النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
سورة الفرقان
شهيد إلا وجبَ لركبتيهِ ساقطًا، حتى يقولَ كلُّ نبيٌّ وكلُّ صدِّيقٍ وكلُّ شهيدٍ:
٠
اللهمَّ لا أكلفُكَ اليومَ إلا نفسِي، ولو كانَ لكَ يا ابنَ الخطابِ عملُ سبعينَ نبيًا
لظننتَ أن لا تنجُو، قالَ عمرُ: واللّه، إن الأمرَ لشديدٌ.
ومن روايةٍ شريحٍ بنِ عبيدِ قالَ: قالَ عمرُ لكعبٍ: خَوِّفنا، قالَ: والله
لتزفرنَّ جهنمُ زفرةً، لا يبقَى ملكٌ مقربٌ ولا غيرُهُ إلا خرَّ جاثيًا على ركبتيهِ،
يقولُ: ربِّ نفسِي نفسِي، وحتى نبينا محمدٍ وإبراهيمَ وإسحاقَ - عليهمُ
السلامُ -، قال: فأبكَى القومَ حتى نشجُوا.
وفي رواية مطرفِ بن الشخيرِ عن كعبٍ، قالَ: كنتُ عندَ عمرَ، فقالَ: يا
كعبُ خوَّفنا، فقلتُ: يا أميرَ المؤمنينَ، إنَّ جهنمَ لتزفرُ يومَ القيامةِ زفرةً لا
يبقَى ملكٌ مقربٌ ولا نبيٌّ مرسلٌ إلا خرَّ ساجِدًا على ركبتيهِ، حتى إنَّ إِبراهيمَ
خليله - عليه السلامُ - ليخرُ جاثيًا ويقولُ: نفسِي نفسِي، لا أسألكُ اليومَ إلا
نفسِي، قالَ: فأطرقَ عمرُ مليًّا، قالَ: قلتُ: يا أميرَ المؤمنينَ، أولستُم تجدونَ
هذا في كتابِ اللَّهِ عزَّ وجل؟! قالَ عمرُ: كيفَ؟ قلتُ: يقولُ اللَّه عزَّ وجلَّ
في هذه الآيةِ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَقَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ
لا يُظْلَمُون﴾ [النحل: ١١١].
وكانَ سعيدُ الجرميُّ يقولُ في موعظتِهِ إذا وصفَ الخائفين: كأنَّ زفيرَ النار
في آذانِهِم .
وعن الحسنِ أنه قالَ في وصفِهم: إذا مرُّوا بآيةٍ فيها ذكرُ الجنة بكوا شَوْقًا،
وإذا مرَّوا بآيةٍ فيهَا ذكرُ النارِ ضجُّوا صُراخًا، كأنَّ زفيرَ جهنّم عندَ أصولِ
آذانهم .

٤٢
سيبـ
سورة الفرقان
وروى ابنُ أبي الدنيا وغيرُهُ عن أبي وائلٍ قالَ: خرجنا معَ ابنِ مسعودٍ
ومعنا الربيعُ بنُ خُثَيِمٍ، فأتينا على تنورٍ على شاطئِ الفراتِ، فلمَّا رأهُ عبدُ اللَّه
والنارُ تلتهبُ في جوفهِ قرأَ هذه الآيةَ ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا
وَزَفِيرًا﴾ إلى قوله: ﴿ثُبُّورًا﴾ [الفرقان: ١٣,١٢] فصعقَ الربيعُ بنُ خُثَيمٍ فاحتملناه
إلى أهلهِ، فرابطَهُ عبدُ اللَّهِ حتى صلَّى الناسُ الظهرَ فلم يُفُقْ، ثم رابطَهُ إلى
العصرِ فلم يُفُقْ، ثم رابطَهُ إلى المغربِ فأفاقَ، فرجعَ عبدُ اللَّهِ إلى أهلِهِ.
ومن روايةٍ مسمعٍ بنِ عاصمٍ قالَ: بتُّ أنا وعبدُ العزيزِ بن سليمانَ وكلابُ
ابنُ جريٍّ وسلمانُ الأعرجُ على ساحلٍ من بعضِ السواحلِ، فبكى كلابٌ
حتى خشيتُ أن يموتَ، ثم بكى عبدُ العزيزِ لبكائِهِ ثم بكَى سلمانُ لبكائهمَا،
وبكيتُ - واللَّهِ - لبكائِهم لا أدْرِي ما أبكَاهُم، فلما كانَ بعدُ سألتُ عبد العزيزِ
فقلتُ: يا أبا محمدٍ ما الذي أبكاك ليلتئذٍ؟ قالَ: إِنِّي - واللَّهِ - نظرتُ إلى
أمواجِ البحرِ تموجُ وتجيلُ، فذكرتُ أطباقَ النيرانِ وزفراتِها، فذلكَ الذي
أبكاني، ثم سألتُ كلابًا أيضًا نحوًا مما سألتُ عبد العزيز، فواللَّه؛ لكأنّما
سمعَ قصتَهُ، فقال لي مثلَ ذلكَ، ثم سألتُ سلمانَ الأعرجَ نحوًا مما سألتُهما،
فقالَ لي: ما كانَ في القومِ شرٌّ مِنِّي، ما كانَ بُكائي إلا لبكائهم رحمةً لهم مما
كانُوا يصنعونَ بأنفسِهِم - رحمهُمُ اللَّهُ تعالى(١).
(١) ((التخويف من النار)) (٨٠ - ٨٤).

٤٣
سورة الفرقان
قوله تعالى ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا
نَصْرًا وَمَن يَظْلِمِ مّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا ﴿١٩﴾ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ
مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ
وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا؟
قال ابن الجوزي في ((المقتبس)): سمعت الوزير (١) يقول في قوله تعالى:
﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ ﴾ [الفرقان: ١٩] قال: المعنى: فقد كذبكم أصنامكم
بقولكم؛ لأنكم ادعيتم أنها الآلهة وقد أقررتم أنها لا تنفع، فإقراركم يكذب
دعواكم .
في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ
فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] قال هو يدل على فضل هداية الخلق بالعلم، ويبين
شرف العالم على الزاهد المنقطع؛ فإن النبي وَطّر كالطبيب، والطبيب يكون
عِنْدَ المرضى، فلو انقطع عنهم هلكوا(٢).
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ
٨
الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلكَ يَلْقَ أَثَامًا
﴾ إِلَّ مَن تَابَ
يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فيهِ مُهَانَا
وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾
وخرَّج النسائيّ(٣) من حديث أبي سعيد، عن النبيِّ وَّ قالَ: ((إذا أسلمَ العبدُ
(١) هو: يحيى بن محمد بن هبيرة.
(٢) ((طبقات الحنابلة)) (٢٦٨/٣، ٢٧٠).
(٣) أخرجه: النسائي (١٠٥/٨ - ١٠٦).

٤٤
سورة الفرقان
فحَسُنَ إسلامُهُ، كَتَبَ اللَّهُ له كُلَّ حَسنة كانَ أزلفَها، ومحيت عنه كلِّ سيئة كان أزلفها،
ثُمَّ كانَ بعدَ ذلكَ القصاصُ، الحسنةُ بعشر أمثالها إلى سَبع مائة ضعف، والسَيِّئَةُ بمثلها إلا
أن يتجاوزَ اللَّهُ))، وفي رواية أخرى: ((وقيلَ لهُ: انتنف العملَ)).
والمرادُ بالحسنات والسيئاتِ التي كانَ أزلَفَهَا: ما سبقَ منه قبلَ الإسلامِ،
وهذا يدلُّ على أنه يُثابُ بحسناتهِ في الكفرِ إذا أسلمَ وتُمحى عنه سيئاتُه إذا
أسلَمَ، لكن بشرطِ أن يحسُنَ إسلامُه، ويتقِي تلكَ السيئاتِ في حالِ إسلامِهِ،
وقد نصَّ على ذلكَ الإمامُ أحمدُ.
ويدلُّ على ذلكَ ما في ((الصحيحينِ))(١) عن ابن مسعودٍ قالَ: قلنا: يا
رسولَ اللَّهِ، أنؤاخذُ بما عملْنا في الجاهليةِ؟ قالَ: ((أما مَنْ أحسنَ منكُم في الإسلامِ
فلا يُؤاخذُ بِهَا، ومن أساءَ أُخِذَ بعملِهِ في الجاهليةِ والإسلامِ)).
وفي ((صحيح مسلمٍ))(٢) عن عمرٍو بنِ العاصِ قال للنبيِّ نَّهِ لما أسلمَ: أريدُ
أن أشترطَ، قالَ: (تشترطُ ماذَا؟)) قلتُ: أن يُغفرَ لِي، قالَ: ((أما عَلَمتَ أنَّ
الإسلامَ يهدمُ ما كانَ قبلَهُ؟)). وخرجَهُ الإمامُ أحمدُ ولفظُه: ((إن الإسلامَ يجبُّ ما
كانَ قبلَهُ منَ الذنوبِ)»(٣) وهذا محمولٌ على الإسلامِ الكاملِ الحسنِ، جمعًا بينَهُ
وبين حديثِ ابنِ مسعودٍ الذي قبلَهُ.
وفي ((صحيحِ مسلمٍ)) (٤) أيضًا عن حكيمٍ بنِ حزامٍ قالَ: قلتُ: یا
رسولَ اللَّه أرأيتَ أمورًا كنتُ أصنعُها في الجاهليةِ من صدقة أو عتاقة أو صلة
(١) البخاري (١٧/٩)، ومسلم (١/ ٧٧).
(٢) (صحيح مسلم)) (٧٨/١).
(٣) («المسند» (٢٠٥/٤).
(٤) (صحيح مسلم)) (٧٩/١).

٤٥
سورة الفرقان
رحم، أفيها أجرٌ؟ فقالَ رسولُ اللَّهِ وَلَهِ: ((أسلمتَ على ما أسلفتَ من خيرِ)) وفي
رواية لهُ: قالُ: فقلتُ: واللَّه؛ لا أدعُ شيئًا صنعتُه في الجاهليةِ إلا صنعتُ في
الإسلام مثلَهُ.
وهذا يدلُّ على أنَّ حسناتِ الكافرِ إذا أسلمَ يُثابُ عليها كما دلَّ عليه
حديثُ أبي سعيدِ المتقدِّمُ.
وقد قيلَ: إن سيئاته في الشرك تبدَّلُ حسنات، ويُثابُ عليها، أخذًا من
قولهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ
بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ﴿١٨﴾ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ
٢٥° إِلَّ مَن تَابَ وَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَِئَاتِهِمْ
فيه مُهَانًا
حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٦٨، ٦٩، ٧٠].
· وقد اختلفَ المفسرونَ في هذا التبديلِ على قولِين:
فمنهُم مَنْ قالَ: هو في الدنيا، بمعنى: أنَّ اللَّه يُبَدُِّ من أسلمَ وتابَ إليه
بدلَ ما كان عليهِ من الكفرِ والمعاصِي: الإيمانَ والأعمالَ الصالحةَ، وحكَى هذا
القولَ إبراهيمُ الحربيَّ في ((غريبِ الحديثِ)) عن أكثرِ المفسرينَ، وسمّى منهم
ابنَ عباسٍ، وعطاءً، وقتادةَ، والسُّدِيَّ، وعكرمةَ.
قلتُ: وهو المشهورُ عن الحسنِ .
قالَ: وقال الحسنُ وأبو مالك وغيرُهما: هي في أهلِ الشركِ خاصةً، ليس
هي في أهلِ الإسلامِ .
قلتُ: إنما يصحُّ هذا القولُ على أنْ يكونَ التبديلُ في الآخرةِ كما سيأتِي،
وأما إن قيلَ: إنه في الدنيا، فالكافرُ إذا أسلمَ والمسلمُ إذا تابَ في ذلكَ سواءٌ،
بل المسلمُ إذا تابَ فهو أحسنُ حالاً من الكافر إذا أسلمَ.

٤٦
سورة الفرقان
قالَ: وقال آخرونَ: التبديلُ في الآخرةِ: جعلت لهم مكانَ كلِّ سيئةٍ حسنةً
منهم: عمرُو بنُ ميمون، ومكحولٌ، وابنُ المسيبِ، وعليُّ بنُ الحسينِ، قالَ:
وأنكرهُ أبو العاليةَ، ومجاهدٌ، وخالدٌ سبلان، وفيه موضعُ إنكارٍ، ثم ذكرَ ما
حاصلهُ: أنه يلزمُ من ذلكَ: أن يكونَ مَن كثرتْ سيئاتُهُ أحسن حالاً ممن قلَّتْ
سيئاتُه، حيثُ يُعطى مكانَ كلِّ سيئةٍ حسنةً، ثم قالَ: ولو قال قائلٌ: إنما ذكرَ
اللَّهُ أن يُبدلَ السيئاتِ حسناتٍ ولم يذكرِ العددَ كيفَ تبدَّل فيجوزُ أن معنى
تبدَّلُ: أن من عملَ سيئةً واحدةً وتابَ منها تبدَّلُ مائةَ ألفِ حسنةٍ، ومن عملَ
ألفَ سيئة أن تبدََّ ألفَ حسنةٍ، فيكونُ حينئذٍ مَنْ قِلّتُ سيئاتُهُ أحسنُ حالاً .
قلتُ: هذا القولُ - وهو التبديلُ في الآخرةِ - قد أنكرَهُ أبو العاليةَ، وتلا
قولَهُ تعالَى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ
أَنَّ بَيْتَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًّا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠] وردّه بعضُهم بقولِه تعالَى: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨]، وقولهِ تعالَى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ
مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا
وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًاً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩].
ولكن قد أُجيبَ عن هذا: بأنَّ التائبَ يُوقفُ على سيئاتهِ، ثمَّ تبدَّلُ
حسناتِ، قالَ أبو عثمانَ النهديُّ: إن المؤمنَ يُؤْتَى كتابهُ فِي سَتْرٍ من اللَّه عزّ
وجلّ، فيقرأُ سيئاتهِ، فإذا قرأَ تغيَّر لها لونُه حتَّى يمرَّ بحسناتِهِ، فيقرؤُها فيرجعُ
إليه لونُه، ثم ينظرُ فإذا سيئاتُه قد بُدِّلتْ حسناتٍ، فعندَ ذلكَ يقولُ: ﴿هَاؤُمُ
اقْرَءُوا كِتَابِيَهُ ﴾ [الحاقة: ١٩].
ورواهُ بعضُهم عن أبي عثمانَ عن ابنِ مسعودٍ، وقالَ بعضُهم: عن أبي
عثمانَ عن سلمانَ.

٤٧
سورة الفرقان
وفي (صحيحِ مسلمٍ))(١) من حديث أبي ذرِّ عن النبيِّ بَلِ قالَ: ((إني لأعلمُ
آخرَ أهلِ الجنَّةِ دُخولاً الجنَّة، وآخرَ أهلِ النارِ خروجًا منها، رجلٌ يُؤْتَى بِهِ يومَ القيامةِ
فيقالُ: اعرضُوا عليه صغارَ ذنوبه وارفعُوا عنه كبارها، فيعرضُ اللهُ عليه صغارَ ذنوبه،
فيقالُ له: عملتَ يومَ كذا وكذا، كذا وكذا؟ وعملتَ يومَ كذا وكذا، كذا وكذا؟ فيقولُ:
نعم، لا يستطيعُ أن يُنكرَ وهو مشفقٌ من كبارِ ذنوبه أن تُعرضَ عليه، فيقالُ لهُ: فإنَّ لكَ
مكانَ كُلِّ سيئة حسنةً، فيقولُ: يا ربِّ قد عملتُ أشياءَ لا أراها ها هنا)). قال: فلقد
رأيتُ رسولَ الله ◌َّ ضَحِكَ حتَّى بدتْ نواجذُه.
فإذا بُدَِّت السيئاتُ بالحسناتِ في حقٍّ من عوقِبَ على ذنوبِهِ بالنارِ، ففي
حقٌّ من مُحِيَ سيئاتُه بالإسلامِ والتوبةِ النصوحِ أوْلَى، لأنَّ محوَها بذلكَ أحبُّ
إلى اللهِ من محوِها بالعقابِ.
وخَرَّج الحاكمُ (٢) من طريقِ الفضلِ بنِ مُوسى، عن أبي العنبسِ عن أبيهِ،
عن أبي هريرةَ قالَ: قال رسولُ اللَّهِ وَهُ: ((ليتمنَّنَّ أقوامٌ أَنَّهم أكثرُوا من
السيِّئَاتِ))، قالوا: بِمَا يا رسولَ اللَّه؟ قال: ((الذين بدََّ اللَّهُ سيئاتهم حسنات)).
وخرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ من طريقِ سليمانَ أبي داود الزهريِّ عن أبي العنبسِ
عن أبيه عن أبي هريرةَ - موقوفًا، وهو أشبهُ مِن المرفوع.
ويُروى مثلُ هذا عن الحسن البصريِّ أيضًا، وهو يُخالف قولَه المشهور: إن
التبديل في الدنيا.
وأما ما ذكره الحربيَّ في التبديلِ، وأنَّ من قلَّت سيئاتُهُ يُزاد في حسناتهِ،
(١) ((صحيح مسلم)) (١٢١/١ - ١٢٢).
(٢) ((المستدرك)) (٢٥٢/٤).

٤٨
سورة الفرقان
ومن كثرتْ سيئاتُهُ يُقَلَّلُ من حسناته، فحديثُ أبي ذرٍّ صريحٌ في ردُّ هذا، وأنه
يُعطى مكانَ كلِّ سيئةٍ حسنةً.
وأما قولُه: يلزمُ من ذلكَ أن يكونَ من كثرت سيئاتُه أحسنَ حالاً ممن قلَّت
سيئاتُهُ، فيقالُ: إنما التبديلُ في حقٍّ مَنْ ندمَ على سيئاتهِ، وجعلَهَا نصبَ
عينيه، فكلَّما ذكرَه ازدادَ خوفًا ووجلاً وحياءً من اللَّهِ، ومسارعةً إلى
الأعمال الصالحة المكفرةِ كَمَا قالَ تعالى: ﴿إِلَّ مَن تَابَ وَأَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا ﴾
[الفرقان: ٧٠]، وما ذكرناهُ كلَّه داخلٌ في العمل الصالحِ، ومن كانتْ هذه حالُهُ،
فإنَّه يتجرَّعُ من مرارةِ الندمِ والأسفِ على ذنوبِهِ أضعاف ما ذاق من حلاوتها
عند فعلها، ويصير كل ذنبٍ من ذنوبه سببًا لأعمال صالحة ماحية له، فلا
يُستنكرُ بعد هذا تبديلُ هذه الذنوبِ حسناتٍ .
وقد وردت أحاديثُ صحيحةٌ صريحةٌ في: أن الكافرَ إذا أسلم وحَسُنَ
إسلامُه تبدّلت سيئاتُه في الشَّرك حسناتٍ، فخرَّج الطبرانيّ(١)
◌ُ(١) من حديث
عبدِ الرحمنِ بنِ جبيرِ بنِ نفيرٍ عن أبي فروةَ شطبٍ: أنه أتى النبيَّ ◌َلّ فقالَ:
أرأيتَ رجلاً عَمِلَ الذنوبَ كُلَّها، ولم يتركْ حاجةً ولا داجةً، فهل له من
٥
توبة؟ فقالَ: ((أسلمتَ؟)) قال: نعم، قال: ((فافعل الخيراتِ، واترك السيئات،
فيجعلُها اللَّهُ لك خيرات كلَّها))، قالَ: وغَدَرَاتي وفَجَراتي؟ قالَ: ((نعم))، قال: فما
زال يُكبِّرُ حتَّى توارَى. وخرَّجْهُ (٢) من وجه آخرَ بإسنادِ ضعيفٍ عن سلمةَ بنِ
نفيلٍ، عن النبيِّ وَله.
وخرَّج ابنُ أبي حاتمٍ نحوَهُ من حديثِ مكحولٍ مرسلاً، وخرجَ البزارُ (٣)
(١) أخرجه: الطبراني في «الكبير» (٣١٤/٧).
(٢) أخرجه: الطبراني في «الكبير» (٥٣/٧).
(٣) (٣٢٤٤ - كشف الأستار).

٤٩
سورة الفرقان
الحديثَ الأوَّل. وعندهُ: عن أبي طويلٍ شطبِ الممدودِ: أنه أتى النبيَّ، فذكرَهُ
بمعناهُ.
وكذا خرَّجِه أبو القاسمِ البغويُّ في ((معجمِهِ))، وذكرَ: أن الصوابَ عن
عبدِ الرحمنِ بن جُبيرِ بنِ نفيرٍ مرسلاً أنَّ رجلاً أتى النبيَّ ◌َِِّ، طويل شَطْب،
والشطبُ في اللغةِ: الممدودُ، فصحفه بعضُ الرواةِ، وظنَّه اسمَ رجلٍ (١).
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ
قال اللَّهُ تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧].
[ قال البخاريُّ](٢): ومعنى الدعاء في اللغة: الإيمانُ.
اعلم؛ أنَّ أصلَ الدعاءِ في اللغة: الطلبُ، فهو استدعاءٌ لما يطلبهُ الداعِي،
ويُؤْثِرُ حصولَه.
فتارةً يكونُ الدعاءُ بالسؤال من اللَّهِ عز وجل والابتهالِ إليه، كقول
الداعِي: اللهمَّ اغفرْ لي، اللهم ارحمْنِي .
وتارةً يكونُ بالإِتيانِ بالأسبابِ التي تقتضي حصولَ المطالبِ، وهو الاشتغالُ
بطاعةِ اللَّهِ وذكرهِ، وما يحبّ من عبده أن يفعله، وهذا هو حقيقةُ الإيمان.
وفي ((السنن الأربعة))(٣)، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ، عن النبيِّ وَّةِ، قال: ((إنَّ
الدُّعاءَ هو العبادة، ثم قرأ: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ
(١) ((جامع العلوم والحكم)) (٢٩٤/١ - ٣٠١).
(٢) ((صحيح البخاري)) (٦/١).
(٣) أخرجه: أبو داود (١٤٧٩)، والترمذي (٢٩٦٩)، والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((تحفة
الأشراف)» (٩/ ٣٠)، وابن ماجه (٣٨٢٨).

سورة الفرقان
عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠])) .
فما استجلبَ العبدُ من اللَّهِ ما يحبُّ، واستدفعَ منه ما يكره، بأعظمَ من
اشتغالِهِ بطاعةِ اللَّهِ وعبادتهِ وذكرِهِ، وهو حقيقةُ الإيمانِ، فإن اللَّهَ يدفعُ عنِ
الذين آمنوا .
وفي (الترمذي)(١)، عن أبي سعيد، عن النبيّ وَّةِ، قال: ((يقُولُ الربُّ عزَّ
وجلّ: مَن شغلَهُ القرآنُ وذكرِي عن مسألِي أعطيتهُ أفضلَ ما أُعطِي السائلينَ) .
وقال بعضُ التابعينَ: لو أطعتمُ اللَّهَ ما عصاكُم.
يعني: ما منعكُمْ شيئًا تطلبونَهُ منه.
وكان سفيانُ يقولُ: الدعاءُ تركُ الذنوبِ.
يعني: الاشتغالَ بالطَّاعَةِ عن المعصية.
﴾ [الفرقان: ٧٧]، فيه للمفسرين
وأما قولُه تعالى: ﴿مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ
قولان :
أحدهما: أن المرادَ: لولا دعاؤُكُم إيَّه، فيكونُ الدعاءُ بمعنى الطاعة، كما
ذكرنَا .
والثاني: لولا دعاؤُهُ إياكُم إلى طاعتِهِ، كمَا في قولهِ تعالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ
الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، أي: لأدعوهُم إلى عِبادَتَي.
وإنما اختلف المفسرون في ذلكَ لأنَّ المصدرَ يضافُ إلى الفاعلِ تارةً، وإلى
المفعولِ أُخرى(٢).
(١) ((الجامع)) (٢٩٢٦).
(٢) (فتح الباري)) (١٨/١ - ١٩).

سورة الشعراء
· أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ
٧٥
قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنْتُمْ تَعْبَدون
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴿٠١٧ الَّذي
الأَقْدَمُونَ ﴾
و
خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ﴿
٧٩
( وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمَنِي ویُسقِینِ
٧٨
: وَالَّذِي يُمِيْشِي ثُمَّ يُحْيِيِنِ
وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
وَلَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾
٨١
وقد استدلَّ إبراهيمُ الخليلُ - عليه السلامُ - بتفرُّدِ اللَّهِ بهذه الأمورِ على أنَّه
لا إلهَ غيرُهُ، وأنَّ كُلَّ ما أشركَ معهُ باطلٌ، فقالَ لقومه: ﴿أَفَرَ أَيْتُم مَّا
كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿٥ٌ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ { فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ
( ٧٧
وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ
٧
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ﴿٨° وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ
وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِئَتِي يَوْمَ
وَالَّذِي يُمِيْنِي ثُمَّ يُحْبِنِ
یشفین
الدّينِ﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٨٢]، فإنَّ من تفرَّد بخلقِ العبدِ وبهدايَتِهِ وبرزِقِهِ وإحيائِهِ
وإماتتِهِ في الدَّنْيا، وبمغفرةِ ذنوبِهِ في الآخرةِ مستحقٌّ أن يتفرَّد بالإلهية والعبادة
والسؤالِ والتضرَّعِ إليه والاستكانة لهُ. قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ
ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّنَ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ
وَتَعَالَىْ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الروم:٤٠] (١).
(١) ((جامع العلوم والحكم)) (١٢/٢).

٥٢
سورة الشعراء
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ
﴿ إِلَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
القلبُ واللسانُ همَا عبارةٌ عن الإنسان؛ كما يُقالُ: الإنسانُ بأصغریه؛
قلبه، ولسانه .
وخرَّجَ ابنُ سعدٍ من روايةِ عروةَ بنِ الزبيرِ مرسلاً: أَنَّ النبيَّ وَّه لما رأى
أَشجّ عبدَ القيسِ، وكانَ رجُلاً دميمًا، فقالَ للنبيِّ وَّه: إنه لا يُستقى في
مُسُوكِ الرجال، إنما يُحتاجُ من الرجلِ إلى أصغريه؛ لسانه، وقلبه. وقال
المتنبى :
ولم يبقَ إلا صورةَ اللحمِ والدمِ
لسانُ الفتی نصفٌ ونصفٌ فؤادُهُ
فمن استقامَ قلبُهُ ولسانُه استقامَ شأنُهُ كلُّه، فالقلبُ السليمُ هوَ الذي ليسَ
فيه محبةُ شيءٍ ممّا يكرهُهُ اللَّهُ، فدخلَ في ذلكَ: سلامتُهُ من الشركِ الجليِّ،
والخفيِّ، ومن الأهواءِ والبدعِ، ومن الفسوقِ والمعاصِي؛ كبائرِهَا وصغائرِهَا
الظاهرة والباطنةِ: كالرياءِ والعجبِ والغلِّ والغشِّ والحقد والحسدِ وغيرِ ذلكَ
وهذا القلبُ السليمُ هو الذي لا ينفعُ يومَ القيامةِ سواهُ؛ قال تعالىَ: ﴿يَوْمَ لا
يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ﴿1﴾ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩]. إذا سلمَ
القلبُ لم يسكنْ فيه إلا الربُّ. في بعضِ الآثارِ، يقولُ اللَّه: ((وما وسعنِي
سمائِي ولا أَرضِي، ولكن وسعنِي قلبُ عبدِي المؤمنِ))(١).
(١) ((شرح حديث شداد بن أوس)) (٤٨ - ٤٩).

٥٣
سورة الشعراء
وقوله وَلَهُ: ((ألا وإنَّ في الجسد مضغةً، إذا صَلَحت، صلحَ الجسدُ كلُّه، وإذا
فسدتْ فسدَ الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلبُ))(١)، فيه إشارةٌ إلى: أنَّ صلاحَ حركاتٍ
العبدِ بجوارِحِهِ، واجتنابِه للمحرَّمَاتِ واتِّقائِهِ للشَّبهاتِ بحسبِ صلاحِ حركةِ
قلبه .
فإنْ كانَ قلبُهُ سليمًا، ليسَ فيه إلا محبةُ اللَّه ومحبةُ ما يُحبُّه اللَّه، وخشيةُ
اللَّهِ وخشيةُ الوقوع فيما يكرهُهُ، صلحَتْ حركاتُ الجوارحِ كلِّها، ونشأ عن
ذلكَ اجتنابُ المحرَّماتِ كلِّها، وتوقِّي الشبهاتِ حذرًا مِنَ الوقوعِ في
المحرَّمات.
وإن كانَ القلبُ فاسدًا، قد استولى عليه اتِّاعُ هواه، وطلبُ ما يحبُّه، ولو
كرهَهُ اللَّهُ، فسدتْ حركاتُ الجوارحِ كلِّها، وانبعثتْ إلى كلِّ المعاصِي
والمشتبهاتِ بحسبِ اتّاعِ هوى القلبِ .
ولهذا يقالُ: القلبُ ملكُ الأعضاء، وبقيَّةُ الأعضاءِ جنودُه، وهم مع هذا
جنودٌ طائعونَ لهُ، منبعثونَ في طاعتِهِ، وتنفيذِ أوامرِهِ، لا يخالفونَهُ في شيءٍ
من ذلكَ، فإنْ كانَ الملكُ صالحًا كانتْ هذه الجنودُ صالحةً، وإن كان فاسداً
كانت جنوده بهذه المثابة فاسدةً، ولا ينفع عندَ اللَّهِ إلا القلبُ السليمُ، كما
قالَ تعالَى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ ﴿٤﴾ إِلَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
[الشعراء: ٨٨-٨٩]، وكان النبيّ ◌َِّ يقولُ في دعائِهِ: (أسألكَ قلبًا سليمًا))(٢).
فالقلبُ السليمُ: هو السالمُ من الآفاتِ والمكروهاتِ كلِّها، وهوَ القلبُ
(١) أخرجه: البخاري (١/ ٢٠)، ومسلم (٥٠/٥) من حديث النعمان بن بشير صيله.
(٢) أخرجه: أحمد (١٢٥/٤)، والترمذي (٣٤٠٧)، والنسائي (٥٤/٣) من حديث شداد بن أوس

٥٤
سورة الشعراء
الذي ليسَ فيه سوى محبة الله وما يحبُّهُ اللَّهُ وخشية اللَّه، وخشية ما يُباعدُ
منه.
وفي «مسند الإمامِ أحمدَ)(١) عن أنسٍ عن النبيِّ ◌َِّ، قالَ: ((لا يستقيمُ إيمانُ
عبد حتى يستقيم قلبُهُ)).
والمرادُ باستقامةِ إيمانه: استقامةُ أعمالِ جوارِحِه، فإنَّ أعمالَ الجوارحِ لا
تستقيمُ إلا باستقامةِ القلبِ، ومعنى استقامةِ القلبِ: أن يكونَ ممتلئًا مِنْ محبّةٍ
الله، ومحبّةٍ طاعتهِ، وكراهةِ معصيتهِ .
قال الحسنُ لرجلٍ: داوٍ قلبكَ؛ فإنَّ حاجةَ اللَّهِ إلى العبادِ صلاحُ قلوبِهم.
يعني: أنَّ مرادَهُ منهُم ومطلوبَهُ صلاحُ قلوبِهِم، فلا صلاحَ للقلوبِ حتَّى
تستقرَّ فيها معرفةُ اللَّهِ وعظمتُه ومحبّتَّهُ وخشيتُهُ ومهابتُه ورجاؤهُ والتوكلُ
عليه، وتمتلئَ مِنْ ذلك، وهذا هو حقيقةُ التوحيد، وهو معنى ((لا إله إلا
اللَّهُ))، فلا صلاحَ للقلوبِ حتَّى يكونَ إلهُها الذي تألهُه وتعرفُه وتحبُّه وتخشاه
هو اللَّهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، ولو كانَ في السماواتِ والأرضِ إلهٌ يُؤَله سِوى
اللَّه، لفسدتْ بذلكَ السماواتُ والأرضُ، كما قالَ تعالَى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ
إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].
فعلم بذلكَ أنَّه لا صلاحَ للعالَمِ العُلويِّ والسُُّليِّ معًا حتى تكونَ حركاتُ
أهلها كلُّها للَّهِ، وحركاتُ الجسدِ تابعةً لحركةِ القلبِ وإرادته، فإن كانتْ
حركتُه وإرادتُه للَّهِ وحدَه، فقدْ صَلِحَ وصلحتْ حركاتُ الجسدِ كلُّها، وإِنْ
كانتْ حركةُ القلب وإرادتُهُ لغيرِ اللَّهِ تعالَى، فسدَ، وفسدتْ حركاتُ الجسد
(١) أخرجه: أحمد (١٩٨/٣).

سورة الشعراء
بحسبِ فسادِ حركةِ القلبِ .
وروى الليثُ عن مجاهدٍ في قولهِ تعالَى: ﴿وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شيئا﴾ [النساء: ٣٦]
قال: لا تحبُّوا غيرِي.
وفي (صحيحِ الحاكمٍ) (١) عن عائشةَ ضِرَّها عن النبيِّ وَّهِ قالَ: «الشِّركُ أخْفَى
من دبيبِ الذرِّ على الصفا في الليلةِ الظَّلماءِ، وأدناهُ: أن تُحِبَّ على شيءٍ من الجورِ، وأن
تُغضَ على شيءٍ من العدل، وهل الدِّينُ إلا الحبُّ والبغضُ؟ قال اللَّهُ عز وجل: ﴿ قُلْ
إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣١]).
فهذا يدلُّ على أنَّ محبةَ ما يكرهُهُ اللَّهُ، وبغضَ ما يُحبه اللهُ متابعةٌ
للهوى، والموالاةُ على ذلك والمعاداةُ عليه من الشركِ الخفيِّ، ويدلُّ على ذلكَ
قولُه تعالَى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، فجعلَ
علامةَ الصدقِ في محبته اتباعَ رسولِهِ، فدلَّ على أن المحبةَ لا تتمّ بدون
ءِ
الطاعةِ والموافقة.
قال الحسنُ: قال أصحابُ رسول اللَّهِ وَله: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّا نُحبُّ ربنا
حبًّا شديدًا. فأحبَّ اللَّهُ أن يجعل لحبِّه علمًا، فأنزلَ اللَّهُ هذه الآيةَ: ﴿قُلْ إِن
كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اَللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. ومن هنا قالَ الحسنُ: اعْلم
أنكَ لن تُحبَّ اللَّهَ حتى تُحبَّ طاعتَهُ(٢) .
وسُئِلَ ذو النونِ: متى أُحِبُّ ربِّي؟ قال: إذا كانَ ما يُبغضُهُ عندكَ أمرًّ من
الصبرِ. وقالَ بشرُ بن السَّري: ليسَ من أعلامِ الحبِّ أن تحبَّ ما يُبغضُهُ
(١) ((المستدرك)) (٢٩١/٢).
(٢) راجع: ((التفسير)) لابن جرير الطبري (٢٣٢/٣).

٥٦
سورة الشعراء
حبيبُك. وقال أبو يعقوبَ النهر جوريُّ: كلُّ من ادَّعى محبةَ اللَّهِ عزَّ وجلَّ،
ولم يُوافقِ اللَّهَ في أمرِهِ، فدعواهُ باطلٌ. وقالَ رُويمٌ: المحبةُ: الموافقةُ في كلِّ
الأحوالِ، وقالَ يحيى بنُ معاذٍ: ليسَ بصادقٍ من ادَّعى محبةَ اللَّهِ ولم يحفظْ
حدودَهُ، وعن بعضِ السلفِ قالَ: قرأتُ في بعضِ الكتبِ السالفةِ: من أحبَّ
اللَّهَ لم يكنْ عندهُ شيءٌ آثرَ من مرضاتِهِ، ومن أحبَّ الدنيا لم يكنْ عندَهُ شيءٌ
آثرَ من هوی نفسهِ .
وفي ((السننِ))(١) عن النبيِّ بََّ قالَ: ((مَنْ أعطَى للَّهِ، ومنحَ للَّهِ، وأحبَّ للَّه،
وأبغضَ للَّهِ، فقد استكملَ الإِيمانَ)) ومعنى هذا أن حركاتِ القلبِ والجوارحِ إذا
كانتْ كلُّها للَّه فقدْ كمُلَ إيمانُ العبدِ بذلكَ ظاهراً وباطِنًا، ويلزمُ من صلاحِ
حركاتِ القلبِ صلاحُ حركاتِ الجوارحِ، فإذا كانَ القلبُ صالحًا ليسَ فيه إلا
إرادةُ اللَّهِ وإرادةُ ما يريدُه لم تنبعثِ الجوارحُ إلا فيما يُريدُه اللَّهُ، فسارعتْ إلى
ما فيه رضاهُ وكَفَّتْ عما يكرَهُهُ، وعمَّا يُخشى أن يكونَ مما يكرههُ وإن لم
يتيقنْ ذلكَ.
قال الحسنُ: ما نظرتُ ببصرِي، ولا نطقتُ بلساني، ولا بطشتُ بيدي،
ولا نهضتُ على قدمِي؛ حتى أنظرَ على طاعةٍ أو على معصيةٍ؟ فإن كانتْ
طاعةٌ تقدمتُ، وإن كانتْ معصيةٌ تأخَّرَتُ.
وقال محمدُ بنُ الفضلِ البَلخيُّ: ما خطوتُ منذ أربعينَ سنةً خطوةً لغيرِ
اللَّه عزَّ وجلَّ. وقيلَ لداودَ الطائىِّ: لو تنحيتَ من الظلّ إلى الشمسِ؟ فقالَ:
هذه خُطًا لا أدري كيفَ تكتبُ.
(١) أخرجه: أحمد (٣/ ٤٤٠)، والترمذي (٢٥٢١) من حديث سهل بن معاذ ضِىّه.

٥٧
سورة الشعراء
فهؤلاء القومُ لما صلحتْ قلوبُهم، فلم يبقَ فيها إرادةٌ لغير الله، صلحتْ
جوارحُهم، فلم تتحرَكْ إلا للَّهِ عزَّ وجلَّ، وبما فيه رضاهُ، واللَّهُ أعلمُ (١).
قوله تعالى: ﴿ وَتَقَلَُّكَ فِي السَّاجِدِينَ ﴾
وقولُه: ((إني لأرى منْ خلفي كما أرى منْ بين يدي))(٢)، هو فضيلةٌ للنبيِّ ◌َ
صَلَى اللّهِ
وَسَم
خصَّهُ اللَّهُ بها، فكانَ ينظرُ ببصيرتِهِ كما ينظرُ ببصرِهِ، فيرى من خلفَه كمَا
یرَی من بینَ یدیهِ .
وقد فسَّرَهُ الإمامُ أحمدُ بذلكَ في روايةِ ابنِ هانئ(٣)، وتأولَ عليه قولَهُ
تعالَى: ﴿وَتَقَلَُّكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩].
٢١٨٣٪
كما روى ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ
وَتَقَلُّكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٨ - ٢١٩]، أنّ النبيّ وَّ كانَ يرى أصحابَهُ في
صلاته من خلفه، کما یری من بین یدیهِ .
وتأويلُ الآيةِ على هذا القول: أن اللَّه تعالى يَرَى نبيَّهِ وَلَّ حين يقومُ إلى
صلاتهِ، ويَرَى تقلبَ نظرِهِ إلى الساجدينَ معه في صلاتِهِ.
وقال الأثرمُ: قلتُ لأحمدَ: قولُ النبيِّ بَّهِ: ((إني لأراكم من وراء ظهرِي))؟
قال: كانَ يرى من خلفَهُ كما يَرى من بينَ يديِهِ. قلتُ: إن إنسانًا قال لي: هو
(١) ((جامع العلوم والحكم)) (١٩٧/١ - ٢٠١).
(٢) أخرجه: البخاري (١١٤/١ - ١٨٩)، (٦٤/٨)، ومسلم (٢٧/٢ - ٢٨) من حديث أنس بن
مالك نظره.
(٣) ((مسائل ابن هانئ)) (١٩٣/٢).

٥٨
سورة الشعراء
في ذلكَ مثل غيرِهِ، وإنما كانَ يراهُم كما ينظرُ الإمامُ عن يمينه وشماله؟ فأنكرَ
ذلك إنكارًا شديدًا(١)
(١) «فتح الباري)» (٣٥٩/٢).

سُورَةُ النَّمْلِ
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ
الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ رَأَنْ أَعْمَلَ صَالحًا
تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ
قال ابن الجوزي في ((المقتبس)) سمعت الوزير(١) يقول في قوله تعالى:
﴿أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ [النمل: ١٩] قال: هذا من
تمام برّ الوالدين. كأنَّ هَذا الوَلَدَ خَافَ أَنْ يَكون وَالِدَاهُ قَصَّرا فِي شُكْرِ الرَّبِّ
عز وجل، فسأل اللَّه أن يُلْهِمَهُ الشُّكْرَ على ما أنعم به عليه وعليهما؛ لِيَقُوم
بما وَجَبَ عَلَيْهِما من الشُّكر إن كانا قَصَّرًا (٢).
قوله تعالى: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾
وقال ابنُ عيينةَ: ((لا إله إلا اللَّهُ لأهلِ الجنةِ كالماءِ الباردِ لأهلِ الدُّنْيا))،
وكذلكَ ترنُّمهم بالقرآنِ وسماعُهُمْ لهُ، وأعلاه: سماعُهُ من اللَّه جلَّ جلالُه
وتقدستْ أسماؤُه، فأينَ هذا من تلاوةِ أهلِ الدنيا وذكرِهم؟ وأمَّا سائرُ
العبادات: فما كانَ منها فيه مشقةٌ على الأبدان فإنَّ أهل الجنة قد أُسقطَ ذلك
عنهم؛ وكذلكَ ما فيه نوعُ ذلِّ وخضوعٍ كالسجودِ ونحوهِ.
(١) هو: يحيى بن محمد بن هبيرة.
(٢) ((طبقات الحنابلة)) (٢٦٨/٣).

٦٠
سورة النمل
وأما ما في العباداتِ من النعيمِ الحاصلِ بها لأهلِ المعرفةِ في الدُّنيا، فإنَّه
يحصلُ في الجنةِ أضعافًا مع راحةِ البدنِ من مشقةِ التكليفِ التي في الدُّنْيا
فتجتمعُ لهم راحةُ القلبِ والبدنِ على أكملِ الوجوهِ.
وهذا مثلُ الصلاة، فإن العارفينَ في الدُّنيا إنما يتنعمونَ بما فِيهَا منَ المناجاةِ
وآثارِ القربِ، وما يرِدُ عليهم من الوارداتِ في تلاوةِ الكتابِ ونحوِ ذلكَ من
نعيم القلوبِ، وربما يستغرقونَ به عن الشعورِ بتعبِ الأبدانِ فهذا القدرُ الذي
حصلَ لهم به التنعمُ في الدنيا يتزايدُ في الجنةِ بلا ريبٍ، لاسيّما في أوقاتٍ
الصلواتِ، فإنَّ أكملَهُم من ينظرُ إلى وجهِ اللَّهِ عز وجل كلَّ يومٍ مرتينٍ، بكرةً
وعشيةً، في وقتِ صلاةِ الصبحِ وصلاةِ العصرِ، لِا جاءَ في حديثِ ابنِ عمَر
مرفوعا وموقوفًا(١)، وإلى ذلك أشارَ النبيُّنَّهَ بالمحافظةِ على هاتينِ الصلاتينِ
عقيبَ ذكرِهِ رؤيةَ الربِّ سبحانَهُ في حديثِ جريرِ البجليّ(٢) .
فالنعيمُ الحاصلُ لأهلِ الجنَّةِ بالرؤيةِ والمخاطبةِ في هذينِ الوقتينِ أكملُ مما
كانَ حاصلاً في الدنيا، وكذلكَ صلاةُ الجمعةِ: فإنهم يجتمعونَ في وقتِها في
يومِ المزيدِ ويتجلَّى لهم سبحانَهُ ويحاضرُهم محاضرةً، وكذلكَ في العيدينِ.
فهذا؛ أكملُ مما كانَ يحصلُ لهم في الدنيا في صلاتِهِم من آثارِ القربِ
وحلاوةِ مع راحةِ البدنِ ونعيمهِ أيضًا. فتبينَ بهذا أن نعيمَ الجنةِ أكملُ من نعيمٍ
(١) الحديث روي مرفوعًا وموقوفًا .
أما الرواية المرفوعة، أخرجها: أحمد (١٣/٢ - ٦٤)، والترمذي (٢٥٥٣) بلفظ: ((إن أدنى أهل
الجنة منزلاً من ينظر إلى جناحه وأزواجه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على اللَّه: من
ينظر إلى وجهه غدوة وعشية .. )) الحديث.
أما روايته موقوفًا، فقد أخرجها: الطبري في تفسيره)) (٢٩/ ١٢٠).
(٢) أخرجه: البخاري (١٤٥/١ - ١٥٠)، (١٧٣/٦)، (١٥٦/٩)، ومسلم (١١٣/٢).