النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
سورة الأحقاف
وخرَّجه الترمذيُّ، ولفظهُ: فقال: «قد قالَها الناسُ، ثمَّ كفرَ أكثرُهم، فمن ماتَ
عليها، فهو ممَّن استقامَ))، وقالَ: حسنٌ غريبٌ، و((سهيل)) تُكُلِّمَ فيه من قِبَلِ
حفظه .
وقال أبو بكر الصديقُ في تفسيرِ ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قالَ: لم يشركُوا باللَّه
شيئًا. وعنه قالَ: لم يلتفتوا إلى إله غيرِهِ. وعنه قالَ: ثم استقامُوا على أنَّ
اللَّهَ رَبُّهم.
وعن ابنِ عباسٍ بإسنادٍ ضعيفٍ قالَ: هذه أرخصُ آيَةٍ في كتابِ اللَّهِ:
﴿ قَالُوا رَبِّنَ اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على شهادة أنْ لا إلهَ إلا اللَّهَ.
ورُويَ نحوهُ عن أنسٍ ومجاهدٍ والأسودِ بنِ هلالٍ، وزيدِ بنِ أسلمَ،
والسُّدِّيِّ وعكرمةَ وغيرِهم. ورُويَ عن عمرَ بن الخطابِ أنَّه قرأَ هذه الآيةَ على
المنبرِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾، فقالَ: لم يَروغوا رَوَغَانَ الثعالبِ.
وروى عليّ بنُ أبي طلحةَ عنِ ابنِ عباسٍ في قولهِ تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾
قالَ: استقامُوا على أداءِ فرائضهِ .
وعن أبي العاليةَ، قالَ: ثمَّ أخلَصُوا له الدين والعملَ.
وعن قتادةَ قالَ: استقامُوا على طاعة اللَّه، وكانَ الحسنُ إذا قرأَ هذه الآيةَ
قالَ: اللهمَّ أنت ربُّنَا فارزقنا الاستقامةَ.
ولعلَّ من قالَ: ((إنَّ المرادَ الاستقامةُ على التوحيد)) إنَّما أرادَ التوحيدَ
الكاملَ الذي يُحرِّمُ صاحبَه على النارِ، وهو تحقيقُ معنى لا إلهَ إلا اللَّهَ، فإنَّ
الإلهَ هو الذي يُطاعُ، فلا يُعصى خشيةً وإجلالاً ومهابةً ومحبةً ورجاءً وتوكُّلاً
ودعاءً، والمعاصي كلُّها قادحةٌ في هذا التوحيدِ، لأنَّها إجابةٌ لداعي الهوى

٢٦٢
سورة الأحقاف
وهو الشيطانُ، قالَ اللَّهُ عزَّ وجلّ: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهَ﴾ [الجاثية:٢٣] قال
الحسنُ وغيرُهُ: هو الذي لا يهوى شيئًا إلا ركبه.
فهذا يُنافي الاستقامةَ على التوحيدِ.
وأما على روايةٍ من روى: (قُلْ آمنْتُ باللَّه))، فالمعنى أظهرُ، لأنَّ الإيمانَ
يدخلُ فيه الأعمالُ عندَ السلفِ وَمن تابعَهم من أهلِ الحديثِ، وقالَ اللَّهُ عزَّ
وجلَّ: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
[هود: ١١٢]، فأمرَه أن يستقيمَ هو ومن تابعَه، وأن لا يُجاوزُوا ما أُمروا به،
وهو الطغيانُ، وأخبرَ أنَّه بصيرٌ بأعمالهم، مطَّلِعٌ عليها، قال تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ
فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [الشورى: ١٥]. وقالَ قتادةُ: أُمرَ محمدٌ
وَلَّ أن يستقيمَ على أمرِ اللَّهُ. وقالَ الثوريُّ: على القرآنِ.
وعن الحسنِ قال: لَا نزلتْ هذه الآيةُ شَمَّرَ رسولُ اللّهِ وََّ، فما رؤي
ضاحكًا. خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ. وذكر القُشَيريُّ وغيرُه عن بعضهم: أنَّه رأى
النبيّ وَّ في المنامِ، فقالَ له: يا رسولَ اللَّه قلتَ: ((شَيَّتني هُودٌ وأخواتُها))، فما
شَيَّبك منها؟ قال: «قوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]))(١).
وقالَ عزَّ وجلّ: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا
إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت: ٦].
وقد أمرَ اللَّهُ تعالى بإقامةِ الدِّين عمومًا كمَا قالَ: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا
وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىْ أَنْ أَقِيمُوا الدين
(١) راجع: ((العلل)) للدار قطني (١٩٣/١ - ٢١١).

٢٦٣
سورة الأحقاف
ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]، وأمرَ بإقامِ الصلاةِ في غيرِ موضعٍ من كتابهِ، كما
أمرَ بالاستقامةِ على التوحيدِ في تلك الآيتينِ .
والاستقامةُ: هي سلوكُ الصِّرَاطِ المستقيمِ، وهو الدِّينُ القيّمُ من غيرِ تعريجِ
عنه يمنةً ولا يَسرةً، ويشملُ ذلك فعلَ الطَّعاتِ كلِّها، الظاهرة والباطنةِ،
وتركَ المنهيات كلِّها كذلك، فصارت هذه الوصيةُ جامعةً لخصالِ الدِّينِ كُلِّها.
وفي قولهِ عزَّ وجلَّ: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ ﴾ [فصلت: ٦] إشارةٌ إلى أنَّه
لا بُدَّ من تقصيرِ في الاستقامةِ المأمورِ بها، فيجبُّرُ ذلك الاستغفارُ المقتضى
للتَّوبةِ والرُّجوعِ إلى الاستقامةِ، فهو كقولِ النبيِّ نَّهِ لمعاذ: ((اتَّقِ اللَّهَ حيثُما
كُنْتَ، وأتبع السَّةَ الحسنةَ تَمْحُها)(١). وقد أخبرَ النبيُّ ◌َِّ أنَّ الناسَ لن يُطِيقُوا
الاستقامةَ حقَّ الاستقامة، كما خرَّجه الإمامُ أحمدُ وابنُ ماجه(٢) من حديث
ثوبانَ عن النبيِّ نَّهِ قالَ: ((استقيموا ولن تُحْصوا، واعلموا أنَّ خيرَ أعمالِكُم
الصَّلاةُ، ولا يُحافظُ على الوضوء إلا مؤمنٌ)، وفي رواية للإمامِ أحمدَ: ((سَدِّدُوا
وقاربُوا، ولا يحافظُ على الوضوء إلا مؤمنٌ).
وفي (الصحيحين))(٣) عن أبي هريرةَ عن النبيِّ مَلَّ قالَ: ((سدِّدُوا وقاربُوا)).
فالسَّدادُ: هو حقيقةُ الاستقامةِ، وهو الإصابةُ في جميعِ الأقوالِ والأعمالِ
والمقاص، دِ كالذي يرمي إلى غرضٍ فيُصيبُهُ. وقد أمرَ النبيُّ نَّ عليًّا أن يسألَ
اللَّهَ عزَّ وجلَّ السَّدَادَ والهُدى، وقالَ له: ((اذكرْ بالسداد تسديدَكَ السَّهْمَ، وبالهدى
هدایتك الطَّريق)).
(١) أخرجه: الترمذي (١٩٨٧).
(٢) أخرجه: أحمد (٢٧٦/٥ - ٢٧٧ - ٢٨٢)، وابن ماجه (٢٧٧).
(٣) أخرجه: البخاري (١٦/١)، ومسلم (١٣٩/٨ - ١٤٠).

٢٦٤
سورة الأحقاف
والمقاربةُ: أن يُصيبَ ما قَرُبَ مِنَ الغرضِ إذا لم يُصِبِ الغرضَ نفسه،
ولكنْ بشرطِ أن يكونَ مصمِّمًا على قصدِ السَّدادِ وإصابةِ الغرضِ، فتكونُ
مقاربتُه عن غيرِ عمدٍ .
ويدلُّ عليه قولُ النبيِّ وَّ في حديثِ الحكمِ بنِ حزنِ الكُلَفي: ((أيّها النَّاس
إنَّكم لنْ تعملُوا - أو لن تُطيقوا - كلَّ ما أمرتُكم، ولكنْ سدِّدُوا وأبشرُوا))(١)
والمعنى: اقصدُوا التَّسديدَ والإصابةَ والاستقامةَ، فإنَّهم لو سدّدُوا في
العمل كلِّه، لكانوا قد فعلُوا ما أُمِرُوا به كُلِّه.
فأصلُ الاستقامة استقامةُ القلب على التوحيد، كما فسر أبو بكر الصدِّيق
وغيرُهُ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [الأحقاف: ١٣] بأنَّهم لم يلتفتُوا
إلى غيرِهِ، فمتى استقامَ القلبُ على معرفةِ اللَّهِ، وعلى خشيتهِ، وإجلالهِ،
ومهابتهِ، ومحبتهِ، وإرادتهِ، ورجائهِ، ودعائهِ، والتوكَّلِ عليه، والإعراضِ عما
سواه، استقامت الجوارحُ كلُّها على طاعتهِ، فإن القلبَ هو ملكُ الأعضاء،
وهي جنودُه، فإذا استقامَ الملكُ، استقامت جنودُه ورعاياه، وكذلك فسِّر قولُه
عزَّ وجلَّ: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم: ٣٠] بإخلاصِ القصد للَّه وإرادته
وحده لا شريك له.
وأعظمُ ما يُراعى استقامتُه بعدَ القلبِ مِنَ الجوارح: اللسانُ، فإنَّه ترجمانُ
القلب والمعبِّرُ عنه، ولهذا لما أمرَ النبي ◌َّ بالاستقامة، وصَّاه بعدَ ذلك بحفظ
لسانهِ، وفي (مسند الإمامِ أحمدَ))(٢) عن أنسٍ، عن النبيِّ وَلاّ قال: ((لا يستقيم
إيمانُ عبد حتَّى يستقيمَ قلبُهُ، ولا يستقيمَ قلبُهُ حتَّى يستقيمَ لسانُه)).
(١) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٢١٢/٤)، وأبو داود (١٠٩٦).
(٢) أخرجه: أحمد في («المسند» (١٩٨/٣).

٢٦٥
سورة الأحقاف
وفي ((الترمذيِ) (١) عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا وموقوفًا: ((إذا أصبحَ ابنُ
آدمَ، فإن الأعضاءَ كلَّها تكفرُ اللّسانَ، فتقولُ: اتق اللَّهَ فينا، فإنما نحنُ بك، فإن استقمتَ
استقمنا، وإن اعوجَجْتَ اعوججنا))(٢).
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ
0
[قال البخاري](٣) بَابٌ إِذَا هَبَّتِ الرِّيحُ: حدثنا سعيدُ بنُ أبي مريمَ: أنا
محمدُ بنُ جعفرٍ: أخبرِنِي حُميدٌ، أَنَّهُ سمِعَ أنس بن مالكِ يقولُ: كانتِ الرِّيحُ
الشديدَةُ إذا هَبَّتْ عُرفَ ذلكَ فِي وَجِهِ النَّبِيِّ وَّهِ.
إنما كان يظهرُ في وجهِ النبيِّ ◌َّهِ الخوفُ من اشتداد الريح؛ لأنه كان
يخشى أن تكونُ عذابًا أُرسلَ إلى أمَّه.
وكان شدةُ خوفِ النبيِّ نَّهِ على أُمته شفقةً عليهم، كما وصفَهُ اللَّهُ
سبحانه وتعالى بذلكَ في قولهِ: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنْتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ
رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
ولما تلاَ عليه ابنُ مسعودٍ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى
هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] بكَى .
ولما تلا قولَه: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ الآية [المائدة: ١١٨] بكى، وقالَ:
(اللهمَّ، أُمَّتَي، أُمَّتَي)، فأرسلَ اللَّهُ جبريلَ يقولُ له: ((إن اللَّهَ يقولُ: إنَّا سنُرضيكَ في
(١) ((الجامع)) (٢٤٠٧)، ورجح الترمذي الموقوف.
(٢) ((جامع العلوم والحكم)) (٥٣٦/١ - ٥٤١).
(٣) أخرجه: البخاري (٤٠/٢).

٢٦٦
سورة الأحقاف
أمتك ولا نَسُوءُكَ)(١).
وكان يقولُ: ((شيَّبتني هودٌ وأخواتُها)).
وجاءَ في روايةٍ مرسلةٍ: ((قَصَّفْنَ عليّ الأُمَم).
يشيرُ إلى أنَّ شيبهُ منها ما ذُكر مِن هلاكِ الأممِ قبلَ أمَّتَه وعذابهم .
وكانَ عندَ لقاء العدوِّ يخافُ على مَن معه من المؤمنينَ، ويستغفرُ لهم، كما
فعلَ يومَ بدرٍ، وباتَ تلكَ الليلةَ يصلِّي ويبكي ويستغفرُ لهُم، ويقولُ: ((اللهمَّ،
إِن تُهلكْ هذه العِصَابَةَ لا تُعبدُ في الأرض)) (٢) .
وكلُّ هذا مِن خوفِه وشفقتهِ عليهم.
وقد جاءَ في رواياتِ متعددة: التصريحُ بسببِ خوفهِ من اشتدادِ الريحِ:
ففي (الصحيحينِ))(٣) من حديثِ سليمانَ بنِ يسارٍ، عن عائشةَ: أنَّ النبيَّ
وَّ كانَ إذا رأى غيمًا أو ريحًا عُرِفَ ذلكَ في وجهِهِ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّه:
أرى الناسَ إذا رأوا الغيمَ فرِحوا؛ رجاءَ أن يكونَ فيه المطرُ، وأراكَ إذا رأيتَه
عَرفتُ في وجهك الكراهيةَ؟ فقالَ: ((يا عائشة، ما يُؤْمِّني أن يكونَ فيه عذابٌ، قد
عُذبَ قومٌ بالريحِ، وقدْ رأَى قومٌ العذابَ، فقالُوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾
[ الأحقاف: ٢٤])).
وخرَّجَا - أيضًا - من روايةِ ابنِ جريجٍ، عن عطاءٍ، عن عائشةَ، قالتْ كانَ
رسولُ اللَّهِ وَ لَيهِ إذا رأَى مخيلةً في السماءِ أقبلَ وأدبرَ، ودخلَ وخرجَ، وتغيّر
(١) أخرجه: مسلم (١٣٢/١).
(٢) أخرجه: مسلم (١٥٦/٥)، وأحمد (٣٢/١)، والترمذي (٣٠٨١).
(٣) أخرجه: البخاري (١٦٧/٦)، ومسلم (٢٦/٣ - ٢٧).

٢٦٧
سورة الأحقاف
وجهُه، فإذا أمطرت السماءُ سُرِّي عنه، فعرَّفَتْه عائشةُ ذلكَ، فقالَ النبيِّ
صَلى الله
وَستـ
((وما أَدْرِي لعلَّه كما قالَ قومٌ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ [الأحقاف: ٢٤]))
الآية .
وزاد مسلمٌ - في أوله -: كانَ النبيِّ نَّهِ إذا عصفتِ الريحُ قال: ((اللهمَّ، إنِّي
أَسأَلُكَ خيرَها وخيرَ ما فيها وخيرَ ما أُرسلَت به، وأعوذُ بكَ مِن شرِّها وشرِّ ما فيها وشرِّ
ما أُرسلتُ به))(١).
وخرجهُ النسائيُّ(٢)، ولفظُه: ((كانَ إذا رأَى ريحًا)»، بدل: ((مخيلة)).
وخرجَ مسلمٌ - أيضًا (٣) - من حديثِ جعفرِ بنِ محمدٍ، عن عطاءٍ، عن
عائشةَ، قالتْ: كانَ رسولُ اللَّهِ وَ لّ إذَا كانَ يومُ الريحِ والغيمِ عُرفَ ذلكَ في
وجههِ، فأقبلَ وأدبرَ، فإذَا مطرَ سُرَّ بهِ، وذهبَ عنه ذلكَ. قالتْ عائشةُ:
فسألته، فقالَ: ((إنِّي خشيتُ أن يكونَ عذابًا سُلِّطَ على أُمتي)).
وخرجَ الإمامُ أحمدُ وابنُ ماجه (٤) من حديثِ المقدامِ بنِ شريحٍ، عن أبيهِ،
عنْ عائشةَ، أنَّ النبيَّ نَّ كَانَ إذَا رأى سحابًا مقبلاً منْ أفقِ من الآفاقِ تركَ ما
هُوَ فيه وإن كانَ في صلاتهِ، حتى يستقبله، فيقولُ: ((اللهمَّ، إنا نعوذُ بكَ من
شرِّ ما أُرْسلَ))، فإنْ أمطرَ قالَ: ((اللهمَّ سقيًا نافعًا)) - مرتين أو ثلاثًا -، فإنْ كشفَه
اللَّهُ ولم يُمطِرْ حمِدَ اللَّهَ على ذلكَ.
ولفظهُ لابنِ ماجَهَ .
(١) أخرجه: البخاري (١٣٢/٤ - ١٣٣)، ومسلم (٢٦/٣).
(٢) في ((عمل اليوم والليلة)) (٩٤٦).
(٣) في ((صحيحه)) (٢٦/٣).
(٤) أخرجه: أحمد في «المسند» (٦/ ١٩٠)، وابن ماجه (٣٨٨٩).

٢٦٨
سورة الأحقاف
وخرجهُ أبو داود (١)، ولفظُه: كانَ إذا رأَى ناشئًا في أفقِ السماءِ تركَ
العملَ، وإن كانَ في صلاةٍ، ثم يقولُ: ((اللهمَّ، إني أعوذُ بكَ من شرِّها)).
وخرَّجه ابنُ السنيّ(٢) ، ولفظُه: كان إذا رأَى في السماء ناشئًا، غبارًا أو
ريحًا، استقبلَهُ مِن حيثُ كانَ، وإن كانَ في الصلاةِ تعوذَ بالله من شرِّه.
وكذا خرَّجِه ابنُ أبي الدنيا.
وخرجَ الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والنسائيُّ في ((اليومِ والليلةِ)) وابنُ ماجه وابنُ
حبانَ في (صحيحه) (٣) من حديث أبي هريرةَ، عنِ النبيِّ نَّهِ، قالَ: ((الريحُ
من روحِ اللَّهِ، تأتي بالرحمةِ، وتأتي بالعذابِ، فإذا رأيتمُوها فلا تسبُّوها، واسألُوا اللَّهُ
خيرَها، واستعيدُوا باللَّهِ من شرِّهًا)).
وخرجَ الترمذيُّ(٤) من حديثِ أبِيِّ بنِ كعبٍ، عن النبيِّ وَلَّهِ، قالَ: ((لا
تسبُوا الريحَ، فإذا رأيتُمْ ما تكرهونَ فقولُوا: اللَّهُمَّ، إِنَّا نسألُكَ من خيرِ هذهِ الريحِ وخیرِ
ما فيها، وخيرِ ما أُمرتْ به، ونعوذُ بكَ من شرِّ هذه الريح، وشرِّ ما فيها، وشرِّ ما أُمرتْ
به)).
وقال: حسنٌ صحيحٌ.
وخرَّجه النسائيَّ في ((اليوم والليلة)) (٥) مرفوعًا وموقوفًا على أبيِّ بنِ كعبٍ
ضِ الله.
(١) ((السنن)) (٥٠٩٩).
(٢) في ((عمل اليوم والليلة)) (٣٠٢).
(٣) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٢٦٨/٢ - ٥١٨)، وأبو داود (٥٠٩٧)، والنسائي في ((عمل اليوم
والليلة)) (٩٣٧)، وابن ماجه (٣٧٢٧)، وابن حبان (١٠٠٧).
(٤) ((الجامع)) (٢٢٥٢).
(٥) ((عمل اليوم والليلة)) (٩٣٩)، (٩٤٠)، (٩٤١)، (٩٤٢).

٢٦٩
سورة الأحقاف
وفي البابِ: أحاديثُ أخرُ متعددةٌ.
ورُويَ عن ابن مسعودٍ، قال: لا تسبّوا الريحَ؛ فإنها بشرٌ ونَذْرٌ ولواقحُ،
ولكنِ استعيذُوا باللَّهِ من شرِّ ما أُرسلَتْ به.
وعن ابنِ عباسٍ، قال: لا تسبُّوا الريحَ؛ فإنها تجيءُ بالرحمةِ، وتجيء
بالعذاب، وقولوا: اللهمُّ، اجعلْهَا رحمةً، ولا تجعلها عذابًا.
خرَّجهما ابنُ أبي الدنيا.
وخرَّج - أيضًا - بإسنادهِ، عن عليٍّ، أنه كانَ إذَا هَبَّتِ الريحُ قالَ: اللهمَّ،
إن كنتَ أرسَلْتَها رحمةً فارحمْنِي فيمنْ ترحَمُ، وإن كنتَ أرسلْتَها عذابًا
فعافني فيمن تعافي.
وبإسنادِهِ، عنِ ابنِ عمرَ، أنه كان يقولُ إذَا عصفتِ الريحُ: شدُّوا التكبيرَ؛
فإنَّها تذهبُ.
وعن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، أنه لما وُلِيَ هبتْ ريحٌ، فدخلَ عليه رجلٌ وهو
مُنْتقعُ اللونِ، فقال: ما لكَ يا أميرَ المؤمنين؟ قال: ويحَك، وهل هلكتْ أمةٌ
إلا بالرِّيح؟(١)
-
(١) (فتح الباري)) (٣١٧/٦ - ٣٢١).

و رؤ ورة
سورة محمد
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ
آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾
منْ حفظَ حدودَ اللَّه وراعَى حقوقَهُ، تولَّى اللَّهُ حفظَهُ في أمورِ دينِهِ
ودنياهُ، وفي دنياهُ وآخرِتِهِ.
وقد أخبرَ اللَّهُ تعالَى في كتابِهِ أنه وليُّ المؤمنينَ وأنه يتولَّى الصالحِينَ،
وذلكَ يتضمنُ أنه يتولَّى مصالحَهُم في الدنيا والآخرةِ، ولا يكلُّهُم إلى غيرِهِ
قالَ تعالَى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧].
٠٠
وقالَ تعالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾
[ محمد : ١١ ].
وقالَ تعالَى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبَهُ﴾ [الطلاق: ٣].
وقالَ تعالَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦].
فمن قامَ بحقوقِ اللَّهِ عليهِ فإنَّ اللَّهَ يتكفلُ له بالقيامِ بجميعِ مصالحِهِ في
الدنيا والآخرة، ومن أرادَ أن يتولَّى اللَّهُ حفظَهُ ورعايتَهُ في أمورِهِ كلّها فليراعٍ
حقوقَ اللَّهِ عليهِ، ومن أرادَ ألا يصيبَهُ مما يكرهُ فلا يأتِ شيئًا مما يكرهُهُ اللَّهُ.
كان بعضُ السلفِ يدورُ على المجالسِ ويقولُ: من أحبَّ أن تدومَ له
العافيةُ فليتقِ اللَّهَ.

٢٧١
سورة محمد
وقالَ العمريُّ الزاهدُ لمن طلبَ منه الوصيةَ: كما تحبُّ أن يكونَ اللَّهُ لكَ،
فهكذا كنْ للَّه عز وجل.
وفي بعضِ الآثار: يقولُ اللَّهُ: ((وعزتي وجلالي لا أطلعُ على قلبٍ عبد فأعلمُ أن
الغالبَ عليه حبُّ التمسكِ بطاعتي، إلا توليتُ سياسَتَهُ وتقويمهُ).
وفي بعضِ الكتبِ المتقدمةِ: يقولُ اللَّهُ عز وجلَّ ((يا ابنَ آدمَ، ألا تعلمُنِي ما
يضحككَ، يا ابنَ آدمَ، اتقني ... (١) ونم حيثُ شئتَ).
والمعنى: أنكَ إذا قمتَ بما عليكَ للَّهِ من حقوقِ التقوى فلا تهتمَّ بعدَ ذلكَ
بمصالحكَ، فإن اللَّهَ هو أعلمُ بها منكَ، وهو يوصلُّهَا إليكَ على أتمِّ الوجوهِ
من غيرِ اهتمامٍ منكَ بِهَا.
وفي حديث جابرٍ ◌ِّه، أن النبيِّ وَّ قالَ: ((من كانَ يحبُّ أن يعلمَ منزلتَهُ
عندَ اللَّهِ، فلينظرْ كيفَ منزلةُ اللّه عندَهُ، فإنَّ اللَّهَ ينزلُ العبدَ منه حيث أنزلَهُ من نفسه))(٢).
فهذا يدل على أنَّه على قدرِ اهتمامِ العبدِ بحقوقِ اللَّهِ ومراعاةٍ حدوده،
واعتنائه بذلكَ وحفظهِ لهُ يكونُ اعتناؤُه به وحفظُهُ لهُ، فمن كانَ غايةُ همِّه
٠٠
رِضَا اللَّهِ عنهُ وطلبَ قربِهِ ومعرفته ومحبته وخدمته، فإنَّ اللَّهَ يكونُ له على
حسبِ ذلكَ كما قالَ تعالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي
أَوْفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، بل هو سبحانَهُ أكرمُ الأكرمينَ. فهو يجازِي بالحسنةِ
عشرًاً ويزيدُ، ومن تقرّبَ منه شبرا تقرّبَ منه ذراعًا. ومن تقرّبَ منه ذراعًا
تقرّبَ منه باعًا، ومن أتاهُ مِشِي أتاهُ هرولةً.
(١) قال محققه: بياض بالأصل.
(٢) أخرجه: الحاكم (٤٩٤/١ - ٤٩٥).

٢٧٢
سورة محمد
ما يُؤتَى الإنسانُ إلا من قبَل نفسه ولا يصيبُهُ المكروهُ إلا من تفريطه في
حقِّ ربِّه عز وجل.
قال عليٌّ ◌ِوَّه: لا يَرْجوَنَّ عبدٌ إلا رَّبَّهُ، ولا يخافنَّ إلا ذنبَهُ.
وقال بعضُهم: من صَفَى صُفِّي لهُ، ومن خلطَ خُلِّط عليهِ .
وقال مسروقٌ: من راقبَ اللَّهَ في خطراتٍ قلبِهِ عصمَهُ اللَّهَ في حركاتِ
جوارحه .
وبسطُ هذا المعنى يطولُ جدًّا، وفيمَا أشرنا إليه كفايةٌ، ولله الحمدُ (١)
٠
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدَّى وَأَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ}
ثم قال البخاري - رحمه الله -: وَيَزِيدُ وينقصُ.
قال الله عزَّ وجلّ: ﴿لِيَزْدَادُوا إِجَنَا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]، ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدى
[الكهف: ١٣]، ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْاْ هُدَّى﴾ [مريم: ٧٦]، ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ
هُدَى وَأَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧]، ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانَا﴾ [المدثر: ٣١]، وقوله
عزَّ وجلّ: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانَا ﴾ [التوبة: ١٢٤]،
وقوله: ﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا
وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢].
زيادة الإيمان ونقصانه؛ قولُ جمهورِ العلماءِ.
وقد رُوي هذا الكلامُ عن طائفةٍ من الصحابةِ، كأبي الدرداءِ، وأبي هريرةَ،
وابنِ عباسٍ، وغيرِهم من الصحابةِ.
(١) رسالة: ((نور الاقتباس)) (ص٣٨ - ٤٠).

٢٧٣
سورة محمد
ورويَ معناه عن عليٌّ وابنِ مسعودٍ - أيضًا.
وعن مجاهدٍ وغيرِهِ من التابعينَ.
وتوقَّف بعضُهُم في نقصِهِ، فقالَ: يزيدُ، ولا يقالُ: ينقصُ. ورويَ ذلكَ
عن مالك، والمشهورُ عنه كقولِ الجماعةِ.
وعن ابنِ المباركِ، قالَ: الإيمانُ يتفاضلُ.
وهو معنى الزيادة والنقصِ.
وقد تلا البخاريُّ الآياتِ التي فيها ذكرُ زيادة الإيمانِ، وقد استدلَّ بِهَا علَى
زيادة الإيمانِ أئمةُ السَّلْفِ قديمًا، منهُم: عطاءُ بنُ أبي رباح فمن بعدَه.
وتلا البخاريُّ - أيضًا - الآياتِ التي ذكَرَ فيهَا زيادةَ الهُدَى؛ فإنَّ المرادَ
بالهُدَى هنا فعلُ الطاعاتٍ، كما قالَ تعالى بعد وصفِ المتقينَ بالإيمانِ بالغيبِ ،
وإقامِ الصلاةِ، والإنفاقِ مما رزقَهُم، وبالإيمانِ بما أُنزِلَ إلى محمدٍ وإلى مَنْ
قبلَهُ، وباليقينِ بالآخرةِ، ثم قالَ: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدِّى مِّن رَّبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥].
فسمَّى ذلكَ كلَّه هدى؛ فمن زادتْ طاعاتُهُ فقد زادَ هداهُ.
ولما كانَ الإيمانُ يدخلُ فيه المعرفةُ بالقلب، والقولُ والعملُ كلُّه؛ كانتْ
زيادتُهُ بزيادة الأعمال، ونقصانُهُ بنقصانِهَا .
وقد صرَّح بذلك كثيرٌ من السلفِ، فقالُوا: يزيد بالطاعةِ، وينقصُ
بالمعصية(١) .
(١) ((الفتح)) (٦/١ -٨).

٢٧٤
سورة محمد
قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ﴾
فصل : في فضائل لا إله إلا الله.
وكلمةُ التوحيد لها فضائلُ عظيمُةُ لا يمكنُ هاهنا استقصاؤُها، فلنذكر
بعضَ ما وردَ فِيها:
١ - فهيَ كلمةُ التقوى كما قالَ عمرُ ◌َِّه وغيرُه من الصحابة.
٢ - وهي كلمةُ الإخلاصِ.
٣ - وشهادةُ الحقِّ.
٤ - ودعوةُ الحقِّ.
٥ - وبراءةٌ من الشركِ، ونجاةُ هذا الأمرِ .
٦ - ولأجلهَا خُلقِ الخلقُ. كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ
لِيَعْبُدُون﴾ [الذاريات: ٥٦].
٧ - ولأجلِهَا أُرسلتِ الرُّسلُ وأنزلتِ الكتبُ، كما قالَ تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا
مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقالَ
تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ
أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل: ٢]. ونحو هذه الآياتِ.
وهذه الآيةُ أولُ ما عدَّدَ اللَّهُ من النعمِ في سورة النحلِ التي تُسَمَّى سورةُ
النعمِ. ولهذا قال ابنُ عيينةَ: ما أنعمَ اللَّهُ على عبد من العبادِ نعمةً أعظمُ من
أن عرَّفهم ((لا إلهَ إلا اللَّهُ).
وأن ((لا إلهَ إلا اللّه)) لأهلِ الجنةِ كالماءِ الباردِ لأهلِ الدنيا.

٢٧٥
سورة محمد
٨ - ولأجلهَا أُعدَّتْ دارُ الثواب ودارُ العقابِ.
٩ - ولأجلهَا أُمرت الرسلُ بالجهادِ، فمنْ قالَها عصمَ مالَه ودمَه، ومن
أباها فمالُه ودمُه هدرٌ.
١٠- وهي مفتاحُ الجنةِ.
١١ - ومفتاحُ دعوةِ الرسلِ .
١٢ - وبها كلّمَ اللَّهُ موسى كِفاحًا.
وفي ((مسندِ البزار))(١) وغيرِهِ عن عياضِ الأنصاريِّ عن النبيِّ نََّ قال: ((إنَّ
لا إلهَ إلا اللَّهُ كلمةُ حقٌّ على اللَّهِ كريمةٌ، ولها من اللَّهِ مكانٌ، وهي كلمةٌ من قالَها صادقًا
أدخلَهُ اللَّهُ بها الجنةَ، ومن قالَها كاذبًا حقنتْ دمَهُ، وأحرزتْ مالَه، ولَقِي اللَّهَ غدًا
ررو
فحاسبه)).
وهي مِفتاحُ الجنةِ كما تقدم.
١٣ - وهي: ثمنُ الجنةِ(٢):
قاله الحسنُ، وجاءَ مرفوعًا من وجوهِ ضعيفةٍ: ((ومن كانتْ آخرَ كَلامه دخلَ
الجنةَ))(٣).
١٤ - وهي: نجاةٌ من النارِ:
وسمعَ النبيُّ نَّهِ مؤذنًا يقولُ: أشهد أن لا إلهَ إلا اللَّهُ، فقالَ: ((خرجَ من
النار)). خرَّجه مسلم(٤) .
(١) أخرجه: البزار (٤ - كشف الأستار).
(٢) حديث ((ثمن الجنة لا إله إلا الله)). أخرجه: ابن عدي في ((الكامل)) (٢٣٤٧/٦).
(٣) أخرجه: أحمد (٢٣٣/٥، ٢٤٧)، وأبو داود (٣١٦٦)، والحاكم (٣٥١/١، ٥٠٠).
(٤) أخرجه: مسلم (٣/٢ - ٤).

٢٧٦
سورة محمد
١٥ - وهي: توجبُ المغفرةَ:
في ((المسند))(١) عن شدَّادِ بن أوسٍ وعبادةَ بنِ الصامتِ: أن النبيّ وَّ قال
لأصحابه يومًا: ((ارفعُوا أيديكم وقولُوا: لا إلهَ إلا اللَّهُ). فرفعْنا أيدينا ساعةً، ثم
وضعَ رسولُ اللَّهِ بَهِ يدَهُ، ثم قالَ: ((الحمدُ للَّهِ، اللهُمَّ بعَثْتَنِي بهذهِ الكلمةِ،
وأمرْتَني بها، ووعدتني بها الجنةَ، وإِنَّك لا تخلفُ الميعادَ)، ثم قالَ: ((أبشرُوا فإنَّ اللَّهَ قدْ
غَفَرَ لكُم)).
١٦ - وهي: أحسنُ الحسناتِ:
قال أبو ذرٍّ: قلتُ يا رسولَ اللَّه! كلِّمْني بعملٍ يقرِّبْني من الجنةِ، ويباعدُني
من النارِ، قالَ: ((إذا عملتَ سيئةً فاعملْ حسنةً، فإنها عشرُ أمثالها)». قلتُ: يا
رسولَ اللَّه، ((لا إله إلا اللَّه)) من الحسناتِ؟ قالَ: ((هي أحسنُ الحسنات))(٢).
١٧ - وهي: تمحو الذنوبَ والخطايا:
وفي ((سنن ابن ماجه))(٣) عن أُمَّ هانئٍ عن النبيِّ نَّ قال: ((لا إلهَ إلا اللَّهُ لا
تتركُ ذنبًا، ولا يسبقُها عملٌ﴾.
رُئِّي بعضُ السلفِ بعدَ موتِهِ في المنامِ فسُئلَ عن حاله، فقالَ: ما أبقتْ لا
إلهَ إلا اللَّهُ شيئًا.
١٨ - وهي: تجدد ما درسَ من الإيمانِ في القلبِ:
وفي ((المسند))(٤) أن النبيَّ ◌َِّ قالَ لأصحابِهِ: ((جدّدوا إيمانكم)). قالوا: كيفَ
(١) أخرجه: أحمد (١٢٤/٤)، والحاكم (٥٠١/١).
(٢) أخرجه: أحمد في («مسنده)) (١٦٩/٥).
(٣) أخرجه: ابن ماجه (٣٧٩٧).
(٤) أخرجه: أحمد (٢٥٩/٢)، والحاكم (٢٥٦/٤).

٢٧٧
سورة محمد
نجدِّدُ إِيمانَنَا؟ قال: ((قولُوا: لا إله إلا اللَّه، وهي لا يعدلُها شيءٌ في الوزن، فلو وُزُنتْ
بالسماواتِ والأرضِ رجحْت بهنَّ).
كما في ((المسندِ)(١) عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو عن النبيِّ ◌َّ: ((أنَّ نوحًا قالَ لابنه
عندَ موته: آمُرُكَ بلا إلهَ إلا اللَّهُ، فإنَّ السماوات السبعَ والأرضينَ السبعَ لو وُضعِتْ في
كفَّة ووضعَتْ لا إلهَ إلا اللَّهُ في كفة، رجحتْ بهنَّ لا إلهَ إلا اللَّهُ، ولو أن السماوات
السبعَ والأرضينَ السبعَ كنَّ في حلقة مبهمة قصَمتُهُنَّ لا إلهَ إلا اللَّه)).
وفيه أيضًا (٢) عن عبدِ اللَّهِ بن عمرو عن النبيِّ وَّهِ: ((أنَّ موسى - عليه
السلامُ - قالَ: يا ربِّ علِّمني شيئًا أذكرُك وأدعوكَ به، قال: يا موسى قلْ: لا إله إلا اللَّه،
قالَ: يا ربِّ! كلُّ عبادكَ يقولون هذا. قال: قل: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا أنت يا
ربِّ إنما أُريد شيئًا تخصُّني به، قال: يا مُوسى، لو أنَّ السماوات السبعَ وعامرَهنَّ غيري
والأرضينَ السبعَ في كفةٍ، ولا إلهَ إلا اللَّهُ في كفة، مالتْ بهنَّ لا إله إلا اللَّه)).
وكذلك ترجحُ بصحائفِ الذنوبِ، كما في حديثِ السجلاتِ والبطاقةِ،
وقد خرَّجهُ أحمدُ والنسائيُّ والترمذيُّ أيضًا من حديثِ عبدِ اللهِ بن عمرو عن
النبيِّ وََّ(٣).
١٩ - وهي: التي تخرقُ الحجبَ حتَّى تصلَ إلى الله عزَّ وجلَّ:
وفي الترمذي(٤) عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو عن النبيِّوَِّ قال: ((لا إله إلا اللَّهُ
(١) أخرجه: أحمد (٢/ ١٧٠، ٢٢٥).
(٢) أخرجه: النسائي في ((اليوم والليلة)) (٨٤٠)، والحاكم (٢٥٨/١)، وعزو الحديث إلى («المسند»
خطأ، وهو من حديث أبي سعيد وليس من حديث عبد الله بن عمرو.
(٣) أخرجه: أحمد (٢١٣/٢)، والترمذي (٢٦٣٩)، وابن ماجه (٤٣٠٠)، والحديث لم أجده عند
النسائي، ولم يعزه المزي في ((تحفة الأشراف)) للنسائي.
(٤) أخرجه: الترمذي (٣٥١٨).

٢٧٨
سورة محمد
ليسَ لها دونَ اللَّهِ حجابٌ حتى تصلَ إليه)).
وفيه أيضاً(١) عن أبي هريرةَ عن النبيِّ وَّةَ: ((ما قالَ عبدٌ: لا إله إلا اللَّه مخلصًا
إلا فُتحتْ له أبوابُ السماءِ حتى تُفْضِي إلى العرشِ ما اجتنِبَتِ الكبائرُ).
ويروى عن ابنِ عباسٍ مرفوعًا: ((ما منْ شيءٍ إلا بينه وبينَ اللَّهِ حجابٌ، إلا قولَ:
لا إلهَ إلاّ اللَّه كما أنَّ شَفَتَيْكَ لا تحجبُهما كذلكَ لا يحجبُها شيءٌ حتى تنتهي إلى اللَّهِ عزّ
وجلَّ).
وقال أبو أمامةَ: ما مِنْ عبد يهلِّلُ تهليلةً فينهنهها شيءٌ دونَ العرشِ.
٢٠ - وهي الَّتِي ينظرُ اللَّهُ إلى قائِلِها، ويجيبُ دعاه:
خرَّجَ النسائيُّ في كتابِ ((اليومٍ والليلةِ))(٢) من حديثِ رجلينٍ من الصحابة
عن النبيِّ بَّهِ: ((منْ قالَ: لا إلهَ إلاّ اللَّهُ وحدَّهُ لا شريكَ لهُ، له الملك وله الحمدُ، وهو
على كلِّ شيءٍ قديرٌ، مخلصًا بها روحُهُ مصدِّقًا بها لسانُه، إلا فَتَقَ له السماءَ فتقًا، حتَّى
ينظرَ إلى قائِلِها مِنْ أهلِ الأرضِ، وحُقَّ لعبدٍ نظرَ إليه أن يعطيَهُ سؤلَهُ).
٢١ - وهي: الكلمةُ الَّتي يصدِّقُ اللَّهُ قَائِلَهَا:
كما أخرجَ النسائيُّ والترمذيُّ وابنُ حبانَ(٣) من حديث أبي هريرةَ وأبي
سعيدٍ عن النبيِّ بَّهِ قال: ((إذا قالَ العبدُ: لا إلهَ إلا اللَّهُ واللَّهُ أكبرُ، صدَّقَهُ ربُّه، وقالَ:
لا إلهَ إلا أنا وأنا أكبرُ. وإذا قالَ: لا إِلَه إلا اللَّهُ وحدَهُ، لا شريكَ لهُ، يقولُ اللَّهُ: لا إلهَ إلا
أنا وحدي لا شريكَ لي. وإذا قالَ: لا إلهَ إلا اللَّهُ وحدَه، لا شريكَ له، له الملكُ وله
الحمدُ، قال اللَّهُ: لا إلهَ إلا أنا، لي الملكُ، ولي الحمدُ. وإذا قالَ: لا إلهَ إلا اللَّهُ، ولا حولَ
(١) ((جامع الترمذي)) (٣٥٩٠).
(٢) ((اليوم والليلة)) (٢٨).
(٣) النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٣١)، والترمذي (٣٤٣٠)، وابن حبان (٨٥١).

٢٧٩
سورة محمد
ولا قوةَ إلا باللَّهِ، قالَ اللَّهُ: لا إلهَ إلا أنا، ولا حول ولا قوةَ إلا بِي)). وكان يقولُ: ((من
قالها في مرضِهِ ثم ماتَ لم تَطْعمهُ النارُ).
٢٢ - وهي: أفضلُ ما قاله النبيونَ:
كما وردَ ذلكَ في دعاءِ يومٍ عرفةً(١)
٠
٢٣ - وهي: أفضلُ الذِّكْرِ:
كما في حديثِ جابرٍ المرفوعِ: ((أفضلُ الذكرِ لا إلهَ إلا اللَّهُ)(٢)
وعن ابنِ عباسٍ: أحبُّ كلمةٍ إلى اللَّه لا إلهَ إلا اللَّه، لا يقبلُ اللَّهُ عملاً
إلا بها.
٢٤ - وهي: أفضلُ الأعمال وأكثرُها تضعيفًا، وتعدلُ عتقَ الرقاب، وتكونُ
حِرزًا من الشيطانِ :
وكما في ((الصحيحين))(٣) عن أبي هريرةَ فِّثُه عن النبيِّ وَلَهُ: ((من قالَ: لا
إله إلا اللَّهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، له الملكُ وله الحمدُ وهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، في يومٍ
مائة مرة كانتْ له عدلَ عشر رقاب، وكُتبَ له مائةُ حسنة، ومُحِيَ عنه مائةُ سيئة، ولم
٥
يأت أحدٌ بأفضل مما جاءَ بهِ، إلا أحدٌ عمِلَ أكثرَ من ذلكَ)).
وفيهما أيضًا(٤) عن أبي أيوب الأنصاريِّ ◌َِثُه عن النبي وَّ: ((من قالَها
عشرَ مرات كانَ كمِنْ أعتقَ أربعَ أنفسِ من وَلَدِ إسماعيلَ)).
(١) أخرجه: مالك في ((موطئه)) مرسلاً (٤٤٢)، وأخرجه: البغوي (٧/ ١٥٧).
(٢) أخرجه: الترمذي (٣٣٨٣)، وابن ماجه (٣٨٠٠)، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٨٣٧).
(٣) أخرجه: البخاري (١٥٣/٤)، ومسلم (٦٩/٨).
(٤) أخرجه: البخاري (١٠٧/٨)، ومسلم (٦٩/٨).

٢٨٠
سورة محمد
وفي الترمذيّ(١) عن ابنِ عمرَ مرفوعًا: ((منْ قالها إذا دخل السوقَ، وزادَ فيها:
يُحبي ويميتُ وهوَ حِيٌّ لا يموتُ بيده الخيرُ وهوَ على كلِّ شيء قديرٌ، كتبَ اللَّهُ له ألفَ
ألفَ حسنة، ومحا اللَّهُ عنه ألفَ ألفَ سيئة، ورفعَ اللَّهُ له ألف ألفَ درجةٍ))، وفي روايةٍ:
ءُ
(ويُبْنى له بيتٌ في الجنةِ)).
٢٥- ومن فضائلها: أنها أمانٌ من وحشة القبرِ وهولِ الحشرِ:
كما في ((المسندِ))(٢) وغيرِهِ عن النبيِّ وَّ قالَ: ((ليسَ على أهلِ لا إلهَ إلا اللَّهُ
وحشةً في قبورهم ولا في نشورِهم، وكأنِّي بأهلِ لا إلهَ إلا اللَّهُ قد قامُوا ينفضونَ الترابَ
عن رؤوسهم، ويقولونَ: الحَمُدُ للَّه الَّذي أذهبَ عنَّا الحزنُ)).
وفي حديثٍ مرسلٍ: ((من قالَ: لا إلهَ إلا اللَّهُ الملكُ الحقُّ المبينُ، كلَّ يومٍ مائةَ مرة
كانتْ له أمانًا من الفقرِ، وأنسًا من وحشة القبرِ، واستجلبتْ له الغنى، واستقرعتْ له
بابَ الجنَّةِ))(٣).
٢٦ - وهيَ: شعارُ المؤمنينَ إذا قامُوا من قبورِهم:
قال النضرُ بنُ عربي: بلغني أنَّ الناسَ إذا قامُوا من قبورِهِم كانَ شعارُهم:
لا إلَه إلا اللَّهُ.
◌ُ(٤) حديثًا مرفوعًا: ((إنَّ شعارَ هذه الأُمة على الصراط: لا إلهَ
وقد خرج الطبراني (٤)
إلا أنتَ)).
(١) أخرجه: الترمذي (٣٤٢٩)، وابن ماجه (٢٢٣٥).
(٢) الحديث ليس في ((مسند أحمد))، ولكن رواه ابن عدي في ((الكامل)) (١٥٨٢/٤)، والطبراني في
((الأوسط)) (٩٤٧٨)، والبيهقي في ((الشعب)) (٩٩/١).
(٣) أخرجه: أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٨٠/٨).
(٤) ((المعجم الأوسط)) (١٦٠).