النص المفهرس
صفحات 581-600
٥٨١
سورة الرعد
الذي أرسلتُ به)).
فمثَّلَ النبيُّنَِّ العلمَ والإيمانَ الذي جاء به بالغيثِ الذي يصيبُ الأرضَ،
وهذا المثلُ كقوله تعالى: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ
زَبَدًّا رَّبِيًّا﴾ [الرعد : ١٧].
فمثَّلَ تعالى ما أنزلَهُ من العلمِ والإيمانِ إلى القلوبِ بالماءِ الذي أنزلَهُ من
السماءِ إلى الأرضِ، وهو سبحانه وتعالى يمثلُ العلمَ والإيمانَ تارةً بالماء كما
في هذه الآيةِ، وكما في المثل الثاني المذكورِ في أولِ سورة البقرةِ، وتارةً يمثله
بالنورِ كما في المثلِ المذكورِ في سورةِ النورِ، والمثلُ الأولُ المذكورُ في سورة
البقرةِ وكذلك في هذه الآيةِ التي في سورة الرعدِ، وذكر مثلاً ثانيًا يتعلقُ
بالنارِ وهو قولُهُ: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعِ زَبَدٌ مَثْلُهُ﴾
[الرعد: ١٧] فإن الماءَ والنورَ مادةُ حياةِ الأبدانِ، ولا يعيشُ حيوانٌ إلا حيثُ هما
موجودانٍ، كما أنَّ العلمَ والإيمانَ مادةُ حياةِ القلوبِ وهما للقلوبِ كالماءِ
والنورِ، فإذا فقدهُما القلبُ فقد ماتَ.
وقولُهُ تعالى: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧] شبَّه القلوبَ الحاملةَ للعلمِ
والإيمانِ بالأوديةِ الحاملةِ للسيلِ، فقلبٌ كبيرٌ يسعُ علمًا عظيمًا، كودٍ كبيرٍ
يسع ماءً كثيرًا، وقلبٌ صغيرٍ يسعُ علمًا قليلاً، كوادٍ صغيرٍ يسعُ ماءً قليلاً،
فحملتِ القلوبِ من هذا العلمِ بقدرِهَا، كما سالتِ الأوديةُ من الماءِ بقدرِهَا.
فهذا تقسيمٌ للقلوبِ بحسبِ ما يحملُّهُ من العلمِ والإيمانِ إلى متسعِ
وضيق .
والذي ذكره النبيِّ نَّ في حديثِ أبي موسى تقسيمٌ لها بحسبِ ما يرِدُ
٥٨٢
سورة الرعد
عليها من العلمِ والإيمانِ إلى قابلٍ لإنباتِ الكلأ والعشبِ، وغيرِ قابلٍ لذلكَ
وجعلها ثلاثة أقسامٍ:
القسم الأول: قسمٌ قَبِلَ الماءَ، فأنبتَ الكلأ والعشبَ الكثيرَ، وهؤلاء هم
الذين لهم قوةُ الحفظِ، والفهمِ والفقهِ في الدِّينِ، والبصرِ بالتأويلِ، واستنباطِ
أنواعِ المعارفِ والعلومِ من النصوص.
وهؤلاءِ مثل: الخلفاءِ الأربعةِ، وأبيِّ بنِ كعبٍ، وأبي الدرداءِ، وابنٍ
مسعودٍ، ومعاذِ ابنِ جبلٍ، وابنِ عباسٍ. ثم كالحسنِ، وسعيدِ بنِ المسيبِ،
وعطاء، ومجاهدِ. ثم كمالكِ، والليثِ، والثوريِّ، والأوزاعيِّ، وابنٍ
المباركِ، والشافعيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ، وأبي عبيدٍ، وأبي ثورٍ، ومحمدِ بنِ
نصرِ المروزيِّ. وأمثالِهِم من أهلِ العلمِ باللَّهِ وأحكامِهِ، وأوامرِهِ، ونواهيهِ.
وكذلك مثل: أويسٍ، ومالكِ بنِ دينارٍ، وإبراهيم بنِ أدهمَ، والفضيلِ ابنِ
عياضٍ، وأبي سليمانَ، وذي النُّونِ، ومعروفٍ، والجنيدِ بنِ محمدٍ، وسهلٍ
ابنِ عبدِ اللّهِ والحرِّ بن أسدٍ. وأمثالهم من أهل العلم باللّه وأسمائه وصفاته
وأيامِهِ وأفعاله .
القسم الثاني: وقسمٌ حفظَ الماءَ، وأمسكَهُ حتى وردَ الناسُ فأخذُوه فانتفعُوا به
وهؤلاءِ هم الذين لهم قوةُ الحفظِ، والضبطِ، والإتقانِ، دون الاستنباطِ،
والاستخراجِ، وهؤلاءِ كسعيدِ بنِ أبي عروبةَ، والأعمشِ، ومحمدِ بنِ جعفرٍ
غندر، وعبدِ الرزاقِ، وعمرٍو الناقدِ، ومحمدِ بنِ بشارٍ بندارٍ، ونحوِهم.
القسم الثالث: وقسمٌ ثالثٌ وهم شرُّ الخلقِ، ليس لهم قوةُ الحفظِ، ولا قوةُ
الفهم، لا درايةٌ، ولا روايةٌ، وهؤلاء الذين لم يتقبلُوا هُدى اللَّهِ ولم يرفعُوا
٥٨٣
سورة الرعد
به رأسًا .
والمقصودُ هاهنا أن اللَّهَ تعالى حفظَ هذه الشريعةَ بما جعلَ لها من الحملةِ،
أهلِ الدرايةِ، وأهلِ الروايةِ، فكان الطالبُ للعلمِ والإيمانِ يتلقَّى ذلكَ ممن
يدركُهُ من شيوخِ العلمِ والإيمانِ، فيتعلَّمُ الضابطُ القرآنَ والحديثَ، ممن يعلِّمُ
ذلكَ، ويتعلَّمُ الفقهَ في الدِّينِ من شرائعِ الإسلامِ الظاهرةِ، وحقائقِ الإيمانِ
الباطنةِ، ممن يعلِّمُ ذلكَ.
وكان الأغلبُ على القرونِ الثلاثةِ المفضلةِ جمعُ ذلكَ كلِّه، فإنَّ الصحابةَ
تلقَّوا عن النبيِّ نَّهِ جميعَ ذلكَ، وتلقاهُ عنهم التابعونَ، وتلقَّى عن التابعينَ
تابعوهُم، فكانَ الدِّينُ حينئذٍ مجتمعًا، ولم يكنْ قد ظهرَ الفرقُ بين مسمَّی
الفقهاءِ، وأهلِ الحديثِ ولا بينَ علماءِ الأصولِ والفروعِ، ولا بينَ الصوفيِّ
والفقيرِ والزاهدِ، وإنما انتشرتْ هذه الفروقُ بعد القرون الثلاثة.
وإنَّما كانَ السلفُ يسمُّون أهل العلم والدِّينِ: القُرَّاءَ، ويقولونَ: يقرأُ
الرجلُ إذا تنسَّك، وكانَ العالمُ منهُم يتكلمُ في جنسِ المسائلِ المأخوذةِ من
الكتاب والسنةِ، سواءٌ كانتْ من المسائلِ الخبرِيَّةِ العلميةِ، كمسائلِ التوحيدِ،
والأسماء والصفاتِ، والقدرِ، والعرشِ، والكرسيِّ، والملائكة، والجنِّ،
وقصصِ الأنبياءِ، ومسائلِ الأسماءِ، والأحكامِ، والوعدِ والوعيدِ، وأحوالٍ
البرزخِ، وصفةِ البعثِ والمعادِ، والجنَّةِ، والنَّارِ، ونحوِ ذلكَ.
أو من أعمالِ الجوارحِ، كالطهارةِ، والصلاةِ، والصيامِ، والزكاة، والحجِّ،
والجهادِ، وأحكامِ المعاوضاتِ، والمناكحاتِ، والحدودِ، والأقضيةِ، والشهادة،
ونحو ذلك.
٥٨٤
-
سورة الرعد
أو من المسائلِ العلميةِ، سواءٌ كانتْ من أعمالِ القلوبِ، كالمحبةِ،
والخوفِ، والرجاءِ، والتوكلِّ، والزهدِ، والتوبةِ، والشكرِ، والصبرِ، ونحوِ
ذلك، وإنْ كان يكون لبعضِهِم في نوعٍ من هذه الأنواعِ من مزيدِ العلمِ،
والمعرفةِ، والحالِ ما ليسَ له في غيرِهِ مثلُه.
كما كانَ يُقالُ في أئمةِ التابعينَ الأربعةِ: سعيدُ بنُ المسيبِ: إمامُ أهل
المدينةِ. وعطاءُ بنُ أبي رباح: إمامُ أهلِ مكةَ. وإبراهيمُ النخعيُّ: إمامُ أهلِ
الكوفةِ. والحسنُ البصريُّ: إمامُ أهلِ البصرةِ.
كان يقالُ أعملهُم بالحلالِ والحرامِ: سعيدُ بنُ المسيبِ، وأعلمُهُم بالمناسك:
عطاءٌ، وأعلمُهم بالصلاةِ: إبراهيمُ، وأجمعُهُم: الحسنُ.
وكان أهلُ الدرايةِ والفهمِ من العلماءِ إذا اجتمعَ عندَ الواحدِ منهم من
ألفاظ الكتاب والسنةِ، ومعانيها، وكلامِ الصحابة والتابعينَ ما يسَّرِه اللَّهُ له،
جعلَ ذلك أصُولاً، وقواعدَ يبني عليها، ويستنبطُ منها، فإنَّ اللَّهَ تعالى أنزلَ
الكتابَ بالحقِّ والميزانِ، والكتابُ فيه كلماتٌ كبيرةٌ، هي قواعدُ كلُّةٌ وقضايا
عامَّةٌ، تشملُ أنواعًا عديدةٌ، وجزئياتٍ كثيرةٍ، ولا يهتدي كلَّ أحدٍ إلى
دخولِها تحتَ تلكَ الكلماتِ، بل ذلك من الفهمِ الذي يؤتيه اللَّهُ من يشاءُ في
کتابه .
وأمَّا الميزانُ فهوَ الاعتبارُ الصحيحُ، وهو من العدلِ والقسطِ، الذي أمر اللَّهُ
بالقيامِ بهِ كالجمعِ بين المتماثلينِ لاشتراكهِمَا في الأوصافِ، الموجبةِ للجمعِ
والتفريقِ بين المختلفينِ لاختلافِهِمَا في الأوصافِ الموجبةِ للفرقِ، وكثيرًا ما
يخفى وجهُ الاجتماعِ والافتراقِ ويدقُ فَهْمُهُ.
٥٨٥
سورة الرعد
وأمَّا أهلُ الروايةِ إذا اجتمعَ عندَهُم من ألفاظِ الرسولِ، وكلامِ الصحابةِ
والتابعينَ، وغيرِهم في التفسيرِ، والفقهِ، وأنواعِ العلومِ، لم يتصرفُوا في ذلكَ
بل نقلُوه كما سمعُوه، وأدوه كما حفظُوه وربما كانَ لكثيرٍ منهُم من التصرفِ
والتميزِ في صحةِ الحديثِ وضعفهِ من جهةِ إسنادِهِ، وروايتِهِ ما ليسَ
لغيرهم(١).
قوله تعالى: ﴿يَمْحُوِ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ
وفُسِّرِ ((أمُّ الكتابِ)) باللَّوحِ المحفوظِ، وبالذِّكر، في قولِهِ تعالى: ﴿ يَمْحُو اللّهُ
مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩].
وعن ابنِ عباسٍ ◌ِّها، أنه سألَ كعبًا، عن ((أمِّ الكتاب)) فقال: علمَ اللَّه ما
هو خالقٌ، وما خلْقُه عاملون، فقال لعلمه: كُنْ كتابًا، فكان كتابًا .
ولا ريبَ أنَّ علمَ اللَّهِ تعالى قديمٌ أزليُّ لم يزلْ عالما بما يُحدثُهُ من
مخلوقاتٍ، ثم إنَّه تعالى كتبَ ذلك في كتابٍ عندهَ قبل خلْقِ السماواتِ
والأرضِ، كما قال تعالى: ﴿ مَا أَصَابَ مِن مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّ فِي
كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبْرَ أَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد : ٢٢].
وفي ((صحيحِ البخاريِ)(٢) عن عمرانَ بنِ حُصينٍ، عن النبيِّ ◌َِّ قال:
((كانَ اللَّهُ ولا شيءَ قبله، وكان عرشُهُ على الماءِ، وكتبَ في الذِّكرِ كلَّ شيءٍ، ثم خلقَ
السماوات والأرض)).
(١) ((مقدمة تشتمل على أن جميع الرسل كان دينهم واحد)) (٢٠ - ٣٨).
(٢) (١٢٨/٤)، (٢١٢/٥ - ٢١٩)، (١٥٢/٩).
٥٨٦
سورة الرعد
وفي ((صحيح مسلمٍ)(١) عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرو بنِ العاصِ، عن النبيِّ وَّل
قال: ((إنَّ اللَّه كتبَ مقاديرَ الخلائقِ قبلَ أن يخلقَ السماوات والأرضَ بخمسين ألفَ
سنة، وكان عرشُهُ على الماء))(٢)
(١) (٥١/٨) دون لفظ ((وكان عرشه على الماء)).
(٢) ((لطائف المعارف)) (١٥٩).
و رءُ ٣٥
سورة إبراهيم
قال الله تعالى: ﴿وَيَأْتِهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ
وَمَا هُوَ بِمَيْتٍ وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ
وقال إبراهيمُ في قولهِ: ﴿وَيَأْتِهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾ [إبراهيم: ١٧] حتى من
تحتِ كل شعرةٍ في جسدِهِ.
وقال الضحاكُ: حتى من إبهامٍ رجليِهِ، والمعنى: أنه يأتيهِ مثلُ شدةِ الموتِ
وألمه من كلِّ جزء من أجزاءٍ بدِنِه حتى شعرِهِ وظفرهِ، وهو مع هذا لا تخرج
و
نفسُهُ فیستریحُ.
قال ابنُ جريج: تعلقُ نفسُهُ عند حنجرتِهِ فلا تخرجُ من فيه فيستریحُ، ولا
ترجعُ إلى مكانِها من جوفِه، وتأوَّلَ جماعةٌ من المفسرينَ على ذلك قولَهُ
تعالى: ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْنَى﴾ [الأعلى: ١٣].
قال الأوزاعيُّ عن بلالِ بنِ سعدٍ: تنادي النارُ يومَ القيامةِ: يا نارُ أحرِقي،
يا نارُ اشتفي، يا نارُ انضجي، كُلِي ولا تَقْتُلي (١).
(١) ((التخويف من النار)) (١٥٣).
٥٨٨
سورة إبراهيم
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً
طَيّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي
تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِذْنِ رَبِّهَا
السَّمَاء
وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَهُمْ يَتَذَكَّرُونَ:
وقد ضربَ اللَّه ورسولُهُ مثلَ الإيمانِ والإسلامِ بالنخلةِ :
قال اللَّهُ تعالى: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيَِّةً كَشَجَرَةٍ طَيَِّةٍ أَصْلُهَا ثَابِتَ وَفَرْعُهَا فِي
السَّمَاءِ { تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٤ -٢٥].
فالكلمةُ الطيبةُ، هي: كلمةُ التوحيدِ، وهي أساسُ الإسلامِ، وهي جاريةٌ
على لسانِ المؤمنِ .
وثبوتُ أصلها، هو: ثبوتُ التصديقِ بها في قلبِ المؤمنِ.
وارتفاعُ فرعِهَا في السماءِ، هو: عُلوُّ هذه الكلمةِ وبُسُوقُها، وأنها تخرقُ
الحجبَ، ولا تتناهَى دون العرشِ.
وإتيانُها أُكُلُها كلَّ حينٍ، هو: مما يرفعُ بسببها للمؤمنِ كلِّ حينٍ من القول
الطيبِ والعملِ الصالحِ، فهو ثمرتُها.
وجعَلَ النبيّ وَّ مثلَ المؤمنِ - أو المسلمِ - كمثلِ النخلةِ(١).
وقال طاوسٌ: مثلُ الإيمانِ كشجرةٍ، أصلها الشهادةُ، وساقُها كذا وكذا،
وورقُها كذا وكذا، وثمرُها الورِعُ، ولا خيرَ في شجرةٍ لا ثمرَ لهَا. ولا خيرَ
في إنسانٍ لا ورعَ فيه.
(١) وهو مروي من حديث عبد الله بن عمر طوبيا: أخرجه البخاري (٢٨/١). (١٠٣/٣)،
(١٠٣/٧ - ١٠٤)، ومسلم (١٣٧/٨).
٥٨٩
سورة إبراهيم
ومعلومٌ أنَّ ما دخلَ في مسمَّي الشجرةِ والنخلةِ من فروعِهَا وأغصانها،
وورقِها وثمرِهَا، إذا ذهبَ شيءٌ منه لم يذهب عن الشجرةِ اسمُها، ولكن
يقالُ: هي شجرةٌ ناقصةٌ، وغيرُها أكملُ منها، فإن قُطْعَ أصلُها وسقطتْ لم
تبقَ شجرةً، وإنما تصيرُ حطبًا.
فكذلك الإيمانُ والإسلامُ، إذا زالَ منه بعضُ ما يدخلُ في مسماهُ - مع بقاءِ
أركان بنيانه - لا يزولُ به اسمُ الإسلامِ والإيمان بالكليةِ، وإن كان قد سُلِبَ
الاسمُ عنه؛ لنقصِهِ، بخلاف ما انهدمتْ أركانُهُ وبنيانُهُ، فإنَّه يزولُ مسماهُ
بالكليةِ، واللَّهُ أعلَمْ (١).
ضربَ العلماءُ مثلَ الإيمانِ بمثلٍ شجرةٍ لها أصلٌ وفروعٌ وشُعَبٌ، فاسمُ
الشجرة يشملُ ذلكَ كلَّه، ولو زالَ شيءٌ من شُعَبها وفروعِها، لم يزُلْ عنها
اسمُ الشجرةِ، وإنما يُقال: هي شجرةٌ ناقصةٌ أو غيرُها أتمّ منها.
وقد ضربَ اللَّهُ مثلَ الإيمانِ بذلكَ في قولِهِ تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلَمَةً
طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيَِّةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴿٣- تُؤْتِي أَكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِذْنِ
رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٤]. والمرادُ بالكلمة كلمةُ التَّوحيد، وبأصلها: التَّوحيدُ، الثَّابتُ
في القلوبِ، وأُكُلُها: هو الأعمالُ الصالحةُ الناشئةُ منه.
وضربَ النبيُّ رَ ﴿ِ مثلَ المؤمنِ والمسلمِ بالنَّخْلةِ ولو زالَ شيءٌ من فروعٍ
النخلة أو من ثمرِهَا، لم يزلْ بذلكَ عنها اسمُ النخلةِ بالكليةِ، وإن كانتْ
ناقصةَ الفروعِ أو الثَّمرِ(٢).
(١) ((فتح الباري)) (٢٤/١ - ٢٥).
(٢) ((جامع العلوم والحكم)) (١٣٣/١).
٥٩٠
سورة إبراهيم
قال الله عز وجل: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
بالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ
وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾
صَلىالله
وسلم
خرَّجَا في (الصحيحينِ)) (١) من حديث البراءِ بنِ عازبٍ ◌ِوثّه، عن النبيُّ
قالَ: ((﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] نزلتْ في عذابِ القبرِ)).
زاد مسلمٌ: ((يقالُ له: من ربُّك؟ فيقولُ: ربِّي اللَّهُ، ونَبِّي محمدٌ، فذلكَ قولُهُ سبحانه
وتعالى: ((﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]).
وفي رواية للبخاريِّ، قالَ: ((إذا أُقْعد العبدُ المؤمنُ في قبره أُتيَ، ثم شهدَ أن لا إله
إلا اللَّهُ وأنَّ محمدًا رسولُ اللَّهِ، فذلك قولُهُ: (﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾)).
وخرَّج الطبرانيّ(٢) من حديث البراءِ بنِ عازبٍ عن النبيِّ نَّهِ قالَ: ((يقالُ
للكافر: من ربُّك؟ فيقولُ: لا أدْرِي، فهوَ تلكَ الساعةِ أصمُّ أعْمى أبكمُ، فيُضْرَب بمرزبة
لو ضُربَ بها جبلٌ صارَ ترابًا، فيسمعُها كلُّ شيء إلا الثقلين)) قال: وقرأ رسولُ اللَّه
وَله : ﴿يُثَبّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]) الآية.
وخرَّج أبو داودً(٣)، من حديث المنهالِ بنِ عمرو، عن زاذان، عن البراء
ابنِ عازبٍ عن النبيِّ وَّهِ قالَ: ((إنه لَيَسمعُ خفقَ نعالهم إذا ولَّوا مدبرينَ حينَ يقالُ
له: من ربُّك؟ وما دينُك؟ ومن نبيُّك؟)).
وفي روايةٍ له (٣): ((قال: ويأتيه ملكانٍ فيجلسانِهِ فيقولان له: من ربُّك؟ فيقولُ:
ربي اللَّهُ، فيقولانِ: ما دينُك؟ فيقولُ: ديني الإسلامُ، فيقولان له: ما هذا الرجلُ الذي
(١) أخرجه: البخاري (١٢٢/٢)، (١٠٠/٦)، ومسلم واللفظ له (١٦٢/٨).
(٢) ((المعجم الصغير)) (١٧٨/١).
(٣) («السنن)) (٤٧٥٣).
٥٩١
سورة إبراهيم
بُعث فيكُم؟ فيقولُ: هو رسولُ اللَّه ◌ِ لّهِ، فيقولان له: وما يُدريكَ، فيقولُ: قرأتُ كتابَ
اللَّه فآمنتُ به وصدَّقْتُ».
وفي رواية له(١): ((فذلك قولُهُ عزَّ وجلّ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَولِ الثَّابِتِ﴾
[إبراهيم: ٢٧])) الآية، قال: ((فينادي مناد من السماء: أن صدقَ عبدي فافرشُوه من الجنة،
وافتحُوا له بابًا إلى الجنة وألبسُوه من الجنة، قال: فيأتيه من رَوْحِهَا وطيبها، قال: ويفسحُ
له في قبره مدَّ بصره)) قال: وذكر الكافرَ، قال: «وتعادُ روحُه إلى جسده ويأتيه
ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربُّك؟ فيقولُ: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما دينك؟
فيقولُ: هاه هاه لا أدْرِي، فينادي منادٍ من السماءِ: أن كذبَ عبدي فافرشُوه من النار،
وألبسُوه من النار، وافتحُوا له بابًا إلى النار))، قال: ((فيأتيه من حرِّها وسمومها)) قال:
((ويضيَّقُ عليه قبرُهُ حتَّى تختلفَ أضلاعُهُ)).
وفي روايةٍ له(٢): ((ثم يقيّضُ له أعمى أبكمُ معه مرزبةٌ من حديد لو ضُربَ بها
جبلٌ لصارَ ترابًا)) قال: ((فيضربُهُ ضربةً يسمعُها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين،
فيصيرُ ترابًا) قال: ((ثم تُعادُ فيه الرُّوح)).
وخرَّجه النسائيُّ وابنُ ماجه مختصرًا، وخرَّجه الإمامُ أحمدُ بسياق مطوَّل
والحاكم(٢)، وقال: على شرط الشيخين.
وفي روايةٍ للإمامِ أحمدَ: ((ثم يقيّضُ له أعمى أبكمُ أصمُ في يدهِ مرزبةٌ لو ضُرِبَ
بها جبلٌ كان ترابًا فيضربه ضربةً فيصير ترابًا، ثم يعيدُه اللَّهُ عزَّ وجلَّ كما كان، فيضربُهُ
ضربةً أخرى فيصيحُ صيحةً يسمعها كلُّ شيءٍ إلا الثقلينِ)).
(١) ((السنن)) (٤٧٥٣).
(٢) أخرجه: أحمد (٢٨٧/٤ - ٢٨٨ - ٢٩٥ - ٢٩٧)، والنسائى (٧٨/٤)، وابن ماجه (١٥٤٨)،
والحاكم (٣٧/١ - ٤٠).
٥٩٢
سورة إبراهيم
قال البراءُ بنُ عازبٍ: ((ثم يُفتح له بابٌ إلى النارِ ويمهد له من فرشِ النارِ))،
كذا خرَّجه من روايةِ يونسَ بنِ خبابٍ عن المنهالِ بنِ عمرو.
وخرَّجه ابنُ منده من هذا الوجهِ أيضًا وزادَ في حديثِهِ: ((لو اجتمعَ عليه
الثقلان على أن يقلبوها لم يستطيعوا، فيضربُه بها ضربةً يصيرُ ترابًا، وتعادُ فيه الروحُ
ووَ
فيضربُهُ بين عينيه ضربةً فيسمعُها من على الأرضِ ليس الثقلينِ - فينادي مناد: أن افرشُوا
له لوحين من نار، وافتحُوا له بابًا إلى النارِ)».
وخرَّجه أيضًا من طريقِ عيسى بنِ المسيبِ، عن عدي بنِ ثابتٍ، عن البراءِ
ابنِ عازبٍ، عن النبيِّ بَّه وقال فيه في حقِّ المؤمنِ: ((فيأتيه منكرٌ ونكيرٌ يثيران
الأرض بأنیابهما ویفحصان الأرضَ بأشعارِهما فیجلسانه)).
٠٠
وذكر في الكافرِ مثلَ ذلك: وزاد فيه: ((أصواتُهُما كالرَّعد القاصف، وأبصارُهُما
كالبرق الخاطف))، وقال: ((فيضربَانِهِ بمرزبة من حديد، لو اجتمعَ عليه من بين الخافقين
لم تُقُلّ).
وخرَّجَاً في ((الصحيحينِ))(١) من حديثٍ قتادةَ، عنِ أَنْسٍ، أنَّ رسولَ اللَّه
٦
وَه قالَ: ((إنَّ العبدَ إذا وُضِعَ في قبرِهِ وتولَّى أصحابُهُ، إنه ليسمعُ قَرْعَ نعالِهِم إذا
انصرفُوا أتاهُ الملكان فيقعدانه فيقولان: ما كنتَ تقولُ في هذا الرجلِ محمَّد ◌ِّله؟ فأما
المؤمنُ فيقولُ: أشهدُ أنّه عبدُ اللَّه ورسولُهُ فَ لَهِ، فيقالُ له: انظرْ إلى مقعدكَ من النار، قد
أبدلكَ اللَّهُ به مقعدًا من الجنة))، قال: ((فيراهُما جميعًا)).
قال قتادةُ: وذُكر لنا أنه يُفُسَّحُ له في قبرِهِ مدَّ بصرِهِ - ثم رجعَ إلى حدیث
أنسٍ - قالَ: ((وأما المنافقُ والكافرُ فيقالُ له: ما كنتَ تقولُ في هذا الرجلِ؟ فيقولُ: لا
(١) أخرجه: البخاري (١١٣/٢ - ١٢٣)، ومسلم (١٦١/٨ - ١٦٢).
٥٩٣
سورة إبراهيم
أدري؛ كنتُ أقولُ ما يقولُ الناسُ، فيقالُ: لا دريتَ، ولا تليتَ، ويُضربُ بمطارقَ من
حديد ضربةً فيصيحُ صيحةً يسمعُها من يليه غيرَ الثقلين)) .
وخرَّجه أبو داودً (١) بزيادات أُخر منها: ((إنَّ المؤمنَ يُقال له: ما كنتَ تعبدُ؟ فإن
اللَّه هدَاه، قال: كنتُ أعبدُ اللَّهَ، فيقالُ له: ما كنتَ تقولُ في هذا الرجل؟ فيقولُ: هو عبدُ
الله ورسولُهُ، قال: فما يُسأل عن شيءٍ غيرِها))، وزاد فيه أيضًا: ((فيقولُ دعُوني حتى
أذهبَ فأبشِّرِ أهلِي، فيقالُ له: اسكُن))، وذكر في الكافرِ: («أنه يسألُ عمَّا كانَ يعبدُ ثم
عن هذا الرجلٍ)).
وخرَّجا في (الصحيحينٍ))(٢) من حديثِ أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ أنَّ النبيَّ
صَلى الله
وسلم
قال في خطبتهِ يومَ كسفتِ الشمسُ: ((ولقد أوحي إليَّ أنكم تفتنونَ في قبورِكُم
مثل أو قريبًا من فتنةِ المسيحِ الدجالِ يُؤتى أحدُكُم، فيقالُ له: ما علمُكَ بهذا الرجل؟ فأمَّا
المؤمنُ أو الموقِنُ فيقولُ: محمدٌ رسولُ اللَّه جاءنا بالبيَّنَات والهُدَى، فأجبْنا وآمنًا واتَّبعنا،
فيقالُ له: نَمْ صالحًا، فقدْ علمنا إنْ كنتَ لموقنًا، وأمَّا المنافقُ أو المرتابُ فيقولُ: لا أدْرِي
سمعتُ الناسَ يقولونَ شيئًا فقلتُهُ)).
وخرَّجه الإمامُ أحمدُ (٣)، ولفظُهُ: ((قد رأيتُكُم تفتنونَ في قبورِكُم ويُسألُ
الرجلُ: ما كنتَ تقولُ؟ وما كنتَ تعبدُ؟ فإن قال: لا أدْرِي، سمعتُ الناسَ يقولونَ شيئًا
فقلتُهُ ويصنعون شيئًا فصنعتُهُ، قيل له: أجلْ على شكٍّ عشتَ، وعليه متَّ، هذا مقعدُكَ
من النارِ، وإنْ قال: أشهدُ أنَّ لا إله إلا اللَّهُ وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّه، قيل له: على اليقينِ
عشتَ وعليه متَّ، هذا مقعدُك من الجنَّةِ)).
(١) ((السنن)) (٤٧٥١).
(٢) أخرجه: البخاري (٣١/١ - ٥٧)، (٤٦/٢ - ٨٩)، (١١٦/٩)، ومسلم (٣٢/٣).
(٣) ((المسند)) (٣٥٤/٦).
٥٩٤
سورة إبراهيم
وخرَّج الترمذيُّ وابنُ حبانَ في ((صحيحِهِ))(١) من حديث أبي هريرةَ عنِ
النبيِّ بَّهِ قالَ: ((إذا قُبرَ الميتُ)) - أو قال: أحدُكم - أتاه ملكان أسودان أزرقان، يُقالُ
لأحدهما: المُنكرُ، والآخرُ: النَّكيرُ، فيقولانِ: ما كنتَ تقولُ في هذا الرجل؟ فيقولُ ما
كان يقولُ: هو عبدُ اللَّه ورسولُهُ، أشهدُ أن لا إله إلا اللَّهُ وأنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ،
فيقولان: قد كُنَّا نعلمُ أنك تقولُ هذا، ثم يُفُسِحُ له في قبرِهِ سبعونَ ذراعًا في سبعينَ
ذراعًا، ثم ينوَّرُ له فيه، ثم يقالُ له: نمْ، فيقولُ: أرجعُ إلى أهلي فأخبرُهم، فيقولانِ نمْ
كنومة العروسِ الذي لا يوقظُه إلا أحبُّ أهله إليه، حتى يبعَثَهُ اللَّهُ من مضجعه ذلك،
وإنْ كان منافقًا، قال: سمعتُ الناسَ يقولونَ قولاً فقلتُ مثلَهُ؛ لا أدري، فيقولان: قد كُنَّا
نعلمُ أَنَّك تقولُ ذلك، فيقالُ للأرضِ: التنمي عليهِ، فتلتئمُ عليه حتى تختلفَ أضلاعُهُ،
فلا يزالُ فيها معذبًا حتى يبعثَهُ اللَّهُ من مضجعه)).
وخرَّج الإمامُ أحمدُ وابنُ ماجه(٢) من حديث أبي هريرةَ أيضًا عنِ النبيُّ
ێ﴿، قالَ: ((يُجْلَسُ الرجلُ الصالحُ في قبره غیرُ فزعٍ ولا مشغوف، ثم يُقال له: فيم
كنتَ؟ فيقولُ: كنتُ في الإسلام، فيقالُ له: ما هذا الرجلُ؟ فيقولُ: محمَّدٌ رسولُ اللَّه
نَّه جاءَنا بالبيِّنات من عند اللَّه فصدَّقناه، فيقالُ له: هل رأيتَ اللَّهَ؟ فيقولُ: ما ينبغي
لأحد أن يرى اللَّهَ، فيفرجُ له فرجَةٌ قِبَلَ النارِ، فينظرُ إليها يحطمُ بعضُها بعضًا، فيقالُ له:
انظرْ إلى ما وقاكَ اللَّهُ، ثم يفرجُ له فرجةٌ قِبَلَ الجنةِ فينظرُ إلى زهرتها وما فيها، فيقالُ له:
هذا مقعدُك، ويقالُ له: على اليقين كنتَ، وعلى اليقينِ متَّ، وعليه تبعثُ إن شاءَ اللَّهُ
تعالى، ويُجَلَسُ الرجلُ السُّوءُ في قبرِهِ فزعًا مشغوفًا فيُقال له: فيمَ كنتَ؟ فيقولُ: لا
أدري، فيقالُ له: ما هذا الرجلُ؟ فيقولُ: سمعتُ الناسَ يقولونَ قولاً فقلتُهُ، فيفرجُ له
(١) أخرجه: الترمذي (١٠٧١)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٣١١٧).
(٢) أخرجه: أحمد (٣٦٤/٢ - ٣٦٥)، وابن ماجه (٤٢٦٨).
٥٩٥
سورة إبراهيم
فُرْجَةً قِبَل الجنة فينظرُ إلى زهرتها وما فيها، فيُقال له: انظرْ إلى ما صرفَ اللَّهُ عنكَ، ثم
يفرجُ له فرجةً قَبَلَ النارِ فينظرُ إليها يحطمُ بعضُها بعضًا، فيقالُ له: هذا مقعدُك، على
الشكِّ كنتَ، وعليه متَّ، وعليه تبعثُ إن شاءَ اللَّهُ تعالى)).
وخرَّج الطبرانيُ(١) من حديث أبي هريرةَ فِثُه، قال: شهدنا مع رسول الله
وَّ جنازةً، فلمَّا فرغَ من دفنها وانصرفَ الناسُ، قال نبيُّ اللَّهِ وَلَ: ((إنَّه الآنَ
يسمعُ خفقَ نعالِهم، أتاه منكرٌ ونكيرٌ أعينُهُما مثلَ قدور النحاس، وأنيابُهُما مثلُ صياصي
البقرِ، وأصواتُهُمَا مثلُ الرعد، فيجلسانه فيسألانه: ما كان يعبدُ؟ ومن كان نبيّه؟ فإنْ كان
٠٠
ممن يعبدُ اللَّهَ، قال: كنتُ أعبدُ اللَّهَ، والنبيُّ محمَّدٌ وَّهِ جاءَنَا بالبيّنات والهُدَى فَآمنًا
واتَّبَعْنا، فذلك قولُ اللَّه عزَّ وجلّ:(﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]
الآية فيقالُ له: على اليقين حييتَ وعليه متَّ، وعليه تبعثُ ثم يُفتحُ له بابٌ إلى الجنة،
ويوسَّعُ له في حفرتِهِ، وإن كان من أهلِ الشكِّ قال: لا أدْري، سمعتُ الناسَ يقولونَ
شيئاً فقلتُهُ، فيقالُ له: على الشكِّ حييتَ، وعليه متَّ، وعليه تبعثُ، ثم يفتحُ له بابٌ إلى
النَّار ويسلَّطُ عليه عقاربُ وتنانين لو نفخَ أحدُهُم في الدنيا ما أنبتتْ شيئًا، تنهشُهُ، وتؤمرُ
الأرضُ فتُضمّ حتی تختلف أضلاعه)).
وخرَّج الإمامُ أحمدُ (٢) من حديث جابرٍ عنِ النبيِّ بَِّ قالَ: ((إنَّ هذه الأمة
تبتلى في قبورِها، فإذا دخلَ المؤمنُ قبرَهُ وتولَّى عنه أصحابُهُ جاءَهُ ملَكِّ شديدُ الانتهار
فيقولُ له: ما كنتَ تقولُ في هذا الرجل؟ فيقولُ المؤمنُ: إنَّه عبدُ اللَّه ورسولُهُ، فيقولُ له
الملَكُ: انظرْ إلى مقعدك الذي كان لك في النارِ، قد أنجاكَ اللَّهُ منه، وأبدَلَكَ بمقعدكَ الذي
ترى من النارِ الذي ترى من الجنة، فيراهُمَا كليهما فيقولُ المؤمنُ: دعوني أبشرُ أهلِي؟
(١) ((المعجم الأوسط)) (٤٦٢٩).
(٢) ((المسند)) (٣٤٦/٣).
٥٩٦
سورة إبراهيم
فيقال له: اسكنْ. وأما المنافقُ فيقعدُ إذا تولَّى عنه أصحابُهُ وأهلُهُ، فيقالُ له: ما كنتَ تقولُ
في هذا الرجلِ؟ قالَ: لا أدري، أقولُ ما يقولُ الناسُ، فيقالُ: لا دريتَ، هذا مقعدُك الذي
كان لك في الجنة، أبدَلَكَ اللَّه به مقعدك من النارِ)).
قال جابرٌ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ وَلَه يقولُ: ((يُبعثُ كلُّ عبد على ما ماتَ عليه،
المؤمنُ على إيمانه، والمنافقُ على نفاقه))(١).
وأخرج ابنُ ماجه(٢) من حديث جابرٍ عن النبيِّ وَّ، قالَ: ((إذا دخلَ الميتُ
القبرَ مثلتْ الشمسُ عندَ غروبها فيجلسُ يمسحُ عينيه: ويقولُ: دعوني أصلِّي)).
وخرَّج الإمامُ أحمدُ (٣) أيضًا من حديث عائشةَ عن النبيِّ نَّه قال: ((وأما
فتنةُ القبرِ، فبي تُفْنوْنَ وعِنِّي تُسْأَلُونَ، فإذا كان الرجلَ الصالحَ أجْلِسَ في قبرِهِ غيرَ فزعٍ
ولا مشغوفٍ، ثم يقالُ له: فيم كنتَ؟ فيقول: في الإسلام، فيقالُ: ما هذا الرجلُ الذي
كان فيكم؟ فيقولُ: محمدٌ رسولُ اللَّه، جاءَنَا بالبَيِّئَاتِ والهُدَى من عند اللَّه فصدَّقْنَاه،
فيفرجُ له فرجةٌ قبلَ النارِ، فينظرُ إليه يحطمُ بعضُها بعضًا، فيقالُ له: انظر إلى ما وقاكَ
اللَّهُ منه ثم يفرجُ له فرجةٌ قبلَ الجنةِ، فينظرُ إلى زهرتها وما فيها، فيقالُ: هذا مقعدك منها،
ويقالُ له: على اليقينِ كنتَ، وعليه متَّ، وعليه تبعثُ إن شاء الله تعالى، وإن كان
الرجلَ السوءَ أُجْلِسَ في قبرِهِ فزعًا مشغوفًا، فيقالُ له: فيم كنتَ؟ فيقولُ: لا أدري، فيقال
له: ما هذا الرجلُ الذي كان فيكم؟ فيقولُ: سمعتُ الناسَ يقولونَ قولاً فقلتُ كما قالُوا،
فيفرجُ له فرجةٌ إلى الجنة فينظرُ إلى زهرتها وما فيها، فيقالُ له: انظرْ إلى ما صرفَ اللَّهُ
عنك، ثم يفرجُ له فرجةٌ قبلَ النارِ فينظرُ إليها يحطمُ بعضُها بعضًا، ويقالُ له: هذا
(١) أخرجه: مسلم (١٦٥/٨).
(٢) ((السنن)) (٤٢٧٢).
(٣) («المسند)) (١٣٩/٦ - ١٤٠).
٥٩٧
سورة إبراهيم
مقعدك منها، على الشكِّ كنتَ، وعليه متَّ، وعليه تبعثُ إن شاء اللَّه تعالى ثم يعذَّب)).
وخرَّج الإمامُ أحمدُ (١) أيضًا من حديث أبي سعيد الخدريِّ، قالَ: شهدَنَا
مع رسولِ اللَّهِ بَ له جنازةً، فقال رسولُ اللَّهِ وَهُ: ((يا أيها الناسُ إِنَّ هذه الأُمَّةُ
تبتلَى في قبورِها، فإذا الإنسانُ دفنَ فتفرَّقَ عنه أصحابُهُ جاءَهُ ملكٌ في يده مطراقٌ
فأقعدَهُ، قال: ما تقولُ في هذا الرجل؟ فإن كانَ مؤمنًا، قالَ: أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ وأنَّ
محمداً عبدُهُ ورسولُهُ، فيقولُ له: صدقتَ، ثم يفْتحُ له بابًا إلي النارِ، فيقولُ: هذا كان
منزلُك لو كفرتَ برَبِّك، فأمَّا إذا آمنتَ بربِّك فهذا منزلُك، فيُفْتحُ له بابٌ إلى الجنة، فيريدُ
أن ينهضَ إليه، فيقولُ له: اسكنْ، ويُفسح له في قبرِهِ، وإنْ كان كافراً أو منافقًا فيقولُ له:
ما تقولُ في هذا الرجلِ؟ فيقولُ: لا أدْري، سمعتُ الناسَ يقولونَ شيئًا، فيقولُ: لا دريتَ
ولا تليتَ ولا اهتديتَ، ثم يفتحُ له بابٌ إلى الجنةِ، فيقولُ له: هذا منزلُك لو آمنتَ برِبِّك،
فأمَّا إذا كفرتَ به فإنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ أبدَلَكَ به هذا، ويفتحُ له بابٌ إلى النارِ، ثم يقمعه
قمعةً بالمطراق، يسمعُها خلقُ اللَّه عزَّ وجلَّ كلُّهم غيرَ الثقلينِ))، فقالَ بعضُ القومِ: يا
رسولَ اللَّه، ما أحدٌ يقومُ عليه ملك في يده مطراقٌ إلا هيلَ عند ذلك. فقالَ
رسولُ اللَّهِ وَلَهُ: ((﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾)) [إبراهيم: ٢٧].
وخرَّج أبو بكرٍ في كتابِ (السنةِ)) من حديثِ عمرَ بنِ الخطابِ، عن النبيِّ
وَّ، أَنَّه قال: «كيف أنتَ يا عمرُ إذا كنتَ من الأرضِ في أربعةِ أذرعٍ في ذراعينٍ،
فرأيتَ منكرًا ونكيراً؟)) قلتُ: يا رسولَ اللَّه، وما منكرٌ ونكيرٌ؟ قال: ((فتَّانا القبر
يبحثانِ الأرضَ بأنيابِهما، ويطآنٍ في أشعارِهِما، أصواتُهما كالرعد القاصف،
وأبصارُ هما كالبرقِ الخاطفِ، ومعهُما مرزبةٌ لو اجتمعَ عليها أهلُ مِنى لم يطيقُوا رفعَها
وهي أيسرُ عليهما من عصَاي هذه)) قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، وأنا على حالِي
(١) ((المسند)) (٣/٣ -٤).
٥٩٨
سورة إبراهيم
هذه؟ قال: ((نعم)) فقلتُ: إذَا أكفيكَهما.
وفي روايةٍ أيضًا: ((فامْتحناكَ فإن التويتَ ضرباكَ ضربةً صرتَ رمادًا))، وفي
إسناده ضعفٌ.
وخرَّجه الإسماعيليُّ من وجهٍ آخرَ فيه ضعفٌ أيضًا عن عمرَ عن النبيِّ وَّل
بنحوه وزاد فيه: ((يأتيانِ الرجلَ في صورةٍ قبيحةٍ، يطآنٍ على شعورِهما، ويحفران
الأرضَ بأنيابهما)) وزاد فيه: ((يقولان له: من ربُّك؟ فإن كان مسلمًا يقولُ: ربِّي اللَّهُ،
وإن كان فاجرًا فيقولُ: لا أدْري، فيضربانه ضربةً لو كانَ جبلاً صارَ تُرابًا، فيصبحُ صيحةً
ما يبقَى شيءٌ إلا سمعَها إلا الثقلين الجنَّ والإنسَ، فذلكَ قولُه سبحانه وتعالى:
﴿وَيَلْعَنْهُمُ اللَّعِنُونَ﴾)) [البقرة: ١٥٩]، وقد رُوي حديثُ عمرَ هذا من وجوهِ أُخرَ
مرسلة .
وخرَّج الإمامُ أحمدُ وابنُ حبانَ في (صحيحِهِ)(١) من حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ
عمرو بنِ العاصِ، أنَّ رسولَ اللّهِ بِ له ذكرَ فَتَّانَيْ القبرِ، فقالَ عمرُ: أَتُرَدُّ إلينا
عقولُنا يا رسولَ اللَّه؟ فقال رسولُ اللَّهِ بَّهِ: ((نعم، كهيئتكُم اليومَ)، فقال عمرُ:
بِفِيْهِ الحجر.
وخرَّج أبو داود (٢) عن عثمانَ بنِ عفانَ ضِيُّه، قالَ: كان النبيَّ وَلَه إذا فرغَ
من دفن الميتِ وقفَ عليه، وقالَ: ((استغفرُوا لأخيكم، واسألُوا له التثبيتَ، فإنه الآن
يُسألُ)).
وفي حديثِ يونسَ بن خبابٍ، عن المنهالِ بنِ عمرٍو، عن زاذانَ، عن
(١) أخرجه: أحمد (١٧٢/٢)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٣١١٥).
(٢) («السنن)) (٣٢٢١).
٥٩٩
سورة إبراهيم
البراءِ بنِ عازبٍ، عن النبيِّ نَّهِ أنه ذكر سؤالَ المؤمن في قبره، وأنَّ الَلَكَ
ينتهرُهُ، قال: ((وهي آخرُ فتنة تعرضُ على المؤمنِ فذلكَ، قولُهُ تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ
الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ التَّابِتِ﴾﴾ [إبراهيم: ٢٧] أخرجه الإمامُ أحمدُ.
وكذا رواه جريرٌ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، وفي حديثه: ((إنَّ المؤمنَ يقولُ
ذلكَ ثلاثَ مراتٍ، ثم ينتهرانِهِ انتهارةً شديدةً، وهي آخرُ فتنة تعرضُ على المؤمنِ)).
ورواه أبو عوانة، عن الأعمشِ، وفي حديثِهِ: ((ويأتيه ملكان شديدا الانتهار))
وذلك في حقِّ الكافرِ والمؤمنِ (١).
وقد روي عن مجاهد: أنَّ الموتى كانُوا يفتنون في قبورِهِم سبعًا، فكانُوا
يستحبُّون أنْ يُطعمَ عنهم تلك الأيامُ.
وعن عبيدِ بنِ عميرٍ، قال: المؤمنُ يفتن سبعًا، والمنافقُ أربعينَ صباحاً.
وقال الإمامُ أحمدُ: أخبرنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن المسعوديِّ، عن العلاءِ بن
الشخيرِ، حدثنا بعضُ حفدةٍ أبي موسى الأشعريِّ، أنَّ أبا موسى الأشعريّ
أوصاهُم، قال: إذا حفرتُم فأعمِقُوا قعرَهُ، أما أني واللَّهِ لأقولُ لكُم ذلك
وأني لأعلم إن كنتُ من أهلِ طاعةِ اللَّهِ ليفسحنَّ لي في قبرِي ولينورُ لي فيه،
ثم ليفتحنَّ لي بابُ مساكني في الجنةِ، فما أنا بمساكني من داري هذه بأعلم
من مساكنِي منها، وليأتيِّي من روحِها وريحتِها وريحانِها، ولئنْ كنتُ من
أهلِ المنزلةِ الأُخرى ليضيقُ عليَّ قبرِي، وليهدمنَّ من عليَّ الأرضَ، فليفتحنَّ
اللَّهُ إليَّ بابَ مساكنِي من النارِ، فما أنا بمساكنِي من دارِي هذه بأعلمَ من
مساكنِي منها، ثم ليأتينِّي من شرِّها، وشرورِها، ودخانِها .
(١) تقدم قريبًا.
٦٠٠
سورة إبراهيم
وروى المسعوديُّ، عن عبدِ اللهِ بن المخارقِ، عن أبيه قالَ: قال عبدُ اللَّه -
يعني ابنَ مسعودٍ -: إنَّ المسلمَ إذا ماتَ أُجلسَ في قبرِهِ، فيقالُ له: من ربُّك؟
ما دينك؟ من نبيُّك؟ قال: فيثبِّه اللَّهُ تعالى، فيقولُ: ربي اللَّهُ، وديني
الإِسلامُ، ونَبِي محمدٍ وَّه فيوسَّعُ له في قبرِهِ ويفرجُ له فيه، ثم قرأ
عبدُ اللَّه: ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ الآية، [إبراهيم: ٢٧].
وقال ابنُ أبي الدنيا: حدثنا أحمدُ بنُ بحيرِ، حدثنا بعضُ أصحابنا، قال:
مات أخٌ لي فرأيتُه في النَّومِ، فقلتُ له: ما حالُك حينَ وضعْتَ في قبرِكَ؟
قال: أتانِي آتٍ بشهابٍ من نارٍ فلولا أنَّ داعٍ دعا لي لرأيتُ أنه سيضْرِبُني بهِ (١).
قال الله عز وجل: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي
سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَىْ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾
الأَصْفَاد ٤
قال عليّ بن أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ، في قولِهِ: ﴿قَطِرَانٍ﴾ قال: هو
النحاسُ المذابُ.
وروى حصينُ عن عكرمةَ، في قولِهِ: ﴿سَرَابِلُهُم مِّن قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠]
قال: من صفرٍ يُحمی علیها.
قال: من
قال معمرٌ عن قتادةَ في قولِهِ: ﴿سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم:٠ ٥
النحاسِ .
قال معمرٌ، وقال الحسنُ: قطرانُ الإبلِ (٢).
(١) ((أهوال القبور)) (ص ١٣ - ٢٤).
(٢) راجع هذه الأقوال في ((تفسير الطبري)) (٢٥٦/١٣).