النص المفهرس
صفحات 541-560
٥٤١ سورة يونس فهذا يشتملُ على أعْلَى نعيمِ المؤمنِ في الدنيا والآخرةِ، وأطيبِ عيشٍ لهم في الدارين. فأمَّا لذَّهُ النظرِ إلى وجهِ اللَّهِ عزَّ وجلّ: فإنَّه أعْلَى نعيمِ أهلِ الجنةِ، وأعظمُ لذَّةِ لهم، كما في ((صحيح مسلمٍ)) عن صُهيبٍ، عنِ النبيِّ وَلّ قال: ((إذا دخلَ أهلُ الجنة الجنةَ نادى المُنادِي: يا أهلَ الجنةِ إِنَّ لكم عندَ اللَّهِ موعدًا يُريد أن يُنجزّهُ، فيقولونَ: ما هو؟ ألم يبِّضْ وجوهَنا ألمْ يثقلْ موازيننَا ألم يُدخِلنا الجنةَ ألم يُجِرْنَا من النار؟ قال: فيكشفُ الحجابَ فينظرونَ إليه، فوالله ما أعطاهُم شيئًا هو أحب إليهم من النظر إليه، وهو الزيادةُ))، ثم تلا رسولُ اللّهِ وَجَهل هذه الآية: ﴿لَّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾ (١) [يونس: ٢٦]. وفي روايةٍ لابن ماجه وغيرِهِ، في هذا الحديثِ: ((فواللَّهِ ما أعطاهُم شيئًا هو أحبُّ إليهم ولا أقرَّ لأعينِهِم من النظرِ إليهِ))(٢). وخرَّج عثمانُ الدارميُّ، من حديثِ ابنِ عمرَ، مرفوعًا: ((إنَّ أهل الجنة إذا بلغَ بهم النَّعيمُ كلَّ مبلغٍ فظنُّوا أَنَّه لا نعيمَ أفضلَ منه، تجلَّى الربُّ تباركَ وتعالى عليهم، فينظرونَ إلى وجهِ الرحمن، فنسُوا كلَّ نعيم عايتُوه حين نظرُوا إلى وجه الرحمن))(٣). وخرَّجه الدار قطنيُّ بنقصانٍ منه وزيادة، وفيه: «فيقولُ: يا أهل الجنة هلِّلوني وكَبِّرُونِي وسبِّحُوني، كما كنتُم تُهلِّلُوني وتكبُِّونِي وتسبِّحُوني في دارِ الدنيا، فيتجاوبونَ بتهليلِ الرحمنِ، فيقولُ اللَّهُ تبارك وتعالى لداودَ عليه السلامُ: يا داودُ مجِّدْني فيقومُ داودُ فیمجِدُ ربَّه عزَّ وجلَّ). (١) أخرجه: مسلم (١١٢/١). (٢) أخرجه: ابن ماجه (١٨٧). (٣) أخرجه: عبد بن حميد (٨٥١)، وهو جزء من حديث طويل. ٥٤٢ سورة يونس وفي ((سننِ ابنِ ماجه)) عن جابرٍ، مرفوعًا: ((بينا أهلُ الجنةِ في نعيمِهِم إذْ سطَعَ لهم نورٌ، فإذا الربُّ جلَّ جلالُه قدْ أشرفَ عليهم، فقالَ : السلامُ عليكُم يا أهلَ الجنةِ، وهو قولُهُ تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلاً مِّن رَّبِّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] فلا يلتفتونَ إلى شيءٍ مَّا هُم فیه من النعيمِ ما دامُوا ينظرون إليه))(١) وخرَّج البيهقيُّ من حديث جابرٍ، مرفوعًا: ((إنَّ أهلَ الجنةِ يزورونَ ربَّهم تعالى على نجائبَ من ياقوت أحمرَ أزمَّتها منْ زُمُرّد أخضرَ، فيأمرُ اللَّهُ بِكُثبان من مسك أذفرَ أبيضَ فُتُثيرُ عليها ريحًا يقال لها : المثيرةُ، حتى تنتهِي بِهِم إلى جنة عدنٍ وهي قصبة الجنة، فتقولُ الملائكةُ: ربَّنَا جاء القومُ، فيقولُ: مرحبًا بالصادقينَ مرحبًا بالطائعينَ، قال: فيكشفُ لهم الحجابُ، فنيظرونَ إليه ويتمتَّعونَ بنوره حتَّى لا يُبصرُ بعضُهم بعضًا ثم يقولُ: ارجعوا إلى القُصور بالتحف، فيرجعونَ وقد أبصرَ بعضُهم بعضًا، فذلكَ قولُهُ تعالى: ﴿نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ﴾ [ فصلت: ٣٢]))(٢). وفي ((مسند البزارِ)) من حديث حذيفةَ مرفُوعًا في حديثِ يومِ المزيدِ: ((أنَّ اللَّهَ يكشفُ تلكَ الْحُجُبَ ويتجلَّى لهُم، فيغشَاهُم من نورِه ما لولا أنَّ اللَّهَ تَعالى قضى أنْ لا يحترقوا لاحترقُوا، وممَّا غشيَهُم من نورِهِ، فيرجعونَ إلى منازلهم وقد خفوا على أزواجِهِم ما غشيَهُم من نورِهِ، فإذا صارُوا إلى منازلهم تراد النورُ وأمكن وتراد وأمكن، حتى يرجعوا إلى صُورِهِم التي كانُوا عليْهَا))(٣). ويُروى من حديث أنسٍ، مرفوعًا: ((إنَّ اللَّهَ يقولُ الأهلِ الجنةِ إذا استزارهم وتجَّى لهُم: سلامٌ عليكُم با عبادِي، انظرُوا إليَّ فقدْ رضيتُ عنكُم، فيقولونَ: سبحانَك (١) أخرجه: ابن ماجه (١٨٤). (٢) أخرجه: البيهقي في ((البعث والنشور)) (٤٤٨). (٣) أخرجه: البزار (٣٥١٨ - كشف) وهو جزء من حديث طويل. ٥٤٣ سورة يونس سبحانَك، فتتصدَّعَ له مدائنُ الجنة وقصورُها ويتجاوبُ فصولُ شجرِها، وأنهارِها وجميع ما فيها: سبحانك سبحانك، فاحتقرُوا الجنَّةَ وجمیعَ ما فيها، حین نظرُوا إلى وجهِ الله تعالى))(١). ويُروى من حديثٍ عليٍّ، مرفوعًا: ((إنَّ اللَّهَ يتجلَّى لأهلِ الجنةِ عن وجهِهِ، فكأنَّهُم لم يروا نعمةً قبلَ ذلك، وهو قولُه: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾[ق: ٣٥])). ويُروى من حديث أبي جعفرٍ مُرسلاً: ((إنَّ أهلَ الجنةِ إذا زارُوا رَبَّهم تعالى وكشفَ لهم عن وجهه، قالُوا: رَبَّنَا أنتَ السلامُ ومنكَ السلامُ وبكَ حقُّ الجلال والإكرامِ، فيقولُ تعالى: مرحبًا بعبادِي الذين حفظوا وصيّتِي ورَاعُوا عهدِي وخافُوني بالغيب، وكانُوا مِنِّي على كلِّ حال مُشفقينَ. فقالُوا: وعزَّتَكَ، وعظمتكَ وجلالكَ ما قدرْنَاكَ حقَّ قدركَ، وما أدَّنا إليكَ كلَّ حقِّكَ، فأذنْ لنا بالسجودِ لك، فيقول لهُم عزَّ وجلّ: إنِّي قد وضعتُ عنْكُم مؤنةَ العبادةِ، وأرحتُ لكُم أبدانَكُم، فطالما أنصبتُم لي الأبدانَ، وأعنيتم الوجوهَ، فالآنَ أفضيتُم إلى رَوحِي ورحمِتِي وكرامتي، فسلُونِي ما شئتُم وتمنّوا عليَّ أُعطكُم أمانيكُم، فإني لم أجزْكُمُ اليومَ بقدرٍ أعمالگُم، ولكن بقدرٍ رحمتِي وكرامتِي، فما يزالونَ في الأمانيِّ والعطايا والمواهبِ، حتى إنَّ المقصّرَ منهُم في أُمْنَّتِه ليتمنَّى مثلَ جميعِ الدنيا منذ خلقَهَا اللَّهُ إلى أنْ أفناها، فيقولُ لهم الربُّ تباركَ وتعالى: لقد قصَّرتم في أمانيَّكُم ورضيتُم بدونِ ما يحقُّ لكُم، فقد أوجبتُ لكم ما سألتُم وتمنيتُم، وألحقتُ بكم ذريتَكُم وزِدتُكُم ما قصرَتْ عنه أمانيُّكُمْ)(٢). قال عبدُ الرحمنِ بنُ أبي ليلى: إذا تجلَّى لهم ربُّهم لا يكونُ ما أعطوا عند ذلك بشيءٍ . (١) أخرجه بنحوه: البزار (٣٥١٩ - كشف). (٢) أخرجه: ابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) (٥٣). ٥٤٤ موسميه سورة يونس قال الحسنُ: إذا تجلَّى لأهلِ الجنةِ نسوا كلَّ نعيمِ الجنَّةِ. وكان يقولُ: لو علمَ العابدونَ أنَّهم لا يرونَ ربّهم في الآخرةِ لماتُوا . وقال: إنَّ أحباءَ اللَّهِ هم الذينَ ورِثُوا طيبَ الحياةِ وذاقُوا نعيمَها بما وصلُوا إليه من مُناجاةٍ حبيبهِم، وبما وجدُوا من حلاوةِ حُبِّه في قلوبِهِم، لا سيما إذا خطر على بالِهِم ذكرُ مشافهتِهِ، وكشفُ ستورِ الحُجُبِ عنه في المقامِ الأمينِ والسرورِ، وأراهُم جلالَهُ وأسمعَهُم لذَّةَ كلامِهِ ورد جواب ما ناجوه به أيام حیاتِهِم : أملِي أن أراك يومًا من الدهرِ فأشكُولكَ الهوى والغلِيلا وأناجيكَ من قربٍ وأُبْدِي هذا الجَوى وهذا النُّحُولا قال وهبٌ: لو خيِّرتُ بين الرؤيةِ والجنةِ لاخترتُ الرؤيةَ. رؤي بِشرٌّ في المنامِ، فسُئلَ عن حالِهِ وحالِ إخوانِهِ، فقال: تركتُ فلانًا وفلانًا ما بين يدي اللَّه يأكلان ويشربان ويتنعَّمانِ، قيل له: فأنتَ. قال: علِمَ قَّةَ رغبِي في الطعامِ وأباحَنِي النظرَ إليه. يا حبيبَ القلوبِ ما لي سواكَ ارحمِ اليومَ مذنبًا قد أتاكًا أنتَ سُؤْلِي ومنيتِي وسُرورِي طالَ شوقِي متى يكونُ لقاكًا ليس سُؤْلِي من الجنانِ نعيمٌ غيرَ أنّي أريدُهَا لأراكَا قال ذو النون: ما طابتِ الدنيا إلا بذكرِهِ، ولا طابتِ الآخرةُ إلا بعفوه، ولا طابتِ الجنةُ إلا برؤيتِهِ، ولو أنَّ اللَّه احتجبَ عن أهلِ الجنةِ لاستغاث أهلُ ٠٠ الجنةِ من الجنةِ كما يستغيثُ أهلُ النارِ من النارِ. ٥٤٥ سورة يونس كان بعضُ الصالحِينَ، يقولُ: ليت ربِّي جعلَ ثوابي من عمَلِي نظرةً إليه ثم يقولُ: كُنْ تُرابًا. كان عليٌّ بنُ الموفَّقِ، يقولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنتَ تعلمُ أنِّي أعبدُكَ خوفًا من نارِكَ فعذِّبْني بها، وإنْ كنتَ تعلمُ أنِّي أعبدُكَ حُبًّا لجَنَّتَكَ فاحرمْنِيها، وإنْ كنتَ تعلمُ أَنَّما عبدتُك حبًّا مِنِّي لكَ وشوقًا إلى وجهِكِ الكريمِ فأبحنيهِ واصنع بي ٥ ما شئت. سمعَ بعضُهم قائلاً يقولُ: كُبُرت همة عبد طمعتْ في أنْ تراكًا أو ما حسبتَ أنْ ترى من رأكَا ثم شهق شهقةً فماتَ. لما غلبَ الشوقُ على قلوب المُحبِّينَ استروحُوا إلى مثل هذه الكلماتِ، وما تُخفِي صدُورُهم أكبرُ. تجاسرتُ فكاشفْتُكَ لَّا غلبَ الصبرُ فإنْ عنفني الناسُ ففي وجهِكَ لي عذرُ أبصارُ المحبين قد غضَّت من الدنيا والآخرةِ، فلم تفتح إلا عند مشاهدةِ محبوبِهِم يومَ المزيدِ . أروحُ وقد ختمتَ على فؤادي بحبِّك أنْ يحلَّ به سواكَا فلو أنِّي استطعتُ غضضتُ طَرْفِي فلم أنظرْ به حتَّى أراكَا وإنْ لم يُبْقِ حبُّكَ لي حِرَاَكَا أحبُّكَ لا ببعضِي بلْ بكُلِّي وفي الأحبابِ مخصوصٌ بوجدٍ وآخرُ يدَّعي معي اشتراكَا إذا اشتبكتْ دموعي في خدودِي تبيَّن من بكَى ثَمَّن تباكَا فأمَّا من بكَى فيذوبَ وجْدًا وينطقُ بالهوى من قد تشَاكَا ٥٤٦ سورة يونس كان سُمنونُ المُحِبُّ يُنشدُ: وكان فؤادِي خاليًا قبل حُبِّكُمُ وكان بذكرِ الخلقِ يلُهُو ويمرحُ فلمَّا دعَا قلبي هواكَ أجابَهُ فلستُ أراهُ عن فِنائِكَ يبرحُ رُميت ببعدِ عنكَ إنْ كنتُ كاذبًا وإن كنتُ في الدنيا بغيرِك أفرحُ وإنْ كان شيءٌ بالبلادِ بأسرِهَا إذا غبتَ عن عينِي لعيني يملحُ فإِنْ شئَتَ واصِلْني وإنْ شئت لا تصِل فلستُ أرى قلبِي لغيرِكَ يصلُحُ(١) (١) ((شرح حديث: لبيك اللهم لبيك)) (ص ٨٣ - ٩٤). ٠ و رو و سورة هود قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ وخرَّج البخاريُّ في ((تفسيرِهِ)(١) عن ابنِ عباسٍ: في قولِهِ تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ [هود:٥]: إنها نزلت في قومٍ كانُوا يجامعونَ نساءَهم، ويتخلون، فيستحيونَ من اللَّهِ، فنزلتِ الآيةُ. وكان الصِّدِّيقُ يقولُ: استحيُوا من اللَّهِ، فإني أذهبُ إلى الغائط فأظلُّ متقنعًا بثوبي حياءً من ربِّي عزَّ وجلَّ. وكان أبو موسى إذا اغتسلَ في بيتٍ مظلمٍ، لا يقيمُ صُلْبَه، حياءً من اللَّه عزَّ وجلَّ. قال بعض السلف: خَف اللَّهَ على قدرٍ قدرتِهِ عليكَ، واسْتَحِ منه على قدر قُربه منك. وقد يتولدُ الحياءُ من اللّهِ من مطالعةِ النِّعَمِ، فيستحيي العبدُ من اللَّه أنْ يستعينَ بنعمته على معاصيه، فهذا كلُّه من أعْلى خصال الإيمان(٢). (١) البخاري (٦/ ٩١). (٢) ((فتح الباري)) (٩٥ - ٩٦). ٥٤٨ سورة هود قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةٍ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ وقولُهُ بَّه لأبي هريرةَ لَّا سأله: ممَّ خُلِقَ الخَلْقُ؟ فقال لهُ: ((من الماء)(١)، يدُلُّ على أنَّ الماءَ أصلُ جميعِ المخلوقاتِ ومادَّتُها، وجميعُ المخلوقاتِ خُلِقَتْ منه. وفي ((المسندِ) من وجهٍ آخرَ عن أبي هريرةَ رضي اللهُ عنه، قالَ: قُلْتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إذا رأيتُك طابَتْ نفسِي وقرَّتْ عينِي، فأنبئني عن كلِّ شيءٍ، فقال: ((كُلُّ شيءٍ خُلِقَ من ماءٍ)(٢). وقد حكى ابنُ جريرٍ وغيرُه، عن ابنِ مسعودٍ فِثُّه، وطائفة من السَّف: أنَّ أوَلَ المخلوقاتِ الماءُ. وروى الجُوزَ جانيُّ بإسنادِهِ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو أنَّه سئلَ عن بدءِ الخَلْقِ، فقال: من ترابٍ، وماءٍ، وطينٍ، ومن نارٍ، وظلمةٍ. فقيل له: فما بدءُ الخلْقِ الذي ذكرْتَ؟ قال: مِن ماءٍ يَنْبُوعٍ. وقد أخبرَ اللَّهُ تعالى في كتابِهِ أنَّ الماءَ كان موجودًا قبلَ خلْقِ السماواتِ والأرضِ، فقالَ تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةٍ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]. وفي ((صحيحِ البخاريِ) عن عِمْرانَ بنِ حُصينٍ، عنِ النبيِّ بَّهِ قالَ: ((كانَ اللَّهُ ولم يكنْ شيءٌ قبلَهُ - وفي روايةٍ - [((معه))]، وكان عرشُهُ على الماء، وكتبَ في الذِّكرِ كلَّ شيءٍ ثم خلقَ السماواتِ والأرض))(٣). (١) أخرجه: الترمذي (٢٥٢٦). (٢) أخرجه: أحمد فى («المسند» (٢٩٥/٢، ٣٢٣، ٣٢٤، ٤٩٣)، وهو جزء من حديث. (٣) أخرجه: البخاري (١٢٨/٤ - ١٢٩). ٥٤٩ سورة هود وفي ((صحيح مسلمٍ)) عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، عنِ النبيِّ نَّ قالَ: ((إنَّ اللَّه قدَّرَ مَقاديرَ الخلائقِ قَبْلَ أن يخلق السماوات والأرضَ بخمسين ألف سنة، وكان عرشُهُ على الماء)) (١) . وروى ابن جريرٍ، وغيرُهُ عن ابنِ عباسٍ: إنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ كان عرشُهُ على الماءِ ولم يخلقْ شيئًا غيرَ ما خلقَ قبلَ الماءِ، فلمَّا أرادَ أنْ يخلُقَ الخلْقَ أخرجَ من الماءِ دُخانًا فارتفعَ فوقَ الماءِ، فسمَا عليه فسُمِّيَ سماءً، ثمَّ أييسَ الماءَ فجعلَهُ أرضًاً واحدةً، ثم فتقَها فجعلهَا سبْعَ أرضينَ، ثم اسْتَوى إلى السَّماء وهي دُخانٌ، وكان ذلك الدُّخانُ من نفَسِ الماءِ حين تنفَسَ، ثم جعلَها سماءً واحدةً، ثم فتقها فجعلَها سبْعَ سماواتٍ . وعن وهْبٍ: إنَّ العرشَ كان قبل أن تُخلقَ السماواتُ والأرضُ على الماءِ، فلمَّا أراد اللَّهُ أن يخلُقَ السماواتِ والأرضَ قبضَ من صفاءِ الماء قبضةً، ثم فتح القبضةَ فارتفعَتْ دُخانًا، ثم قضاهُنَّ سبْعَ سمواتٍ في يومينٍ، ثم أخذَ طينةً من الماءِ فوضعها في مكانِ البيت، ثم دحا الأرضَ منها. وقال بعضُهم: خلقَ اللَّهُ الأرضَ أولاً، ثم خلقَ السماءَ، ثم دحا الأرضَ بعدَ أن خلقَ السماءَ. وقيل: خلقَ اللَّهُ تعالى زمردةً خضراءَ كغلظ السماوات والأرضِ، ثم نظرَ إليها نظرَ العظمةِ، فانْماعَتْ، يعني ذابتْ فصارتْ ماءً، فمن ثمَّ يُرى الماءُ دائمًا يتحرَّك من تلكَ الهيبةِ . ثم إنَّ اللَّهَ تعالى رفعَ من البحرِ بخارًا، وهو الدُّخانِ الذي ذكرهُ في قولِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]، فخلقَ السماءَ من الدُّخان، (١) أخرجه: مسلم (٥١/٨). : سورة هود وخلقَ الأرضَ من الماءِ، والجبالَ من موجِ الماءِ، وقال وهْب: أوَّلُ ما خلقَ اللّهُ تعالى مكانًا مظلمًا، ثم خلقَ جوهرةً فأضاءتْ ذلكَ المكانَ، ثم نظر إلى الجوهرةِ نظرةَ الهيبةِ فصارتْ ماءً، فارتفعَ بخارُها وزَبَدُها، فخلقَ من البخارِ السماواتِ، ومن الزََّدِ الأرضينَ. وروى عبدُ اللَّهِ بنُ عمرٍو، عن النبيِّ وَِّ أنه قال: ((إِنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ خلقَ خلقَهُ من ظُلْمَة، ثم ألقى عليهِم من نورِهِ، فمن أصابَهُ يومئذٍ من ذلكَ النُّورِ اهْتَدَى، ومن أخطأهُ ضلَّ) (١) . وقال عمرُ بنُ الخطابِ ◌ِثُه لكعبِ الأحبارِ: ما أوَّلُ شيءٍ ابتدأَ تعالى من خلقه؟ قال كعبٌ: كتبَ اللَّهُ كتابًا لم يكتبْه قلمٌ ولا دواءٌ، أي مداد؛ كتابَهُ الزَّبرجدُ واللؤلؤ والياقوتُ: إنني أنا اللَّهُ لا إله إلا أن وحدِي لا شريكَ لِي، وأنَّ محمدًا عبدِي ورسولِي، سبقَتْ رحمتِي غضبِي، قال كعبٌ: فإذا كانَ يومُ القيامةِ أخرج ذلك الكتابَ، فيخرجُ من النارِ مثلي عددِ أهلِ الجنَّةِ فيدخلهُمُ الجنةَ. وقال سلمانُ وعبدُ اللَّه بن عمرو: إنَّ للَّه تعالى مائةَ رحمةٍ كما بين السماء والأرضِ، فأنزلَ منها رحمةً واحدةً إلى أهلِ الدنيا، فبها يتراحمُ الجنُّ والإنسُ، وطيرُ السماء، وحيتانُ الماءِ، وما بين الهواء، ودوابُّ الأرضِ، وهوامُّها، وادَّخر عنده تسعًا وتسعينَ رحمةً، فإذا كان يومُ القيامةِ أنزلَ تلكَ الرحمةَ إلى ما عنده فيرحمُ عبادَهُ، والآثارُ في هذا البابِ كثيرةٌ، وهذا كلُّه يُبيِّنُ أنَّ السماواتِ والأرضَ خُلقت من الماءِ، والخلافُ في أنَّ الماءَ هل هو أوَّلُ (١) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (١٧٦/٢، ١٩٧). ٥٥١ سورة هود المخلوقاتِ أم لا مشهورٌ، وحديثُ أبي هريرةَ يدُلُّ على أنَّ الماءَ مادَّةٌ جميعِ المخلوقات، وقد دلَّ القرآنُ على أنَّ الماءَ مادةُ جميع الحيوانات، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ﴾ [النور: ٤٥] وقولُ مَنْ قال: إنَّ المرادَ بالماءِ النُّطْفةُ التي يُخلَقُ منها الحيواناتُ بعيدٌ لوجهينِ : أحدهما: أنَّ النُّطْفَةَ لا تُسمّى ماءً مطلقًا بل مقيَّدًا، لقوله تعالى: ﴿ خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ ﴿لْ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٦ - ٧]، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠]. والثاني: أنَّ من الحيواناتِ ما يتولَّدُ من غيرِ نُطْفَةٍ، كدودِ الخلِّ، والفاكهة مے ونحو ذلك، فليس كلُّ حيوانٍ مخلوقًا من نُطفةٍ، والقرآنُ دلَّ على خَلْقِ جميعِ ما يدِبَّ وما فيه حياةٌ من ماءِ، فعُلِمَ بذلك أن أصلَ جميعها الماءُ المطلق . ولا ينافي هذا قولَهُ تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧]، وقولَ النبيِّوَّهِ: ((خُلقَتِ الملائكةُ من نُورِ))(١)، فإنَّ حديثَ أبي هريرةَ تِيُّه، دلَّ على أنَّ أصلَ النُّور والنَّارِ الماءُ، كما أنَّ أصلَ التُّرابِ الذي خُلقَ منهُ آدمُ الماءُ، فإنَّ آدَمَ خُلِقَ من طينٍ، والطينُ ترابٌ مختلطٌ بماء، والترابُ خُلِقَ من الماءِ كما تقدَّمَ عن ابنِ عباسٍ، وغيرِهِ، وزعمَ مُقَاتِلٌ: أنَّ الماءَ خُلِقَ من النُّور، وهو مردودٌ بحديثِ أبي هريرة هذا وغيرهِ، ولا يُستنكَرُ خَلْقُ النَّارِ من الماء، فإنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ جمعَ بقدرته بين الماءِ والنَّارِ في الشَّجرِ (١) أخرجه: مسلم (٢٢٦/٨). ٥٥٢ سورة هود الأخضَرِ، وجعلَ ذلك من أدلةِ القُدرة على البَعْث، وذكر الطبائعيونَ: أنَّ الماءَ بانحداره يصيرُ بُخارًا، والبخارُ ينقلبُ هواءً، والهواءُ ينقلبُ نارًا، والله أعلم (١). قوله تعالى: ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا ٩ عنهم وحاق بهم ما کانوا به يستهزءون ءُ قال تعالى: ﴿أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ [هود: ٨]، والمرادُ: وقتُ مجيءِ العذابِ، وقد يكونُ ليلاً ويكونُ نهارًا، وقد يستمرُ وقد لا يستمرُ، ويقالُ: يومُ الجَمَلِ، ويوم صِفِّين، وكل منهما كان عدةَ أيامٍ(٢). قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهَم ١٥٠ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ الَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ وخرَّج مسلمٌ من حديث أبي هريرةَ ◌ِثُه، سمعتُ النبيَّ وَّهِ يقولُ: ((إنَّ أوَّلَ الناسِ يُقُضى يومَ القيامةِ عليه رجلٌ استُشْهِدَ، فأُّتِي به، فعرَّفَه نعَمَهُ، فعرفَهَا، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلتُ فيكَ حتَّى استُشْهدتُ، قال: كذبتَ، ولكنَّكَ قاتلتَ، لأنْ يُقالَ: جرِيءٌ، فقد قيل، ثم أُمِرَ به، فسُحِبَ على وجهِهِ، حتى أُلْقِيَ في النَّارِ، ورجلٌ تعلَّمَ العلمَ وعلَّمَهُ، وقرأ القُرآنَ، فأُتي به، فعرَّفَهُ نعمَهُ فعرَفَها، قال: فما عملْتَ فيها؟ قال: تعلَّمتُ العلمَ وعلَّمتُه، وقرأتُ فيك القرآنَ، قال: كذبتَ، ولكنَّك تعلَّمتَ العلمَ، (١) ((اللطائف)) (٥٨ - ٦٢). (٢) (فتح الباري)) (١ /٥٢٠). ٥٥٣ سورة هود لُيُقَالَ: عالمٌ، وقرأتَ القرآنَ لِيُقَالَ: قارئٌّ، فقدْ قیلَ، ثمَّ أُمر به ، فسحب على وجهه حتى أُلقيَ في النَّارِ، ورجلٌ وسَّعَ اللَّهُ عليه، وأعطاهُ من أصناف المالِ كلِّه، فأُتِي به، فعرَّفَهَ نعَمَهُ، فعرَفَها، قالَ: فما عمِلْتَ فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيل تحبُّ أن يُنفقَ فيها إلا أنفقتُ فيهَا لك، قالَ: كذبتَ، ولكنَّكَ فعلتَ، لِيُقَالَ: هو جَوادٌ، فقدْ قيل، ثمَّ أُمِرَ به، فسُحبٍ على وجهِهِ حَتَّى أُلقيَ في النَّارِ)(١). وفي الحديثِ: أنَّ معاويةً لما بَلَغَهُ هذا الحديثُ، بكَى حتَّى غُشي عليه، فلمَّا أفاقَ، قال: صدقَ اللَّهُ ورسولُهُ، قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿من كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ ﴾ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ﴾ (٢) [هود:١٥ - ١٦]. وقد وردَ الوعيدُ على تعلُّمِ العلمِ لغيرِ وجهِ اللَّهِ، كما خرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ وابنُ ماجه، من حديث أبي هريرةَ فِثُه، عن النبيِّ بََّ قالَ: (( منْ تعلَّمَ عِلْمًا مَّا يُبْتَغَى به وجْهُ اللَّهِ، لا يتعلَّمُهُ إلا لُيُصِيبَ به عرَضًا من الدنيا، لم يَجِدْ عَرْفَ الجنَّةِ يومَ القيامةِ)) يعني: ريحَها(٣)". وخرَّج الترمذيُّ من حديثِ كعبِ بنِ مالكٍ، عن النبيِّ وَِّ، قالَ: ((منْ طَلَبَ العلمَ ليُمارِي به السُّفهاءَ، أو يُجارِي به العُلَمَاءَ، أو يَصرِفَ به وجُوهَ الناسِ إليه، أدخلَهُ اللَّهُ النارَ))(٤) وخرَّجه ابنُ ماجهَ بمعناهُ من حديث ابنِ عمرَ، وحذيفةَ، وجابرٍ، عنِ النبيّ (١) أخرجه: مسلم (٦/ ٤٧). (٢) أخرجه: الترمذي (٢٣٨٢)، وابن حبان (٤٠٨). (٣) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٣٣٨/٢)، وأبو داود (٣٦٦٤)، وابن ماجه (٢٥٢)، وابن حبان (٧٨). (٤) أخرجه: الترمذي (٢٦٥٤). ٥٥٤ سورة هود وَه، ولفظُ حديث جابر: ((لا تعلَّموا العلمَ لتُباهُوا به العُلَماءَ، ولا لتُمارُوا به السُّفْهاءَ، ولا تخيَّروا به المجالسَ، فمنْ فعلَ ذلك، فالنَّارَ النَّارَ))(١). وقال ابنُ مسعود: لا تعلَّموا العلمَ لثلاث: لتمارُوا به السفهاءَ، أو لتُجادِلوا به الفُقْهاءَ، أو لتصرفُوا به وجُوهَ الناس إليكم، وابتغُوا بقولِكُم وفعلِكم ما عندَ اللَّهِ، فإنَّه يبقى ويذهب ما سواهُ. وقد وردَ الوعيدُ على العملِ لغيرِ اللَّهِ عمومًا، كما خرَّج الإمامُ أحمدُ من حديثٍ أُبيّ بنِ كعبٍ، عنِ النبيِّ ◌َّهِ، قال: (َشِّرْ هذه الأمَّةَ بالسَّناء والرِّفْعَة والدِّينِ والتمكينِ في الأرض، فمن عمِلَ منهم عملَ الآخرةِ للدّنيا، لم يكنْ له في الآخرة من نصيب))(٢). (٣) قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٍ ﴾ قال اللَّهُ تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٠]، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦]. قال الربيعُ بنُ أنْسٍ : الزفيرُ في الحلقِ، والشهيقُ في الصدرِ، وقال معمرٌ عن قتادةَ: صوتُ الكافرِ في النارِ مثل صوتِ الحمارِ، أوَّلَهُ زفيرٌ وآخرُهُ شهيقٌ، وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِ خُونَ فِيهَا﴾ [فاطر: ٣٧]. (١) حديث ابن عمر: رواه ابن ماجه (٢٥٣). وحديث حذيفة: أخرجه ابن ماجه (٢٥٩). وحديث جابر: أخرجه ابن ماجه (٢٥٤)، وابن حبان (٧٧). (٢) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (١٣٤/٥). (٣) ((جامع العلوم والحكم)) (٤٢/١ - ٤٥). ٥ سورة هود وفي حديثٍ حارثةَ: ((وكأنِّي أنظرُ إلى أهلِ النَّارِ، يتعاوونَ فيها)). وروى معاويةُ بنُ صالحٍ عن سليمٍ بنِ عامرٍ عن أبي أمامةَ عنِ النبيِّ أَ صَلىالله ، وَسَم قال: ((رأيتُ رُؤْيا)) فذكرَ حديثًا طويلاً وفيه قال: ((ثم انطلقْنَا فإذا نحن نَرى دُخانًا ونسمعُ عواءًا، قلتُ: ما هذا؟ قال: هذه جهنّمُ)) (١) خرَّجه الطبرانيَّ وغيرُهُ. وروى الأعمشُ عن يزيدَ الرقاشيِّ، عن أنسٍ، عن النبيِّ ◌ِِّ، قال: ((يُلْقى البُكاءُ على أهلِ النارِ فييكونَ حتى تنقطعَ الدموعُ، ثم بيكونَ الدمَ حتى يصيرَ في وجوهِهِم كهيئةِ الأخدودِ، ولو أرسلتْ فيه السفنُ لجرتْ))(٢) خرَّجه ابنُ ماجه، ورُويَ عن الأعمش عن عمرو بنِ مرَّةَ ويزيدَ الرقاشيِّ، عن أنسٍ موقوفًا من قولِهِ، ورواه سعيدُ بنُ سلمةَ عن يزيدَ الرقاشيِّ، قالَ: بلغَنا هذا الكلامُ ولم يسندهُ ولم يرفعُهُ. وروى سلامُ بنُ مسكينٍ عن قتادةَ عن أبي بردةَ بنِ أبي مُوسى عن أبيه، قالَ: إنَّ أهلَ النَّارِ ليبكونَ الدموعَ في النَّارِ حتَّى لو أجريتْ السفنُ في دموعِهِم لجرت، ثم إنهم لييكونَ بالدمِ بعد الدموعِ ولمثلِ ما هُم فيه فليُبْكَ. وقال صالحُ المرِّيُّ: بلغنِي أنهم يصرخونَ في النَّارِ حتى تنقطعَ أصواتُهم فلا يبقى منهم إلا كهيئة الأنينِ من المدنفِ. وقال ابنُ أبي إسحاقَ عن محمدِ بنِ كعبٍ: زفرُوا في جهنَّم فزفرتِ النارُ، وشهقوا فشهقت النارُ بما استحلُّوا من محارِمِ اللَّهِ؛ قال: والزفيرُ من النفسِ والشهيقُ من البكاءِ. وقال عليّ بنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ في قولِهِ تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ (١) أخرجه: الطبراني في ((الكبير)) (٨/ ٧٦٦٦). (٢) أخرجه: ابن ماجه (٤٣٢٤). ٥٥٦ سورة هود وَشَهِيقٌ﴾ قال: صوتٌ شديدٌ وصوتٌ ضعيفٌ. وروى مالكٌ عن زيدِ بنِ أسلمَ في قولِهِ عزَّ وجلَّ : ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ ﴾ [إبراهيم: ٢١]: قال زيدٌ: صبرُوا مائة عامٍ ثم بكَوا مائة عامٍ ثم قالُوا: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾ [إبراهيم وروى الوليدُ بنُ مسلمٍ عن أبي سلمةَ الدوسي - واسمه ثابتُ بنُ شریح - عن سالمٍ بنِ عبدِ اللَّهِ عن النبيِّ وَّ أنه كان يدعُو: («اللَّهُمَّ ارزقني عينينِ هطالتينِ يشفيان القلبَ بذروفِ الدموعِ من خشيتِكَ قبلَ أن يكونَ الدمعُ دمًا والأضراسُ جمرً)(١) . سالمُ بنُ عبدِ اللَّهِ هو المحاربيُّ وحديثُه مرسل، وظنَّ بعضهُم أنه سالمُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، وزادَ بعضُهم في الإسنادِ: عن أبيِهِ، ولا يصحُّ ذلكَ کُّه. وروى الوليدُ بنُ مسلمٍ أيضًا عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ بنِ جابرٍ، عن إسماعيلَ بنِ عبيدِ اللَّهِ، قال: إنَّ داودَ - عليه السلامُ -، قالَ : ربِّ ارزقني عينين هطالتينِ يبكيانِ بذروفِ الدموعِ ويشفياني من خشيتِكَ قبلَ أن يعودَ الدمعُ دمًا والأضراسُ جمرًا، قال: وكان داودُ - عليه السلامُ - يعاتَبُ في كثرة البكاءِ، فيقولُ: دعُوني أبْكِي قبلَ يوم البكاءِ، قبل تحريقِ العظامِ واشتعالٍ اللِّحى، وقبل أن يأمر بي ملائكةً غلاظًا شدادًا لا يعصونَ اللَّهَ ما أمرَهُم ويفعلونَ ما يؤمرونَ. وروى يونسُ بنُ ميسرةَ عن أبي إدريس الخولانيِّ، قالَ: إنَّ داودَ - عليه (١) أخرجه: ابن المبارك في ((الزهد)) (ص ١٦٥)، وأحمد في ((الزهد)) (ص ١٠)، وأبو نعيم في (الحلية)) (١٩٦/٢). ٥٥٧ سورة هود السلامُ - ، قال: أبكي نفسي قبلَ يوم البكاءِ، أبكي نفسِي قبلَ أن لا ينفعَ البكاءُ، ثم دعا بجمرٍ فوضعَ يدَهُ عليه حتى إذا حرَهُ رفعها، وقال: أوه العذابِ اللَّهِ، أوه أوه قبل أن لا ينفع أوه. وروى ثابتُ البنانيُّ عن صفوانَ بنِ محرزِ قالَ: كان لداودَ - عليه السلامُ - يومٌ يتأوَّهُ فيه يقول: أوَّه أوَّ من عذابِ اللَّهِ - عزَّ وجلَّ - قبل أن لا ينفعَ أوَّه، قال: فذكرَها صفوانُ ذاتِ يومٍ في مجلسٍ فبكى حتى غلبَهُ البكاءُ، فقامَ. وقال عبدُ اللّهِ بنُ رياحِ الأنصاريُّ، سمعتُ كعبًا، يقولُ: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمْ لَحَلِيمٌ أَوَّاهُ مُّنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥] قال: كان إذا ذكر النارَ قال: أوَّاه من النَّارِ أوَّاه من النارِ. وعن أبي الجوزاءِ وعبيدِ بنِ عميرٍ نحوُ ذلك. وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادٍ له عن رياحِ القيسيُّ: أنه مرَّ بصبيٌّ يبكي فوقفَ عليه يسأله: ما يبكيك يا بني، وجعل الصبيُّ لا يحسنُ يجيبُهُ ولا يردُّ عليه شيئًا، فبكى رياحٌ ثم قال: ليس لأهلِ النارِ راحةً ولا معول إلا البكاءُ، وجعل يبكي. وبإسناد له آخرَ: أنَّ رياحًا القيسيَّ زارَ قومًا، فبكى صبيٍّ لهم من الليل، فبكى رياحٌ لبكائِهِ حتى أصبح، فسئلَ بعد ذلك عن بكائِهِ، فقال: ذَكر ببكاءِ الصبي بكاءَ أهلِ النارِ في النارِ ليس لهم نصيرٌ، ثم بكى(١). (١) ((التخويف من النار)) (١٥٩ - ١٦١). ٥٥٨ سورة هود قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفَّا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ فإقامةُ الصلواتِ المفروضاتِ على وجهِها يوجب مباعدة الذنوب، ويوجبَ - أيضًا - إنقاءَها وتطهيرَها، فإنَّ مثل الصلواتِ الخمسِ كمثل نهرٍ جارٍ، يغتسلُ فيه كلَّ يومَ خمسَ مراتٍ، وقد تقدَّم الحديثُ في ذلكَ، ويوجبُ - أيضًا - تبريدَ الحريقِ الَّذى تكسبه الذنوبُ وإطفاءَه. وخرَّج الطبرانيَّ من حديثِ ابنِ مسعودٍ - مرفوعًا: ((تحترقون تحترقون حتى إذا صليتُمُ الفجرَ غسلتْهَا، ثم تحترقونَ تحترقون حتى إذا صَلَّيْتُم الظهرَ غسلتَها، ثم تحترقون تحترقونَ حتى إذا صليتُم العصرَ غسلتْها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتُم المغربَ غسلتْها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتُمُ العشاءَ غسلتْها))(١). وقد رُوي موقوفًا، وهو أشبه. وخرَّج - أيضًا - من حديث أنسٍ - مرفوعًا: ((إن للَّه ملكًا ينادي عندَ كلِّ صلاة: يا بني آدمَ، قومُوا إلى نيرانِكُم التي أوقدتُوها على أنفسِكُمْ فأطفئُوها)(٢). وخرَّج الإسماعيليَّ من حديثِ عمرَ بنِ الخطابِ - مرفوعًا: ((يُحْرَقونَ، فإذا صلَّوا الصبحَ غَسلت الصلاةُ ما كان قبلها)) حتى ذكرَ الصلواتِ الخُمسِ. ولما كانتِ الصلاةُ صلةً بين العبدِ وربِّه، وكان المصلِّي يناجِي ربَّه، وربُّه يقرِّبِه منه، لم يصلح للدخول في الصلاةِ إلا من كان طاهرًا في ظاهرِهِ وباطنه، ولذلك شرعَ للمصلِّي أن يتطهر بالماءِ، فيكفرُ ذنوبَه بالوضوءِ، ثم (١) أخرجه: الطبراني في ((الأوسط)) (٢٢٢٤)، و((الصغير)) (٤٧/١). (٢) أخرجه: الطبراني في ((الأوسط)) (٩٤٥٢). ٥٥٩ سورة هود يمشي إلى المساجدِ فيكفر ذنوبَه بالمشي، فإنْ بقي من ذنوبِهِ شيءٌ كفرتْه الصلاةُ. قال سلمانُ الفارسيُّ: الوضوءُ يكفِّر الجراحاتِ الصغارِ، والمشي إلى المسجدِ يكفِّر أكثرَ من ذلك، والصلاةُ تكفِّر أكثرَ من ذلكَ. خرَّجه محمدُ بنُ نصرُ المروزيُّ(١) وغيرُهُ. فإذا قامَ المصلِّي بينَ يدي ربِّه في الصلاةِ وشرعَ في مناجاتِهِ له، شُرِعَ أولَ ما يناجي ربَّه أن يسأل ربَّه أن يباعدَ بينه وبين ما يوجبُ له البعدَ من ربِّه، وهو الذنوبُ، وأن يطهرهَ منها، ليصلحَ حينئذٍ للتقريبِ والمناجاةِ، فيستكملُ فوائدَ الصلاةِ وثمراتِها من المعرفةِ والأُنسِ والمحبةِ والخشيةِ، فتصيرُ صلاتُهُ ناهيةً له عن الفحشاء والمنكر، وهي الصلاةُ النافعةُ(٢) وقوله وَجّ: ((وأتْبع السيَّةَ الحسنةَ ثمْحُها)) لما كانَ العبدُ مأمورًا بالتقوى في السرِّ والعلانية مع أنَّه لا بدَّ أن يقعَ منه أحيانًا تفريطٌ في التقوى، إما بتركِ بعضِ المأموراتِ، أو بارتكابِ بعضِ المحظوراتِ، فأمرَهُ أن يفعلَ ما يمحُو به هذه السيئةَ وهو أن يتبعَهَا بالحسنة، قال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزَلَفَا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَِّّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود : ١١٤]. وفي (الصحيحينِ)) عن ابن مسعودٍ: أنَّ رجلاً أصابَ من امرأةٍ قُبلةً، ثم أتَى النبيِّ نَّهِ فذكرَ ذلكَ لهُ، فسكتَ النبيُّ وَّ حتَّى نزلتْ هذه الآيةُ، فدعاهُ (١) في ((تعظيم قدر الصلاة)) (٩٩). (٢) «فتح الباري)» (٣٤٣/٤ - ٣٤٥). ٥٦٠ سورة هود فقرأها عليهِ، فقالَ رجلٌ: هذا له خاصةً؟ قال: ((بل للناسِ عامَّة))(١). وقد وصفَ اللَّهُ المتقينَ في كتابِهِ بمثلٍ ما وصَّى به النبيُّ ◌ََّ في هذه الوصيةِ في قولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ١٣٣ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا · أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَبِهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ (١٣٥ وَهُمْ يَعْلَمُونَ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٦]. فوصفَ المتقينَ بمعاملةِ الخلقِ بالإحسانِ إليهم بالإنفاقِ، وكظم الغيظِ، والعفوِ عنهم، فجمعَ بين وصفِهِم ببذلِ النَّدى واحتمالِ الأذى، وهذا هو غايةٌ حسنِ الخلقِ الذي وصَّى به النبيُّ وَّ لمعاذِ، ثم وصفَهُم بأنهم: ﴿إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥] ولم يصرُّوا عليها. فدلَّ على أن المتقينَ قد يقَعُ منهم أحيانًا كبائرُ وهي الفواحشُ وصغائرُ وهي ظلمُ النفس، لكنَّهم لا يصرون عليها، بل يذكرونَ اللَّهَ عقِبَ وقوعِهَا، ويستغفرونه ويتوبونَ إليه منها، والتوبةُ: هي تركُ الإصرارِ. ومعنى قولِهِ: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ١٣٥] أي: ذكرُوا عظمتَهُ وشدَّةً بطشه وانتقامه، وما توعّد به على المعصيةِ من العقابِ، فيوجبُ ذلك لهم الرجوعَ في الحالِ والاستغفارَ وتركَ الإصرارِ، وقالَ اللَّهُ عزَّ وجلّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]. (١) أخرجه: البخاري (١٤٠/١)، ومسلم (١٠١/٨).