النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
سورة البقرة، الآيات: ٧٤ - ٧٩
﴿ثمّ قست قلوبكم من بعد﴾ قال الكلبي: قالوا بعد ذلك لم نقتله، وأمكروا فلم يكونوا قط
أعمى قلباً ولا أشد تكذيباً لنبيّهم منهم عند ذلك قال الله: ﴿ثمّ قست قلوبكم﴾ الكلبي وأبو
روق: يبست واشتدت وقال سائق البربري :
والحبل في الجبل القاسي له أثر
ولا ارى أثراً للذكر في جسدي
أبو عبيدة: جفّت .
الواقدي: جفّت من الشّدة فلم تلن .
المؤرّخ: غلظت، وقيل: اسودّت.
قال الزجاج: تأويل القسوة ذهاب اللّين، [وقال سيبوية] والخشوع والخضوع.
﴿ذلك﴾ أي بعد ظهور الدلالات.
﴿فهي﴾ غلظها وشدتها .
﴿كالحجارة أو أشد قسوة﴾ أي بل أشد قسوة كقول الشاعر:
وصورتها أو أنت في العين أملح(١)
[بدت] مثل قرن الشمس في رونق الضحى
أي بل، وقيل: هو بمعنى الواو والألف صلة أي وأشد قسوة. كقوله تعالى ﴿أثماً أو
كفوراً﴾(٢) أيّ وكفوراً.
وقرأ أبو حياة: أو أشد قساوة، وقال الكسائي: القسوة والقساوة واحد كالشقوة والشّقاوة
ثمّ عذر الحجارة وفضلها على القلب القاسي فقال ﴿وإنّ من الحجارة لما يتفجّر منه الأنهار﴾
وقرأ مالك بن دينار ينفجر بالنون كقوله ﴿فانفجرت﴾(٣)، وفي مصحف أبي: منها الأنهار - ردّ
الكناية إلى الحجارة -.
﴿وأنّ منها لمّا يشقّق﴾ أي يتشقق هكذا قرأها الأعمش.
﴿فيخرج منه الماء وأنّ منها لما يهبط﴾ ينزل من أعلى الجبل إلى أسفله.
﴿من خشية الله﴾ عزّ وجلّ وقلوبكم يا معاشر اليهود لا تلين ولا تخشع ولا تأتي بخير.
﴿وما الله بغافل عمّا تعملون﴾ وعيد وتهديد أي بتارك عقوبة ما تعملون بل يجازيكم به .
﴿أفتطمعون﴾ أي فترجون يعني محمّد زَّ وأصحابه.
(١) مجمع البيان: ٢٨١/١.
(٢) سورة الإنسان: ٢٤.
(٣) سورة البقرة: ٦٠.

٢٢٢
الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي
﴿أن يؤمنوا لكم﴾ لن يصدّقكم اليهود.
﴿وقد كان فريق منهم﴾ طائفة منهم.
﴿يسمعون كلام الله﴾ يعني التوراة.
﴿ثّ يحرفونه﴾ أي يُغيرونه أي ما فيه من الأحكام.
﴿من بعد ما عقلوه﴾ علموه وفهموه كما غيّروا آية الرّجم وصفه محمّد ◌َّل.
﴿وهم يعلمون﴾ إنهم كاذبون - هذا قول مجاهد وقتادة وعكرمة ووهب والسّدي.
وقال ابن عبّاس ومقاتل: نزلت هذه الآية في السبعين المختارين؛ وذلك إنّهم لما ذهبوا مع
موسى إلى الميقات وسمعوا كلام الله وما يأمره وما ينهاه رجعوا إلى قومهم فأمّا الصّادقون فأدّوا
كما سمعوه وقالت طائفة منهم: سمعنا الله في آخر كلامه يقول: إنْ إستطعتم أن تفعلوا هذه
الأشياء فافعلوا فأن شئم فلا تفعلوا ولا بأس.
﴿وإذا لقوا﴾ قرأ ابن السُّميقع لاقوا: يعني منافقي اليهود.
﴿الذين آمنوا﴾ بألسنتهم لا بقلوبهم أبا بكر وأصحابه من المؤمنين.
﴿قالوا آمنًا﴾ كأيمانكم وشهدنا أنّ محمداً صادق نجده في كتابنا بنعته وصفته.
﴿وإذا خلا﴾ رجع بعضهم إلى بعض أي كعب بن الأشراف وكعب بن أسيد ووهب بن
يهودا وغيرهم من رؤساء اليهود ولامُوهم على ذلك و - ﴿قالوا أتحدثونهم بما فتح الله علیکم﴾
قال الكلبي: بما قضى الله عليكم في كتابكم أنّ محمّداً حق وقوله صدق، وقال القاضي الفتاح
الكسائي: بما بيّنه لكم في كتابكم [من العلم ببعث محمد والبشارة به].
الواقدي: بما أنزل الله في الدنيا والآخرة عليكم نظير ﴿لفتحنا عليهم بركات من السّماء
والأرض﴾(١) أي أنزلناه.
أبو عبيدة والأخفش: بما منّ الله عليكم وأعطاكم.
﴿ليحاجّوكم﴾ ليخاصموكم ويحتجوا بقولكم عليكم [يعني أصحاب محمد].
﴿به عند ربّكم﴾ وقال بعضهم: هو أنّ الرجل من المسلمين كلما يلقي قرينه وحليفه
وصديقه من اليهود فيسأله عن أمر محمّد ◌َّله فيقولون إنّه لحق [فيقولون قد أقررتم أنه نبي حق في
كتابكم ثمّ تتبعونه] وهو نبيّ. فيرجعون إلى رؤسائهم فيلومونهم على ذلك.
قال السّدي: كان ناس من اليهود آمنوا ثمّ نافقوا وكان يحدثون المؤمنين بما عُذبوا به -
(١) سورة الأعراف: ٩٦.

٢٢٣
سورة البقرة، الآيات: ٧٤ - ٧٩
فقال لهم رؤسائهم: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم أي أنزل من العذاب ليعُيروكم به ويقولوا:
نحن أكرم على الله منكم.
[ابن جرير عن] القاسم بن أبي برة: هذا قول يهود قريظة بعضهم لبعض حين سبّهم
النبيّ ◌َله: فقال: يا إخوان القردة والخنازير وعبدة الطاغوت، فقالوا: من أخبر محمّداً بهذا؟ ما
خرج هذا إلاّ منكم.
﴿أفلا تعقلون﴾ أفليس لكم ذهن الإنسانيّة.
قال الله ﴿أولا يعلمون أَنَّ الله يعلم ما يسرون وما يعلنون﴾ ما يخفون وما يبدون يعني
· اليهود، وقرأ ابن محيصن ((ما)) على الخطاب ﴿ومنهم﴾ من اليهود.
﴿أمّيّون﴾ قال ابن عبّاس وقتادة: يعني غير عارفين معاني الكتاب. يعلمونه حفظاً وقراءة
بلا فهم ولا يدرون ما فيه.
وقال الكلبي: لا يحسنون قراءة الكتاب ولا كتابته ودليل هذا التأويل قول النبيّ وَله: ((إنّا
أُمّة أُمّية لا نكتب ولا نحاسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا)) [٩١].
وقال أهل المعاني: الأُمّي منسوب إلى الأمة وما عليه العامة معنى الأُمي: العامي الذي لا
تمييز له، أو هو جمع أُمي منسوب إلى الأُم كأنّه باق على [الحقيقة] حذفت منه هاء التأنيث لأنّها
زائدة وياء النسبة زائدة، ونقلت فرقاً بينها وبين ياء الأضافة.
﴿لا يعلمون الكتاب إلاّ أمانيّ﴾ قرأ العامّة بتشديد الياء.
وقرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة والأعرج ﴿أماني﴾ بتخفيف الياء في كلّ القرآن حذفوا
إحدى اليائين استحفافاً وهي ياء الجمع مثل مفاتح ومفاتيح.
وقال أبو حاتم: كل جمع من هذا الجنس واحد مشدّد فلك فيه التّضعيف والتشديد مثل
فخاتي وأماني وأغاني وغيرها واختلفوا في معنى الأمانيّ، وقال الكلبي بمعنى لا يعلمون إلّ ما
تحدّهم بهم علماؤهم.
أبو روق وأبو عبيدة: تلاوة وقراءة على ظهر القلب ولا يقرؤنها في الكتب، يدلّ عليه قوله
تعالى: ﴿إلّ اذا تمنّى ألقى الشيطان في أمنيته﴾(١) وقرآنه.
قال الشاعر:
تمنّى كتاب الله أوّل ليلة وآخرها لاقى حمام المقادر
(١) سورة الحجّ: ٥٢.

٢٢٤
الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي
مجاهد وقتادة: كذباً وباطلاً.
الفرّاء: الأماني: الأحاديث المفتعلة.
قال بعض العرب لابن [دلب]: أهذا شيء رويته أم تمنيته؟
وأراد بأماني الأنبياء التّ كتبها علماؤهم من قبل أنفسهم ثمّ أضافوها إلى الله عزّ وجلّ من
تغییر نعت محمّد ێ .
الحسن وأبو العالية: يعني يتمنوّن على الله الباطل والكذب مثل قولهم ﴿لن تمسّنا النّار إلاّ
أيّاماً معدودة﴾(١) وقولهم: ﴿لن يدخل الجنّة إلّ من كان هوداً﴾(٢)، وقولهم ﴿نحن أبناء الله
(٣)
وأحباؤه﴾
﴿وإن هم﴾ ما هم. ﴿إلاّ يظنّون﴾ ظنّاً ووهماً لا حقيقة ويقيناً قاله قتادة والرّبيع.
وقال مجاهد: [ ... يكذبون].
﴿فويلٌ﴾ روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله بنّي قال: ((الويل واد في جهنّم يهوي فيه
الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ إلى قعره)) [٩٢].
سعيد بن المسيب: وادٍ في جهنّم لو سرت فيه جبال الدّنيا لماعت من شدّة حرّها .
ابن بريدة: جبل من قيح ودم.
ابن عبّاس: شدّة العذاب.
ابن كيسان: كلمة يقولها كلّ مکروب.
الزجّاج: كلمة يستغلّها كل واقع في الهلكة وأصلها العذاب والهلاك.
وقيل: هو دعاء الكفّار على أنفسهم بالويل والثّبور.
﴿اللّذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثمّ يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً﴾ وذلك
إنّ أحبار اليهود خافوا ذهاب ملكهم وزوال رئاستهم حين قدم النبيّ وَّر المدينة واحتالوا في
تعويق اليهود عن الإيمان به فعمدوا إلى صفته في التوّراة وكان صفته فيها حسن الوجه، حسن
الشعر، أكحل العين، ربعة فغيروها وكتبوا مكانها طويل أزرق، سبط الشعر. فإذا سألهم سفلتهم
عن محمّد ◌َلّ قرأوا عليهم ما كتبوا فيجدونه مخالفاً لصفة محمّد ◌ٍ فيكذبونه قال الله تعالى:
﴿فويل لهم ممّا كتبت أيديهم﴾ من تغيير نعت محمّد.
(١) سورة البقرة: ٨٠.
:
(٢) سورة البقرة: ١١١.
(٣) سورة المائدة: ١٨.

٢٢٥
سورة البقرة، الآيات: ٨٠ - ٨٤
﴿وويل لهم ممّا يكسبون﴾ من المأكول ولفظة الأيدي للتأكيد كقولهم مشيت برجلي ورأيت
بعيني. قال الله تعالى: ﴿ولا طائر يطير بجناحيه﴾(١).
قال الشاعر :
نظرت فلم تنظر بعينك منظراً
وقال أبو مالك: نزلت هذه الآية في الكاتب الّذي يكتب لرسول اللـه ◌َل﴾ وقد كان قرأ
البقرة وآل عمران، وكان النبيّ وَلّ يملي: غفوراً رحيماً، فيكتب: عليماً حكيماً، فيقول له
النبيّ ◌َّر: ((اكتب كيف شئت)) ويملي عليه: عليماً حكيماً، فيكتب: سميعاً بصيراً، فيقول
النبيّ وَّر: ((اكتب كيف شئت)) قال: فارتدّ ذلك الرّجل عن الإسلام ولحق بالمشركين.
قال: أما يعلمكم محمّد ◌َ أن كنت لأكتب ما شئت أنا، فمات ذلك الرّجل فقال
النبيّ وَّه: ((إنّ الأرض لا تقبله)) [٩٣].
قال: فأخبرني أبو طلحة: إنّه أتى الأرض الّتي بات فيها فوجده منبوذاً، فقال أبو طلحة:
ما شأن هذا؟ قالوا: دفّاه مراراً فلم تقبله الأرض.
وَقَالُواْ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّ أَامًا مَعْدُودَةٌ مُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمَّ
نَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٣َ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيْئَةُ وَأَحَتْ بِهِ خَطِيَتُهُ فَأُوْلَبِكَ أَصْحَابُ
النَّارِّ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٨) وَالّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الَّذَلِحَتِ أُوْلَبِكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا
خَلِدُونَ (١٣) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَبِىّ إِسْرَءِيِلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللّهَ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحَْانًا وَذِى الْقُرْبَى
وَاَلْيَشََّىِ وَالْمَسَكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنَا وَأَقِمُواْ الضَّلَوَةَ وَءَانُواْ الزَّكَوَةَ ثُمَّ تَوَلَيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا
مِنْكُمْ وَأَنتُم
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ وِمَآءَ كُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُم مِّن
(٨٣)
مُعْرِضُونَ
◌ِيَرِّكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ
﴿وقالوا﴾ يعني اليهود.
﴿لن تمسّنا النّار إلّ أيّاماً معدودة﴾ قدراً مقدّراً ثمّ يزول عنّا العذاب وينقطع، واختلفوا في
هذه الأيّام ماهي.
وقال ابن عبّاس ومجاهد: قدم رسول اللـه ◌َ﴿ المدينة واليهود يقولون: مدّة الدّنيا سبعة
آلاف سنة وإنّما نعذّب بكل ألف سنة يوماً واحداً ثمّ ينقطع العذاب بعد سبعة أيّام، فأنزل الله
تعالى هذه الآية.
(١) سورة الأنعام: ٣٨.

٢٢٦
الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي
قتادة وعطاء: يعنون أربعين يوماً التي عبد أباؤهم فيها العجل وهي مدّة غيبة موسى ◌ِلَّلا
عنهم .
الحسن وأبو العالية: قالت اليهود: إنّ ربّنا عتب علينا في أمرنا أقسم ليعذّبنا أربعين ليلة ثمّ
يدخلنا الجنّة فلن تمسّنا النار إلّ أربعين يوماً تحلّة القسم فقال الله تعالى تكذيباً لهم: قل يا
محمّد ﴿قل أتخذتم﴾ ألف الاستفهام دخلت على ألف الوصل.
﴿عند الله عهداً﴾ موثقاً ألّ يعذّبكم إلاّ هذه المدّة.
﴿فلن يخلف الله عهده﴾ وعده، وقال ابن مسعود: بالتوّعد يدلّ عليه قوله تعالى ﴿إلاّ من
اتّخذ عند الرحمن عهداً﴾(١) يعني قال: لا إله إلّ الله مخلصاً ﴿أم تقولون على الله ما لا
تعلمون﴾ قال ﴿بلى﴾ ((بل وبلى)) حرفا استدراك ولهما معنيان لنفي الخبر الماضي واثبات الخبر
المستقبل، قال الكسائي: الفرق بين (بلى ونعم)، إنّ بلى: أقرار بعد جحود، ونعم: جواب
استفهام بغير جحد، فإذا قال: ألست فعلت كذا، فيقول: بلى، وإذا قال: ألم تفعل كذا؟
فيقول: بلى، وإذا قال أفعلت كذا؟ فيقول: نعم.
قال الله تعالى ﴿ألم يأتكم نذير قالوا بلى﴾(٢) وقال ﴿ألست بربّكم قالوا بلى﴾(٣) وقال في
غير الجحود ﴿فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقّاً قالوا نعم﴾ (٤) وقالوا أئنًا لمبعوثون أو آباؤنا
الأولون﴾(٥) قل نعم وإنّما قال هاهنا بلى للجحود الّذي قبله وهو قوله ﴿لن تمسّنا النّار إلاّ أيّاماً
معدودة﴾
﴿من كسب سيئةً﴾ يعني الشرك.
﴿وأحاطت به خطيئته﴾ قرأ أهل المدينة خطيّاته بالجمع، وقرأ الباقون خطيته على
الواحدة، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم والاحاطة الاحفاف بالشيء من جميع نواحيه واختلفوا
في معناها هاهنا .
وقال ابن عبّاس والضحاك وعطاء وأبو العالية والربيع وابن زيد: هي الشرك يموت الرجل
عليه فجعلوا الخطيئة الشّرك.
قال بعضهم: هي الذّنوب الكثيرة الموجبة لأهلها النّار.
(١) سورة مريم: ٨٧.
(٢) سورة الملك: ٨.
(٣) سورة الأعراف: ١٧٢ .
(٤) سورة الأعراف: ٤٤ .
(٥) سورة الصافات: ١٧ .

٢٢٧
سورة البقرة، الآيات: ٨٠ - ٨٤
أبو زرين عن الربيع بن خيثم في قوله تعالى: ﴿واحاطت به خطيئته﴾ قال: هو الّذي يموت
على خطيئته قبل أن يتوب ومثله قال عكرمة وقال مقاتل: أصرّ عليها .
مجاهد: هي الذّنوب تحيط بالقلب كلّما عمل ذنباً إرتفعت حتّى تغشى القلب وهو الرّين.
وعن سلام بن مسكين أنّه سأل رجل الحسن عن هذه الآية؟
فقال السّائل: يا سبحان الله إلاّ أراك ذا لحية وما تدري ما محاطة الخطيئة! انظر في
المصحف فكل آية نهى الله عزّ وجلّ عنها وأخبرك إنّه من عمل بها أدخله النّار فهي الخطئية
المحيطة.
الكلبي: أو بقته ذنوبه دليله قوله تعالى ﴿إلّ أن يحاط بكم﴾(١): أي تهلكوا جميعاً.
وعن ابن عبّاس: أحيطت بما له من حسنة فأحبطته.
﴿فأولئك أصحاب النّار هم فيها خالدون﴾ [وهذا من العام المخصوص بصور منها إلاّ من
تاب بعد أن حمل على ظاهره](٢) ﴿والّذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنّة هم
فيها خالدون﴾ .
﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل﴾ في التّوراة. قال ابن عبّاس: الميثاق: العهد الجديد.
﴿لا تعبدون﴾ بالياء قرأه ابن كثير وحميد وحمزة والكسائي.
الباقون: بالتّاء وهو إختيار أبي عبيد وأبو حاتم.
قال ابو عمرو: ألا تراه يقول ﴿وقولوا للنّاس حسناً﴾(٣) فذلك المخاطبة على التّاء.
قال الكسائي: إنّما ارتفع لا يعبدون لأنّ معناه أخذنا ميثاق بني إسرائيل أن لا تعبدوا إلاّ
الله فلمّا ألقى أن رفع الفعل ومثله قوله ﴿لا تسفكون﴾، نظير قوله عزّ وجلّ ﴿أفغير الله تأمروني
أعبد﴾(٤): يريد أن أعبد فلمّا حذفت النّاصبة عاد الفعل إلى المضارعة.
وقال طرفة :
وأنْ أشهدَ اللّذاتِ هل أنت مخلدي(٥)
ألا أيّهذا الزاجري احضر الوغى
يريد أن أحضر، فلمّا نزع (أنْ) رفعه.
(١) سورة يوسف: ٦٦ .
(٢) عن هامش المخطوط.
(٣) سورة البقرة: ٨٣.
(٤) سورة الزمر: ٦٤.
(٥) مجمع البيان: ٢٩٧/١.

٢٢٨
الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي
وقرأ أُبي بن كعب: لا تعبدوا جزماً على النهي أي وقلنا لهم لا تعبدوا إلاّ الله
﴿وبالوالدين إحسانا﴾ ووضّينا هم بالوالدين إحسانا برّاً بهما وعطفاً عليهما.
وانّما قال بالوالدين واحدهما والدة؛ لأنّ المذكّر والمؤنّث إذا اقتربا غلب المذكّر لخفّته
وقوتّه.
﴿وذي القربى﴾ أي وبذي القرابة، والقربى مصدر على وزن فعلى كالحسنى والشّعرى.
قال طرفة :
فتحايك امر للنكيثة أشهد.
وقربت بالقربى وجدك له يني
﴿واليتامى﴾ جمع يتيم مثل ندامى ونديم وهو الطفل الذي لا أبَّ له.
﴿والمساكين﴾ يعني الفقراء.
﴿وقولوا للنّاس حسنا﴾ اختلفت القراءة فيه فقرأ زيد بن ثابت وأبو العالية وعاصم وأبو
عمرو ﴿حُسْنَا﴾ بضم الحَاء وجزم السّين وهو اختيار أبي حاتم دليله قوله عزّ وجلّ: ﴿بوالديه
حسنا﴾(١) وقوله تعالى: ﴿ثمّ بدّل حسنا﴾(٢).
٠
وقرأ ابن مسعود وخلف حَسنا بفتح الحاء والسّين وهو اختيار أبي عبيد وقوله: إنّما
إخترناها لأنها نعت بمعنى قولاً حسناً.
وقرأ ابن عمر: حُسُنا بضم الحاء والسّين والتنوين مثل الرّعب والنّصب والسّحت والسُحق
ونحوها .
وقرأ عاصم والجحدري: احساناً بالألف.
وقرأ أبي بن كعب وطلحة بن مصرف: حسنى وقرنت بالقربى بالتأنيث مرسلة.
قال الثعلبي: سمعت القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا بكر بن عبدوس يقول: مجازه
كلمة حسنى ومعناه قولوا للنّاس صدقاً وحقّاً في شأن محمّد ◌َلِّ فمن سألكم عنه فأصدقوه وبينوا
له صفته ولا تكتموا أمره ولا تغيروا نعته هذا قول ابن عبّاس وابن جبير وابن جريج ومقاتل دليله
قوله ﴿ألم يعدكم ربّكم وعداً حسناً﴾(٣) أي صدقاً .
وقال محمّد بن الحنفية: هذه الأية تشمل البرّ والفاجر.
وقال سفيان الثوري: ائمروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر.
(١) سورة العنكبوت: ٨.
(٢) سورة النمل: ١١.
(٣) سورة طه: ٨٦.

٢٢٩
سورة البقرة ، الآيتان: ٨٥ - ٨٦
﴿وأقيموا الصّلاة وآتوا الزكاة ثمّ تولّيتم﴾ أي أعرضتم عن العهد والميثاق ﴿إلاّ قليلاً
منكم﴾ نصب على الإستثناء.
﴿وأنتم معرضون﴾ وذلك أن قوماً منهم آمنوا.
﴿وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون﴾ لا تريقون ﴿دماءكم﴾ وقرأ طلحة بن مصرف تسفكون
بضم الفاء وهما لغتان مثل يعرشون ويعكفون.
وقرأ أبو مجلز: تسفكون بالتشديد على التكثير.
وقال ابن عبّاس وقتادة: معناه لا يسفك بعضكم دم بعض بغير حق وإنّما قال (دماءكم)
المعنيين: أحدهما إن كلّ قوم إجتمعوا على دين واحد فهم كنفس واحدة.
والآخر: هو أنّ الرجل إذا قتل غيره كأنّما قتل نفسه لأنّه يقاد ويقتصّ منه ﴿ولا تخرجون
أنفسكم من دياركم﴾ أي لا يخرج بعضكم بعضاً من داره [ولا تسبوا من جاوركم فتلجئوهم إلى
الخروج بسوء جواركم] (١).
﴿ثمّ أقررتم﴾ بهذا العهد إنّه حقّ.
﴿وأنتم تشهدون﴾ اليوم على ذلك يا معشر اليهود.
لَمَّ أَمْ هَؤَلَاً. تَنْتَوِتَ أَمْتَكُمْ وَفُرْعُونَ تَرِيقًا فِنكُم مِنْ وَبَرِهِمْ تَهَرُونَ تُكَّتِهِم بِالْأَلِ
وَلْمُدَّدَةِ وَإِنَ يَأْتُلُُّ أَسَكَرَىْ تُفَتَذُوهُمْ وَهُوَ أَمَرَّهُ عَلَيَكُمْ إِعْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِيَعْضِ الْكِتَب
وَتَكْفُرُوْنَ بِبَغْفِيَّ نَمَّا يَرَّاً: مَنْ بَفْعَلُ ذَلِنَكَ مِنْكُمْ إِلََّ يِىُّ فِ اَلْحَيَوْءِ الذُّنْيَا وَيَوْمَ اُلْقِيَمَةِ يُّدُّونَ
إَِّ الَّذِّ الْتَابُّ وَمَا أَنَّهُ بِشَفِلٍ غَنَّا تَعْمَلُونَ (9َ أَوْلَبِقَ الَّذِينَ أَخَوَاَ اَلْعَرَةُ أَذَا بِإِلَيْرَةَّ دَلََّ إِمَنْنُه
عَهُمُ الْكَذَابُ وَلَا هُمْ مُصَرُونَ (له)
﴿ثمّ أنتم هؤلاء﴾ يعني يا هؤلاء فحذف النّداء للإستغناء بدلالة الكلام عليه كقوله: ﴿ذرّية
من حملنا﴾(٢) فهؤلاء للتنبيه ومبني على الكسرة مثل أنتم ﴿تقتلون أنفسكم﴾ قرآءة العامّة
بالتخفيف من القتل.
وقرأ الحسن: تقتلون بالتثقيل من التقتيل.
﴿وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم﴾ قراءة العامّة وهم أهل الحجاز
والشّام وأبو عمرو ويعقوب: تظاهرون بتشديد الظاء، واختاره أبو حاتم ومعناه تتظاهرون فأدغم
التّاء في الظاء مثل: أثاقلتم وادّاركوا .
(١) عن هامش المخطوط.
(٢) سورة الاسراء: ٣.

٢٣٠
الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي
وقرأ عاصم والأعمش وحمزة وطلحة والحسن وأبو عبد الرحمن وأبو رجاء والكسائي:
تظاهرون بتخفيف الظاء، واختاره أبو عبيد ووجه هذه القراءة: إنّهم حذفوا تّاء الفاعل وأبقوا تاء
الخطاب كقوله ﴿ولا تعاونوا﴾(١) وقوله ﴿ما لكم لا تناصرون﴾(٢).
وقال الشّاعر :
.
تعاطسون جميعاً حول داركم فكلّكم يا بني حمّان مزكوم.
.](٣) جميعاً
وقرأ أُبي ومجاهد: تظهّرون مشدداً بغير ألف أي تتظهّرون [.
تعاونون، والظهر: العون سمّي بذلك لإسناد ظهره إلى ظهر صاحبه.
وقال الشّاعر:
[ ..... ] (٤) إذا إستنجدتهم فظهيرُ
تكفّر من الاخوان ما اسطعت
وانّ عدوّاً واحداً لكثيرُ
وما بكثير ألف خل وصاحب
﴿بالإثمّ والعدوان﴾ بالمعصية والظلم.
﴿وإن يأتوكم أُسارى تفدوهم﴾ قرأ عبد الرحمن السّلمي ومجاهد وابن كثير وابن محيصن
وحميد وشبل والجحدري وأبو عمرو وابن عامر: (أُسارى تفدوهم) بغير ألف، وقرأ الحسن:
(أسرى) بغير ألف (تفادوهم) بألالف، وقرأ النخعي وطلحة والأعمش ويحيى بن رئاب وحمزة
وعيسى بن عمرو وابن أبي إسحاق: (أسرى تقدوهم) كلاهما بغير ألف وهي إختيار أبي عبيدة ..
وقرأ أبو رجاء وأبو جعفر وشيبة ونافع وعاصم وقتادة والكسائي ويعقوب: (أُسارى
تفادوهم) كلاهما بالألف، واختاره أبو حاتم.
فالأسرى: جمع أسير مثل جريح وجرحى، ومريض ومرضى، وصريع وصرعى،
والأسارى: جمع أسير أيضاً مثل كُسالى وسُكارى، ويجوز أن يكون جمع أسرى نحو قولك:
أمرأة سكرى ونساءٌ سُكارى، ولم يفرق بينهما أحد من العلماء الأثبات إلاّ أبو عمرو.
روى أبو هشام عن جبير الجعفي عن أبي عمرو قال: ما أُسر فهو أُسارى ومالم يؤسر فهو
أُسرى، وروي عنه من وجه آخر قال: ما صار في أيديهم فهم أسارى، وما جاء مستأسراً فهو
أسرى .
عن أبي بكر النقاش قال: سمعت أحمد بن يحيى ثعلب وقد قيل له هذا الكلام عن أبي
عمرو فقال: هذا كلام المجانين. يعني لا فرق بينهما .
(١) سورة المائدة: ٢.
(٣) كلمة غير مقروءة في المخطوط.
(٤) كلمة غير مقروءة في المخطوط.
(٢) سورة الصافات: ٢٥.

٢٣١
سورة البقرة، الآيتان: ٨٥ - ٨٦
وحُكي عن أبي سعيد الضرير إنّه قال: الأُسارى: هم المقيدّون المشدَّدون والأسرى: هم
المأسورون غير المقيدين. فأما قولهم تفدوهم بالمال وتنقذوهم بفدية أو بشىء آخر، وتفادوهم:
تبادلوهم اراد مفاداة الأسير بالأسير، وأسرى: في محل نصب على الحال.
فأما معنى الآية - قال السّدي: إنّ الله عزّ وجلّ أخذ على بني إسرئيل في التوراة أن لا
يقتل بعضهم بعضاً، ولا يخرج بعضهم بعضاً من ديارهم فأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني
إسرائيل فاشتروه بما قام ثمنه فاعتقوه. فكانت قريظة خُلفاء الأوس، والنّضير خُلفاء الخزرج
وكانوا يقتتلون في حرب نمير. فيُقاتل بنو قريظة مع حلفائهم، وبنو النّضير مع حلفائهم، وإذا
غلبوا خرّبوا ديارهم وأخرجوهم منها فإذا أُسر رجل من الفريقين كليهما جمعوا له حتّى يفدوه
وإن كان الاسير من عدوهم فيُعيّرهم العرب بذلك وتقول: كيف يقاتلونهم ويفدونهم ..! ويقولن:
إنّا قد أمرنا أنْ نفديهم وحُرّم علينا قتالهم. قالوا: فَلِمَ تقاتلونهم؟
قالوا: نستحي أن تستذل حلفاؤنا فذلك حين عيّرهم الله تعالى فقال: ﴿ثمّ أنتم هؤلاء
تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقاً منكم) الآية، وفي الآية تقديم وتأخير نظمها: وتخرجون فريقاً
منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالأثمّ والعدوان ﴿وهو محرّم عليكم إخراجهم﴾ وأن يأتوكم
أسارى تفدوهم .
وكان الله تعالى أخذ عليهم أربعة عهود: ترك القتل، وترك الأخراج، وترك المظاهرة
عليهم مع اعدائهم وفداء أُسرائهم. فأعرضوا عن كل ما أُمروا إلّ الغداء. فقال الله عزّ وجلّ:
﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض﴾ فأيمانهم بالفداء وكفرهم بالقتل والأخراج
والمظاهرة. قال مجاهد: يقول: إن وجدته في يد غيرك فديته، وأنت تقتله بيدك، وقيل: معناه
يستعملون البعض ويتركون البعض، تفادون أُسراء قبيلتكم وتتركون أُسراء أهل ملّتكم فلا
تفادونهم .
قال الله عزّ وجلّ ﴿فما جزاء من يفعل ذلك منكم﴾ يا معشر اليهود ﴿إلاّ خزي﴾ عذاب
هوان .
﴿في الحياة الدُّنيا﴾ فكان خزي قريظة القتل والسّبي، وخزي بني النضير الجلاء والنفي عن
منازلهم وجنانهم إلى أذرعات وريحا من الشّام.
﴿ويوم القيامة يُردون إلى أشد العذاب﴾ وهو عذاب النّار وقرأ أبو عبد الرحمن السّلمي
وأبو رجاء والحسن: تُردّون بالتاء، لقوله ﴿أفتؤمنون﴾.
﴿وما الله بغافل عمّا تعملون﴾ بالتاء مدني وأبو بكر ويعقوب الباقون: بالتاء.
﴿أولئك الذين اشتروا﴾ استبدلوا.

١١٢٣٢
الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي
» ﴿الحياة الدُّنيا بَالآخرة فلا يخفف﴾ يهوّن ويُرفّه.
الأعنهم العذاب ولاهم يُنصرونَ﴾ يمنعون من عذاب الله.
%
وَلَقَدْ ءَاتَّيْنَا مُوسَى أَلْكِتَبَ وَقَّفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ، بِالرُّسُلِّ وَءَاتَّيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْتَ الْبَهْتَتِ وَأَيَّدْنَهُ
بُوجِ الْقُدُمِنُ أَفَكْلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا نَهْوَ أَنْشُكُمُ أَسْتَكْبِرْتُمْ فَغَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا نَفْتُونَ (َ)
وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْقُّأْ بَل لَعَنَّهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ (٨َ وَلَنَّا جَءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ
لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِعُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى
الْكُفِنَ ﴿٨ ◌َِمَا أَشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُواْ بِمَا أَنزَلَ اَللَّهُ بَغْيًّا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ،
عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِيَةٍ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (
﴿ولقد آتينا﴾ أعطينا .
﴿موسى الكتاب﴾ التوراة جملة واحدة.
﴿وقفينا﴾ أردفنا واتبعنا .
﴿من بعده بالرسل﴾ رسولاً بعد رسول. يُقال: مضى أثرهُ وقفا غيره؛ في التعدية وهو
مأخوذ من قفا الأنسان قال الله ﴿ولا تقف ماليس لك به علم﴾(١)، وقال أمية بن الصّلت:
وكيف تقفو ولا سهل ولا جدد
قالت لأخت له قُصيه عن جنب
﴿وآتينا عيسى ابن مريم البينات﴾ العلامات الواضحات والدلالات اللايحات وهي التي
ذكرها الله عزّ وجلّ في سورة آل عمران والمائدة.
﴿وأيدناهُ﴾ قويناه وأعناه من الآد والأيد(٢)، مجاهد: أيدناه بالمد وهما لغتان مثل كرّم
وأكرم.
﴿بروح القدس﴾ خفف ابن كثير القدس في كل القرآن، وثقله الآخرون، وهما لغتان مثل
الرّعب والسّحت ونحوهما، واختلفوا في روح القدس فقال الربيع وعكرمة: هو الرّوح الذي نفخ
فيه إضافة إلى نفسه؛ تكريماً وتخصيصاً نحو بيت الله، وناقة الله وعبد الله، والقدس: هو اللهعزّ
وجلٌ يدلّ عليه قوله تعالى ﴿وروح منه﴾(٣) وقوله ﴿ونفخنا فيه من روحنا﴾
والآخرون: أرادوا بالقدس الطهارة يعني الرّوح الطاهر سمّى روحه قدساً؛ لأنّه لم يتضمنه
(١) سورة الاسراء: ٣٦.
(٢) راجع تفسير الطبري: ١ / ٥٦٨.
(٣) سورة النساء: ١٧١ .

٠٠٠
سورة البقرة، الآيات: ٨٧ - ٩٠
٢٣٣
أصلاب الفحولة ولم تشتمل عليه أرحام الطوامث إنّما كان أمراً من الله تعالى.
السّدي والضّحاك وقتادة وكعب: الروح القدس: جبرئيل قال الحسن: القدس: هو الله
وروحه جبرئيل .
السّدي: القدس: البركة وقد عظّم الله بركة جبرئيل إذ أنزل الله عامة وحيه إلى أنبيائه على
لسانه وتأييد عيسى ◌ُلِّل بجبرئيل هو إنّه كان قرينه يسير معه حيثما شاء والآخر إنّه صعد به إلى
السّماء، ودليل هذا التأويل قوله تعالى ﴿قل نزّله روح القدس من ربّك بالحقّ﴾(١).
وقال ابن عبّاس وسعيد بن جبير وعبيد بن عمير: هو اسم الله الأعظم وبه كان يُحيي
الموتى ويُري النّاس تلك العجائب.
وقال ابن زيد: هو الأنجيل جُعل له روحاً كما جعل القرآن لمحمّدٍ لّ روحاً، يدلّ عليه
قوله تعالى ﴿وكذلك أوحينا إليك رُوحاً من أمِرنا﴾(٢) فلمّا سمعت اليهود بذكر عيسى ◌ُلَّا قالوا:
يا محمّد لا مثل عيسى كما زعمت ولا كما يقصّ علينا من الأنبياء (عليهم السلام) قالوا: فأتنا
بما أتى به عيسى إن كنت صادقاً.
فأنزل الله عزّ وجلّ ﴿أفكلّما جاءكم﴾ يا معشر اليهود ﴿رسولٌ بما لا تهوى﴾ لا تحب ولا
توافق.
﴿أنفسكم استكبرتم﴾ تكبّرتم وتعظمتم عن الأيمان به.
﴿ففريقاً﴾ طائفة سُميّت بذلك لأنّها فرقت من الحملة.
﴿كَذّبتم﴾ عيسى ومحمّداً.
﴿فريقاً تقتلون﴾ أيّ قتلتم زكريا ويحيى وسائر من قُتلوا من الأنبياء.
﴿وقالوا﴾ يعني اليهود ﴿قلوبنا غلف﴾ قرأ ابن محيصن بضم اللام، وقرأ الباقون بجزمه.
فمن خففه فهو جمع الأغلف مثل أصفر وصُفر - وأحمر وحُمر وهو الذي عليه غطاء وغشاء
بمنزلة الأغلف غير المختون فالأغلف والأعلف واحد ومعناه عليها غشاوة فلا تعي ولا تفقه ما
تقول يا محمّد.
قاله مجاهد وقتادة نظيره قوله عزّ وجلّ ﴿وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه﴾(٣)، ومن
نقّل فهو جمع غلاف مثل حجاب وحجب وكتاب وكتب، ومعناه: قلوبنا أوعية لكلّ علم فلا
نحتاج إلى علمك وكتابك. قالهُ عطاء وابن عبّاس.
(١) سورة النحل: ١٠٢.
(٢) سورة الشورى: ٥٢.
(٣) سورة فصّلت: ٥.

٢٣٤
الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي
وقال الكلبي: يريدون أوعية لكلّ علم فهي لا تسمع حديثاً إلاّ وعته إلاّ حديثك لا تفقهه
ولا تعیه ولو كان فيه خيراً لفهمته ووعته.
قال الله عزّ وجلّ ﴿بل لعنهم الله بكفرهم﴾ وأصل اللعن الطرد والأبعاد تقول العرب
[نماء] ولعين أي بُعد. قال الشّماخ:
ذعرت به القطا ونفيت عنه مقام الذنب كالرّجل اللعين(١)
فمعنى قوله: لعنهم الله طردهم وأبعدهم من كل خير، وقال النضر بن شميل: الملعون
المخزي المهلك.
﴿فقليلاً ما يؤمنون﴾ معناه لا يؤمن منهم إلاّ قليلاً؛ لأنّ من آمن من المشركين أكثر ممن
آمن من اليهود، قاله قتادة، وعلى هذا القول ما: صلة معناه فقليلاً يؤمنون، ونصب قليلاً على
الحال.
وقال معمر: معناه لا يؤمنون إلّ بقليل بما في أيديهم ويكفرون بأكثره، وعلى هذا القول
يكون ﴿قليلاً﴾ منصوباً بنزع حرف الصّفة وما صلة أيّ فبقليل يؤمنون.
وقال الواقدي وغيره: معناه لا يؤمنون قليلاً ولا كثيراً، وهذا كقول الرّجل لأخر: ما قل
ما تفعل وكذا يريد لا تفعله البتة.
وروى الفراء عن الكسائي: مررنا بأرض قلَّ ما ينبت الكراث والبصل يريدون لا ينبت
شيئاً .
﴿ولمّا جاءهم كتابٌ من عند الله﴾ يعني القرآن.
﴿مُصدّقٌ﴾ موافق ﴿لما معهم﴾ وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة مصدقاً بالنّصب على الحال.
﴿وكانوا﴾ يعني اليهود ﴿من قبل﴾ أي من قبل بعث محمّد رسل﴾ ﴿يستفتحون﴾ يستنصرون،
قال الله تعالى ﴿أن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾(٢) أيّ أن تستنصروا فقد جاءكم النّصر.
وفي الحديث عن النبيّ ◌َّ [أنه] كان يستفتح القتال بصعاليك المهاجرين.
﴿على الذين كفروا﴾ مشركي العرب وذلك إنّهم كانوا يقولون إذا حزم أمر ودهمهم عدو:
((اللّهمّ انصرنا عليهم بالنبيّ المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته وصفته في التوراة)) [٩٤](٣).
وكانوا يقولون زماناً لاعدائهم من المشركين قد أطل زمان نبي يخرج بتصديق ما قُلنا، ونقتلكم
معه قبل عاد وأرم.
(١) تفسير الطبري: ١ / ٥٧٤.
(٣) تفسير الجلالين للسيوطي: ١٩.
(٢) سورة الأنفال: ١٩.

٢٣٥
سورة البقرة، الآيات: ٩١ - ٩٣
﴿فلما جاءهم ما عرفوا﴾ يعني محمّداً وَطل من غير بني إسرائيل، وعرفوا نعته وصفته.
﴿كفروا به﴾ بغياً وحسداً.
﴿فلعنة الله على الكافرين﴾ ﴿بئسما اشتروا به أنفسهم﴾ بئس ونعم فعلان ماضيان وضعا
للمدح والذم لا يتصرفان تصرف الافعال ومعنى الآية: بئس الذي اختاروا لأنفسهم حين استبدلوا
الباطل بالحق، والكفر بالأيمان.
وقيل: معناه بئس ما باعوا به حظ أنفسهم.
﴿أن يكفروا بما أنزل الله﴾ يعني القرآن.
﴿بغياً﴾ بالبغي وأصل البغي الفساد. يُقال: بغى الجرح إذا أمد وضمد.
أن ينزل الله من فضله﴾ النبوة والكتاب.
﴿على من يشاء من عباده﴾ محمّد رَله .
﴿فباؤا بغضب على غضب﴾ أي مع غضب.
قال ابن عبّاس: الغضب الأوّل بتضييعهم التوراة، والغضب الثاني بكفرهم بهذا النبيّ الذي
اتخذه الله تعالی.
فيهم قتادة وأبو العالية: الغضب الأوّل - بكفرهم بعيسى ظلّلا والأنجيل - والثاني: كفرهم
بمحمّد ◌َِّ والقرآن .
السّدي: الغضب الأوّل بعبادتهم العجل، والثاني بكفرهم بمحمّد ێۇ وتبدیل نعته .
﴿وللكافرين﴾ وللجاحدين [لدين] محمّد ◌َّ من النّاس كلهم.
﴿عذاب مهين﴾ یُهانون فلا يُعزُون.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ بِمَا أَنْزَّلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُ وَهُوَ أَلْحَقُّ
مُعَذِّقَاً لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَفْئُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ (١٦) ﴾ وَلَقَدْ جَاءَ كُمْ
◌ُوسَّى بِالْبَغِنَتِ ثُمَّ اَّخَذْهُمُ الْمِعْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ خَلِمُونَ (١٣) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَكُمْ وَرَفَعْنَا
فَوْقَكُمُ الُْوَرَ خُذُواْ مَآ ءَانْتَكُمْ بِقُوَّةٍ وَأَسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِ قُلُوبِهِمُ الْمِجْلَ
بِكُفرِهِمْ قُلْ بِقَْمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيَتُكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِينَ
﴿وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله﴾ يعني القرآن.

٢٣٦
الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي
﴿قالوا نؤمن بما أنزل علينا﴾ يعني التوراة.
﴿ويكفرون بما وراءه﴾ أي بما سواه وبعده.
﴿وهو الحقّ﴾ يعني القرآن.
﴿مصدقاً﴾ نصب على الحال. ﴿لما معهم﴾ قل لهم يا محمّد: ﴿فَلَمَ تقتلون أنبياء الله من
قبل﴾ ولمَ أصله ولما فحذفت الألف فرقاً بين الخبر والاستفهام كقولهم: فيم وبم ولم وممّ
وعلام وحقام، وهذا جواب لقولهم: نؤمن بما أنزل علينا.
فقال الله عزّ وجلّ ﴿فلم تقتلون أنبياء الله من قبل﴾.
﴿إنْ كنتم مؤمنين﴾ بالتوراة وقد خنتم فيها من قتل الأنبياء ﴿ولقد جاءكم موسى بالبينات﴾
بالدلالات اللايحات - والعلامات الواضحات.
﴿ثمّ اتخذتم العجل من بعده﴾ أي من بعد انطلاقه إلى الجبل ﴿وأنتم ظالمون).
﴿وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا﴾ أي استجيبوا
واطيعوا سميت الطاعة سمعاً على المجاز لأنّه سبب الطّاعة والأجابة ومنه قولهم: سَمِع الله لمن
حمده أي أجابه، وقال الشاعر:
دعوت الله حتّى خفتُ ألاّ
يكون الله يسمع ما أقول
أي يجب.
﴿قالوا سمعنا﴾ قولك. ﴿وعصينا﴾ أمرك [أو سمعنا بالآذان وعصينا بالقلوب](١).
قال أهل المعاني: إنّهم لم يقولوا هذا بألسنتهم، ولكن لما سمعوا الأمر وتلقوه بالعصيان
نُسب ذلك عنهم إلى القول أتساعاً، كقول الشاعر
ومنهل ذبّابة في عيطل يقلن للرائد عشبت أنزل
﴿وأُشربوا في قلوبهم العجل﴾ أي حبّ العجل، كقوله تعالى ﴿واسأل القرية﴾(٢)، وقال
النابغة :
فكيف يواصل من اصبحت خلالة كأني مرحب
أي لخلاله أني مرحب، ومعناه أدخل في قلوبهم حبّ العجل، وخالطها ذلك كاشراب
اللون لشدة الملازمة .
. (١) عن هامش المخطوط.
(٢) سورة يوسف: ٨٢.

٢٣٧
سورة البقرة، الآيات: ٩٤ - ٩٩
﴿بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم﴾ أن تعبدوا العجل من دون الله [فالله لا يأمر
بعبادة العجل] (١).
﴿إِنْ كنتم مؤمنين﴾ بزعمكم وذلك إنّهم قالوا: نؤمن بما أنزل علينا، فكذبهم الله تعالى.
قُلّ إِن كَانَتْ لَكُمُ الذَّارُ الْآَخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَلِصَةٌ مِنْ دُونِ أَلنَّاسِ فَتَمَنَّوَاْ أَلْمَوْنَ إِن كُنتُمْ
وَلَنَّجِدَ نَّهُمْ أَخْرَصَ النَّاسِ
صَدِفِينَ (١٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيَدِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيٌّ بِالظَّلِينَ
عَلَ حَيَّوَةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ بَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَتَّرُ أَلْفَ سَنَّةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَّخْرِجِهِ، مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَُّّ وَاللَّهُ
بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦) قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَمُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِفًا لِمَا بَيْنَ
يَدَيْهِ وَهُدِّى وَنُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٧) مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَبِكَيْهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِبِيلَ وَمِيكَئِلَ فَإِنَّ اللَّهُ
عَدُوٌ لِلْكَفِرِينَ
وَلَقَدْ أَنزَلْنَآَ إِلَيْكَ ءَايَتٍ بَيِّنَتٍّ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّ اُلْفَسِمُونَ
٩٨
﴿قل إن كانت لكم الدّار الآخرة عند الله﴾ الآية
قال المفسّرون: سبب نزول هذه الآية: إنّ اليهود أدعوا دعاوى باطلة، حكاها الله تعالى
عنهم في كتابه كقوله تعالى ﴿وقالوا لن تمسنا النّار إلاّ أياماً معدودة﴾(٢).
وقوله: ﴿وقالوا لن يدخل الجنّة إلاّ من كان هوداً أو نصارى﴾(٣).
وقوله: ﴿نحن أبناء الله وأحبّاؤه﴾(٤) فكذبهم الله تعالى، وألزمهم الحجة. فقال: قل يا
محمّد إن كانت لكم الدّار الآخرة عند الله.
﴿خالصة من دون الناس﴾ خاصّة؛ لقوله تعالى ﴿خالصة لذكورنا﴾(٥)، قوله ﴿خالصة يوم
القيامة﴾(٦)، قوله ﴿خالصة من دون المؤمنين﴾(٧) أي خاصّة من دون النّاس.
﴿فتمنّوا الموت﴾ أي فأريدو وحَلّوه لأنّ من علم أنّ الجنّة مآبه حنَّ إليها ولا سبيل إلى
دخولها إلاّ بعد الموت فاستعجلوه بالتمني.
﴿إِنْ كنتم صادقين﴾ في قولكم محقين في دعواكم، وقيل في قوله تعالى ﴿فتمنّوا الموت﴾
أيّ أدعوا بالموت على الفرقة الكاذبة.
روى ابن عبّاس عن النبيّ وَّر قال: ((لو تمنّوا الموت لغصّ كل إنسان منهم بريقه، وما بقى
(١) عن هامش المخطوط.
(٣) سورة البقرة: ١١١.
(٥) سورة الأنعام: ١٣٩.
(٧) سورة الأحزاب: ٥٠.
(٢) سورة البقرة: ٨٠.
(٤) سورة المائدة: ١٨ ..
(٦) سورة الأعراف: ٣٢ .
:

٢٣٨
الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي
على وجه الأرض يهودي إلاّ مات)) [٩٥].
فقال الله تعالى ﴿ولن يتمنّوه أبداً بما قدمت أيديهم﴾ لعلمهم إنّهم في دعواهم كاذبون.
﴿والله عليم بالظّالمين﴾ يعني اليهود. هذا من أعجاز القرآن لأنّهُ تحداهم ثمّ أخبر أنّهم لا
يفعلون بعد أن قال لهم هذه المقالة فكان على ما أخبر.
﴿ولتجدنهم﴾ اللام لام القسم والنون تأكيد القسم تقديره: والله لتجدنهم يا محمد يعني
اليهود ﴿أحرص النّاس على حيوة﴾ وفي مصحف أبُيّ على الحياة.
﴿ومن الذين أشركوا﴾ قيل إنّه متصل بالكلام الأوّل.
معناه وأحرص من الذين اشركوا. قال الفراء: وهذا كما يُقال هو أسخى النّاس ومن
حاتم: أي وأسخى من حاتم.
وقيل: هو ابتداء وتمام الكلام عند قوله: على حياتهم ابتدأ بواو الاستئناف وأضمر (ليودّ)
اسماً تقديره: ومن الذين اشركوا من ﴿يود أحدهم﴾ كقول ذو الرّمة.
وآخر يذري دمعة العين بالهمل
فظلوا ومنهم دمعه سابق له
أراد ومنهم من دمعه سابق، وأراد بالذين أشركوا المجوس.
﴿يود﴾ یرید ویتمنی.
﴿أحدهم لو يعمّر﴾ تقديره تعمير ألف.
﴿ألف سنة﴾ قال المفسّرون: هو تحيّة المجوس فيما بينهم عشر ألف سنة وكلمة ألف
نیروز ومهرجان.
قال الله تعالى: ﴿وما هو بمزحزحه من العذاب﴾ من النّار.
﴿أن يعمّر﴾ أي تعميره: زحزحته فزحزح: أي بعدّته فتباعد يكون لازماً ومتعدياً. قال ذو
الرُّمة في المتعدي :
يا قابض الرّوح من نفسي إذا احتضرت وغافر الذّنب زحزحني عن النّار
وقال الراجز، فى اللازم: خليلي ما بال الدجى لا يزحزح وما بال ضوء الصبح لا
يتوضح. ﴿قُل من كان عدواً لجبريل﴾ الآية
قال ابن عبّاس: إن حبراً من أحبار اليهود يُقال له عبدالله بن صوريا كان قد حاج النبيّ وَل
وسأله عن أشياء. فلما اتجهت الحُجّة عليه قال: أيّ ملك يأتيك من السّماء؟
قال: ((جبرئيل ولم يُبعث الكتاب لأنبياء قط إلاّ وهو وليه)) [٩٦]. قال: ذلك عدُونا من
(١) تفسير البغوي: ١/ ٩٥، وتفسير الكشاف: ١٦٧/١.

٢٣٩
سورة البقرة، الآيات: ٩٤ - ٩٩
الملائكة ولو كان ميكائيل مكانه لآمنّا بك؛ لأنّ جبرئيل ينزل بالعذاب والقتال والشقوة وإنّه
عادانا مراراً كثيرة، وكان أشدُ ذلك علينا أنّ الله تعالى أنزله على نبينا فَلَّهُ إنّ بيت المقدس
سيُخرب على يد رجل يقال له: بخت نصّر، وأخبرنا بالحين الذي يُخرب فيه، فلما كان وقته
بعثنا رجلاً من أقوياء بني إسرائيل في طلب بخت نصّر ليقتله فانطلق يطلبه حتّى لقيه ببابل غلاماً
مسكيناً ليست له قوة. فأخذه صاحبنا ليقتله فدفع عنه جبرئيل عل* وقال لصاحبنا: إنّ كان ربكم
هو الذي أذن في هلاككم فلن تسلّط عليه، وإن لم يكن هذا فعلى أي حق تقتله. فصدقه صاحبنا
ورجع ◌َلَّل: فكبر بخت نصّر وقوي وغزانا وخرّب بيت المقدّس؛ فلهذا نتخذه عدواً. فأنزل الله
تعالى هذه الآية.
قال مقاتل: قالت اليهود ان جبرئيل عدونا أمرنا أن تجعل النبوّة فينا فجلعها في غيرنا
فأنزل الله تعالى هذه الآية.
قتادة وعكرمة والسّدي: فكان لعمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أرض بأعلى المدينة
وممرها على مدارس اليهود، وكان عمر إذا أتى أرضه يأتيهم ويسمع منهم ويكلمهم. فقالوا: يا
عمر ما في أصحاب محمّد إحب إلينا منك. إنّهم يمرّون هنا فيأذونا وأنت لا تؤذينا وأنّا لنطمع
فيك فقال عمر: والله ما أحبكم لحبكم، ولا أسألكم لأنّي شاك في ديني، وإنّما أدخل عليكم
لأزداد بصيرة في أمر محمّد ◌ّ وأرى آثاره في كتابكم. فقالوا: من نصّب محمّد من الملائكة؟
قال: جبريل. فقالوا: ذلك عدوّنا يطلع محمّد على سرنا، وهو صاحب عذاب وخسف
وسنة وشدة، وإنّ ميكائيل جاء بالخصب والسّلم. فقال لهم عمر: أتعرفون جبرئيل وتنكرون
محمّداً ..! قالوا: نعم.
قال: فاخبروني عن منزلة جبرئيل وميكائيل من الله عزّ وجلّ؟
قالوا: جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره، وميكائيل عدّو لجبرئيل فقال عمر: وإنّي
أشهد أنّ من كان عدوّاً لجبرئيل فهو عدوّا لميكائيل ومن كان عدواً لميكائيل فهو عدوّ لجبرئيل،
ومن كان عدواً لهما فإنّ الله عدوّ له، ثمّ رجع عمر إلى رسول الله ◌ّر فوجد جبرئيل قد سبقه
بالوحي فقرأ عليه رسول الله ◌َ ◌ّر هذه الآية وقال: ((لقد وافقك ربّك يا عمر)) فقال عمر: لقد
رأيتني في دين الله بعد ذلك أصلب من الحجر.
قال الله تعالى تصديقاً لعمر (رضي الله عنه) ﴿قل من كان عدوّاً لجبرئيل﴾ وفي جبرئيل
سبع لغات :
(جبرئيل) مهموز، مشبع مفتوح الجيم والراء، وهي قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر وخلف
واختيار أبي عبيد، وقال: رأيت في مصحف عثمان الذي يُقال له: الإمام بالياء في جبريل
وميكايل [والياء قبل] الياء تدلّ على الهمزة، وقال الشاعر:
شهدنا فما يُلقى لنا من كتيبة
مدى الدهر إلاّ جبرئيل امامها

٢٤٠
الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي
(وجبرائيل) ممدود، مهموز، مشبع، على وزن جبراعيل، وهي قراءة ابن عبّاس وعلقمة
وابن وثاب.
(وجبرائل) ممدود، مهموز، مختلس على وزن جبراعل وهي قراءة طلحة بن مصرف.
(وجبرئل) مهموز، مقصور مختلس على وزن جبرعل، وهي قراءة يحيى بن آدم.
(وجبرالٌ) مهموز، مقصور، مشدّد اللام من غير ياء، وهي قراءة يحيى بن يعمر، وعيسى
ابن عمر، والأعمش.
(وجبريل) بفتح الجيم وكسر الرّاء من غير همز، وهي قراءة ابن كثير وأنشد لحسان:
وروح القدس ليس به خفاء
وجبريل أمين الله فينا
(وجبريل) بكسر الجيم والراء من غير همزة وهي قراءة علي، وأبي عبد الرّحمن، وأبي
رجاء، وأبي العالية، وسعيد بن المسيب، والحسن، ومعظم أهل البصرة والمدينة، واختيار أبي
حاتم، وقدروي عن النبيّ ◌َّآر ذلك.
وعن شبل عن عبدالله بن كثير قال: رأيت رسول الله وَله في المنام وهو يقرأ جبريل بكسر
الجيم والراء من غير همز. فلا أقرأها إلاّ هكذا.
قال الثعلبي: والصّحيح المشهور عن كثير ما تقدّم والله أعلم.
أما التفسير فقال العلماء: جبر هو العبد بالسريانية وأيل هو الله عزّ وجلّ يدلّ عليه ما روى.
إسماعيل عن رجاء عن معاوية برفعه قال: إنّما جبرئيل وميكائيل كقولك عبدالله وعبدالرّحمن،
وقيل جبرئيل مأخوذ من جبروت الله، وميكائيل من ملكوت الله.
﴿فإنّه﴾ يعني جبرئيل. ﴿نزّله﴾ يعني القرآن كتابه عن غير مذكور كقوله ﴿ولو يؤاخذ الله
الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة﴾(١) يعني الأرض، وقوله ﴿حتّى توارت
بالحجاب﴾(٢) يعني الشمس.
﴿على قلبك﴾ يا محمد ﴿بإذن الله﴾ بأمر الله.
﴿مُصدقاً﴾ موافقاً.
﴿لما بين يديه﴾ لما قبله من الكتب.
﴿وهدئً وبشری للمؤمنين﴾ ﴿من کان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل﴾
أخرجهما بالذّكر من جملة الملائكة ومواضعهم على جهة التفضيل والتخصيص، كقوله تعالى
﴿فيهما فاكهة ونخل ورّمان﴾(٣) وميكائيل أربع لغات:
(١) سورة فاطر: ٤٥.
(٣) سورة الرحمن: ٦٨.
(٢) سورة ص: ٣٢.