا أتصدق وعلى من أتصدق؟ فأنزل الله وَالر: ﴿يسألونك ماذا ينفقون﴾
وفي قوله (ذا) وجهان من الأعراب: أحدهما أن يكون ماذا بمعنى أيّ شيء وهو [متعلق] بقوله
ينفقون وتقديره: يسألونك أي شيء ينفقون، والآخر أن يكون رفعاً بـ (ما) والمعنى: ويسألونك
ما الذي ينفقون؟ ﴿قل ما أنفقتم من خير﴾ أي مال ﴿فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين
وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإنّ الله به عليم﴾ عالم به بتعاليم الدين، هذا قبل أن فرض
الزكاة فنسخت الزكاة هذه الآية.
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْفِتَالُ وَهُوَ كُرْهُ لَكُمْ وَعَسَقَ أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌّ لَّكُمْ وَعَسَقَ أَنْ تُحِنُواْ
شَّا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمُّ وَاللَّهُ يَعْلَمْ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٦) يَسْتَلُونَكَ عَنِ النَّهْرِ الْخَرَامِ فِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالُ
فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدُّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ، وَالْمَسْجِدِ الْعَرَّاءِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ أَكْبُرُ عِندَ اللّهِ وَاَلْفِتْنَةُ
أَكْبَرُ مِنَ الْفَتَّلُّ وَلَا يَزَالُوَ يُقَدِلُونَكُمْ حَ يَرُدُوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ أَسْتَطَعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن
دِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَكَ حَبِطَتْ أَعْمَئِلُهُمْ فِىِ الدُّنْيَا وَالَخِرَةِ وَأُوْلَكَ أَصْحَبُ النَّارِّ هُمْ فِهَا
خَالِدُونَ (٢٦) إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِيْنَ هَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَالهُ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ (
﴿كُتب عليكم القتال﴾ فُرض عليكم القتال، واختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال
بعضهم: عنى بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة دون غيرهم، وقال ابن
جريج قلت لعطاء: قوله: ﴿كتب عليكم القتال وهو كره لكم﴾ أواجب الغزو على الناس من
(١) مسند أحمد: ١ / ١٧٤.

١٣٧
سورة البقرة، الآيات: ٢١٦ - ٢١٨
أجلها أو كتب على أولئك حينئذ؟ وأجرى بعضهم الآية على ظاهرها فقال: الغزو فرض واجب
على المسلمين كلّهم إلى قيام الساعة.
روى ابن أبي أنيسة عن أنس قال: قال رسول الله وَاليه: ((ثلاث من أصل الإيمان: الكفّ
عمّن قال: لا إله إلّ الله ما لم يره بذنب، ولا يخرجه من الاسلام بعمل، والجهاد ماض منذ
بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أُمتي الدّجال لا يبطنه ضنّ ولا شك، والإيمان بالأقدار)) [١١٤](١).
أبو صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلجر: ((من مات ولم يغز ولم يحدّث نفسه
بالغزو مات على شعبة من النفاق)) [١١٥] (٢) وقال بعضهم: هو فرض على الكفاية إذا قام به
البعض سقط من الباقين .
عن أحمد بن أنمار: وردّ السلام وتسميت العاطس وهو القول الصحيح المشهور الذى
علیه الجمهور.
وقال الزهري والأوزاعي: كتب الله الجهاد على الناس غزوا أو قعدوا، فمن غزا فيها
ونعمت، ومن قعد فهو حرّ، إن استُعين به أعان وإن استنفر نفر وإن استغني عنه قعد(٣)، فإنما
يرجح عليه عطاء الواجب المال وإلّ فلا، من شاء غزا ومن شاء لم يغزُ، ويدلّ على صحة هذا
القول قول الله تعالى ﴿وفضّل الله المجاهدين على القاعدين درجة وكلّ وعد الله الحسنى﴾،
ولو كان القاعدون مضيعين فرضاً لكان لهم السوأى لا الحسنى والله أعلم. ﴿وهو كُره لكم﴾
شاقّ عليكم، واتفق القرّاء على ضم الكاف ههنا إلّ أبا عبد الرحمن السلمي، فإنه قرأها ﴿وهو
كره﴾ بفتح الكاف وهما لغتان بمعنى واحد، مثل الغَسل والغُسل، والضَّعف والضُّعف، والرَّهب
والرُّهب، وقال أكثر أهل اللغة: الكُره بالضم المشقة وبالفتح الاجهاد. بعضهم: الكره بالفتح
المصدر، وبالضم الاسم.
وقال أهل المعاني: هذا الكره من حيث نفور الطبع عنه لما يدخل فيه على المال من
المؤونة وعلى النفس من المشقّة وعلى الروح من الخطر لأنهم أظهروا الكراهة أو كرهوا أمر الله
عزّ وجلّ .
قال عكرمة: نسختها هذه الآية ﴿وقالوا سمعنا وأطعنا﴾ يعني أنهم كرهوه ثم أحبّوه
﴿وقالوا سمعنا وأطعنا﴾ قال الله عزّ وجلّ: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم﴾ لأن في
الغزو أحد الحُسنيين إمّا الظفر والغنيمة، وإمّا الشهادة والجنة ﴿وعسى أن تحبّوا شيئاً﴾ يعني
(١) سنن أبي داود: ١ / ٥٦٩ ح ٢٥٣، وبعد قوله الدجال، فيه: لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، وكذا في
السنن الكبرى للبيهقي: ٩ / ١٥٦ .
(٢) الدر المنثور: ١ / ٢٤٥، وصحيح مسلم: ٦ / ٩٤.
(٣) راجع أحكام القرآن للجصّاص: ٣ / ١٤٧.

١٣٨
الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي
القعود عن الغزو ﴿وهو شرٌّ لكم﴾ لما فيه من الذل والصغر وحرمان الغنيمة والأجر ﴿والله يعلم
وأنتم لا تعلمون﴾.
قال ابن عباس: كنت ردف النبي ◌َّلّ فقال: ((يا بن عباس ارضَ عن الله بما قدّر وإنْ كان
خلاف هواك إنه مثبّت في كتاب الله)).
قلت: يا رسول الله أين وقد قرأت القرآن، قال: ((مكانين)) ﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو
خير لكم وعسى أن تحبّوا شيئاً وهو شرٌّ لكم﴾)) [١١٦](١).
عاصم بن علي المسعودي قال: قال الحسن: لا تكره الملمات الواقعة والبلايا الحادثة
فلربَّ أمر تكرهه فيه نجاتك، ولربّ أمر ترجوه فيه عطبك، وأنشد أبو سعيد الضرير:
خفي المحبوب منه وبدا المكروه فيه(٢)
ربَّ أمر تتقيه جرَّ أمراً ترتضيه
وأنشد محمد بن عرفة لعبد الله بن المعتز:
إن الحوادث لم تزل متباينه
لا تكره المكروه عند نزوله
لله في درج الحوادث كامنه
كم نعمة لا تستقل بشكرها
عبد الرحمن بن أبي حاتم عن أبيه قال: بعث المتوكل إلى محمد بن الليث رسولاً وقد
كان بقي مدة في منزله فلما أتاه الرسول [امتثل] فركب بلا روح خوفاً فمرّ به رجل وهو يقول:
خارَ لك الله وأنت كاره
كم مرّة حفّت بك المكاره
فلمّا دخل على المتوكل ولآّه مصر وأمر له بمائة ألف وجميع ما يحتاج إليه من الآلات
والدواب والغلمان.
قال الثعلبي: أنشدني الحسن بن محمد قال: أنشدني أبو سعيد أحمد بن محمد بن رميح
قال: أنشدني محمد بن الفرحان:
كم فرحة مطوية لك بين أثناء النوائب
ومضرّة قد أقبلت من حيث تنتظر المصائب(٣)
قال: وأنشدنا أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدنا أبو عبد الله الوضاحي:
ثم يأتي السرور من حيث تأتي المكاره
ربّما خُيّر الفتى وهو للخير كاره
﴿يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه﴾ الآية، قال المفسّرون: بعث رسول الله صلى الله
عليه وسلم عبد الله بن جحش وهو ابن عمّة النبي صلى الله عليه وسلم في جمادى الآخرة قبل
قتال بدر بشهرين على رأس ستة عشر شهراً من مقدمه المدينة، وبعث معه ثمانية رهط من
(١) تفسير الطبري: ٤٧٠/٢ .
(٢) تفسير القرطبي: ٣ / ٣٩.
(٣) تاريخ مدينة دمشق: ٤٢/ وجاء فيه: وذكر أنه لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليها ..

١٣٩
سورة البقرة، الآيات: ٢١٦ - ٢١٨
المهاجرين: سعد بن أبي وقاص الزهري وعكاشة بن محصن الأسدي وعتبة بن غزوان السلمي
وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وسهيل بن بيضاء وعامر بن ربيعة وواقد بن عبد الله وخالد بن بكر
وكتب بإمرة عبد الله بن جحش كتاباً وقال: سر على اسم الله ولا تنظر في الكتاب حتى تسير
يومين، فإذا نزلت منزلين فافتح الكتاب واقرأه على أصحابك، ثم امضٍ لما أمرتك، ولا تُكرهنّ
أحداً من أصحابك على السير معك، فسار عبد الله يومين ثم نزل وفتح الكتاب فاذا فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فسر على بركة الله بمن تبعك من أصحابك حتى تنزل
بطن نخلة فترصّد بها عير قريش لعلّك أن تأتينا منه بخبر، فلمّا نظر عبد الله بن جحش قال:
سمعاً وطاعة ثم قال ذلك لأصحابه وقال: إنه قد نهاني أن استكره أحداً منكم، فمن كان يريد
الشهادة فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فإني ماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم مضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف عنه منهم أحد حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع
يقال له: نجوان أضلّ سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيراً لهما كانا يتعقبانه فاستأذنا أن
يتخلّفا في طلب بعيرهما، فأذن لهما فتخلفا في طلبه، ومضى عبد الله ببقيتهم حتى نزلوا بطن
نخلة بين مكة والطائف، فبينا هم كذلك إذ مرّ بهم عير لقريش تحمل زبيباً وأديماً وتجارة من
تجار الطائف فيهم عمرو بن الحضرمي والحكم بن كيسان وعثمان بن عبد الله بن المغيرة ونوفل
ابن عبد الله المخزوميان، فلمّا رأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خافوهم، فقال
عبد الله بن جحش: إنّ القوم قد ذعروا منكم فاحلقوا رأس رجل منكم فليتعرض لهم فإذا رأوه
محلوقاً أمِنُوا، وقالوا: قوم عُمّار، فحلقوا رأس عكاشة ثم أشرف عليهم وقالوا: قوم عُمّار لا
بأس عليكم فأمنّوهم.
وكان ذلك في آخر يوم من جمادى الآخرة وكانوا يرون أنّه من جمادى وهو من رجب،
فتشاور القوم بينهم وقالوا: لئن تركتموهم هذه الليلة لتدخلنّ الحرم فليمنعنّ منكم فأجمعوا أمركم
في مواقعة القوم فرمى واقد بن عبد اللـه(١) السهمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، فكان أول
قتيل من المشركين واستأسرا الحكم وعثمان(٢) فكانا أول أسيرين في الاسلام وأفلت الآخران
فأعجزاهم، واستاق المؤمنون العير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله وَّل بالمدينة، فقالت
قريش: قد استحلّ محمد الشهر الحرام، شهراً يأمن فيه الخائف وينذعر فيه الناس لمعايشهم،
فسفك فيه الدماء، وأخذ فيه الحرائر، وعيّر بذلك أهل مكة من كان بها من المسلمين، وقالوا:
يا معشر الصباة استحللتم الشهر الحرام وقاتلتم فيه، وتفاعلت اليهود بذلك وقالوا: واقد: وقدت
الحرب وعمروا: عمرت الحرب، والحضرمي: حضرت الحرب.
(١) في تاريخ المدينة: التميمي.
(٢) الحكم بن كيسان وعثمان بن عبدالله.

١٤٠
الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي
وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لابن جحش وأصحابه: ما أمرتكم بقتال
في الشهر الحرام، ودفعتُ العير والأسيرين فأبى أن يأخذ من ذلك شيئاً، فعظم ذلك على
أصحاب السريّة وظنّوا أن قد هلكوا وسقطوا في أيديهم وقالوا: يا رسول الله إنّا قتلنا ابن
الحضرمي ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري أفي رجب أمسينا أم في جمادى، وأكثر
الناس في ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية فأخذ رسول الله العير فعزل منها الخمس، فكان أول
خمس في الاسلام، وقسّم الباقي بين أصحاب السريّة، فكان أول غنيمة في الاسلام، وبعث
أهل مكة في فداء أسيرهم فقال: بل نوقفهم حتى يقدم سعد وعتبة وإن لم يقدما قتلناهما، فلمّا
قدما فداهم.
وأما الحكم بن كيسان فأسلم وأقام مع رسول الله وَليل بالمدينة فقُتل يوم بئر معونة شهيداً،
وأمّا عثمان بن عبد الله فرجع إلى مكة ومات فيها كافراً، وأمّا نوفل فضَرب بطن فرسه يوم
الأحزاب ليدخل الخندق على المسلمين، فوقع في الخندق مع فرسه فتحّما جميعاً، وقتله الله
وحجب المشركون جيفته بالثمن فقال رسول اللـه وسلم: ((خذوه فإنّه خبيث الجيفة خبيث الدية))
[١١٧](١) فهذا سبب نزول قوله: ﴿يسألونك عن الشهر الحرام﴾ يعني توخياً، سُمّي بذلك
لتحريم القتال فيه لعظم حرمته، وكذلك كان يسمّى في الجاهلية، تنزع الأسنّة وتفصل الالّ،
لأنهم كانوا ينزعون الأسنّة والنصال عند دخول رجب انطواءً على ترك القتال فيه، وكان يدعى
الأصمّ لأنه لا تسمع فيه قعقعة السلاح فنسب الصمم إليه، كما قيل: ليل نائم، وسرٌّ كاتم.
يدلّ عليه ما روى عطاء عن عائشة قالت: قال رسول الله وَّلقول: ((إن رجب شهر الله ويدعى
الأصمّ، وكان أهل الجاهلية إذا دخل رجب يعطلون أسلحتهم ويضعونها، وكان الناس يأمنون
ويأمن السبيل فلا يخاف بعضهم بعضاً حتى ينقضي)) [١١٨](٢).
﴿قتال فيه﴾ خفضه على تكرير (عن)، تقديره: وهل قتال فيه وكذلك هي في قراءة عبد الله
ابن مسعود والربيع بن أنس ﴿قل﴾ يا محمد ﴿قتال فيه كبير﴾ عظيم ثم [كلام] ثم قتال ﴿وصدّ عن
سبيل الله﴾ منع عن سبيل الله على الابتداء وخبره أكبر، وذلك حين منعوا رسول الله صلى الله
عليه وسلم عن البيت ﴿وكفر به﴾ أي بالله ﴿والمسجد الحرام﴾ أي وبالمسجد ﴿وإخراج أهله﴾
أي أهل المسجد ﴿منه أكبر﴾ وأعظم وزراً وعقوبة ﴿عند الله والفتنة﴾ أي الشرك أكبر من القتل،
يعني قتل ابن الحضرمي فلمّا نزلت هذه الآية كتب عبد الله بن جحش الى مؤمني مكّة: إذا
عيّركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام فعيرّوهم أنتم بالكفر وإخراج رسول الله صلى الله
عليه وسلم من مكّة ومنعهم عن البيت.
(١) أسباب نزول الآيات: ٤٤.
(٢) كنز العمال: ١٢ / ٣١١ ج٣٥١٦٧.