النص المفهرس

صفحات 621-640

٦٢١
سورة الزلزلة
وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الزمر: ٣٣-٣٥]، فلمَّا وصفَ هؤلاء
بالتَّقوى والإحسان، دلَّ على أنَّهم ليسُوا بمصرِّين على الذُّنُوبِ، بل هم تائبونَ
مِنْهَا.
وقوله: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الزمر: ٣٥] يدخلُ فيه الكبائرُ،
لأنها أسوأُ الأعمال، وقالَ: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِرْ عَنْهُ سَيِئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾
[ الطلاق: ٥]، فرتَّبَ على التقوى المتضمنةِ لفعلِ الواجباتِ وتركِ المحرَّمات،
تكفيرَ السيئاتِ وتعظيمَ الأجرِ، وأخبرَ اللَّهُ عَن المؤمنين المتفكِّرِين في خلق
السماواتِ والأرض أنَّهم قالُوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّ سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ
فَأَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيْئَاتِنَا وَتَوَفَّا مَعَ الأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣]، وأخبر
أَنَّه استجابَ لهم ذلكَ، وأَنَّه كفَّر عنهم سيئاتِهم، وأدخلهم الجناتِ .
وقولُه: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ فخصَّ الذنوبَ بالمغفرةِ،
والسيئات بالتَّكفيرِ، فقد يقالُ: السيئاتُ تخصُّ الصغائرَ، والذنوبُ يرادُ بها
الكبائر، فالسيئاتُ تكفر، لأن اللَّه جعل لها كفاراتٍ في الدنيا شرعيةً
وقدريةً، والذنوبُ تحتاجُ إلى مغفرةٍ تقي صاحبَها مِنْ شرِّها، والمغفرةُ والتكفيرُ
متقاربان، فإنَّ المغفرةَ قد قيل: إنها سَتْرُ الذُّنُوبِ، وقيلَ: وقايةُ شرّ الذنبِ مع
سترِهِ، ولهذا يسمَّى ما سترَ الرأسَ ووقاهُ في الحربِ: مِغْفَرًا، ولا يسمَّى كلُّ
ساترٍ للرأس مغفرًا، وقد أخبرَ اللَّهُ عن الملائكةِ أنَّهم يدعونَ للمؤمنينَ التائبينَ
بالمغفرةِ ووقايةِ السيئاتِ والتكفيرِ مِنْ هذا الجنس، لأنَّ أصلَ الكفرِ السترُ
والتغطيةُ أيضًا .
وقد فرَّق بعضُ المتأخرينَ بينهما بأنَّ التكفيرَ محوُ أثرِ الذَّنْب، حتَّى كأنَّه لم

٦٢٢
سورة الزلزلة
يكن، والمغفرة تتضمن - مع ذلكَ - إفضالَ اللَّه على العبد وإكرامه، وفي هذا
نظر (١) .
دخلت امرأةٌ على عائشةَ، قد شُلَّت يدُها فقالتْ: يا أمَّ المؤمنينَ، بتُّ
البارحةَ صحيحةَ اليد وأصبحتُ شلاء !! قالتْ عائشةُ: وما ذاك؟ قالتْ: كان
لي أبوانِ موسرانِ، كانَ أبي يعطي الزكاةَ، ويُقْرِي الضيفَ، ويعطِي السائلَ،
ولا يحقرُ من الخيرِ شيئًا إلا فعلَهُ، وكانتْ أمِّي امرأةً بخيلةً ممسكةً، لا تصنعُ
في مالِهَا خَيرًا، فمات أبي ثم ماتتْ أمِّي بعدَ شهرين، فرأيتُ البارحةَ في
منامِي أبي، وعندَهُ ثوبانِ أصفرانٍ، بينَ يديه نهرٌ جارٍ، قلتُ: يا أبته ما هذا؟
قال يا بنية: من يعملُ في هذه الدنيا خيراً يره، هذا أعطانيه اللَّهُ تعالى،
قلتُ: فما فعلتْ أمِّي؟ قالَ: وقد ماتتْ أمُّك؟ قلتُ: نَعم، قالَ: هيهات
عُدلت عنا، فاذهبي فالتمسيها ذاتَ الشمالِ، فالتفتُّ عن شمالِي فإذا أنا بأمِّي
قائمةٌ عريانةٌ مؤتزرةٌ بخرقة، بيدِها شُحيمةٌ تنادي: وا لهفاه وا حزناه
وا عطشاه !! فإذا بلغَهَا الجهدُ دلكتْ تلك الشحيمةَ براحتِهَا ثم لحسَتْها، وإذا
بينَ يديها نهرٌ جارٍ، قلتُ: أيا أُمَّاه! ما لك تنادينَ العطشَ وبين يديكِ نهرٌ
جارٍ، قالت: لا أتركُ أن أشربَ منه، قلتُ: أفلا أسقيك، قالتْ: وددتُ أنك
فعلت، فغرفتُ لها غرفةً فسقيتُها، فلمَّا شربتْ نادَى منادٍ من ذاتِ اليمينِ:
ألا من سَقَى هذه المرأةَ شُلَّت يمينُهُ، مرتينٍ، فأصبحتُ شلاء اليمينِ، لا
أستطيعُ أن أعملَ بيمِيني.
قالتْ لها عائشةُ: وعرَفْت الخرقةَ؟ قالتْ: نعم يا أمَّ المؤمنينَ، وهي التي
(١) ((جامع العلوم والحكم)) (٤٥٦/١ - ٤٦٠).

٦٢٣
سورة الزلزلة
رأيتُها عليْهَا، ما رأيتُ أمي تصدَّقت بشيءٍ قط، إلا أنَّ أبي نحرَ ذاتَ يومٍ
ثورًا، فجاءَهُ سائلٌ فعمدتْ أمِّي إلى عظم عليه شُحيمةٌ فناولتها إياهُ، وما
رأيتُها تصدقتْ بشيءٍ إلا أنَّ سائلاً جاء يسألُ، فعمدت أمِّي إلى خرقةٍ فناولتْها
إياهُ.
فكَبَّرتْ عائشةُ فِوَّها وقالتْ: صدقَ اللَّهُ، وبلَّغَ رسولُهُ فَهِ: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿٣﴾ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧، ٨].
أخرجه الحافظ أبو موسى المديني في كتابه ((الترغيب والترهيب)) من طريق
أبي الشيخ الأصبهاني الحافظ، بإسناد حسن(١) .
(١) ((شرح حديث: يتبع الميت ثلاث)) (٣٦ - ٣٧).

سُورَةُ التَّكَاثُرِ
و رؤ ي /
قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ لَتَسْأَلَنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النّعِيمِ:
هذه النعم مما يُسئلُ الإنسانُ عن شكرها يومَ القيامة، ويُطالب به، كما قالَ
عزَّ وجلَّ: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:٨].
وخرَّج الترمذيُ وابنُ حبَّانَ من حديث أبي هريرة عن النبيِّ وَِّ، قالَ: ((إنَّ
أوَّلَ ما يُسألُ عنه العبد يومَ القيامة مِن النعيم، فيقولُ له: ألم نصحَّ لك جِسمَك ونُرْوِيكَ
من الماء الباردِ؟))(١).
وقال ابنُ مسعودِ ◌ِّهِ: النعيمُ: الأمنُ والصحةُ، ورويَ عنه مرفوعًا .
وقال عليّ بن أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ في قولهِ: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ
النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]، قال: النعيمُ: صحَّةُ الأبدانِ والأسماعِ والأبصارِ، يسألُ
اللَّهُ العبادَ: فيما استعملُوها؟ وهو أعلمُ بذلك منهم، وهو قولُه تعالى: ﴿إِنَّ
السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء: ٣٦].
وخرَّجَ الطبرانيُّ من روايةٍ أيوبَ بنِ عُتُبَةَ - وفيه ضعفٌ - عن عطاء، عن
ابنِ عمرَ، عن النبيِّ وَلَهُ: ((من قالَ: لا إلهَ إلا اللَّهُ، كانَ لهُ بها عهدٌ عندَ اللَّه، ومن
قالَ: سبحانَ الله وبحمده، كُتُبَ له بها مائةُ ألف حسنة ، وأربعةٌ وعشرونَ ألف حسنة))
ء
فقالَ رجلٌ: كيفَ نَهلكُ بعدَ هذا يا رسولَ اللَّه؟ قال: ((إنَّ الرجلَ ليأتي يومَ
(١) أخرجه: الترمذي (٣٣٥٨)، وابن حبان (٧٣٦٤).

٦٢٥
سورة التكاثر
القيامة بالعمل، لو وُضِعَ على جبلٍ لأثقله، فتقومُ النِّعمَةُ من نعم اللَّه، فتكاد أن تستنفدَ
ذلك كلّه، إلا أن يتطاول اللَّه برحمته))(١).
وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادٍ فيه ضعفٌ - أيضًا - عن أنسٍ، عن النبيِّ وََّ،
قالَ: ((يُؤتى بالنعم يومَ القيامة، وبالحسنات والسيئات، فيقولُ اللَّه لنعمة من نعمه:
خذي حقك من حسناته فما تتركُ له حسنةً إلا ذهبتْ بِهَا)).
وبإسناده عن وهب بن منبهِ، قالَ: عبدَ اللَّهَ عابدٌ خمسينَ عامًا، فأوحى
اللَّهُ عزَّ وجلَّ إليه: إنِّي قد غفرتُ لكَ، قال: يا ربِّ، وما تغفرُ لي ولم
أذنبْ؟ فأذِنَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ لِعِرْقٍ في عنقه فضرب عليه، فلم ينم، ولم يُصلِّ،
ثم سكنَ وقامَ، فأتاه مَلَكٌ، فشكا إليه ما لقيَ من ضربان العرقِ، فقالَ
الملكُ: إنَّ رَبَّك عزَّ وجلَّ يقولُ: ((عبادتُك خمسين سنة تعدلُ سكون ذا العرقِ)).
وخرَّج الحاكمُ هذا المعنى مرفوعًا من روايةِ سليمانَ بنِ هرمٍ القرشيِّ عن
محمدِ بنِ المنكدرِ عن جابرٍ عن النبيِّ وَِّ: أن جبريل أخبرهُ أن عابدًا عبدَ اللَّهَ
على رأسٍ جبلٍ في البحرِ خمسَ مائةٍ سنةَ، ثم سألَ ربَّه أن يقبضهُ وهو
ساجدٌ، قالَ: فنحنُ ثُمُرُّ عليهِ إذا هبطْنَا وإذا عرَجنا، ونجدُ في العلمِ أنه يُبعث
يومَ القيامةِ، فيوقف بينَ يدي اللَّه عزَّ وجلَّ، فيقولُ الربُّ عزَّ وجلَّ: أدخلوا
عبدي الجنةَ برحمتِي، فيقولُ العبدُ: يا ربِّ، بعملِي، ثلاثَ مرَّاتٍ، ثم يقولُ
اللَّهُ للملائكة: قايسُوا عبدِي بنعمَتَي عليه وبعملِهِ، فيجدونَ نعمةَ البصرِ قد
أحاطتْ بعبادَةِ خمسٍ مائةٍ سنةٍ، وبقيتْ نِعَمُ الجسدِ لهُ، فيقولُ: أدخلوا عَبْديَ
النارَ، فيُجرُّ إلى النارِ، فينادِي رَبَّه: برحمتكَ أدخلني الجنةَ، برحمتكَ،
(١) أخرجه: الطبراني في ((الأوسط)) (١٥٨١).

٦٢٦
سورة التكاثر
فيدخلُه الجنةَ، قالَ جبريلُ: إنما الأشياء برحمةِ اللَّهِ يا محمدُ (١)
وسُليمانُ بن هرمٍ، قال العقيليُّ: هو مجهولٌ وحديثُه غيرُ محفوظ.
وروى الخرائطيُّ بإسنادٍ فيه نظرٌ، عن عبدِ اللَّهِ بن عمرو مرفوعًا: ((يُؤْتَى
بالعبدِ يومَ القيامةِ، فيُوقَفُ بين يدي اللَّه، فيقولُ لملائكتهِ: انظرُوا في عملِ عبدِي ونعمِتِي
عليه، فينظرونَ فيقولونَ: ولا بقدْرِ نعمةٍ واحدة من نِعَمكَ عليهِ، فيقولُ: انظروا في عملِهِ
سيِّئْه وصالحه، فينظرونَ فيجدونَ كَفَافًا، فيقولُ: عبدي، قد قبلتُ حسناتك، وغفرتُ لك
سيِّاتكَ، وقد وهبتُ لكَ نِعَمِي فِيمَا بينَ ذلكَ)(٢).
(١) أخرجه: الحاكم (٤/ ٢٥٠).
(٢) ((جامع العلوم والحكم)) (٥٩/٢ - ٦٢).

ورؤ ورد
سورة الهمزة
﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا
قالَ اللَّهِ تعالَى: ﴿كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ
الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْدَة ◌ُ
٦
نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ
الحطمة
قال محمدُ بنُ كعب القرظيّ في قولهِ: ﴿تَطَِّعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ﴾ قال: تأكُلُهُ
النارُ إلى فؤادِهِ، فإذا بلغتْ فؤادَهُ أنشئ خلقُهُ.
عن ثابت البنانيِّ أنه قرأ هذه الآيةَ ثم قال: تحرقُهُم إلى الأفئدةِ وهم أحياء
لقد بلغَ منهم العذابُ ثم يبكي .
وقال اللَّه عزَّ وجلّ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ ﴿٧: لا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ ﴾ْ لَوَّاحَةٌ
لَلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٢٧ -٢٩] قال صالحُ بن حيانَ عن ابنِ بريدةَ في قوله: ﴿لا تُبْقِي
وَلَا تَذَرُ﴾ قالَ: تأكلُ العظمَ واللحمَ والمخَّ ولا تذرُهُ على ذلك.
وقال السديُّ: لا تُبقي من جلودِهم شيئًا ولا تذرُهُم من العذابِ، وقالَ أبو
سنانَ: لا تذرُهُم إذا بُدِّلُوا خلقًا جديدًا.
وقالَ أبو رزينٍ في قولهِ: ﴿لَوََّحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾ قال: تلفحُ وجههُ لفحةً تدعه
أشدَّ سوادًا من الليلِ، قال قتادةُ ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾: حراقةٌ للجلد، خرجه كلَّهُ
ابنُ أبي حاتم وغيره .
وقال اللَّهُ تعالَى: ﴿كَلَّ إِنَّهَا لَظَى :﴿١٥: نَزَّاعَةً لَّلشَّوَى﴾ [المعارج: ١٥ -١٦] قال:
تحرقُ كلَّ شيءٍ منهُ ويبقى فؤادُهُ يصيحُ، وعن ابنِ زيدِ قالَ: تقطَّعُ عظامُهُم ثم

٦٢٨
سورة الهمزة
يجددُ خلقُهم وتبدلُ جلودهم .
وروى ابنُ مهاجرٍ عن مجاهدٍ في قوله: ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ تنزعُ الجلدَ، وعنه
قالَ: تنزعُ اللحمَ ما دونَ العظمِ (١).
قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ ﴾
وقد وصفَ اللَّهُ أبوابَها أنها مغلقةٌ على أهلِهَا فقالَ: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ﴾
[الهمزة: ٨]، وقال تعالَى: ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ [البلد: ٢٠].
قال مجاهدٌ: هي بلغةٍ قريشٍ: أصدَ البابَ أغلقَهُ يعني قولَهُ: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾
وقالَ مقاتل: يعني أبوابها مطبقةً عليهم، فلا يفتحُ لها بابٌ، ولا يخرجُ منها
غمّ، ولا يدخلُ فيها روحٌ آخرَ الأبدِ .
وقد وردَ في ذلك حديثٌ مرفوعٌ خرجهُ ابنُ مردويه من طريقِ شجاعٍ بِنِ
أشرسَ حدثنا شريكٌ، عن عاصمٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، عن
النبيِّ وَّهِ ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُؤْصَدَةٌ﴾ قال: ((مطبقةٌ))، ولكنَّ رفعَهُ لا يصحُّ؛ وقد
خرجهُ آدمُ بنُ أبي إياسٍ في ((تفسيرِهِ)) عن شريكِ بهذا الإسنادِ موقوفًا عن أبي
هريرةَ، ورواهُ إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ عن أبي صالحٍ من قولهِ ولم يذكر فيهِ
أبا هريرةَ، وكذا قالَ عطاءٌ الخراسانيُّ وغيرُه في ((المؤصدة)) أنها المطبقةُ.
وعن الضحاك قالَ: حائطٌ لا بابَ لهُ، ومرادُه - واللَّهُ أعلمُ - أن الأبوابَ
أطبقتْ فصار الجدارُ كأنه لا بابَ لهُ، وقولُه تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ
٨
فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة: ٨، ٩] معناه: أطبقت عليهم بعمد، قال قتادة: وكذلك
(١) ((التخويف من النار)) (١٤٦ - ١٤٧).

٦٢٩
سورة الهمزة
هو في قراءةِ عبدِ اللهِ بعمد بالباءِ، قال عطيةُ: هي عمدٌ من حديدٍ في النارِ،
وقالَ مقاتلٌ: أطبقتِ الأبوابُ عليهم ثم شدتْ بأوتادٍ من حدیدٍ حتى يرجعُ
عليهم غمُّها وحرُّها.
وعلى هذا فقوله: ﴿مُّمَدَّدَةٍ﴾ صفة للعمدِ يعني أن العمدَ التي أوثقت بها
الأبوابُ ممددةٌ مطولةٌ، والممدودُ الطويلُ أرسخُ وأثبتُ من القصيرِ .
وفي ((تفسيرِ العوفيِّ) عن ابنِ عباسٍ في قولِهِ: ﴿فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾ قالَ: هِيَ
عليهم مغلقةٌ أدخلهُم في عمدٍ فمدتْ عليهِم بعمادٍ وفي أعناقهم السلاسلُ
فسدتْ به الأبوابَ وقيلَ: إن الممددةَ صفةٌ للأبوابِ، رواه شبيبُ بنُ بشيرٍ عن
عكرمةَ عن ابنِ عباسٍ وقيلَ: المرادُ بالعمدِ الممددةِ: القيودُ الطوال، رواهُ
إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ عن أبي صالحٍ، ورواهُ أبو خبابُ الكلبيَّ عن زبيدٍ عن
إبراهيمَ، قالَ: قالَ عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ في قولهِ تعالى: ﴿فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾
قالَ: هيَ الأدهمُ، وقد تقدَّم أنَّ عبدَ اللَّهِ كانَ يقرؤُهَا بعمدٍ والأدْهَمُ: القيدُ.
وكذا قالَ ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فِ عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾ قالَ: في عمدٍ من حدید
مغلولينَ فيه، وتلك العمدُ من نارِ قد احترقتْ من النارِ فهي ممددةٌ لهم.
وقيلَ: إن المرادَ بالعمدِ الممددةِ: الزمانُ الذي لا انقطاعَ له، قاله أبو
فاطمةَ.
وقال السديُّ: من قرأَهَا ﴿فِي عَمَدٍ﴾ يعني بالفتحِ فهيَ عمدٌ من نارٍ، ومن
قرأَهَا في ﴿عُمُدُ﴾ يعني بالضَمِّ فهو أجل ممدود.
وقال سعيدُ بنُ بشيرِ عن قتادةَ: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ أي: مطبقةٌ أطبقَهَا اللَّهُ عليهم
فلا ضوءَ فيها ولا فرجَ ولا خروجَ منها آخرَ الأبدِ .

٦٣٠
سورة الهمزة
وهذا الإطباقُ نوعانِ:
أحدُهما: خاصٌ لمن يدخلُ في النارِ أو مَن يريدُ التضييقَ عليهِ، أجارنا اللَّهُ
من ذلكَ، قال أبو توبة اليزنيّ: إنَّ في النارِ أقوامًا مؤصدةٌ عليهم كما يطبقُ
الحقُّ على طبقهِ، خرجه ابنُ أبي حاتمٍ.
والثاني: الإطباقُ العامُّ وهو إطباقُ النارِ على أهلِها المخلدينَ فِيهَا.
وقد قالَ سفيانُ وغيرُهُ في قولِهِ تعالى: ﴿لا يَحْزَنُهُمُ الْفَرَعُ الأَكْبَرُ﴾
[الأنبياء: ١٠٣] قالوا: هو طبقُ النارِ على أهلِها.
وفي حديثِ مسكينَ أبي فاطمةَ عن اليمانِ بنِ يزيدِ، عن محمدِ بن حمیرٍ،
عن محمدِ بنِ عليٍّ، عن أبيهِ، عن جدٍِّ عن النبيِّ نَّهِ فِي خروجِ الموحدينَ
من النارِ، قالَ: ((ثم يبعثُ اللَّهُ ملائكةٌ معهمُ مساميرُ من نار وأطباقُ من نار، فيطبقونَهَا
على من بقي فيها ويسمرونَها بتلكَ المساميرِ، يتناساهمُ الجبارُ على عرشه من رحمته،
ويشتغلُ عنهم أهلُ الجنةِ بنعيمِهمٍ ولذاتِهِمِ) خرجهُ الإسماعيليُّ وغيره، وهو
ءِ
حديثٌ منكر؛ قاله الدارقطني.
وروى ابنُ أبي حاتمٍ بإسنادِهِ عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قالَ: ينادِي رجلٌ في
شعبٍ من شعابِ النارِ مقدارَ ألف عامٍ، يا حَنَّان يا مَنَّان، فيقولُ اللهُ تعالى:
يا جبريلُ أخرجْ عبدِي، فيجدُها مطبقةٌ، فيقولُ: يا رب إنَّها عليهم مطبقةٌ
مؤصدةٌ .
وقال قتادةُ عن أبي أيوبَ العتكيُّ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو: إذَا أجابَ اللَّهُ
أهلَ النارِ بقوله: ﴿اخْسَنُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونٍ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] أطبقت عليهم،
فبئس القومُ بعدَ تلكَ الكلمةِ، وإن كانَ إلا الزفيرُ والشهيقُ.

٦٣١
سورة الهمزة
وقال أبو الزعراء عن ابنِ مسعودٍ: وإذا قيلَ لهمُ: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا
تُكَلِّمُونِ﴾ أطبقتْ عليهم فلم يخرج منهم أحدٌ.
وقال أبو عمرانَ الجوني: إذا كانَ يومَ القيامةِ أمرَ اللَّهُ بكلِّ جبارِ عنيد،
وكلِّ شيطان مريدٍ، وبكلِّ من يخافُ في الدنيا شره العبيدِ، فأوثقُوا بالحديد،
ثم أمرَ بهم إلى جهنَم التي لا تبيدُ، ثم أوصدَهَا عليهم ملائكةُ ربِّ العبيدِ،
قالَ: فلا واللَّه لا تستقرُّ أقدامُهم على قرارِ أبدًا، ولا واللَّهِ لا ينظرونَ فيها
إلى أديمٍ سماء أبدًا، ولا واللَّهِ لا تلتقي جفونُ أعينِهِم على غمضِ نومٍ أبدًا،
ولا واللَّه لا يذوقونَ فيها باردُ شراب أبدًا .
وفي معنى إطباقِ النارِ على أهلِهَا يقولُ بعضُ السلف ◌ِ شَه:
ألبسُوا النضيجَ من النحاسِ، ومنعوا خروجَ الأنفاسِ، فالأنفاسُ في
أجوافِهِم تترددُ، والنيرانُ على أبدانهم توقدُ، قد أطبقتْ عليهم الأبوابُ
وغضبَ عليهم ربُّ الأربابِ، وأنشدَ بعضُهم في هذا المعنى:
لو أبصرتْ عيناكَ أهلَ الشَّقَا سِيقُوا إلى النارِ وقدْ أُحرِقُوا
يَصْلَونَها حينَ عَصَوا رَبَّهُم وخالفُوا الرسلَ وما صدَّقُوا
تقولُ أُخرَهُم لأولاهُمُ في لحجِ المهلِ وقد أغْرِقُوا
قد كنتمُ حذرتمُ حرَّهَا لكنْ من النيرانِ لم تَفْرَقُوا
وجيءَ بالنيرانِ مزمُومةً شَرَارُهَا مِنْ حولِهَا محرقُ
وقيلَ للنيرانِ أنْ أحرِقِي وقيلَ للخزانِ أنْ أطبقُوا
وقد وردَ في بعضِ أحاديثِ الشفاعةِ فتحُ بابِ النارِ، فخرجَ الطبرانيُ(١) من
(١) أخرجه: الطبراني في ((الأوسط)): كما قال الهيثمي في ((المجمع)) (٣٧٩/١٠).

٦٣٢
سورة الهمزة
روايةِ العباسِ بنِ عوسجةَ، حدثني مطرٌ أبو مُوسى مولَى آل طلحةَ، عن
أبي هريرةَ عن النبيِّنَّهِ: ((إنَّى آتي جهنّم فأضربُ بابَها، فيفتحُ لي فأدخُلُها، فأحمدُ
اللَّهَ بمحامد ما حمَدهُ بها أحدٌ قبلي مثلَهَا ولا يحمدُ أحدٌ بعدي، ثم أخرجُ منها من قالَ:
لا إلهَ إلا اللَّهُ مخلصًا، فيقومُ إليَّ ناسٌ من قريشٍ فينتسبونَ إليّ، فأعرف نسبَهُم ولا
أعرفُ وجوهَهُم فأتركهم في النارِ)) إسنادُه ضعيفٌ(١) .
۔
(١) ((التخويف من النار)) (٦١ - ٦٤).

و رُ
سُورَةُ الْفيل
· أَلَمْ
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ
08-0- 0/0
يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلِ ﴿٣﴾ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ
، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ ﴾
٤
تَرمِیهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِیلٍ
كانت قصَّةُ الفيلِ توطِئةً لنبوَّتِهِ وتقدمَةً لظُهورِهِ وبعثتِهِ مَةِ، وقد قصَّ اللَّه
تعالى ذلك في كتابه فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ﴿2﴾، أَلَمْ
يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ { وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ﴿(٣)﴾ تَرْمِهِم بِحِجَارَةٍ مِّنْ
سِجِيلٍ ﴿﴿ِ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ ﴾ [الفيل: ١ -٥].
فقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ استفهامُ تقريرٍ لِمن سمع هذا
الخطابَ، وهذا يدلُّ على اشتهارِ ذلكَ بينهم ومعرفتهم به، وأنَّه مما لا يخفَى
علمُه على العرب، خصوصًا قريش وأهل مكَّةً، وهذا أمرٌ اشتهرَ بينهُم
وتعارفُوه، وقالوا فيه الأشعارَ السَّائرةَ.
وقد قالتْ عائشةُ ◌ُِّها: رأيتُ قائدَ الفيلِ وسَائِسَهُ بمكَّةَ أعميينِ يستطعمانِ،
وفي هذه القصَّةِ ما يدلُّ على تعظيمِ مكَّةً، واحترامِها واحترامٍ بيتِ اللَّهِ الذي
فيها، وولادةُ النَّبِيِّ وَلّهِ عقيبَ ذلك تدُلُّ على نبوَّتَه ورسالته؛ فإنَّه ◌ِ لَهُ بُعثَ
بتعظيمِ هذا البيتِ وحجِّه والصَّلاة إليهِ، وكانَ هذا البلدُ هو موطنه ومولده،
فاضطرَّه قومُهُ عندَ دعوتِهِم إلى اللَّهِ تعالى إلى الخُروجِ منه كُرْهًا بما نالوه منه

٦٣٤
سورة الفيل
مِنَ الأذى، ثم إنَّ اللَّه تعالى ظفَّرهُ بهم، وأدخلهُ عليهم قهرًا، فملكَ البلدَ
عنوةً، وملكَ رقابَ أهلهِ، ثمَّ منَّ عليهِم وأطلقهم وعفا عنهم، فكانَ في
تسليط نبيِّه ◌َلَّ على هذا البلدِ وتمليكهِ إِيَّه ولأمَّتَهِ منْ بعدِهِ ما دلَّ على صحَّةً
نبوَّته، فإنَّ اللَّهَ حبسَ عنه من يُريدُه بالأذى وأهلكهُ، ثم سلَّطَ عليه رسولهُ
وأمَّتَهُ كما قال ◌َّهُ: ((إنَّ اللَّه حبسَ عن مكَّةَ الفيلَ وسلَّطَ عليها رسولهُ والمؤمنين))(١).
فإنَّ الرسولَ وَ لَه وأُمته إنَّما كان قصدُهم تعظيمَ البيتِ وتكريمهُ واحترامَهُ،
ولهذا أنكرَ النّبِيِّ نَّ يومَ الفتحِ على منْ قال: اليومَ تُستحلُّ الكعبةُ، وقال:
(اليومَ تُعظَُّ الكعبةُ)(٢) ، وقد كان أهلُ الجاهليةِ غَيَّروا دينَ إبراهيمَ وإسماعيلَ بما
ابتدَعوه من الشِّركِ وتغييرِ بعضِ مناسكِ الحجِّ، فسلَّطَ اللَّهُ رسولهُ وأُمته على
مكَّةَ فطهَّرُوها مِن ذلك كلِّه، وردُّوا الأمرَ إلى دينِ إبراهيمَ الحنيفِ، وهو
الذي دعا لهم مع ابنه إسماعيلَ عند بناءِ البيت أن يبعثَ اللَّه فيهم رسولاً
منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمةَ، فبعثَ اللَّهُ فيهم
محمَّدًا وَلّهِ مِن ولدِ إسماعيلَ بهذه الصِّفَةِ، فطهَّرَ البيتَ وما حولَه من
الشِّركِ، وردَّ الأمرَ إلى دينِ إبراهيمَ الحنيفِ، والتوحيدِ الذي لأجلِهِ بُنيَ
البيتُ، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِرْ
بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦].
وأمَّا تسليطُ القرامطةِ على البيتِ بعد ذلك، فإنَّما كانَ عقوبةً بسببِ ذنوبِ
النَّاسِ، ولم يصلُوا إلى هدمِهِ ونقضِهِ ومنعِ النَّاسِ من حجِّهِ وزيارِتِهِ، كما كان
يفعلُ أصحابُ الفيلِ لو قدرُوا على هدمِهِ وصرفِ النَّاسِ عن حجِّهِ،
(١) أخرجه: البخاري (٣٩/١)، ومسلم (٤/ ١١٠).
(٢) أخرجه: البخاري (١٨٦/٥ - ١٨٧).

٦٣٥
سورة الفيل
والقرامطةُ أخذُوا الحجرَ والبابَ، وقتلوا الحاجَّ وسلبُوهم أموالَهم، ولم
يتمكّنُوا من منعِ النَّاسِ من حجِّهِ بالكُلِيَّةِ، ولا قدرُوا على هدمِهِ بالكليةِ، كما
كانَ أصحابُ الفيلِ يقصدُونهُ، ثم أذَلَّهم اللَّهُ بعدَ ذلكَ وخذلَهم وهتكَ
أستارَهُم، وكشفَ أسرارَهُم.
والبيتُ الْمُعظّمُ باقٍ على حالِهِ من التَّعظيمِ، والزِّيارةِ، والحجِّ والاعتمارِ،
والصَّلاةِ إليه، لم يبطُلْ شيءٌ من ذلك عنه بحمدِ اللَّهِ ومنِّهِ، وغايةُ أمرِهِم
أنَّهم أخافُوا حاجَّ العراقِ حَتَّى انقطعُوا بعضَ السِّين، ثم عادُوا، ولم يزلِ اللَّهُ
يمتحنُ عبادَهُ المؤمنينَ بما يشاءُ من المحن، ولكن دينه قائمٌ محفوظٌ لا يزالُ
تقومُ به أُمَّةٌ من أُمَّةٍ محمدٍ ◌ِِّ لا يضرُّهُمْ منْ خذلَهم حتَّى يَأْتِيَ أمرُ اللَّهِ وهُمْ
على ذلك، كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ
يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ٢٢
عَلَى الدِّينِ كُلِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٢، ٣٣].
وقد أخبرَ النَّبِيُّ ◌َِّ أنَّ هذا البيتَ يُحِجّ ويُعتمرُ بعدَ خروج يأجوجَ(١)
ومأجوجَ، ولا يزالُ كذلك حتَّى تُخرِّبُهُ الحبشةُ (٢)، ويلقونَ حجارتهُ في
البحر، وذلك بعدَ أنْ يبعثَ اللَّهُ ريحًا طيَِّةً تقبضُ أرواحَ المؤمنينَ كلِّهم، فلا
يبقى في الأرضِ مؤمنٌ(٣)، ويسرَى بالقرآنِ من الصُّدُورِ والمصاحِفِ، فلا يبقَى
في الأرضِ قرآنٌ، ولا إيمانٌ، ولا شيءٍ مِن الخيرِ، فبعدَ ذلك تقومُ السََّعةُ،
ولا تقومُ إلا على شرارِ النَّاسِ .
(١) أخرجه: البخاري (١٨/٢ - ١٨٣).
(٢) أخرجه: البخاري (١٨٢/٢).
(٣) أخرجه: مسلم (١٨٢/٨).

٠٠
سُورَةُ الْمَاعُون
:
الَّذِينَ هُمْ عَنِ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾
قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلّينَ
وقد وردتْ آثارٌ كثيرةٌ عن السلفِ في تاركِ الصلاةِ عمدًا، أنَّه لا تُقبلُ منه
صلاةٌ، كما رُوي عن الصديقِ ◌ِّثُ، أَنَّه قالَ لعُمرَ في وصيتهِ له: إنَّ اللَّه حقًّا
باللَّيلِ لا يقبلُهُ بالنهارِ، وحقًّا بالنهارِ لا يقبلُهُ باللَّيلِ.
يشيرُ إلى صلواتِ اللَّيلِ والنهارِ .
وفي حديثٍ مرفوعٍ: ((ثلاثةٌ لا يُقْبِلُ لُهُمْ صلاةٌ))، ذكرَ منهم: ((الذي لا يأتي
الصلاةَ إلا دبارًا)» - يعني: بعدَ فواتِ الوقتِ .
خرَّجه أبو داود وابنُ ماجه(١) من حديث عبد الله بن عمرو - مرفوعًا.
وفي إسنادهِ ضعفٌ.
ولكن مجرد نفي القبولِ لا يستلزمُ عدمَ وجوبِ الفعلِ، كصلاة السّكران
في مدةِ الأربعينِ، وصلاةِ الآبقِ والمرأةِ التي زوجُها عليها ساخطٌ.
الَّذِينَ هُمْ عَنِ صَلاتِهِمْ
فإن قيلَ: فقد قالَ تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ
٤
سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤، ٥]، وفسَّرِه الصحابةُ بإضاعةِ مواقيتها.
وكذا قالَ ابنُ مسعودٍ في المحافظةِ على الصلاة: أي المحافظة على
مواقيتها، وأنَّ تركَها كفرٌ.
(١) أبو داود (٥٩٣)، وابن ماجه (٩٧٠).

٦٣٧
سورة الماعون
ففرقُوا بين تركِها وبينَ صلاتِها بعدَ وقتها .
وقدْ أمرَ النبيُّ وَّهِ بالصلاة خلفَ منْ أخبرَ أنه يضيعُ الصلاةَ ويُصلِّيْها لغيرِ
وقتها، وهذا يدلُّ على أنَّ صلاتَهم صحيحةٌ.
وقد سُئِلَ عنِ الأمراءِ وقتَالهم؟ قالَ: ((لا، مَا صَلَّوا، وكانتْ علَى هذا الوجه))،
فدلَّ على إجزائِها .
قيل: السهوُ عن مواقيتِ الصَّلاةِ لا يستلزمُ تعمد التأخيرِ عنِ الوقتِ
الحاضرِ؛ فإنَّه قدْ يقعُ على وجهِ التهاونِ بتأخيرِ الصلاةِ حتَّى يفوتَ الوقتُ ۔
أحيانًا - عن غيرِ تعمد لذلك، وقد يكونُ تأخيرُها إلى وقتِ الكراهةِ، أو إلى
الوقتِ المشتركِ الذي يجمعُ فيه أهلُ الأعذارِ عندَ جمهورِ العلماءِ، وغيرُهم
على رأي طائفة من المدنيين.
وهذه الصلاةُ كلُّها مجزئةٌ، ولا يكونُ المصلِّي لها كالتاركِ بالاتفاقِ.
﴾ الَّذِينَ هُمْ عَن
w
وقد سُثَلَ سعيدُ بنُ جُبير، عن قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ
صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ فدخلَ المسجدَ، فرأى قومًا قد أخَّرُوا الصلاةَ، لا يُتْمُّونَ
رُكُوعًا ولا سجُودًا، فقالَ: الذي سألْتَني عنهُم هُم هؤلاء.
وهذه الصلاةُ مثلُ الصلاةِ التي سمَّاها النبيُّ وَّهِ: ((صلاة المنافقين)).
وهكذا كانتْ صلاةُ الأمراءِ الذين أمرَ النبيُّ ◌َِّ بالصلاةِ خلفهم نافلةً،
فإنَّهم كانوا يُؤْخِّرُون العصرَ إلى اصفرارِ الشَّمسِ، ورَبَّما أخَّرُوا الصلاتينِ إلى
ذلك الوقت، وهو تأخيرٌ إلى الوقتِ المشتركِ لأهلِ الأعذارِ، وكغيرِهم عندَ
طائفة من العلماءِ.
فليسَ حُكمهُم حكمَ منْ تركَ الصلاةَ؛ فإنَّ التاركَ هو المُؤْخِّرُ عمدًا إلى

٦٣٨
سورة الماعون
وقتٍ مُجمع على أنَّه غيرُ جائزٍ، كتأخيرِ صلاةِ اللَّيلِ إلى النهارِ، وصلاة
النهارِ إلى اللَّيلِ عمدًا، وتأخيرِ الصبحِ إلى بعد طلوعِ الشمسِ عمدًا(١).
(١) ((فتح الباري)) (٣٥٨/٣ - ٣٦٠).

ورؤ ى ٥
سورة النصر
قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا
٢ X
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرُهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾
جاءَ في حديثِ أنَّها: (تَعْدِل ربعَ القرآنِ»(١) .
وهيَ مدنية بالاتفاقِ؛ بمعنَى: أَنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ الهِجْرَةِ إلى المدينةِ، وهِيَ مِنْ
أواخرٍ ما نَزَلَ.
وفي ((صحيح مسلمٍ)(٢) عَن ابنِ عبَّاسٍ قالَ: آخرُ سورةٍ نَزَلَتْ من القرآنِ
جميعًا: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ .
واختُلفَ في وقتِ نزولِهَا، فقيلَ: نزلتْ في السَّةِ الَّتِي تُوفِّيَ فيهَا
رسولُ اللَّهِ وَله .
وفي («مسند الإمامِ أحمدَ، عَنْ محمدِ بنِ فُضيلٍ عَنْ عطاء عَنْ سعيدِ بنِ
جبيرٍ عَنْ ابنِ عباسٍ قالَ: لما نزلَتْ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ قالَ رسولُ اللَّهُ
وَلَه : ( نُعِيَتْ إليَّ نفسي)) بأنَّه مقبوضٌ في تلكَ السنةِ. عطاءٌ هو ابنُ السائبِ
اختلطَ بآخِرَةٍ(٣).
(١) جزء من حديث طويل، أخرجه: الترمذي (٢٨٩٥).
(٢) أخرجه: مسلم (٢٤٣/٨).
(٣) أخرجه: أحمد (٢١٧/١).

٦٤٠
سورة النصر
ويشهدُ لهُ مَا أخرجَهُ البزارُ في («مسندِهِ)) والبيهقيُّ مِنْ حديثِ موسى بنِ
عبيدةَ عَنْ عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ وصدقةَ بنِ يسارٍ عَنْ ابنِ عُمَرَ قالَ: نزلتْ هذه
السورةُ عَلَى رسولِ اللهِ وَ لَّهبِنَّى، وهوَ في أوسطِ أيام التشريقِ فِي حَجَّةٍ
الوداعِ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فَعَرِفَ أَنَّه الوداعُ، فأمرَ براحلتِهِ القصواءَ،
فرُحلتْ لَهُ، ثمَّ ركبَ، فوقفَ للناسِ بالعقبةِ، فحمدَ اللَّهَ وأثنَى عليهِ - وذكرَ
خطبةً طويلةً(١) .
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا، ومُوسى بنُ عبيدةَ قالَ أحمدُ: لا تحلُّ عِنْدِي
الروايةُ عنْهُ.
وعنْ قتادةَ قالَ: عاشَ رسولُ اللّهِ وَجِّ بَعْدَهَا سنتينِ (٢).
وهذا يَقْتَضِي أَنَّها نزلتْ قَبْلَ الفتحِ، وهذا هو الظاهرُ لأنَّ قولَهُ: ﴿إِذَا جَاءَ
نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ يَدُلُّ دلالةٌ ظاهرةً على أنَّ الفتحَ لم يكنْ قَدْ جاءَ بعدُ، لأنَّ
((إِذَا)) ظرفٌ لِمَا يُستقبلُ مِنَ الزَّمانِ، هذا هو المعروفُ في استعمَالِهَا، وإنْ كانَ
قَدْ قِيلَ: إِنَّها تَجِيءُ للماضِي كقولِهِ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوَا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾
[الجمعة: ١١]. وقوله: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ
عَلَيْهِ ﴾ [التوبة : ٩٢].
وقدْ أُجيبَ عَنْ ذلكَ بأنَّه أُريدَ أَنَّ هذا شأنُهم ودأبهُم، لم يُرِدِ بِهِ الماضي
بِخُصُوصِهِ، وسنذكرُ أنَّ النبيَّ ◌ََّ قالَ بعد نزولِ هذهِ السورةِ: ((جاءَ نصرُ اللَّه
والفتح، وجاءَ أهلُ اليمنٍ)). ومجيءُ أهْلِ الْيَمَنِ كانَ قبلَ حَجَّةِ الوداعِ.
(١) أخرجه: البزار (١١٤١ - كشف الأستار).
(٢) أخرجه: الطبري في ((التفسير)) (٣٣٥/٣٠).