النص المفهرس

صفحات 621-640

٦٢١
سورة النحل
وخرَّج - أيضًا (١) - من حديثِ رجلٍ من الصحابةِ عنِ النبيِّ وَّ قال: ((من
مثَّل بذي رُوحٍ، ثم لم يُتُبْ مَثَّلَ اللَّهُ به يومَ القيامةِ))(٢) .
٠,٠٠
قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمَلَ صَالِحًا مّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مؤمن
فَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَتَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
وقال بعضُهم في قوله تعالى: ﴿فَلَنُحْبِيَنَّهُ حَيَاةً طَيَّةً﴾ [النحل: ٩٧] قال: الرِّضا
والقناعة))(٣).
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ﴾
ومما يُستحبُّ الإتيانُ به قبلَ القراءة في الصلاةِ: التعوذُ، عند جمهور
العلماء .
واستدلُّوا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْأَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾
[النحل: ٩٨]، والمعنى: إذا أردتَ القراءةَ، هكذا فسَّرَ الآيةَ الجمهورُ، وحُكي عن
بعضِ المتقدمينَ، منهم: أبو هريرة وابنُ سيرينَ وعطاءٌ: التعوذُ بعدَ القراءة.
والمرويُّ عن ابنِ سيرينَ: قبل قراءة أمِّ القرآنِ وبعدَها، فلعله كان يستعيذ
القراءةِ السورة، كما يقرأ البسملةَ لها - أيضًا.
(١) («المسند» (٩٢٠/٢ - ١١٥).
(٢) ((جامع العلوم والحكم)) (٣٩٠/١ - ٣٩٤).
(٣) ((شرح حديث عمار بن ياسر: ((اللهم بعلمك الغيب)) (ص ٣٨).

٦٢٢
سورة النحل
وقد جاءت الأحاديثُ بأنَّ النبيَّ وَظِلِّ كان يتعوذُ قبل القراءة في الصلاةِ:
فروى عمرُو بنُ مُرََّ، عن عاصمِ العنزيِّ، عن ابنِ جبيرِ بنِ مطعمٍ، عن
أبيه، أَنَّه رأى النبيَّ بَه يصلِّي صلاةً، قال: ((اللَّهُ أكبرُ كبيرًا، اللَّهُ أكبر كبيرًا، اللَّهُ
أكبرُ كبيرًا، والحمدُ للَّه كثيرًا، سبحانَ اللَّه بكرةً وأصيلاً)) ثلاثًا. ((أعوذُ بالله من الشيطان
الرجيمِ، من نفْخه ونفْئِهِ وهمْزِه)) قال: نفتُه: الشعرُ، ونفخه: الكِبَرُّ، وهمزُهُ:َ
الموتة .
خرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ وابنُ ماجه وابنُ حبانَ في (صحيحه))
والحاكم وصححه(١).
وابنُ جبيرٍ هو: نافعٌ، وقع مسمّى في روايةٍ كذلك. وعاصمٌ العنزيُّ، قال
أحمد: لا يُعرف، وقال غيرُهُ: روى عنه غيرُ واحد. ذكره ابنُ حبانَ في
((ثقاته)) .
٠٠
وروى عطاءُ بنُ السائبِ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السلميِّ، عن ابنِ مسعودٍ،
عن النبيِّ وَّ، أنه كان إذا دخل في الصلاة، يقول: ((اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بك من
الشيطان وهمزه ونفخه ونفثه».
٠٠
خرَّجه ابنُ ماجه والحاكم (٢) وهذا لفظُهُ.
وقال: صحيحُ الإسناد، فقد استشهدَ البخاريّ بعطاءِ بنِ السائبِ .
وروى عليّ بنُ عليِّ الرفاعيَّ، عن أبي المتوكّلِ، عن أبي سعيد الخدريِّ،
قال: كان رسولُ اللَّهِ وَّ إذا قامَ إلى الصلاةِ بالليلِ كَبَّر، ثم يقولُ: ((أعوذُ
(١) أخرجه: أحمد (٨٥/٤)، وأبو داود (٧٦٤)، وابن ماجه (٨٠٧)، وابن حبان (١٧٨٠)،
والحاكم (٢٣٥/١).
(٢) أخرجه: ابن ماجه (٨٠٨)، والحاكم (٢٠٧/١).

٦٢٣
سورة النحل
باللَّهِ السميعِ من الشيطانِ الرجيمِ، من همزِهِ ونفخه ونفْه)).
٠٠
٠٠
خرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داود والترمذيُّ(١) .
وقال: كان يحيى بنُ سعيدٍ يتكلمُ في عليٍّ بنِ عليٍّ، وقال أحمدُ: لا
يصحُّ هذا الحديثُ.
كذا قالَ، وإنَّما تكلمَ فيه يحيى بنُ سعيدٍ من جهة أنه رماه بالقدر، وقد
وثقه وكيعٌ ويحيى بن معين وأبو زرعة.
وقال أحمدُ: لا بأس به، إلا أنه رفع أحاديثَ.
وقال أبو حاتمٍ: ليس به بأسٌ، ولا يُحتجُّ بحديثِهِ.
وإنَّما تكلمَ أحمدُ في هذا الحديثِ؛ لأنه رُوي عن عليٍّ بن عليٍّ، عن
الحسنِ - مرسلاً -، وبذلك أعلَّه أبو داودَ، وخرَّج في ((مراسيلِهِ))(٢) من طريقِ
عمرانَ بنِ مسلمٍ، عنِ الحسنِ، أنَّ رسولَ اللهِ نََّ كان إذا قامَ منَ الليلِ يريدُ
أن يتهجد، يقولُ - قبل أن يكبِّرِ: ((لا إله إلا اللَّهُ، لا إله إلا اللَّهُ، واللَّهُ أكبرُ كبيراً،
اللَّهُ أكبر كبيرًا، أعوذ بالله من الشيطان الرجيمِ، من همزِهِ ونفخِهِ ونفْثِه)) ثم يقول: ((اللَّهُ
أکبرُ).
وفي البابِ أحاديثُ أخرُ مرفوعةٌ، فيها ضعفٌ.
واعتمادُ الإمامِ أحمدَ على المرويِّ عن الصحابةِ في ذلك؛ فإنه روى التعوذَ
قبل القراءة في الصلاةِ عن عمرَ بنِ الخطابِ وابنِ مسعودٍ وابنِ عمرَ وأبي
هريرةَ، وهو قولُ جمهورِ العلماءِ كما تقدم.
(١) أخرجه: أحمد (٣/ ٥٠)، وأبو داود (٧٧٥)، والترمذي (٢٤٢).
(٢) ((المراسيل)).

٦٢٤
سورة النحل
والجمهورُ على أنَّه غيرُ واجب، وحُكِيَ وجوبُهُ عن عطاء والثوريِّ وبعضِ
الظاهريةِ، وهو قولُ ابنِ بطةَ من أصحابِنا.
والجمهورُ على أنه يسره في الصلاةِ الجهريَّةِ، وهو قولُ ابنِ عمرَ وابنٍ
مسعودٍ والأكثرينَ.
ورُوي عن أبي هريرةَ الجهرُ به.
وللشافعيِّ قولانِ. وعن ابنِ أبي ليلى: الإسرارُ والجهرُ سواءٌ.
واختلفُوا: هل يختصُّ التعوذُ بالركعةِ الأولَى، أمْ يستحبُّ في كلِّ ركعة؟
على قولينِ :
أحدُهما: يستحبُّ في كلِّ ركعةٍ، وهو قولُ ابنِ سيرينَ، والحسنِ والشافعيِّ
وأحمدَ - في رواية .
والثاني: أنه يختصُّ بالركعة الأولى، وهو قولُ عطاءِ والحسنِ والنخعيِّ
والثوريِّ وأبي حنيفةَ وأحمدَ - في رواية عنه.
وقال هشامُ بنُ حسانٍ: كان الحسنُ يتعوذُ في كل ركعةٍ، وكان ابنُ سيرينَ
يتعوذُ في كلِّ ركعتينِ .
وذهبَ مالكٌ وأصحابُهُ إلى أنَّه لا يتُعوَّذُ في الصلاةِ المكتوبةِ، بل يفتتحُ بعدَ
التكبيرِ بقراءة الفاتحةِ من غيرِ استعاذةٍ ولا بسملةٍ، واستدلّوا بظاهرٍ حديثٍ
أنسٍ: كان النبيُّ ◌َّهِ يفتتحُ الصلاةَ بَ: ﴿الْحَمْدُّ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهو
الحديثُ الذي خرَّجه البخاريُّ في أوَّلِ هذا البابِ .
ويجاب عنه؛ بأنه إنَّما أراد أنَّه يفتتح قراءةَ الصلاةِ بالتكبيرِ والقراءةِ بـ
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وافتاح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إمَّا أن يرادُ به

٦٢٥
سورة النحل
افتتاحها بقراءة الفاتحة كما يقولُ الشافعيُّ، أو افتتاح قراءة الصلاة الجهرية
بكلمةٍ ﴿الْحَمْدُ﴾ من غير بسملةٍ كما يقولُهُ الآخرون.
ودلَّ عليه: حديثُ أنسِ الذي خرَّجه مسلمٌ (١) صريحًا.
وعلى التقديرينٍ، فلا ينفي ذلكَ أنْ يكون قبل القراءة ذكرًا، أو دعاءً، أو
استفتاحًا، أو تعوذًا، أو بسملةً، فإنه لا يخرج بذلك عن أن يكون افتتح
القراءةَ بالفاتحةِ، أو افتتح الجهرَ بالقراءةِ بكلمة ﴿الْحَمْدُ﴾.
ولا يمكنُ حملُ الحديث على أنَّه كانَ أولَ ما يفتتحُ به الصلاةَ قراءةُ كلمة
مے
﴿الْحَمْدُ﴾، فإنه لو كانَ كذلك لكانَ لا يفتتحُ الصلاةَ بالتكبيرِ، وهذا باطلٌ
غيرُ مرادٍ قطعًا. واللهُ أعلمُ (٢).
-
(١) ((صحيح مسلم)) (١٢/٢).
(٢) «فتح الباري)) (٣٨٤/٤ - ٣٨٧).

سُورَةُ الإِسْرَاءِ
قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا
م
٥٫٥٠
حَوْلَهَ لِنْرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرَ﴾
فرَّقَ بعضُهم بين الإسراء والمعراجِ، فجعَلَ المعراجَ إلى السماوات كما
ذكرَه اللَّهُ في سورةِ النَّجمٍ، وجعلَ الإسراءَ إلى بيتِ المقدسِ خاصةً، كما
ذكرَهُ اللَّهُ في سورةِ ﴿ سُبْحَانَ﴾ وزعم أنهما كانَا في ليلتينِ مختلفتينٍ، وأنَّ
الصلواتِ فُرضتْ ليلةَ المعراجِ لا ليلةَ الإسراءِ.
وهذا هو الذي ذكرَهُ محمدُ بنُ سعدٍ في ((طبقاتِهِ))(١) عن الواقديِّ بأسانيدَ
له متعددة، وذكرَ أنَّ المعراجَ إلى السماءِ كانَ ليلةَ السبتِ لسبعَ عشرةَ خلَتْ
من شهرِ رمضانَ قبلَ الهجرةِ بثمانيةِ عشرَ شهرًا من المسجد الحرامِ، وتلكَ
الليلةَ فُرضتِ الصلواتُ الخمسُ، ونزلَ جبريلُ فصلَّى برسولِ اللَّهِ وَل
الصلواتِ في مواقيتِهَا، وأن الإسراءَ إلى بيت المقدس كان ليلةَ سبعَ عشرةَ من
شهر ربيع الأولِ قبل الهجرة بسنةٍ، من شعب أبي طالب.
وما بوَّبَ عليه البخاريَّ: أن الصلوات فرضتْ في الإسراء يدلُّ على أنَّ
الإسراءَ عنده والمعراج واحد. واللَّهُ أعلمُ (٢).
(١) (١٤٣/١/١).
(٢) ((فتح الباري)) (١٠٥/٢ - ١٠٦).

٦٢٧
سورة الإسراء
قوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُوْلَةً إِلَى عُنُقِكَ
وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومَا مَّحْسُورًا﴾.
القصدُ في الفقرِ والغِنَى عزيزٌ، وهو حالُ الرسولِ ◌ِّ كانَ مقتصدًا في
حالِ فقرِهِ وغناهُ، والقصدُ هو التوسطُ، فإنْ كان فقيرًا لم يُقتر خوفًا من نفادِ
الرزقِ، ولم يسرفْ فيحملُ ما لا طاقةَ لهُ به، كما أدَّبَ اللَّهُ تعالى نبيَّه بذلكَ
في قولهِ تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ
مَلُومًّا مَّحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩].
وإنْ كان غنيًّا لم يحملْهُ على السرفِ والطغيانِ، بلْ يكونُ مقتصدًا أيضًا،
قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾
[الفرقان : ٦٧].
وإنْ كان المؤمنُ في حالِ غناهُ يزيدُ على نفقتِهِ في حالٍ فقرِهِ، كما قالَ
بعضُ السلفِ: إنَّ المؤمنَ يأخذُ عن اللَّهِ أدبًا حسنًا إذا وسع اللَّهُ عليه وسعَ
على نفسِهِ وإذا ضيَّقَ عليه ضيَّقَ على نفسِهِ، ثم تلا قولَهُ تعالى: ﴿ لُيُنفِقْ ذُو
سَعَةٍ مِّنْ سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمََّ آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧]، لكن يكون في حالِ
غناهُ مقتصدًا غيرَ مسرفٍ، كما يفعلُهُ أكثرُ أهلِ الغِنى الذين يخرجُهُم الغنى
إلى الطغيانِ، كما قالَ تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى { أَن رََّهُ اسْتَغْنَى﴾
[ العلق: ٦، ٧] .
كان عليّ ◌ِالَّتُه يعاتَبُ على اقتصادِهِ في لباسِهِ في خلافته فيقولُ: هو أبعدُ
عن الكِبْرِ وأجدرُ أن يقتديَ بي المسلمُ.
وعوتبَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ في خلافتِهِ على تضييقِهِ على نفسِه فقالَ: إنَّ

٦٢٨
سورة الإسراء
أفضلَ القصدِ عند الجدة، وأفضلَ العفوِ عندَ المقدرةِ. يعني أفضلَ ما اقتصدَ
الإنسانُ في عيشِهِ وهو واجدٌ قادرٌ، وهذه حالُ النبيِّ نَّهِ وخلفائه الراشدينَ،
لم تغيرْهُم سعةُ الدنيا والملكُ ولم يتنعمُوا في الدنيا.
وقد رُويَ عن سليمانَ عليه السلامُ، أَنَّه كان يأكلُ خبزَ الشعيرِ ويلبسُ
الصوفَ.
وسئلَ الحسنُ ثِّثه، عن رجلٍ آتَاهُ اللَّهُ مالاً، فهو يحجُّ منه ويتصدقُ، أله
أن يتنعمَ فيه منه؟ قال: لا، لو كانتْ له الدُّنيا ما كان له إلا الكفافُ.
ويقدِّمُ فضلَ ذلك ليومٍ فقرِهِ وفاقتِهِ، إنَّما كان أصحابُ رسول اللَّه
ومن أخذَ عنهم من التابعينَ، ما آتاهم اللَّهُ من رزقِ أخذُوا منه الكفافَ،
وقدموا فضلَ ذلك ليومٍ فقرِهِم وفاقتِهِم. وقال ابنُ عمرَ لبعضٍ ولده: لا تكن
من الذين يجعلون ما أنعم الله عليهم في بطونِهِم وعلى ظهورهِم.
إشارةً إلى أنَّ المالَ لا ينفقُ كلُّه في شهواتِ النفوسِ، وإنْ كانتْ مباحةً،
بل يجعلُ صاحبُهُ منه نصيبًا لدارِهِ الباقيةَ، فإنه لا يبقَى له منه غيرُ ذلكَ.
وفي الجملةِ فالاقتصادُ في كلِّ الأمورِ حسنٌ حتى في العبادةِ، ولهذا نهي
عن التشديدِ في العبادةِ على النفسِ، وأمر بالاقتصاد فيها، وقالَ وَّ: ((عليكم
هديًا قاصدًا، فإنَّ اللَّهَ لا يملُّ حتَّى تملُّو))(١) .
وفي ((مسندِ البزَّارِ))(٢) عن حذيفةَ عن النبيِّ بَّ قال: ((ما أحسنَ القصدَ في
الغنى، وما أحسنَ القصدَ في الفقرِ، وما أحسنَ القصدَ في العبادة)»(٣) .
(١) أخرجه: ابن ماجه (٤٢٤١)، وأبو يعلى في ((مسنده)) (١٧٩٦ - ١٧٩٧) من حديث جابر بن
(٢) ((كشف الأستار)) (٣٦٠٤).
عبد اللَّه فِّه .
(٣) شرح حديث عمار بن ياسر ((اللهم بعلمك الغيب)) (ص ٣٠ - ٣١).

٦٢٩
سورة الإسراء
قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِحُ بِحَمْدِهِ
وَلَكِن لَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا
قال إسحاقُ بنُ راهويه: لا يجوزُ التفكُّرُ في الخالقِ، ويجوزُ للعباد أن
يتفكَّروا في المخلوقينَ بما سمعُوا فِيهم، ولا يزيدونَ على ذلكَ، لأنَّهم إن
فعلُوا، تاهُوا، قالَ: وقد قالَ اللَّهُ: ﴿وَإِن مِّنِ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾
[الإسراء:٤٤]، فلا يجوزُ أن يقالَ: كيفَ تُسبِّحُ القِصَاعُ، والأخْوِنَةُ، والخبزُ
المخبوزُ، والثِيابُ المنسوجةُ؟ وكلُّ هذا قد صحَّ العلمُ فيه أنَّهم يسبحونَ،
فذلكَ إلى اللَّهِ أن يجعلَ تسبيحَهم كيفَ شاء وكما يشاءُ، وليسَ للناسِ أن
يخوضُوا في ذلكَ إلا بما علمُوا، ولا يتكلَّموا في هذا وشِبْهِهِ إلا بما أخبرَ
اللَّهُ، ولا يزيدُوا على ذلكَ، فاتَّقوا اللَّهَ، ولا تخوضُوا في هذه الأشياءِ
المتشابهة، فإنَّه يُرْدِيكُم الخوْضُ فيه عن سننِ الحقِّ. نقلَ ذلك كُلَّه حَرْبٌ عن
إسحاقَ رحمهما اللَّهُ (١).
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ
وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾
قال ابن الجوزي في ((المقتبس)): سمعت الوزير(٢) يقول في قوله تعالى:
﴿ وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْأَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾
[الإسراء: ٤٥] قال أهل التفسير: يقولون: ساترًا، والصواب: حمله على
ظاهره، وأن يكون الحجاب مستورًا عن العيون فلا يرى، وذلك أبلغ(٣).
(١) ((جامع العلوم والحكم)) (١٧٣/٢).
(٣) ((طبقات الحنابلة)) (٢٦٥/٣).
(٢) هو : يحيى بن محمد بن هبيرة.

٦٣٠
سورة الإسراء
قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ
بَيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتَيلاَ : [11]) ومن
كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَىْ وَأَضَلُّ سَبِيلاً ﴾.
خرَّج الترمذيُّ(١) من حديثِ السديِّ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ
مَ له في قولِهِ تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسِ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]، قال: ((يدعى
أحدُهُم فيعطى كتابَهُ بيمينهِ، ويمدُّ له في جسمه ستونَ ذراعًا، ويبيضُّ وجهُهُ، ويجعلُ
على رأسِهِ تاجٌ من نورٍ يتلألأُ، فينطلقُ إلى أصحابه فيرونَهُ من بعيد، فيقولونَ: اللَّهُمَّ آتنا
بهذا وباركْ لنا في هذا، حتى يأتيهُم فيقولُ لهم: أبشروا، لكلِّ رجلٍ منكم مثل هذا، قال:
وأمَّ الكافرُ فيسودُ وجهُهُ يُمَدُّله في جسمِهِ ستونَ ذِراعًا في صورةِ آدمَ، ويلبسُ تاجًا من
نار فيراهُ أصحابُهُ، فيقولونَ: نعوذُ بالله من شرِّ هذا، اللَّهُمَّ لا تأتنا بهذا، فيأتيهم فيقولونَ:
اللَّهُمَّ أخره عنَّا، فيقولُ: أبعدكم اللَّهُ، فإنَّ لكلِّ رجلٍ منكُم مثلَ هذا)) وقال: حسنٌ
غريبٌ.
وروى عطاءُ بنُ يسارِ عن كعبٍ قالَ: يُؤتى بالرئيسِ في الشرِّ فيقالُ له:
أجبْ رَبَّكَ، فيُنطلقُ به إلى ربِّه، فيحتجبُ عنه ويؤمرُ به إلى النارِ، فيرى
منزلَهُ ومنزلَ أصحابِهِ، فيقالُ: هذه منزلةُ فلان، هذه منزلةُ فلان، فيرى ما
أعدَّ اللَّهُ لهم فيها من الهوانِ، ويرى منزلتَه أشرَّ من منازلهم، قالَ : فيسودُّ
وجهُهُ وتزرقُّ عيناهُ ويوضعُ على رأسهِ قلنسوةٌ من نارٍ، فيخرجُ فلا يراهُ أهلُ
ملاٍ إلا تعوَّذُوا باللّهِ منه، فيأتي أصحابَهُ الذين كانُوا يجتمعونَ به على الشرِّ
ويعينونَهُ عليه، فما يزالُ يخبرُهُم بما أعدَّ اللَّهُ لهم في النارِ حتى يعلو
(١) ((الجامع)) (٣١٣٦).

٦٣١
سورة الإسراء
وجوهَهُم من السوادِ مثل ما علا وجهَهُ، فيعرفُهُم الناسُ بسوادٍ وجوهِهِم،
فيقولونَ: هؤلاءِ أهلُ النارِ. خرَّجه أبو نُعيمٍ وغيرُه.
وهذا إنَّما هو قبل دخولِهِم إلى النارِ، فإذا دخلوا النارَ عظُمَ خلقُهُم على
ما تقدَّمَ في الأحاديثِ السابقةِ .
وأما سنهم فعلى سنِّ أهلِ الجنةِ لا يزادونَ عليه، وروى دراجٌ عن أبي
الهيثم، عن أبي سعيد، عن النبيِّ وَّ قالَ: ((من ماتَ وهوَ من أهلِ الجنةِ من
صغير وكبيرِ يردونَ بني ثلاثينَ في الجنةِ لا يزيدونَ عليها أبدًا، وكذلك أهلُ النار))
خرَّجه الترمذيّ(١)، وفي روايةٍ غيرِ الترمذيِّ: ((بني ثلاث وثلاثينَ).
ء
وخرَّج الطبرانيُ (٢) من طريقِ سليمٍ بنِ عامرٍ عن المقدَامِ بنِ معدِي كَرِبَ،
عن النبيِّ وَّ قال: ((ما من أحد يموتُ سقْطًا أو هرمًا، وإنَّما الناسُ بينَ ذلك إلاُ بُعثَ
ابنُ ثلاثينَ سنةً، فإن كانَ من أهلِ الجنةِ كانَ على مسحةِ آدمَ وصورة يوسفَ وقلب
أيوبَ، ومن كانَ من أهلِ النارِ عظمُوا وفخمُوا كالجبال)». ورواه غيرُ الطبرانيِّ،
وقالَ: ((أبناءُ ثلاث وثلاثينَ سنةً)(٣).
قوله تعالى: ﴿ أَقم الصَّلاةَ لِدَّلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ
الَّيْلِ وَقُرْأَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾
دلَّ القرآنُ في غيرِ موضعٍ على مواقيتِ الصلواتِ الخمسِ، وجاءتِ السنةُ
مفسرةً لذلكَ ومبيّنة له:
(١) ((الجامع)) (٢٥٦٢).
(٢) ((المعجم الكبير)) (٢٠/ ٢٨٠).
(٣) ((التخويف النار)) (ص ١٣٧ - ١٣٨).

٦٣٢
سورة الإسراء
فمن ذلك: قولُ اللَّه تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ
الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨].
وقد ذكرَ غيرُ واحدٍ من الأئمةِ كمالك والشافعيِّ: أنَّ هذه الآيةَ تدلُّ على
الصلواتِ الخمسِ، ورُوي معناه عن طائفة من السلف:
فقال ابنُ عمرَ: دُلوكُ الشمسِ : مَيْلُها - يُشيرُ إلى صلاةِ الظهرِ حينئذٍ.
وعن ابنِ عباسٍ، قال: دُلوكُ الشمس: إذا جاءَ الليلُ. وغسق الليلِ:
اجتماعُ الليلِ وظلمتِهِ .
وقال قتادةُ: دُلوكُ الشمسِ: إذا زالتِ الشمسُ عن بطنِ السماءِ لصلاة
الظهرِ، وغسقُ الليلِ: بدءُ الليلِ صلاةُ المغربِ.
وقد قيلَ: إنَّ اللَّهَ تعالى ذكرَ ثلاثةَ أوقات؛ لأن أصلَ الأوقات ثلاثةً،
ولهذا تكونُ في حالةِ جوازِ الجمعِ بين الصلاتينِ ثلاثةً فقط، فدلوكُ الشمس:
وقتٌ لصلاة الظهر والعصر في الجملةِ، وغسقُ الليلِ: وقتٌ لصلاة المغرب
والعشاءِ في الجملةِ، ثم ذكرَ وقتَ الفجرِ بقولِهِ: ﴿وَقُرْأَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْأَنَ الْفَجْرِ
كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨].
وقد ثبتَ في (الصحيحينِ)) (١) عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ وَّةِ، قالَ:
((يجتمعُ ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النهارِ في صلاة الفجرِ)) ثم يقولُ أبو هريرةَ: اقرءوا
إن شئتُم: ﴿وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْأَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودَا﴾ [الإسراء: ٧٨].
وكذلكَ قولُهُ تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَىِ النَّهَارِ وَزُلَفَا مِّنَ اللَّيْلِ﴾ [هود : ١١٤]،
فقولُهُ: ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤] يدخلُ فيه صلاةُ الفجرِ وصلاةُ العصرِ.
(١) أخرجه: البخاري (١٦٦/١)، (١٠٨/٦)، ومسلم (١٢١/٢ - ١٢٢).

٦٣٣
سورة الإسراء
وقد قيلَ: إنَّه يدخلُ فيه صلاةُ الظهرِ والعصرِ، لأنَّهما في الطَرَفِ الأخيرِ،
وزُلَفُ الليلِ يدخلُ فيه المغربُ والعشاءُ.
وكذا قالَ قتادةُ: إنَّ زُلَفَ الليلِ يدخلُ فيه المغربُ والعشاءُ، وإنَّ طرفي
النهارِ يدخلُ فيه الفجرُ والعصرُ (١).
ورُويَ عن الحسنِ، أنه قال في قولِهِ: ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود :١١٤]، قال:
صلاةُ الفجرِ، والطرفُ الآخرِ الظهرُ والعصرُ ﴿وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ﴾
المغربُ والعشاءُ (١).
[ هود : ١١٤ ]
وكذلك قولُهُ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ الَيْلِ
فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه: ١٣٠].
وفي الحديثِ الصحيحِ عن جريرِ البجليِّ حديثُ الرُّؤْية(٢): ((فإنْ استطعتُم
أن لاتُغْلَبُوا على صلاةٍ قبلَ طلوع الشمسِ وقبلِ غروبِها فافعلُوا))، ثم قرأ: ﴿وَسَبِحْ
بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠].
وقد أدرجَ أكثرُ الرواةِ القراءةَ في الحديثِ، وبَيَّن بعضُهم: أنَّ جريرًاً هو
الذي قرأ ذلك، فبيّن أنَّ صلاةَ الصبحِ وصلاةَ العصرِ يدخلُ في التسبيحِ قبل
طلوعِ الشمسِ وقبلَ غروِها، وأمَّا التسبيحُ من آنَاءِ الليلِ فيدخلُ فيه صلاةُ
المغربِ وصلاةُ العشاء. وقولُهُ: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه: ١٣٠] يدخل فيه صلاةٌ
الفجر وصلاةُ العصر، وربما دخلتْ فيه صلاةُ الظهرِ، لأنها في أول طرفٍ
النهارِ الآخرِ .
وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ
(١) أخرجهما: ابن جرير في ((تفسيره)) (١٢٨/١٢ - ١٢٩).
(٢) أخرجه: البخاري (١٤٥/١ - ١٥٠)، (١٧٣/٦)، (١٥٦/٩)، ومسلم (١١٣/٢ - ١١٤).

٦٣٤
سورة الإسراء
وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠،٣٩].
١٣٩
الغروب
وقد قال ابنُ عباسٍ وأبو صالح: إنَّ التسبيحَ قبل طلوع الشمسِ وقبل
الغروبِ: الصبحُ وصلاةُ العصرِ .
وقولُهُ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ [ق:٤٠]، قال مجاهد: الليلَ كلَّه(١).
وهذا يدخلُ فيه صلاةُ المغرب والعشاء، ويدخلُ فيه التهجدُ المتنفلُ به -
أيضًا .
وقال خُصَيْفٌ: المرادُ بتسبيحِهِ من الليلِ: صلاةُ الفجرِ المكتوبةُ، وفيه بُعْد.
وأمَّا ﴿وَأَدْبَرَ السُّجُودِ﴾ [ق:٤٠]، فقالَ أكثرُ الصحابةِ، منهم: عُمر، وعليٍّ،
والحسنُ بنُ عليٍّ، وأبو هريرةَ، وأبو أُمامةَ وغيرُهُم: إنَّهما ركعتانِ بعد
المغربِ، وهو روايةٌ عن ابنِ عباسٍ، ورويَ عنه مرفوعًا، خرَّجهُ الترمذيُّ (٢)
بإسناد فيه ضعفٌ.
فاشتلمت الآيةُ على الصلواتِ الخمسِ مع ذكرِ بعضِ التطوعِ.
وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ
وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٨ - ٤٩].
٤٨
فقولُهُ: ﴿حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] قد فُسِّرِ بإرادةِ القيامِ إلى الصلاة، وهو قولُ
زيدِ بنِ أسْلَم والضحاكِ، وفُسر بالقيامِ من النومٍ، وهو قولُ أبي الجود(٣)،
وفُسِّرِّ بالقيامِ من المجالسِ.
(١) أخرجه: ابن جرير في ((التفسير)) (٢٦/ ١٨٠).
(٢) ((الجامع)) (٣٢٧٥).
(٣) راجع: ((التفسير)) لابن جرير (٣٨/٢٧).
-

٦٣٥
سورة الإسراء
وقولُهُ: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ [الطور: ٤٨] قال مجاهد: من الليلِ كلِّه، يدخلُ
في ذلكَ صلاةُ المغربِ والعشاءِ وصلاةُ الليلِ المتطوعِ بها.
وفسَّرِه خُصيفٌ بصلاة الفجرِ، وفيه نظرٌ.
﴿ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩]: ركعتا الفجرِ كذا قالَهُ عليَّ وابنُ عباسٍ في
روايةٍ(١)، ورويَ عن ابنِ عباسٍ مرفوعًا .
خرَّجه الترمذي(٢) وفيه ضعف.
وقال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴿١٧» وَلَهُ الْحَمْدُ فِي
السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧ -١٨].
قال الإمامُ أحمدُ: نا ابنُ مهدي: نا سفيان، عن عاصمٍ، عن أبي رَزِین،
قال: جاءَ نافعُ بنُ الأزرقِ إلى ابنِ عباسٍ، فقال: الصلواتُ الخمسُ في
القرآنِ؟ فقال: نعم، فقرأ: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم: ١٧] قال: صلاةٌ
المغربِ ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] صلاةُ الفجرِ ﴿وَعَشِيًّا﴾ [الروم: ١٨] صلاةُ
العصرِ ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] صلاةُ الظهرِ، وقرأ: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ
ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ﴾ [النور: ٥٨].
ورواه آدمُ بنُ أبي إياسٍ في ((تفسيرِهِ» عن حمَّادِ بنِ سلمةَ، عن عاصمٍ،
قال: جاءَ نافعٌ ۔ ولم یذکرْ أبا رَزِین.
وروى آدمُ - أيضًا -: نا شريك، عن ليثِ بنِ أبي سليمٍ، عن الحَكَمِ بنِ
عُتَيْةَ، عن أبي البَخْتري، عن ابنِ عباسٍ، قال: جمعتْ هذه الآيةُ الصلوات
كلَّها - فذكره بمعناه، ولم يذكر فيه: صلاةَ العشاء.
(١) ((التفسير)) لابن جرير (٣٩/٢٧).
(٢) ((الجامع)) (٣٢٧٥).

٦٣٦
سورة الإسراء
روي عن الحسنِ وقتادةَ في قولِهِ تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾
و
و
[الروم: ١٧]، قال: صلاةُ المغرب والعشاء، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧]: صلاة
الغداة، ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا﴾ [الروم: ١٨]، قال: العصرُ،
﴿ وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] قال: الظهرُ.
خرَّجه البيهقيُّ(١) وغيرٌ(٢) .
[قال البخاريُّ](٣): حدثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ: أبنا مالكٌ، عن أبي
الزِّنَادِ، عن الأعْرجِ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ نَّهِ، قالَ: ((يتعاقُبُون فيكُمْ
ملائكةٌ بالَّيلِ وملائكةٌ بالنَّهارِ، ويجتمعُون في صلاةِ الفجرِ وصلاة العصرِ، ثمَّ يعْرُجُ
الذين كانُوا فِيكُمْ، فيسألهم - وهو أعلمُ بهم - : كيف تركتُم عبادي؟ فيقولونَ: تركْناهم
وهم يصلُّون، وأتيناهُم وهم يُصلُّون)).
قولُهُ: ((يتعاقبون فيكم ملائكةٌ)) جمع فيه الفعلَ مع إسناده إلى ظاهرٍ، وهو
مخرجٌ على اللُّغةِ المعروفةِ بلغةِ («أكلونِي البراغيثُ)، وقد عرَّفُها بعضُ
متأخري النحاةِ بهذا الحديثِ، فقالَ: ((هي لغةُ: يتعاقبونَ فيكُم ملائكة)).
والتعاقبُ: التناوبُ والتداولُ، والمعنى: أنَّ كل ملائكة تأتِي تعقبُ
الأخرى.
وقد دلَّ الحديثُ على أنَّ ملائكةَ الليلِ غيرُ ملائكةِ النَّهار.
وقد خرَّجا في ((الصحيحين)) (٤) من حديثِ الزَّهْرِي، عن سعيد وأبي
(١) أخرجه: البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣٥٩/١).
(٢) ((فتح الباري)) (١٥/٣ ١٩).
(٣) ((صحيح البخاري)) (١٤٥/١ - ١٤٦).
(٤) أخرجه: البخاري (١٦٦/١)، (١٠٨/٦)، ومسلم (١٢٢/٢).

٦٣٧
سورة الإسراء
سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ، عنِ النبيِّ وَِّ، قالَ: («تجتمعُ ملائكةُ الليل، وملائكةُ
النَّهارِ في صلاةِ الفجرِ)). ثم يقولُ أبو هريرةَ: اقرءُوا إنْ شئتُم: ﴿إِنَّ قُرْأَنَ الْفَجْرِ
كَانَ مَشْهُودَا﴾ [الإسراء: ٧٨].
ففي هذه الروايةِ: ذكرُ اجتماعِهِم في صلاةِ الفجرِ، واستشهدَ أبو هريرةَ
بقولِ اللَّهِ عزَّ وجلّ: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾[ الإسراء: ٧٨].
وقد رُوي في حديثٍ من روايةِ أبي الدرداءِ - مرفوعًا -: ((أنَّه يشهدُهُ اللَّهُ
وملائکتُهُ».
وفي روايةٍ: ((ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النَّهارِ)).
خرَّجه الطبرانيُّ وابنُ منده وغيرُهُما.
فقد يكون تخصيصُ صلاةِ الفجرِ لهذا، وصلاةُ العصرِ يجتمعُ - أيضًا -
فيها ملائكةُ اللَّلِ والنَّهارِ، كما دلَّ عليهِ حديثُ الأعْرِجِ، عن أبي هريرةَ.
وقد رُويَ نحوُهُ من حديثِ حُميدِ الطويلِ، عن بَكْرِ المزنيِّ، عن النبيِّ وَّل
مرسلاً.
وهؤلاء الملائكةُ، يحتملُ أنَّهم المعقباتُ، وهم الحَفَظَةُ، ويحتملُ أنَّهم كتبةُ
الأعمال.
وروى أبو عبيدةَ، عن أبيه عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، في قولِهِ: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ
كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، قال: يعني صلاةَ الصبحِ، يتداركُ فيه الحرسان
ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النَّهَارِ (١).
(١) أخرجه: الطبراني في ((المعجم الكبير» (٢٦٥/٩).

٦٣٨
سورة الإسراء
وقال إبراهيمُ، عن الأسودِ بنِ يزيدَ: يلتقي الحارسانِ من ملائكةِ اللَّيل
وملائكة النَّهارِ عندَ صلاة الصبحِ، فيسلِّم بعضُهم على بعضٍ، ويحيى
بعضُهُم بعضًا، فتصعدُ ملائكةُ الليلِ وتبسطُ ملائكةُ النهارِ .
قال ابنُ المباركِ: وُكِّل بابنِ آدمَ خمسةُ أملاكِ: ملكا الليلِ، وملكا النهارِ،
يجيئانِ ويذهبانِ، والخامسُ لا يفارقُهُ ليلاً ولا نهارًا.
وممن قالَ: إنَّ ملائكةَ الليلِ وملائكةَ النهارِ تجتمعُ في صلاةِ الفجرِ،
وفسر بذلك قولَ اللَّه عزَّ وجلّ: ﴿وَقُرْأَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾
[الإسراء: ٧٨]: مجاهدٌ ومسروقٌ وغيرُهُما (١).
قال ابنُ عبد البَرِّ: والأظهرُ أنَّ ذلكَ في الجماعاتِ، قالَ: وقد يحتملُ
الجماعات وغيرها .
قلتُ: يشهدُ للأولِ قولُ النبيِّ وَّهِ: ((إذا أمَّن الإمامُ فأمِّنوا، فمَنْ وافقَ تأمينُهُ
تأمينَ الملائكةِ غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه)(٢) .
ونَهِى النبيُّ وَّ مَنْ أكلَ الثومَ أن يشهدَ المسجد(٣)، وتعليلُه: أنَّ الملائكةَ
تتأذَّى مما يتأذَّى منه بنو آدمَ.
وقد بوَّبَ البخاريُّ على اختصاصِهِ بالجماعاتِ في ((أبوابِ صلاة الجماعة))،
كما سيأتي في موضعِهِ - إن شاءَ اللَّه تعالى.
ويشهدُ للثاني: أنَّ المصلِّي ينهى عن أن يبصقَ في صلاتِهِ عن يمينه؛ لأنَّ
(١) أخرجه: ابن جرير في ((تفسيره)) من قول مجاهد (١٤٠/١٥ - ١٤١).
(٢) أخرجه: البخاري (١٩٨/١)، (١٠٦/٨)، ومسلم (١٧/٢) من حديث أبي هريرة ضِمَّه.
(٣) أخرجه: البخاري (٢١٦/١)، ومسلم (٢/ ٨٠) من حديث جابر مِّه.

٦٣٩
سورة الإسراء
عن يمينه ملكًا، ولا يفرقُ في هذا بين مصلي جماعةٍ وفُرَادى(١).
ے
قوله تعالى: ﴿وَنْنَزَّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ
وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّ خَسَارًا﴾
وقولُهُ وَالَ: ((والقرآن حجةٌ لك أو عليكَ))(٢)، قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَنُنَزّلُ مِنَ
الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّ خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]، قال
بعضُ السلف: ما جالسَ أحدٌ القرآنَ، فقام عنه سالمًا؛ بل إمَّا أن يربحَ أو أن
يخسرَ، ثمَّ تلا هذه الآية(٣).
قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَن
تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ
عُمْيَا وَبَكْمًا وَصُمَّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾.
قال ابنُ عباسٍ: كلما طفئتْ أوقدتْ، وقال ابنُ عباسٍ: خبتْ سكنتُ (٤) .
وقالَ ابنُ قتيبةَ: خبت النارُ إذا سكنَ لهبُها، فاللهبُ يسكنُ والجمرُ يعملُ،
وقال غيره من المفسرينَ : تأكلُهُم.
فإذا صارُوا فحمًا ولم تجد النارُ شيئًا تأكلُهُ أعيد خلقُهم خلفًا جديدًا فتعودُ
لأكلهم .
(١) ((فتح الباري)) (١٣٦/٣٠ - ١٤١).
(٢) أخرجه: مسلم (١ / ١٤٠) من حديث أبي مالك الأشعري.
(٣) ((جامع العلوم والحكم)) (١/ ٥٨٢).
(٤) أخرجه: ابن جرير في ((التفسير)) (١٦٨/١٥).

٦٤٠
سورة الإسراء
وقولهُ: ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧] أي: ناراً، تتسعرُ وتتلهبُ.
وقد رُويَ عن عمرِو بنِ عبسةَ أن في جهنّمَ بئرٌ يقال له: الفلقُ، منه تسعرُ
جهنَّمُ إذا سعرتْ، وسنذكرُهُ فيما بعدُ إن شاءَ اللّه تعالى، والمعنى أنَّه يكشفُ
ذلك البئرُ فيخرج منه نارٌ تلهب جهنّم وتوقدُها، وقالَ اللَّه تعالى: ﴿ فَأَنذَرْتُكُمْ
نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤] قال مجاهدٌ وغيرُهُ: توهجُ.
قرأ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ ليلةً في صلاتِهِ سورةَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١]
فلما بلغَ قولَهُ: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤] بكى فلم يستطع أن يجاوزَهَا
مرتين أو ثلاثًا، ثم قرأ سورةً أخرى غيرَها(١).
قوله تعالى: ﴿ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا
تُخَافتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً ﴾
وفي ((الصحيحينِ)) (٢) عن عائشةَ في قولِهِ تعالى: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا
تُخَافتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]، أنها نزلت في الدعاءِ.
وكذا رُوي عن ابنِ عباسٍ وأبي هريرةَ، وعن سعيدِ بنِ جبيرٍ وعطاء
وعكرمةَ وعروةَ ومجاهدٍ وإبراهيمَ وغيرِهم.
وقال الإمامُ أحمدُ: ينبغي أن يسرَّ دعاءَه؛ لهذه الآية. قال: وكان يكره أن
يرفعُوا أصواتَهم بالدعاءِ.
وقال الحسنُ: رفعُ الصوتِ بالدعاءِ بدعةٌ.
(١) ((التخويف من النار)) (٧٨ - ٧٩).
(٢) أخرجه: البخاري (١٠٩/٦)، ومسلم (٣٤/٢).