النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
سورة ص
﴿ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ [ص: ٨٠] قال: ليس هذا بإجابة سؤاله وإنَّما سألَ
الإنظار، فقيلَ لهُ: كذا قُدِّرَ، لا أنَّه جواب سؤالك، لكنَّه مما فُهم(١).
(١) ((طبقات الحنابلة)) (٢٦٤/٣ - ٢٦٥).

ورؤ شر
سُورَةُ الزَّمَر
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
قالَ تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠].
والصبرُ ثلاثةُ أنواعٍ: صبرٌ على طاعةِ اللَّهِ، وصبْرٌ عن محارمِ اللَّهِ، وصبرٌ
على أقدارِ اللَّهِ المؤلمةِ. وتجتمعُ الثلاثةُ كلُّها في الصوم، ؛ فإنَّ فيه صَبرًا على
طاعة اللَّه، وصَبرًا عمَّا حرَّمَ اللَّهُ على الصائمِ من الشَّهواتِ، وصبرًا على ما
يحصُّلُ الصَّائِمِ فيه من ألمِ الجوعِ والعطشِ، وضعْفِ النفسِ والبدنِ .
ثبتَ في ((الصحيحين)) (١) عن أبي هريرةَ ظِلّه عن النبي ◌َّ قالَ: ((كلُّ
عملِ ابنِ آدمَ له؛ الحسَنَةُ بعشْرِ أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: إلا الصَّيَامَ
فإنَّه لي وأنا أجزي به، إنَّه تَرَكَ شهوته وطعامه وشرابَه من أجلي. للصَّائم فرحتانٍ: فَرْحَةٌ
عند فطره، وفَرْحَةٌ عند لقاءِ رَبَّهِ، ولَخَلُوفُ فَمِ الصائم أطيبُ عندَ اللَّهِ مِن ريحِ المِسْكِ)) .
وفي روايةٍ ((كلُّ عَمَلِ ابنِ آدمَ له إلا الصَّيَامَ فإِنَّه لي )) وفي روايةٍ للبخاريِّ (لكلِّ
عملٍ كَفَّارَةٌ، والصَّوم لي وأنا أجزي به )). وخرَّجهُ الإمامُ أحمدٌ(٢) من هذا
الوجهِ، ولفظهُ: ((كلُّ عملٍ ابنِ آدمَ له كفارةٌ إلا الصَّومَ، والصَّومُ لي، وأنا أَجْزِي به))
فعلى الرواية الأولى: يكونُ استثناءُ الصومِ من الأعمالِ الْمُضَاعَفَةِ، فتكونُ
الأعمالُ كلُّها تُضاعَفُ بعَشرِ أمثالها إلى سبعمائةِ ضعفٍ إلا الصيامَ فإنَّه لا
(١) أخرجه: البخاري (١٧٥/٩)، ومسلم (١٥٨/٣).
(٢) ((المسند)) (٢٥٧/٢، ٢٧٣).

٢٢٣
سورة الزمر
ينحصِرُ تضعيفُه في هذا العدد، بل يُضاعفُه اللَّهُ عزَّ وجلَّ أضعافًا كثيرةً بغير
حَصْرِ عددٍ؛ فإنَّ الصيامَ من الصَّبْرِ.
ولهذا وَرَدَ عن النبيِّ وَّ أَنَّه سمَّى شهرَ رمضانَ شهرَ الصَّبر(١) وفي
حديث آخرَ عنه وَّه قالَ: ((الصَّومُ نِصْفُ الصَّبْرِ)) خَّرجهُ الترمذيُّ (٢) .
وهذا الألمُ الناشئُ من أعمالِ الطَّاعَاتِ يُثابُ عليه صاحبُهُ، كما قالَ اللَّهُ
تعالى في المجاهدينَ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأْ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلٍ
اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَلُونَ مِنْ عَدُوِّ نَّيْلاً إِلَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ
اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠]. وفي حديث سلمانَ المرفوعِ الذي
أخرَجَهُ ابنُ خُزيمةَ في ((صحيحِهِ)» (٣) في فضلِ شهرِ رمضانَ ((وهو شهرُ الصَّبْرِ،
والصَّبْرُ ثوابُه الجَنَّةُ)). وفي الطبراني (٤) عن ابنِ عُمَرَ مرفوعاً: ((الصَّيَامُ للّهِ لا يَعْلَمُ
ثَوابَ عمله إلا اللَّهُ عزَّ وجلَّ)). ورُوي مرسلاً وهو أصحُّ(٥).
قوله تعالى: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾
وأما سعةُ جهَنَم طولاً وعرْضًا، فروى مجاهدٌ عن ابنِ عباسٍ، قالَ:
أتدرونَ ما سعةُ جهنّم؟ قلنا: لا، قالَ: أجلْ واللَّه ما تدرونَ أنَّ ما بينَ شحمة
(١) أخرجه: أبو داود (٢٤٢٨)، وابن ماجه (١٧٤١).
(٢) ((الجامع)) (٣٥١٤).
(٣) أخرجه: ابن خزيمة في ((صحيحه)) (١٨٨٧).
(٤) أخرجه: الطبراني في ((الأوسط)) (٨٦٥).
(٥) ((لطائف المعارف)» (٢٨٣ - ٢٨٤).

٢٢٤
سورة الزمر
أذنِ أحدِهم وأنفِهِ مسيرةُ سبعينَ خريفًا تجري في أوديةُ القيحِ والدمٍ، قلنا:
أنهارٌ؟ قال: لا، بل أوديةٌ، ثمَّ قالَ: أتدرونَ ما سعةُ جهنَّمَ؟ قلنا: لا، قالَ:
حدثتني عائشةُ أنها سألتْ رسولَ اللّهِ وَ له عن قوله تعالى: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا
قَبْضَتْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، فأين الناسُ يومئذ؟
قال: ((على جسر جهنّم)) خرجهُ الإمامُ أحمدُ، وخرجَ النسائيُّ والترمذيّ منه
المرفوعَ وصححهُ الترمذيُّ وخرجهُ الحاكمُ وقالَ صحيحُ الإسنادِ(١).(٢).
وقالَ - أي ابن الجوزي -: كانَ أبو القاسمِ بنِ السَّمرقندي يقولُ: إنَّ أبا
بكرٍ بنَ الخاضبةِ كانَ يُسَمِّي ابنَ الفاعوسِ الحجَريَّ؛ لأنَّه كانَ يقولُ: الحجرُ
الأسودُ يمينُ اللهِ حقيقةً.
قلت: إنْ صحَّ عن ابنِ الفاعوسِ أَنَّه كانَ يقولُ: الحجرُ الأسودُ يمينُ اللَّه
حقيقةً، فأصلُ ذلكَ: أنَّ طائفَةً من أصحابنا وغيرِهم نَفوا وقُوعَ المجاز في
القرآنِ، ولكنْ لا يعلمُ منهم مَن نفَى المجاز في اللُّغةِ كقولِ أبي إسحاقَ
الإسفرائيني. ولكنْ قد يسمعُ بعضُ صالحِيهم إنكارَ المجازِ في القرآنِ، فيعتقدُ
إنكارهُ مطلقًا .
ويؤيدُ ذلكَ : أنَّ المُتْبادرَ إلى فهم أكثرِ النَّاسِ مِن لفظِ الحقيقةِ والمجازِ:
المعَاني والحقائقُ دونَ الألفاظ .
(١) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (١١٦/٦)، والترمذي (٣٢٤١)، والنسائي في ((الكبرى)) كما في
((تحفة الأشراف)) (١١٤٥٣).
(٢) ((التخويف من النار)) (٥٧).

٢٢٥
سورة الزمر
فإذَا قيلَ: ((إنَّ هذا مجازٌ)) فهمُوا إِنَّه ليسَ تحتَه معنى، ولا له حقيقةٌ،
فينكرونَ ذلك، وينفّرون منه. ومن أنكرَ المجازَ من العلماءِ فقدْ ينكرُ إطلاقَ
اسمِ المجاز؛ لئلا يوهم هذا المعنى الفاسد، ويصيرَ ذريعةً لمن يريدُ حقائقَ
الكتابِ والسنةِ ومدلولاتِهما .
ويقولُ: غالبُ من تكلمَ بالحقيقةِ والمجازِ همُ المعتزلةُ ونحوهم من أهلِ
البدعِ وتطرقُوا بذلكَ إلى تحريفِ الكلم عن مواضعِهِ، فيمنعُ من التسميةِ
بالمجاز، يجعلُ جميع الألفاظِ حقائقَ، ويقولُ: اللَّفَظُ إن دلَّ بنفسه فهو
حقيقةٌ لذلكَ المعنى، وإن دلَّ بقرينةِ فدلالته بالقرينةِ حقيقةٌ للمعنى الآخرِ،
فهو حقيقةٌ في الحالينِ. وإن كانَ المعنى المدلولُ عليه مختلفًا فحينئذ يُقَالُ: لفظ
اليمينُ في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]
حقيقةٌ. وهو دالٌ على الصفةِ الذاتيةِ. ولفظُ اليمينِ في الحديثِ المعروفِ:
((الحجرُ الأسودُ يمينُ اللَّهِ في الأرضِ. فمنْ صافَحَهُ فكأَنَّمَا صَافَحَ اللَّهَ عز وجلَّ)(١).
وقيلَ : يمينُهُ يُرادُ به - مع هذهِ القرائنِ المحتفة بهِ - محلُّ الاستلام والتقبيل.
وهو حقيقةٌ في هذا المعنى في هذه الصورةِ، وليسَ فيه ما يُوهم الصفَة الذاتية
أصلاً، بل دلالته على معناه الخاصِ قطيعةٌ لا تحتملُ النقيضَ بوجهِ، ولا
تحتاجُ إلى تأويلٍ ولا غيرهِ.
وإذا قيلَ: فابنُ الفاعوسِ لمْ يكن من أهلِ هذا الشأنِ - أعني: البحثَ عن
مدلولاتِ الألفاظ؟
قيلَ: ولا ابنُ الخاضبة كانَ من أهله، وإن كانَ محدّثًا. وإنَّما سمعَ من ابنٍ
(١) أخرجه: الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٣٢٨/٦).

٢٢٦
سورة الزمر
الفاعوسِ، أو بلغَه عنه إنكارُ أن يكونَ هذا مجازٌ، لما سمعَه من إنكارِ لفظِ
المجازِ، فحملهُ السامعُ لقصورهِ أو لهواه على أنَّه إذا كانَ حقيقةً لزمَ أن يكونَ
٠
هو يدُ الربِّ عزَّ وجلَّ، التي هي صفتُه. وهذا باطلٌ. واللهُ أعلمُ (١).
(١) ((ذيل طبقات الحنابلة)) (١٧٤/٣ - ١٧٥).

سُورَةُ غَافِر
رو
قوله تعالى: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا
وَتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾
قال ابن الجوزي في (المقتبس)): سمعتُ الوَزِيرَ (١) يقولُ فِي قَولِهِ تعالَى:
﴿ فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر: ٧].
قال: علمت الملائكةُ أَنَّ اللَّهَ عز وجل يحبُّ عبادَهُ المؤمنينَ، فَتَقَرَّبُوا إليه
بالشفاعةِ فِيهِم. وأَحْسَنُ القُرَبِ: أن يسأل المُحِبُّ إكرامَ حَبِيبِهِ، فإنكَ لَوْ
سألتَ شَخصًا أن يزيدَ في إكرامٍ وَلَدِهِ لارتَفَعْتَ عِنده، حَيْثُ تَحْثُّهُ عَلَى إِكْرَام
مَحْبُوبِهِ(٢).
قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمٍ إِنَّمَا هَذِه الْحَيَاةُ
الدُّنْيَا مَتَعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِ دَارُ الْقَرَارِ﴾
وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾
وقالَ اللَّهُ تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا
[الأعلى: ١٦، ١٧]. وقال تعالى: ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّ قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨].
(١) هو: يحيى بن محمد بن هبيرة.
(٢) ((طبقات الحنابلة)) (٢٧١/٣ - ٢٧٢).

٢٢٨
سورة غافر
وقالَ اللَّهُ تعالى عن مؤمن آل فرعونَ أنّه قالَ لقومه: ﴿يَا قَوْمٍ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ
الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٨].
والمتَاعُ: هو ما يتمتَعَ به صاحبُهُ بِرْهَهَ ثم ينقطِعُ ويفنَى. فما عِبَتِ الدُّنيا
بأبلغَ من ذكر فنائها وتقلُّبِ أحوالهَا، وهو أدلُّ دليلٍ على انقضائها وزوالِهَا،
فتتبدَّلُ صحتُها بالسُّقْمِ، ووجودُها بالعدمِ، وشبيبتُها بالهرَمِ، ونعيمها بالبؤسِ،
وحياتُها بالموتِ، فتفارِقُ الأجسامُ النفوسَ، وعمارتُها بالخرابِ، واجتماعها
بفرقةِ الأحبابِ، وكُلُّ ما فوق التُّرابِ تراب(١٣).
قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا
ويُومَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾
قال الله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعةُ أَدْخِلُوا آلَ
فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] قال قتادةُ في هذه الآيةِ: يقالُ لهم: يا آلَ فرعونَ
هذه منازلكم، توبيخًا وصغاراً ونقيصةً.
وقالَ ابنُ سيرين: كان أبو هريرةَ يأتينا بعد صلاةِ العصرِ، فيقولُ: عرجت
ملائكةٌ، وهبطتْ ملائكةٌ وعُرضَ آلُ فرعونَ على النارِ، فلا يسمعُهُ أحدٌ إلا
يتعوَّذ بالله من النار.
وقال شعبةُ، عن يعْلَى بنِ عطاء، سمعتُ ميمونَ بنَ مهرانَ يقولُ: كانَ
أبو هريرةَ إذا أصبحَ يُنادي: أصبحْنا والحمدُ للَّهِ، وعُرِضَ آلُ فرعونَ على
النارِ، فلا يسمعُه أحدٌ إلا يتعوَّد باللَّهِ من النارِ .
(١) ((لطائف المعارف)) (٧٠).

٢٢٩
سورة غافر
ورواهُ هشيمٌ عن يعْلى، عن ميمون، قالَ: كانَ لأبي هريرةَ صيحتانِ كلّ
يومٍ، أوَّلُ النهارِ يقولُ: ذهبَ الليلُ وجاءَ النهارُ وعرضَ آلُ فرعونَ على النارِ،
وإذا كان العشيَّ يقول: ذهبَ النهارُ وجاءَ الليل، وعُرِضَ آلُ فرعونَ على
النار، فلا يسمعُ أحد صوتَهُ إلا استجارَ باللَّهِ من النارِ .
ويُروى من حديثِ الليث، عن أبي قيسٍ، عن هُذِيلٍ، عن ابنِ مسعودٍ
قالَ: أرواحُ آل فرعونَ في أجواف طيرٍ سودٍ، فيعرضونَ على النارِ كلَّ يومٍ
مرتين، فيقالُ لهم: هذه دارُكُم فذلك قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا
وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾.
ورواهُ غيرُهُ عن أبي قيسٍ، عن هذيلٍ، من قولِه.
لكن خرَّجه الإسماعيليَّ من طريقِ ابنِ عيينةً، عن مسروقٍ عن أبي قيسٍ،
عن هذيلٍ، عن ابنِ مسعودِ أيضًا.
قال ابنُ أبي الدنيا: حدثنا حمادُ بنُ محمد الفزاريُّ، قالَ: بلغني عن
الأوزاعيِّ، أنه سألهُ رجلٌ بعسقلانَ على الساحلِ، فقال له: يا أبا عمرو، إنَّا
نرَىَ طِيرًا سودًا تخرجُ من البحرِ، فإذا كانَ العشيُّ عادَ مثلها بيضًا. قالَ:
وفطنتم لذلكَ؟ قالوا: نعم. قالَ: فتلك طيرٌ في حواصِلها أرواحُ آل فرعونَ،
فتلفحُها النارُ، فيسودُّ ريشُها، ثم يُلقى ذلك الريشُ، ثم تعودُ إلى
أوكارِها، يعرضونَ على النارِ فتلفحُها النارُ؛ فذلك دأبُها حتى تقومَ الساعةُ،
فيقال: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾ .
وفي ((الصحيحين))(١) من حديث ابنِ عمرَ ظًِّا، عن النبيِّ وَِّ قال: ((إذا
(١) أخرجه: البخاري (١٢٤/٢)، (١٤٢/٤)، (١٣٤/٨)، ومسلم (١٦٠/٨).

٢٣٠
سورة غافر
ماتَ أحدُكم عُرضَ عليه مقعدُ بالغداة والعشيِّ، إن كانَ من أهلِ الجنةِ فمن أهلِ الجنةِ،
وإن كان من أهلِ النارِ فمن أهلِ النارِ، حتَّى يبعَثَه ربُّه، يقالُ: هذا مقعدُك حتى يبعثكَ اللَّهُ
إلى يوم القيامة)).
ورواه الفضيلُ بن غزوان، عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ ظِثُهَا، عن النبيِّ وَله
ولفظه: ((ما من عبد يموتُ إلا عرِضَ عليه مقعدُهُ، إن كان من أهلِ الجنةِ على الجنة، وإن
كان من أهلِ النارِ على النار))(١). (٢).
قوله تعالى: ﴿ ادعُونِي أُسْتَجِبْ لَكُمْ
وقالَ إبراهيمُ بنُ أدْهمَ رحمهُ اللهُ تعالى في موعظتِهِ حينَ سألُه عن قولِه
تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] وإنَّا ندعُوه فلم يستجبْ لنا. فقالَ:
عرفتم الله فلم تطيعُوه، وقرأتُم القرآنَ فلم تعملوا به، وعرفتُمُ الشيطانَ
فوافقْتُمُوه، وادَّعيتُم حبَّ رسولِ اللهِ وَّه وتركتُمْ سنَّتْه وادَّعيتم حبَّ الجنة
ولم تعملوا لها وادَّعيتم خوفَ النارِ ولم تنتهوا عن الذنوبِ، وقلتُم: إن الموتَ
حقٌّ ولم تستعدِّوا له، واشتغلتم بعيوبٍ غيركم ولم تنظروا إلى عيوبكم،
وتأكلونَ رزقَ اللَّهِ ولا تشكرونَ، وتدفنون أمواتكم ولا تعتبرونَ(٣).
(١) أخرجه: أحمد (٥٩/٢).
(٢) ((أهوال القبور)) (٥٥ - ٥٧).
(٣) ((الذل والانكسار)) (٩٠ - ٩١).

٢٣١
سورة غافر
الدعاء مأمورٌ به، وموعودٌ عليه بالإجابة، كما قالَ تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ
ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].
وفي (السننِ الأربعة(١) عنِ النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ، عن النبيِّ وَ قال: «إنَّ الدعاءَ
هو العبادةُ)) ثم تلا هذه الآيةَ.
وفي حديثٍ آخرَ خرَّجه الطبرانيُ(٢) مرفوعًا: ((منْ أُعْطِيَ الدُّعاءَ، أُعْطيَ
الإجابة، لأنَّ اللَّه تعالى يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾)).
وفي حديث آخرَ: ((مَا كان اللَّهُ ليفتَحَ على عبد بابَ الدُّعاء، ويُغْلقَ عنه بابَ
الإجابة))(٣) .
لكنَّ الدعاءَ سببٌ مقتضٍ للإجابةِ مع استكمالِ شرائطِه، وانتفاء مَوانعه،
وقد تتخلَّف إجابتُه، لانتفاءِ بعضِ شروطِهِ، أو وجودِ بعضِ موانِعِه.
ومن أعظمٍ شرائطِهِ: حضورُ القَلبِ، ورجاءُ الإِجَابةِ من اللّه، كما خرّجه
الترمذيَّ من حديث أبي هريرةَ عن النبيِّ وَّ قالَ: «ادعوا اللَّه وأنتُم موقنونَ
بالإجابة، فإنَّ اللَّه لا يَقبلُ دُعاءً من قلب غافلٍ لاه))(٤).
وفي ((المسندِ)(٥) عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، عنِ النبيِّ نَّل، قال: ((إنَّ هذه
القلوب أوعيةٌ، فبعضُها أوعى من بعضٍ، فإذا سألتم اللَّه فاسألوهُ وأنتُم موقنونَ بالإجابة،
(١) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٢٦٧/٤ - ٢٧١ - ٢٧٦)، وأبو داود (١٤٧٩)، والترمذي
(٣٢٤٧)، (٣٣٧٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (١١٦٤٣)، وابن ماجه (٣٨٢٨).
(٢) أخرجه: الطبراني في ((الصغير)) (١٠٠٠)، والخطيب (٢٤٧/١ - ٢٤٨).
(٣) أخرجه: العقيلي (٢٤٢/١)، وابن عدي (٣٢٢/٢).
(٤) أخرجه: الترمذي (٣٤٧٩)، وابن عدي (٦٢/٤)، وابن حبان في ((المجروحين)) (٣٦٨/١)،
والحاكم (٤٩٣/١).
(٥) أخرجه: أحمد (١٧٧/٢).

٢٣٢
سورة غافر
فإِنَّ اللَّه لا يستجيبُ لعبد دعاءً من ظهرِ قلب غافلٍ)).
ولهذا نُهيَ العبدُ أنْ يقولَ في دعائِهِ: اللَّهم اغفرْ لي إنْ شئت، ولكنْ
لَيَعْزِمَ المسألةَ، فإنَّ اللَّه لا مُكْرِهَ له(١) .
ونُهِيَ أن يستعجلَ، ويتركَ الدعاءَ لاستبطاء الإجابةِ، وجعلَ ذلك من
موانعِ الإجابةِ حتَّى لا يقطعَ العبدُ رجاءَه من إجابةِ دُعائه ولو طالت المدةُ،
فإنَّه سبحانه يُحبُّ المُلِحِّين في الدعاءِ.
وجاء في الآثارِ: إنَّ العبدَ إذا دعا ربَّه وهو يحبُّه، قال: ((يا جبريل، لا
تَعجَلْ بقضاء حاجة عبدي، فإنَّي أحبُّ أن أسمع صوتَه)).
وقال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعَّا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾
[الأعراف: ٥٦] فما دام العبدُ يُلحُّ في الدُّعاءِ، ويَطمعُ في الإجابةِ من غيرِ قطعِ
الرَّجاء، فهو قريبٌ من الإجابةِ، ومنْ أدْمَنَ قرْعَ البابِ، يُوشك أن يُفتح له.
وفي ((صحيحِ الحاكمٍ)(١) عن أنس مرفوعًا: ((لا تعْجزُوا عن الدُّعاء، فإنَّه لن
يَهلِكَ مع الدُّعَاءِ أحَدٌ)(٣).
(١) أخرجه: البخاري (٩٢/٨)، ومسلم (٦٣/٨) من حديث أبي هريرة وأنس.
(٢) أخرجه: الحاكم (٤٩٣/١ - ٤٩٤).
(٣) ((جامع العلوم والحكم)) (٢/ ٤٤٣ - ٤٤٥).

ورؤ هر
سورة الشورى
قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّيْنِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي
أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ
أَقِيمُوا الدّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ
إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ:
[قال البخاريُ](١): وقال مجاهدٌ: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ﴾ [الشورى: ١٣]
أو صينَاكَ وإِيَّاهُ يا مُحَمَّد دينًا واحدًا.
روى ورقاءُ ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ
الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣]، قال: وصَّك به وأنبياءَهُ كلَّهم دينًا واحدًا.
ومعنى ذلك أنَّ دينَ الأنبياءِ كلِّهم دينٌ واحدٌ، وهو الإسلامُ العامُّ، المشتملُ
على الإيمان بالله وملائكته وكتِهِ ورسله واليومِ الآخرِ، وعلى توحيد اللَّه
وإخلاصِ الدِّين له، وإقام الصلاة وإيتاءِ الزكاة.
كما قال تعالى: ﴿ وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيْنَةَ
٩
وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلكَ
دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥،٤].
والدينُ هو الإسلامُ، كما صرحَ به في مواضعَ أُخرَ، وإذا أُطلقَ الإسلامُ
دخلَ فيه الإيمانُ، وبالعكس.
(١) ((صحيح البخاري)) (٩/١)

٢٣٤
سورة الشورى
وقد استدلَّ على أنَّ الأعمالَ تدخلُ في الإيمانِ بهذه الآيةِ وهي قولُه:
﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] طوائفُ من الأئمة، منهم: الشافعيُّ وأحمدُ
ءِ
والحميدي .
وقال الشافعيّ: ليسَ عليهم أحجٌّ من هذه الآيةِ.
واستدلَّ الأوزاعيُّ بقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ إلى
قوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا﴾ [الشورى: ١٣].
وقال: الدِّينُ: الإيمانُ والعملُ.
واستدلَّ بقوله تعالى: ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي
وقد ذكرَ الخلاَّلُ في كتابِ ((السَّنَةِ)) أقوالَ هؤلاءِ الأئمةِ بألفاظِهِم، بالأسانيد
۵
الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١].
إليهم(١) .
(١)
قول تعالى: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ،
وقد مدحَ اللَّهُ من يغفرُ عندَ غضبِهِ، فقالَ: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾
[الشورى: ٣٧]؛ لأنَّ الغضبَ يحملُ صاحبه على أنْ يقولَ غيرَ الحقِّ، ويفعلَ غيرَ
العدلِ، فمن كانَ لا يقولُ إلا الحقَّ في الغضبِ والرّضا دلَّ ذلك على شدة
إيمانه وأنَّه يملكُ نفسَهُ.
٠
وخرَّج الطبرانيُّ(٢) من حديث أنسٍ مرفوعًا: «ثلاثٌ من أخلاقِ الإيمانِ: مَنْ إذا
(١) «الفتح» (١٥/١ - ١٦).
(٢) أخرجه: الطبراني في ((الصغير)) (٦١/١).

٢٣٥
سورة الشورى
غضبَ لا يُدْخِلُهُ غضبُهُ في باطلٍ، ومَنْ إذا رَضِي لا يُخْرِجُهُ رضَاه من حقٍّ، ومنْ إذا قدرَ
لا یتعاطی ما لیسَ له)).
فهذا هو الشديدُ حقًّا كما قال النبيُّ وَّ: ((ليسَ الشديدُ بِالصُّرَعَة إنَّما الشديدُ
الذي يملكُ نفسَهُ عندَ الغضب))(١) .
ولمسلم(٢): ((ما تعدون الصُّرَعَةَ فيكم؟)) قلنا: الذي لا تَصْرَعُهُ الرِّجالُ، قال:
((ليس كذلك، ولكنَّه الذي يملكُ نفسَهُ عندَ الغضب)) .
وقال رجلٌ للنبيِّ وَّ: أوصني، قال: ((لا تغضَبْ)) فرددَ مرارًا، قال: ((لا
تغضب)) أخرجه البخاريُّ(٣).
وفي ((المسند)) أنَّ رجلاً قال: يا رسولَ اللَّه، ما يباعدني عن غضَبِ اللَّهِ؟
قال: ((لا تغضَبْ)).
قال مُورِّقُ العِجْلِي: ما قلتُ في الغضبِ شيئًا إلا ندمتُ عليه في الرِّضا.
قال عطاءٌ: ما أبكَى العلماءَ بكاءٌ آخرَ العمرِ إلا من غضبةِ قدْ أقحمتْ
صاحبَها مقحمًا ما استقاله.
كان الشعبيُّ ينشدُ:
ليستِ الأحلامُ في حالِ الرِّضا إنَّما الأحلامُ في حالِ الغضَبْ
وكان ابنُ عون - رحمه اللَّه تعالى - إذا اشتدَّ غضبُه على أحد قال: باركَ
الله فيك، ولم يزد.
(١) أخرجه: مسلم (٣٠/٨) عن أبي هريرة.
(٢) السابق، عن ابن مسعود.
(٣) البخاري (٣٥/٨).
٠

٢٣٦
سورة الشورى
وقال الفضيلُ - رحمه الله تعالى - : أنا منذُ خمسينَ سنةً أطلبُ صديقًا إذا
غضبَ لا يكذبُ عليَّ ما أجدُه.
فإنَّ منْ لا يملكُ نفسَهُ عندَ الغضبِ إذا غضبَ قال فيمَنْ غضبَ عليه ما
ليسَ فيه من العظائم، وهو يعلمُ أنَّه كاذبٌ، وربّما علِمَ الناسُ بذلك ويحملُهُ
حقدُهُ وهوى نفسِهِ على الإصرارِ على ذلك.
وقال جعفرُ بنُ محمدٍ ◌ِوَّه: الغضبُ مِفتاحُ كلِّ شرٍّ.
وقيلَ لابنِ المباركِ: اجمَعْ لنا حسنَ الخلقِ في كلمةٍ قال: تركُ الغضَب.
وقال مالكٌ بن دينار - رحمه اللَّه تعالى - : منذ عرفتُ الناسَ لم أبالِ
بمدحهِم وذمهم لأِنِّي لم أرَ إلا مادحًا غاليًا، أو ذامًّا غاليًا.
يعني: أنه لم يرَ مَنْ يقتصدُ فيما يقولُ في رضاه وغضبِهِ .
(١) رسالة: ((شرح حديث: اللهم بعلمك الغيب)) (ص ٢٨ - ٣٠).
:

سُورَةُ الزُّخْرُف
قوله تعالى: ﴿ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ.
ومما أنكره السلفُ: الجدالُ والخصامُ والمراءُ في مسائلِ الحلالِ والحرامِ، ولم
يكنْ ذلكَ طريقةَ أئمةِ الإسلامِ، وإنَّما أحدثَ ذلكَ بعدَهُم كما أحدثَهُ فقهاءُ
العراقيينَ في مسائل الخلافِ بين الشافعية والحنفية، وصنفوا كتبَ الخلاف
ووسَّعُوا البحثَ والجدالَ فيها، وكلُّ ذلك لا أصل له وصارَ ذلكَ علمُهُم،
حتى شغَلَهم عن العلمِ النافع. وقد أنكرَ ذلك السلفُ ووردَ في الحديث
المرفوعِ في ((السنن)): ((ما ضلَّ قومٌ بعدَ هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل)). ثم قرأ:
﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨].
وقال بعضُ السلف: إذا أرادَ اللَّهُ بعبد خيراً فتحَ له بابَ العملِ وأغلقَ عنه
باب الجدل، وإذا أراد اللَّهُ بعبد شرًّا أغلقَ عنه بابَ العملِ، وفتحَ له بابَ
الجدل .
وقال مالكٌ: أدركتُ أهل هذه البلدة وإنَّهم ليكرهونَ هذا الإكثارَ الذي
عليه الناسُ اليومَ، يريدُ المسائلَ. وكان يعيبُ كثرةَ الكلامِ والفُتيا ويقولُ:
يتكلمُ أحدُهُم كأنَّه جملٌ مغتلم، يقولُ: هو كذا هو كذا، يهدرُ كلامَهُ، وكان
يكرهُ الجوابَ في كثرةِ المسائلِ، ويقولُ: قَالَ اللَّه عزَّ وجلَّ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ
الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]، فلم يأتِهِ في ذلكَ جوابٌ.

٢٣٨
سورة الزخرف
وقيل له: الرجلُ يكونُ عالمًا بالسنة يجادلُ عنها، قالَ: لا، ولكنْ يخبرُ
بالسنةِ، فإمَّا قُبُلَ منه وإلا سكتَ. وقال: المراءُ والجدالُ في العلمِ يذهبُ بنورِ
العلم. وقالَ: المراءُ في العلمِ يُقَسِِّ القلبَ ويورثُ الضغْنَ. وكان يقولُ في
المسائلِ التي يسألُ عنها كثيرًا: لا أدْرِي. كان الإمام أحمدُ يسلك سبيلَه في
ذلك .
وقد وردَ النهي عن كثرة المسائلِ وعن أغلوطاتِ المسائلِ، وعن المسائلِ قبلَ
وقوع الحوادث(١).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ
خَالدُونَ
و
لا يُفَتَّرَ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مَبْلِسُونَ ﴾
٣ ٧٤
وعذابُ الكفارِ في النَّارِ لا يُفَتَّرُ عنهم ولا ينقطعُ ولا يُخفَّفُ بل هو
متواصلٌ أبدًا، قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابٍ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ
(٧٤
لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٤، ٧٥]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ
نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦]، وقال
تعالى: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٦]، وقال تعالى:
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةٍ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِفْ عَنَّا يَوْمَّا مِنَ الْعَذَابِ {9]﴾ قَالُوا
أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيَكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّ فِي
ضَلالٍ ﴾ [غافر: ٤٩، ٥٠].
(١) رسالة: ((فضل علم السلف)) (ص ٤٨ - ٥٠).

٢٣٩
سورة الزخرف
وقالَ أحمدُ بنُ أبي الحواريِّ: سمعتُ إسحاقَ بنَ إبراهيمَ يقولُ - على
منبرِ دمشقَ -: لا يأتي على صاحبِ الجنَّةِ ساعةٌ إلا وهو يزدادُ ضِعفًا من
النَّعيمِ لم يكنْ يعرفُه، ولا يأتي على صاحبِ النَّارِ ساعةٌ إلا وهو مستنكرٌ
لنوعٍ من العذابِ لم يكنْ يعرفُه، قالَ اللَّهُ عزَّ وجلّ: ﴿فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ
عذابا ﴾ [ النبأ: ٣٠].
قالَ جِسرُ بنُ فَرْقَدٍ عن الحسنِ: سألتُ أبا بَرْزةَ عن أشدِّ آيَةٍ في كتاب اللَّه
على أهلِ النَّارِ، قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ وَلَه قرأ: ﴿فَذُوقُوا فَلَن نَزِيدَكُمْ إِلَّ
عَذَابًا﴾ [النبأ: ٣٠]، فقالَ: (أُهلكَ القومُ بمعاصيهم للَّه تعالى)) خرَّجَه ابنُ أبي
حاتمٍ، وجِسرٌ ضعيفٌ، وخرَّجَه البيهقيُّ ولمْ يرفعْهُ ولفظُهُ: سألت أبا برزةً
عن أشدِّ آيةٍ على أهلِ النارِ، قال: قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿فَذُوقُوا فَلَن نَزِيدَكُمْ إِلاَّ
عَذَابًا ﴾ [النبأ: ٣٠].
وقال مجاهدٌ: بلغني أنَّ استراحةَ أهلِ النَّارِ أنْ يضعَ أحدُهم يدَهُ على
خاصِرَتِهِ، ولأهل النَّارِ أنواعٌ من العذابِ لم يطلعِ اللَّهُ عليها خلقَهُ في
الدنيا .
قال مباركٌ عن الحسن: ذكرَ اللَّهُ السلاسلَ والأغلالَ والنَّارَ وما يكونُ في
الدنيا، ثمَّ قرأ: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٨].
قال آخرُ: لا تُرى في الدُّنيا. خرَّجَهُ ابنُ أبي حاتمٍ.
وقال أبو يَعلى الموصلي: حدثَنا شُرِيحٌ، حدثنا إبراهيمُ بنُ سليمانَ، عن
الأعمشِ عن الحسنِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه تعالى: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ
الْعَذَابِ﴾ [النحل: ٨٨]. قال: هي خمسةُ أنهارِ تحتَ العرشِ يُعذَّبون ببعضها في

٢٤٠
سورة الزخرف
الليل وبعضها في النَّهار(١)
قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْاْ يَا مَالكُ
قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالكُ﴾ [الزخرف: ٧٧] ومالكٌ هو خازنُ جهنَّمَ، وهو
كبيرُ الخزنةِ ورئيسهم، وقدْ رآه النبيُّ وََّ ليلةَ الإسراءِ، وبدأَهُ مالكٌ بالسلامِ،
خرَّجَه مسلمٌ من حديث أنسٍ .
ورآه النبيُّ ◌َ له في منامِهِ وهو كريهُ المِرآةِ، أي: كريهُ المنظرِ، كأكرِهِ ما أنتَ
راء من الرِّجال(٢).
قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمَا ضَالِينَ
(١٠٦
قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾
١٠٧٣
رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ
٠
[ المؤمنون: ١٠٦ - ١٠٨].
وقال تعالى: ﴿وَنَادَوْاْ يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧].
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةٍ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمَّا مِّنَ
الْعَذَابِ ﴿ قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيَكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ
الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ [غافر: ٤٩، ٥٠].
وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِ خُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ
(١) ((التخويف من النار)) (١٥٤، ١٥٥).
(٢) ((التخويف من النار)) (ص ١٧٧).