النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
سورة البقرة، الآيات: ١٥٣ - ١٥٧
أذكركم بالعفو، أُذكروني بالتعظيم أذكركم بالتكريم، أُذكروني بالتكبير أذكركم بالتطهير، أُذكروني
بالتمجيد أذكركم بالمزيد، أُذكروني بالمناجاة أذكركم بالنجاة، أُذكروني بترك الجفاء اذكركم
بحفظ الوفاء، أُذكروني بترك الخطأ أذكركم بحفظ الوفاء، أُذكروني بالجهد بالخلقة أذكركم بأتمام
النعمة، أُذكروني من حيث أنتم أذكركم من حيث أنا ولذكر الله أكبر.
الربيع في هذه الآية: إنّ الله ذاكر من ذكره، وزائداً من شكره، ومعذّبُ من كفره.
وقال السّدي: فيها ليس من عبد يذكر الله إلاّ ذكره الله. لا يذكره مؤمن إلّ ذكره
بالرّحمة، ولا يذكره كافر إلاّ يذكره بعذاب.
وقال سفيان بن عيينة: بلغنا إنّ الله عزّ وجلّ قال: أعطيت عبادي مالوا أعطيته جبرئيل
وميكائيل كنت قد اجزلت لهما قلت: أُذكروني أذكركم، وقلت لموسى: قل للظلمة لا يذكروني
فإني أذكر من ذكرني، فإنّ ذكري إياهم أن إلعنهم.
وقال أبو عثمان النهدي: إنّ لأعلم حين يذكرني ربّي عزّ وجلّ، قيل: كيف ذلك؟
قال: إنّ الله عزّ وجلّ قال: ﴿اذكروني أذكركم﴾ وإذا ذكرت الله تعالى ذكرني.
﴿واشكروا لي﴾(١) نعمتي.
﴿ولا تكفرون﴾.
وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِى
١٥٣)
◌َأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةُ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّْرِينَ
وَلَنَبْلُؤَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَّ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَّ الْأَمْوَالِ
(١٥٤)
سَبِيلِ اللَّهِ أَمَوَّتَّ بَلْ أَخْيَاءٌ وَلَكِنْ لََّّ تَشْعُرُونَ
وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَّتِ وَيَشْرِ الصَّبِينَ ﴿١٤) الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوَاْ إِنَّا لِنَّهِ وَإِنََّ إِلَيْهِ رَِعُونَ
أُوْلَكَ عَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ زَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَبِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ
(١٥٧)
﴿يا أيّها الّذين آمنوا استعينوا بالصّبر والصّلاة إنّ الله مع الصّابرين﴾ بالعون والنصرة.
﴿ولا تقولوا لمن يُقتل في سبيل الله أموات﴾
نزلت في قتلى بدر مع المسلمين، وكانوا أربعة عشر رجلاً منهم ثمانية من الأنصار وستّة
من المهاجرين؛ وذلك إنّ النّاس كانوا يقولون: الرّجل يقتل في سبيل الله: مات فلان، وذهب
منه نعيم الدُّنيا ولذّتها، فأنزل الله تعالى ﴿ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات﴾ أي هم
أموات بل إنهم أحياء.
﴿بل أحياء ولكن لا تشعرون﴾ إنّهم كذلك قال رسول الله صلور: ((إنّ ارواح الشهداء في
(١) في هامش المخطوطة: بالعطية فمن أطاع الله فقد شكر ومن عصاه فقد كفر.

٢٢
الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي
أجواف طير خضر تسرح في ثمار الجنَّة، وتشرب من أنهارها، وتأوي بالليل إلى قناديل من نور
معلقة تحت العرش)) [٧](١) .
وقال الحسن: إن الشهداء أحياء عند الله تعرض أرزاقهم على أرواحهم فيصل إليهم الرّوح
والفرح، كما تعرض النّار على أرواح آل فرعون غداة وعشياً فيصل إليهم الوجع.
وقال أبو سنان السّلمي: أرواح الشهداء في قباب بيض من باب الجنّة في كلّ قبّة زوجتان،
رزقهم في كلّ يوم طلعت فيه الشمس نور وحوت، فأما النور: ففيه طعم كلّ ثمرة في الجنة وامًا
الحوت: ففيه طعم كلّ شراب في الجنّة.
قال قتادة في هذه الآية: كنّا نحدث إنّ أرواح الشهداء تعارف في طير بيض يأكلن من ثمار
الجنّة وإنّ مساكنهم السدرة المنتهى، وإنّ للمجاهد في سبيل الله عزّ وجلّ ثلاث خصال: من قتل
في سبيل الله منهم صار حيّاً مرزوقاً، ومن غلب أتاه الله أجراً عظيماً، ومن مات رزقه الله رزقاً
حسناً .
عن النبّي وَّ قال: ((يعطى الشهيد ست خصال عند أول قطرة من دمهِ يكفّر عنه كل خطيئة
ويرى مقعده من الجنّة ويزوّج من الحور العين ويؤمن من الفزع الأكبر ومن عذاب القبر ويحلّى
بحلية الإيمان)) [٨](٢).
﴿ولنبلونّكم﴾ ولنختبرنكم يا أمّة محمّد.
﴿بشيء من الخوف والجوع﴾ الآية، قال ابن عبّاس: الخوف يعني خوف العدو، والجوع
يعني المجاعة والقحط .
﴿ونقص من الأموال﴾ يعني الخسران والنّقصان في المال، وهلاك المواشي ﴿والأنفس﴾
يعني الموت والقتل، وقيل: المرض وقيل: الشيب.
﴿والثمرات﴾ يعني [الحوائج]، وأن لا تخرج الثمرة كما كانت تخرج، وقال الشافعي:
﴿ولنبلونكم بشىء من الخوف﴾ يعني خوف الله عزّ وجلّ ﴿والجوع﴾ صيام شهر رمضان،
﴿ونقص من الأموال﴾ أداء الزكاة والصدّقات، ﴿والأنفس﴾ الأمراض، ﴿والثمرات﴾ موت
الأولاد؛ لأن ولد الرجل ثمرة قلبه يدلّ عليه ما روى عبد الله بن المبارك عن حماد بن سلمه عن
أبي سنان قال: دفنت إبني سناناً، وأبو طلحه الخولاني على شفير القبر جالس، فلمّا أردت
الخروج أخذ بيدي فانشطني وقال: ألا أُبشّرك يا أبا سنان؟
(١) مجمع الزوائد: ٢٩٨/٥، والمعجم الكبير للطبراني: ٩/ ١٨٣.
(٢) مسند أحمد: ٢٠٠/٤، ومجمع الزوائد: ٢٩٣/٥.

٢٣
سورة البقرة، الآيات: ١٥٨ - ١٦٢
قلت: بلى. قال: حدّثنا الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب عن أبي موسى الأشعري: إنّ
رسول ◌َ﴿ قال: ((إذا مات ولد العبد قال الله عزّ وجلّ للملائكة أقبضتم ولد عبدي؟ فيقولون:
نعم فيقول: أقبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟
فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله عزّ وجلّ: إبنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسمّوه بيت
الحمد)) [٩](١).
﴿وبشّر الصّابرين﴾ على البلايا والرّزايا ثمّ نعتهم فقال: ﴿الّذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا
إنّا لله﴾ عبيداً تجمع وملكاً.
﴿وإنّا إليه راجعون﴾ في الآخرة أمال نصير النّون في قوله ﴿إنّا لله﴾، فأمال قتيبة النون
واللام جميعاً فخمها الباقون، وقال أبو بكر الورّاق: إنّا لله: اقرار منّا له بالملك وإنّا إليه
راجعون: في الآخرة إقرار على أنفسنا بالهلاك.
قال عكرمة: طفى سراج النّ ◌َ ﴿ فقال: ﴿إنّا لله وإنّا إليه راجعون﴾ فقيل: يا رسول الله
أمصيبة هي؟
قال: نعم كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة)) [١٠](٢).
قال سعيد بن جبير: ما أُعطي أحد في المصيبة ما أُعطي هذه الأمة يعني الاسترجاع ولو
أعطي لأحد لأعطي يعقوب بِالَّلا ألاّ تسمع إلى قوله في فقد يوسف ﴿يا أسفي على يوسف﴾(٣).
وقال رسول الله وَلجر: ((من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه، وجعل له
خلفاً صالحاً يرضاه)) [١١](٤).
وعن فاطمة بنت الحسين عن أمّها قالت: قال رسول الله وَ الر: ((من أصيب بمصيبة فأحدث
استرجاعاً وان تقادم عهدها كتب الله له من الأجر مثل يوم أُصيب)) [١٢](٥).
﴿أولئك﴾ أي أهل هذه الصفة.
﴿عليهم صلوات﴾ قال ابن عبّاس: مغفرة ﴿من ربهم ورحمة﴾ ونعمة.
ابن كيسان: الصلوات هاهنا الثناء والرّحمة والتزكية وإنّما ذكر الصلاة والرحمة ومعناهما
(١) سنن الترمذي: ٢٤٣/٢ ح ١٠٢٦، وتفسير ابن كثير: ٢٠٤/١.
(٢) الجامع الصغير: ٢٨٢/٢ ح ٦٣٢٣ وفيه: ساء المؤمن، كنز العمال: ٢٩٨/٣ ح ٦٦٣٩.
(٣) سورة يوسف: ٨٤.
(٤) العهود المحمدية: ٥٩٧، وكنز العمال: ٣٠٠/٣ ح ٦٦٥٠.
(٥) الجامع الصغير: ٥٧٣/٢ ح ٨٤٥٩، وكنز العمال: ٢٦٤/٣ ح ٦٤٧١.

٢٤
الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي
واحد لاختلاف اللفظين كقول الحطيئة:
ألا حبّذا هند وأرض بها هند وهند أتى من دونها النأي والبعد
وجمع الصلوات لأنّه عنى بها إنها رحمة بعد رحمة.
﴿وأولئك هم المهتدون﴾ إلى الاسترجاع، وقيل: إلى الجنّة والثواب.
وقيل: إلى الحقّ والصّواب وكان عمر بن الخطاب إذا قرأ هذه الآية قال: نعم العدلان
ونعم العلاوة .
إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ أَلْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَّوَّفْ
بِهِمَّأَ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرُ عَلِيمٌ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُونَ مَا أَنَزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَتِ وَالْمُدَى مِنْ بَعْدِ مَا
يَنْشَكَهُ لِنَّاسِ فِ اَلْكِتَبِّ أُوْلَكَ بَلْعَنْهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَُّهُمُ الََّعِمُونَ ﴿١٤) إِلَّ الَّذِينَ تَّابُواْ وَأَضْلَحُواْ وَبَيَنُوا
فَأُوْلَبِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمَّ وَأَنَا التَّوَابُ الرَّحِيمُ (١٤) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَانُواْ وَهُمْ كُفَّارُ أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ لَنَهُ اَللَّهِ
وَالْمَلَكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴿٨َ خَلِينَ فِهَا لَا يُحَغَّفُ عَنَهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُظَرُونَ
﴿إنّ الصّفا والمروة من شعائر الله﴾ الصفا جمع الصّفاة وهي الصخرة الصلبة الملساء،
قال امرؤ القيس :
لها كفل كصفا المسيل أبرز عنها جحاف مضر (١)
يقال: صفاة وصفا مثل حصاة وحصا وقطاة وقطا ونواة ونوى، وقيل: إن الصّفا واحد
وتثنيته صفوان مثل عصا وعصوان وجمعه أصفا مثل رجا وأرجاء، وصَفا وصَفيٍ مثل عصا
وعصي، قال الراجز:
كأن متنيه من النفي مواقع الطير على الصّفي(٢)
والمروة من الحجارة ما لان وصغر. قال أبو ذؤيب الهذلي:
بصفـا المشرق كل يوم تقرع
حتّى كأنّي للحوادث مروة
أي صخرة رخوة صغيرة، وجمع المروة مروان وجمعها للكبير مرو مثل ثمرة وثمرات وثمر
وحمرة وحمرات وحمرا. قال الأعشى ميمون بن قيس يصف ناقته:
. (٣)
وترى الأرض خفاً زائلاً فإذاما صادف المرورضخ
وإنّما عنى الله تعالى بهما الجبلين المعروفين بمكّة دون سائر الصّفا والمروة فلذلك أدخل
(١) مجمع البيان للطبري: ٤٣٨/١.
(٣) المصدر السابق: ٢ / ٦٠.
. (٢) تفسير الطبري: ٢ / ٥٩.

٢٥
سورة البقرة، الآيات: ١٥٨ _ ١٦٢
فيهما الألف واللام، وشعائر الله: اعلام دينه واحدها شعيرة وكلُّ كان معلّما لقربان يتقرّب به
إلى الله عزّ وجلّ من دعاء وصلاة من ذبيحة واداء فرض وغير ذلك فهو شعيرة.
قال الکمیت بن زيد:
نقتلهم جيلاً فجيلاً تراهم
شعائر قربان بهم يتقرب
وأصلها من الأشعار وهي الاعلام على الشيء.
وفي الحديث إنّ قائلاً قال: حين شجّ عمر في الحجّ: أشعر أمير المؤمنين دماً، وأراد
بالشعائر هاهنا مناسك الحج التي جعلها الله عزّ وجلّ إعلاماً لطاعته، وقال مجاهد: يعني من
الخبر الّذي أخبركم عنه وأصل الكلمة على هذا القول من شعرت أي: علمت كأنّه أعلام لله
عباده أمر الصفا والمروة.
وتقدير الآية: إنّ الصّفا والمروة من شعائر الله، فترك ذكر الطواف وإكتفى بذكرهما
[وذلك] معلوماً عند المخاطبين.
﴿فمن حجّ البيت﴾ أصل الحجّ في اللغة: القصد.
قال الشاعر:
ذي موحد ومنقل [وبرنس]
كراهب يحجّ بيت المقدس
وقال محمّد بن جرير: من أكثر الاختلاف إلى شيء فهو حاج.
وقال المحمل السعدي :
واشهد من عوف حلولاً كثيرة
يحجون بيت الزبرقان المزعفرا(٢)
أي یکثرون التردد إليه لودده ورئاسته.
وقيل للحاج: حاج لأنّه يأتي البيت من عرفة ثمّ يعود إليه للطواف يوم النّحر ثمَّ ينصرف
عنه إلى منى ثمَّ يعود إليه لطوف الصدر. فبتكرار العود إليه مرة بعد أخرى قيل له حاج:
﴿أو اعتمر﴾ من العمرة وهي الزيارة.
قال العجاج :
لقد سما ابن معمر حين اعتمر
معزى بعيداً من بعيد وضبر
أي من قصده وزاره، وقال المفضل بن سلمة: ﴿أو اعتمر﴾ أي حلّ بمكّة بعد الطواف
والسّعي ففعل ما يفعل الحلال.
(١) كلمات غير مقروءة وهذا الظاهر منها.
(٢) تفسير الطبري: ٢ / ٦١.

٢٦
الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي
والعمرة: لإقامة الموضع والعمارة: اصلاحه ومرمّته.
وعن عبد الله بن عامر بن رفيعة قال: قال رسول الله وَلقول: ((تابعوا بين الحجّ والعمرة فإن
متابعة ما بينهما يزيدان في العمر والرّزق وينفيان الذنوب كما ينّفي الكير خبث الحديد)) [١٣].
﴿فلا جناح عليه﴾ الجناح الإثمّ وأصله من جنح إذا مال عن القصد.
يقال: جنح اللّيل إذا مال بظلمته.
وجنحت السفينه: إذا مالت إلى الأرض. قال الله تعالى: ﴿وإن جنحوا للسّلم فاجنح لها﴾
ومنه جناح الطائر.
﴿أن يطوف﴾ أي يدور وأصله يتطوف فادغمت التاء في الطّاء.
وقرأ أبو حيوة الشّامي: يطوف مخفّفة الطاء واختلفوا في وجه الآية وتأويلها وسبب
تنزيلها .
قال أنس بن مالك: كنّا نكره الطواف بين الصفا والمروة لأنهما كانا من مشاعر قريش في
الجاهلية، فتركناه في الإسلام. فأنزل الله هذه الآية.
وقال عمر بن حبيش: سألت ابن عمر عن هذه الآية فقال: إنطلق إلى ابن عبّاس فإنّه أعلم
من بقي بما أنزل على محمّد ◌َلِّ، فأتيته فسألته فقال ابن عبّاس: كان على الصفا صنم على
صورة رجل يقال له أساف، وعلى المروة صنم على صورة إمرأة تدعى نائلة، وإنّما ذكروا الصفا
لتذكير الأساف وذكروا المروة لتأنيث نائلة.
وزعم أهل الكتاب إنّهما زنيا في الحرم فمسخهما الله عزّ وجلّ حجرين فوضعهما على
الصّفا والمروة ليعتبر بهما فلما طالت المدّة عبدا دون الله، فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بينهما
مسحوا الوثنين فلمّا جاء الإسلام وكسرت الأصنام كره المسلمون الطواف بينهما لأجل الصنمين
فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وروى السّدي عن أبي مالك عن ابن عبّاس قال: كان في الجاهلية شياطين تعزف بالليل
بين الصفا والمروة وكان بينهما آلهة فلمّا ظهر الإسلام قال المسلمون لرسول الله لا تطوفنّ بين
الصفا والمروة فإنّه شرك كنّا نصنعه في الجاهلية فأنزل الله تعالى هذه الآية (١).
قتادة: كان ناس من تهامة في الجاهلية يسعون بين الصفا والمروة فلمّا جاء الإسلام
تحوّبوا السعي بينهما كما كانوا يتحوّبونه في الجاهلية فأنزل الله تعالى هذه الآية.
قتادة: كان [حي من تهامة لا يسعون بينهما] فأخبرهم إنّها كانت سنّة إبراهيم
(١) أسباب النزول للواحدي: ٢٨.

٢٧
سورة البقرة، الآيات: ١٥٨ - ١٦٢
وإسماعيل
السَّةَ (١).
(١)
وروى الزهري عن عروة بن الزبير قال: قلت لعائشة ما الصفا والمروة؟ قالت: قول الله:
﴿إنّ الصّفا والمروة من شعائر الله﴾ الآية، والله ما على أحد جناح ألاّ يطوف بين الصفا
والمروة فقالت: عائشة ليس ما قلت يا ابن اختي إن هذه لو كانت على ما أولّها ما كان عليه
جناح أن لا يطوف بهما، ولكنّها إنّما نزلت في الأنصار وذلك وأنهم كانوا قبل أن يسلموا
يصلون لمناة الطاغية وهي صنم من مكّة والمدينة بالمشلل، وكان من أهل لها تخرّج أن يطوف
بين الصفا والمروة. فلمّا أسلموا سألهم رسول الله وَّر عن ذلك. فقالوا: يا رسول الله إنّا كنا
لا نطوف بين الصّفا والمروة لأنّما صنمان. فهل علينا حرج أن نطوف بهما؟
فأنزل الله تعالى هذه الآية. ثمّ قالت عائشة (رضي الله عنها) قد سنّ رسول الله وَال
الطواف بينهما. فليس لأحد تركه.
قال الزّهري: قد ذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرّحمن بن الحرث بن هشام.
فقال: هذا العلم.
وقال مقاتل بن حيّان: إنّ النّاس كانوا قد تركوا الطّواف بين الصفا والمروة، غير الحمس
وهم قريش وكنانة وخزاعة وعامر بن صعصعة سموا حمساً لتشددّهم في دينهم والحماسة
الشجاعة والصّلابة، فسألت الحمس رسول الله وَل عن السعي بين الصفا والمروة أمن شعائر
الله أم لا؟، فإنّه لا يطوف بهما غيرنا فنزلت هذه الآية.
واختلف العلماء في هذه الآية فقال الشافعي ومالك: الطواف بين الصفا والمروة فرض
واحد ومن تركه لزمه القضاء والاعادة فلا تجزية فدية ولا شيء إلاّ العود إلى مكّة والطواف
بينهما كما لا يجزي تارك طواف الافاضة إلاّ قضاؤه بعينه.
وقالا: هما طوافان واجبان أمر بهما أحدهما بالبيت والأخر بين الصفا والمروة وحكمها
واحد .
وقال الثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمّد: إن عاد تارك الطواف بينهما لقضائه فحسن
وان لم يعد فعليه دم ورأوا أنّ حكم الطواف منهما حكم رمي بعض الجمرات والوقوف بالمعشر
وطواف الصدر وما أشبه ذلك ممّا يجزي تاركه بتركه فدية ولا يلزمه العود لقضائه بعينه .
وقال أنس بن مالك وعبدالله بن الزّبير ومجاهد وعطاء: الطواف بهما تطوّع إن فعله فاعل
يكن محسناً، وإن تركه تارك لم يلزمه بتركه شيء، واحتج من لم يوجب السّعي والطواف بينهما
(١) تفسير الطبري: ٢ / ٦٥.

٢٨
الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي
بقراءة ابن عبّاس وأنس وشهر بن حوشب وابن سيرين: فلا جُناح عليه أن لا يطوف بهما بإثبات
لا، وكذلك هو في مصحف عبدالله والجواب عنه أن (لا): زيادة صلة كقوله ﴿ما منعك ألاّ
تسجد﴾(١)، وكقوله ﴿أنّهم لا يرجعون﴾(٢)، و﴿لا أقسم﴾(٣)، وقال الشاعر:
لمّا رأين الشمط القفندرا
فلا ألوم البيض آلآ تسخرا
فأركان رسم المصحف كذلك لم يكن فيه [تمجّح] حجة مع احتمال الكلام ما وصفناه
فكيف وهو خلاف رسوم الشّيخ الإمام ومصاحف الإسلام.
ثمّ الدليل على إنّ السّعي بينهما واجب وعلى تاركه أعادة الحج ناسياً تركه أو عامداً بظاهر
الأخبار. إنّ رسول الله وَ ل# فعل ذلك وأمر به.
روى جعفر بن محمّد عن أبيه عن جابر قال: لما دنا رسول الله وَلّر من الصّفا في حجّته
قال: ((إنّ الصفا والمروة من شعائر الله إبدءوا بما بدء الله به فبدأ بالصّفا فرقى عليه حتّى رأى
البيت ثمّ مشى حتّى إذا تصوّبت قدماه في الوادي سعى)) [١٤].
وروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: لعمري ما حجّ من لم يسع بين الصفا
والمروة، مفروض في كتاب الله والسنّة، قال الله تعالى: ﴿إنّ الصّفا والمروة من شعائر الله﴾.
وقال رسول الله وَلقه: ((يا أيّها النّاس كتب عليكم السّعي فاسعوا)) [١٥].
قال كليب: رأى ابن عبّاس قوماً يطوفون بين الصفا والمروة فقال: هذا ما أورثتكم أمّكم
أمّ إسماعيل إنطلقت حين عطش إبنها وجاع فوجدت الصفا أقرب جبل إلى الأرض فقامت عليه
ثمّ استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فلم تر أحداً فهبطت من الوادي، ورفعت طرف درعها ثمّ
سعت سعي الأنسان المجهود حتّى جاوزت الوادي ثمّ أتت المروة وقامت عليها تنظر هل ترى
أحداً فلم تر أحداً ففعلت ذلك سبع مرّات.
وقال محمّد: حجّ موسى وَ ل# على جبل أحمر وعليه عبائتان قطرانيتان فطاف بالبيت ثمّ
صعد الصّفا ودعا ثمّ هبط إلى السعي وهو ملبّي فقال: لبيك اللهم لبيك، فقال الله عزّ وجلّ لبّك
عبدي وأنا معك، فخرّ موسى ساجداً .
﴿ومن تطوع خيراً﴾ قرأ حمزة والكسائي تطوّع بالتّاء وتشديد الطّاء وجزم العين وكذلك
التاء في بمعنى يتطوع واختاره أبو عبيد وأبو حاتم اعتباراً بقراءة عبدالله ومن تطوع بالتّاء.
وقرأ الباقون: تطوّع بالتاء وضعف العين على المضي.
(١) سورة الأعراف: ١٢ .
(٣) سورة القيامة: ٢٠١، سورة البلد: ١.
(٢) سورة الأنبياء: ٩٥.

٢٩
سورة البقرة، الآيات: ١٥٨ - ١٦٢
قال مجاهد: فمن تطوّع بالطواف بالصّفا والمروة، وقال: تطوّع رسول الله وَل وكان من
النبيينّ .
وقال مقاتل والكلبي: ومن تطوّع خير زاد في الطواف ففيه الواجب.
وقال ابن زيد: ومن تطوّع خيراً فاعتمر، والحج فريضة والعمرة تطوّع.
وقيل: فمن تطوّع بالحج والعمرة بعد قضاء حجته الواجبة عليه.
وقال الحسن وغيره: ومن تطوّع خيراً يعني به للدّين كلّه. أيّ فعل غير المفترض عليه من
طواف وصلاة وزكاة أو نوع من أنواع الطّاعات كلّها .
﴿فإنّ الله شاكر﴾ مجاز بعمله.
﴿عليم﴾ بنيّة من يشكر اليسير ويعطي الكثير ويغفر الكبير وأصل الشكر من قول العرب:
دابّة شكور إذا كان يظهر عليها من السمن فوق ما يعلف.
﴿إنّ الّذين يكتمون ما أنزلنا من البيّنات﴾ يعني الرجم والحدود والأحكام والحلال
والحرام.
﴿والهُدى﴾ يعني وأمر محمّد ◌َُّ ونعته.
﴿من بعد ما بينّاه للنّاس﴾ لبني إسرائيل.
﴿في الكتاب﴾ في التّوراة نزلت في علماء اليهود ورؤسائهم كتموا صفة محمّدٍ وَّل وآية
الرجم .
﴿أولئك يلعنهم الله﴾ أصل اللّعن في اللغة الطّرد ولعن الله إبليس بطرده إيّاه حين قال له:
﴿فاخرج منها فإنّك رجيم﴾(١) .
قال الشّماخ: وذكر ما ورده:
ذعرت به القطا وبقيت فيه مقام الذّئب كالرّجل اللّعين
وقال النابغة :
نفاه النّاس أو أدنف طعين
فبتّ كانّني خرج العين
فمعنى قولنا: لعنه الله: أي طرده وأبعده وأصل اللّعنة ما ذكرنا ثمّ كثر ذلك حتّى صار
قولاً .
(١) سورة الحجر: ٣٤، وسورة ص: ٧٧.

٣٠
الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي
﴿ويلعنهم اللّعنون﴾ أي يسألون الله أن يلعنهم ويقولون: اللّهمّ إلعنهم واختلف المفسّرون
في هؤلاء اللّعنين.
قال قتادة: هم الملائكة.
عطاء: الجنّ والأنس.
الحسن: عباد الله أجمعون.
ابن عبّاس: كلّ شيء إلاّ الجنّ والأنس.
الضحّاك: إن الكافر إذا وضع في حفرته قيل له من ربّك؟ ومن نبيّك؟ وما دينك؟ فيقول:
لا أدري. فيقول له: لا دريت، ثمّ يضربه ضربة بمطرق فيصيح صيحة يسمعها كلّ شيء إلاّ
الثقلان الأنس والجنّ فلا يسمع صوته شيء إلاّ لعنه فذلك قوله ﴿ويعلنهم اللّعنون﴾.
البراء بن عازب: إنّ الكافر إذا وضع في قبره أتته دابّة كأنّ عينيها قدران من نحاس معها
عمود من حديد فتضربه ضربة بين كتفيه فيصيح فلا يسمع أحد صوته إلاّ لعنه ولا يبقى شيء إلاّ
سمع صوته غير الثقلين.
ابن مسعود: هو الرّجل يلعن صاحبه فترتفع اللّعنة في السماء ثمّ تنحدر فلا تجد صاحبها
الّذي قيلت له أهلاً لذلك فترجع إلى الّذي يحكم بها فلا تجده لها أهلاً فتنطلق فتقع على اليهود
فهو قوله عزّ وجلّ ﴿ويلعنهم اللّعنون﴾. فمن تاب منهم ارتفعت اللّعنة عنه وكانت فيمن لقي من
اليهود .
مجاهد: اللّعنون البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا أسنت السنّة وامسك المطر قالت: هذا
بشؤم ذنوب بني آدم.
عكرمة: دوّاب الأرض وهوامّها حتّى الخنافس والعقارب يقولون منعنا القطر بذنوب بني
آدم وإنّما قال لهذه الأشياء اللاّعنون ولم يقل اللاعنات؛ لأن من شأن العرب إذا وصفت شيئاً
من الجمادات والبهائم. وغيرها سوى النّاس بما هو صفة للنّاس من فعل أو قول لن يخرجوه
على مذهب بني آدم وجمعهم كقولهم ﴿والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين﴾(١) ولم يقل
ساجدات، وقوله للأصنام ﴿بل فعله كبيرهم فأسئلوهم إن كانوا ينطقون﴾(٢)، وقوله ﴿يا أيها
النّمل ادخلوا مساكنكم﴾(٣)، وقوله ﴿وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا﴾(٤) الآية ثمَّ استثنى
فقال :
(١) سورة يوسف: ٤.
(٢) سورة الأنبياء: ٦٣ .
(٣) سورة النمل: ١٨.
(٤) سورة فُصّلت: ٢١.

٣١
سورة البقرة، الآيتان: ١٦٣ - ١٦٤
﴿إلاّ الّذين تابوا﴾ من الكفر.
﴿وأصلحوا﴾ الأعمال فيما بينهم وبين ربّهم.
﴿وبيّنوا﴾ صفة محمّد نٍَّ وآية الرجم.
﴿فأولئك أتوب عليهم﴾ أتجاوز عنهم وأقبل توبتهم.
﴿وأنا التّواب﴾ الرجّاع بقلوب عبادي المنصرفة عني.
﴿الرّحيم﴾ بهم بعد إقبالهم عليّ. ﴿إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار) واو حال.
﴿أولئك عليهم لعنة الله والملائكة﴾ أي ولعنة الملائكة.
﴿والنّاس أجمعين﴾ قتادة والربيع: يعني النّاس أجمعين: المؤمنين.
أبو العالية: هذا يوم القيامة يوقّف الكافر فيلعنه الله عزّ وجلّ ثمّ تلعنه الملائكة ثمّ يلعنه
النّاس أجمعين .
السّدي: لا يتلاعن اثنان مؤمنان ولا كافران فيقول أحدهما لعن الله الظالم إلاّ وجبت تلك
اللعنة على الكافر لإنّه ظالم فكل أحد من الخلق يلعنه.
﴿خالدين فيها﴾ مقيمين في اللعنة والنّار.
﴿لا يخفف﴾ لا يرفّه عنهم العذاب.
﴿ولا هم ينظرون﴾ يمهلون ويؤجلون.
وقال أبو العالية، لا ينظرون: فيعذرون كقوله: ﴿هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم
فيعتذرون﴾(١).
وَإِلَّهُكُمْ إِلَهٌ وَجِدٌ لََّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِمُ (١٦) إِنَّ فِىِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتَلَفِ
الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِى تَخْرِى فِى الْبَعْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَقَّلَ اللَّهُ مِنَ الشَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَنْيَا بِهِ
الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتَهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَّةٍ وَنَصْرِيفِ الرِّيَجِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ الشََّمَاءِ وَالْأَرْضِ
لَأَيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (َ
﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلاّ هو الرحمن الرّحيم﴾ الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس:
نزلت في كفّار قريش قالوا: يا محمّد صف وأنسب لنا ربّك فأنزل الله تعالى سورة الاخلاص
وهذه الآية .
(١) سورة المرسلات: ٣٦.

٣٢
الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي
جويبر عن الضحّاك عن ابن عبّاس قال: كان للمشركين في الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً
يعبدون من دون الله إفكاً وشرّاً فبيّن الله تعالى لهم إنّه واحد فأنزل: ﴿وإلهكم إله واحد لا إله
إلاّ هو الرحمن الرحيم﴾.
سعيد عن أبي الضحى: قال: لمّا نزلت هذه الآية عجب المشركون وقالوا: إنّ محمّداً
يقول الهكم إله واحد فليأتنا بآية إن كان من الصّادقين فأنزل الله تعالى: ﴿إنّ في خلق السموات
والأرض واختلاف الليل والنّهار﴾ أي تعاقبهما في الذهاب والمجيء والاختلاف: الإفتعال من
خلف يخلف خلوفاً يعني إنّ كل واحد منهما إذا ذهب أحدهما جاء آخر خلافه أي: بعده، نظير
قوله: ﴿وهو الّذي جعل النّهار خلفةً﴾(١).
عطاء وابن كيسان: أراد في اختلاف الليل والنّهار في اللّون والطول والقصر والنّور
والظلمة والزيادة والنقصان يكون أحدهما على الآخر، والليل جمع ليلة مثل تمرة وتمر ونحلة
ونحل، واللّيالي جمع الجمع والنّهار واحد وجمعه نُهر. قال الشّاعر:
لولا الشّريدان ملكنا بالضّمرِ
تريد ليل وثريد بالنّهر (٢)
وقدّم الليل على النّهار بالذكر لإنّه الأصل والأقدام قال الله تعالى: ﴿وآية لهم اللّيل نسلخ
منه النّهار﴾(٣). خلق الله تعالى الأرض مظلمة ثمّ خلق الشمس والقمر وهذا كتقديمه الصّوامع
والبيع والصلوات على المساجد.
﴿والفلك الّتي تجري في البحر﴾ يعني السفن واحدة وجمعه سواء قال الله تعالى: ﴿وإن
يونس لمن المرسلين إذ أبِقَ إلى الفلك المشحون﴾.
وقال في الجمع: ﴿حتّى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيّة﴾ يذكّر ويؤنّث قال الله
تعالى: ﴿الفلك المشحون﴾ وقال في التأنيث ﴿الفلك الّتي تجري في البحر﴾ فالتذكير على الفظ
الواحد والتأنيث على معنى الجمع.
﴿بما ينفع النّاس﴾ يعني ركوبها والحمل عليها في التجارات والمكاسب وانواع المطلب.
﴿وما أنزل الله من السّماء من ماء﴾ يعني المطر.
﴿فأحيينا به الأرض بعد موتها﴾ بعد يبوستها وجدوبتها .
﴿وبث﴾ نشر وفرّق.
﴿فيها من كلّ دابّة وتصريف الرياح﴾ أي يقلّبها قبولاً ودبوراً وشمالاً وجنوباً.
(١) سورة الفرقان: ٦٢.
(٣) سورة يس: ٣٧.
(٢) مجمع البيان: ٤٤٨/١.

٣٣
سورة البقرة، الآيتان: ١٦٣ - ١٦٤
وقيل: تصريفيها مرّة بالرحمة ومرّة بالعذاب.
وقرأ حمزة والأعمش والكسائي وخلف: الرّيح بغير ألف على الواحد وقرأ الباقون:
الرّياح بالجمع.
قال ابن عبّاس: الرّياح للرحمة والريح للعذاب، وعن النبيّ وَّل: إذا هاجت الريح يقول:
((اللّهمّ اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً)) [١٦](١).
والرّيح يذكر ويؤنث.
﴿والسّحاب المسخّر﴾ أي الغيم المذلّل ﴿بين السماء والأرضِ﴾ سمّي سحاباً لأنّه يسحب
أي يسير في سرعته كأنّه يسحب: أي يجرّ.
﴿لآيات﴾ دلالات وعلامات.
﴿لقوم يعقلون﴾ فيعلمون إنّ لهذه الأشياء خالقاً وصانعاً.
قال رسول الله ◌َ﴾: ((ويل لمن قرأ هذه الآية فمجّ بها)) [١٧](٢). أي لم يتفكّر فيها ولم
يعتبر بها .
﴿ومن النّاس من يتّخذ من دون الله أنداداً يحبّونهم﴾ يعني الأصنام المعبودة من دون الله
قال أكثر المفسّرين.
وقال السّدي: ساداتهم وقاداتم الّذين كانوا يطيعونهم في معصية الله فيحبّونهم ﴿كحبّ
الله﴾ أي كحبّ المؤمنين الله، وهذا كما يقال: بعت غلامي كبيع غلامك يعني: كبيعك
غلامك.
وأنشد الفرّاء:
ولستُ مسلّماً ما دمت حيّاً على زيد كتسليم الأمير(٣)
أي كتسليمي على الأمير هذا قول أكثر العلماء، وقال ابن كيسان والزجّاج: تقدير الآية:
يحبّونهم كحبّهم الله يعني أنّهم يسووّن بين هذه الأصنام وبين الله في المحبّة ثمّ قال:
﴿والّذين آمنوا أشدّ حبّاً لله﴾ قال ابن عبّاس: أثبت وأدوم وذلك إن المشركين كانوا
يعبدون صنماً فإذا رأوا شيئاً أحسن منه تركوا ذلك الوثن وأقبلوا على عبادة الأحسن.
عكرمة: أشدّ حبّاً في الآخرة.
(١) الفائق في غريب الحديث للزمخشري: ٦٥/٢، وتاج العروس: ١٤٨:٢.
(٢) تفسير القرطبي: ٢٠١/٢، وتاج العروس: ٢/ ٩٧.
(٣) مجمع البيان: ٤٦٣/١.

٣٤
الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي
قتادة: إنّ الكافر يعرض عن معبوده في وقت البلاء ويقبل على الله عزّ وجلّ لقوله: ﴿فإذا
ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدّين﴾(١).
قوله تعالى: ﴿وإذا مسّكم الضّرّ في البحر ضلّ من تدعون إلاّ إيّاه﴾(٢).
والمؤمن لا يعرض عن الله في الضّراء والسرّاء والرّخاء والبلاء ولا يختار عليه سواه.
الحسن: إنّ الكافرين عبدوا الله بالواسطة وذلك قولهم للأصنام: ﴿هؤلاء شفعاؤنا عند
الله﴾(٣).
وقوله: ﴿وما نعبدهم إلّ ليقرّبونا إلى الله زلفى﴾ (٤).
والمؤمنون يعبدونه بلا واسطة ولذلك قال عزّ من قائل: ﴿والّذين آمنوا أشدّ حباً لله﴾.
سعيد بن جبير: إنّ الله يأمر يوم القيامة من أحرف نفسه في الدّنيا على رؤية الأصنام أن
يدخلوا جهنّم مع أصنامهم فيأتون لعلمهم إنّ عذاب جهنم على الدّوام ثمّ يقول للمؤمنين بين
أيدي الكافرين: إنّ كنتم أحبّائي لا تحبّون النّار فينادي مناد من تحت العرش ﴿والّذين آمنوا أشدّ
حبّاً لله﴾ .
وقيل: لأنّ حبّ المشركين لأوثانهم مشترك لأنّهم يحبّون الأنداد الكثيرة وحبّ المؤمنين
لربّهم غير مشترك لأنّهم يحبّون ربّاً واحداً، وقيل: لأنّ حبّهم هوائي وحبّ المؤمنين عقلي.
وقيل إنّ حبّهم للأصنام بالتقليد وحبّ المؤمنين لله تعالى بالدّليل والتمييز.
وقيل: لأنّ الكافرين يرون معبودهم ومصنوعهم والمؤمنون يرون الله تعالى صانعهم،
وقيل: لأنّ المشركين أحبّوا الأصنام وعاينوها والمؤمنون يحبّون الله ولم يعاينوه بل آمنوا بالغيب
في الغيب للغيب.
وقيل: إنّما قال ﴿والّذين آمنوا أشد حبّاً لله﴾ لأنّ الله أحبّهم أوّلاً ثمّ أحبّوه ومن شهد له
المعبود بالمحبّة كان محبّته أتم وأصح.
قال الله تعالى: ﴿يحبّهم ويحبّونه﴾(٥) .
وقرأ أبو رجاء العطاردي: يحبونهم بفتح الياء وهي لغة يقال: حببت الرجل فهو محبوب
(١) سورة العنكبوت: ٦٥.
(٢)
سورة الاسراء : ٦٧ .
(٣)
سورة يونس: ١٨.
سورة الزمر: ٣.
(٤)
سورة المائدة: ٥٤ .
(٥)
F

٣٥
سورة البقرة، الآيات: ١٦٥ - ١٧١
قال الفرّاء أنشدني أبو تراب:
أحببت لحبّها سواد الكلاب
أحبّ لحَبّهَا السّوادنَ حتّى
﴿ولو يرى الّذين ظلموا﴾ قرأ أبو عبد الرحمن وأبو رجاء والحسن وأبو جعفر وشيبه ونافع
وقتادة والأعرج وعمرو بن ميمون وسلام ويعقوب وأيّوب وابن عبّاس ولوترى بالتّاء: أي تبصر يا
محمّد وقرأ الباقون بالياء.
فمن قرأ بالتّاء فهو خطاب للنبيّ ◌َّ والجواب محذوف تقديرها ولو ترى: أي تبصر يا
محمّد الّذين ظلموا: أشركوا .
﴿إذا يرون العذاب﴾ لرأيت أمراً عظيماً ولعلمت ما يصيرون إليه أو لتعجّبت منه، ومن قرأ
بالياء فمعناه: ولوترى الّذين ظلموا أنفسهم عند رؤية العذاب لعلموا ﴿أنّ القوّة لله جميعاً﴾ أو
لآمنوا أو لعلموا مضرّة الكفر ونظير هذه الآية من المحذوف الجواب قوله تعالى: ﴿ولو أنّ قرآناً
سيّرت به الجبال﴾(١) الآية: يعني لكان هذا القرآن وهو كما يقول: لو رأيت فلاناً والسّياط
تأخذه. فتستغني عن الجواب؛ لأنّ المعنى مفهوم ﴿إِذ يرون العذاب﴾.
وقرأ أبو البرخثم وابن عامر: يُرون بضم الياء على التعدي (٢)، وقرأ الآخرون بفتحها على
اللزوم :.
﴿إنّ القوّة لله جميعاً﴾ قرأ الحسن وقتادة وأبو جعفر وشيبة وسلام ويعقوب: (إنّ القوّة وإن
الله) بكسر الألف فيهما على الأستئناف. والكلام تام عند قوله ﴿يرون العذاب﴾ مع أضمار
الجواب، كما ذكرنا .
وقرأ الباقون: بفتحها على معنى بانّ القوّة وبانّ الله، وقيل: معناه ليروا أنّ القوّة لله . أي
لأيقنوا وعاينوا .
قال عطاء: ولو يرى الذيّن ظلموا يوم القيامة إذ يرون العذاب حين تخرج إليهم جهنم من
مسيرة خمسمائة عام لتلتقطهم كما يلتقط الحمام الحبّة؛ لعلموا أنّ القوّة والقدرة والملكوت
والجبروت لله جميعاً .
﴿وأنّ الله شديد العذاب﴾.
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّا لِلَّهُ وَلَوْ
(١٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أَنْبِعُواْ
يَرَى الَّذِينَ ظَلَهُوَاْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةٌ لِلَّهِ مَجَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ.
(١) سورة الرعد: ٣١.
(٢) راجع تفسير القرطبي: ٢ / ٢٠٥ ونسبه لابن عمر وحده.

٣٦
الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي
مِنَ الَّذِينَ أَتَُّواْ وَرَأَوَأ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الْأَسْبَابُ ﴿١٠) وَقَالَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَزَّةُ فَنَتَبَرَّأَ
مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّهُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيِهِمُ اللَّهُ أَعْمَلَهُمْ حَسَرَّاتٍ عَلَيْهِمٌّ وَمَا هُم بِخَرِينَ مِنَ النَّارِ (٦) يَتَأَيُّهَا
النَّاسُ كُلُواْ مِمَا فِى الْأَرْضِ حَلا ◌َيِّبًا وَلَا تَغَِّعُواْ خُلُوَاتِ الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينُ (١٧) إِنَّمَا يَأْمُرُّكُمْ
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أَتَّبِعُواْ مَا أَنَّلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَّأَ
بِالسُّوءِ وَاَلْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ (َّ
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ
١٢٧٠
أَلْفَنَا عَلَيْهِ ءَابَّاءَنَأْ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَا ؤُهُمْ لَا يَمْعِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (
الَّذِى يَنْعِقُ بِمَّا لَا يَسْمَعُ إِلَّ دُعَهُ وَبِدَاءُ مُّمْ ثُكْمَ عَُىٌّ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ
﴿إِذ تبرأ الّذين اتُبعِوا من الّذين اتّبعوا﴾ قرأ مجاهد: بتقديم الفاعل على المفعول.
وقرأ الباقون: بالضدّ، والمتبوعون هم الجبابرة والقادة في الشرك والشّر، والتابعون هم
الأتباع والضّعفاء والسفلة قالهُ أكثر أهل التفسيرِ.
السّدي: هم الشّاطين يتبرأون من الأنس.
وتقطّعت بهم﴾ أي عنهم، والباء بمعنى عن.
﴿الأسباب﴾ قال إبن عبّاس ومجاهد وقتادة: يعني المودّة والوصلة التي صارت بينهم في
الدُّنيا، أو صارت مخالفتهم عداوة.
ربيع: يعني بالأسباب. المنازل التي كانت لهم من أهل الدُّنيا، ابن جُريح والكلبي: يعني
الأنساب والأرحام كقوله تعالى ﴿فلا أنساب بينهم يومئذ﴾(١).
السّدي: يعني الأعمال التي كانوا يعملونها في الدُّنيا. بيانه قوله ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من
عمل فجعلناه هباءاً منثوراً﴾(٢) وقوله ﴿والّذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله أضلّ أعمالهم﴾(٣).
فأهل التقوى أعطوا الأسباب أعمال وثيقة فيأخذون بها وينجون، الآخرون يعطون أسباب
أعمالهم الخبيثة فتنقطع بهم أعمالهم فيذهبون إلى النّار.
أبو روق: العهود التي كانت بينهم في الدنيا، وأصل السّبب كلّ شيء يتوصل به إلى شيء
من ذريعة أو قرابة أو مودّة، ومنه قيل للجهاد: سبب وللطريق سبب وللسلّم سبب. قال زهير:
ومن هاب أسباب المنايا ظلتهُ
لو رام أن يرقى السّماء بسلّم
﴿وقال الّذين اتبعوا﴾ يعني الأتباع.
(١) سورة المؤمنون: ١٠١.
(٢) سورة الفرقان: ٢٣.
(٣) سورة محمد *: ١.

٣٧
سورة البقرة، الآيات: ١٧٢ - ١٧٦
﴿ولو أنّ لنّا كرة﴾ رجعة إلى الدُّنيا.
﴿فتتبرأ منهم﴾ أي من المتبوعين.
:
﴿كما تبرأوا منّا﴾ اليوم. أجاب للتمني بالفعل.
قال الله عزّ وجلّ ﴿كذلك﴾ أي كما اراهم العذاب كذلك.
﴿يُريهم الله﴾ وقيل: ليتبرأوا بعضهم من بعضهم يريهم الله ﴿أعمالهم حسرات﴾ ندامات.
﴿عليهم﴾ قيل: اراد أعمالهم الصّالحة التي ضيعوها .
قال السّدي: ترفع لهم الجنّة فينظرون إليها وإلى بيوتهم فسألوا قيل: أراد أعمالهم لو
أطاعوا الله فيقال لهم: تلك مساكنكم لو أطعتم الله. ثمّ تقسم بين المؤمنين فيرثوهم فذلك حين
یندمون .
ربيع: أراد به أعمالهم السّيئة لمّ عملوها وهلاً عملوا بغيرها ممّا يرضي الله تعالى.
ابن كيسان: إنّهم اشركوا بالله الأوثان رجاء أن يُقربّهم إلى الله فلمّا عذّبوا على ما كانوا
يرجون ثوابه تحسّروا وندموا والحسرات جمع حسرة وكذلك كلّ إسم كان واحدة على فعله
مفتوح الأوّل ساكن الثاني فإنّ جمعه على فعلات مثل ثمرة وثمرات وشهوة وشهوات فأمّا إذا
كان نعتاً فانّك تسكّن ثانية مثل ضخمه وضخمات وعيلة وعيلات وكذلك ما كان من الأسماء
مكسور الأوّل مثل نعمة وسدرة.
﴿وما هم بخارجين من النّار﴾.
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُوا مِن طَيَِّتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَأَشْكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
(١٧٢
إنَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَسْتَّةَ وَالذَّمَ وَلَحْمَ الْخِنِيِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ أَضْعُرَّ غَيْرَ بَاعٍ وَلَا عَادِ
فَلَ إِنْمَ عَلَّهُ إِنَّ اَللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمُ (١٧) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُونَ مَآ أَنْزِّلَ اللَّهُ مِنَ الْحِكْتَبِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ.
ثَنَا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّ النَّارَ وَلَا يُكُلُِّهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَئِمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمُ (١٧) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَشْتَرَوَأْ اَلْمَّلََّلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةُ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَبَ بِالْحَقُّ وَإِنَّ الَّذِينَ أَخْتَلَفُواْ فِ اَلْكِتَبِ لِى شِقَاقٍ يَعِيدٍ
١٢٧٥
﴿يا أيّها النّاس كلوا ممّا في الأرض حلالاً طيّباً﴾ نزلت في ثقيف وخزاعة وعامر بن
صعصعة وبني مدلج فبما حرّموا على أنفسهم من الحرث والأنعام والبحيرة والسائبة والوصيلة
والحام فقال: ﴿كلوا ممّا في الأرض﴾ دخل للتبعيض لانّه ليس كلّ ما في الأرض يمكن أكلّه أو
يحلّ أكلّه ﴿حلالاً طيّباً﴾ طاهراً وهما منصوبان على الحال.

٣٨
الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي
وقيل: على المفعول تقديره: كلوا حلالاً طيّباً كما في الأرض.
﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾ قرأ شيبه ونافع وعاصم والأعمش وحمزة خطوات:
بسكون الطّاء في جميع القرآن وهي أكثر الروايات عن أبي عمرو . .
وقرأ أبو جعفر وأبو مجلن وأبو عمرو في بعض الروايات والزهري وابن عامر والكسائي:
بضم الخاء والطّاء.
وقرأ علي وعمرو بن ميمون وسلام: بضم الخاء والطّاء وهمزة بعد الطّاء.
وقرأ أبو السّماك العدوي وعبيد بن عمير: خطوات بفتح الخاء والطاء فمن خفّف فإنّه أبقاه
على الأصل، وطلب الخفّة لانّها جمع خطوة ساكنة الطاء، ومن ضم الطاء فيه أتبعها ضمة
الخاء، وكل ما كان من الأسماء وزن فعله فجمع على التاء فإنّ الأغلب والأكثر في جمعه التثقيل
وتحريك من الفعل بالحركة التي في فاء الفعل في الواحد مثل ظلمة وظلمات، وقربة وقربات،
وحجرة وحجرات، وقد يخفف أيضاً.
ومن ضمّ الخاء والطاء مع الهمز.
فقال الأخفش: أراد ذهب بها مذهب الخطيئة فجعل ذلك على مثال خطه من الخطأ .
وقال ابو حاتم: أرادوا إشباع الضمّة في الواو فانقلبت همزة وهذا شائع في كلّ واو
مضمومة ومن نصب الخاء والطّاء فانّه أراد جمع خطوة مثل تمرة وتمرات واختلفوا في معنى قوله
﴿خطوات الشيطان﴾ فروى علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس: خطوات الشيطان: عمله.
مجاهد وقتادة والضّحاك: خطاياه.
السّدي والكلبي: طاعته.
عطاء عن ابن عبّاس: زلاته وشهواته.
أبو مجلن: هي البذور في المعاصي.
المورّج: آثاره.
أبو عبيد: هي المحقّرات من الذنوب.
القتيبي والزجاج: طرقه.
والخطوة ما بين القدمين، والخطوة بالفتح الفعلة الواحدة من قول القائل: خطوت خطوة
(١).
واحدةُ
(١) تفسير الطبري: ٢ / ١٠٥.
۔۔

٣٩
سورة البقرة، الآيات: ١٧٢ - ١٧٦
﴿إنّه لكم عدوّ مبين﴾ بيّن العداوة، وقيل: مظهر العداوة، قد أبان عداوته لكم بابائه
السّجود لأبيكم آدم علّ وغروره إياه حين أخرجه من الجنّة، وأبان: يكون لازماً ومتعدياً، ثمّ
بيّن عداوته فقال ﴿إنّما يأمركم بالسّوء﴾(١): يعني الأثمّ، وأصل السّوء كل ما يسوء صاحبه، وهو
مصدر: ساءه - يسوءه - سوءاً ومساءة إذا حزنه وسوءه شيء أي حزنته فحزن. قال الله تعالى
﴿فلما رأوه زُلفةً سيئت وجوه الذين كفروا﴾(٢). قال الشاعر:
فطالما قد سرّني الدهر
إنّ يك هذا الدّهر قدِ ساءني
لذلك صبرُ ولذا شكرُ
الأمر عندي فيهما واحد
﴿والفحشاء﴾ يعني المعاصي، وما قبح من القول والفعل وهو مصدر كالبأساء والضّراء
واللاواء، ويجوز أن يكون نعتاً لا فعل لهُ كالعذراء والحسناء، وقال متمم بن نويرة.
لا يضمر للحشاتحت ثيابه خُلق شمائله عفيف المبرر
واختلف المفسرون في معنى الفحشاء المذكور في هذه الآية.
روى باذان عن ابن عبّاس قال: الفحشاء كلّ ما فيه حدّ في الدُّنيا من المعاصي فيكون من
القول والفعل، والسّوء من الذنوب ما لا حدّ فيه.
طاووس: عنه فهو ما لا يُعرف في شريعة ولا سنّة.
عطاء عنه: البخل. السّدي: الزّنا.
وزعم مقاتل إنّ جميع ما في القرآن من ذكر الفحشاء فإنّه الزّنا إلاّ قوله ﴿الشّيطان يعدكم
الفقر ويأمركم بالفحشاء﴾ فإنّه منع الزّكاة.
﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾ من تحريم الحرث والأنعام.
﴿وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله﴾ اختلفوا في وجه هذه الآية، قال بعضهم: إنّها قصّة
مستأنفة وأنّها نزلت في اليهود على هذا القول تكون الهاء والميم في قوله: ﴿لهم﴾ كناية عن غير
مذکور .
وروى محمّد بن إسحاق بن يسار عن محمّد بن أبي محمّد مولى زيد بن ثابت عن سعيد بن
جبير أو عكرمة عن ابن عبّاس قال: دعا رسول الله وَل اليهود إلى الإسلام ورغبّهم فيه وحذّرهم
عذاب الله ونقمته فقال له نافع بن خارجة ومالك بن عوف ﴿قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءَنا﴾
فهم كانوا خيراً واعلم منّا فأنزل الله هذه الآية، وقال قوم: بل هذه الآية صلة بما قبلها وهي
(١) سورة البقرة: ١٦٩.
(٢) سورة الملك: ٢٧.

٤٠
الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي
نازلة في مشركي العرب وكفّار قريش واختلفوا فيه فقال الضّحاك عن ابن عبّاس: فإذا قيل لهم
إتبّعوا ما أنزل الله يعني كفّار قريش من بني عبد الدّار، قالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا من
عبادة الأصنام.
فقال الله ﴿أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً﴾ من التوحيد ومعرفه الرحمن ﴿ولا يهتدون﴾
للحجّة البالغة وعلى هذا القول تكون الهاء والميم عائدة على من في قوله ﴿ومن النّاس من يتّخذ
من دون الله أنداداً﴾ وقال الآخرون: إذا قيل لهم إتبّعوا ما أنزل الله في تحليل ما حرّموه على
أنفسهم من الحرث والأنعام والسائبة والوصيلة والبحيرة والحام وسائر الشرائع والأحكام ﴿قالوا
بل نتبع ما ألفينا﴾ وجدنا عليه آباؤنا من التحريم والتحليل والدّين والمنهاج وعلى هذا القول
تكون الهاء والميم راجعة إلى النّاس في قوله تعالى: ﴿يا أيّها النّاس كلوا ممّا في الأرض حلالاً
طيّباً﴾(١).
ويكون الرجوع عن الخطاب إلى الخبر، كقوله ﴿حتّى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح
طيّبة﴾(٢) وهذا أولى الأقاويل لأنّ هذه القصّة عقب قوله ﴿يا أيُّها النّاس﴾ فهو أولى أن يكون
خبراً عنهم من أن يكون خبراً عن المتخذين الأنداد بما فيهما من الآيات لطول الكلام.
وادغم علي بن حمزة الكسائي لام هل وبل في ثمانية أحرف التاء كقوله ﴿بل تؤثرون﴾(٣)
و﴿هل تعلم﴾(٤) والثاء كقوله ﴿هل ثُوّب﴾(٥)، والسين في قوله ﴿بل سوّلت لكم﴾(٦)، والزاي
كقوله ﴿بل زُيّن﴾(٧)، والضاد كقوله ﴿بل ضلّوا﴾(٨)، والظاء كقوله ﴿بل ظننتم﴾(٩) والطاء كقوله
﴿بل طبع الله﴾(١٠)، والنون نحو قوله ﴿بل نحن﴾(١١)، ﴿بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا﴾ وإنّما
خصّ به لام هل وبل دون سائر اللامات: لأنّها ساكنة بتاً، وسائر اللّمات ساكنة بعلل متى ما
زالت تلك العلل زال سكونها .
فقال الله ﴿أولو كان آباؤهم﴾ واو العطف، ويُقال أيضاً واو التعجب دخلت عليها ألف
الإستفهام للتوبيخ والتقرير؛ فلذلك نصبت، والمعنى يتبعون آباءهم وإن كانوا جهّالاً، وترك
جوابه لأنّه معروف.
قوله تعالى ﴿لا يعقلون شيئاً﴾ لفظ عام ومعناه الخصوص لأنّهم كانوا يعقلون أمر الدُّنيا
سورة البقرة: ١٦٨ .
(١)
(٢) سورة يونس: ٢٢.
(٣)
سورة الأعلى: ١٦ .
(٤)
سورة مريم: ٦٥.
سورة المطفّفين: ٣٦ .
(٥)
(٦) سورة يوسف: ١٨.
(٧) سورة الرعد: ٣٣.
(٨) سورة الأحقاف: ٢٨.
(٩) سورة الفتح: ١٢.
(١٠) سورة النساء: ١٥٥.
(١١) سورة الواقعة: ٦٧، سورة القلم: ٢٧.