النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
سورة الجمعة
ونذكرُ اللَّهَ عزَّ وجلَّ، ونصلِّي ونشكرهُ - أو كما قالوا -، فقالوا: يومُ السبتِ
ءِ
لليهودِ، ويومُ الأحدِ للنصارى، فاجعلُوا يومَ العروبةِ، وكانوا يسمّون يوم
الجمعة: يومَ العروبةِ، فاجتمعُوا إلى أسعدَ بنِ زرارةَ، فصلَّى بهم وذكَّرَهم،
فسمَّوه: يومَ الجمُعةِ حينَ اجتمعُوا إليه، فذبحَ أسعدُ بنُ زرارةَ لهم شاةً،
فتغدَّوْا وتعشَّوْا من شاة واحدة ليلتَهم(١)، فأنزلَ اللَّهُ بعدَ ذلك: ﴿إِذَا نُودِيَ
لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [الجمعة: ٩].
فوقعَ في كلام الإمامِ أحمدَ: أن هذه هي الجمُعَةُ التي جمعَها مصعبُ بنُ
عميرٍ، وهي التي ذكرَها كعبُ بنُ مالك في حديثه، أنهم كانُوا أربعينَ رجلاً.
وفي هذا نظرٌ.
ويحتملُ أن يكونَ هذا الاجتماعُ منَ الأنصارِ كانَ باجتهادِهم قبلَ قدومِ
مصعبٍ إليهم، ثم لَّا قدمَ مصعبٌ عليهم جمَّع بهم بأمرِ النبيِّ وَِّ، وكانَ
الإسلامُ حينئذ قد ظهرَ وفَشَا، وكان يمكنُ إقامةُ شعارِ الإسلامِ في المدينةِ،
وأما اجتماعُ الأنصارِ قبلَ ذلكَ، فكانَ في بيت أسعدَ بنِ زرارةَ قبل ظهورِ
الإسلامِ بالمدينةِ وفشوِّهِ، وكانَ باجتهادٍ منهم، لا بأمرِ النبيِّ بَهِ. واللَّهُ
سبحانه وتعالى أعلمُ (٢).
٠
[قال البخاري](٣): بابٌ مِنْ أَيْنَ تُؤْتَى الجُمُعَةُ، وعلَى مَنْ تَجِبُ ؟
القوْلِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرٍ
اللَّهِ ﴾ [الجمعة: ٩].
(١) في ((المصنف)): ((لقلتهم)).
(٣) البخاري (٧/٢ -٨).
(٢) ((الفتح)» (٣٢٥/٥ - ٣٣٤).

٤٤٢
سورة الجمعة
وقالَ عطاءٌ: إذَا كُنْتَ فِي قَرِيةِ جامعةٍ، فَنُودِيَ بالصَّلاةِ مِن يومِ الجمُعةِ،
ے
فحقٌّ عليكَ أن تشهدَهَا، سمعتَ النِّداء أو لمْ تسمعهُ.
وكانَ أنسُ بنُ مالكٍ فِي قصرهِ، أحيانًا يُجمِّعُ، وأحيانًا لا يُجمِّعُ، وهُو
بالزَّاويةِ على فرسخينِ .
تضمنَ هذا الذي ذكره مسألتين:
إحداهما: أنَّ مَن هو في قريةٍ تقامُ فيها الجمعةُ، فإنه إذا نوديَ فيها بالصلاة
للجمعةِ وجبَ عليه السعيُ إلى الجمعةِ، وشهودُها، سواءٌ سمعَ النداءَ أو لم
يسمعه وقد حكاه عن عطاء.
وهذا الذي في القرية، إن كانَ من أهلِها المستوطنينَ بها، فلا خلافَ في
لزومِ السعي إلى الجمعةِ لهُ، وسواءٌ سمع النداءَ أو لم يسمع، وقد نصّ على
ذلك الشافعيُّ وأحمدُ، ونقلَ بعضُهم الاتفاقَ علیهِ .
وإن كانَ من غيرِ أهلِها، فإن كانَ مسافرًا يباحُ له القصرُ، فأكثرُ العلماءِ
على أنه لا يلزمه الجمعةُ مع أهلِ القريةِ، وقد ذكرنا فيما تقدّم أن المسافرَ لا
جمعةَ عليه .
وحُكيَ عن الزهريِّ والنخعيِّ، أنه يلزمه تبعًا لأهلِ القريةِ.
ورُوي عن عطاءٍ - أيضاً -، أنه يلزمُهُ.
وكذا قال الأوزاعيُّ: إنْ أدركه الأذانُ قبلَ أن يرتحلَ فليجبْ.
وإن كانَ المسافرُ قد نوى إقامةً بالقريةِ تمنعُهُ من قصرِ الصلاة، فهلْ يلزمُهُ
الجمعة؟ فيه وجهان لأصحابِنا.
وأوجبَ عليه الجمعةَ في هذه الحال: مالكٌ وأبو حنيفةَ، ولم يوجبها عليه

٤٤٣
سورة الجمعة
الشافعيُّ وأصحابُه.
المسألةُ الثانيةُ: إنَّ مَن كان خارجَ القريةِ أو المصرِ الذي تقامُ فيه الجمعةُ، هل
تلزمُه الجمعةُ مع أهلِ القريةِ أو المصرِ، أم لا؟ هذا مما اختلَف فيه العلماءُ:
فقالتْ طائفةٌ: لا تلزمُ مَن كانَ خارجَ المصرِ أو القريةِ الجمعةُ مع أهلِه
بحالٍ، إذا كان بينهم وبينَ المصرِ فرجةٌ، ولو كانُوا من رِبْضٍ (١) المصرِ.
وهذا قولُ الثوريِّ وأبي حنيفةَ وأصحابهِ، إلحاقًا لهم بأهلِ القرَى؛ فإنَّ
الجمعةَ لا تقامُ عندَهم في القرَى.
وقال أكثرُ أهلِ العلمِ: تلزمُهم الجمعةُ مع أهلِ المصرِ أو القريةِ، مع القربِ
دونَ البعدِ .
ثم اختلفُوا في حدٍّ ذلك:
فقالتْ طائفةٌ: المعتبرُ: إمكانُ سماعِ النداءِ، فمن كان من موضعِ الجمعةِ
بحيثُ يمكنُهُ سماعُ النداءِ لزمَه، وإلا فَلا. هذا قولُ الشافعيِّ وأحمدَ
وإسحاقَ.
واستدلُّوا: بظاهرٍ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمْعَةِ فَاسْعَوْا
إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩].
ورُوي عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرو بنِ العاصِ وسعيدِ بنِ المسيبِ وعَمِرِو بن
شعیب(٢) .
ورُويَ عن أبي أمامةَ الباهليِّ - معناه.
(١) أي: مِن جماعتهم.
(٢) ((المصنف)) لعبد الرزاق (١٦٢/٣ - ١٦٣).

٤٤٤
سورة الجمعة
وخرجَ أبو داودً(١) من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ، عنِ النبيِّ
وَلِّه : ((الجمعةُ علَى مَن سمِعَ النداء)) ورُويَ موقوفًا، وهو أشبهُ.
وروَى إسماعيلُ، عن عبدِ العزيزِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن محمدِ بنِ عمرو بنِ
عطاء، عن عُبيدِ اللهِ بنِ كعبِ بنِ مالكٍ، عن أبيه - يرفعُه -، قال: ((لينتهينَّ
أقوامٌ يسمعونَ النداءَ يومَ الجمعةِ، ثم لا يَشْهِدُونَها، أو ليطبعنَّ اللَّهُ على قلوبهم،
وليكونُنَّ من الغافلين، أو ليكونُنَّ من أهلِ النارِ))(٢). عبدُ العزيزِ هذا، شاميّ تكلَّموا
فيه .
وقالت طائفةٌ: تجبُ الجُمُعةُ على مَن بينَه وبينَ الجمعةِ فرسخٌ، وهو ثلاثةُ
أميال، وهو قولُ ابنِ المسيبِ والليثِ ومالكِ ومحمدِ بنِ الحسنِ، وهو روايةٌ
عن أحمدَ.
ومِن أصحابِنا مَن قالَ: لا فرقَ بينَ هذا القول والذي قبلَه؛ لأن الفرسخَ
هو منتهَى ما يسمعُ فيه النداء - غالبًا -؛ فإن أحمدَ قالَ: الجمعة على من
سمع النداءَ، والنداءُ يسمعُ من فرسخٍ، وكذلكَ رواه جماعةٌ عن مالك،
فيكونُ هذا القولُ والذي قبلَهُ واحدًا .
ے
وخرج الخلالُ من روايةٍ مندل، عن ابنِ جريجٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ محمدِ
ابنِ عقيلٍ، عن جابرٍ، عن النبيِّ وَّ قالَ: ((عسَى أحدُكم أن يتخذ الصُّبَّة على
رأسٍ ميلين أو ثلاثة، تأتي عليه الجمعةُ لا يشهدُها، ثم تأتي الجمعةُ لا يشهدُها - ثلاثًا -
فيطبعُ على قلبه)). مندلٌ فيه ضعفٌ.
وخرجَ الطبرانيُّ(٣) نحوَهَ من حديثِ ابنِ عمرَ - مرفوعًا.
(١) ((السنن)) (١٠٥٦).
(٣) في ((الأوسط)) (٣٣٦).
(٢) أخرجه الطبراني ((في الكبير)) (٩٩/١٩).

٤٤٥
سورة الجمعة
وفي إسناده: إبراهيمُ بنُ يزيدَ الخوزيُّ، وهو ضعيفٌ.
وروى معدي بن سليمان، عن ابنِ عجلانَ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ،
عن النبيِ وَلّ قال: «ألا هل عسَ أحدُكم أن يتخذَ الصُّبة من الغنمِ على رأسِ ميلٍ أو
ميلين، فيتعذَّر عليه الكلأُ، فيرتفعُ، ثم تجيءُ الجمعةُ، فلا يجيءُ ولا يشهدُها، وتجيءُ
الجمعة، فلا يشهدُها، وتجيءُ الجمعةُ، فلا يشهدها حتى يُطبعَ على قلبهِ).
خرجه ابنُ ماجه(١) .
وخرجه أبو بكر النجاد وابنُ عبدِ البرِ، وفي روايتهما: ((ميلين أو ثلاثة)).
ومَعْدي هذا، تكلم فيه أبو زرعةَ وغيرُه. وقال أبو حاتم: شيخ.
وقالت طائفةٌ: تجبُ الجمعةُ على من بينَهُ وبِينَهَا أربعةُ أميالٍ، ورُويَ عن
ابن المنكدرِ والزهريِّ وعكرمةَ وربيعةً.
ورويَ عن الزهريِّ - أيضًا - تحديدُه بستةِ أميالٍ، وهي فرسخانِ.
وروي عن أبي هريرةَ، قالَ: تؤتَى الجمعةُ من فرسخينِ .
خرجه ابن أبي شيبة(٢) بإسناد ضعيف.
وروى عبد الرزاق(٣) بإسنادٍ منقطعٍ، عن معاذٍ، أنه كانَ يقومُ على منبرِهِ،
فيقولُ لقومٍ بينهُم وبينَ دمشقَ أربعُ فراسخٍ وخمسُ فراسخٍ: إن الجمعةَ
لزمتْكُم، وأن لا جمعة إلا معنا.
وبإسناد منقطع، عن معاويةَ، أنه كانَ يأمرُ بشهود الجمعةِ مَن بينه وبينَ
(١) ((السنن)) (١١٢٧).
(٢) («المصنف)) (٤٤١/١).
(٣) ((المصنف)) (١٦٤/٣).

٤٤٦
سورة الجمعة
دمشقَ أربعة عشرَ میلاً.
وقالَ بقيةُ، عن محمدِ بنِ زيادٍ: أدركتُ الناسَ بحِمْص تبعثُ الخيلَ نهارَ
الخميسِ إلى جُوسيةَ وحماة والرَّستن يجلبون الناسَ إلى الجمعةِ، ولم يكن
يجمعُ إلا بحِمْص.
وعن عطاء. إنه سئلَ: من كم يُؤتى الجمعةُ؟ قال: من سبعة أميال(١).
وعنه، قالَ: يقال: من عشرة أميالٍ إلى بريد(٢).
وعن النخعيِّ، قالَ: تؤتى الجمعةُ من فرسخينِ .
وعن أبي بكرٍ بنِ محمدِ بنِ عمرو بنِ حزمٍ، أنه أمرَ أهلَ قباء، وأهلَ ذي
الحليفةِ، وأهلَ القرى الصغار حولهُ: لا يجمِّعُوا، وأن يشهدوا الجمعةَ
بالمدينة .
وعن ربيعة - أيضًا -، أنه قالَ: تجبُ الجمعةُ على من إذا نودِيَ بصلاةٍ
الجمعةِ خرجَ من بيتهِ ماشيًا أدركَ الجمعةَ.
وقالتْ طائفةٌ: تجبُ الجمعةُ على من آواه الليلُ إلى منزِلِهِ.
قال ابنُ المنذرِ: رويَ ذلكَ عن ابنِ عمرَ وأبي هريرةَ وأنسٍ والحسنِ ونافعِ
مولى ابنِ عمرَ، وكذلكَ قالَ عكرمةُ والحكمُ وعطاءٌ والأوزاعيَّ وأبو ثور.
انتھی .
وهو قولُ أبي خيثمةَ زهيرِ بنِ حربٍ وسليمان بن داود الهاشمي.
وحكى إسماعيلُ بنُ سعيد الشالنجيُّ، عن أحمدَ نحوَهُ، واختاره
الجوزجانيّ.
(١) ((المصنف)) لابن أبي شيبة (٤٤١/١). (٢) ((المصنف)) لعبد الرزاق (١٦٢/٣).

٤٤٧
سورة الجمعة
وفيه حديثٌ مرفوعٌ، من حديث أبي هريرةَ.
وقد ذكره الترمذي(١)، وبيَّن ضعفَ إسناده، وأن أحمدَ أنكرهُ أشدَّ
الإنكار.
وفيه - أيضًا -، عن عائشةَ، وإسناده ضعيفٌ.
وفيه - أيضًا - من مراسيلٍ أبي قِلابَة، وفي إسنادِهِ ضعفٌ.
وقالتْ طائفةٌ: تُؤتَى الجمعةُ من فرسخينٍ، قالهُ النخعيُّ وإسحاقُ، نقله
عنه حربٌ.
لكنهما لم يصرِّحا بوجوبِ ذلكَ، وقد تقدَّم نحوُهُ عن غيرِ واحدٍ .
وخرجَ حربٌ من طريقِ ابنِ أبي عروبةَ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، أنه كانَ
يجمعُ من الزاويةِ، وهي فرسخانِ.
وروى عبدُ الرزاقِ (٢) ، عن معمرٍ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، أنه كانَ يكونُ
بينَهُ وبين البصرةِ ثلاثةُ أميالٍ، فيشهدُ الجمعةَ بالبصرةِ.
وقد ذكرَ البخاريُّ عنهُ أنه كانَ أحيانًا لا یجمعُ.
وكذلكَ رُويَ عن أبي هريرةَ، أنه كانَ بالشجرةِ - وهي ذو الحليفة -، فكانَ
أحيانًا یجمعُ، وأحيانًا لا يجمعُ.
وقد رويَ عنه الأمرانِ جميعًا .
وكذلكَ سعدُ بنُ أبي وقاصٍ، كانَ في قصرِهِ بالعقيقِ، فكانَ أحيانًا یجمعُ،
وأحيانًا لا يجمعُ، وكان بينهُ وبينَ المدينةِ سبعةُ أميالٍ أو ثمانيةٌ.
(١) ((الجامع)) (٥٠١).
(٢) ((المصنف)) (١٦٣/٣).

٤٤٨
سورة الجمعة
وكذلك رويَ عن عائشةَ بنتِ سعدٍ، أنَّ أباها كانَ يفعلُ(١). (٢)
[ قال البخاري](٣): بَابُ: المشي إلى الجُمُعة:
وقولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]. ومَنْ قالَ: السَّعيُ
العملُ والذَّهابُ؛ لقولِهِ: ﴿وَسَعَىْ لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩].
وقالَ ابنُ عباسٍ : يحرمُ البيعُ حينئذٍ.
وقالَ عطاءٌ: تحرُمُ الصناعاتُ كلُّها .
وقالَ إبراهيمُ بنُ سعد، عنِ الزهريِّ: إذا أذَّنَ الموذِّنُ يومَ الجمعةِ وهوَ
مسافرٌ، فعليه أن يشهدَ.
اشتملَ كلامُه - هاهنا - على مسائلَ :
إحدَاها: المشيُّ إلى الجمعة، وله فضلٌ.
وفي حديثٍ أوسِ بنِ أوسٍ، عن النبيِّ بَّهِ: ((من بكَّرَ وابتكرَ، وغسَّل
واغتسلَ، ومشَى ولم يركَبْ))(٤) . وقد سبقَ.
وفي حديث اختصامٍ الملأ الأعْلَى: («إنهم يختصمونَ في الكفارات والدرجات،
والكفاراتُ إسباغُ الوضوءِ في الكريهاتِ، والمشيُّ على الأقدامِ إلى الجمُعات)).
وقد خرجه الإمامُ أحمدُ والترمذيُ (٥) من حديث معاذ.
(٢) «فتح الباري)) (٤٠٢/٥ - ٤٠٨).
(١) ابن أبي شيبة (٤٤٠/١).
(٣) البخاري (٩/٢).
(٤) أخرجه أحمد (٩/٤، ١٠، ١٠٤)، وأبو داود (٣٤٥/١)، والنسائي (٩٥/٣ - ٩٧)، والترمذي
(٤٩٦)، وابن ماجه (١٠٨٧) وابن خزيمة (١٧٥٨).
(٥) أخرجه أحمد في ((المسند)» (٢٤٣/٥)، والترمذي (٣٢٣٥).

٤٤٩
سورة الجمعة
وله طرقٌ كثيرةٌ، ذكرتُها مستوفاةً في ((شرح الترمذيِ)).
وروى ابنُ أبي شيبةً(١) بإسنادٍ فيه انقطاعٌ، أن عبدَ اللهِ بنَ رواحةَ كان يأتي
الجمعةَ ماشيًا، فإذا رجعَ رجعَ كيف شاءَ ماشيًا، وإن شاء راكبًا .
وفي روايةٍ: وكان بين منزِله وبين الجمعةِ ميلانٍ.
وعن أبي هريرةَ، أنه كان يأتي الجمعةَ من ذي الحليفة ماشيًا(٢).
وذكر ابنُ سعدٍ في ((طبقاته)(٣) بإسناده، عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، أنه كتب
ينهَى أن يركبَ أحدٌ إلى الجمعةِ والعيدينِ.
وقال النخعيُّ: لا يُركبُ إلى الجمعةِ .
المسألةُ الثانيةُ: أنه يستحبُّ المشيُ بالسكينةِ مع مقاربةِ الخُطَا، كما في سائرٍ
الصلواتِ، على ما سبق ذكرُه في موضعه.
فأما قولُ اللَّه عزَّ وجلّ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرٍ
اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، فقد حملَه قومٌ من المتقدمين على ظاهره، وأنكرَ ذلك عليهم
الصحابةُ.
فروى البيهقيُّ(٤) من حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ الصامتِ، قال: خرجتُ إلى
المسجدِ يومَ الجمعةِ، فلقيتُ أبا ذرٍّ، فبينا أنا أمشي إذ سمعتُ النداءَ، فرفعتُ
في المشي؛ لقولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ
اللَّهِ﴾، فجذبني جذبةً كدت أن ألاقيَه، ثم قال: أو لسُنَا في سعي؟
(١) ((المصنف)) (٤٦٧/١).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٤٦٧).
(٣) ((الطبقات)) (٣٦٧/٥).
(٤) السنن للبيهقي (٢٢٧/٣).

٤٥٠
سورة الجمعة
فقد أنكرَ أبو ذرٍّ مَن فسر السعي بشدةِ الجري والعدْوِ، وبينَ أنَّ المشيَ إليها
سعيٌّ؛ لأنه عمل، والعملُ يُسمَّى سعيًا، كما قالَ تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾
[الليل: ٤]، وقال: ﴿مَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَىْ لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩] ومثلُ هذا كثيرٌ
في القرآن.
وبهذا فسَّرَ السعيَ في هذه الآية التابعونَ فمن بعدهم، منهم: عطاءٌ،
ومجاهدٌ، وعكرمةُ، وقتادةُ، ومحمدُ بنُ كعبٍ، وزيدُ بنُ أسلمَ، ومالكٌ،
والثوريُّ، والشافعيُّ وغیرُهم.
وروي عن ابنِ عباسٍ - أيضًا - من وجهٍ منقطع.
ومنهم مَن فسَّر السعيَ بالجري والمسابقةِ، لكنه حملَه على سعي القلوبِ
والمقاصدِ والنياتِ دون الأقدامِ، هذا قولُ الحسنِ.
وجمع قتادةُ بين القولينِ - في روايةٍ -، فقال: السعيُ بالقلبِ والعملِ.
وكان عثمانُ وابنُ مسعودٍ وجماعةٌ من الصحابة يقرءونَها: ((فامضُوا إلى
ذكر الله)).
وقال النخعيُّ: لو قرأتُها ﴿فَاسْعَوْا﴾ لسعيتُ حتى يسقط ردائي.
ورُويَ هذا الكلامُ عن ابنِ مسعودٍ من وجهٍ منقطعٍ.
المسألةُ الثالثةُ: في تحريمِ البيعِ وغيرِهِ مما يشتغلُ به عن السعي بعدَ النداءِ.
وقد حُكي عن ابنِ عباسٍ تحريم البيعِ وغيرِهِ.
وروى القاضي إسماعيلُ في كتابه ((أحكامِ القرآنِ)» من رواية سليمانَ بنِ
معاذٍ، عن سماكِ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لا يصلحُ البيعُ يومَ
الجمعةِ حين ينادَى بالصلاةِ، فإذا قُضِيتِ الصلاةُ فاشترٍ وِعُ.

٤٥١
سورة الجمعة
وبإسنادِهِ: عن ميمون بن مهرانَ، قالَ: كانَ بالمدينةِ إذا نوديَ بالصلاةِ من
يومِ الجمعةِ نادَوْا: حُرُمَ البيعُ، حُرُمَ البيعُ.
وعن أيوبَ، قالَ: لأهلِ المدينةِ ساعةٌ، وذلك عندَ خروجِ الإمامِ،
يقولون: حُرُم البيعُ، حُرُم البيعُ.
وعن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، أنه كانَ يمنعُ الناسَ منَ البيعِ يومَ الجمعةِ إذا
نودِي بالصلاة.
وعن الحسنِ وعطاءِ والضحاكِ: تحريمُ البيعِ إذا زالتِ الشمسَ من يومٍ
الجمعة .
وعن الشعبيِّ، أنه محرَّمٌ، وكذا قالَ مكحولٌ.
وحكى إسحاقُ بنُ راهويه الإجماعَ على تحريمِ البيعِ بعدَ النداءِ.
وحكى القاضي إسماعيلُ، عمَّن لم يسمِّه، أن البيعَ مكرُوهٌ، وأنه استدل
بقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [الجمعة: ٩]
وردَّ عليه: بأن مَنْ فعل ما وجَب عليه وتركَ ما نُهي عنه فهو خيرٌ له، كما
قال تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١].
وحُكي القولُ بأن البيعَ مردودٌ عن القاسمِ بنِ محمدٍ وربيعةً ومالك.
ورواه ابنُ عيينةَ، عن عبدِ الكريمِ، عن مجاهدٍ أو غيرِهِ.
وهو مذهبُ الليثِ والثوريِّ وإسحاقَ وأحمدَ وغيرِهم من فقهاءِ أهلِ
الحدیثِ .
وخالف فيه أبو حنيفة والشافعيُّ وأصحابُهما وعبيدُ اللَّه العنبريُّ، وقالوا:

٤٥٢
سورة الجمعة
البيعُ غيرُ مردودٍ؛ لأن النهي عن البيع هنا ليس نهيًا عنه لذاتهِ بل لوقتهِ .
والأولون يقولون: النهي يقتضي فسادَ المنهيِّ عنه، سواءٌ كان لذاتِ المنهيّ
عنه أو لوقتهِ، كالصومِ يوم العيدِ، والصلاةِ وِقتَ النهِي، فكذلك العقودُ.
وقال الثوريّ - فيما إذا تصارفا ذهبًا بفضة وقبضا البعضَ، ثم دخل وقتُ
النداءِ يوم الجمعة -: فإنهما يترادَّان البيعَ.
وهذا يدلُّ على أن القبضَ عنده شرطٌ لانعقادِ الصرفِ، فلا يتمَّ العقدُ إلا
به، وهو الصحيحُ عند المحققينَ من أصحابنا - أيضًا .
وأما ما ذكره عن عطاء، أنه تحرُمُ الصناعاتُ حينئذٍ، فإنه يرجع إلى أنه إنَّما
حرمَ البيعُ لأنه شاغلٌ عن السعي إلى ذكر اللَّه والصلاة، فكلُّ ما قطع عن
ذلك فهو محرمٌ من صناعة أو غيرِها، حتى الأكلُ والشربُ والنومُ والتحدثُ
وغيرُ ذلك، وهذا قولُ الشافعيةِ وغيرهم - أيضًا.
لكن لأصحابنا في بطلانِ غيرِ البيعِ منَ العقودِ وجهانٍ، فإنَّ وقوعها بعد
النداءِ نادرٌ، بخلافِ البيع، فإنَّه غالبٌ، فلو لم يبطلْ لأدَّى إلى الاشتغالِ عنِ
الجمعةَ بهِ، فتفوتُ الجمعةُ غالبًا.
وأكثرُ أصحابِنا حكَوُا الخلافَ في جوازِ ذلك، وفيه نظرٌ؛ فإنه إذا وجبَ
السعيُ إلى الجمعةِ حرُمَ كل ما قطعَ عنْه.
وقد رُويَ عن زيدِ بنِ أسلمَ، قَالَ: لم يأمرُهُمُ اللَّهُ أن يذرُوا شيئًا غيرَه،
حرم البيع، ثم أذنَ لهم فيه إذا فرغُوا.
وهذا ضعيفٌ جدًّا؛ فإن البيعَ إنما خُصَّ بالذكرِ لأنَّه أكثرُ ما يقعُ حينئذ مما
يُهي عن السعي، فيشارِكُه في المعنى كلُّ شاغل.

٤٥٣
سورة الجمعة
واستدلَّ بعضُ أصحابنا على جوازِ غيرِ البيعِ منَ العقود بالصدقة، وقال:
قد أمرَ بها النبيِ وَّ وهو يخطبُ.
وهذا لا يصحُّ؛ فإن الصدقةَ قربةٌ وطاعةٌ، وإذا وقعتْ في المسجد حيثُ لا
يُكره السؤالُ فيه فلا وجْهَ لمنعها .
فإن الحق بذلكَ عقدُ النكاحِ في المسجدِ قبلَ خروجِ الإمامِ كان متوجهًا،
مع أن بعضَ أصحابِنا قد خصَّ الخلافَ بالنكاحِ، وهو ابنُ عقيلٍ .
وعن أحمدَ روايةٌ: إنه يحرم البيعُ بدخول وقتِ الوجوبِ، وهو زوالُ
الشمسِ.
وقد سبقَ مثلُه عن الحسنِ، وعطاءِ، والضحاكِ، وهو - أيضًا - قولُ
مسروقٍ، ومسلمٍ بنِ يسارٍ، والثوريِّ، وإسحاقَ.
وقياسُ قولهم: إنه يجبُ السعيُ بالزوال، ويحرمُ حينئذٍ كلُّ شاغلٍ يشغلُ
عنه .
والجمهورُ: على أنه لا يحرُمُ بدونِ النداءِ.
ثم الأكثرونَ منهم على أنه النداءُ الثاني الذي بين يدي الإمامِ؛ لأنه النداءُ
الذي كان في عهد النبيِّ وََّ، فلا ينصرفُ النداءُ عند إطلاقه إلا إليه.
وفي (صحيح الإسماعيليّ)) من حديثِ الزهريِّ، عن السائبِ بنِ يزيدَ،
قال: كان النداءُ الذي ذكرَ اللَّهُ في القرآن يومَ الجمعةَ إذا خرجَ الإمامُ، وإذَا
قامت الصلاةُ في زمنِ النبيِّ نَّ وأبي بكر وعمرَ.
وعن أحمدَ روايةٌ: أنه يحرمُ البيعُ ويجبُ السعيُ بالنداءِ الأولِ.
وهو قولُ مقاتلِ بنِ حِيَّنَ، قالَ: وقد كانَ النداءُ الأولُ قبلَ زوالِ الشمسِ.

٤٥٤
سورة الجمعة
ونقله ابنُ منصورٍ، عن إسحاقَ بنِ راهويه صريحًا.
وعن أحمدَ، أنه قال: أخافُ أن يحرمَ البيعُ، وإن أذن قبل الوقت.
ومجردُ الشروعِ في الأذانِ يحرمُ به البيعُ عند أصحابِنَا والشافعيةِ؛ لأنه
صارَ نداءً مشروعًا مسنونًا من سنةِ الخلفاءِ الراشدين.
قال أصحابنا: ولو اقتصر عليه أجزأ، وسقطَ فرضُ الأذانِ.
وعند أصحابِ الشافعيِّ: يحرمُ البيعُ بمجردِ الشروعِ في النداءِ الثانِي بين
يديِ الإمامِ، إذا كانَ قاطعًا عن السعي، فأما إن فعلَه وهو ماشٍ في الطريقِ
ولم يقف، أو هو قاعدٌ في المسجد كُرُه ولم يَحرمُ.
وهذا بعيدٌ، والتبايعُ في المسجدِ بعدَ الأذانِ يجتمعُ فيه نهيانٍ؛ لزمانِهِ
ومکانه، فهو أولی بالتحریمِ.
المسألةُ الرابعةُ: حُكِىَ عن الزهريِّ: أن المسافرَ إذا سمعَ النداءَ للجمعةِ، فعليه
أن يشهدَها، وقد سبقَ ذكرُ ذلكَ عنه، وعن النخعيِّ والأوزاعيِّ وعن عطاء:
أن عليه شهودَها، سمعَ الأذَان أو لم يسمعْه، وأن الجمهورَ على خلاف
ذلكَ.
وهل للمسافرِ أن يبيعَ ويشتريَ في المصِرِ بعدَ سماعِ النداءِ؟ فيه اختلافٌ
بينَ أصحابِنا، يرجعُ إلى أنَّ من سقطتْ عنه الجمعةُ لعذرٍ، كالمريضِ: هل له
أن يبيع بعد النداءِ، أم لا؟ فيه روايتانِ عن أحمدَ.
وأما من ليس مِن أهلِ الجمعةِ بالكلِّية، كالمرأةِ، فلها البيعُ والشراءُ بغيرِ
خلاف، وكذا العبدُ، إذا قلنا: لا يجبُ عليه الجمعةُ (١) .
(١) ((فتح الباري)) (٤٣٠/٥ - ٤٣٦).

٤٥٥
سورة الجمعة
[قال البخاري](١): حدثنا آدمُ: ثنا ابنُ أبي ذئبٍ، عن الزُّهريِّ، عن
السَّائبِ بنِ يزيدَ، قالَ: كانَ النِّداءُ يومَ الجمعةِ أوَّلَهُ إذَا جلسَ الإمامُ على
المنبرِ، عَلَى عهدِ رسُولِ اللّهِ وَ لَه وأبي بكرٍ وعُمرَ، فلمَّا كانَ عُثمانُ، وكثرُ
النَّاسُ، زاد النِّداءَ الثَّالثَ على الزوراءِ.
قالَ أبو عبدِ اللَّهِ: الزَّورَاءُ: موضعٌ بالسُّوقِ بالمدينةِ.
الأذانُ يومَ الجمعةِ قد ذكرَهَ اللَّهُ تعالَى في كتابه، في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، وقد ذهب
طائفةٌ من العلماء إلى وجوبهِ، وإنْ قيل: إن الأذان سنةٌ، وهو الذي ذكره ابنُ
أبي موسى من أصحابِنا، وقاله طائفةٌ من الشافعية - أيضًا.
وقد دلَّ الحديثُ على أن الأذانَ الذي كان على عهدِ رسولِ اللَّهِ بِ لِ وأبي
بكرِ وعمرَ هو النداءُ الذي بين يديِ الإمامِ عند جلوسهِ على المنبرِ، وهذا لا
اختلافَ فيه بين العلماءِ .
ولهذا قال أكثرُهم: إنه هو الأذانُ الذي يَمنع البيعَ، ويوجبُ السعيَ إلى
الجمعة، حيث لم يكن على عهدِ النبيّ وَ لّ سواه.
وما ذكره ابنُ عبد البرِّ عن طائفة من أصحابِهم، أن هذا الأذانَ الذي يمنع
البيعَ لم يكن على عهد النبي ◌َّ وإنما أحدثه هشامُ بنُ عبدِ الملكِ، فقد بَيَّن
ابنُ عبدِ البرِّ أن هذا جهلٌ من قائلهِ؛ لعدم معرفته بالسنةِ والآثارِ.
فإن قال هذا الجاهلُ: إنه لم يكنْ أذانٌ بالكلِّية في الجمعة، فقد باهتَ،
ويكذّبِهُ قولُ اللَّه عزَّ وجلَّ ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمْعَةِ فَاسْعُوا﴾ [الجمعة: ٩].
(١) البخاري (١٠/٢).

٤٥٦
سورة الجمعة
وإنْ زعمَ أن الأذانَ الذي كان في عهد النبيِّ وَِّ وأبي بكرٍ وعمرَ هو
الأذانُ الأولُ الذي قبلَ خروجِ الإمامِ، فقد أبطلَ، ويكذّبُه هذا الحديثُ
واجتماعُ العلماءِ على ذلكَ.
وقولُه في هذه الرواية: ((أولُه إذا جلسَ الإمامُ على المنبرِ))، معناه: أن هذا
الأذانَ كانَ هو الأولَ، ثم تليه الإقامةُ، وتسُمَّى: أذانًا، كما في الحديثِ
المشهورِ: ((بين كلِّ أذاتينِ صلاةٌ)(١).
وخرجه النسائيُّ(٢) من روايةِ المعتمرِ، عن أبيه، عن الزهريِّ، ولفظُه: كان
بلالٌ يؤذن إذا جلسَ رسولُ اللهِ وَ لَّ على المنبرِ يومَ الجمعةِ، فإذا نزلَ أقامَ، ثم
كان كذلك في زمنٍ أبي بكرٍ وعمرَ، فلما زاد عثمانُ النداءَ الثالثَ صار هذا
الثالثُ هو الأولَ، وصار الذي بين يدي الإمامِ هو الثاني.
وقد خرج أبو داودً(٣) هذا الحديثَ من طريق ابن إسحاقَ، عنِ الزهريِّ،
عن السائبِ، قال: كان يؤذَّن بين يديْ رسول اللَّهِ وَ ﴿ إذا جلسَ على المنبرِ
يومَ الجمعةِ على بابِ المسجدِ، وأبي بكرٍ وعمرَ.
ففي هذه الروايةِ: زيادةٌ: أنَّ هذا الأذانَ لم يكنْ في نفسِ المسجدِ، بل
على بابهِ، بحيث يسمعه مَنْ كان في المسجدِ ومَن كان خارجَ المسجدِ، ليترك
أهلُ الأسواقِ البيعَ ويسرعُوا إلى السعي إلى المسجدِ .
وقولُه: ((فلما كان عثمانُ» - يريد: لما وليَ عثمان - «وكثر الناسُ في زمنه
زادَ النداءَ الثالثَ على الزوراء))، وسمَّاه: ثالثًا؛ لأنَّ به صارت النداءات
(١) البخاري (١٦١/١)، ومسلم (٢١٢/٢).
(٢) النسائي (١٠١/٣).
(٣) أبو داود (١٠٨٨)، (١٠٨٩).

٤٥٧
سورة الجمعة
للجمعة ثلاثةً، وإنْ كان هو أوَّلها وقوعًا.
وخرَّجه ابن ماجه(١)، وعنده - بعد قوله: ((على دارِ في السوقِ، يقال لها:
الزورَاءُ)) -: ((فإذا خرجَ أَذَّنَ، وإذا نَزْلَ أقامَ)) .
وهو من روايةِ ابنِ إسحاقَ، عن الزهريِّ.
وروى الزهريِّ، عن ابنِ المسيبِ: معنَى حديثهِ عن السائبِ بن يزيدَ، غيرَ
أنه قال: «فلمَّا كان عثمانُ كثرَ الناسُ، فزاد الأذانَ الأولَ، وأرادَ أن يتهيأ
الناسُ للجمعةِ)).
خرجه عبدُ الرزَّاقِ في ((كتابه))(٢) عن معمرٍ، عنه.
وقد رواه إسماعيلُ بنُ يحيى التميميُّ - وهو ضعيفٌ جدًّا-، عن مسعَرِ،
عن القاسمِ، عن ابن المسيبِ، عن أبي أيوبَ الأنصاريِّ، قال: ما كان الأذانُ
على عهدِ النبيِّ نَّه يوم الجمعة إلا قُدََّمَ النبيِّ بِّهِ، وهو على المنبرِ، فإذا نزلَ
أقامُوا الصلاةَ، فلما ولي عثمانُ أُمرَ أن يؤذَّن على المنارَةَ ليُسمعَ الناسَ.
خرجه الإسماعيليّ في مسند مسعرٍ، وقال في القاسمِ: هو مجهولٌ.
ءِ
قلت: والصحيحُ المرسلُ.
وقد أنكر عطاءٌ الأذانَ الأولَ، وقال: إنما زادَه الحجاجُ. قال: وإنما كانَ
عثمانُ يدعو الناسَ دعاءً.
خرجه عبد الرزاق(٢).
(١) («السنن)) (١١٣٥).
(٢) («المصنف)» (٢٠٥/٣ - ٢٠٦).

٤٥٨
سورة الجمعة
وقال عمرُو بنُ دينارِ: إنما زادَ عثمانُ الأذانَ بالمدينةِ، وأما مكةُ فأوَّلُ من
زادَه الحجاجُ. قال: ورأيت ابنَ الزبيرِ لا يؤذَّن له حتى يجلسَ على المنبرِ، ولا
يؤذَّن له إلا أذانٌ واحدٌ يوم الجمعة.
خرجه عبد الرزَّاقِ - أيضًا (١) .
وروى مصعبُ بن سلامٍ، عن هشامٍ بنِ الغازِ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ،
قال: إنما كانَ رسولُ اللَّهِ فَ اجله إذا قعدَ على المنبرِ أذنَ بلالٌ، فإذا فرغَ النبيّ
وَله من خطبتهِ أقام الصلاةَ، والأذانُ الأولُ بدعةٌ (٢).
93
وروى وكيعٌ في ((كتابه)(٣) عن هشامٍ بنِ الغازِ، قال: سألتُ نافعًا عن
الأذانِ يومِ الجمعةِ؟ فقال: قال ابنُ عمرَ: بدعةٌ، وكلُّ بدعة ضلالةٌ، وإن رآه
الناسُ حسنًا .
وقال عبدُ الرحمنِ بنُ زيدِ بنِ أسلمَ: لم يكن في زمانِ النبيِّ وَّ إلا
أذانَان: أذانٌ حين يجلسُ على المنبرِ، وأذانٌ حين تُقامُ الصلاةُ. قال: وهذا
الأخيرُ شيءٌ أحدثه الناسُ بعدُ.
خرجهُ ابنُ أبي حاتمٍ.
وقال سفيانُ الثوريُّ: لا يُؤَذَّن للجمعة حتى تزولَ الشمسُ، وإذا أذنَ المؤذِّن
قام الإمامُ على المنبرِ فخطبَ، وإذا نزل أقامَ الصلاةَ. قال: والأذان الذي كان
على عهدِ رسولِ اللَّهِ وَّهِ وأبي بكرٍ وعمرَ أذانٌ وإقامةٌ، وهذا الأذانُ الذي
(١) ((المصنف)) (٢٠٦/٣).
(٢) الجملة الأخيرة عند ابن أبي شيبة (١/ ٤٧٠) من طريق شبابة عن هشام.
(٣) وعنه ابن أبي شيبة (١/ ٤٧٠).

٤٥٩
سورة الجمعة
زادوه محدَثٌ.
وقال الشافعيَّ - فيما حكاه ابنُ عبد البرِّ -: أحبُّ إليَّ أن يكون الأذانُ يومَ
الجمعةِ حين يجلسُ الإمامُ على المنبرِ بينَ يديهِ، فإذا قعد أخذَ المؤذنُ في
الأذانِ، فإذا فرغَ قام فخطبَ. قال: وكان عطاءٌ ينكرُ أن يكونَ عثمانُ أحدثَ
الأذانَ الثاني، وقالَ: إنما أحدثَه معاويةُ.
قال الشافعيُّ: وأيُّهما كانَ، فالأذانُ الذي كان على عهد النبيِّ ◌َِّ، وهو
الذي يُنَهى الناسُ عنده عن البيع .
ولأصحابِهِ في أذانِ الجمعةِ - على قولهم: الأذانُ سنةٌ - وجهان:
أحدُهما: أنه سنةٌ - أيضًا.
والثاني: أنه للجمعة خاصةً فرضُ كفايةٍ .
فعلى هذا: هل تسقطُ الكفايةُ بالأذان الأول، أوْ لا تسقطُ إلا بالأذان بين
يديِ الإمامِ؟ على وجهينِ - أيضًا.
ومنْ أصحابنا من قالَ: يسقط الفرضُ بالأذان الأول، وفيه نظرٌ والله
أعلم.
وقال القاضي أبو يعلَى: المستحبُّ أن لا يؤذَّن إلا أذانٌ واحدٌ، وهو بعد
جلوسِ الإمامِ على المنبرِ، فإن أذِّنَ لها بعدَ الزَّوالِ وقبلَ جلوسِ الإمامِ جازَ،
ولم يُكْرَه.
ثم ذكرَ حديثَ السائبِ بنِ یزیدَ هذا.
ونقلَ حربٌ، عن إسحاقَ بنِ راهَويه: أن الأذانَ الأولَ للجمعة محدثٌ،
أحدثه عثمانُ، رأى أنه لا يسمعُهُ إلا أن يزيدَ في المؤذنين، ليُعلمِ الأبعدِين

٤٦٠
سورة الجمعة
ذلك، فصار سنةً: لأن على الخلفاء النظرَ في مثل ذلك للناسِ.
وهذا يفهم منه أن ذلك راجعٌ إلى رأي الإمام، فإن احتاج إليه لكثرةِ الناس
فعلَه، وإلا فلا حاجةَ إليه(١) .
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ
لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ﴾
[قال البخاري](٢): بابُ الخُطبة قائمًا:
وقالَ أنسٌ: بينَا النَّبِيُّ ◌َّهِ يخطبُ قائمًا.
حديثُ أنسٍ، هو الذي فيه ذكرُ الاستسقاءِ في الجمعةِ، وسيأتي - إن شاء
اللَّهُ سبحانه وتعالى - فيما بعد (٣).
حدثنا عُيدُ اللَّهِ بنُ عمرَ القواريريُّ: نَا خالدُ بنُ الحارثِ: نَا عُبِيدُ اللَّهِ بنُ
عمرَ، عنْ نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قالَ: كانَ النَّبِيُّ ◌َلِّ يخطبُ قائمًا، ثمَّ
يقعدُ، ثُمَّ يقومُ كمَا يفعلُونَ الآنَ(٤) .
وفي الخطبةِ قائمًا أحاديثُ أُخَرَ.
وخرج مسلم(٥) من حديثِ سماكِ، عن جابرِ بنِ سمُرَةَ، قال: كانَ رسولُ
اللَّهِ وَلَهِ يخطبُ قائمًا، ثم يجلسُ، ثم يقومُ فيخطبُ قائمًا، فمن نبَّأَكَ أنه
٠
(١) «فتح الباري)) (٤٤٩/٥ - ٤٥٣).
(٢) البخاري (١٢/٢).
(٣) البخاري (٣٤/٢).
(٤) البخاري (١٢/٢).
(٥) (٩/٣).