النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
سورة ص
وكما قيل أيضًا:
فِي حبِّكم يهونُ ما قد ألقَی
يسعدُ بالنعيم من لا يشقَى
من خدَمَ من يحبُّ تلذذَ بشقائهِ في خدمتهِ. وقال بعضُهم: القلبُ المحبُّ
اللَّهِ يحبُّ النصبَ له، وقالَ عبدُ الصمد: أوجدَ لهم في عذابهِ عذوبةً.
إسباعُ الوضوءِ على المكاره من علاماتِ المحبينَ، كما في كِتابِ ((الزهدِ))
للإمامِ أحمدَ عن عطاء بن يسار قال: قال موسى عليه السلام: ((ياربِّ من
أهلُكَ الذينَ هم أهلُكَ الذينَ تظلّهم في ظلِّ عرشِكَ؟ قالَ: هم البريئةُ أبدانُهم
الطاهرةُ قلوبُهم الذينَ يتحابُّون بجلالي، الذين إذا ذُكرتُ ذُكرُوا بي وإذا ذُكِروا
ذكرتُ بذكرِهم، الذينَ يسبغونَ الوضوءَ في المكارِهِ وينيبونَ إلى ذكْري كما
تنيبُ النسورُ إلى أوكارِها، ويكلفُون بحبِّي كما يكلفُ الصبيّ بحبِ الناسِ
ويغضبُونَ لمحارِمي إذا استحلَّت، كما يغضبُ النمرُ إذا حرب)).
وقد يخرقُ اللَّهُ العادةَ لبعضِ المحبينَ له فلا يجدُ ألمَ بردِ الماءِ، كما كانَ
بعضُ السلف قد دعَا اللَّهَ أن يهوِّن عليه الطهورُ في الشتاءِ فكانَ يؤتى بالماءِ
وله بخارٌ، وربما سُلِبَ بعضُهُم الإحساسَ في الحرِّ والبردِ مطلقًا، وكانَ عليّ
ابنُ أبي طالبٍ ◌ِّه قد دعَا له النبيُّ بَّهِ أن يذهبَ اللَّهُ عنه الحرَّ والبردَ فكانَ
يلبسُ في الصيفِ لباسَ الشِتَاءِ وفي الشتاءِ لباسَ الصيفِ وقالَ بَ ◌ّ فيه: ((إنه
يحبُّاللَّهَ ورسولَهُ ويحبُّه اللَّهُ ورسولُهُ)) (١).
ورأى أبو سليمانَ الدارانيُّ في طريقِ الحجِّ في شدّةٍ بردِ الشتاءِ شيخًا عليه
أخلاقُ رثةٌ وهو يرشحُ عَرَقًا فسألهُ عن حالِهِ فقالَ: إنما الحرُّ والبردُ خلقان للَّه
(١) أخرجه: البزار: (٢٥٤٦ - كشف).

١٦٢
سورة ص
عز وجل، فإنْ أمرهما أن يغشياني أصاباني وإن أمرهما أن يتركاني تركاني،
وقالَ: أنا في هذِه البريةِ منذُ ثلاثينَ سنةٍ يلبسُني في البردِ فيحًا من محبتِهِ
ويلبسُني في الصيفِ بردًا من محبَّتَهِ، وقيل لآخرَ وعليه خرقتان في بردٍ شديدٍ
لو استترتْ في موضعٍ يكنُّكَ من البردِ فأنشدَ:
ويحسن ظنِّي أنني في فنائهِ وهلْ أحدٌ في كنِّهِ يجد البردَا
السبب الثاني: من مكفراتِ الذنوبِ المشيُ على الأقدامِ إلى الجماعاتِ وإلى
الجمعاتِ، ولاسيَّما إن توضَّأ الرجلُ في بيتِهِ ثم خرجَ إلى المسجدِ لا يريدُ
بخروجه إلا الصلاةَ فيه، كما في ((الصحيحينِ))(١) عن أبي هريرةَ خِرَُّه عن
النبيِّ ◌َِّلَه قال: ((صلاةُ الرجلِ في الجماعةِ تضعفُ على صلاته في بيتِهِ وفي سوقِهِ
خمسًا وعشرينَ ضعفًا، وذلك أنه إذا توضَّ فأحسَنَ الوضوءَ، ثم خرجَ إلى المسجد لا
يخرجهُ إلا الصلاةُ، لم يخط خطوةً إلا رُفعت له بها درجةٌ وحُطَّ عنه بها خطيئةٌ، فإذا
صلَّى لم تزلِ الملائكةُ تصلِّي عليهِ مادام في مصلاه، اللَّهم صلِّ عليه اللّهم ارحمه، ولا
يزالُ أحدُكم في صلاة ما انتظر الصلاةَ)).
وفي ((صحيح مسلمٍ)(٢) عن أبي هريرة عن النبيِّ وَّ قال: ((منْ تطهَّرَ في
بيته، ثمَّ مشى إلى بيت من بيوتِ اللَّهِ ليقضي فريضةً من فرائضِ اللَّه، كانتْ خطوتاهُ
إحداهما تحطُّ خطيئةً والأخرى ترفَعُ درجةً))، وفي ((الصحيحين)) عن أبي هريرةَ عن
النبيِّ نَِّ قالَ: ((كلُّ خطوة مشيهَا إلى الصلاة صدقةٌ))، وفي ((المسندِ)) و(صحيحِ
ابنِ حبانَ))(٣) عن عقبةَ بنِ عامرٍ عن النبيِّ رَ جُلِّ قالَ: ((إذَا تطهرَ الرجلُ ثُمَّ أَنَّى
(١) أخرجه: البخاري (١٢٩/١ - ١٦٦)، (٨٦/٣)، ومسلم (١٢٨/٢ - ١٢٩) ..
(٢) (٢/ ١٣١).
(٣) أخرجه: أحمد (١٥٩/٤)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٢٠٤٥).

١٦٣
سورة ص
المسجدَ يرعى الصلاةَ كتبَ له كاتباهُ بكلِّ خطوة يخطوها إلى المسجد عشرَ حسنات)).
وفيهما أيضًا (١) عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو عن النبيِّ وَّ قالَ: ((من راحَ إلى
مسجد جماعة فخطوتاهُ خطوةٌ تمحو سيئةً وخطوةٌ تكتبُ حسنةً ذاهبًا وراجعًا)) وفي
((سنن أبي داودَ)(٢) عن أبي أمامةَ عن النبيِّ وَّ قالَ: ((من خرِجَ من بيتهِ متطهراً
إلى صلاة مكتوبة فأجرُه كأجرِ الحاجِّ المحرم)) وفيه أيضًا (٣) عن رجلٍ من الأنصار
عن النبيِّ وَِّ قالَ: ((منْ توضَّأ فأحسنَ الوضوءَ ثم خرجَ إلى الصلاةِ، لم يرفع قدمَهُ
اليمنى إلا كتبَ اللَّهُ له بها حسنةً، ولم يضعْ قدمَهُ اليُسرى إلا حطَّ اللَّهُ عنه بها خطيئةً،
فليقرب أو ليبعد، فإنْ أتَى المسجدَ فصلَّى في جماعة غُفُرَ لهُ)) والأحاديثُ في هذا
المعنى كثيرةٌ جدًّا.
فالمشي إلى الجمعاتِ له مزيدُ فضلٍ لاسيَّما إن كانَ بعد الاغتسالِ كما في
(السنن))(٤) عن أوسِ بنِ أوسٍ مِّه عن النبيِّنَّه قال: ((من غسَّلَ يومَ الجمعة
واغتسلَ ، وبِكَّرَ وابتكَرَ، ومشى ولم يركبْ، ودنا من الإمامِ واستمعَ ولم يلغُ، كان لهُ
بكلِّ خطوة أجرُ سنة صيامُها وقيامُها)).
كلما بعُدَ المكانُ الذي يمشي منه إلى المسجدِ كانَ أفضل لكثرةِ الخُطا، وفي
((صحيح مسلمٍ) (٥) عن جابرٍ قال: ((كانتْ دارُنا نائيةً عن المسجد ، فأردْنا أن
نبيعَ بيوتَنَا فنقرب من المسجد، فنهانا رسولُ اللَّهِ وَ لَّه وقال: ((إنَّ لكم بكلِّ
(١) أخرجه: أحمد (١٧٢/٢)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٢٠٣٩).
(٢) («السنن)) (٥٥٨، ١٢٨٨).
(٣) («السنن)) (٥٦٣).
(٤) أخرجه: أحمد (٩/٤ - ١٠، ١٠٤)، وأبو داود (٣٤٥)، والترمذي (٤٩٦)، والنسائي (٩٥/٣
- ٩٧) وابن ماجه (١٠٨٧).
(٥) (٢/ ١٣١).

١٦٤
سورة ص
خطوة حسنةً)) وفي ((صحيح البخاريِ)(١) عن أنس أنَّ النبيِّ وَّلَه قال: ((يابني
سلمةَ ألا تحتسبونَ آثَارَكُمْ))، وفي ((الصحيحينِ))(٢) عن أبي موسى أنَّ النبيَّ
صَلى الله
وَسَلم
قال: ((إنَّ أعظمَ الناسِ أجرًا في الصلاةِ أبعدُهمُ إليها ممشى فأبعدُهم))، ومع هذا فنفسُ
الدارِ القريبة من المسجدِ أفضلُ من الدارِ البعيدةِ عنه، لكنَّ المشي من الدار
البعيدةِ أفضلُ، ففي ((المسند)(٣) عن حذيفةَ عن النبيِّ وَّ أنه قال: ((فضلُ الدار
القريبة من المسجدِ على الدارِ البعيدة الشاسعةِ، كفضلِ الغازي على القاعد)) وإسنادُه
٠
منقطعٌ.
والمشيُّ إلى المسجدِ أفضلُ من الركوبِ كما تقدَّم في حديثِ أوسٍ في
الجمعِ، ولهذا جاءَ في حديثِ معاذٍ ذكرُ المشي على الأقدامِ، وكانَ النبيّ
صَلَى اللّه
وَسَمْ
لا يخرجُ إلى الصلاة إلا ماشيًا حتَّى العيد يخرجُ إلى المصلَّى ماشيًا، فإنَّ
الآتي للمسجدِ زائرُ اللَّهِ، والزيارةُ على الأقدامِ أقربُ إلى الخضوعِ والتذللِ،
كما قيل :
لو جئتكم زائرًا أسْعى على بصرِي لم أؤدِّ حقا وأيَّ الحقِّ أديتُ
وفي ((صحيح البخاريِ)(٤) عن أبي هريرة عن النبيِّ وََّ قالَ: ((من غدا إلى
المسجد أو راحَ ، أعدَّ اللَّهُ له نزلاً في الجنة كلَّما غدا أو راحَ) والنزلُ هو ما يعدُّ للزائر
عندَ قدومهِ، وفي الطبراني(٥) من حديث سلمانَ مرفوعًا: ((من توضّا في بيته
فأحسنَ الوضوء ثمَّ أتى المسجدَ فهو زائرُ اللَّهِ تعالي وحقٌّ على المزورِ أن يكرمَ الزائرَ))
(١) (١/ ١٦٧)، (٢٩/٣).
(٢) أخرجه: البخاري (١٦٦/١)، ومسلم (١٣٠/٢).
(٣) (٣٨٧/٥، ٣٩٩).
(٤) (١/ ١٦٨).
(٥) ((المعجم الكبير)) (٢٥٤/٧، ٢٥٥).

١٦٥
سورة ص
وفي ((صحيح مسلمٍ))(١) عن أبيِّ بن كعبٍ قال: كانَ رجلٌ لا أعلمُ رجلاً أبعدَ
من المسجد منهُ وكانَ لا تخطئُهُ صلاةٌ في المسجدِ، قالَ: فقيل له: أو قلت
لهُ: لو اشتريتَ حمارًا تركبُه في الظلماءِ أو في الرمضاءِ، فقال: ما يسرّني أن
منزلي إلى جنبِ المسجدِ، إني أريدُ أنْ يكتبَ لي بمشاي إلى المسجدِ،
ورجوعي إذا رجعتُ إلى أهلي، فقال: رسولُ اللَّهِوَلّ: ((قد جمعَ اللَّهُ لكَ ذلك
كلَّ)).
وكلما شقَّ المشيُ إلى المسجدِ كانَ أفضل ولهذا فُضِّلَ المشيُ إلى صلاةِ
العشاء وصلاة الصبحِ وعدلَ بقيامِ الليلِ كله كما في ((صحيح مسلمٍ))(٢) عن
عثمانَ عن النبيِّ بَّه قال: ((من صلى العشاءَ في جماعة فكأنَّما قامَ نصفَ الليل،
ومن صلي الصبح في جماعة فكأنما قامَ الليلَ))، وفي ((الصحيحينِ))(٣) عن أبي
هريرةَ عن النبيِّنَّهِ قالَ: «أثقلُ صلاة على المنافقينَ صلاةُ العشاء وصلاةُ الفجرِ ، ولو
يعلمونَ ما فيهما لأتوهما ولو حبواً».
وإنما ثقلتْ هاتان الصلاتان على المنافقينَ لأنَّ المنافقَ لا ينشطُ للصلاة إلا إذا
رآهُ الناسُ، كما قالَ تعالىَ: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَلَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا
يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ]النساء: ١٤٢] وصلاة العشاءِ والصبحِ يقعان في ظلمةٍ فلا
ينشطُ للمشي إليهما إلا كلُّ مخلصٍ يكتفي برؤيةِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ وحده لعلمِهِ
به .
وثوابُ المشي إلى الصلاة في الظُّلَمِ النورُ التامُّ في ظُلَم القيامةِ، كما في
(١) (٢ / ١٣٠).
(٢) (١٢٥/٢).
(٣) أخرجه: البخاري (١٦٧/١)، ومسلم (١٢٣/٢).

١٦٦
سورة ص
(سنن أبي داودَ)، والترمذي (١) عن بريدةَ عنَ النبيِّوَلِ قالَ: ((بشِّر المشائينَ في
الظلم إلى المساجدِ بالنورِ التامِّ يومَ القيامة)) وخرَّجهُ ابنُ ماجه (٢) من حديث سهلِ
بن سعدٍ ، وقد رُوي من وجوهٍ كثيرةٍ. وفي بعضها زيادةٌ (يفزعُ النَّاس ولا
يفزعونَ)) قال النخعيُّ: وكانُوا يرونَ أنَّ المشيَ في الليلة الظلماء إلى الصلاة
موجبةٌ - يعني : توجبُ المغفرةَ.
وروينا عن الحسنِ قالَ: أهلُ التوحيدِ في النار لايقيدونَ فيقولُ الخزنةُ
بعضُهم لبعضٍ: ما بالُ هؤلاءٍ لا يُقِيَّدون، وهؤلاءٍ يُقِيَّدون؟ فينادِيهِم مُنادٍ: إنَّ
هؤلاءِ كانوا يمشونَ في ظُلَمِ الليل إلى المساجدِ، كما أنَّ مواضعَ السجودِ من
عصاةِ الموحدينَ في النارِ لا تأكلهَا النَّارُ، فكذلك الأقدامُ التي تمشي إلى
المساجدِ في الظلم لا تقيدُ في النار. ولا يسوِّي في العذابِ بينَ من خدمَهُ
وبين من لم يخدمه وإن عذَّبه .
ومن كانَ في سخطهِ محسنًا فكيف يكونُ إذا ما رضِي
لمَّا كانت الصلاةُ صلةً بين العبد وبينَ ربِّه، ومناجاةً تظهرُ فيها آثارُ تجلِّيه
القلوبِ العارفينَ وقربِهِ شرعَ قبلَ الدخولِ فيها الطهارةُ، فإنَّه لا يصلحُ للوقوفِ
بين يدي الله عز وجل والخلوةِ بمناجاتِهِ إلا طاهرٌ، فأمَّ المتلوثُ بالأوساخ
الظاهرةِ والباطنةِ فلا يصلحُ للقربِ، فشرعَ اللَّهُ عز وجل للمصلِّي غسلَ
أعضائهِ بالماءِ ورتبَ عليها طهارةً ظاهرةً وباطنةً، ثمَّ شرعَ المشي إلى المساجدِ .
وفيه أيضًا تكفيرُ الخطايا حتَّى تكملَ طهارةُ الذنوبِ إن بقي منها شيءٌ بعد
الوضوء حتَّى لا يقفَ العبدُ في مقامِ المناجاةِ إلا بعدَ كمالِ طهارةِ ظاهرةٍ
(١) أخرجه: أبو داود (٥٦١)، والترمذي (٢٢٣).
(٢) ((السنن)) (٧٨٠).

١٦٧
سورة ص
وباطنةٍ من درنِ الأوساخِ والذنوبِ، ولهذا شَرَع لهُ تجديدَ التوبة والاستغفارَ
عقبَ كلِّ وضوءٍ حتَّى تكملَ طهارةُ ذنوبِهِ، كما خرَّج النسائيُّ(١) من حديثِ
أبي سعيدٍ مرفوعًا وموقوفًا: ((من توضَّأَ فأسبغَ الوضوءَ ثمَّ قالَ عندَ فراغه من
وضوئه: سبحانك اللهمَّ وبحمدكَ أستغفرُكَ وأتوبُ إليكُ، ختمَ عليها بخاتمٍ فوضعتْ
تحتَ العرشِ فلم تُكسرْ إلى يومِ القيامةِ)).
ومتى اجتهدَ العبدُ على تكميلٍ طهارتهِ ومشيهِ إلى المسجدِ ولم يقوَ ذلكَ
على تكفير ذنوبهِ، فإنَّ الصلاةَ يكملُ بها التكفيرُ، كما في ((الصحيحين))(٢)
عن أبي هريرةَ عن النبيِّبَّه قالَ: ((أرأيتُم لو أنَّ نهراً ببابٍ أحدكُمْ يغتسلُ فيه كلَّ
يومٍ خمسَ مراتٍ، هل يبقى من درنهِ شيء؟)) قالوا: لايبقى من درنه شيءٌ، قال:
(فذلكَ مثلُ الصلوات الخمس بمحو اللَّهُ بهنَّ الخطايا)).
وإنْ قويَ الوضوءُ وحدهُ على تكفيرِ الخطايا، فالمشيُ إلى المسجد والصلاةُ
بعده تكونُ زيادةُ حسناتٍ وهذا هو المرادُ من قولِ النبيِّوَّ في حديث عثمانَ
والصنابحي ((وكان مشيهُ إلى المسجد وصلاتُه نافلةً)، وقد سبقَ ذكرُ الحديثين.
واعلم أنَّ جمهورَ العلماءِ على أنَّ هذه الأسبابَ كلَّها إنما تكفِّر الصغائرَ
دونَ الكبائرِ وقد استدلَّ بذلكَ عطاءٌ وغيرهُ من السلفِ في الوضوءِ، وقال
سلمانُ الفارسيُّ ◌ِّه: الوضوءُ يكفِّرُ الجراحاتِ الصغارَ، والمشيُ إلى المسجدِ
يكفِّرُ أكثرَ من ذلكَ والصلاة تكفر أكثر من ذلك. خرجهُ محمدُ بن نصر
المروزيُّ، ويدلُّ على أنَّ الكبائرَ لا تكفَّرُ بذلكَ ما في «الصحيحينِ)) (٣) عن أبي
(١) ((عمل اليوم والليلة)) (٨٣).
(٢) أخرجه: البخاري (١٤٠/١)، ومسلم (١٣١/٢).
(٣) أخرجه: مسلم (١٤٤/١) وليس هو عند البخاري.

١٦٨
سورة ص
هريرةَ عن النبيِّ وَلِّ قال: «الصلواتُ الخمسُ والجمعةُ إلى الجمعة ورمضانُ إلي
رمضانَ، مكفراتٌ لما بينهنَّ إذا اجتنبت الكبائرُ».
وفي ((صحيح مسلمٍ)) (١) عن عثمانَ عن النبيِّ ◌ِِّ قال: ((ما منِ امريءٍ مسلمٍ
تحضُرُهُ صلاةٌ مكتوبةٌ فيحسنُ وضوءها وخشوعَها وركوعها وسجودَها، إلا كانتْ كفارةً
لما قبلَها من الذنوبِ ما لم تؤتَ كبيرةٌ وذلكَ الدهرَ كلَّهُ».
فانظرْ إلى كم تيسرَ لك أسبابُ تكفيرِ الخطايا لعلكَ تُطهَّرُ منها قبلَ الموتِ
فتلقاهُ طاهرًا فتصلحُ لمجاورتِهِ في دارِ السلام، وأنتَ تأبى إلا أن تموتَ على
خبثِ الذنوبِ فتحتاجُ إلى تطهيرها في كيرٍ جهنَّم، يا هذا أما علمتَ أنه لا
يصلحُ لقربنا إلا طاهرٌ، فإذا أردت قربَنَا ومناجاتنا اليومَ فطهِّر ظاهرَكَ وباطنَكَ
لتصلُحَ لذلكَ، وإن أردتَ قربَنَا ومناجاتنَا غدًا فطهِّرْ قلبك من سوانًا لتصلحَ
المجاورتنَا ﴿يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ
إِلَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
[الشعراء: ٨٩,٨٨] والقلبُ السليمُ الذي ليسَ فيه غيرُ محبةِ اللَّهِ ومحبَّةً ما يحبُّه اللَّهُ
(إن اللَّهَ طيبٌ لا يقبلُ إلا طيبًا)(٢) فما كلُّ أحدٍ يصلُح لمجاورةِ اللَّهِ تعالى غدًا،
ولا كلُّ عبدٍ يصلحُ لمناجاةِ اللَّهِ اليوم ولا على كلِّ الحالات تحسنُ المناجاةُ.
الناسُ من الهوَى علَى أصنافِ هذا نَقِضُ العهدِ وهذا وافي
هيهاتَ من الكدورِ تبغي الصافي ما يصلحُ للحضرةِ قلبٌ جَافي
السبب الثالث: من مكفراتِ الذنوبِ الجلوسُ في المساجدِ بعد الصلواتِ،
والمرادُ بهذا الجلوسِ انتظارُ صلاةٍ أخرى كما في حديث أبي هريرةَ «وانتظارُ
(١) (١ / ١٤٢) .
(٢) أخرجه: مسلم (٨٥/٣) من حديث أبي هريرة خطّه.

١٦٩
سورة ص
الصلاة بعد الصلاة فذلكُمُ الرباطُ فذلكُمُ الرباطُ) فجعل هذا من الرباطِ في سبيلِ
الله عز وجل، وهذا أفضلُ من الجلوسِ قبلَ الصلاةِ لانتظارهَا ، فإنَّ الجالسَ
لانتظارِ الصلاة ليؤدِّيها ثم يذهبُ تقصُرُ مدةُ انتظارِهِ بخلافٍ من صلَّى صلاةً
ثُمَّ جلسَ ينتظرُ أخرى فإنَّ مدَّتَهُ تطولُ فإن كانَ كلما صلَّي صلاةً جلسَ ينتظرُ
ما بعَدهَا استغرقَ عمرَهُ بالطاعةِ وكانَ ذلكَ بمنزلةِ الرباطِ في سبيلِ اللَّه
عزوجل .
وفي ((المسندِ))، و((سننِ ابنِ ماجه))(١) عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو ◌ُّ﴾ قالَ:
((صلَّيتُ مع رسول الله وَّ المغربَ فرجعَ منْ رجعَ وعقبَ من عقبَ، فجاءَ
رسولُ اللَّهِ الّ مسرعًا قد حفزهُ النفَسُ وقد حسر عن ركبتيهِ فقالَ: ((أبشرُوا هذا
ربّكم قد فتحَ باباً من أبواب السماءِ، يباهِي بِكُمُ الملائكةَ ، يقولُ : انظُرُوا إلي عبادي قد
قضَوا فريضةً وهم ينتظرونَ أُخري )).
وفي ((المسند))(٢) عن أبي هريرةَ عن النبيَّ نَُّلَه قال: ((منتظرُ الصلاة بعدَ الصلاة
كفارسِ اشتدّ به فرسهُ في سبيلِ الله على كشحِهِ تصلِّي عليهِ ملائكةُ الله ما لم يحدثْ أو
يقوم، وهو في الرباط الأكبر )).
و يدخلُ في قولهِ: ((والجلوسُ في المساجدِ بعدَ الصلواتِ)) الجلوسُ للذكرِ والقراءةِ
وسماع العلم وتعليمهِ ونحو ذلكَ لاسيَّما بعدَ صلاة الصبحِ حتى تطلع
الشمسُ؛ فإنَّ النصوصَ قد وردتْ بفضلِ ذلكَ ، وهو شبيهٌ بمن جلسَ ينتظرُ
صلاةً أخرى، لأنهً قد قضى ما جاءَ إلى المسجدِ لأجلِهِ من الصلاةِ وجلسَ
ينتظر طاعةً أخرى، وفي ((الصحيح)) عن النبيِّ بَّ قال: ((ما اجتمعَ قومٌ في بيت
(١) أخرجه: أحمد (١٨٦/٢ - ١٨٧ - ١٩٧)، وابن ماجه (٨٠١).
(٢) (٢/ ٣٥٢).
%

١٧٠
سورة ص
من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله ، ويتدارسونَهُ بِينَهُم ، إلاَّ نزلتْ عليهم السكينةُ،
وغشيتهُم الرحمةُ، وحفتُهُمُ الملائكةُ، وذكرهُمُ اللَّهُ فيمنْ عندَهُ) .
وأما الجالسُ قبلَ الصلاةِ في المسجدِ لانتظار تلكَ الصلاةِ خاصةً فهو في
صلاة حتَّى يصلِّي.
وفي (الصحيحينِ)) (١) عن أنسٍ عن النبيِّبَِّ («أنه لما أخَّرَ صلاةَ العشاء
٠
الآخرةَ، ثمَّ خرجَ فصلَّى بهم، قالَ لهم: ((إنكم لم تزالُوا في صلاة ما انتظرتُمُ
الصلاة)).
وفيهما أيضًا(٢) عن أبي هريرةَ خِيُّه عن النبيَّ ◌َِّ قالَ: «الملائكةُ تصلِّي على
أحدِكم ما دام في مصلاه ما لم يحدثْ، اللهمَّ اغفرْ لهُ اللهمَّ ارحمْهُ، ولا يزال أحدُكم
في صلاة ما كانت الصلاةُ تحبسُهُ لا يمنعهُ أن ينقلبَ إلى أهله إلا الصلاةُ)) وفي روايةٍ
لمسلمٍ ((ما لم يؤذِ فيه ما لم يحدِثْ فيهِ)).
وهذا يدلُّ على أنَّ المرادَ بالحدثِ حدثُ اللسانِ ونحوِه من الأذَى، وفسرهُ
أبو هريرةَ بحدثِ الفرجِ، وقيلَ : إنه يشملُ الحدثينِ.
وفي ((المسند))(٣) عن عقبةَ بن عامرٍ عن النبيِّبَّ قال: ((القاعدُ يراعي الصلاةَ
كالقانت ويكتُب من المصلينَ من حين يخرجُ من بيتِهِ حتَّى يرجعَ إليه)) وفي رواية له:
((فإذا صلَّى في المسجد ثمّ قعدَ فيه كانَ كالصائمِ القانتِ حتَّى يرجع)».
وفي هذا المعنى أحاديثُ كثيرةٌ، وبالجملةِ فالجلوسُ في المساجدِ للطاعاتِ له
فضلٌ عظيمٌ.
(١) أخرجه: البخاري (١٥٠/١ - ١٦٨ - ٢١٤)، (٢٠١/٧)، ومسلم (١٥٢/٦).
(٢) أخرجه: البخاري (١٦٨/١)، ومسلم (١٢٩/٢).
(٣) (١٥٩/٤).

٠٠
١٧١
سورة ص
وفي حديث أبي هريرةَ ◌ِّثه عن النبيِّ نَّهِ قالَ: ((لا يوطّن رجلٌ المساجدَ
الصلاة والذكر إلا تبشبش اللَّهُ عز وجل به كما يتبشبشُ أهلُ الغائبِ إذا قدمَ عليهم
غائبُهُم)) (١). ورَوى دراجٌ عن أبي الهيثم عن أبي سعيدٍ عن النبيَّ وَّ قال: ((من
ألفَ المسجدَ ألفَهُ اللَّه))(٢).
وقال سعيدُ بنُ المسيبِ: من جلسَ في المسجدِ فإنَّما يجالسُ اللَّه عز
وجلَّ.
وصحَّ عن النبيّ وَلَ أَنَّهِ عدَّ من السبعةِ الذينَ يظُّهُمُ اللَّه في ظلَّه يومَ لا
ظلَّ إلا ظلُّه رجلٌ قلبُهُ معلَّقٌ بالمسجدِ إذا خرجَ منه حتى يعودَ إليه(٣).
وإنَّما كانتْ ملازمةُ المسجد للطاعات مكفرةً للذنوب؛ لأنَّ فيها مجاهدةً
النفسِ وكفا لها عن أهوائِها؛ فإنَّها لا تميلُ إلا إلى الانتشار في الأرضِ لابتغاء
الكسب؛ أو لمجالسةِ الناس، أو لمحادثتهم ، أو للتنزه في الدورِ الأنيقةِ
والمساكنِ الحسنةِ ومواطنِ النزهِ، ونحو ذلكَ. فمن حبسَ نفسَهُ في المساجدِ
على الطاعةِ فهوَ مرابطٌ لها في سبيلِ اللَّه مخالفٌ لهواهَا، وذلكَ من أفضلِ
أنواعِ الصبرِ والجهادِ.
وهذا الجنسُ - أعني ما يؤلمُ النفسَ ويخالفُ هواها - فيه كفارةٌ للذنوب
وإنْ كانَ لا صنعَ فيه للعبدِ كالمرضِ ونحوِهِ فكيفَ بما كانَ حاصِلاً عن فعلٍ
العبدِ واختيارِهِ إذا قصدَ به التقربَ إلي اللَّه عزَّ وجل، فإنَّ هذا من نوعِ الجهادِ
في سبيلِ اللَّه الذي يقتضي تكفيرَ الذنوبِ كلِّها ولهذا المعنى كانَ المشيُ إلى
(١) أخرجه: أحمد (٣٠٧/٢ - ٣٤٠ - ٤٥٣).
(٢) أخرجه: الطبراني في ((الأوسط)) (٦٣٨٣).
(٣) أخرجه: البخاري (١٣٨/٢ - ١٦٨)، ومسلم (٩٣/٣) من حديث أبي هريرة طه
:

١٧٢
سورة ص
المساجد كفارةً للذنوبِ أيضًا هو نوعٌ منَ الجهادِ في سبيلِ اللَّه أيضًا ، كما
٠
خرجهُ الطبرانيّ(١) من حديث أبي أمامةَ عن النبيِّ وَّ ((الغدوُّ والرواحُ إلي
المساجد من الجهاد في سبيلِ اللهِ عزَّ وجلَّ )».
كان زيادٌ مولَى ابن عباس أحد العبادِ الصالحينَ ، وكانَ يلازمُ مسجدَ المدينةِ
فسمعوهُ يومًا يعاتب نفسَهُ ويقولُ لها : أين تريدينَ أنْ تذهبي، إلي أحسنَ من
هذا المسجد؟ تريدين أن تبصرِي دارَ فلانٍ ودار فلانٍ.
لَّا كانت المساجد في الأرضِ بيوتَ اللَّه أضافَها اللَّهُ إلى نفسِهِ تشريفًا لها
وتعلقتْ قلوبُ المحبينَ للَّهِ عز وجلَّ بها لنسبتها إلي محبوبِهِم، وارتاحتْ إلى
ملازمِتها لإظهارِ ذكرهِ فيها، قالَ تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا
رِجَالٌ لاَ تُلْهِهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ
٣
اسْمَهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ ﴿
وَإِقَامِ الصَلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمَّا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارَ﴾ [النور: ٣٦، ٣٧].
و
أين يذهبُ المحبونَ عن بيوتٍ مولاهُم؟ قلوبُ المحبينَ ببيوتِ محبوبهِم
متعلقةٌ، وأقدامُ العابدينَ إلي بيوتِ معبودِهم مترددةٌ.
يا حبَّذَا العرعرُ النَّجديُّ والبانُ ودارُ قومٍ بأكناف الحِمى بانُوا
وأطيبُ الأرضِ ما للقلبِ فيه هوى سَمُّ الخياطِ مع الأحبابِ ميدانُ
لا يُذْكرُ الرَّمَلُ إلا حنَّ مغتربٌ له بذي الرمل أوطارٌ وأوطانُ
يهفُو إلى البانِ من قلبي نوازعهُ وما بي البانُ بل مَنْ دَارُه البانُ
(١) ((المعجم الكبير)) (٢٠٨/٨).
·

١٧٣
سورة ص
الفصل الثاني: في ذكر الدرجات المذكورة في حديث معاذ:
وهي ثلاثٌ:
أحدها : إطعامُ الطعامِ وقد جعلَهَ اللَّه في كتابهِ من الأسبابِ الموجبة للجنةِ
ونعيمها ، قالَ اللَّهُ عز وجل: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا
( إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ﴿٤﴾ إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِنَا
٨
يَوْمًّا عُبُوسًا قَمْطَرِيرًا {٠، فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا
• مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا
وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١)
زَمْهَرِيرًاَ ﴿٨﴿ وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً (١٤) وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآَنِيَّةٍ مِّن
قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًاً {H﴾ وَيُسْقَوْنَ فِيهَا
١٥
فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ ﴿
كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلاً ﴿١٧﴿ عَيْنَا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً﴾ إلى قوله: ﴿وَسَقَاهُمْ
رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ١٨-٢١] فوصفَ فاكهتَهُم وشرابَهُم جزاءً لإطعامِهِمُ
الطعامَ.
وفي الترمذيِّ من حديث أبي سعيد الخدريِّ عن النبيِّبَِّ قال: ((أيَمَّاً مؤمن
أطعمَ مؤمنًا على جوع، أطعمَهُ اللَّهُ منْ ثمارِ الجنة، ومنْ سقَى مؤمنًا على ظما سقاهُ اللَّهُ
ء
من الرحيقِ المختومِ)) وفي ((المسندِ)) و((الترمذي)(١) عن عليٍّ عن النبيِّ ◌َِلِ قال:
((إنَّ في الجنة غرفاً يُرى ظاهرها من باطنها وباطنُها من ظاهرِهَا ، قالوا: لمن هي يا
رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: لمن أطعمَ الطعامَ، وأطابَ الكلامَ، وصلَّي بالليلِ والناسُ نيامُ)).
وفي حديثِ عبدِ اللَّه بنِ سلامِ الذي خرجهُ أهلُ السنن(٢) أنه سمعَ النبيّ
وَلَّ أولَ قدومه المدينةَ يقولُ: «أيها الناسُ، أفشوا السلام، وأطعمُوا الطعامَ، وصلوا
(١) أحمد (١٥٥/١)، والترمذي (١٩٨٤ - ٢٥٢٧).
(٢) أخرجه: الترمذي (٢٤٨٥)، وابن ماجه (١٣٣٤، ٣٢٥١).

١٧٤
سورة ص
الأرحامَ، وصلُّوا بالليل والناسُ نيامٌ، تدخلُوا الجنةَ بسلامٍ)).
وفي حديث عبادةَ عن النبيِّ بَلّ: ((أنه سُئِلَ أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: ((إيمانٌ
باللّه وجهادٌ في سبيله وحجٌّ مبرورٌ، وأهونُ من ذلكَ إطعامُ الطعامِ ولينُ الكلامِ )) خرجهُ
الإمامُ أحمدُ (١).
وفي حديثٍ هانئ بن يزيد أنَ رجلاً قال: يارسولَ اللَّه، دلَّني على عملٍ
يدخلني الجنةَ ويباعدُنْي من النارِ، قال: ((تطعم الطعامَ وتفشِي السلامَ»(٢).
وفي حديثِ حُذيفةَ عن النبيَّ ◌َّهِ قال: ((من خُتم لهُ بإطعامٍ مسكينِ دخلَ
الجنة))(٣).
وفي ((الصحيحين))(٤) من حديث عبد اللهِ بن عمروٍ أنَّ رجلاً قالَ : يا
رسولَ اللَّه، أيُّ الإسلامِ خيرٌ؟ قالَ: «تطعمُ الطعامَ وتقرىُ السلامَ على من عرفتَ
ومن لم تعرف)).
وفي حديثِ صهيبٍ عن النبيّ وَلَّ قالَ: ((خيرُكُم من أطعمَ الطعامَ)) خرجهُ
الإمامُ أحمدُ(٥).
فإطعامُ الطعامِ يوجبُ دخولَ الجنةِ، ويباعدُ من النارِ، وينجي منها كَما قالَ
تعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقْبَةَ : ١١° وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ : ١٢﴾ فَكُّ رَقَبَةٍ ﴿لَ أَوْ إِطْعَامٌ
ـے
٥
في يومٍ ذِي مَسْغَبَةٍ { يَتِيمَا ذَا مَقْرَبَةٍ { أَوْ مِسْكِينَا ذَا مَتْرِبَةٍ﴾ [البلد: ١١ -١٦]
١
(١) (٣١٨/٥).
(٢) أخرجه: أبو داود (٤٩٥٥)، والنسائي (٢٢٦/٨).
(٣) راجع: ((السلسلة الصحيحة)) (١٦٥٤).
(٤) أخرجه: البخاري (١٠/١ - ١٤)، (٦٥/٨)، ومسلم (٤٧/١).
(٥) ((المسند)) (١٦/٦).

١٧٥
سورة ص
وفي الحديث الصحيح عن النبيِّ وَّ: ((اتقوا النار ولو بشقِّ تمرة))(١) وكان أبو
موسى الأشعريُّ ◌ِّه يقولُ لولده : اذكرُوا صاحبَ الرغيفِ، ثم ذكرَ أنَّ
رجلاً من بني إسرائيلَ عبدَ اللَّهَ سبعينَ سنةً ثمَّ إنَّ الشيطانَ حسَّنَ في عينيهِ
امرأةً فأقامَ معها سبعةَ أيامٍ ثمَّ خرجَ هارباً فأقامَ مع مساكينَ فتُصُدِّقَ عليه
برغيفٍ، كان بعضُ أولئكَ المساكين يريدهُ فآثره بهِ ثم ماتَ، فوزِنَ عبادتُهُ
بالسبعةِ الأيام التي مع المرأةِ فرجحتِ الأيامُ السبعةُ بعبادَتِهِ، ثم وزِنَ الرغيفُ
بالسبعةِ الأيامِ فرجحَ بها.
ويتأكدُ إطعامُ الطعامِ للجائعِ وللجيرانِ خصوصًا، وفي ((الصحيح))(٢) عن
أبي موسى الأشعريِّ عن النبيِّ ◌َّ قالَ: «أطعموا الجائعَ وعودُوا المريضَ وفكُّوا
العاني)».
وفي (صحيحِ مسلمٍ))(٣) عن أبي ذرِّ عن النبيِّ وَ ◌ّه قال لهُ: ((إذا طبختَ مرقةً
فأكثرْ ماءها وتعاهدْ جیرانَكَ)).
وفي المسندِ، وصحيحٍ ابن حِبانَ عن عمرَ عن النبيَّوَلَه قال: ((أيُّما عرصة
أصبحَ فيهم امرؤٌ جائعًا، فقد برئتْ منهم ذمةُ اللَّه عزَّ وجلَ)). وقال ◌َله: (( لا يشبعُ
المؤمنُ دونَ جارِهِ)، وفي ((صحيحِ الحاكمٍ) (٤) عن ابن عباس عن النبيِّ بَّ قال:
((ليسَ بالمؤمنِ الذي يشبعُ وجارُهُ جائعٌ )) وفي رواية: ((ما آمن من بات شبعانا وجاره
طاويًا )). فأفضلُ أنواعِ إطعامِ الطعامِ الإيثارُ مع الحاجةِ كما وصفَ اللَّهُ تعالى
(١) أخرجه: البخاري (١٣٦/٢)، (١٢٩/٨)، (١٦٢/٩ - ١٨١)، ومسلم (٨٦/٣) من حديث
عدي بن حاتم الطائي ضِاته.
(٢) ((صحيح البخاري)) (٨٣/٤)، (٣١/٧ - ٨٧ - ١٥٠)، (٨٨/٩).
(٣) (٣٧/٨).
(٤) ((المستدرك)) (١٦٧/٤).

١٧٦
سورة ص
بذلكَ الأنصارَ ظِمْشُ فقال: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:
٩] وقدْ صحَّ أنَّ سبب نزولها أنَّ رجلاً منهم أخذ ضيفاً من عند النبيِّ وَلِيل
يضيفُه فلم يجدْ عندَهُ إلا قوتَ صبيانِهِ، فاحتالَ هوَ وامرأتُهُ حتَّى نوَّمَا
صبيانَهُمَا وقامَ إلى السراج كأنه يصلحُهُ فأطفأهُ، ثمَّ جلسَ مع الضيفِ يريهِ أنه
يأكلُ معهُ ولم يأكلْ فلمَّا غداً على رسول اللَّه ◌َ لَهِ قال لهُ: «عجبَ اللَّهُ من
صنيعكُما الليلةَ)) ونزلتْ هذه الآيةُ.
وكان كثيرٌ من السلفِ يؤثرُ بفطورِهِ غيرَه وهو صائمٌ ويصبحُ صائمًا، منهم
عبدُ الله بنُ عمرَ رِوَوْ﴾، وداودُ الطائيُّ، وعبدُ العزيز بنُ سليمانَ، ومالك بنُ
دينارٍ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، وغيرُهم، وكان ابنُ عمرَ لايفطرُ إلا مع اليتامَى
والمساكينِ وربما عَلَمَ أن أهلَهُ قد ردُّوهم عنه فلم يفطرْ تلكَ الليلةَ.
ومنهم من كانَ لا يأكلُ إلاَّ مع ضيفٍ له، قال أبو السوارِ العدويَّ: كانَ
رجالٌ من بني عدي يصلُّون في المسجدِ ما أفطرَ أحدٌ منهُم على طعامٍ قطّ
وحدَهُ، إن وجدَ من يأكلُ معه أكلَ، وإلا أخرجَ طعامَهُ إلى المسجدِ فأكلهُ مع
الناسِ وأكلَ الناسُ معهُ.
وكانَ منهُم من يطعمُ إخوانهُ الطعامَ وهو صائمٌ ويجلسُ يخدمهُم،
ويروحهُم، منهمُ الحسنُ، وابنُ المباركِ، وكان ابنُ المباركِ ربما يشتهي الشيءَ
فلا يصنعُهُ إلا لضيفٍ ينزلُ به فيأكلُهُ مع ضيفِهِ، وكانَ كثيرٌ منهُم يفضلُ إطعامَ
الإخوانِ على الصدقةِ على المساكينِ، وقد رُويَ هذا المعنى مرفوعًا من حديث
أنسٍ بإسنادٍ ضعيفٍ، ولاسيَّما إن كان الإخوانُ لا يجدونَ مثل ذلكَ الطعامِ.
كانَ بعضُهم يعملُ الأطعمةَ الفاخرةَ ثم يطعمُها إخوانَهُ الفقراءَ ويقولُ: إنهم

١٧٧
سورة ص
لا يجدونَها، وبعضُهم يُصنَعُ له طعامٌ ولا يأكلُ ويقولُ: إني لا أشتهيهِ وإنما
صنعتُهُ لأجلكمُ، وبعضُهم اتخذَ حلاوةً فأطعمَها المعتوهَ، فقالَ له أهلُهُ: إن هذا
لا يدري ما يأكلُ، فقال: لكنَّ اللَّهَ يدرِي.
واشتَهى الربيعُ بنُ خثيمٍ حلواءَ، فلما صنعتْ لهُ دعَا بالفقراء فأكلُوا، فقالَ
له أهلُهُ : أتعبتَنَا ولم تأكل، فقالَ: ومن أكلَهُ غيرِي، وقالَ آخرُ منهُم وجَرَى له
نحوٌ من ذلكَ: إذا أكلتُّهُ كانَ في الحشِّ وإذا أطعمتُهُ كانَ عندَ اللَّهِ مدخوراً .
ورُوي عن عليٍّ قالَ: لأنْ أجمعَ أناسًا من إخواني على صاع من طعامٍ
أحب إليَّ من أن أدخلَ سوقَكُم هذه فأبتاعُ نسمةً فأعتقُها .
وعن أبي جعفرٍ محمد بن عليٍّ قالَ: لأن أدْعُو عشرةً من أصحابي
فأطعمهُمُ طعامًا يشتهونَهُ، أحبَّ إليَّ منْ أن أعتقَ عشرةً من ولد إسماعيل.
أصفُ الإيثارَ لمن يبخلُ بأداء الحقوقِ الواجبةِ عليهِ، أأطلبُ الشجاعةَ من
الجبانِ، وأستشهِدُ على رؤيةِ الهلالِ من هوَ من جملةِ العميانِ، كم بينَ من
قيلَ فيه: ﴿فلما آتاهم من فضله بخلوا به﴾ [التوبة: ٩٦] وبين من قيلَ فيهِ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ
عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] بيننا وبين القومِ كما بينَ اليقظةِ
والنوم .
لا تعرضنَّ لذكرِنَا في ذكرِهِم ليسَ الصحيحُ إذا مشىَ كالمقعدِ
فيا من يطمعُ في علوِّ الدرجاتِ من غيرِ عملٍ صالحٍ هيهاتَ هيهاتَ ﴿أَمْ
حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١]
نزلواُ بمكةَ في قبائل نوفلِ ونزلت بالبيداءِ أبعدَ منزلٍ
الفصل الثالث من الدرجات: لينُ الكلامِ وفي رواية: ((إفشاءُ السلام)) وهو

١٧٨
سورة ص
﴾ [ البقرة : ٨٣]
داخلٌ في لينِ الكلامِ ، وقد قالَ اللَّهُ عز وجل: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنَا ﴾
وقال تعالى: ﴿ وَقُل لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] وقال تعالى:
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴿٤﴾ وَمَا
يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّهَا إِلَّ ذُو حَظٍ عَظِيمٍ﴾ [ فصلت: ٣٤، ٣٥]، وقال تعالى:
﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ
إِلَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، ولما قالَ النبيّ ◌َِّ:(الحجَّ
المبرورُ ليسَ له جزاءً إلا الجنةَ، قالوا له: وما الحجُّ المبرورُ يارسول الله؟ قال: إطعامُ
الطعامِ ولينُ الكلام)) خرجهُ الإمامُ أحمدُ (١)، وقد تقدَّم في ذكر إطعامِ الطعامِ
أحاديثُ أخرُ في طيبِ الكلامِ.
وفي الحديث الصحيح عن النبيَّوَِّ(( والكلمةُ الطيبةُ صدقةٌ)) وفيه أيضًا «اتقوا
النارَ ولو بشقَّ تمرةٍ فمن لم يجدْ فبكلمة طيبة)) .
وأما كونُ إفشاء السلامِ من موجباتِ الجنةِ ففي ((صحيح مسلمٍ))(٢) عن أبي
هريرة عن النبيِّ نَلّ قالَ: ((والذي نفسي بيده لا تدخلُوا الجنةَ حتى تؤمنُوا ولا تؤمنُوا
حتى تحاَبَّوا ألا أدلُّكُم على شيءٍ إذا فعلتُمُوه تحاببتُم أفشوا السلامَ فيما بينَكُم)» وخرجَ
أبو داود(٣) من حديث أبي أُمامةَ عن النبيَّبَِّ قالَ: ((إنَّ أَوْلَى الناسِ باللَّهِ تعالي
مِنْ بدأهُم بالسلامِ، ويُرُوَي من حديث ابن مسعودٍ مرفوعًا وموقوفًا ((إذا مرَّ الرجلُ
بالقومِ فسلَّم عليهِم فردُّوا عليهِ كانَ لهُ عليهم فضلُ درجة، لأنَّه ذكَّرَهُم بالسلامِ، وإن لم
يردُّوا عليهِ ردَّ عليهِ ملاًّ خيرٌ منهُم وأطيبُ).
(١) ((المسند)) (٣٢٥/٣) من حديث جابر بن عبد اللّه ◌ِثُه.
(٢) (٥٣/١).
(٣) ((السنن)) (٥١٩٧).

١٧٩
سورة ص
وقد رُويَ من حديث عمرانَ بن حصينِ وغيرِهِ ((أنَّ رجلاً دخلَ على النبيِّ
وَ له فقالَ: السلامُ عليكم، فقالَ النبيِّوَّهِ: (عشر))، ثم جاءَ آخرُ فقالَ: السلامُ
عليكُم ورحمةُ اللَّهِ، فقالَ رسول اللَّهِ نَّهِ ((عشرونَ)، ثم جاءَ آخرُ فقالَ: السلامُ
عليكُم ورحمةُ اللَّهِ وبركاتهُ، فقالَ رسول اللَّهِ وَّ (ثلاثون) خرجهُ الترمذيّ(١)
وغيرُهُ، وخرجهُ أبو داود(٢) وزادَ ((ثُمَ جاءَ آخرُ فقالَ: السلامُ عليكُم ورحمةُ
اللَّهِ وبركاتهُ ومغفرتهُ، فقالَ النبيّ ◌َّ (( أربعون))، ثم قالَ:((هكذا تكون الفضائل)).
وقد سبقَ حديثُ ((أنْ تقرأ السلامَ على من عرفتَ ومن لم تعرفْ)) وفي حديثٍ
ابن مسعود مرفوعًا ((من أشراطِ الساعةِ السلامُ بالمعرفة)) خرجهُ الإمامُ أحمدُ (٣).
وإنما جمعَ بينَ إطعامِ الطعامِ ولين الكلامِ ليكملَ بذلكَ الإحسانُ إلى الخلقِ
بالقولِ والفعلِ فلا يتمَّ الإحسانُ بإطعامِ الطعامِ إلا بلينِ الكلامِ وإفشاءِ
السلامِ، فإنْ أساءَ بالقولِ بطلَ الإحسانُ بالفعلِ من الإطعامِ وغيرِه كما قالَ اللَّهُ
تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤].
وربما كانَ معاملةُ الناسِ بالقولِ الحسنِ أحبَّ إليهم من إطعامِ الطعامِ
والإحسانِ بإعطاءِ المال، كما قالَ لقمانُ لابنه: يا بنيَّ لأن تكنْ كلمتُكَ طيبةً
ووجهُكَ منبسطًا تكنْ أحبَّ إلى الناسِ ممن يعطِيهِم الذهب والفضةَ، وقد كانَ
النبيُّ ◌َّه يلينُ القولَ حتى لمن يشهدُ له بالشرِّ فينتفي بذلكَ شرُّهُ، وَكَانَ إِلَّه
لا يواجهُ أحداً بما يكرهُ في وجهِهِ ولم يكنْ وَّ فحاشًا ولا متفحشًا، ورُويَ عن
ابن عمرَ أنَّه كانَ ينشدُ:
(١) (الجامع)) (٢٦٨٩).
(٢) («السنن)) (٥١٩٥).
(٣) أخرجه: أحمد (٣٨٧/١ - ٤٠٥).

١٨٠
سورة ص
وجهٌ طليقٌ وكلامٌ لينُ
بنيَّ إنَّ البرَّ شِئٌ هينُ
ولبعضهم :
خذ العفوَ وأمرْ بعرفٍ كَما أُمرْتَ وأعرضْ عن الجاهلينَ
ولِنْ في الكلامِ لكلَّ الأنامِ فمستحسنٌ من ذوي الجاهِ لينِ
وقد وصفَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ في كتابِهِ أهلَ الجنةِ بمعاملةِ الخلقِ بالإحسان بالمال
واحتمالِ الأَذَي فقالَ تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ
وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْطَ
١٣٣
وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤,١٣٣] فالإنفاقُ في السراءِ
والضراءِ يقتضي غاية الإحسان بالمالِ من الكثرةِ والقلَّة، وكظم الغيظ والعفوِ
عن الناسِ يقتضِي عدمَ المقابلةِ على السيئةِ من قولٍ وفعلٍ وذلك يتضمنُ إلانةَ
القولِ واجتنابَ الفحشِ والإغلاظَ في المقالِ، ولو كانَ مباحًا، وهذا نهايةٌ
الإحسانِ فلهذا قالَ تعالَى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤].
ومن هذا قولُ بعضهم وقد سُئِلَ عن حُسنِ الخلقِ فقالَ: بذلُ النَّدى وكفُّ
الأذَى.
وهذا الوصفُ المذكورُ في القرآن أكملُ من هذا، لأنَّه وصفهُم ببذلِ الندى
واحتمالِ الأَذى، وحُسنِ الخلقِ يبلغُ به العبدُ درجاتِ المجتهدينَ في العبادةِ،
كما قالَ النبِيُّ ◌َّهِ:((إنَّ الرجلَ ليدرِكُ بحسنِ خلقِهِ درجةَ الصائمِ النهارَ القائمِ
الليلَ)(١)، ورؤيَ بعضُ السلفِ في المنامِ فسئلَ عن بعضِ إخوانِهِ الصالحِينَ
فقالَ: وأينَ ذلكَ رُفْعَ في الجنةِ بحسنِ خلقِهِ .
(١) أخرجه: أحمد (١٣٣/٣ - ١٨٧).