النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١
سورة فاطر
وسئلَ سعدُ بنُ إبراهيم: من أفقهُ أهلِ المدينةِ؟ قال: ((أتقاهم لربِّه)).
وسئل الإمامُ أحمدُ عن معروفٍ، وقيلَ له: هلْ كان معه علمٌ؟ فقال: ((كان
معه أصلُ العلمِ، خشيةُ اللَّهِ عزَّ وجلّ)).
ويشهد لهذا قولُه تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ
وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، وكذلك
قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾
[ النساء: ١٧ ].
وقولُهُ: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٤]، وقولُهُ: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَلَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ
ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٩].
قال أبو العاليةَ: «سألتُ أصحابَ محمد عن هذه الآية: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى
اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧]، فقالُوا: كلُّ منْ
عَصَى اللَّهَ فهو جاهلٌ، وكلُّ من تاب قبل الموتِ فقدْ تابَ من قريبٍ)).
وعن قتادةَ قالَ: («أجمع أصحابُ رسولِ اللَّهِ بِ له على أنَّ كلَّ من عصى
ربَّه فهو جاهلٌ جهالةً، عمدًا كان أو لم يكنْ، وكلُّ من عَصَى ربَّه فهو
جاهلٌ».
وقال مجاهدٌ: ((منْ عمِلَ ذنبًا من شيخٍ أو شابٍ فهو بجهالة))، وقالَ
أيضًا: ((من عصى ربَّه فهو جاهلٌ حتى ينزعَ عن معصيتِهِ))، وقال أيضًا: ((من
عملَ سوءًا خطأ أو إثمًا فهو جاهلٌ حتى ينزعَ منه))، وقال أيضًا هو وعطاء:
((الجهالةُ: العمدُ))، رواهنَّ ابنُ أبي حاتمٍ وغيرُهُ، وقال: ورُوي عن قتادةَ،
١٢٢
١
سورة فاطر
وعمرِو بنِ مرةً، والثوريِّ نحو ذلك.
ورُوي عن مجاهد، والضحاك، قالا: ((ليسَ من جهالته أن لا يعلَمَ حلالاً
٠٠
ولا حرامًا، ولكن مِنْ جهالتِهِ حينَ دخلَ فيه)).
وقال عكرمةُ: ((الدنيا كلُّها جهالةٌ).
وعن الحسن البصريِّ أَنَّ سُئلَ عنها فقال: ((هم قومٌ لم يعلمُوا ما لهم مما
عليهم، قيل له: أرأيتَ لو كانوا علموا؟ قال: فليخرجُوا منها فإنها جهالةٌ)) .
ومما يبيِّنُ أنَّ العلمَ يوجبُ الخشيةَ وأنَّ فقدَهُ يستلزمُ فقْدَ الخشيةَ وجوه:
إحداها: أن العلم باللَّه تعالى وما لَهُ من الأسماء والصفات كالكبرياء
والعظمةِ والجبروتِ، والعزةِ وغيرِ ذلك يوجبُ خشيتَهُ، وعدمُ ذلك يستلزمُ
فقْدَ هذه الخشية، وبهذا فسَّرَ الآيةَ ابنُ عباسٍ، فقال: ((يريدُ إنما يخافني مَنْ
عِلِمَ جبروتِي، وعِزَّتَي، وجلالِي، وسلْطَاني))، ويشهدُ لهذا قولُ النبيِّ وَه:
((إني لأعلمكم باللَّهِ وأشدُّكم له خشيةً)) (١) وكذلك قولُهُ بَّهِ: ((لو تعلمونَ ما أعلمُ
الضحكتُم قليلاً ولبكيتُم كثيرًا))(٢) وفي ((المسند)) وكتابِ الترمذيِّ وابن ماجه(٣)
من حديث أبي ذرٍ عن النبيِّ وَّ قالَ: ((إني أَرَى ما لا ترونَ وأسمعُ ما لا
تسمعونَ، إِنَّ السماءَ أطَّتْ وحُقَّ لها أن تتطَّ، ليسَ فيها موضعُ أربعٍ أصابعَ إلا وملكٌ
واضعٌ جبهتَهَ ساجدٌ للَّه - عزَّ وجلَّ - واللَّه لو تعلمون ما أعلمُ لضحكتُم قليلاً ولبكيتُم
كثيرًا، وما تلذذتُم بالنساءِ على الفُرشِ، ولخرجتُم إلى الصعدات تجأرونَ إلى الله عزَّ
(١) أخرجه: البخاري (٢/٧)، ومسلم (١٢٩/٤) من حديث أنس بن مالك ضِه.
(٢) أخرجه: البخاري (٤٢/٢ - ٤٣ - ٤٩ - ٨٢)، (٦٨/٦ - ٦٩)، (٤٥/٧)، (١٦٠/٨)، ومسلم
(٢٧/٣) من حديث عائشة ضرتها.
(٣) أخرجه: أحمد (١٧٣/٥)، والترمذي (٢٣١٢)، وابن ماجه (٤١٩٠).
١٢٣
سورة فاطر
وجلَّ)، وقال الترمذيُّ: حسنٌ غريبٌ.
قال: ويُروى عن أبي ذرِ موقوفًا وذكر أبو نعيمٍ وغيرُهُ بالإسنادِ عن ابنِ
عباسٍ، أنه قالَ للنفرِ الذين كانوا يختصمون ويتمارون: ((أو ما علمتُم أنَّ للَّه
عبادًا أصمتَتْهم خشيةُ اللَّهِ من غير بكمٍ ولا عَيٍّ، وإنهم لَهُمُ العلماءُ
والفصحاءُ والطلقاءُ والنبلاءُ، العلماءُ بأيامِ اللَّه غيرَ أنهم إذا تذكَّروا عظمةَ اللَّه
طاشتْ لذلكَ عقولُهم، وانكسرتْ قلوبُهم، وانقطعتْ ألسنتُهم، حتَّى إذا
استفاقُوا من ذلك، تسارعُوا إلى اللَّه عزَّ وجلَّ بالأعمالِ الزكيَّةِ، يعدونَ
أنفسهم مع المفرطين، وإنهم لأكياسٌ أقوياءُ مع الظالمينَ والخاطئين، وإنهم
الأبرارٌ بُرءاءُ، إلا أنهم لا يستكثرونَ إلا الكثيرَ، ولا يرضونَ له بالقليلِ، ولا
يدلون عليه بالأعمال هم حيثُ ما لقيتموهُم مهتمُّونَ مشفقونَ وجِلُونَ
خائفون)» .
وروى ابنُ أبي الدنيا أثرًا عن زنادٍ بن أبي حبيبٍ أنه بلغه: ((أن من حملة
العرشِ من سالَ من عينه أمثالُ الأنهارِ من البكاءِ فإذا رفعَ رأسَهُ قالَ:
سبحانَك ما تُخشى حقَّ خشيتِكَ، قال تعالى ذكرُه: لكن الذين يحلفونَ
باسمي كاذبين لا يعلمونَ ذلك)) .
٨
وعن يزيد الرقاشيِّ قالَ: ((إن للَّه تبارك وتعالى ملائكةً حول العرشِ،
تجري أعينهم مثلَ الأنهارِ إلى يومِ القيامةِ، يميدونَ كأنَّهم ينفضهم الريحُ من
خشيةِ اللَّهِ، فيقول الربُّ عزَّ وجلَّ: يا ملائكتي، ما الذي يُخيفكُم وأنتم
عندي؟ فيقولون: يا ربِّ، لو أنَّ أهلَ الأرضِ اطّلعوا من عِزَّتَك وعظمتكَ
على ما اطَّلعنا عليها، ما أساغوا طعامًا ولا شرابًا، ولا انبسطُوا في فُرُشِهِم،
ولخرجُوا إلى الصَّحاري يخورونَ كما تخورُ البقرُ)). ومثل هذا كثيرٌ جدًّا،
١٢٤
سورة فاطر
والمقصود أنَّ العلمَ باللَّهِ وأسمائه وصفاتِهِ وأفعالِهِ منْ قدرِهِ، وخلقهِ، والتفكيرَ
في عجائبِ آياتِهِ المسموعةِ المتلوةِ، وآياتِهِ المشاهدةِ المرئيةِ من عجائبِ
مصنوعاتِهِ، وحِكمٍ مبتدعاتِهِ ونحو ذلك مما يوجبُ خشيتَهُ وإجلالَهُ، ويمنعُ من
ارتكابٍ نهيهِ، والتفريطِ في أوامرِهِ؛ هو أصلُ العلمِ النافعِ، ولهذا قال طائفةٌ
من السلفِ لعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ وسفيان بن عيينةَ: ((أعجبُ الأشياء قلبٌ
عَرَفَ ربَّه ثمَّ عصاهُ) .
وقال بشرُ بنُ الحارثِ: (لو يفكرُ الناسُ في عظمةِ اللَّهِ لما عصوا اللَّه)) وفي
هذا المعنى يقولُ الشاعرُ:
فواعجبًا كيف يُعصى الإلـ ـهُ وكيفَ يجحدُهُ الجاحدُ
وللَّهِ في كلِّ تحريكةٍ وتسكينة أبدًا شاهدُ
وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ تدلُّ على أنَّه واحدُ
الوجه الثاني: أنَّ العلمَ بتفاصيلِ أمرِ اللَّهِ ونهيه، والتصديقَ الجازمَ بذلك،
ومما يترتبُ عليه من الوعدِ والوعيدِ والثواب والعقابِ، مع تيقنِ مراقبةِ اللَّهِ
واطّلاعه، ومشاهدَتِهِ، ومقتِهِ لعاصِيهِ وحضورِ الكرامِ الكاتبينَ، كلٌّ هذا
يوجبُ الخشيةَ، وفعلَ المأمورِ وتركَ المحظورِ، وإنَّما يمنعُ الخشيةَ ويوجبُ
الوقوعَ في المحظوراتِ الغفلةُ عن استحضارِ هذه الأمورِ، والغفلةُ من أضداد
العلمِ، والغفلةُ والشهوةُ أصلُ الشرِّ، قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن
ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرْطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، والشهوةُ وحدُها، لا يستقلُّ
بفعلِ السيئاتِ إلا مع الجهلِ، فإنَّ صاحبَ الهوى لو استحضرَ هذه الأمورَ
المذكورةَ وكانتْ موجودةً في ذكرِهِ، لأوجبتْ له الخشيةَ القامعةَ لهواهُ، ولكنَّ
غفلتَه عنها مما يوجبُ نقصَ إيمانه الذي أصلُه التصديقُ الجازمُ المترتبُ على
١٢٥
سورة فاطر
التصورِ التامِ، ولهذا كان ذكرُ اللّه وتوحيدُه والثناءُ عليه يزيدُ الإيمانَ، والغفلةُ
والإعراضُ عن ذلك يضعفُهُ وينقصُهُ، كما كان يقولُ منْ يقولُ من الصحابةِ:
((اجلسُوا بنا نؤمنُ ساعة)).
وفي الأثرِ المشهورِ عن حماد بن سلمةَ عن أبي جعفرِ الخطميِّ عن جدِّه
عميرِ بن حبيبٍ وكان من الصحابة، قال: ((الإيمانُ يزيدُ وينقصُ قيلَ: وما
زيادتُهُ ونقصانُهُ؟ قال: إذا ذكرَنَا اللَّهَ ووحَّدْناه وسبَّحْنَاهُ، فتلك زيادتُهُ، وإذا
غفلنا ونسينا، فذلك نقصانُهُ)).
وفي مسندي الإمام أحمدَ والبزارِ (١) من حديث أبي هريرةَ أنَّ النبيَّ
وسام
صَلى الله
قالَ: ((جدِّدُوا إيمانَكُم)) قالُوا: وكيفَ نجددُ إيمانَنا يا رسولَ اللَّه؟ قال: ((قولُوا: لا
إله إلا اللَّه)) .
ولهذا كان الصحيحُ المشهورُ عن الإمامِ أحمدَ الذي عليه أكثرُ أصحابه
وأكثرُ علماء السنة من جميعِ الطوائف؛ أنَّ ما في القلبِ من التصديقِ والمعرفةِ
يقبلُ الزيادةَ والنقصانَ، فالمؤمنُ يحتاجُ دائمًا كلَّ وقتِ إلى تجديدِ إيمانِهِ وتقويةٍ
يقينِهِ، وطلبِ الزيادةِ في معارفِهِ، والحذرِ من أسبابِ الشكِّ والريبِ والشبهة،
ومنْ هُنَا يُعلمُ معنى قولِ النبيِّ وَِّ: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمنٌ، ولا
يسرق السارقُ حين يسرقُ وهو مؤمنٌ ولا يشربُ الخمرَ حين يشربُها وهو مؤمن))(٢)
فإنه لو كان مستحضِراً في تلك الحال لاطّلاعِ اللَّهِ عليه ومقتِهِ له مع ما توعّدَهُ
اللَّهُ به من العقابِ المجملِ والمفصلِ استحضارًا تامًّا لامتنعَ منه بعدَ ذلكَ وقوعُ
هذا المحظورِ وإنما وقعَ فيما وقعَ فيه لضعفِ إيمانِهِ ونقصِهِ .
(١) أخرجه: أحمد (٣٥٩/٢)، والبزار (٦٦٤ - كشف الأستار).
(٢) تقدم تخريجه .
١٢٦
سورة فاطر
الوجهُ الثالث: أنَّ تصورَ حقيقةِ المخوفِ يوجبُ الهربَ منه، وتصورَ حقيقة
المحبوبِ توجبُ طلبَهُ فإذا لم يهربْ منْ هذا ولم يطلبْ هذا دلَّ على أنَّ
تصورَهُ لذلك ليسَ تامًّا، وإن كانَ قد يصور الخبر عنه، وتصورُ الخبرِ
وتصديقهِ وحفظُ حروفِهِ غيرُ تصوَّرِ المخبَرِ به فإذا أخبر بما هو محبوبٌ أو
مكروهٌ له، ولم يكذِّبِ الخبرَ بل عرفَ صدقَهُ لكن قلبَهُ مشغولٌ بأمور أخرى
عن تصورِ ما أخبرَ به، فهذا لا يتحركُ للهربِ ولا للطلبِ، في الأثر المعروف
عن الحسن وروي مرسلاً عن النبيِّ وَّ: ((العلمُ علمانٍ، فعلمٌ في القلب، فذاك
العلمُ النافعُ، وعلمٌ على اللسانِ، فذاك حجةُ اللَّهِ على ابنِ آدم))(١).
الوجه الرابع: أنَّ كثيرًا من الذنوبِ قد يكونُ سببُ وقوعِهِ جهلَ فاعلِهِ بحقيقةِ
قبحه وبُغضِ اللَّهِ له وتفاصيل الوعيد عليه وإنْ كانَ عالمًا بأصل تحريمه وقبحه
لكنَّه يكونُ جاهلاً بما وردَ فيه من التغليظ والتشديد ونهاية القبح، فجهلُه
بذلكَ هو الذي جرَّأَهُ عليه وأوقعه فيه، ولو كان عالمًا بحقيقةٍ قبحِهِ لأوجبَ
ذلك العلمُ تركَهُ خشيةً من عقابِهِ، ولهذا كان القولُ الصحيحُ الذي عليه
السلفُ وأئمةُ السنةِ أنه يصحُّ التوبةُ من بعضِ الذنوبِ دون بعضٍ خلافًا
لبعضِ المعتزلةِ، فإنَّ أحدَ الذنبينِ قد يَعلمُ قبحَه فيتوبُ منه ويستهينُ بالآخرِ
لجهلِهِ بقبحِهِ وحقيقةِ مرتبته فلا يقلعُ عنه، ولذلك قد يقهرُهُ هواهُ ويغلبُه في
أحدهما دون الآخر فيقلعُ عما لم يغلبْه هواه دون ما غلبه فيه هواهُ، ولا يقالُ
لو كانت الخشية عندَهُ موجودةً لأقلعَ عن الجميع، لأن أصلَ الخشيةِ عنده
موجودةٌ؛ ولكنها غيرُ تامةٍ، وسبب نقصها إما نقصُ علمِهِ، وإما غلبةُ
هواه، فتبعُّضُ توبِتِه نشأ من كونِ المقتضِي للتوبةِ من أحدِ الذنبين أقوى من
المقتضي للتوبةِ من الآخرِ، أو كونِ المانع من التوبةِ من أحدِهما أشدَّ من
(١) أخرجه: ابن أبي شيبة (٨٢/٧)، وذكره ابن الجوزي في ((العلل المتناهية)) (٨٣/١) ووهّاه.
١٢٧
سورة فاطر
المانعِ من الآخرِ .
الخامس: أنَّ كلَّ ما علمَ علمًا تامًّا جازِمًا بأنَّ فعلَ شيئًا يضرُّه ضررًا راجحًا
لم يفعلْه، فإنَّ هذا خاصة ◌ُلعاقل، فإنَّ نفسه تنصرفُ عمَّا يعلمُ رجحانَ ضررهِ
بالطبع، فإنَّ اللَّه جعلَ في النفس حبًّا لما ينفعُها وبغْضًا لما يضرُّها، فلا يفعلُ
ما يجزم بأنه يضرُّها ضررًا راجحًا، ولا يقعُ ذلك إلا مَعَ ضعيفِ العقلِ؛ فإنَّ
السقوطَ مَنْ موضعٍ عالٍ، أو في نهرٍ مغرقٍ، والمرورَ تحت حائط يُخشى
سقوطُه، ودخولَ نارٍ متأججةٍ، ورميَ المالِ في البحرِ، ونحو ذلك، لا يفعلهُ
من هو تامُّ العقل لعلمِهِ بأن هذا ضررٌ ولا منفعةَ فيه، وإنما يفعلُه من لم يعلمُ
ضررهُ كالصبيِّ، والمجنونِ، والسَّاهي، والغافلِ، وأمَّ العاقلُ فلا يُقُدمُ على ما
يضرُّه مع علمِهِ بما فيه من الضررِ إلا لظنِّه أنَّ منفعتَهُ راجحةٌ إمَّا بأن يجزمَ بأن
ضررَهُ مرجوحٌ، أو يظنُّ أن خيرَهُ راجحٌ، كالذي يركبُ البحرَ ويسافرُ الأسفارَ
الخطرةَ للربحِ فإنه لو جزمَ بأنه يغرقُ أو يخسرُ لما فعلَ ذلكَ وإنَّما أقدمَ عليه
الترجيحِ السلامةِ عندَهُ والربحِ، وإن كانَ قد يكونُ مخطئًا في هذا الظنِّ.
وكذلك الزاني والسارقُ ونحوُهما، لو حصلَ لهم جزمٌ بإقامةِ الحدودِ
عليهم من الرجمِ والقطْعِ ونحو ذلك، لم يُقُدموا على ذلكَ، فإذا عُلم هذا
فأصلُ ما يوقعُ الناسَ في السيئاتِ الجهلُ وعدمُ العلم بأنها تضرَّهم ضررًاً
راجحًا، أو ظنُّ أنها تنفعُهم نفعًا راجحًا، وذلك كلُّه جهلٌ إما بسيطٌ وإمَّا
مركبٌ، ولهذا يسمَّى حالُ فعلِ السيئاتِ الجاهليةَ، فإن صاحبَها في حالِ
جاهليةٍ، ولهذا كانَ الشيطانُ يزيِّنُ السيئاتِ ويأمرُ بها، ويذكرُ ما فيها من
المحاسنِ التي يُظنُّ أنها منافعُ لا مضارّ كما أخبرَ اللَّهُ عنه في قصةِ آدمَ أنه ﴿ یَا
آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّ يَبْلَىِ{١٢٠﴾ فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا﴾
١٢٨
سورة فاطر
[طه: ١٢٠] قال: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُوْنَا مِنَ
الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠]، وقال تعالى ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا
وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾
فَهُوَ لَهُ قَرِینٌ مټ﴾
[الزخرف: ٣٦، ٣٧]، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَّاهُ حَسَنَا بُ﴾ [فاطر: ٨]،
وقال: ﴿كذلك زَيَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنِتُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
[الأنعام: ١٠٨] وتزيينُ أعمالِهم يكونُ بواسطةِ الملائكةِ والأنبياءِ والمؤمنينَ للخيرِ،
وتزيينُ شياطينِ الإنسِ والجنِّ للشرِّ، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ
الْمُشْرِكِينَ قَْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧].
ومثلُ هذا كثيرٌ فالفاعلُ للذنبِ لو جزمَ بأنه يحصلُ له به الضررُ الراجحُ لم
يفعلْه، لكنه يزينُ له ما فيه من اللذة التي يظنُّ أنها مصلحة، ولا يجزمُ بوقوعِ
عقوبتهِ، بل يرجو العفوَ بحسناتٍ أو توبةٍ أو بعفوِ اللَّهِ ونحو ذلك، وهذا كلُّه
من اتباعِ الظنِّ وما تهوى الأنفسُ، ولو كان له علمٌ كاملٌ لعرفَ به رجحانَ
ضررِ السيئة، فأوجبَ له ذلك الخشيةَ المانعةَ له من مواقعتها، ونبينُ هذا بـ :
الوجه السادس: وهو أن لَذَّاتِ الذنوبِ لا نسبةَ لها إلى ما فيها من الآلامِ
والمفاسد البتةَ فإنَّ لذاتها سريعةُ الانقضاءِ وعقوباتها وآلامها أضعافُ ذلك
ولهذا قيل: ((إن الصبرَ على المعاصِي أهونُ من الصبرِ على عذابِ اللَّه)) وقيل:
(ربَّ شهوةٍ ساعة أورثتْ حزنًا طويلاً)) وما في الذنوبِ من اللذاتِ كما في
الطعامِ الطيبِ المسمومِ من اللذةِ، فهي مغمورةٌ بما فيه من المفسدة ومؤثرُ لذة
الذنبِ كمؤثر لذة الطعامِ المسمومِ الذي فيه من السموم ما يمرضُ أو يقتلُ ومن
هاهُنَا يُعلمُ أنه لا يُؤْثِرُ لذاتِ الذنوبِ إلا من هو جاهلٌ بحقيقةِ عواقبَها، كما
لا يؤثرُ أكلَ الطعامِ المسمومِ لِلذَّتِهِ إلا من هو جاهلٌ بحالهِ أو غير عاقلٍ،
ورجاؤه التخلصَ من شرِّها بتوبةٍ أو عفوٍ أو غيرِ ذلك كرجاءِ آكلِ الطعامِ
١٢٩
سورة فاطر
المسموحِ الطيب للخلاصِ من شرِّ سُمّه بعلاجٍ أو غيرِهِ، وهو في غايةِ الحمقِ
والجهلِ، فقدْ لا يتمكنُ من التخلصِ منه بالكلية، فيقتلُهُ سمَّه، وقد لا
يتخلصُ منه تخلصًا تامًّا فيطولُ مرضُهُ، وكذلكَ المذنبُ قد لا يتمكنُ من
التوبةِ، فإنَّ من وقعَ في ذنبٍ تجرَّأَ عليه عمرَهُ وهان عليه خوضُ الذنوب
وعَسُرَ عليه الخلاصُ منها ولهذا قيل: ((من عقوبةِ الذنب: الذنبُ بعدَهُ).
وقد دلَّ على ذلك القرآنُ في غيرِ موضعٍ، وإذا قُدِّرَ أنه تابَ منه فقدْ لا
يتمكنُ من التوبة النصوحِ الخالصةِ التي تمحو أثرَه بالكليةِ، وإنْ قدِّر أنه تمكنَ
من ذلكَ، فلا يقاومُ اللذةَ الحاصلةَ بالمعصيةِ ما في التوبةِ النصوحِ المشتملةِ
على النَّدمِ والحزنِ والخوفِ والبكاءِ وتجشمِ الأعمالِ الصالحةِ؛ من الألم
والمشقة، ولهذا قال الحسنُ: ((ترك الذنب أيسرُ من طلبِ التوبةِ)) ويكفي
المذنبُ ما فاته في حالِ اشتغالِهِ بالذنوبِ من الأعمالِ الصالحةِ الَّتي كانَ يمكنُهُ
تحصیل الدرجاتِ بها.
وقد اختلفَ الناسُ في التائبِ، هل يمكنُ عودُهُ إلى ما كانَ عليه قبل
المعصية؟ على قولينِ معروفينٍ، والقولُ بأنه لا يمكنُ عودُهُ إلى ما كانَ عليه
قولُ أبي سليمان الدَّرانيّ وغيرِهِ، وكذلكَ اختلفُوا في التوبةِ إذا استكملتْ
شروطَها، هل يُجزمُ بقبولها؟ على قولينٍ: فالقاضي أبو بكرٍ وغيرُهُ من
المتكلمينِ على أنَّه لا يُجزمُ بذلك، ولكنَّ أكثرَ أهلِ السنةِ والمعتزلةِ وغيرهم
على أنه يُقطعُ بقبولها، وإنْ قُدِّر أنه عِفِيَ عنه من غيرِ توبةٍ فإنْ كانَ ذلك
بسببِ أمرِ مكفرٍ عنه كالمصائبِ الدنيويةِ، وفتنةِ القبرِ، وأهوالِ البرزخِ،
وأهوالِ الموقفِ، ونحوِ ذلكَ، فلا يستريبُ عاقلٌ أن ما في هذه الأمورِ من
الآلامِ والشدائدِ أضعاف أضعاف ما حصلَ في المعصيةِ من اللذةِ.
وإِنْ عُفِيَ عنه بغيرِ سببٍ من هذه الأسباب المكفرةِ ونحوِها، فإنه لاَبَّد أن
١٣٠
سورة فاطر
يلحقَهُ عقوباتٌ كثيرةٌ منها: ما فاتَّهُ من ثوابِ المحسنين، فإن اللَّه تعالى وإن عفا
عن المذنبِ فلا يجعلْه كالذينَ آمنوا وعملوا الصالحات، كما قال تعالى: ﴿أَمْ
حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَِّئَاتِ أَن نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً
مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١] وقال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨].
ولهذا قالَ بعضُ السلفِ: عُدّ أن المسيءَ قد عُفِيَ عنه، أليسَ قدْ فاتَهُ ثوابُ
المحسنينَ؟ ولولا أنَّ اللَّه تعالى رضَّى أهل الجنةِ كلَّهم بما حصلَ لهم من
المنازل لتقطعتْ أصحابَ اليمينَ حسراتٌ مما فاتَهُم من منازلِ المقربينَ مع
إمكانَ مشاركتِهِم لهم في أعمالِهِم التي نالُوا بها منازلَهُم العاليةَ، وقد جاء في
الأحاديثِ والآثارِ أنهم يقولون: ألم نكن مع هؤلاءِ في الدنيا؟ فيقالُ: كنتُم
تفطرونَ، وكانوا يصومونَ، وكنتُم تنامونَ ، وكانوا يقومون، وكنتم تبخلون،
وكانوا ينفقون، ونحوُ ذلك.
وكذلكَ جاءَ: ((أنَّ الرجلَ من أهلِ عليين ليخرجُ فيسيرُ في ملكِهِ فما تبقى خيمةٌ من
خيمٍ الجنةِ إلا دخلَها من ضوءٍ وجهه، فيستبشرونَ بريحه فيقولونَ: واهًا لهذه الريح، هذا
رجلٌ من أهلِ عليينَ قدْ خرجَ يسيرُ في ملكِه). هذا قد رُوي من حديثِ ابنِ مسعودٍ
مرفوعًا(١)، ورُويَ من كلامِ کعبٍ .
ومنها: ما يلحقُهُ من الخجلِ والحياءِ منَ اللَّهِ عزَّ وجلَّ عند عرضه عليه،
وتقريره بأعماله، وربما كان ذلك أصعبُ عليه من دخولِ النارِ ابتداءً، وقد
أخبرَ بذلكَ بعضُ المحتضرينَ في زمانِ السلفِ عند احتضارِهِ وكان أُغميَ عليه
حتَّى ظُنَّ أنه مات، ثم أفاقَ فأخبرَ بذلك.
(١) أخرجه الحاكم (٥٨٩/٤) وهو جزء من حديث طويل.
١٣١
سورة فاطر
وجاء تصديقُ ذلكَ في الأحاديثِ والآثارِ كما روى عبدُ اللَّهِ بنُ الإمامِ
أحمدَ في كتابِ ((الزهدِ)) بإسنادِهِ عن أبي هريرةَ ◌ِلَُّه قال: ((يُدْنِي اللَّه عزّ
وجلَّ العبدَ يومَ القيامةِ، فيضعُ عليه كنفَهُ، فيسترُهُ من الخلائقِ كلِّها، ويدفعُ
إليه كتابَهُ في ذلكَ السترِ، فيقولُ: اقرأْ يا ابنَ آدمَ كتابَكَ، قال: فيمرُّ
بالحسنةِ، فيبيضُّ لها وجْهُهُ ويُسَرُّ بها قلبُهُ قال: فيقولُ اللَّهُ عزَّ وجلّ: أتعرفُ
يا عبدِي؟ فيقولُ: نعم، يا ربِّ أعرفُ، فيقول: إني قد قبلتُها منك، قال:
فيخرُّ للَّه ساجدًا، قال: فيقول اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ارفع رأسك يا ابنَ آدمَ وعُدْ في
كتابِكَ، قال: فيمرُّ بالسيئةِ فيسودُّ لها وجْهُه، ويوجلُ منها قلبُهُ وترتعدُ منها
فرائصُه، ويأخذه من الحياءِ من ربه ما لا يعملُه غيرُهُ، قال: فيقولُ اللَّه عزَّ
وجلَّ: أتعرفُ يا عبدِي؟ قال: فيقولُ: نعم، يا ربِّ أعرفُ، قال: فيقول: إني
قد غفرتُها لك؟ قال: فلا يزالُ حسنةٌ تُقبلُ فيسجدُ، وسيئةٌ تُغفرُ فيسجدُ، فلا
ترى الخلائقُ منه إلا السجودَ، قال: حتى تنادي الخلائقُ بعضَها بعضًا: طوبى
لهذا العبدِ الذي لم يعصِ اللَّهَ قط، ولا يدرونَ ما قدْ لقي فيما بينه وبين الله
عزَّ وجلَّ)).
ومما قدْ وقفه عليه ورُوي معنى ذلك عن أبي موسى، وعبدِ اللَّهِ بنِ سلامٍ،
وغيرهما، ويشهدُ لهذا حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ الثابتُ في (الصحيحِ)) (١) -
حديثُ النجوى - أن النبيَّ بَّه قال: «إذا كان يوم القيامةِ دعا اللَّهُ بعبده فيضعُ عليه
كَفَهَ فيقولُ: ألم تعملْ يومَ كذا وكذا ذنبَ كذا وكذا؟ فيقولُ: بلى يا ربِّ، فيقول: فإني
قد سترتُها عليك في الدنيا وغفرتُ ذلك لك اليومَ)) وهذا كلُّه في حقٍّ من يريدُ اللَّهُ
أن يعفوَ عنه ويغفرَ له فما الظنّ بغيرِهِ، ولهذا في ((مراسيل الحسنِ)) عن النبيّ
(١) أخرجه: البخاري (١٦٨/٣)، (٩٣/٦)، (٢٤/٨)، (١٨١/٩)، ومسلم (١٠٥/٨).
١٣٢
سورة فاطر
وَّ : ((إذا أرادَ اللَّهُ أن يسترَ على عبده يومَ القيامةِ أراه ذنوبَهُ فيما بينه وبينه ثمَّ غفرَهَا له))
ولهذا كانَ أشهرُ القولينِ أنَّ هذا الحكمَ عامٌّ في حقِّ التائبِ وغيرِهِ، وقد ذكرَهُ
أبو سليمانَ الدمشقيُّ عن أكثرِ العلماءِ، واحتجّوا بعمومِ هذه الأحاديثِ مع
قولِهِ تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةٌ إِلاَّ أَحْصَاهَا
وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ [الكهف: ٤٩]، وقد نُقِلَ ذلك صريحًا عن غيرِ واحدٍ
من السلفِ كالحسنِ البصريِّ وبلالِ بنِ سعدٍ - حكيمِ أهلِ الشامِ - كما روى
ابنُ أبي الدنيا، وابنُ المنادِي وغيرُهُما عن الحسنِ: ((أنه سُئل عن الرجلِ يذنبُ
ثم يتوبُ هل يُمحى من صحيفتِهِ؟ قال: لا، دون أن يوقِفَهُ عليه ثم يسألُهُ
عنه)) ثم في رواية ابنِ المنادِي وغيرِهِ: ((ثم بكى الحسنُ، وقال: لو لم تبكِ
الأحياءُ من ذلكَ المقامِ لكانَ يحقُّ لنا أن نبْكِي فنطيلَ البكاءَ)).
وذكرَ ابنُ أبي الدنيا عن بعضِ السلفِ أنه قال: ((ما يمرَّ عليَّ أشدَّ من الحياءِ
من اللَّهِ عزَّ وجلَّ).
وفي الأثرِ المعروفِ الذي رواه أبو نعيمٍ وغيرُهُ عن علقمةَ بنِ مرثدٍ: ((أنَّ
الأسودَ بنَ يزيدَ لما احتُضِرَ بكى، فقيلَ له: ما هذا الجزعُ؟ قالَ: ما لي لا
أجزعُ، ومن أحقُّ بذلكَ مِنِّي، واللَّهِ لو أُتيتُ بالمغفرةِ من اللَّهِ عزَّ وجلَّ،
لهمَّني الحياءُ منه مما قدْ صنعتُهُ، إنَّ الرجلَ ليكونُ بينه وبين الرجلِ الذنبُ
و
الصغيرُ فيعفو عنه فلا يزالُ مستَحِيًا منه)).
ومن هذا قولُ الفضيلِ بنِ عياضٍ: ((بالموقفِ واسوءتاهُ منكَ وإنْ عفوتَ)).
المقصود هنا أن آلام الذنوب ومشاقَّها وشداتها التي تزيدُ على لذاتها
أضعافًا مضاعفةً، لا يتخلفُ عن صاحبها، لا مع توبةٍ ولا عفوٍ، فكيفَ إذا
لم يُوجدْ واحدٌ منهما، ويتضحُ هذا بما نذكرُهُ في الوجهِ السابعِ.
١٣٣
سورة فاطر
الوجه السابع: وهو أن المقْدِمَ على مواقعةِ المحظورِ إنما أوجبَ إقدامَهُ عليه ما
فيه من اللذةِ الحاصلة له به، فظنَّ أنَّه يحصلُ له لذتُهُ العاجلةُ، ورجَى أنْ
يتخلصَ من تبعتِهِ بسببٍ من الأسبابِ ولو بالعفوِ المجردِ فينالُ به لذةً ولا
يلحقُهُ به مضرةٌ، وهذا من أعظمِ الجهلِ، والأمر تجلس (١) باطنه، فإن الذنوبَ
تتبعُها ولابدَّ من الهمومِ والآلامِ وضيقِ الصدرِ والنكدِ، وظلمةِ القلبِ،
وقسوته أضعاف أضعافُ ما فيها منَ اللذةِ، ويفوتُ بها من حلاوةِ الطاعاتِ،
وأنوارِ الإيمانِ، وسرورِ القلبِ ببهجةِ الحقائقِ والمعارفِ، ما لا يُوازي الذرةَ منه
جميعُ الذَّاتِ الدنيا، فيحصلُ لصاحبِ المعصيةِ العيشةُ الضنكُ، وتفوتُهُ الحياةُ
الطيبةُ، فينعكسُ قصدُهُ بارتكابِ المعصيةِ، فإنَّ اللَّهَ ضمِنَ لأهلِ الطاعةِ الحياةَ
الطيبةَ، ولأهلِ المعصيةِ العيشةَ الضنكَ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي
فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه: ١٢٤] وقال: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ
أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور:٤٧] وقال: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ
الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [السجدة: ٢١] وقال في أهلِ الطاعةِ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّنْ
ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْبِنَّهُ حَيَاةَ طَيَّةَ﴾ [النحل: ٩٧].
قال الحسنُ وغيرُهُ من السلف: ((لنرزقنَّه عبادةً يجدُ حلاوتَها في قلبِهِ)).
ومن فسَّرها بالقناعةِ، فهو صحيحٌ أيضًا، ومن أنواعِ الحياةِ الطيبةِ الرِّضَى
بالمعيشة فإنَّ الرِّضى، كما قالَ عبدُ الواحد بنُ زيد: ((جنةُ الدنيا ومستراحُ
العابدين))، وقال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمْتِعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنَا إِلَى
أَجَلٍ مُسَمَّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ﴾ [هود: ٣].
(١) هكذا في المطبوع، ولعلها: (تُحِسُّ).
١٣٤
سورة فاطر
وقال: ﴿فَآَتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
[آل عمران: ١٤٨].
كما قالَ عن إبراهيمَ عليه السلام: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ
الصَّالِحِينَ﴾ [النحل: ١٢٣] ومثلُ هذا كثيرٌ في القرآنِ، فما في الطاعةِ من اللذةِ
والسرورِ والابتهاجِ والطمأنينةِ وقرّةِ العينِ؛ أمرٌ ثابتٌ بالنصوصِ المستفيضة وهو
مشهودٌ محسوسٌ يدركُهُ بالذوقِ والوجدِ مَنْ حصلَ له ولا يمكنُ التعبيرُ
بالكلامِ عن حقيقتِهِ، والآثارُ عن السلفِ والمشايخِ العارفينَ في هذا البابِ
كثيرةٌ موجودةٌ حتَّى كان بعضُ السلفِ يقولُ: لو يعلمُ الملوكُ وأبناءُ الملوكِ ما
نحنُ فيه لجالدُونا عليه بالسيوفِ)) .
وقال آخرُ: (لو علموا ما نحن فيه لقتلُونا ودخلوا فيه)).
وقال أبو سليمانَ: ((أهلُ الليلِ في ليلهم ألذُّ من أهلِ اللهو في لهوهِم،
ولولا الليلُ ما أحببتُ البقاءَ في الدُّنْيا)».
وقال: «إنه ليمرُّ على القلبِ أوقاتٌ يضحكُ فيها ضحكًا)).
وقال ابنُ المبارك وغيرُهُ: ((مساكينُ أهلِ الدنيا خرجُوا منها ولم يذوقوا
أطيبَ ما فيها، قيل: ما أطيب ما فيها؟ قال: معرفةُ اللَّه)).
وقال آخرُ: ((أوجدني اللَّه قلبًا طيبًا حتى قلتُ: إن كان أهلُ الجنةِ في مثلِ
هذا فإنَّهم في عيشٍ طيبٍ)).
وقال مالكُ بنُ دينارِ: ((ما تنعمَ المتنعمونَ بمثلِ ذكرِ اللَّهِ)).
وهذا بابٌ واسعٌ جدًّا، والمعاصي تقطعُ هذه الموادَّ، وتغلقُ أبوابَ هذه الجنة
المعجلة، وتفتحُ أبوابَ الجحيمِ العاجلةِ من الهمِّ والغمِّ، والضيقِ والحزنِ
١٣٥
سورة فاطر
والتكدرِ وقسوة القلبِ وظلمتهِ وبعده عن الربِّ - عزَّ وجلَّ - وعن مواهبه
السَّةِ الخاصةِ بأهلِ التقوى.
كما ذكر ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ عن عليٍّ ◌ِثُه قال: ((جزاءُ المعصيةِ الوهنُ
في العبادةِ، والضيقُ في المعيشةِ، والتعسُ في اللذةِ، قيل: وما التعسُ في
اللذة؟ قال: لا ينالُ شهوةً حلالاً، إلا جاءَه ما يبغِّضُهُ إِيَّاها)).
وعن الحسنِ قال: ((العملُ بالحسنةِ نورٌ في القلبِ وقوةٌ في البدنِ، والعملُ
بالسيئةِ ظلمةٌ في القلبِ ووهنٌ في البدن)).
وروى ابن المنادِي وغيرُهُ عن الحسنِ، قال: ((إن للحسنةِ ثوابًا في الدنيا
وثوابًا في الآخرةِ، وإنَّ للسيئةِ ثوابًا في الدنيا، وثوابًا في الآخرةِ، فثوابُ
الحسنةِ في الدنيا البصرُ في الدِّين، والنورُ في القلبِ، والقوةُ في البدنِ مع
صحبةٍ حسنةٍ جميلةٍ، وثوابُها في الآخرةِ رضوانُ اللَّه عزَّ وجلَّ وثوابُ السيئة
في الدنيا العمَى في الدنيا، والظلمةُ في القلبِ، والوهنُ في البدنِ مع
عقوبات ونقماتٍ، وثوابُها في الآخرةِ سخطُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ والنارُ)).
وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ عن مالكِ بن دينارٍ، قال: ((إن للَّه عقوبات
فتعاهدُوهنَّ من أنفسكم في القلوبِ والأبدانِ: ضنكٌ في المعيشةِ، ووهنٌ في
العبادةِ، وسخطٌ في الرزقِ)) .
وعنه أنه قال: ((ما ضُرِبَ عبدٌ بعقوبةِ أعظمُ من قسوةِ القلبِ)).
ومثلُ هذا كثيرٌ جدًّا، وحاصلُ الأمر ما قاله قتادةُ وغيرُهُ من السلف: ((إن
اللَّهَ لم يأمرُ العبادَ بما أمرَهُم به لحاجتِهِ إليه، ولا نهاهُم عمَّا نهاهُم عنه بخلاً
به، بل أمرهُم بما فيه صلاحُهم، ونهاهُم عمَّا فيه فسادُهُم، وهذا هو الذي
١٣٦
سورة فاطر
عليه المحققون من الفقهاء من أصحابِنا وغيرُهُم، كالقاضي أبي يَعْلَى وغيرِهِ،
وإن كان بينهم في جوازِ وقوعٍ خلافِ ذلكَ عقلاً نزاعٌ مبنيٌّ على أن العقلَ هل
له مدخلٌ في التحسينِ والتقبيح أم لا؟
وكثيرٌ منهم كأبي الحسنِ التميمي وأبي الخطابِ على أنَّ ذلك لا يجوزُ
عقْلاً أيضًا وأما من قال بوقوعٍ مثلِ ذلك شرعًا فقولُهُ شاذٌ مردودٌ.
والصوابُ: أنَّ ما أمرَ اللَّهُ به عبادَهُ فهو عينُ صلاحِهِم وفلاحِهِم في دنياهم
و
وآخرتهم، فإنَّ نفسَ الإيمانِ باللَّهِ ومعرفتِهِ وتوحيدِهِ وعبادتهِ ومحبته وإجلاله
وخشيتهِ وذكره وشكرِهِ؛ هو غذاءُ القلوبِ وقوتُها وصلاحُها وقوامُها، فلا
صلاحَ للنفوسِ، ولا قرةَ للعيونِ ولا طمأنينةَ، ولا نعيمَ للأرواحِ ولا لذةً لها
في الدنيا على الحقيقة، إلا بذلكَ، فحاجتُها إلى ذلك أعظمُ من حاجةٍ
الأبدانِ إلى الطعامِ والشرابِ والنَّفَسِ، بكثيرٍ، فإنَّ حقيقةَ العبدِ وخاصيتِهِ هي
قلبُهُ وروحُهُ ولا صلاحَ له إلا بتألهِهِ لإلهه الحقّ الذي لا إله إلا هو، ومتى
٠٠
فقدَ ذلكَ هلكَ وفسدَ، ولم يصلحْهُ بعد ذلك شيءٌ البتة، وكذلكَ ما حرَّمه
اللَّهُ على عبادِهِ وهو عينُ فسادِهِم وضررِهم في دينهم ودنياهم، ولهذا حرَّم
93
عليهم ما يصدّهم عن ذكرِهِ وعبادتِهِ كما حرَّم الخمر والميسرَ، وبَيَّن أنه يصدُّ
عن ذكرِهِ وعن الصلاة مع مفاسدَ أُخرَ ذكرها فيهما، وكذلك سائرُ ما حرَّمه
اللَّه فإنَّ فيه مضرةً لعبادِهِ في دينهم ودنياهم وآخرتِهِم، كما ذكر ذلك
السلفُ، وإذا تبيَّن هذا وعُلِمَ أنَّ صلاحَ العبادِ ومنافعِهِم ولذاتِهِم في امتثالِ ما
أمرهُم اللَّهُ به، واجتنابِ ما نهاهم اللَّهُ عنه تبيَّن أن من طلبَ حصولَ اللذة
والراحةِ مِنْ فعلِ المحظورِ أو تَرْكِ المأمورِ، فهو في غايةِ الجهلِ والحمقِ، وتبيَّن
أنَّ كلَّ من عصى اللَّهَ هو جاهلٌ، كما قاله السلفُ ودلَّ عليه القرآنُ كما
١٣٧
سورة فاطر
تقدم، ولهذا قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرَّةٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ
خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]،
﴿ وَإِذَا لآتَيْنَاهُم
وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَفْسِيئًا لَـ
٧٪، وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ٦٦].
مِّنَ لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا
وقال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىْ مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ
الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا
يُعَلَّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِقُونَ بِهِ بَيْنَ
الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّيْنَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ
وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا
يعلمون
١- وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمْثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾
[البقرة: ١٠٢، ١٠٣].، فأخبر أنهم علموا أنَّ من اشتراه أي تعوَّضَ به في الدنيا
فلا خَلاقَ له في الآخرةِ ثم قالَ: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾
[البقرة: ١٠٢] فيدلَّ هذا على أنَّهم لم يعلموا سوء ما شرَوا به أنفسَهُم، وقد
اختلفَ المفسرونَ في الجمعِ بين إثباتِ العلمِ ونفيه هاهنا، فقالت طائفةٌ منهم:
الذين علموا لمن اشتراه ما له في الآخرةِ من خلاق، هم الشياطينُ الذين
يُعلِّمونَ الناسَ السحرَ، والذين قيلَ فيهم: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ هم الناسُ الذين
يتعلمون. قال ابنُ جرير: وهذا القولُ خطأٌ مخالفٌ لإجماعِ أهلِ التأويلِ على
أنَّ قولَهُ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ عائدٌ على اليهودِ الذين اتبعوا ما تتلو الشياطينُ على
ملكٍ سليمانَ - ثم أخبرَ ابنُ جريرِ أنَّ الذين علموا أنه لا خلاقَ لمن اشتراه هم
اليهودُ، والذين قيل فيهم: لو كانوا يعلمون، هم الذين يتعلمون من الملكين،
وكثيرًا ما يكون فيهم الجهالُ بأمرِ اللَّه ووعدِهِ ووعيده، وهذا أيضًا ضعيفٌ فإنَّ
١٣٨
سورة فاطر
الضميرَ فيهما عائدٌ إلى واحد، وأيضًا فإنَّ الملكين يقولان لمن يعلمانه: إنما
٠ ٠
نحن فتنةٌ فلا تكفر، فقد أعلماه تحريمَه وسوءَ عاقبتِهِ.
وقالتْ طائفةٌ: إنما نفىَ عنهم العلمَ بعدما أثبته لانتفاءِ ثمرتِهِ وفائدتهِ، وهو
العملُ بموجبه ومقضتاهُ، فلمَّا انتفَى عنهم العملُ بعلمهِمٍ جعلَهم جُهَّالاً لا
يعلمونَ، كما يقالُ: لا عِلْمَ إلا ما نفعَ وهذا حكاه ابنُ جريرٍ وغيرُهُ، وحكى
الماورديُّ قولاً بمعناه، لكنه جعلَ العملَ مضمرًا، وتقديرُهُ لو كانوا يعملون بما
يعلمون .
وقيلَ: إنهم علموا أنَّ منْ اشتراه فلا خلاقَ له، أي لا نصيبَ له في
الآخرةِ من الثوابِ، لكنهم لم يعلموا أنه يستحق عليه العقاب مع حرمانِهِ
الثوابَ، وهذا حكاه الماورديُّ وغيرُهُ، وهو ضعيفٌ أيضًا، فإنَّ الضميرَ إن عادَ
إلى اليهودِ، فاليهودُ لا يخفى عليهم تحريمُ السحرِ واستحقاقِ صاحبِهِ العقوبةَ،
وإن عادَ إلى الذين يتعلمونَ من الملكينِ فالملكانِ يقولانِ لهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ
فَلا تَكْفُرْ﴾ والكفرُ لا يخْفَى على أحدٍ أن صاحبَه يستحقُّ العقوبةَ، وإن عادَ
إليهما، وهو الظاهرُ، فواضحٌ، وأيضًا فإذا علموا أنَّ من اشتراهُ ما لهُ في
الآخرةِ من خلاقٍ فقدْ علمُوا أنه يستحقُّ العقوبةَ؛ لأنَّ الخلاقَ: النصيبُ من
الخيرِ، فإذا عَلِمَ أنه ليس له نصيبٌ في الخيرِ بالكليةِ فقدْ علم أن له نصيبًا من
الشرِّ، لأنَّ أهلَ التكليفِ في الآخرةِ لا يخلو واحدٌ منهم عن أن يحصلَ له
خيرٌ أو شرٌّ لا يمكنُ انتكاله عنهما جميعًا البتة.
وقالتْ طائفةٌ: علموا أنَّ من اشتراه فلا خلاق له في الآخرةِ، لكنهم ظنَّوا
أنهم ينتفعونَ به في الدنيا، ولهذا اختاروه وتعوَّضُوا به عن بوارِ الآخرةِ
وشرَوا به أنفسَهُم، وجهلُوا أنه في الدنيا يضرُّهم أيضًا ولا ينفعُهم، فبئسَ ما
١٣٩
سورة فاطر
شروا به أنفسَهُم لو كانوا يعلمون ذلك، وأنَّهم إنما باعُوا أنفسَهم وحظّهم من
الآخرةِ بما يضرَّهم في الدنيا أيضًا ولا ينفعهم، وهذا القولُ حكاه الماورديُّ
وغيرُهُ، وهو الصحيحُ، فإنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ﴾
أي هو في نفس الأمرِ يضرّهم ولا ينفعُهم بحالٍ في الدنيا وفي الآخرةِ،
ولكنَّهم لم يعلموا ذلك لأنهم لم يُقدِمُوا عليه إلا لظنَّهم أنه ينفعُهم في
الدنیا.
ثُمَّ قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ أي قد تيقَّنوا أنَّ
صاحبَ السحرِ لا حظّ له في الآخرةِ، وإنما يختارُهُ لما يرجو من نفعِهِ في
الدنيا، وقدْ يسمُّون ذلك العقلَ المعيشي أي العقلَ الذي يعيشُ به الإنسانُ في
الدنيا عيشةً طيبةً، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾
[البقرة: ١٠٢]، أي: إنَّ هذا الذي يعوضوا به عن ثواب الآخرةِ في الدنيا أمرٌ
مذمومٌ مُضِرٌّ لا ينفعُ لو كانوا يعلمونَ ذلك ثمَّ قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا
لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٣]، يعني: أنهم لو اختارُوا
الإيمانَ والتقْوى بدلَ السِّحرِ لكانَ اللَّهُ يثيبُهم على ذلكَ ما هو خيرٌ لهم مما
طلبُوه في الدنيا لو كانوا يعلمون، فيحصُلُ لهم في الدنيا من ثوابِ الإيمانِ
والتقْوى من الخير الذي هُو جلبُ المنفعةِ ودفعُ المضرَّةِ ما هو أعظمُ مما
يُحَصِّلُونَهُ بالسِّحرِ من خيرِ الدنيا مع ما يُدَّخَرُ لهم من الثوابِ في الآخرةِ.
والمقصودُ هنا: أن كلَّ من آثرَ معصيةَ اللَّهِ على طاعتِهِ ظانًا أنه ينتفعُ بإيثارِ
المعصيةِ في الدنيا، فهُوَ من جنسٍ من آثْرَ السحرَ - الذي ظنَّ أنه ينفعُه في
الدنيا - على التقوى والإيمان، ولو اتَّقى وآمنَ لكانَ خيرًا له وأرجى لحصولِ
مقاصدِهِ ومطالبهِ ودفع مضارِّه ومكروهاته، ويشهدُ كذلك أيضًا ما في ((مسندِ
١٤٠
سورة فاطر
البزارِ))(١) عن حذيفةَ قال: ((قامَ النبيُّ ◌َّهِ فدعا الناسَ فقال: هلمُّوا إليَّ،
فأقبلوا إليه فجلسُوا، فقال: ((هذا رسولُ ربِّ العالمين جبريل - عليه السلامُ - نفثَ
في رُوُعي: أنَّه لا تموتُ نفسٌ حتَّى تستكملَ رزقَها وإن أبْطأ عليها، فاتقوا اللَّهَ وأجملُوا
في الطلبِ ولا يحملنَّكُم استبطاءُ الرِّزْقِ أنْ تأخذُوه بمعصية اللَّهِ، فإنَّ اللَّهَ لا يُنالُ ما عنده
إلا بطاعته)).
إذا تبيَّن هذا؛ فقدْ عُلِمَ أن العلمَ مستلزِمٌ للخشيةِ منْ هذه الوجوهِ كُلِّها،
لكن على الوجهِ الأولِ يستلزمُ الخشيةَ العلمُ باللَّهِ وجلالِهِ وعظمتِهِ، وهو الذي
فسرَ الآيةَ به جماعةٌ من السلفِ، كما تقدَّم ، وعلى الوجوهِ الأُخرِ تكون
الخشيةُ ملازمةٌ للعلمِ بأوامرِ اللَّهِ ونواهيهِ وأحكامِهِ وشرائعِهِ وأسرارِ دينه
وشرعِهِ وخلقِهِ وقَدَرِهِ، ولا تَنافي بينَ هذا العلمِ والعلمِ باللَّه؛ فإنَّهما قد
يجتمعان وقد ينفردُ أحدُهما عن الآخرِ، وأكملُ الأحوال اجتماعُهُما جميعًا
وهي حالةُ الأنبياءِ - عليهم السلامُ - وخواصُّ الصديقينَ ومتى اجتمعا كانتِ
الخشيةُ حاصلةٌ من تلكَ الوجوهِ كلِّها، وإن انفردَ أحدُهما حصلَ من الخشية
بحسبِ ما حصَّل من ذلك العلمِ، والعلماءُ الكُمَّلُ أولو العلمِ في الحقيقةِ
الذين جمعُوا الأمرين.
وقد ذكر الحافظُ أبو أحمدَ بنُ عديٍّ: ثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ صالحِ بنِ
شيخٍ بنِ عميرةَ: ثنا إسحاقُ بن بهلول قال: قال لي إسحاقُ بنُ الطباعِ: قال
لي سفيانُ بن عيينةَ: ((عالمٌ باللَّه عالِمٌ بالعلمِ، عالمٌ باللَّه ليس بعالِمٍ بالعلمِ،
عالمٌ بالعلمِ ليس بعالمٍ باللَّه))، قال: قلتُ لإسحاقَ: فهمنيه واشرحه لي،
(١) «البحر الزخَّار)) (٢٩١٤)