النص المفهرس

صفحات 601-620

٦٠١
سورة إبراهيم
وفي (صحيح مسلمٍ)) (١) عن أبي مالكِ الأشعريِّ، عن النبيِّوَِّ، قالَ:
((النائحةُ إذا لم تتبْ قبلَ موتِها تُقَلمُ يومَ القيامةِ وعليها سربالٌ من قطران ودرعٌ من
جرب)) وخرَّجه ابنُ ماجه ولفظُهُ: ((النائحةُ إذا ماتتْ ولم تتبْ قطعَ اللَّهُ لها ثيابًا من
قطران ودرعًا لهبِ النارِ)).
وخرَّج ابنُ ماجه (٢) أيضًا من حديث ابنِ عباسٍ، عنِ النبيِّ ◌َّةِ: ((النائحةُ
إذا لم تتبْ قبلَ أن تموتَ فإنها تبعثُ يومَ القيامةِ وعليها سرابيلُ من قطران يغلي عليها
بدروعٍ من لهبِ النارِ))(٣).
(١) (٤٥/٣).
(٢) («السنن)) (١٥٨٢).
(٣) ((التخويف من النار)) (١٢٧ - ١٢٨).

سُورَةُ الحِجْرِ
قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾
بلغني إنكارُ بعضِ الناسِ على إنكارِي على بعضٍ من ينتسبُ إلى مذهب
الإمامِ أحمدَ وغيرِه من مذاهبِ الأئمةِ المشهورينَ في هذا الزمانِ، الخروج عن
مذاهبِهِم، في مسائلَ، وزعمَ أنَّ ذلكَ لا ينكر على مَنْ فعلَهُ، وأنَّ من فعلَهُ
قد يكون مجتهداً مُتبعًا للحقِّ الذي ظهر له، أو مقلدًا لمجتهد آخر، فلا يُنكر
عليه .
فأقولُ وبالله التوفيق، وهو المستعانُ وعليه التكلانُ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا
باللَّهِ :
لا ريبَ أنَّ اللَّه تعالى حفظ لهذه الأُمَّةِ دينَها حفظًا لم يحفظْ مثلَه دِينًا غيرَ
دينِ هذهِ الأمةِ، وذلك أنَّ هذه الأمةَ ليسَ بعدَها نبيٌّ يجدِّدُ ما دثرَ من دينِه
كما كانَ دينُ مَنْ قبلَنا من الأنبياءِ، كلَّما دثرَ دينُ نبيِّ جدَّدہ نبيّ آخر يأتِي
بعده.
فتكفَّلَ اللَّهُ سبحانه بحفظِ هذا الدينِ، وأقامَ له في كلُّ عصرٍ حملةً ينفونَ
عنه تحريفَ الغالينَ، وانتحالَ المبطلينَ، وتأويلَ الجاهلينَ.
وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَّهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فتكفَّل
اللَّهُ سبحانه بحفظ كتابِهِ، فلم يتمكَّنْ أحدٌ من الزيادةِ في ألفاظِهِ ولا مِن

٦٠٣
سورة الحجر
النقصِ منها .
وقد كانَ النبيُّ وَّهِ يُقْرِئُ أُمَّتَه القرآنَ في زمانِهِ على أحرفٍ مُتعددة، تيسيرًا
على الأمَّة لحفظه، وتعلُّمِهِ، حيث كان فيهم العجوزُ والشيخُ الكبيرُ، والغلامُ
والجاريةُ، والرجلُ الذي لم يقرأ كتابًا قطُّ.
فطلب لهم الرخصةَ في حفظِهِم له أنْ يُقْرتَهُم على سبعة أحرفٍ، كما وردَ
ذلك في حديثِ أُبيّ بنِ كعبٍ (١) وغيرِهِ.
ثم لما انتشرتْ كلمةُ الإسلامِ في الأقطارِ، وتفرَّق المسلمونَ في البلدان
المتباعدةِ صارَ كلُّ فريقٍ منهُم يقرأ القرآن على الحرفِ الذي وصلَ إليه،
فاختلفُوا حينئذٍ في حروفِ القرآنِ، فكانُوا إذا اجتمعُوا في الموسمِ أو غيرِهِ
اختلَفُوا في القرآنِ اختلافًا كثيرًا.
فأجمعَ أصحابُ النبيِّ وَّةِ في عهدِ عُثمانَ على جمعِ الأمَّة على حرفٍ
واحد، خشيةَ أنْ تختلفَ هذه الأُمَّةُ في كتابها كما اختلفتْ الأُممُ قبلَهُم في
كُتُبِهِم، ورأوا أنَّ المصلحةَ تقتضي ذلك.
وحرقوا ما عدا هذا الحرفَ الواحدَ من المصاحفِ وكان هذا من محاسنِ
أميرِ المؤمنين عثمان ضِوَّتُه التي حمده عليها عليٌّ وحذيفةُ وأعيانُ الصحابة.
وإذا كان عمرُ قد أنكرَ على هشامِ بنِ حكيمٍ بنِ حزامٍ على عهد النبيِّ وَله
في آيةٍ أشدَّ الإنكارِ (٢) وأُبِيُّ بنُ كعبٍ حصلَ له بسببِ اختلافِ القرآنِ ما أخبرَ
به عن نفسه من الشكِّ، وبعضُ مَنْ كان يكتبُ الوحي للنبيِّ وَِّ ممن لم
(١) أخرجه: مسلم (٢٠٢/٢ - ٢٠٣).
(٢) أخرجه: البخاري (١٦٠/٣)، (٢٢٧/٦ - ٢٣٩)، ومسلم (٢٠٢/٢).

٦٠٤
سورة الحجر
يرسخِ الإيمانُ في قلبِهِ ارتدَّ بسبب ذلك حتى ماتَ مُرتدا.
هذا كلُّه في عهد النبيِّ نَّه فكيفَ الظنُّ بالأُمَّةِ بعده أنْ لو بقيَ الاختلافُ
في ألفاظِ القرآنِ بينَهُم .
فلهذا تركَ جمهورُ علماء الأمةِ القراءةَ بماعدا هذا الحرفِ الذي جمعَ عثمانُ
عليه المسلمينَ، ونهَوا عن ذلك. ورخَّص فيه نفرٌ منهُم، وحُكيَ روايةً عن
أحمدَ ومالك مع اختلاف عنهُما على ذلكَ به في الصلاةِ وغيرِها أم خارجٍ
الصلاة فقط .
وبكلِّ حال: فلا تختلفُ الأمَّةُ أَنَّه لو قرأَ أحدٌ بقراءةِ ابنِ مسعودٍ، ونحوِها
مما يخالفُ هذا المصحفُ المجتمعُ عليه، وادَّعى أنَّ ذلكَ الحرفَ الذي قرأ به
هوَ حرفُ زيدِ بنِ ثابتِ الذي جمعَ عليه عثمانُ الأُمَّةَ، أو أنَّه أوْلى بالقراءة
من حرفٍ زيدٍ: لكانَ ظالمًا مُتُعديًا مُستحقا للعقوبة. وهذا لا يختلفُ فيه اثنان
من المسلمينَ.
إنَّما محلُّ الخلاف: إذا قرأ بحرفِ ابنِ مسعودٍ ونحوِه مع اعترافه أنَّه حرفُ
ابنِ مسعودٍ المخالفُ لمصحفِ عثمانَ فِّهِ.
وأما سنَّةُ النبيِّ وَّهِ: فإنّها كانتْ في الأمَّةِ تُحفظ في الصدورِ كما يُحفظ
القرآنُ، وكان من العلماء من يكتُبها كالمصحفِ، ومنهم من ينهى عن
کتابتها .
ولا ريبَ أنَّ الناسَ يتفاوتونَ في الحفظِ والضبطِ تفاوتًا كثيرًاً.
ثُمَّ حدثَ بعد عصرِ الصحابةِ قومٌ من أهلِ البدعِ والضلالِ، أدخلوا في
الدِّينِ ما ليسَ منه وتعمَّدوا الكذبَ على النبيِّ وَ.

٦٠٥
سورة الحجر
فأقامَ اللّهُ تعالى لحفظ السنّة أقوامًا ميَّزوا ما دخلَ فيها من الكذب والوهم
والغلط، وضبطُوا ذلكَ غايةَ الضبطِ وحفظوه أشدَّ الحفظ .
ثم صنَّف العلماءُ التصانيفَ في ذلكَ، وانتشرت الكتبُ المؤلفةُ في الحديثِ
وعلومِهِ، وصارَ اعتمادُ الناسِ في الحديثِ الصحيحِ على كتابَي الإمامينِ أبي
عبدِ اللهِ البخاريِّ، وأبي الحسينِ مُسلمٍ بنِ الحجَّاجِ القُشيريِّ - رضي اللَّهُ
عنهما .
واعتمادُهم بعدَ كتابيهما على بقيّةِ الكُتُبِ الستةِ خصوصًا ((سُنْن أبي داود))،
و((جامعُ أبي عيسى)) و((كتابُ النسائيِ)) ثم كتابُ ابنِ ماجه.
وقد صُنِّفَ في الصحيحِ مصنفاتٌ أُخر بعد صحيحي الشيخينِ، لكن لا
تبلغ كتابَي الشيخينِ .
ولهذا أنكرَ العلماءُ على من استدرك عليهما الكتابَ الذي سمّاه:
((المُسْتدرك)).
وبالغَ بعضُ الحقَّاظِ فزعمَ أنَّه ليسَ فيه حديثٌ واحدٌ على شرطِهِما.
وخالفَهُ غيرُهُ، وقال: يصفو منه حديثٌ كثير صحيحٌ. والتحقيقُ: أنَّه
يصفو منه صحيحٌ كثيرٌ على غيرِ شرطِهِما، بل على شرطِ أبي عيسى ونحوِه،
وأما على شرطهما فلا.
فقلَّ حديثٌ تركَاه إلا وله علةٌ خفيّة، لكن لعزَّةً من يعرفُ العللَ
كمعرفتِهِما وينقده، وكونه لا يتهيأ الواحدُ منهم إلا في الأعصار المتباعدة،
صارَ الأمرُ في ذلك إلى الاعتماد على كتابيهما، والوثوقُ بهما والرجوعُ
إليهما، ثم بعدَهُما إلى بقيّةِ الكتبِ الْمُشارِ إليها.

٦٠٦
سورة الحجر
ولم يُقبلْ من أحدٍ بعد ذلك الصحيحُ والضعيفُ إلى عمَّن اشتُهرَ حذقه
ومعرفتُه بهذا الفنِّ واطلاعُهُ عليه، وهم قليلٌ.
وأمَّا سائرُ الناسِ، فإنَّهم يعوِّلون على هذهِ الكُتْبِ المشار إليها، ويكتفونَ
بالعزوِ إليها (١) .
قال الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ
﴿ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ.
٤٣
وخرَّج الإمامُ أحمدُ والترمذيُ (٢) من حديثِ ابنِ عمرَ، عنِ النبيِّ ◌ِله
قال: ((إنَّ لجهنَّم سبعةَ أبوابٍ، بابٍ منها لمنْ سل سَفَهُ على أُمَّتِي)).
وخرَّج الإمامُ أحمدُ(٣) من حديثٍ عتبةَ بنِ عبدِ السَّلميُّ عنِ النبيِّ
صَلى الله
عَاجِيه)
وَسِكم .
قالَ: ((إنَّ للجنة ثمانيةُ أبواب ولجهنَّم سبعةُ أبواب وبعضُها أفضلُ من بعض)).
وفي حديث أبي رزينِ العقيليِّ عنِ النبيِّ نَّهِ، قالَ: (لَعَمَرُ إلهكَ؛ إنَّ للنار
سبعةُ أبواب، ما منهنَّ بابانٍ إلا ويسيرُ الراكبُ بينهما سبعينَ عامًا)).
خرَّجه عبدُ اللهِ بنُ الإمامِ أحمدَ، وابنُ أبي عاصم، والطبرانيّ،
93
(٤)
والحاكمُ(٤)، وغيرُهم.
وخرَّج البيهقيُّ من حديث أبي سعيدٍ وأبي هريرةَ عنِ النبيِّ ◌ِّ، في
(١) ((الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة)) (١٨ - ٢٥).
(٢) أخرجه: أحمد (٩٤/٢)، والترمذي (٣١٢٣).
(٣) («المسند» (١٨٥/٤ - ١٨٦).
(٤) أخرجه: عبد الله بن أحمد في ((زاوئده على المسند)) (١٣/٤ - ١٤)، والطبراني في ((الكبير)
(١٩ / ٢١١)، والحاكم (٤/ ٥٦٠).

٦٠٧
سورة الحجر
حديثِ المرورِ على الصراطِ، وقالَ فيه: ((فناجٍ مسلمٍ، ومخدوش مرسلٍ، ومطروحٍ
فيها، ﴿ هَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسَوْمٍ﴾ [الحجر: ٤٤])).
وروى أبو إسحاقَ عن هبيرةَ ابنِ مريمَ عن عليٍّ قال: أبوابُ جهنمَ سبعةٌ
بعضُها فوقَ بعضٍ، وقالَ بإصبعِهِ: وعقد خمسينَ وأضجَعَ يدَهُ، ثم يمتلئ
الأولُ والثاني والثالثُ حتى عقدَهَا كلَّها، خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ، وغيرُهُ(١)،
ورواه بعضُهم عن أبي إسحاقَ عن عاصمٍ بنِ ضمرةً عن عليٍّ بمعناه.
وخرَّج ابنُ أبي حاتمٍ من طريقِ حطانَ الرّقاشيِّ، قالَ: سمعتُ عليًّا يقولُ:
هلْ تدرونَ كيفَ أبوابُ جهنمَ؟ قلنا: هي مثلُ أبوابِنا هذهِ، قال: لا، هي
هكذا، بعضُها فوقَ بعضٍ. وفي روايةٍ له أيضًا: بعضُها أسفلَ من بعضٍ،
وخرّجه البيهقيُّ(٢) ولفظُه: أبوابُ جهمَ هكذا، ووضعَ يدَه اليُمنى على ظهرِ
يده اليسرى .
وعن ابن جريجٍ في قولِهِ: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ [الحجر: ٤٤] قال: أوَّلُها جهنمُ،
ثُمَّ لظى، ثمَّ الحطمةُ، ثم السعيرُ، ثم سقرُ، ثم الجحيمُ، وفيها أبو جهل، ثم
الهاويةُ، خرَّجه ابن أبي الدنيا وغيره(٣).
وقال جويبرٌ عن الضحاك: سمَّى اللَّهُ أبوابَ جهنمَ لكلِّ بابٍ منهم جزءٌ
مقسومٌ، باب لليهودِ وبابٌ للنصارى وبابٌ للمجوسِ وبابٌ للصابئينَ وبابٌ
للمنافقينَ وبابٌ للذين أشركُوا وهم كفارُ العربِ، وبابٌ لأهل التوحيد، وأهلُ
التوحيدِ يُرجَى لَهُم ولا يُرجى للآخرين. خرَّجه الخلالُ.
(١) أخرجه: ابن أبي شيبة في («المصنف)) (٤٩/٧)، وابن جرير في ((التفسير)) (٣٥/١٤).
(٢) وهو عند ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٤٩/٧)، وابن جرير في ((التفسير)) (٣٥/١٤).
(٣) أخرجه: ابن جرير في ((التفسير)) (٣٥/١٤ - ٣٦).

٦٠٨
سورة الحجر
وقال آدمُ بنُ أبي إياس: حدثنا حمادُ بنُ سلمةَ عن عطاءِ بنِ السائبِ عن
أبي ميسرة في قولهِ: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ [الزمر: ٧٢] قال: لجهنمَ سبعةُ أبوابٍ
بعضُها أسفلَ من بعضٍ .
وقال عطاءُ الخراسانيُّ: إنَّ لجهَّمَ سبعةَ أبوابٍ أشدُّها غمًّا وكربًا وحرًّا
وأنتنها ريحًا، للزناة الذين ركبوه بعد العلمِ، خرّجه أبو نعيم.
وعن كعب قالَ: لجهنمَ سبعةُ أبوابٍ بابٌ منها للحروريةِ .
وهذا كلُّه من حديثِ ابنِ عمرَ المتقدمِ يدلُّ على أنَّ كلَّ بابٍ من الأبوابِ
السبعةِ لعملٍ من الأعمالِ السيئةِ، كما أنَّ أبوابَ الجنةِ الثمانيةِ كلَّ باب منها
لعملٍ من الأعمالِ الصالحةِ.
وعن وهبِ بنِ منبه: بينَ كلِّ بابينِ مسيرةَ سبعينَ سنةً، كلُّ باب أشدُّ حرًّا
منْ الذي فوقَهُ.
وخرَّجِ الثعلبيُّ في ((تفسيرِهِ)) بإسنادِ مجهولٍ إلى منصور بنِ عبدِ الحميدِ بنِ
أبي رباحٍ، عن أنسٍ، عن بلالِ أنَّ أعرابيّة صلَّتْ خلفَ النبيِّ بَّ فقرأ النبيّ
رَله هذه الآيةَ: ﴿لَكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُوْمٌ﴾ [الحجر: ٤٤] فخرتْ مغشيًّا عليها،
فلما أفاقتْ قالتْ: يا رسولَ اللَّهِ كلُّ عضو من أعضَائِي يعذّبُ على كلِّ بابٍ
منها، فقالَ رسولُ اللَّهِ وَلَه: ((﴿لَكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُوْمٌ﴾ [الحجر:٤٤] يعذب على
كلِّ بابٍ على قدرِ أعمالِهِم)) فقالتْ: مالِي إلا سبعةُ أعبد أُشهِدُكَ أنَّ كلَّ عبد
منهم لكلٍ بابٍ من أبوابِ جهنّم، حُرٌّ لوجهِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، فجاء جبريلُ
فقالَ: بشِّرْها أنَّ اللَّه قد حرَّمَها على أبوابٍ جهنّم، وهذا حديثٌ لا يصحُ
مرفوعًا، ومنصورُ بنُ عبدِ الحميدِ، قالَ فيه ابنُ حبانَ: لا تحِلُّ الروايةُ عنه.

٦٠٩
سورة الحجر
والصحيحُ ما رَوَى مَخْلدُ بنُ الحسنِ عنِ هشامٍ بنِ حسانَ، قَالَ: خرجنا
حُجَّاجًا فنزلنا منزلاً في بعضِ الطريقِ، فقرأ رجلٌ كانَ معنا هذه الآيةَ: ﴿ لَهَا
سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ [الحجر: ٤٤] فسمعتْهُ امرأةٌ، فقالتْ: أعدْ رحمكَ اللَّهُ، فأعادَها،
فقالتْ: خلَّفْتُ في البيتِ سبعةَ أعبدِ أشهدكُمْ أَنَّهم أحرارٌ لكلِّ باب واحدٌ
منهم، خرّجه ابنُ أبي الدنيا.
وخرَّج البيهقيُّ(١) من حديثِ الخليلِ بنِ مرةً أنَّ النبيَّ ◌ََّ كانَ لا ينامُ حتى
يقرأ: ﴿تبارك﴾، و﴿حم السجدة﴾ وقال: ((الحواميمُ سبعٌ وأبوابُ جهَّمَ سبعٌ:
جهنَّمُ والحطمةُ ولظَى والسعيرُ وسقرُ والهاويةُ والجحيمُ))، وقال: ((تجيءُ كلُّ حم منها
يومَ القيامةِ)) أحسبُهُ قال: ((تقفُ على باب من هذه الأبواب، فتقولُ: اللَّهُمَّ لا تدخلْ هذا
البابَ كل من يؤمن بي ويقرؤني))، وقال: هذا منقطعٌ، والخليلُ بنُ مرَّةَ فيه نظرٌ.
وروى ابنُ أبي الدنيا من طريقِ عبدِ العزيزِ بنِ أبي روادٍ، قالَ: كان
بالبادية رجلٌ قد اتخذَ مسجدًا، فجعلَ في قبلتِهِ سبعةَ أحجارٍ، فكانَ إذا قَضى
صلاتَهُ، قال: يا أحجارُ، أشهدُكُم أن لا إله إلا اللَّهُ، قال: فمرضَ الرجلُ
فعرجَ بروحِهِ، قال: فرأيتُ في منامِي أَنَّه أُمِرَ بي إلى النَّارِ، فرأيتُ حَجَرًا من
تلكَ الأحجارِ أعرفه بعينه قد عظم، فسد عنِّي بابًا من أبواب جهنم، قال:
حتى سدَّ عَنِّي بقيةُ الأحجارِ أبوابَ جهنمَ السبعة (٢).
عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
وحكى البخاريّ، عن عدة من أهلِ العلمِ، أنهم قالُوا - في قولِهِ تعالى:
(٢) ((التخويف من النار)) (ص ٥٨ - ٦٠).
(١) ((شعب الإيمان» (٢٤٧٩).

٦١٠
سورة الحجر
٩٧- عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ -٩٣]: عن قول: لا
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
إله إلا اللَّهُ.
ففسَّرُوا العملَ بقولِ كلمةِ التوحيدِ .
وممن رُوي عنه هذا التفسيرُ: ابنُ عمرَ ومجاهدٌ.
ورواه ليثُ بنُ أبي سليمٍ، عن بشيرِ بنِ نهيكٍ، عن أنسٍ - موقوفًا - ورُوي
عنه - مرفوعًا - أيضًا. خرَّجه الترمذيُّ (١) وغرَّهُ.
وقال الدارقطنيُّ: (ليت) غيرُ قويٍّ، ورفعُهُ غيرُ صحيحٍ.
وقد خالفَ في ذلك طوائفُ من العلماءِ، من أصحابِنا وغيرِهم، كأبي
عبد الله بن بطةَ، وحملُوا العملَ في هذه الآياتِ على أعمالِ الجوارحِ،
واستدلُّوا بذلكَ على دخولِ الأعمالِ في الإيمانِ(٢)
قوله تعالى: ﴿وَاعْبَدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتَكَ الْيَقِينُ ﴾
عملُ المؤمنِ لا ينقضِي حتى يأتيَه أجلُهُ. قال الحسنُ: إنَّ اللَّهَ لم يجعلْ
لعملِ المؤمنِ أجلاً دونَ الموتِ، ثم قرأ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَّكَ الْيَقِينَ﴾
[الحجر: ٩٩].
هذه الشهورُ والأعوامُ والليالي والأيامُ كلُّها مقاديرُ للآجال، ومواقيتُ
للأعمالِ، ثم تنقضِي سريعًا، وتمضِي جميعًا، والذي أوجدَها وابتدَعها
وخصّها بالفضائلِ وأودَعَها باقٍ لا يزولُ، ودائمٌ لا يحولُ، هو في جميعِ
(١) ((الجامع)) (٣١٢٦).
(٢) ((فتح الباري)) (١١٢/١ - ١١٣).

٦١١
سورة الحجر
الأوقات إلهٌ واحدٌ، ولأعمال عباده رقيبٌ مشاهدٌ، فسبحانَ مَنْ قَلَّبَ
عبادَهُ في اختلافِ الأوقاتِ بينَ وظائفِ الخدمِ، ليسبغ عليهم فيها فواضلَ
النِّعم، ويعامِلَهُم بنهايةِ الجودِ والكرمِ، لَّ انقضتِ الأشهرُ الثلاثةُ الكرامُ التي
أولها الشهرُ الحرامُ، وآخرُها شهرُ الصِّيام، أقبلْت بعدها الأشهرُ الثلاثةُ، أشهر
الحجِّ إلى البيتِ الحرامِ، فكما أنَّ مَنْ صامَ رمضانَ وقامَهُ غُفِرَ له ما تقدَّم من
ذنبِهِ، فمنْ حجَّ البيتَ ولم يرفُثْ ولم يفسُقُ رجع من ذنوبِهِ كيومٍ ولدتْهُ أمه،
فما يمضي من عمرِ المؤمنِ ساعةٌ من الساعاتِ إلا وللَّه فيها عليه وظيفةٌ
من وظائف الطاعاتِ، فالمؤمنُ يتقلَّبُ بين هذه الوظائف، ويتقرّبُ بها إلى
مولاه وهو راجٍ خائفٌ(١).
(١) ((لطائف المعارف)) (ص ٣٩٨).

سُورَةُ النَّحْلِ
قوله تعالى: ﴿ وبالنّجم هم يهتدون
ـه
وأمَّا قولُ اللَّه عزَّ وجلَّ: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦].
وقولُ عمرَ: تعلَّموا من النجومِ ما تعرفونَ به القبلةَ والطريقَ.
ورُوي عنه، أَنَّه قال: تعلَّموا من النجومِ ما تهتدونَ به في بَرِّكم وبَحْرِكُم،
ثم أمسكُوا .
فمرادُه - واللَّهُ أعلمُ -: أنَّه يُتَعلَّم من النجومِ الشرقيةِ والغربيةِ والمتوسطةِ
ما يُهْتدى به إلى جهةِ القبلةِ بعد غروبِ الشمسِ، وفي حالةِ غيبوبةِ القمرِ،
فِيُسْتدلُّ بذلكَ على الشرقِ والغربِ، كما يُسْتَدلُّ بالشمسِ والقمرِ عليهما،
ولم يُرِدْ - واللهُ أعلمُ - تَعَلُّمَ ما زادَ على ذلكَ. ولهذا أمرَ بالإمساكِ؛ لما يُؤدي
التوغلُ في ذلكَ إلى ما وقعَ فيه المتأخرونَ من إساءةِ الظنِّ بالسلفِ الصالحِ.
وقد اخْتُلِفَ في تعلُّمِ منازلِ القمرِ وأسماءِ النجوم المهتدَى بها، فَرخَّص فيه
النخعيّ ومجاهدٌ وأحمدُ، وكرِهَ قتادةُ وابنُ عيينةَ تعلُّمَ منازلِ القمرِ .
وقال طاوس: رُبَّ ناظرٍ في النجومِ، ومتعلِّمٍ حروفَ ((أبي جاد)) ليس له
عند اللَّهَ خَلاَقٌ. ورُوي ذلك عنه، عن ابنِ عباسٍ (١).
(١) ((فتح الباري)) (٢٩٦/٢ - ٢٩٧).
٠٠

٦١٣
سورة النحل
قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾
وقال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]،
فاللُّهُ تعالى هو المبتدئ بالخيرِ، فمنه بدأَ ونشأ. والخيرُ به. يعني: أنَّ دوامَهُ
واستمرارَهُ وثبوتَهُ باللَّه، ولو شاءَ اللَّهُ لنزَعَهُ وسلبهُ صاحبَهُ، وقد قالَ تعالى
النبيِّه: ﴿وَلَئِنِ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً (1)، إِلاَّ
رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٦ - ٨٧]، يعني: أنَّ دوامَ هذه
النعمةِ عليكَ من اللَّهِ كما أنَّ ابتداءَها منه(١).
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّه
زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾
روى الأعمشُ عن عبدِ اللهِ بنِ مرةً، عن مسروقٍ، عنِ ابنِ مسعودٍ، في
قولهِ تعالى: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل: ٨٨]، قال: عقاربُ لها أنيابٌ
كالنخلِ الطوالِ، وخرَّجه الحاكمُ (٢) وقال: صحيحٌ على شرطِ الشيخينِ.
وفي روايةٍ عنه، قالَ: زيدُوا عقاربَ من نارِ كالبغالِ الدهمِ أنيابُها كالنخلِ،
خرَّجه آدمُ بنُ أبي إياسٍ في ((تفسيرِهِ)) عن المسعوديِّ عن الأعمشِ عن أبي
وائلٍ عن ابنِ مسعودٍ، وقولِ من قالَ عن عبدِ اللَّهِ بنِ مرةً عن مسروقِ أصحٌ.
وخرَّجَ ابنُ أبي حاتمٍ من روايةِ سفيانَ عن رجلٍ عن مرةً عن عبدِ اللَّهِ في
ءِ
قولِهِ: ﴿عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾ [ص: ٦١]، قالَ: حياتٌ وأفاعي. وروى السدي
(١) ((شرح حديث لبيك اللهم لبيك)) (ص ٢٩ - ٣٠).
(٢) أخرجه: ابن جرير في ((التفسير)) (١٦٠/١٤)، والحاكم (٣٣٥/٢ - ٣٥٦).

٦١٤
سورة النحل
عن مرةً عن عبد اللَّهِ في هذه الآيةِ، قالَ: أفاعِي في النارِ .
وروى ابنُ وهبٍ عن يحيى بنِ عبدِ اللَّهِ عن أبي عبدِ الرحمنِ الحبلى، عن
عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، قالَ: إنَّ لجهنَّمَ لسواحلُ فيها حياتٌ وعقاربُ أعناقُها
كأعناقِ البختِ(١).
وخرَّج ابنُ أبي الدنيا وغيرُهُ من طريقِ مجاهدٍ عن يزيدَ بنِ شجرةَ، قالَ:
إِنَّ لجهنَّمَ جبابًا في سواحلَ كسواحلِ البحرِ، فيه هوامٌّ وحيَّاتٌ كالبخاِيِّ
وعقاربُ كالبغالِ الذلِّ، فإذا سألَ أهلُ النارِ التخفيف قيلَ لهُم: اخرجُوا إلى
السواحلِ فتأخذُهُم تلك الهوامَّ بشفاهِم وجنوبِهِم وما شاءَ اللَّهُ من ذلكَ
فتكشُطُها ، فيرجعونَ فيبادرونَ إلى معظمِ النيرانِ، ويسلطُ عليهم الجربُ حتى
إنَّ أحدَهُم ليحكُّ جلدَهُ حتى يبدُوا العظمُ، فيقالُ: يا فلانُ هل يؤذيكَ هذا؟
فيقولُ: نعم، فيقالُ له: ذلك ما كنتَ تؤذي المؤمنينَ.
وروى عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى عن عثمانَ بنِ الأسودِ عن مجاهدٍ، قال: في
جهنَّمَ عقاربُ كأمثالِ الدلم لها أنيابٌ كالرماحِ إذا ضربتْ إحداهُنَّ الكافرَ على
رأسِهِ ضربةً تساقطَ لحمُهُ على قدميهِ .
وروى حمادُ بنُ سلمةَ عن الجريريِّ عن أبي عثمانَ، قالَ: على الصراط
حياتٌ يلسعْنَ أهلَ النارِ فيقولونَ: حسّ حسّ، فذلكَ قولُهُ: ﴿لا يَسْمَعُونَ
حَسيسها ﴾ [الأنبياء: ١٠٢].
وكان إبراهيمُ العجليُّ - رحمَهُ اللَّه - يقعُ البعوضُ على كتفيهِ وظهرِهِ
فيتأذَّى به، فيقولُ لنفسِهِ :
(١) أخرجه: ابن جرير في ((التفسير)) (١٤ /١٦١).

٦١٥
سورة النحل
فللنارِ أشقَى ساكنينَ وأوجعٌ(١)
وأنت تأذَّى من حسيسِ بعوضةٍ
قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تَبْيَانًا لَكُلّ
شَيْءٍ وَهُدَّى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾
إِنَّ اللَّه تعالى أنزلَ على نبيَّهُ الكتابَ، وبيَّنَ فيه للأُمَّةِ ما يحتاجُ إليه من
حلالٍ وحرامٍ، كما قالَ تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لَكُلِّ شَيْءٍ﴾
[النحل: ٨٩]، قالَ مجاهدٌ وغيرُهُ: لكلِّ شيءٍ أُمِرُوا به ونُهوا عنه، وقال تعالى
في آخرِ سورةِ النساءِ التي بَيَّنَ فيها كثيرًا من أحكامِ الأموالِ والأبضاعِ: ﴿يُبَيِّنَ
اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا لَكُمْ أَلَّ
تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّ مَا اضْطَرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾
[الأنعام: ١١٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا
يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، ووكَّل بيانَ ما أُشكلَ من التنزيلِ إلى الرسولِ وَل، كما
قالَ تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وما قُبضَ
وَّ حتى أكملَ له ولأُمَّتَّهِ الدِّينَ، ولهذا أنزلَ عليه بعرفةَ قبْلَ موتِهِ بمدةٍ
يسيرةٍ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينَا ﴾
[ المائدة : ٣ ] .
وقالَ وَله: ((تركتُكُم على بيضاءَ نقية، ليلُها كنهارها، لا يزيغُ عنها إلا هالكٌ)(٢).
وقال أبو ذَرٍّ: تُوفِيَ رسولُ اللَّهِ وَ لَّهِ وما طائرٌ يحرِّكُ جناحَيَهِ فِي السَّماءِ إلا
(١) ((التخويف من النار)) (ص ١١٠ - ١١١).
(٢) أخرجه: أحمد (١٢٦/٤).

٦١٦
سورة النحل
وقد ذكَّرنا منه عِلْمً(١) .
ولما شكَّ الناسُ في موتِهِ وَّةِ، قال عمُّه العباسُ فَِّه: والله ما ماتَ
رسولُ اللَّهِ بَّهِ حتى ترك السبيلَ نهجًا واضحًا، وأحلَّ الحلالَ وحرَّم الحرامَ،
ونكحَ وطلَّقَ، وحاربَ وسَالَمَ، وما كانَ راعي غنمٍ يتبعُ بها رءوسَ الجبالِ
يخْبطُ عليها العضاءَ بمخْبطه، ويَمْدُرُ حوضَها بيده بأنصبَ ولا أدأبَ من
رسولِ اللَّهِ وَّ كان فِيكُمْ(٢) .
وفي الجملةِ فما تركَ اللَّهُ ورسولُهُ حلالاً إلا مُبَّنَا ولا حرامًا إلا مُبيَّنَا، لكن
بعضَه كان أظهرُ بيانًا من بعضٍ، فما ظهرَ بيانُه واشتهرَ، وعُلِمَ من الدِّينِ
بالضرورة من ذلكَ لم يبقَ فيه شكٌّ، ولا يُعذرُ أحدٌ بجهله في بلدٍ يظهرُ فيها
الإسلامُ، وما كان بيانُهُ دونَ ذلك، فمنه ما اشتهرَ بين حملةِ الشريعةِ خاصةً،
فأجمعَ العلماءُ على حِلّه أو حرمتِهِ، وقد يخفَى على بعضِ من ليس منهُم،
ومنه ما لم يشتهر بين حملةِ الشريعةِ أيضًا، فاختلفُوا في تحليلِهِ وتحريمه(٣).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ
وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ
وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾
وروى هشامُ بنُ عمَّارٍ في كتابِ ((المبعثِ)) بإسنادِهِ عن أبي سلاَّم الحبشيِّ،
قال: حُدِّثْتُ أنَّ النبيَّ وَِّ كان يقولُ: ((فُضِّلْتُ على مَنْ قَبْلِي بستٌّ ولا فخرَ))،
(١) أخرجه: أحمد (١٥٣/٥ - ١٦٢).
(٢) أخرجه: ابن سعد فى ((الطبقات)) (٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧) بإسناد مرسل.
(٣) ((جامع العلوم والحكم)) (١٨٢/١ - ١٨٣).

٦١٧
سورة النحل
فذكرَ منها، قال: ((وأُعطيتُ جوامِعَ الكَلِمِ، وكانَ أهلُ الكتابِ يجعلونها جزءًا باللَّيل
إلى الصَّباحِ، فجمعَهَا لي ربِّي في آيةٍ واحدةٍ: ﴿سَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحديد: ١]).
فجوامِعُ الكلِمِ التي خُصَّ بها النبيُّ ◌َ ◌ِّ نوعانِ:
أحدُهُما: ما هو في القرآن، كقوله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَان
وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾
[النحل: ٩٠]، قال الحسنُ: لم تترك هذه الآيةُ خيرًا إلا أمرتْ به، ولا شرًّا إلا
نھتْ عنه.
والثاني: ما هو في كلامهِ وَّه، وهو منتشرٌ موجودٌ في السّنن المأثورةِ عنه
صَلى الله (١)
وسلم
٠
فقولُهُ وَّهِ: ((إنَّاللَّهَ كتبَ الإحسانَ على كُلِّ شيءٍ))(٢)، وفي روايةٍ لأبي
إسحاقَ الفزاريِّ في كتابِ: ((السيرِ)) عن خالدٍ، عن أبي قلابة، عن النبيِّ
وَه : ((إنَّ اللَّهَ كتبَ الإحسانَ على كلِّ شيءٍ)) أو قال: ((على كُلِّ خلق))، هكذا
خرَّجَها مرسلةً، وبالشكِّ في ((كلِّ شيءٍ)) أو ((كلِّ خلقٍ))، وظاهرُهُ يقتضي أنه
كتبَ على كلِّ مخلوقِ الإحسانَ، فيكونُ كلُّ شيءٍ أو كلُّ مخلوقٍ هو المكتوبَ
عليه، والمكتوبُ هو الإحسانُ.
وقيلَ: إِنَّ المعنى: إنَّ اللَّهَ كتبَ الإحسانَ إلى كلِّ شيءٍ، أو في كلِّ شيءٍ،
(١) ((جامع العلوم والحكم) (١٨/١ - ١٩).
(٢) أخرجه: مسلم (٦/ ٧٢) من حديث شداد بن أوس خجولته وتمامه: ((فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا
ذبحتم فأحسنوا الذبح، ولیحد أحدکم شفرته ولیرح ذبيحته».

٦١٨
سورة النحل
أو كتبَ الإحسانَ في الولاية على كُلِّ شيءٍ، فيكونُ المكتوبُ عليه غيرَ
مذكورِ، وإنَّما المذكورُ المحسنُ إليه .
ولفظُ: ((الكتابة)) يقتضي الوجوبَ عندَ أكثر الفقهاء والأصوليين خلافًا
لبعضهم، وإنَّما يعرفُ استعمالُ لفظةِ الكتابةِ في القرآنِ فيما هو واجبٌ حتمٌ،
إمَّا شرعًا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾
[النساء: ١٠٣]، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾
[البقرة: ٢١٦]، أو فيما هو واقعٌ قدرًا لا محالةَ، كقولهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلَِنَّ أَنَا
وَرَسَلِي﴾ [المجادلة: ٢١] وقولِهِ: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ
يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيْمَانَ﴾
[ المجادلة: ٢٢]. وقال النبيّ وَُّ في قيامِ شهرِ رمضانَ: ((إِنِّي خشيتُ أنْ يُكْتَبَ
عليكُمْ))(١) وقال: ((أمرتُ بالسِّواكِ حتَّى خشيتُ أن يُكتبَ عليَّ)) (٢)، وقال: ((كُتُبَ
على ابنِ آدمَ حظّه من الزِّنْى، وهو مدركٌ ذلكَ لا محالةَ)(٣).
وحينئذٍ فهذا الحديثُ نصٌّ في وجوبِ الإحسانِ، وقد أمرَ اللَّهُ تعالى به،
فقالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]، وقال: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُحْسنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥].
وهذا الأمرُ بالإحسان تارةً يكونُ للوجوبِ، كالإحسانِ إلى الوالدينِ
والأرحامِ بمقدار ما يحصلُ به البرُّ والصِّلةُ، والإحسانُ إلى الضيفِ بقدرِ ما
يحصلُ به قِراهُ على ما سبقَ ذكرُهُ.
(١) أخرجه: البخاري (١٨٦/١) من حديث عائشة في الثها.
(٢) أخرجه: أحمد (٤٩٠/٣).
(٣) أخرجه: البخاري (٦٢/٨ - ١٥٦)، ومسلم (٥٢/٨) من حديث أبي هريرة په.

٦١٩
سورة النحل
وتارةً يكونُ للندبِ كصدقةِ التطوعِ ونحوِها.
وهذا الحديثُ يدلُّ على وجوبِ الإحسانِ في كلِّ شيءٍ من الأعمالِ، لكن
إحسانُ كُلِّ شيءٍ بحسبِهِ، فالإحسانُ في الإتيانِ بالواجباتِ الظاهرة والباطنة:
الإتيانُ بها على وجهِ كمالٍ واجباتها، فهذا القدر من الإحسان فيها واجبٌ،
وأمَّا الإحسانُ فيها بإكمال مستحبَّاتِهَا فليسَ بواجبٍ.
والإحسانُ في ترك المحرَّمات: الانتهاءُ عنها، وتركُ ظاهرِهَا وباطنهَا، كما
قالَ تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ﴾ [الأنعام: ١٢٠]، فهذا القدرُ من الإحسان
فيها واجبٌ.
وأمَّ الإحسانُ في الصبرِ على المقدوراتِ، فأن يأتيَ بالصبرِ عليها على
وجهِهِ من غيرِ سخَطٍ ولا جزَعٍ.
والإحسانُ الواجبُ في معاملةِ الخلقِ ومعاشرِتِهِم: القيامُ بما أوجبَ اللَّهُ من
حقوقِ ذلك كلِّه، والإحسانُ الواجبُ في ولايةِ الخلقِ وسياستِهِم: القيامُ
بواجباتِ الولايةِ كُلِّها، والقدرُ الزائدُ على الواجبِ في ذلك كلِّه إحسانٌ ليسَ
بواجب .
والإحسانُ في قتلِ ما يجوزُ قتلُهُ من النّاسِ والدوابِّ: إزهاقُ نفسه على
أسرعِ الوجوهِ وأسهلِها وأوحاها من غيرِ زيادةٍ في التعذيبِ، فإنَّه إيلامٌ لا
حاجةَ إليه. وهذا النوعُ هو الذي ذكرهُ النبيُّ ◌َّ في هذا الحديثِ، ولعلَّه
ذكرهُ على سبيلِ المثالِ، أو لحاجتِهِ إلى بيانِهِ في تلكَ الحالِ، فقالَ: ((إذا قتلتُم
فأحسنُوا القتْلةَ، وإذا ذبحتُمْ فأحسِنُوا الذِّبحة)) والقتلةُ والذِّبحة بالكسرِ، أي: الهيئةُ،
والمعنى: أحسنُوا هيئةَ الذبح، وهيئةَ القتلِ. وهذا يدلّ على وجوبِ الإسراعِ

٦٢٠
سورة النحل
في إزهاقِ النفوسِ التي يُباحُ إزهاقُها على أسهلِ الوجوهِ. وقد حكى ابنُ حزمٍ
الإجماعَ على وجوبِ الإحسانِ في الذبيحةِ ، وأسهلُ وجوهِ قتلِ آدمي ضربُهُ
بالسيفِ على العنقِ، قالَ اللَّهُ تعالى في حقِّ الكفَّارِ: ﴿فَإِذَا لَقِيْتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا
فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]، وقال: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا
فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال: ١٢]، وقد قيلَ: إنَّه عينَ الموضعَ الذي يكونُ الضربُ فيه
أسهلَ على المقتولِ وهو فوقَ العظامِ دونَ الدماغِ، ووصَّى دريدُ ابنُ الصِّمة
قاتلَهُ أن يَقْتُلَهُ كذلكَ.
وكان النبيُّ وَّ إذا بعثَ سريةً تغزو في سبيلِ اللهِ قالَ لهُم: (( لا تُمثِّلُوا ولا
تقتلُوا وليدًا))(١).
وخرَّج أبو داودَ، وابنُ ماجه(٢) من حديث ابن مسعودٍ، عن النبيِّ وَل
قال: ((أَعَفُّ الناسِ قتلةً أهلُ الإيمان)).
وخرَّج أحمدُ وأبو داود(٣) من حديث عمرانَ بنِ حصينٍ سمُرَةَ بنِ جُندبٍ
أنَّ النبيَّ نَّهِ كان ينهى عن المُثْلِةِ.
وخرَّجه البخاريُ(٤) من حديثِ عبدِ اللهِ بنِ يزيدَ عنِ النبيِّ وَ ل﴿ أَنَّه نهى عن
المُثْلة .
وخرَّج الإمامُ أحمدُ(٥) من حديث يعلى بنِ مُرَّةَ عنِ النبيِّ بَّهِ: ((قال اللَّهُ
تعالى: لا تمثِّلوا بعبادِي».
(١) أخرجه: مسلم (١٣٩/٥ - ١٤٠) من حديث بريدة بن الحصيب ◌ُ الله.
(٢) أخرجه: أبو داود (٢٦٦٦)، وابن ماجه (٢٦٨١ - ٢٦٨٢).
(٣) أخرجه: أحمد (٤٣٩/٤ - ٤٤٠ - ٤٤٥)، (١٢/٥)، وأبو داود (٢٦٦٧).
(٤) ((صحيح البخاري)) (١٧٧/٣)، (١٢٢/٧).
(٥) («المسند» (١٧٣/٤).