النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ سورة ص ومما يندبُ إلى إلانة القول فيه الأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكرِ وأنْ يكونَ برفقٍ، كما قالَ تعالَى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِلَّتِي هِيَ أَحْسَنَ﴾ [النحل: ١٢٥]. قال بعضُ السلف: ما أغضبتَ أحدًا فَقَبِلَ مِنْكَ، وكانَ أصحابُ ابنِ مسعودٍ إذا رأوا قومًا على ما يكرهُ يقولونَ لهم: مهلاً مهلاً باركَ اللَّهُ فيكم. ورأى بعضُ التابعينَ رجلاً واقفًا مع امرأةٍ فقالَ لهما: إن اللَّهَ يراكما سترنا اللَّهُ وإِيَّكم، ودُعي الحسنُ إلى دعوةٍ فجيء بآنيةِ فضةٍ فيها حلواءُ، فأخذَ الحسنُ الحلواءَ فقلبها على رغيف وأكلَ منهَا، فقالَ بعضُ من حضرَ : هذا نهيٌ في سكونٍ، ورأى الفضيلُ رجلاً يعبثُ في صلاتِهِ فزبرهُ، فقالَ له الرجلُ: يا هذا ينبغي لمنْ يقومُ للهِ أن يكونَ ذليلاً، فبكى الفضيلُ وقالَ له: صدقتَ. قال شعيبُ بنُ حربٍ: ربما مرَّ سفيانُ الثوريَّ بقومٍ يلعبونَ بالشطرنجِ فيقولُ: ما يصنعُ هؤلاءِ؟ فيقالُ له: يا عبد اللَّهِ ينظرونَ في كتابٍ، فيطاطئ رأسَهُ ويمضي، وإنما يريدُ بذلكَ ليُعلمَ أنَّه قد أنكَرَ. وقالَ سفيانُ: لا يأمرُ بالمعروفِ ولا ينهى عن المنكرِ إلا من كانَ فِيهِ خصالٌ ثلاثٌ: رفيقٌ بما يأمرُ، رفيقٌ بما يَنَهى، عدلٌ بما يأمرُ، عدلٌ بما ينهى، عالمٌ بما يأمرُ، عالمٌ بما يَنْهَى. وقالَ الإمامُ أحمدُ: الناسُ يحتاجونَ إلى مداراةٍ ورفقٍ في الأمر بالمعروفِ بلا غلظةٍ إلا رجلاً معلنًا بالفسقِ، فإنَّهُ لا صبرَ عليه. وكانَ كثيرٌ من السلفِ لا يأمرُ بالمعروفِ ولا ينهى عن المنكرِ إلا سرًّا فيما بينه وبينَ من يأمُرُه وينهاهُ. وقالَ أبو الدرداء: من وعظَ أخاهُ سرًّا فقد زانهُ ومن وعظه علانيةً فقد شانهُ. وكذلك مقابلةُ الأَذى بإلانةِ القولِ كما قالَ تعالَى: ﴿ادْفَعْ بِلَِّي هِيَ أَحْسَنُ ١٨٢ سورة ص السيئة﴾ [المؤمنون: ٩٦] وقالَ تعالَى: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيْئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٢] قال بعضُ السلف: هو الرجلُ يسبُّهَ الرجلُ، فيقولُ له: إن كنتَ صادقًا فغفر اللَّهُ لي، وإن كنتَ كاذبًا فغفرَ اللَّهُ لكَ. قالَ رجلٌ لسالمٍ بنِ عبد اللَّهِ وقد زحمتْ راحلتُه في سفر: ما أراك إلا رجلَ سوءٍ، فقال له سالمٌ: ما أراكَ أبعدتَ. وقالت امرأةٌ لمالك بن دينار: يا مُرائي، قال: متى عرفتِ اسمي؟ ما عرفَه أحدٌ من أهلِ البصرةِ غيرُكِ . ومرَّ بعضُهم على صبيانٍ يلعبونَ بجوزِ فَوطيءَ على بعضِ الجوز بغير اختياره فكسرَهُ، فقالَ له الصبيّ: يا شيخُ، النارَ، فجلسَ الشيخُ يبكي ويقولُ: ما عرَّفَني غيرُهُ. ومر بعضُهم مع أصحابهِ في طريقٍ فرموا عليهِم رمادًا، فقالَ الشيخ لأصحابِهِ: من يستحقّ النَّارَ فصالحُوه على الرمادِ، يعني فھو رابحٌ. ورأى جنديٌّ إبراهيمَ بنَ أدهمَ خارج البلدِ فسألهُ عن العمرانِ فأشارَ له إلى القبورِ فضربَ رأسهُ ومضَى فقيلَ له: إنَّه إبراهيمُ بنُ أدهمَ فرجعَ يعتذرُ إليهِ، فقالَ له إبراهيم: الرأسُ الذي يحتاجُ إلى اعتذاركَ تركتُه ببلخٍ، ومرَّ به جنديٌّ آخر وهو ينظرُ بستانًا لقومٍ بأجرة فسألهُ أن يناولَهُ شيئًا فلم يفعلْ وقالَ: إنَّ أصحابَهُ لم يأذنوا في ذلك، فضربَ رأسَهُ فجعلَ إبراهيمُ يطأطيءُ رأسَهُ وهو يقولُ: اضربْ رأسًا طالما عَصى اللَّهَ. من أجلكَ قد جعلتُ خدِّي أرضًا للشامتِ والحسودِ حتى ترضَى الثالثُ من الدرجات: الصلاةُ بالليل والناسُ نيامٌ: فالصلاةُ بالليلِ من موجباتِ الجنةِ كما سبقَ ذكرُه ١٨٣ سورة ص في غيرِ حديثٍ، وقد دلَّ عليه قولُه عز وجل: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعَيُونٍ ﴿١٥ آخذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ﴿ كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا ٥٫٥٠٠ يهَجَعُونَ ﴿٠١٧، وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴿٨﴾ وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٥ -١٩]. فوصفَهم بالتيقظِ بالليلِ والاستغفارِ بالأسحارِ وبالإنفاقِ من أموالهِم. كانَ بعضُ السلفِ نائمًا فأتاه آتِ في منامِه فقالَ له: قمّ فصلٌّ أما علمتَ أن مفاتيحَ الجنةِ مع أصحابِ الليلِ هم خزانها؟! وقيام الليلِ يوجب علو الدرجات في الجنةِ قالَ اللَّهُ تعالَى لنبيهِ وَلّ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مُّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] فجعلَ جزاءَهُ على التهجدِ بالقرآنِ بالليلِ أن يبعثَهُ المقامَ المحمودَ وهو أعْلِى درجاتِهِ وَ له. قال عونُ بنُ عبد اللَّهِ: ((إنَّ اللَّهَ يُدخلُ الجنةَ أقوامًا فيعطيهم حتى يملُّوا وفوقَهم ناسٌ في الدرجاتِ العلى، فلمَّا نظروا إليهم عرفوهُم فقالُوا: ربنا، إخواننا كنّا معهُم فبم فضَّلْتهم علينا؟ فيقولُ: هيهاتَ هيهاتَ إنَّهم كانُوا يجوعونَ حين تشبعونَ، ويظمؤونَ حين تروونَ، ويقومونَ حينَ تنامون، ويشخصونَ حينَ تخفضونَ))، ويوجبُ أيضًا نعيمَ الجنةِ ما لم يطلع عليه العبادُ في الدنيا قالَ اللَّهُ عز وجل: ﴿تَنَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴿﴿ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦ -١٧]، وفي ((الصحيحِ)) عن النبيِّ نَّ قالَ: ((يقول اللَّهُ عز وجل: أعددتُ لعبادي الصالحينَ ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعت، ولا خطرَ على قلبٍ بشرِ اقرؤوا إن شئتمُ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا ١٨٤ سورة ص ٩٫٥٠ يعملُونَ﴾ [السجدة: ١٧])). قالَ بعضُ السلف: أخفَوا للَّه العملَ فأخفَى اللَّهُ لهم الجزاءَ فلو قدموا عليهِ لأقرَّ تلكَ الأعينَ عندَهُ. ومما يجزي به المتهجدينَ في الليلِ كثرةَ الأزواجِ من الحورِ العين في الجنةِ فإنَّ المتهجدَ قَد تركَ لذةَ النومِ بالليلِ ولذةَ التمتعِ بأزواجِهِ طلبًا لما عندَ اللَّه عز وجل فعوَّضَهُ اللَّهُ تعالَى خيرًا مما تركَهُ وهوَ الحورُ العينِ في الجنةِ، ومن هُنَا قالَ بعضُهم: طولُ التهجدِ مهورُ الحورِ العينِ في الجنةِ . وكانَ بعضُ السلفِ يُحيي الليلَ بالصلاة، فَفَتُرَ عن ذلك فأتاهُ آت، فقال ے له: قد كنتَ يا فلانُ تدأبُ في الخطبةِ، فما الذي قصرَ بكَ عن ذلكَ؟ كنتَ تقومُ من الليلِ أَوَ ما علمتَ أن المتهجدَ إذا قامَ إلى التهجدِ قالتِ الملائكةُ: قد قامَ الخاطبُ إلى خطبتِهِ؟! ورأى بعضُهم في منامهِ امرأةً لا تشبهُ نساءَ الدُّنْيا فقالَ لها: من أنتِ؟ قالتْ: حوراءُ أمةُ اللَّهِ، فقالَ لها: زوِّجيني نفسَكِ، قالتْ: اخطُبني إلى سيِّدي وامهُرني، قالَ: وما مهرُكِ؟ قالتْ: طولُ التهجدِ . قامَ بعضُ المتهجدينَ ذاتَ ليلةٍ فرأى في منامهِ حوراءَ تنشدُ: أتخطبُ مثْلي وعني تنامُ ونومُ المحبينَ عنَّا حرامُ لأنا خلقْنَا لكلِّ امريءٍ كثيرِ الصلاةِ براهُ الصيامُ وكانَ لبعضِ السلفِ وِرْدٌ من الليلِ فَنَامَ عنهُ ليلةً فرأى في منامِه جاريةً كأنَّ وجهها القمرُ، ومعَها رقِّ فيه كتابٌ فقالتْ: أتقرأ؟ قالَ: نعم، فأعطتهُ إياهُ ففتحهُ فإذا فيه مكتوبٌ. أتلُهُو بالكَرَى عن طيبِ عيشٍ مع الخيراتِ في غرفِ الجنانِ ١٨٥ سورة ص تعيش مخلَّدًا لا موت فيهِ وتنعمُ في الجنانِ مع الحسانِ تيقظ من منامِكَ إنَّ خيرًا من النومِ التهجد بالقرآن فاستيقظَ قالَ: فواللّهِ ما ذكرتُها إلا ذهبَ عنِّ النومُ. كان بعضُ الصالحِينَ له وِرْدٌ فنامَ عنه فوقفَ عليه فتى في منامِه فقال لهُ بصوتٍ محزونٍ : ے تيقظْ لساعاتٍ من الليلِ يا فتى لعلكَ تحظَى في الجنانِ بحورِها فتنعمُ في دارِ يدومُ نعيمُهَا محمدٌ فيها والخليلُ يزورهَا فقم فتيقظْ ساعةً بعد ساعةٍ عساكَ توفَّى ما بقيَ من مهورِها كان بعضُ السلف الصالحِينَ كثيرُ التعبدِ، فبكى شوقًا إلى الله عز وجل ستينَ سنةً فرأى في منامهِ كأنّهُ على ضفة نهرٍ يجرِي بالمسكِ حافتاهُ شجرُ لؤلؤ ونبتٌ من قضبانِ الذهبِ، فإذا بجوارِ مُزَيَّنَاتٍ يقلنَ بصوتٍ واحدٍ: سبحانَ المسبَّحُ بكلِّ لسانِ سبحانَهُ. سبحان الموحَّدِ بكلِّ مكانٍ سبحانه. سبحان الدائم في كلِّ الأزمانِ سبحانه. فقال لهنَّ: ما تصنعن ههنا؟ فقلن: برانًا إلهُ الناسِ ربُّ محمدٍ لقومٍ على الأقدامِ بالليلِ قَومُ يناجونَ ربَّ العالمينَ إلههم وتسري همومُ القومِ والناسُ نوّمُ فقال: بَخٍ بَخٍ لهؤلاءِ، من هم، لقد أقرَّ اللَّهُ أعينُهُم بكنَّ؟ فقلنَ: أو ما تعرفَهم؟ قالَ: لا، فقلنَ: بلى هؤلاءِ المتهجدونَ أصحابُ القرآنِ والسهرِ . وكان بعضُ الصالحِينَ ربما نامَ في تهجدِهِ، فتوقظُه الحوراءُ في منامِهِ ٠ فيستيقظُ بإيقاظها، وُرُويَ عن أبي سليمان الداراني أنه قالَ: ذهبَ بي النومُ ١٨٦ سورة ص ذاتَ ليلةٍ في صلاتي فإذا بها - يعني الحوراء - تنبهني وتقولُ: يا أبا سليمانَ أترقدُ وأنا أُربَّى لك في الخدرِ منذ خمسمائة سنة؟ وفي رواية عنهُ: أنه نام ليلةً في سجودهِ قالَ: فإذا بها قدْ ركضتني بِرِجْلِهَا وقالتْ: حبيبي أترقدُ عيناكَ والملكُ يقظانُ ينظرُ إلى المتهجدينَ في تهجدِهم؟ بؤسًا لعينٍ آثرتْ لذةَ نومٍ على مناجاة العزيزِ، قمْ فقدْ دنا الفراغُ ولقيَ المحبونَ بعضهم بعضًا، فما هذا الرقادُ يا حبيبي وقرةَ عيني؟ أترقدُ عيناكَ وأنا أُرَبَّى لكَ في الخدورِ منذ خمسمائةٍ عامٍ؟ فوثبَ فزعًا وقد عرقَ من توبيخهَا له، قالَ: وإن حلاوةَ منطقها لفي سمعي وقلبي. وكان أبو سليمانَ يقولُ: أهلُ الليلِ في ليلهِم ألذُّ من أهل اللهو في لهوهم، ولولا الليلُ ما أحببتُ البقاءَ في الدنيا . وقال يزيدُ الرقاشيُّ لحبيبِ العجميُّ: ما أعلمُ شيئًا أقرّ لعيونِ العابدينَ في الدنيا من التهجدِ في ظلمةِ الليلِ، وما أعلم شيئًا من نعيمِ الجنانِ وسرورها ألذُّ عند العابدينَ ولا أقرَّ لعيونِهِم من النظرِ إلى ذي الكبرياءِ العظيمِ إذا رُفعتْ تلكَ الحجب، وتجلَّى لهم الكريمُ، فصاحَ حبيبٌ عندَ ذلكَ وخرّ مغشيا عليه. وكانَ السريُّ يقول: رأيتُ الفوائدَ تردُ في ظلامِ الليلِ . وقالَ أبو سليمان: إذا جنَّ الليلُ وخلا كلُّ محبٌّ بحبيبهِ افترشَ أهلُ المحبةِ أقدامَهُم، وجرتْ دموعُهم على خدودهم، أشرفَ الجلیلُ جل جلالهُ فنادَی یا جبريلُ بعيني من تلذذَ بكلامي واستروحَ إلى مناجاتي، نادِ فيهم يا جبريلُ ما هذا البكاءُ هل رأيتُم حبيبًا يعذِّب أحباءَهُ أم كيفَ يجملُ بي أن أعذِّبَ قومًا إذا جَنَّهُمُ الليلُ تملَّقُوني، فبي حلفتُ، إذا قدِموا عليَّ يوم القيامةِ لأكشفنَّ لهمْ ١٨٧ سورة ص عن وجهي، ينظرونَ إليّ وأنظر إليهم. وسئلَ الحسنُ البصريُّ لم كانَ المتهجدون أحسنُ الناس وجوهًا؟ قالَ: لأنَّهُم خلَوا بالرحمنِ فألبسَهُم نورًا من نوره. رأتِ امرأةٌ من الصالحاتِ في منامِهَا كأنَّ حللاً قد فرِّقَتْ على أهلِ مسجدٍ محمدِ بنِ جحادةَ، فلما انتهَى الذي يفرِّقها إليه دعا بسفط مختومٍ فأخرجَ منه حلةً صفراء، قالت: فلم يقُمْ لها بصرِي فكساهُ إياها وقالَ: هذه لكَ بطول السهر، قالتْ: فوالله لقد كنتُ أراه - تعني محمدَ بن جحادةَ - بعد ذلكَ فأتخايلُها عليهِ - تعني: تلكَ الحلةَ - . قالَ كرزُ بنُ وبرةَ: بلغَني أنَّ كعباً قالَ: إنَّ الملائكةَ ينظرونَ من السماء إلى الذينَ يتهجدونَ بالليلِ كما تنظرونَ أنتم إلى نجومِ السماء. يا نفسُ فازَ الصالحونَ بالتُّقى وأبصرُوا الحقَّ وقلبي قد عمِي ونورُهُم يفوقُ نورَ الأنجمِ يا حُسْنَهُم والليلُ قد أجنَّهُم فعيشُهُمْ قدْ طابَ بالترنمِ ترَّمُوا بالذكرِ في ليلِهم قلوبُهُم للذِّكْرِ قد تفرغتْ دموعُهم كلؤلؤٍ منظّمٍ أسحارُهُم بهم لهم قد أشرقتْ وخلَعُ الغفرانِ خيرُ المقسمِ في بعضِ الآثارِ يقولُ اللَّهُ عز وجل كلَّ ليلةٍ: يا جبريلُ أقمْ فلاناً وأنْمُ فلاناً. قام بعضُ الصالحينَ في ليلةٍ باردة وكانَ عليه خلقانُ رثةٌ فضربهُ البردُ فبكى فسمعَ هاتفاً يقولُ : أقمناكَ وأنمناهُم ثمَّ تبكي عليْنا. تنبهوا يا أهلَ وادي المنحنى كم ذا الكرى هبّ نسيم وجدي كم بين خالٍ وجوٍ وساهرِ وراقدٍ وكاتمٍ ومعبدي ١٨٨ سورة ص قيلَ لابنِ مسعودٍ: ما نستطيع قيامَ الليلِ، قالَ: أبعدَتْكُم ذنوبُكُم . وقيلَ للحسنِ : أعجزنا قيامُ الليل، قالَ: قيدتْكُم خطاياكُم، إنما يؤهِّلُ الملوكُ للخلوةِ بهم ومخاطبتِهِم من يخلصُ في ودادِهِم ومعاملتِهِم، فأمَّا من كانَ من أهلِ مخالفتِهِم فلا يرضونَهُ لذلكَ. الليلُ لي ولأحبَابي أحادثُهُم قد اصطفيتُهُم كَي يسمعُوا ويعُوا على ودادِي وإرشَادِي لُهُمْ طُبعُوا لَهم قلوبٌ بأسرارِ لَها مُلئتْ فما جَنُوا إذْ جَنُوا مما بهِ ارتفعُوا قد أثمرتْ شجراتُ الفهمِ عندهُمُ سرَوَا فما وهَنُوا عجزًا وما ضعُفُوا وواصلُوا حبلَ تقرِيبي فما انقطَعُوا الفصل الثالث: في ذكر الدعوات المذكورة في هذا الحديث: وهي: ((اللهم إني أسألكَ فعلَ الخيرات، وتركَ المنكرات، وحبَّ المساكين، وأن تغفرَ لي وترحمني، وإذا أردتَ بقومٍ فتنةً فاقبضْني إليكَ غيرَ مفتون وأسألكَ حُبَّكَ وحبَّ من 8 يحبُّك وحبَّ العملِ الذي يبلغُنِي حَّك))، فقالَ النبيُّ وَِّّهِ: ((تعلموهنَّ وادرُسُوهنَّ فإنهنَّ حقٌ). هذا دعاءٌ عظيمٌ من أجمع الأدعية وأكملهَا، فقولهُ وَالَ: ((أسألُكَ فعلَ الخيرات وتركَ المنكراتِ )) يتضمنُ طلبَ كلِّ خيرٍ وتركَ كلِّ شرِّ، فإنَّ الخيرات تجمعُ كلَّ ما يحبُّهُ اللَّهُ تعالَى ويقربُ منهُ منَ الأعمالِ والأقوالِ من الواجباتِ والمستحباتٍ، والمنكراتِ تشملُ كلَّ ما يكرههُ اللَّهُ تعالَى ويباعدُ عنهُ من الأقوال والأعمال، فمنْ حصلَ له هذا المطلوبُ حصلَ له خيرُ الدنيا والآخرةِ، وقد كان النبيّ وَّلَه يحبُّ مثلَ هذه الأدعية الجامعة، قالتْ عائشةُ: ((كانَ النبيّ ١٨٩ سورة ص وَلَّ يعجبهُ الجوامعَ من الدعاءِ ويدعُ ما بينَ ذلكَ)). خرجه أبو داود. وقوله: ((وحب المساكين)) هذا قد يقالُ إنهُ من جملةٍ فعلِ الخيراتٍ وإنَّما أفرده بالذكرِ لشرفهِ وقوةِ الاهتمامِ به، كما أفردَ أيضًا ذكرَ حبِّ اللَّه تعالى وحبٍّ من يحبُّه وحبِّ عملٍ يبلِّغهُ إلى حبِّه، وذلكَ أصلُ فعلِ الخيراتِ كلِّها، وقد يُقالُ: إنه طلبَ من اللَّه عز وجل أن يرزقهُ أعمالَ الطاعاتِ بالجوارحِ، وتركَ المنكراتِ بالجوارحِ، وأن يرزقَهُ ما يوجبُ له ذلكَ وهو حبُّهُ وحبُّ من يحبُّه، حبُّ عملٍ يبلغهُ حبَّه، فهذه المحبةُ بالقلبِ موجبةٌ لفعل الخيراتِ بالجوارحِ ولتركِ المنكراتِ بالجوارحِ، وسألَ اللَّهَ تعالى أن يرزقَهُ المحبةَ فيه، فقد تضمنَ هذا الدعاءُ سؤال حبِّ اللهِ عز وجل وحبِّ أحبابِهِ، وحبِّ الأعمالِ التي تقرِّبُ من حبِّه والحبِّ فيه، وذلكَ يقتضي فعل الخيراتِ كلِّها ويتضمنُ تركَ المنكرات، والسلامةَ من الفتنِ، وذلكَ يتضمنُ اجتنابَ الشرّ كلِّه فجمعَ هذا الدعاءُ طلبَ خير الدنيا وتضمنَ سؤالَ المغفرة والرحمةِ وذلكَ يجمعُ خيرَ الآخرة كلَّه فجمعَ هذا الدعاءُ خيري الدنيا والآخرةِ. والمقصودُ أنَّ حبَّ المساكين أصل الحبِّ في اللَّهِ تعالى؛ لأنَّ المساكينَ ليسَ عندهم من الدنيا ما يوجبُ محبَّتهم لأجلِهِ فلا يحبونَ إلا للَّهِ عز وجل والحبُّ في اللَّهِ من أوثقِ عُرى الإيمان، ومن علاماتِ ذوقِ حلاوةِ الإيمانِ، وهو صريحُ الإيمانِ، وهو أفضلُ الإيمان، وهذا كلُّه مرويٌّ عن النبيِّ وَّ أنه وصفَ به الحبّ في اللَّه تعالى، ورُويَ عن ابن عباس أنه قال: ((به تنالُ ولايةُ اللَّه وبه ئے يوجدُ طعم الإيمانِ». وحبُّ المساكين قد أوصَى به النبيِّ وَلَّ غيرَ واحد من أصحابه، قالَ ١٩٠ سورة ص أبو ذرِّ: ((أوصاني رسولُ اللَّهِ وَ لِّ أنْ أحبَّ المساكينَ وأنْ أدنوَ منهُم)) خرجهُ الإمامُ أحمدُ (١). وخرَّج الترمذيُ(٢) عن عائشةَ أنَّ النبيَّ وَلِّ قالَ لها: «يا عائشةُ أحبِّي المساكينَ وقرِبِيهم فإنَّ اللَّهَ يقربكِ يومَ القيامةِ». ويروى أن داودَ عليه السلام كانَ يجالسُ المساكين ويقولُ: ياربِّ مسكينٌ بين مساكين. ولم يزلِ السلفُ الصالحُ يوصونَ بحبِّ المساكينِ - كتبَ سفيانُ الثوريُّ إلى بعضِ إخوانِهِ - عليكَ بالفقراءِ والمساكينِ والدنو منهمُ فإنَّ رسولَ اللّهِ وَلَّ كانَ يسأل ربه حبَّ المساكين، وحبَّ المساكينِ مستلزمٌ لإخلاصِ العمل للَّه تعالَى، والإخلاصُ هو أساسُ الأعمالِ الذي لاتثبتُ الأعمالُ إلا عليه، فإنَّ حبَّ المساكين يقتضي إسداءَ النفع إليهِم بما يمكنُ من منافعِ الدينِ والدنيا، فإذا حصلَ إسداءُ النفع إليهِم حبًّا لَهُم، والإحسانُ إليهم كان هذا العملُ خالصًا وقد دلَّ القرآنُ على ذلكَ، قالَ اللَّهُ تعالَى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبَهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمَا وَأَسِيرًا ﴿﴾ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩,٨]، وقالَ عز وجل: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢]، وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٢٨]. قالَ سعدُ بنُ أبي وقاصٍ : نزلتْ هذه الآيةُ في ستةٍ: فيَّ، وفي ابن مسعود، وصهيب، وعمارٍ، والمقداد، وبلال. قالتْ قريشٌ لرسول اللَّه ◌َآلآل : إنا (١) أخرجه: أحمد (١٥٩/٥) بلفظ: ((أمرني خليلي بسبعٍ: أمرني بحبِّ المساكين والدنوِّ منهم .. )). (٢) أخرجه: الترمذي (٢٣٥٢). ١٩١ سورة ص لا نرضى أن نكونَ أتباعًا لَهُم فاطردْهُم عنكَ، فأنزلَ اللَّهُ عز وجل: ﴿ وَلا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآية(١). وقالَ خبابُ بنُ الأرتِ في هذه الآيةِ ((جاء الأقرعُ بنُ حابسٍ وعيينةُ بنُ حصنٍ، فوجدَاً رسول اللّهِ وَلَّ مع صهيبٍ وعمارٍ وبلالٍ وخباب قاعداً في ناسٍ من الضعفاءِ منَ المؤمنينَ، فلما رأوهُم حولَ النبيِّ بَِّ حقرُوهُم، فأتوه فخَلوا بهِ وقالوا: إنّاًّ نريدُ أن نجعلَ لنا منكَ مجلسًا تعرفُ لنا به العربُ فضلَنَا، فإنَّ وفودَ العربِ تأتيكَ فنستحي أن ترانا مع هولاءِ الأعبدِ، فإذَا نحنُ جئناكَ فأقمهُم عنكَ، فإذا نحنُ فرغنا فاقعدْ معهم إن شئت، قالَ: ((نعم))، قالوا: فاكتبْ لنا عليكَ كتاباً، قالَ فدعا بصحيفة، ودعا عليًا ليكتبَ ونحن قعودٌ في ناحيةٍ فنزلَ جبريلُ - عليه السلام - فقال: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّنِ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٢] ثم ذكرَ الأقرعَ بنَ حابسٍ، وعيينةَ ابنَ حصنٍ فقالَ: ﴿وَكَذَلِكَ فَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] ثم قالَ: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]. قالَ: فدنونًا منهُ حتَّى وضعْنَا رُكُبَنَا عَلَى رُكْبَتَهِ، وكانَ رسولُ اللَّهِ وَلّهِ يجلسُ معنا فإذا أرادَ أنَّ يقومَ قامَ وتركّنَا، فأنزلَ اللَّهُ عز وجل ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨] ولا تجالسِ الأشرافَ ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا﴾ [الكهف: ٢٨] يعني عيينةَ، والأقرع قالَ خبابٌ: فكنًّا (١) أخرجه: مسلم (١٢٧/٧)، وابن ماجه (٤١٢٨). ١٩٢ سورة ص نقعدُ مع النبيِّ وَِّ فإِذا بلغنَا الساعةَ التي يقومُ قمنا وتركناهُ حتى يقومَ)) خرجه ابنُ ماجه(١)، وغيرهُ. وكان النبيَّ وَّ يعودُ المرضَى من مساكينِ أهلِ المدينةِ ويشيعُ جنائزهُم وكان لا يأنفُ أن يمشِيَ مع الأرملةِ والمسكينِ حتى يقضي حاجتَهُما وعلى هذا الهَدْي كانَ أصحابُهُ مِن بعدهِ والتابعون لهم بإحسانِ. وروي عن أبي هريرة قال: ((كان جعفر بن أبي طالبٍ يحبُّ المساكينَ ويجلسُ إليهم ويحدِّثْهم ويحدِّثُونه، وكان النبيُّ ◌َّهِ يكنيه أبا المساكين)). وفي رواية «أنهُ كان يعمهم وربما أخرج لهم عكةً فيها العسل فشقُّوها ولعقوها)). وكانتْ زينبُ بنْتُ خزيمةَ أمُّ المؤمنينَ تسمَّى أمَّ المساكينَ لكثرةِ إحسانها إليهم وتوفيتْ في حياةِ النّبِيِّ ◌َّةِ . وقالَ ضرارُ بن مُرَّةَ في وصف عليٍّ بن أبي طالبٍ مُِّه في أيامٍ خلافتِهِ: كان يعظمُ أهلَ الدينِ ويحبُّ المساكينَ، ومرَّ ابنهُ الحسنُ تِها على مساكينَ يأكلونَ فدعُوه فأجابهمُ وأكلَ معهُم، وتلا ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ﴾ [النحل: ٢٣]، ثم دعاهم إلى منزِلِهِ فأطعمهم وأكرمهمُ وكان ابنُ عمر لا يأكلُ غالبًا إلا معَ المساكينِ وكانَ يقُولُ لعلَّ بعضَ هؤلاءِ أن يكونَ ملكًا يومَ القيامةِ. وجاءَ مسكينٌ أعمى إلى ابن مسعودٍ وقد ازدحَم الناسُ عندَهُ فنادَاهُ يا أبا عبد الرحمنِ آويتَ أربابَ الخزِّ واليمنيةِ وأقصيتِنِي لأجلِ أَنِّي مسكينٌ، فقالَ له: أُدْنُهْ فلم يزلْ يُدْنِيهِ حتى أجلسهُ إلى جانبهِ أو بِقُرْبِهِ . وكانَ مطرفُ بنُ عبدِ اللهِ يلبسُ الثيابُ الحسنةَ ثم يأتِي المساكينَ ويجالسهم. (١) ((السنن)) (٤١٢٧). : ١٩٣ سورة ص وكان سفيانُ الثوريُّ يعظمُ المساكينَ ويجفو أهلَ الدنيا فكانَ الفقراءُ في مجلسِهِ همُ الأغنياءُ والأغنياءُ همُ الفقراءُ، وقالَ سليمانُ التيميُّ: كنَّا إذَا طلبنَا عليةً أصحابنا وجدْناهُم عندَ الفقراء والمساكينِ. وقالَ الفضيلُ: من أراد عزَّ الآخرة فليكن مجلسهُ مع المساكينِ، ومن فضائلِ المساكينِ أنهُم أكثرُ أهلِ الجنةِ، كما قالَ النبيُّنَّهِ: ((قمتُ على باب الجنة فإذا عامةُ من دخلَها المساكينُ))(١) وقالَ ◌َله : (تحاجت الجنةُ والنارُ، فقالت الجنةُ: لا يدخلني إلا الضعفاءُ والمساكينُ)(٢). وسئلَ النبيُّ نَّهَ عن أهل الجنة فقالَ: ((كلُّ ضعيف مستضعف))(٣) وهم أولُ الناسِ دخولاً الجنةَ كما صحَ عنه رَّ: ((إن الفقراءَ يسبقونَ الأغنياءَ إلى الجنةِ بأربعين عامًا)»(٤) - وفي روايةٍ - ((أنهم يدخلون الجنةَ بنصفٍ يومٍ وهو خمسمائة سنةً) (٥) وهم أولُ الناسِ إجازةً على الصراطِ كما صحَّ عنه وَِّ أَنْهُ سئلَ من أولُ الناسِ إجازةً على الصراط؟ فقالَ: ((فقراءُ المهاجرينَ))(٦) وهم أولُ الناسِ ورودًا على الحوضِ كما قالَ وَّ: ((أولُ الناسِ ورودًا عليهِ فقراءُ المهاجرينَ الدَّنَسةُ رءوسُهم، الشعئةُ ثيابهُم (٧) الذينَ لا ينكحونَ المتنعمات ولا تفتحُ لهم السدهُ))(٨) وهم (١) أخرجه: البخاري (٣٩/٧)، (١٤١/٨)، ومسلم (٨٨/٨)، كلاهما عن أسامة بن زيد. (٢) أخرجه: البخاري (١٧٣/٦)، ومسلم (١٥٠/٨ - ١٥١). (٣) أخرجه: البخاري (١٩٨/٦). (٤) أخرجه: الترمذي (٢٣٥٢)، (٢٣٥٥). (٥) أخرجه: الترمذي (٢٣٥١)، (٢٣٥٣)، (٢٣٥٤)، وأحمد في «المسند» (٥١٣/٢). (٦) أخرجه: مسلم (١٧٣/١)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٦٩/١)، وابن خزيمة (٢٣٢). ٧) كذا بالأصل، والصحيح كما في مصادر التخريج: ((الدنْسُ ثيابًا، والشعْثُ رؤوسًا)) على وصفِ الثيابِ بالدنَسِ، والشعرِ بالشعَثِ . ٨) أخرجه: أحمد في «المسند» (٢٧٥/٥)، والترمذي (٢٤٤٤)، وابن ماجه (٤٣٠٣) من حديث ثوبان فقه . ١٩٤ سورة ص أتباعُ الرسلِ كما أخبرَ اللَّهُ تعالى عن نوح عليه السلامُ أن قومَهُ عيرُوهُ باتباع الضعفاء له فقالُوا: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]. وكذلكَ قالَ هرقلُ لأبي سفيانَ لما سألهُ عن النبيِّ وَّهِ وهل يتَّبعهُ أشرافُ الناسِ أم ضعفاؤهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم، قالَ هرقلُ: هم أتباعُ الرسلِ(١). وهم أفضلُ من الأغنياءِ عندَ كثيرٍ من العلماءِ أو أكثرهم، وقد دلَّ على ذلكَ أدلةٌ كثيرةٌ منها قولُ النبيِّ وَِّ حِينَ مرَّ به الغنيُّ والمسكينُ في المسجدِ: («هذا - يعني المسكينَ - خيرٌ من ملءِ الأرضِ مثلَ هذا - يعني الغنيَّ) وقد خرَّجه البخاري وغيره (٢) ومنهُم من لو أقسمَ على اللَّهِ لأبرهُ كما في ((الصحيح))(٣) عن النبيِّ وَّ أنه قالَ في أهلِ الجنةِ: ((كلُّ ضعيف مستضعف لو أقسم على اللَّهِ لأَبَرَّه)) وفي روايةٍ (أشعثَ ذو طمرينٍ) وفي روايةٍ خَرجَها ابنُ ماجه (٤) (أنَّهم ملوكُ أهلِ الجنة)) وفي الحديثِ المشهورِ ((ربَّ أشعثَ أغبرَ ذي طمرينٍ مدفوعٌ بالأبوابِ لو أقسمَ على اللَّهِ لِأَبَرَّهُ» خرجهُ الحاكمُ وغيرهُ (٥). ربَّ ذي طمرينِ نضوٍ يأمنُ العالمُ شرَّهُ لا يُرى إلا غنيًّا وهوَ لا يملكُ ذَرَّهُ ثم لو أقسمَ في شيءٍ على اللَّه أبرَّهُ (١) أخرجه: البخاري (٦/١). (٢) أخرجه: البخاري (٩/٧)، (١١٨/٨)، وابن ماجه (٤١٢٠). (٣) أخرجه: البخاري (١٩٨/٦). (٤) أخرجه: ابن ماجه (٤١١٥). (٥) أخرجه: مسلم (٣٦/٨)، والحاكم (٣٢٨/٤) من حديث أبي هريرة مرّه ١٩٥ سورة ص قال ابنُ مسعود: كونُوا جدَدَ القلوبِ، خلقانَ الثيابِ، سرجَ الليلِ مصابيحَ الظلامِ، تعرفونَ في أهلِ السماءِ وتخفونَ على أهلِ الأرضِ . طُوبى لعبدٍ بحبلِ اللَّهِ معتصمه على صراطٍ سويٍّ ثابتٌ قدمُه رثِّ اللباسِ جديد القلبِ مستترٍ في الأرضِ مشتهرٌ فوقَ السماء وسمُهُ حتَّى يرقى إلى الأخرى به هممُه ما زالَ يستحقرُ الأولى بهمته فذاكَ أعظمُ من التاجِ متكئًا على النمارقِ محتفا به خدمُهُ واعلم؛ أنَّ محبةَ المساكينِ لها فوائدٌ كثيرةٌ: منها: أنَّها توجبُ إخلاصَ العملِ للهِ عز وجل، لأنَّ الإحسانَ إليهم لمحبّهم لا يكونُ إلا للَّهِ عز وجل، لأنَّ نفعهُم في الدنيا لا يُرجَى غالبًا فأما من أحسنَ إليهم ليمدحَ بذلكَ فما أحسنَ إليهم حبًا لهم بل حبًا لأهلِ الدُّنْيا وطلبًا لمدحهِم له بحبِّ المساكينِ. ومنها: أنها تزيلُ الكِبْرَ، فإن المتكبرَ لا يرضى مجالسةَ المساكينِ كما سبقَ عن رؤساءِ قريشٍ والأعرابِ، ومن حذا حذوهم من هذه الأمة ممن تشبه بهم حتى أنَّ بعضَ علماء السوءِ كان لا يشهدُ الصلاةَ في جماعةٍ خشيةَ أن تزاحمَهُ المساكينُ في الصفِّ، ويمتنعُ بسببِ هذا الكبرِ فيفوتُهُ خيرٌ كثيرٌ جدا، فإنَّ مجالسَ الذكرِ والعلمِ تقعُ فيها كثيراً مجالسةُ المساكينِ فإنهم أكثرُ هذه المجالسِ فيمتنعُ المتكبرُ من هذه المجالسِ بتكبرِهِ، وربما كانَ المسموعُ منه الذكرُ والعلمُ من جملةِ المساكينِ فيأنف أهلُ الكبرِ من التردد إلى مجلسهِ كذلكَ فيفوتهُم خيرٌ كثيرٌ، وقد أخبرَ اللَّهُ تعالى عن المشركينَ أنهم قالوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]. ١٩٦ سورة ص يشيرونَ إلى عظماءِ مكةَ والطائفِ كعتبةَ بنِ ربيعةً وأخيهِ شيبةَ ونحوهما من صناديد قريشٍ وثقيفٍ ذوي الأموالِ والشرفِ فيهم ممن كانَ أكثرَ مالاً من محمد رٍَّّ وأعظمَ رياسةً عندهُم، وردَّ عليهم سبحانهُ بأنهُ يقسِّم رحمتَهُ كما يشاءُ وأنه كما رفَع درجاتِ بعضهم على بعضٍ في الدنيا، فكذلكَ يرفَعُها في الآخرةِ بالنبوةِ والعلمِ والإيمانِ خيرٌ مما يجمعونَهُ من الأموالِ التي تَفْنَى، فهو يخص بهذه الرحمةِ الدينيةِ من يشاءُ ويرفعُهُ على أهلِ النعمِ الدنيويةِ وقد خصَّ محمدًاً بَّهِ بما لم يشركهُ فيه غيرهُ من هذه النعم كما قالَ تعالَى له: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣]. وكانَ عليٌّ بنُ الحسينِ يجلسُ في مجلسِ زيدِ بنِ أسلمَ فيعاتَبُ على ذلكَ فيقولُ: إنما يجلسُ المرء حيثُ يكونُ له فيه نفعٌ، أو كما قالَ يشيرُ إلى أنَّه ينتفعُ بسماعٍ ما يسمعُهُ من العلمِ والحكمةِ، وزيدُ بنُ أسلمَ أبوه مولى لعمرَ، وعليُّ بنُ الحسينِ سيدُ بني هاشمٍ وشريفِهم. ولما اجتمع الزهريَّ وأبو حازمِ الزاهدُ بالمدينةِ عند بعضِ بني أميةَ - لما حجَّ - وسمعَ الزهريُّ كلامَ أبي حازمٍ وحكمتهُ أعجبهُ ذلكَ، وقالَ: هو جارِي منذُ كذا وكذا وما جالسْتُهُ ولا عرفتُ أن هذا عندَهُ، فقالَ له أبو حازم: أجل إِنِّي من المساكينِ ولو كنتُ من الأغنياءِ لعرفتني، فوبخهُ بذلكَ، وفي رواية عنه أنه قالَ له: لو أحببتَ اللَّهَ أحببتني ولكنَّكَ نسيتَ اللَّهَ فنسيتني، يشيرُ إلى أنَّ من أحبَّ اللَّهَ تعالى أحبَّ المساكينَ من أهلِ العلمِ والحكمةِ لأجلِ محبتهِ ٥ اللهِ تعالى ومن غفلَ عن اللَّهِ تعالَى غفلَ عن أوليائه من المساكينِ فلم يرفع لهم رأسًا، ولم ينتفع بما اختصَّهمُ اللَّهُ عز وجل بهِ من الحكمةِ والعلومِ النّافعِةِ ١٩٧ سورة ص التي لا توجدُ عند غيرِهم من أهلِ الدُّنْيا. وقد كانَ علماءُ السلفِ يأخذونَ العلمَ عن أهلِهِ والغالبِ عليهمُ المسكنةُ وعدمُ المالِ والرفعةِ في الدنيا ويَدَعُونَ أهلَ الرياسات والولايات فلا يأخذونَ عنهم ما عندهُم من العلم بالكليةِ . ومنها: أنَّه يوجبُ صلاحَ القلبِ وخشوعِهِ، وفي ((المسندِ»(١) عن أبي هريرةَ أنَّ رجلاً شكى إلى رسولِ اللَّهِ بَ له قسوة قلبهِ فقال له: «إن أحببتَ أن يلينَ قلبُكَ فأطعِم المسكينَ وامْسحْ رأس اليتيمِ». ومنها: أنَّ مجالسةَ المساكينِ توجبُ رضى من يجالسُهُم برزقِ اللَّهِ عز وجل وتعظمُ عنده نعمةُ اللَّهِ عز وجل عليهِ بنظرهِ في الدنيا إلى من دونَه، ومجالسةٌ الأغنياءِ توجبُ التسخطَ بالرزقِ ومدَّ العینِ إلی زینتهم وما هم فيه، وقد نهی اللَّهُ عز وجل نبيَّهِ فَ لِّر عن ذلك فقال تعالَى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١] وقالَ النبيُّ بِّهِ: ((انظرُوا إلى من دونكمُ ولا تنظُرُوا إلى منْ فوقَكم فإنَّ أجدر أن لا تزدرُوا نعمةَ اللهِ عليكم))(٢) قال أبو ذرٍّ: ((أوصانِي رسولُ اللَّهِ وََّ أن أنظر إلى من دوني ولا أنظرَ إلى من فوقِي وأوصانِي أن أحبَّ المساكينَ وأن أدنوَ منهم))(٣). وكان عونُ بنُ عبدِ اللهِ بن عتبةَ بنِ مسعودٍ يجالسُ الأغنياءَ فلا يزالُ في غمِّ؛ لأنَّه لا يزال يَرى من هو أحسنُ منه لباسًا ومركبًا ومسكنًا وطعامًا، فتركَهُم وجالسَ المساكينَ فاستراحَ من ذلك. (١) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٢٦٣/٢). (٢) أخرجه: مسلم (٢١٣/٨)، والترمذي (٢٥١٣)، وابن ماجه (٤١٤٢)، وأحمد (٤٨٢/٢). (٣) أخرجه: أحمد في «المسند» (١٧٣/٥). والطبراني في «الأوسط)) (٧٧٣٩). ١٩٨ سورة ص وقد رُويَ عن النبيِّ وَّ أنه نهَى عائشةَ عن مخالطة الأغنياءُ(١). وقالَ عمر: إيَّاكم والدخولَ على أهلِ السعةِ فإنَّه مسخطةٌ للرزقِ . واعلمْ؛ أن المسكينَ إذا أُطلقَ يرادُ به غالبًا من لا مال لهُ يكفيه، فإنَّ الحاجةَ توجبُ السكونَ والتواضعَ بخلافِ الغِنِي فإِنَّه يُوجبُ الطغيانَ، ولهذا ذمَّ الفقيرَ المختالَ وعظَّم وعيدهُ؛ لأنَّهُ عصَى بما ينافي فقرهُ وهو الاختيالُ والزهو والكبرُ، ولما كانَ المسكينُ عندَ الإطلاقِ لا ينصرفُ إلا إلى من لا كفايةَ لهُ من المال وصى اللَّهُ تعالى بإيثارِ المساكينِ وإطعامهم الطعامَ، ومدحَ من يطعمُهم، وذَمَّ من لا يحضُّ على إطعامهِم، وجعلَ لهم حقًّا في أموالِ الصدقاتِ والفيء وخمسِ الغنائمِ وحضورِ قمسةِ الأموالِ . وهؤلاءِ المساكينُ على قسمينِ: أحدُهما: من هو محتاجٌ في الباطنِ وقد أظهرَ حاجَتَهُ للنَّاس. والثاني: من يكتُم حاجتَهُ ويظهرُ للناسِ أنه غَني فهذا أشرَفُ القسمينِ، وقد مدحَ اللَّهُ عز وجل هذا في قولِه تعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة:٢٧٣] وقالَ النبيِّ وَّ: «ليس المسكينُ بهذا الطواف الذي تردُّه اللقمةُ واللقمتان والتمرةُ والتمرتان، ولكن المسکینَ من لا یجدُ ما یغنیه، ولا يفطنُ له فيتصدَّقُ عليه))(٢) وقالَ بعضُهم: هذا المحرومُ المذكورُ في قولِه عز وجل: ﴿لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: ١٩]. فأخبرَ النبيِّ وَّ أن من كتمَ حاجتَهُ فلم يفطنْ لهُ أحقَّ باسم المسكين من (١) أخرجه: الترمذي (١٧٨٠). (٢) أخرجه: البخاري (١٥٣/٢)، (٤٠/٦)، ومسلم (٩٥/٣) عن أبي هريرة مخّه. ١٩٩ سورة ص الذي أظهرَ حاجتَهُ بالسؤال وأنَّه أحقُّ بالبرِّ منه وهذا يدلُّ على أنَّهم كانُوا لا يعرفونَ من المساكينِ إلا من أظهرَ حاجتَهُ بالسؤال، وبهذا فرقَ طائفةٌ من العلماءِ بين الفقيرِ والمسكينِ فقالوا: من أظهرَ حاجتَهُ فهو مسكينٌ ومن كتمَها فهو فقيرٌ، وفي كلامِ الإمامِ أحمدَ إيماءٌ إلى ذلك وإن كانَ المشهورُ عنه أن التفريقَ بينهما بكثرةِ الحاجةِ وقلَّتِهَا كقولِ كثيرٍ من الفقهاءِ. وهذا حيثُ جمعَ بينَ ذِكْرِ الفقيرِ والمسكينِ كما في آيةِ الصدقات، فأمَّا إذا أفردَ أحدُ الاسمينِ دخلَ فيهِ الآخرِ عنَد الأكثرينَ، وقد كانَ كثيرٌ من السلف يكتمُ حاجتَهُ ويظهرُ الغِنى تعفّفًا وتكرمًا، منهم إبراهيم النخعيّ كانَ يلبسُ ثيابًا حسناءَ ويخرجُ إلى الناسِ وهم يرونَ أنه تحلُّ له الميتةَ من الحاجةَ . كانَ بعضُ الصالحِينَ يلبسُ الثيابَ الجميلةَ وفي كمهِ مفتاحُ دارٍ كبيرةٍ ولا مأوى لهُ إلا المساجدُ، وكانَ آخرُ لا يلبسُ جبةً في الشتاءِ لفقرهِ ويقولُ: بي علةٌ تمنعني من لبسِ المحشو وإنَّما يعني بها الفقرَ - شعر: إن الكريمَ لُيُخفي عنك عسرتَهُ حتى تراهُ غنيًّا وهوَ مجهودُ وكان بعكس هؤلاءِ من يلبسُ ثيابَ المساكينِ مع الغِنَى تواضعًا لله عز وجل وبُعْدًا من الكبرِ كما كانَ يفعلُهُ الخلفاءُ الراشدونَ الأربعةُ وبعدَهم عمرُ بنُ عبد العزيز، وكذلكَ كانَ جماعةٌ من الصحابةِ منهم عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ وعبدُ اللَّهِ بنُ عمرو بن العاصِ وغيرُهُما ◌ِرُهُ، ورويَ أنَ أبا بكرِ الصدِّيقِ ◌ِّه كانَ ينشدُ: إذا أردتَ شريفَ الناسِ كلِّهم فانظرْ إلى ملكِ في زي مسكينِ ذاكَ الذي حسنت في الناسِ سيرتُهُ وذاكَ يصلحُ للدُّنْيا وللدينِ وكان عليٌّ ◌ِّه يُعاتَبُ على لباسِهِ فيقولُ: هو أبعدُ عن الكبرِ وأجدرُ أن يقتدي بي المسلمُ. وعوتبَ عمرُ بنُ عبد العزيزِ على ذلكَ فقالَ: إنَّ أفضلَ ٢٠٠ سورة ص القصدِ عندَ الجدةِ، يعني أفضلَ ما اقتصدَ الرجلُ في لباسِهِ مع قدرتِهِ ووجدانه. وفي ((سنن أبي داودَ)) وغيرِهِ(١) عن النبيِّوَجَّ أَنَّه قالَ: ((البذاذةُ من الإيمانُ) يعني: التقشفَ. وفي الترمذيِ(٢) عن النبيِّ وَّهِ((من تركَ اللباسَ تواضعًا للَّه عز وجل وهو يقدرُ عليهِ دعاهُ اللَّهُ يومَ القيامةِ حتَّى يخيِّرُهُ من أيِّ حللِ الجنة شاء يلبسُهَا)) وخرجهُ أبو داود(٣) من وجه آخرَ ولفظه: ((من تركَ ثوبَ جمال وهويقدرُ عليه - أحسبهُ قالَ: تواضعًا - كساهُ اللَّهُ حلَّة الكرامة)). وإنَّما يذمُّ من تركَ اللباسَ مع قدرتِهِ عليهِ بخلاً على نفسه أو كتمانًا لنعمة اللَّهِ عز وجل وفي هذا جاءَ الحديثُ المشهورُ: ((إنَّ اللَّهَ إذا أنعم على عبد أحبَّ أن يرَى أثرَ نعمته على عبده))(٤) ومن لبسَ لباسًا حسنًا إظهارًا لنعمةِ اللَّهِ ولم يفعلْهُ اختيالاً كانَ حسناً. وكان كثيرٌ من الصحابة والتابعينَ يلبسونَ لباسًا حسنًا، منهم: ابنُ عباسٍ، والحسنُ البصريُّ، وقد صحَّ عن النبيِّ وَّ أَنَّه سُئِلَ عن الرجلِ يحبُّ أن يكونَ لباسهُ حسنًا ونعلُهُ حسنًا، قالَ: ((ليس ذلك بالكبر، إنما الكبر بطر الحق وغمط الناس))(٥) يعني التكبرَ عن قبولِ الحقِّ والانقيادِ لهُ واحتقارَ الناسِ وازدراءهمُ فهذا هُوَ الكبرُ وأمَّا مجردُ اللباسِ الحسنِ الخالي عن الخيلاءِ فليس (١) أخرجه: أبو داود (٤١٦١)، وابن ماجه (٤١١٨)، والحاكم (٩/١) كلهم عن أبي أمامة فىاللّه. (٢) أخرجه: الترمذي (٢٤٨١)، وأحمد في («المسند» (٤٣٩/٣)، والحاكم (٦١/١)، (١٨٣/٤) كلهم عن معاذ بن أنس الجهني مؤثّه. (٣) أخرجه: أبو داود (٤٧٧٨). (٤) أخرجه: أحمد في («المسند» (٤٧٣/٣)، والحاكم (٤/ ١٨١)، وأبو داود (٤٠٦٣)، والنسائي (٨/ ١٨٠، ١٨١) كلهم عن مالك بن نضلة طره. (٥) أخرجه: مسلم (٦٥/١) من حديث ابن مسعود ظِ ه.