النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٦١
سورة الفجر
أيَّامُها تبعًا .
وقد أقسَمَ اللَّه تعالى بلياليه، فقال: ﴿وَالْفَجْرِ {ـ﴾ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١،
٢] ، وهذا يدلُّ على فضيلة لياليه أيضًا، لكنْ لم يثبُتْ أنَّ لياليه ولا شيئًا منها
يعدلُ ليلةَ القدْرِ.
وقد زعمَ طوائفُ منْ أصحابنا أنَّ ليلةَ الجمعة أفضلُ من ليلةِ القَدْرِ، ولكنْ
لا يصحُّ ذلك عن أحمد، فعلى قولِ هؤلاءِ لا يُسْتَبْعَدُ تفضْيلُ ليالي هذا
العشْرِ على ليلةِ القدرِ.
والتحقيقُ ما قالَهُ بعضُ أعيان المتأخِرِينَ منَ العلماءِ، أنْ يقال: مجموعُ هذا
العشْرِ أفضْلُ من مجموعٍ عشْرٍ رمضانَ، وإنْ كان في عشْرٍ رمضان ليلةٌ لا
يَفْضل عليها غيرُها، والله أعلم.
وما تقدَّمَ عنْ كعب يدلُّ على أنَّ شهرَ ذي الحجَّةِ أفضْلُ الأشهرِ الحُرُمِ
الأربعة، وكذا قال سعيدُ بُنُ جبير، راوي هذا الحديثِ عن ابنِ عباسٍ: ((ما من
الشهورِ شهرٌ أَعْظِمُ حُرْمةً منْ ذي الحجَّةً)).
وفي ((مسندِ البزَارِ)(١) عن أبي سعيد الخدريِّ، عن النبيِّ وَّ، قال: ((سَيِّدُ
الشهورِ رمضانُ، وأعْظمها حُرْمةً ذو الحجَّةِ». وفي إسنادِهِ ضعْفٌ.
كتا الله
وفي ((مسندِ الإمامِ أحمدَ)(٢)، عن أبي سعيد الخدريِّ أيضًا: أنَّ النبيَّ
وَسْتَةٍ،
قال في حجة الوداع في خطبته يومَ النَّحْرِ: ((ألا إنَّ أَحْرَمَ الأيام يومُكُم هذا، ألا
وإنَّ أَحْرَمَ الشُّهورِ شهرُكُمْ هذا، ألا وإنَّ أحرَمَ البلادِ بلدُكُم هذا)).
(١) (٩٦٠ - كشف الأستار).
(٢) ((المسند)) (٣/ ٨٠).

٥٦٢
سورة الفجر
ورُوي ذلك أيضًا عن جابرٍ، ووابصةَ بنِ معبدٍ، ونُبيطِ بنِ شَريطٍ ،
وغيرِهم، عن النبيِّ نَّهِ، وهذا كلُّه يدلُّ على أنَّ شهرَ ذي الحجَّةِ أفضلُ
الأشهرِ الحُرُمِ، حيثُ كان أشدَّهَا حُرْمةً، وقد رُوي عن الحسنِ: أنَّ أفضلها
المحرَّم، وسنذكرُهُ عند ذِكْرٍ شهرِ الْمُحَرَّم، إن شاء الله تعالى.
وأمَّا من قال: إنَّ أفضلَها رجبٌ فقولُهُ مرْدُودٌ.
ولِعَشْرِ ذي الحجة فضائلُ أُخرُ غيرَ ما تقدَّم.
فمنْ فضائله: أنَّ اللَّه تعالى أقسَمَ به جُملةً، وببعضِه خُصوصًا، قال تعالى:
وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١، ٢] فأمَّا الفجرُ فقيل: إنه أراد جنسَ
﴿ وَالْفَجْرِ ﴾﴾
الفجر، وقيل: المرادُ طلوعُ الفجر، أو صلاةُ الفجر، أو النَّهارُ كلُّه، فيه
اختلافٌ بين المفُسِّرين، وقيلَ: إنه أريد به فَجْرٌ مُعَيَّنٌ، ثُمَّ قيل: إنه أُرِيدَ به
فجرُ أوَّلِ يومٍ من عشر ذي الحجَّة، وقيل: بل أُرِيدَ به فجرُ آخرِ يومٍ منه،
وهو يومُ النَّحْرِ، وعلى جميعِ هذه الأقوالِ، فالعَشْرُ يشتملُ على الفجرِ الذي
أقْسَمَ اللهُ به.
وأمَّا (الليالي العشر)) فهي عشر ذي الحجَّة، هذا الصحيحُ الذي عليه
جُمهور المُفسِّرِين منَ السلفِ وغيرِهم، وهو الصحيحُ عن ابنِ عباسٍ، روي
عنه مِنْ غيرِ وجهٍ والرواية عنه: ((أنه عشرُ رمضان)) إسنادُها ضعيفٌ.
وفيه حديثٌ مرفوعٌ خرَّجِه الإمامُ أحمدُ، والنسائيُّ في (التفسيرِ))(١) منْ
روايةِ زيدِ بنِ الْحُبَابِ حدَّثْنا عيَّاشُ بنُ عُقبة، حدَّثْنا خيرُ بنُ نُعيم، عن أبي
الزَّبير، عن جابر، عن النبيِّ وَّ قال: ((العَشْرُ عشْرُ الأَضْحَى، والوَتْرُ يوم عرفة،
والشَّفْعُ يومُ النَّحْرِ)) وهو إسنادٌ حسنٌ.
(١) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٣٢٧/٣)، والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((تحفة الأشراف))
(٢٧٠٤) .

٥٦٣
سورة الفجر
وكذا فسَّر ((الشَّفْعَ)) و((الوتْرَ)) ابنُ عباسٍ في روايةِ عكرمةَ وغيرِهِ، وفسَّرهما
أيضًا بذلك عكرمةُ والضحاكُ وغيرُ واحدٍ، وقد قيل في ((الشَّفْعِ)) و((الوتْرِ))
أقوالٌ كثيرةٌ، وأكثرها لا يخرجُ عن أنْ يكونَ العشرُ أو بعضُهُ مُشتملاً على
((الشَّفْعِ)) و((الوترِ)) أو أحدِهِما، كقولِ من قال: ((هي الصلاةُ منها شفعٌ ومنها
وترٌ))، وقد خرَّجه الإمامُ أحمدُ والترمذيُ (١) من حديث عمران بن حُصينٍ،
عن النبيِّ وَّهِ وقولُ منْ قال: هي المخلوقات منها شفْعٌ ومنها وَتْر، يدخلُ
فيها أيامُ العَشْرِ. وقولُ مَنْ قال: الشفعُ الخَلْقُ كلُّه، والوِتْرُ اللَّه، فإنَّ أيامَ
العشْرِ منْ جُمْلةِ المخلوقاتِ .
ومنْ فضائله أيضًا: أنه من جملة الأربعين التي واعدها اللَّه عزَّ وجلَّ لُوسى
عليه السلام قال اللَّه تعالى: ﴿وَوَاَعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢]، ولكن
هل عَشْرُ ذي الحجَّة خاتمةُ الأربعينَ، فيكونُ هو العشْرُ الذي أُتَمَّ به الثَّلاثون،
أمْ هو أوَّلُ الأربعين، فيكونُ مِنْ جُملةِ الثلاثينَ التي أُتْمَّتْ بعشر؟ فيه اختلافٌ
بينَ المفسرين.
روى عبدُ الرزاقِ(٢) ، عن معمر، عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، عنْ مُجاهدٍ،
قال: ما منْ عملٍ في أيَّامِ السنة أفضلُ منه في العَشْرِ من ذي الحجّة، وهي
العشْرُ التي أَتَّهَا اللَّهُ لموسى عليه السلام)).
ومنْ فضائله: أنَّه خاتمةُ الأشهرِ المعلوماتِ، أشهرُ الحجِّ التي قال اللَّه فيها:
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وهي شوّالٌ، وذو القعدة، وعَشْرٌ من
ذي الحجّة .
(١) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٤٣٧/٤، ٤٣٨، ٤٤٢)، والترمذي (٣٣٤٢).
(٢) «المصنف» (٣٧٥/٤).

٥٦٤
سورة الفجر
وروي ذلك عن عُمرَ، وابنه عبد اللَّه، وعليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ،
وابنِ الزَّبِيرِ وغيرِهِم، وهو قولُ أكثر التابعينَ، ومذهبُ الشافعيِّ، وأحمدَ
وأبي حنيفةَ وأبي يوسُفُ وأبي ثور وغيرِهم، لكنَّ الشافعي وطائفةً أخْرجوا
منه يومَ النَّحْرِ، وأدخله فيه الأكثرون، لأنَّه يومُ الحجِّ الأكبرِ، وفيه يقعُ أكثرُ
أفعال مناسك الحجِّ. وقالتْ طائفةٌ: ذو الحِجَّةِ كلُّه منْ أشهرِ الحجِّ، وهو قولُ
مالكٍ، والشافعيِّ في القديمٍ، ورواه عن ابنِ عمرَ أيضًا، وروي عن طائفة من
السلفِ، وفيه حديثٌ مرفوعٌ خرَّجه الطبرانيُّ، لكنّه لا يصحُّ. والكلامُ في
هذه المسألةِ يطولُ، وليس هذا موضعه.
ومن فضائلهِ: أنَّه الأيَّامُ المعلوماتُ التي شرع اللَّه ذِكْرَه فيها على ما رزَقَ من
بهيمة الأنعامِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ
لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ
٢٧
ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍ عَمِيقٍ .
مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٧، ٢٨] وجمهورُ العلماء على أنَّ
هذه الأيامَ المعلوماتِ هي عشْرُ ذي الحجَّةِ، منهم ابنُ عمرَ، وابنُ عباسٍ
والحسنُ وعطاءٌ ومجاهدٌ وعكرمةُ وقتادةُ والنَّخعيُّ، وهو قولُ أبي حنيفةً
والشافعيِّ وأحمدَ في المشهورِ عنه.
ورُوي عن أبي موسى الأشعريِّ: أنَّ الأيامَ المعلوماتِ هي تسْع ذي الحجّةً
غير يومِ النحرِ، وأَنَّه قال: لا يُرَدُّ فيهنَّ الدعاءُ. خرّجه جعفر الفريابيُّ وغيرُه.
وقالتْ طائفةٌ: هي أَيَّامُ الذِبْحِ. ورُوي عن طائفةٍ من السلفِ، وهو قولُ
مالكٍ، وأبي يوسفَ، وجعلوا ذِكْرَ اللَّهِ فيها ذِكْرَه على الذبح، وهو قولُ ابنِ
عُمِرَ بَِّها، ونقل المرُّوْذيُّ عن أحمدَ أنه استحسنه، والقولُ الأولُ أظهرُ.

٥٦٥
سورة الفجر
وذكْرُ اللَّه على بهيمة الأنعامِ لا يختصّ بحالٍ ذبحها، كما قال تعالى:
﴿ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىْ مَا هَدَاكُمْ﴾ [الحج: ٣٧].
وقال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنَسَكَّا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ
الأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤]، وأيضًا فقد قال اللَّهُ تعالى بعد هذا: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا
وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴿٢٨، ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَتَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ
٠٥
[الحج: ٢٨، ٢٩] .
العتیق ﴾
فجعل هذا كلَّه بعْدَ ذِكْرِهِ في الأيام المعلوماتِ وقضاءِ النَّفَثِ، وهو شعثُ
الحجِّ، وغبارُهُ ونصَبُهُ. والطَّوافُ بالبيتِ إنَّما يكونُ في يوم النحر وما بعده،
ولا يكونُ قبْله وقد جعلَ اللَّه سبحانه هذا مُرَتَبًا على ذِكْرِهِ في الأيَّامِ
المعلومات بلفظة (ثُمَّ) فدلَّ على أنَّ المرادَ بالأيَّامِ المعلوماتِ ما قبْل يومِ النَّحْرِ،
وهو عشْرُ ذي الحجّة.
وأما قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ
الأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨] فقيل: إنَّ المرادَ ذكْرُهُ عند ذَبْحها، وهو حاصلٌ بذكْرِهِ في
يوم النحر، فإنّه أفضلُ أيامِ النَّحْرِ، والأصحُّ أنه إنما أريد ذِكْرُهُ شُكْرًا على
نعمة تسخيرِ بهيمة الأنعام لعباده، فإنَّ للَّه تعالى على عباده في بهيمة الأنعامِ
نعمًا كثيرةً قد عدَّ بعْضها في مواضعَ منَ القرآنِ، والحاجُّ لهم خصوصية في
ذلك عن غيرِهم؛ فإنَّهم يسيرونَ عليها إلى الحَرَمِ، لقضاءِ نُسُكُهم، كما قال
تعالى: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧]، وقال تعالى:
﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىْ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقّ الأَنْفُسِ﴾ [النحل: ٧]، ويأكلون
من لحومِهَا، ويَشْربون من ألبانِها، وينتفعون بأصوافِهَا وأوبارِها وأشعارِها.

٥٦٦
سورة الفجر
ويختصُّ عشْرُ ذي الحجَّة في حقِّ الحاجِّ بأنَّه زمنُ سَوْقِهِم للهَدْي الذي به
يكمُلُ فضلُ الحجّ، ويأكلون منْ لُحُومه في آخر العشْرِ، وهو يومُ النَّحْر.
وأفضلُ سوْقِ الهَدْي من الميقاتِ، ويُشعرُ ويُقُلَّدُ عندَ الإحرامِ، وتقارنُهُ
التلبيةُ، وهي مِنْ الذّكر للَّه في الأيّام المعلومات.
وفي الحديث: ((أفضل الحجِّ العَجُّ والَّجُ) (١) وفي حديث آخر: ((عجُّوا التَّكْبِيرَ
عجًّا، ونُجُّوا الإبل ثجًّا)».
فيكون كثرةُ ذِكْر اللَّه في أيَّامِ العشْرِ شُكْرًا على هذه النّعمة المختصَّةَ ببهيمة
الأنعام، التي بعضُها يتعلَّق بدين الحاجِّ، وبعضُها بِدُنياهم. وأفضلُ الأعْمال
ما كثُرَ ذكْرُ اللَّه تعالى فيها، منها خُصُوصًا الحجُّ، وقد أمر الله تعالى بِذكْرِه
كثيرًا في أيام الحجِّ، قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ
الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِينَ ﴿١٤٨﴾، ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ
أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٨، ١٩٩] فهذا الذِّكْرُ يكونُ
في عشْرِ ذي الحجَّةِ. ثمَّ قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَسِكِكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ
آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]، وهذا يقعُ في يومِ النَّحْرِ، وهو خاتمةُ العشْرِ
أيضًا. ثم أمرَ بذكْرِهِ بعد العشْرِ في الأيام المعدوداتِ، وهي أيَّامُ التشريق.
وفي (السُّنْ))(٢) عن النبيِّنَّهِ قال: ((إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوافُ بالبيتِ، والسَّعْيُ بَيْنَ
الصَّفا والمروةِ، ورمي الجمارِ، لإقامة ذكْرِ اللَّه عزَّ وجلّ).
(١) أخرجه: الترمذي (٨٢٧)، وابن ماجه (٢٩٢٤)، والدارمي (١٨٠٤) من حديث أبي بكر
الصدیق مته .
(٢) أخرجه: أحمد (٦٤/٦، ٧٥، ١٣٨)، وأبو داود (١٨٨٨)، والترمذي (٩٠٢).

٥٦٧
سورة الفجر
٠
وفي ((مسندِ الإمامِ أحمدَ)(١) عن معاذِ بنِ أنس: أنَّ رجلاً قال: يا
رسول الله، أيُّ الجهادِ أعظمُ أجْرًا؟ قال: ((أكثرُهُم للَّه ذكْرًا)) قال: فأيُّ الصائمين
أعْظمُ أجْرًا؟ قال: ((أكثرُهُم للَّه ذِكْرًا)). قال: ثم ذكر الصلاة، والزكاة،
والحجَّ، والصدقة كلُّ ذلك ورسولُ اللَّهُ وَ له يقول: ((أكثرُهُم للَّه ذكْرًا))، فقال
أبو بكر: يا أبا حفص، ذهب الذَّاكرون بكُلِّ خيرٍ، فقال رسولُ اللَّه وَظِهِ.
((أجَلْ)).
وقد خرَّجه ابنُ المباركِ، وابنُ أبي الدنيا من وجوهِ أُخَر مُرْسلةٍ، وفي
بعْضِها: أي الحاجٌ خيرٌ؟ قال: ((أكثرهم ذكرًا للَّه)) وفي بعْضِها: أيُّ الحاجٌّ أعظمُ
أجْرًا؟ قال: ((أكثرهُم للَّه ذِكْرًا)) وذكر بقيةَ الأعمال بمعنى ما تقدم، فهذا كُلُّهُ
بالنسبةِ إلى الحاجٌّ.
فأمَّا أهلُ الأمصارِ فإنَّهم يشاركون الحاجَّ في عشْرِ ذي الحجّة، في الذِّكْر،
وإعدادِ الهَدْي، فأمَّا إعدادُ الهَدْي فإنَّ العشْر تُعَدُّ فيه الأضاحي، كما يسُوقُ
أهلُ الموسمِ الهَدْي، ويُشاركونهم في بعضِ إحرامِهِمْ، فإنَّ منْ دخلَ عليه
العَشْرُ وأرادَ أنْ يُضحّي، فلا يأخُذْ منْ شعرِهِ ولا منْ أظفارِهِ شيئًا، كما روتْ
ذلك أمُّ سلمة عن النبيِّ نَّهِ. خرَّج حديثَها مسلمٌ (٢)، وأخذَ بذلك الشافعيُّ،
وأحمدُ، وعامَّةُ فقهاءِ الحديثِ .
ومنهم منْ شَرَطَ أنْ يكونَ قد اشترى هديَه قبْلَ العشْرِ، وأَكْثُرُهُم لم
يَشْرُطُوا ذلك.
وخالف فيه مالكٌ، وأبو حنيفة، وكثيرٌ من الفقهاء، وقالوا: لا يُكره شيءٌ
(١) («المسند» (٤٣٨/٣).
(٢) ((صحيح مسلم)) (٦/ ٨٣).

٥٦٨
سورة الفجر
من ذلك، واستدلُّوا بحديث عائشةَ: ((كُنْتُ أقتلُ قلائدَ الهدْي لرسول الله
وَّ فلا يُحَرّم عليه شيءٌ أحلَّ اللَّهُ له)) (١).
وأجابَ كثيرٌ منْ أهلِ القولِ الأولِ: بأنه يُجْمع بين الحديثين، فيؤخَذُ
بحديثٍ أمِّ سلمةَ فيمن يُريد أن يُضحّي في مصرِهِ، وبحديث عائشةَ فيمن
أَرْسلَ بهَدْيه مع غيرِهِ، وأقام في بلدِهِ.
وكان ابنُ عمرَ إذا ضَحَّى يومَ النَّحْرِ حَلَقَ رأسه، ونصَّ أحمدُ على
ذلك(٢).
قوله تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ }
قال تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣] والشَّفْعُ ضدُّ الوتْرِ: فالوتْرُ: الفردُ
0G و
والشَّعْعُ الزَّوْجُ.
ولهذا فُسِّرَ ((الشَّفْعُ)) في الآية بالخَلْقِ، لأنَّ الخلقَ كُلَّهُ زوجٌ، قال تعالى:
﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنٍ﴾ [الذاريات: ٤٩]، وقال: ﴿سبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ
كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦].
وفُسِِّ ((الوِتْرُ) بالله - عزَّ وجلَّ - لأنَّه وِتْرٌ يُحبُّ الوِتْرَ(٣).
قوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكَّا دَكَّا
﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفَّا صَقًّا (٣٦)﴾ وَجِيءَ
يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ
(١) أخرجه: مسلم (٨٩/٤)، وأحمد (٣٥/٦، ٣٦، ٨٢، ٨٥).
(٢) ((لطائف المعارف)) (ص ٤٦٧ - ٤٧٥).
(٣) ((فتح الباري)) (٤١١/٣).

٥٦٩
سورة الفجر
× ٢٣ ×
الذّكْری
يَقُولُ يَا لَيْتِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي:
قال الله عزَّ وجلّ: ﴿كَلَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكَّا دَكَّا (٣٠١﴾ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ
صَفَّا صَفَّا ﴿٢﴾ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَىِ:{٣٠° يَقُولُ
يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢١ -٢٤]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى
يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى ﴿٥َ﴾ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى﴾ [النازعات: ٣٤ -٣٦].
٣٤٣
قال الربيعُ بنُ أنسٍ في قولِهِ: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى﴾ قال: كُشفَ عنْها
غطاؤها .
﴿ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ﴿لَيْ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا
وقال تعالى: ﴿كَلَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ
عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥ -٧].
وروى العلاءُ بنُ خالدِ الكاهليُّ، عن أبي وائلٍ، عن ابنِ مسعودٍ، عن
النبيِّ بَّه قال: ((يُؤتى يومئذٍ بجهنّم لها سبعون ألفَ زِمامٍ، مع كلِّ زمامٍ سبعون ألفَ
ملَك يجرُّونها))(١) خرَّجه مسلمٌ من طريقِ حفصِ بنِ غياثٍ، عن العلاءِ به،
وخرَّجه الترمذيُّ من طريقِ سفيانَ عن العلاءِ موقوفًا على ابنِ مسعودٍ، ورجح
13
وقُه العقيليُّ والدارقطنيُّ.
وخرَّج ابنُ أبي حاتمٍ منْ طريقِ عُبيدِ اللَّهِ بنِ الوليدِ الوصافيُّ، عن عطيةَ،
عن أبي سعيد الخدريِّ، قال: لما نزلتْ هذه الآية: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمْ﴾
[الفجر: ٢٣] تغيّر لونُ النبيِّمَ لَهُ وعُرِفَ ذلك في وجْهِهِ حتَّى اشتدّ ذلك على
أصحابِهِ، فسألوه فقال: ((إنَّه جاءني جبريلُ فأقْرأني هذه الآية)) قال: ((كيف يُجاءُ
(١) أخرجه: مسلم (١٤٩/٨)، والترمذي (٢٥٧٣).

٥٧٠
سورة الفجر
بها؟ قال: يَجيءُ بها سبعون ألفَ ملَك يقودونها بسبعين ألف زمام تشرد مرة، لو تُركَتْ
لأحرقتْ أهلَ الجمعِ ومَنْ عليه، ثم تُعْرضُ جهَّم فتقول: ما لي وما لكَ يا محمد، لقد
حرَّمَ اللَّه لِحْمَك عليَّ، فلا يبقى أحدٌ إلا قال: نفْسِي نفْسِي، ومحمدٌ نَّ يقول: أُمََّي
أُمَّتَي)) الوصافيُّ شيخٌ صالحٌ لا يحفظ فكثرتِ المناكيرُ في حديثِهِ .
وخرَّج أبو يعلى الموصليُّ(١) من حديث أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدريِّ
عن النبيِّ وَّ قال: ((إذا جَمَعَ اللَّهُ الناسَ في صعيدٍ واحدٍ، يومَ القيامةِ أقبلتِ النارُ،
يركبُ بعضُها بعضًا، وخزنتها يكفونها، وهي تقول: وعزة ربي لتخلُنَّ بيني وبين
أزواجي أو لأغشينَّ الناسَ عنقًا واحدًا، فيقولون: مَنْ أزواجُك؟ فتقولُ: كلُّ متكبِّر
جِبَّارِ)).
وخرَّج الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ(٢) من حديثِ الأعمشِ عن أبي صالحٍ، عن
أبي هُريرةَ عن النبيِّ نَ ◌ّه قال: ((يخرجُ يومَ القيامةِ عنقٌ من النارِ لها عينانِ تُبْصرانِ،
وأُذنانِ تَسمعانٍ، ولسانٌ ينطقُ، تقولُ: إني وُكِّلِتُ بثلاثة: بكُلِّ جبار عنيد، وبكلِّ مَنْ دعا
مع اللَّه إلهًا آخرَ، وبالمصوِّرِين)) وصحَّحه الترمذيُّ وقد قيل: إنه ليسَ بمحفوظ
بهذا الإسناد، وإنَّما يرويه الأعمشُ عن عطيةً عن أبي سعيدٍ، فقد روى
الأعمشُ وغيرُ واحدٍ عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ وَّ قال: ((يخرجُ عنقٌ من النار
يتكلمُ، يقولُ: وُكِّلْتُ اليومَ بثلاثة: بكلِّ جبار عنيد، ومن جَعَلَ مع اللَّهِ إلهًا آخرَ، ومنْ
قتَلَ نَفْسًا بغير نفسٍ، فتنطوي عليهم فتقذفهم في غمراتٍ جهنَّم)) خرَّجه الإمامُ
أحمدُ(٣)، وخرَّجه البزارُ(٤)، ولفظُه: ((يخرجُ عنقٌ من النارِ يتكلّمُ بلسانِ طلقٍ ذلقٍ،
(١) أخرجه: أبو يعلى (١١٤٥/٢).
(٢) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٣٣٦/٢)، والترمذي (٢٥٧٤).
(٣) أخرجه: أحمد في «المسند)) (٣/ ٤٠).
(٤) أخرجه: البزار (٣٥٠٠ - كشف).

٥٧١
سورة الفجر
لها عينان تُبصرُ بهما، ولها لسانٌ تتكلَّم به، فتقولُ: إني أُمرتُ بِمَنْ جعلَ مع الله
إلهًا آخر، وبكُلِّ جبار عنيد، وبِكُلِّ من قتل نفْسًا بغير نفسٍ، فتنطلقُ بهم قَبْلَ سائرِ الناسِ
بخمسمائة عام)) وقد رُوي عن عطية عن أبي سعيدٍ موقوفًا.
وروى ابنُ لهيعةَ، عن خالدِ بنِ أبي عمرانَ، عن القاسمِ، عن عائشة عن
النبيِّ مَّ قال: ((يخرجُ عنقٌ من النارِ، فتنطوي عليهم وتتغيَّظُ عليهم، ويقول ذلك
العنقُ: وُكِّلْتُ بثلاثة، وُكِّلْتُ بثلاثة، وُكِّلْتُ بثلاثة، وُكِّلْتُ بمن دعا مع اللَّه إلهًا آخر،
ووكِّلتُ بمن لا يؤمن بيوم الحساب، ووكِّلتُ بكلِّ جبار عنيد، فتنطوي عليهم، فتطرحُهُم
في غمراتٍ جهنّم)) خرَّجه الإمامُ أحمدُ.
ورُوي عن شهرِ بنِ حوشبٍ عن أسماءَ بنتِ يزيدَ عن النبيِّ ◌َِّ قال:
(يخرجُ عنقٌ من النارِ فيظلُّ الخلائق كلَّهم، فيقولُ: أمرتُ بكلِّ جبار عنيد، ومن زعم أنَّه
عزيزٌ كريمٌ، ومن دعا مع اللَّه إلهًا آخر)).
ورواهُ أبو المنهال سيارُ بنُ سلامةَ عن شهرِ بنِ حوشبٍ عن ابنِ عباسٍ
موقوفًا، قال: إذا كان يومُ القيامة خرجَ عنقٌ من النارِ فأشرفتْ على الخلائقِ
لها عينانِ تبصرانِ ولسانٌ فصيحٌ تقولُ: إني وُكِّلْتُ بكلِّ جبار عنيد،
فتلقُطُهم من الصفوفِ فتحبسهم في نارِ جهنّم، ثم تخرجُ ثانيًا فتقولُ: إِنِّي
وكلتُ بمن آذَى اللَّه ورسولَه فلتقطُهم من الصفوف فتحبسُهُم في نارِ جهنّم،
ثم تخرجُ ثالثةً، قال أبو المنهال: أحسبُ أنها قالتْ: إني وُكِّلتُ اليومَ
بأصحابِ التصاويرِ فتلقطُهُم من الصفوفِ فتحبسهم في نارِ جهنم.
وفي حديثِ الصورِ الطويلِ الذي خرَّجه إسحاقُ بنُ راهويه وأبو يعْلَى
الموصليَّ وغيرُهما بإسنادٍ فيه ضعفٌ عن أبي هريرة عن النبيِّ وَِّ: ((ثم يأمرُ

٥٧٢
سورة الفجر
اللَّهُ تعالى جهنّم فيخرجُ منها عنقٌ ساطعة مظلمة فيقولُ: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا
الْمُجْرِمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿ أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾)) [ يس: ٥٩-٦٢].
وخرَّج ابنُ أبي الدنيا من طريقِ الشعبيِّ، عن أبي هريرة، قال: ((يُؤْتَى
بجهنَّم تقاد بسبعينَ ألف زمامٍ آخذٌ بكلِّ زمامٍ سبعونَ ألفَ ملك، وهي تمايلُ
عليهم حتَّى توقف عن يمينِ العرشِ، ويلقي اللَّهُ عليها الذلَّ يومئذٍ، فيوحِي
اللَّهُ إليها ما هذا الذلُّ؟ فتقول: يا ربِّ أخافُ أن يكونَ لك فيَّ نقمةٌ، فيوحي
اللَّهُ إليها: إنما خلقتُكِ نقمة وليس لي فيك نقمةٌ، ويوحي اللَّهُ إليها فتزفرُ
زفرةً لا تبقي دمعةً في عينِ إلا جرتْ، ثم تزفرُ أخرى فلا يَبْقَى مَلَكٌ مقربٌ
ولا نبيٌّ مرسلٌ إلا صعِقَ، إلا نبيُّكم نبيُّ الرحمة وَلَّهِ يقولُ: (يا ربِّ أُمَّتي
أُمّتي)).
وروى عبدُ الله بنُ الإمامِ أحمدَ بإسنادِهِ عن أبي عبدِ اللَّه الجدليِّ، عن
عبادة بن الصامتِ وكعب قالا: يخرجُ عنقٌ من النارِ فيقولُ: أمرتُ بثلاثة:
بمن جعلَ مع الله إلهًا آخر، وبكلِّ جبارٍ عنيدٍ، وبكُلِّ معتدٍ، ألا إني أعرفُ
ے
بالرجلِ من الوالد بولدِهِ والمولودِ بوالدِه(١).
[ قال البخاريُّ](٢): حدثنا أبو اليمان: نا شُعَيْبٌ، عن الزُّهريِّ: أخبرني
سعيدُ بنُ المسيب وعطاءُ بنُ يزيد الليثي، أنَّ أبا هريرة أخبرهما أنَّ الناس
قالوا: يا رسول اللَّه: هل نَرَى رَبَّنَا يومَ القيامة؟ قال: ((هل تُمَارُون في القمر ليلةَ
البدْرِ ليس دُونَه سحابٌ؟)) قالوا: لا يا رسول اللَّه، قال: ((هل تُمارُون في رؤيةٍ
(١) ((التخويف من النار)) (١٧٨ - ١٨٨).
(٢) أخرجه: البخاري (٢٠٤/١)، (١٤٦/٨)، ومسلم (١١٤/١).

٥٧٣
سورة الفجر
الشمس ليس دونها سحاب؟» قالوا: لا .
قال: ((فإنكم ترونه كذلك، يُحْشِرُ الناسُ يومَ القيامة، فيقولُ: مَنْ كان يعبدُ شيئًا
فليتَّبعْهُ، فمنهم من يتبعُ الشمس، ومنهم من يتبع القمر، ومنهم من يتبع الطواغيت،
وتبقى هذه الأُمَّةُ فيها منافقوها، فيأتيهم اللَّهُ، فيقولُ: أنا ربُّكم، فيقولون: هذا مكانُنا حتى
يأتينا ربُّنًا، فإذا جاء ربُّنا عرفْنَاه، فيأتيهم اللَّه عزَّ وجلَّ فيقول: أنا ربُّكم فيقولون: أنت
ربُّنَا، فيدعوهم، ويُضْرِبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظهراني جهنّم، فأكونُ أول من يجُوزُ من الرَّسُلِ
بأُمَّته، ولا يتكلَّمُ يومئذ أحدٌ إلا الرسل، وكلامُ الرَّسُلِ يومئذ: اللهم سلِّم سلِّم، وفي
جهنّم كلاليبُ مثلُ شوْكِ السَّعدانِ، هل رأيتُم شوْك السَّعْدان؟» قالوا: نعم.
قال: «فإنها مثلُ شوْكِ السَّعْدان، غير أنه لا يعلمُ قدرَ عِظَمها إلا اللَّهُ، تخطفُ الناسَ
بأعمالهم، فمنهم من يُوبقُ بعملِهِ، ومنهم من يُخَرْدَلُ، ثمَّ ينْجُوا، حتى إذا أراد اللَّه
رحمةً من أرادَ منْ أهل النَّارِ، أمرَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ الملائكةَ أنْ يُخْرِجوا من النَّارِ منْ كان
يعبُدُ اللَّهِ، فَيُخْرِجُوهم ويعرفُونَهُم بآثارِ السجود.
وحرَّ اللَّهُ عزَّ وجلَّ على النارِ أن تأكل أثر السجودِ، فيخْرُجُون من النَّارِ، فَكُلُّ ابنٍ
آدمَ تأكله النارُ إلا أثرَ السجودِ، فيخْرُجُون من النَّارِ قد امتحشوا، فيُصبُّ عليهم ماءُ الحياةِ
فينبتونَ كما تنبُتُ الحيَّةُ فِي حميلِ السيل)).
وفي الحديث: دليلٌ على أنَّ المشركينَ الذين كانوا يعبدونَ في الدنيا من
دون اللَّه آلهة يتبعون آلهتهم التي كانوا يعبدون يوم القيامة، فيردنهم النار،
كما قال تعالى في حقٍّ فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ [ هود: ٩٨].
ويبقى من كان يعبدُ اللَّهَ وحدَه ظاهرًا، مؤمنًا كان أو منافقًا، فهؤلاء

٥٧٤
سورة الفجر
ينظرونَ من كانُوا يعبدونه في الدنيا، وهو اللَّهُ وحدَه لا شريكَ له.
ففي هذا الحديث: أنَّ اللَّه يأتيهم أولَ مرةٍ فلا يعرفونه، ثم يأتيهم في المرة
الثانية فيعرفونه .
وقد دلَّ القرآن على ما دلَّ عليه هذا الحديث في مواضعَ، كقوله ﴿هَلْ
يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠] وقال: ﴿هَلْ
يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبِّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]،
وقال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفَّا صَفَّا﴾ [الفجر:٢٢].
ولم يتأولِ الصحابةُ ولا التابعونَ شيئًا من ذلك، ولا أخرجُوه عن مدلوله،
بل رُوي عنهم ما يدلُّ على تقريرِهِ والإيمانِ به وإمرارِه كما جاء.
وقد رُوي عن الإمامِ أحمدَ، أنه قال في مجيئِهِ: هو مجيءُ أمرِهِ.
وهذا مما تفرَّدَ به حنبلٌ عنه .
فمن أصحابنا من قال: وهِمَ حنبلٌ فيما رَوى، وهو خلافُ مذهبه المعروف
المتواتر عنه .
وكان أبو بكر الخلاَّلُ وصاحبُه لا يثبتان بما تفرد به حنبلٌ، عن أحمدَ
روايةَ.
ومن متأخرِيهم من قال: هو روايةٌ عنه، بتأويلِ كلِّ ما كان من جنسٍ
المجيءٍ والإتيانِ ونحوهِما.
ومنهم من قال: إنَّما قال ذلك إلزامًا لمن ناظرَهُ في القرآن، فإنهم استدلّوا

٥٧٥
سورة الفجر
على خلقِهِ بمجيءِ القرآنِ، فقال: إنَّما يجيءُ ثوابُهُ، كقوله: ﴿وَجَاءَ رَبِّكَ﴾
،
أي: كما تقولون أنتم في مجيءِ اللَّه أنه مجيءُ أمرِهِ.
وهذا أصحَّ المسالكِ في هذا المرويِّ.
وأصحابُنا في هذا على ثلاثِ فرقٍ :
فمنهم من يثبتُ المجيءَ والإتيانَ، ويصرحُ بلوازمِ ذلك في المخلوقاتِ،
وربما ذكروه عن أحمدَ من وجوهِ لا تصحُّ أسانيدُها عنه.
ومنهم من يتأول ذلك على مجيء أمرِهِ.
ومنهم من يقرُّ ذلك، ويُمِرُه كما جاء، ولا يفسِرِه، ويقولُ: هو مجيءٌ
وإتيانٌ يليقُ بجلالِ اللَّه وعظمتِهِ سبحانه.
وهذا هو الصحيحُ عن أحمدَ، ومن قبلَه منَ السلفِ، وهو قولُ إسحاقَ
وغيرِه من الأئمةِ. وكان السلفُ ينسبونَ تأويلَ هذه الآياتِ والأحاديثِ
الصحيحةِ إلى الجهميةِ .
لأن جهمًا وأصحابَهُ أولُ منِ اشتُهرَ عنهم أنَّ اللَّه تعالى منزهٌ عما دلتْ
عليه هذه النصوصُ بأدلةِ العقولِ التي سمَّوْها أدلةً قطعيةً هي المحكماتُ،
وجعلُوا ألفاظ الكتاب والسنة هي المتشابهاتُ، فعرضُوا ما فِيهَا على تلكَ
الخيالات، فقبِلُوا ما دلَّتْ على ثبوتِهِ بزعمهم، وردُّوا ما دلتْ على نفيه
بزعمهم، ووافقَهم على ذلك سائرُ طوائفِ أهلِ الكلامِ من المعتزلةِ وغيرِهم.
وزعمُوا أنَّ ظاهرَ ما يدلُّ عليه الكتابُ والسنةُ تشبيهٌ وتجسيمٌ وضلالٌ،
واشتقُّوا من ذلك لمن آمنَ بما أنزل اللَّهُ على رسوله أسماءً ما أنزلَ الله بها من

٥٧٦
سورة الفجر
سلطان، بل هي افتراءٌ على اللَّه، ينقِّرون بها عن الإيمان بالله ورسوله.
وزعمُوا أنَّ ما وردَ في الكتابِ والسنة من ذلك - مع كثرتِهِ وانتشارِهِ - من
بابِ التوسعِ والتجوزِ، وأنه يحملُ على مجازاتِ اللغةِ المستبعدةَ، وهذا من
أعظمِ أبوابِ القدحِ في الشريعةِ المحكمة المطهرةِ، وهو من جنسِ حملٍ
الباطنيةِ نصوصَ الإخبارِ عن الغيوبِ كالمعادِ والجنَّة والنارِ على التوسعِ والمجازِ
دونَ الحقيقةِ، وحملهم نصوصَ الأمرِ والنهي على مثلِ ذلك، وهذا كلُّه
مروقٌ عن دينِ الإسلام.
ولم ينهَ علماءُ السلفِ الصالحِ وأئمةُ الإسلامِ كالشافعيِّ وأحمدَ وغيرِهما
عن الكلامِ وحذَّرُوا عنه، إلا خوفًا من الوقوعِ في مثلِ ذلك، ولو علمَ هؤلاءِ
الأئمةُ أنَّ حملَ النصوصِ على ظاهرِها كفرٌ لوجبَ عليهم تبيينُ ذلك وتحذيرٌ
الأُمَّةَ منه؛ فإنَّ ذلك من تمامٍ نصيحة المسلمين، فكيفَ كان ينصحونَ الأُمَّةَ
فيما يتعلقُ بالأحكامِ العملية ويدَعُون نصيحتَهم فيما يتعلقُ بأصول
الاعتقاداتِ، هذا من أبطلِ الباطلِ .
قال أبو عبد الرحمنِ السلميُّ الصوفيُّ: سمعتُ عبد الرحمن بن محمد بن
جابر السلميَّ يقول: سمعتُ محمدَ بنَ عقيلِ بنِ الأزهرِ الفقيهَ يقولُ: جاء
رجلٌ إلى المزني يسأله عن شيءٍ من الكلامِ، فقال: إنِّي أكرهُ هذا، بل أنْهى
عنه، كما نهَى عنه الشافعيُّ؛ فإنِّي سمعتُ الشافعيَّ يقولُ: سئلَ مالكٌ عن
الكلامِ والتوحيدِ، فقال مالكٌ: محالٌ أن يُظنَّ بالنبيِّ وَِّ أنه علَّم أُمته
الاستنجاءَ ولم يعلِّمْهُمُ التوحيدَ، فالتوحيدُ ما قاله النبيُّ وَّهِ: (أُمرتُ أن أقاتلَ
الناسَ حتَّى يقولُوا: لا إله إلا اللَّه، فإذا قالُوها عصموا مني دماءهم وأموالَهم)) فما عصَم

٥٧٧
سورة الفجر
الدمَ والمالَ فهو حقيقةُ التوحيدِ. انتهى.
وقد صحَّ عن ابنِ عباسٍ أنه أنكر على من استنكرَ شيئًا من هذه
النصوصِ، وزعمَ أنَّ اللَّه منزهٌ عما تدلُّ عليه.
فروى عبدُ الرزاقِ في ((كتابِهِ))(١) عن معمر، عن ابنِ طاووسَ، عن أبيه،
قال: سمعتُ رجلاً يحدِّثُ ابنَ عباسٍ بحديثِ أبي هريرة: ((تحاجَّتِ الجنةُ
والنارُ))، وفيه: ((فلا تمتلئُ حتَّى يضع رِجْلُه)) - أو قال: ((قدمَهَ فيها)) قال: فقامَ رجلٌ
فانتفضَ، فقال ابنُ عباسٍ: ما فرقُ هؤلاءِ، يجدونَ رقةً عند محكمه،
٠
ویھلگُون عند متشابهه.
وخرَّجه إسحاقُ بنُ راهويه في ((مسندِهِ)) عن عبد الرزاق.
ولو كانَ لذلكَ عندَهُ تأويلٌ لذكرهُ للناسِ ولم يسعْه كتمانُه.
وقد قابَل هؤلاء المتكلمينَ طوائف آخرون، فتكلَّموا في تقريرِ هذه
النصوصِ بأدلةٍ عقليةٍ، وردُّوا على النفاة، ووسَّعوا القولَ في ذلك، وبيّنوا أن
لازَمَ النَّغْي التعطيلُ المحضُ.
وأما طريقةُ أئمة أهلِ الحديثِ وسلفِ الأُمَّة: فهي الكفُّ عن الكلامِ في
ذلك من الطرفين، وإقرارُ النصوصِ، وإمرارِها كما جاءتْ، ونفي الكيفيةِ
عنها والتمثيلٍ .
وقد قال الخطابيَّ في ((الأعلامِ)): مذهبُ السلفِ في أحاديثِ الصفاتِ:
الإيمانُ، وإجراؤها على ظاهرِها، ونفيُ الكيفيةِ عنها.
(١) ((المصنف)) (٤٢٣/١١).

٥٧٨
سورة الفجر
ومن قال: الظاهرُ منها غيرُ مراد، قيلَ له: الظاهرُ ظاهرانِ: ظاهرٌ يليقُ
بالمخلوقينِ ويختصُّ بهم، فهو غيرُ مرادٍ، وظاهرٌ يليقُ بذي الجلالِ والإكرامِ،
فهو مرادٌ، ونفيهُ تعطيلٌ.
ولقد قال بعضُ أئمةِ الكلامِ والفلسفةِ من شيوخِ الصوفيةِ الذي يحسنُ به
الظنَّ المتكلمونَ: إن المتكلمينَ بالغُوا في تنزيهِ اللَّهِ عن مشابهةِ الأجسامِ،
فوقعُوا في تشبيهه بالمعاني، والمعانِي محدَثةٌ كالأجسامٍ، فلم يخرجُوا عن
تشبيهه بالمخلوقاتِ .
وهذا كلُّه إنَّما أتى من ظنِّ أن تفاصيلَ معرفةِ الجائزِ على اللَّه والمستحيلِ
عليه يُؤخذُ من أدلةِ العقولِ، ولا يُؤخذُ مما جاءَ به الرسولُ.
وأمَّا أهلُ العلمِ والإيمانِ، فيعلمون أنَّ ذلك كلَّه متلقّى مما جاء به الرسولُ
وَلَّه وأنَّ ما جاءَ به من ذلك عن ربِّه فهو الحقُّ الذي لا مزيدَ عليه، ولا
عدولَ عنه، وأنه لا سبيل لتلقي الهُدى إلا منه، وأنه ليس في كتاب اللَّه ولا
سنة رسولِهِ الصحيحة ما ظاهرُهُ كفرٌ أو تشبيهٌ أو مستحيلٌ، بل كلُّ ما أثبته
اللَّهُ لنفسه، أو أثبته له رسولُهُ وَلِّ، فإنه حقٌّ وصدقٌ، يجبُ اعتقادُ
ثبوتِهِ مع نفّ التمثيلِ عنه، فكما أنَّ اللَّهَ ليس كمثله شيءٌ في ذاته، فكذلك
في صفاتِهِ .
وما أُشكلَ فهمُهُ من ذلك، فإنه يقالُ فيه ما مدَح اللَّه الراسخينَ من أهل
العلم، أنهم يقولون عند المتشابهاتِ: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِنَا﴾ [آل عمران: ٧].
وما أمر به رسولُ اللَّهِ وَله في متشابِهِ الكتابِ، أنه يُردُّ إلى عالمه، واللهُ

٥٧٩
سورة الفجر
يقول الحقَّ ويهدي السبيلَ.
وكلمةُ السلفِ وأئمةِ أهلِ الحديثِ متفقةٌ على أنَّ آياتِ الصفات وأحاديثَها
الصحيحةَ كلَّها تُمَرُّ كما جاءتْ، من غير تشبيهِ ولا تمثيلٍ، ولا تحريفٍ ولا
تعطيلٍ .
قال أبو هلال: سأل رجلٌ الحسنَ عن شيءٍ من صفة الربِّ عزَّ وجلَّ،
ے
فقال: أمِرُوُها بلا مثالٍ .
وقال وكيعُ: أدركتُ إسماعيلَ بنَ أبي خالدٍ وسفيانَ ومِسْعرًا، يحدِّثُون
بهذه الأحاديث، ولا يفسِّرون شيئًا .
وقال الأوزاعيُّ: سئلَ مكحولٌ والزهريُّ عن تفسير هذه الأحاديث، فقالا:
أمرَّها على ما جاءتْ.
وقال الوليدُ بنُ مسلمٍ: سألتُ الأوزاعيَّ ومالكًا وسفيانَ وليئًا عن هذه
الأحاديثِ التي فيها الصفةُ والقرآنُ، فقالوا: أمرُّوها بلا كيف .
وقال ابنُ عيينةَ: ما وصفَ اللَّهُ به نفسَهُ فقراءتُهُ تفسيرُهُ، ليسَ لأحد أن
يفسرَهُ إلا اللَّهُ عزَّ وجلَّ.
وكلامُ السلفِ في مثلِ هذا كثيرٌ جدًّا.
وقال أشهبُ: سمعتُ مالكًا يقولُ: إِيَّاكم وأهلَ البدعِ. فقيلَ: يا أبا
عبد اللَّه، وما البدعُ؟ قال: أهلُ البدعِ الذين يتكلمونَ في أسماء الله وصفاته
وعلمِهِ وقدرتِهِ ولا يسكتونَ عما سكتَ عنه الصحابةُ والتابعونَ لهم بإحسانِ .
٠٠
خرّجه أبو عبد الرحمن السلميُّ الصوفيُّ في كتابِ ((ذمِّ الكلامِ).

٥٨٠
سورة الفجر
وروى - أيضًا - بأسانيدِهِ ذمَّ الكلامِ وأهلِهِ عن مالكٍ، وأبي حنيفةَ، وأبي
يوسُفَ، ومحمدٍ وابن مهدي، وأبي عبيدٍ، والشافعيِّ، والمزنيِّ، وابن خزيمة.
وذكر ابنُ خزيمةَ النهيَ عنه عن مالكِ والثوريِّ والأوزاعيِّ والشافعيِّ وأبي
حنيفةَ وصاحبيِهِ وأحمدَ وإسحاقَ وابنِ المباركِ ويحيى بنِ يحيى ومحمدِ بنِ
يحيى الذُّهليِّ.
وروى السلميَّ - أيضًا - النهيَ عن الكلامِ وذمّه عن الجنيدِ وإبراهيم
الخواصِ .
فتبيَّنَ بذلك أنَّ النهي عن الكلامِ إجماعٌ من جميعِ أئمةِ الدين من المتقدمينَ
من الفقهاءِ وأهلِ الحديثِ والصوفيةِ، وأنه قولُ أبي حنيفةَ ومالكِ والشافعيِّ
وأحمد وإسحاقَ وأبي عبيدٍ وغيرِهم من أئمة المسلمينَ.
ومن جملة صفات اللَّه التي نؤمن بها، وتُمَرُّ كما جاءتْ عندهم: قولُه
تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفَّ﴾ [الفجر: ٢٢] ونحو ذلك مما دلَّ على إتيانه
ومجيئهِ يومَ القيامة .
وقد نصَّ على ذلكَ أحمدُ وإسحاقُ وغيرُهما .
وعندهما: أن ذلك من أفعال اللَّه الاختياريةِ التي يفعلُها بمشيئَتِهِ واختيارِهِ.
وكذلك قالَه الفضيلُ بنُ عياضٍ وغيرُهُ من مشايخِ الصوفيةِ أهلِ المعرفةِ .
وقد ذكرَ حربٌ الكرْمانيُّ أنه أدركَ على هذا القولِ كلَّ مَن أخذَ عنه العلمَ
في البلدانِ، وسمَّى منهُم: أحمدَ وإسحاقَ والحميديَّ وسعيدَ بنَ منصورٍ .
وكذلكَ ذكرَهَ أبو الحسنِ الأشعريِّ في كتابِهِ المسمَّى بـ ((الإبانة))، وهو من
أجلٌّ كتبهِ، وعليه يعتمدُ العلماءُ وينقلُون منه، كالبيهقيِّ وأبي عثمان الصابونيِّ