النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
سورة الأعراف
وفي ((صحيحِ مسلمٍ))(١) عن ابنِ عباسٍ، قال: كانتِ المرأةُ تطوفُ بالبيت
وهي عُريانةٌ، وتقولُ:
فمَا بَدَاَ منهُ فَلاَ أحلُّهُ
الیوم یبْدُو بعضُهُ أو كلُّه
قال: فنزلتِ: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٢) [الأعراف: ٣١].
قوله تعالى: ﴿لَهُم مِّنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن
فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ
قال اللَّهُ تعالى: ﴿لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] قال
محمدُ بنُ كعب والضحاكُ والسُّدِّيُّ وغيرُهم: المهادُ: الفراشُ، والغواشُ:
اللحفُ.
وقال الحسنُ في قولهِ تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨]
قال: فِراشًا ومِهادًا.
وقال قتادةُ: محبسًا حُصروا فيها .
وروى مسكينٌ عن حوشبٍ عن الحسنِ أنه كان إذا ذُكِرَ أهلُ النارِ قال في
وصفِهم: قد حذيت لهم نعالٌ من نارٍ وسرابيلُ من قطرانِ، وطعامُهُم من
نارٍ، وشرابُهُم من نارٍ وفرشٌ من نارٍ ولُحُقٌُ من نارٍ ومساكنُ من نارٍ، في شرِّ
دارٍ وأسوأ عذابٍ في الأجسادِ أكلاً أكلاً، وصهْرًا صهْرًا، وحطْمًا حطْمًا.
وروى داودُ بنُ المحبرِ عن الحسنِ بنِ واصلٍ، وعبدِ الواحدِ بنِ زيدٍ عن
(١) (٨/ ٢٤٣) .
(٢) ((فتح الباري)) (١٨٧/٢).

٤٨٢
سورة الأعراف
الحسنِ، قال: إنَّ رجلاً من صدرِ هذه الأمةِ كانَ إذا دخلَ المقابرَ نادَى: يا أهلَ
القبورِ بعد الرفاهيةِ والنعيمِ معالجة الأغلالِ في النارِ، وبعد القطنِ والكتانِ
لباسُ القطرانِ، ومقطعات للنيرانِ، وبعدَ تلطفِ الخدمِ والحشمِ، ومعانقة
الأزواجِ، مقارنةُ الشيطانِ في نارِ جهنّم مقرنين في الأصفادِ.
وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ عن وهبِ بنِ منبهِ، قال: أما أهلُ النارِ الذينَ
هم أهلُها فهم في النارِ لا يهدؤون ولا ينامونَ ولا يموتونَ، ويمشونَ على
النارِ، ويجلسونَ على النارِ، ويشربونَ من صديدِ أهلِ النارِ، ويأكلونَ من
زقومِ النارِ، فرشُهم ولحفهم نارٌ، وقمصُهُم نارٌ وقطرانٌ، وتغشى وجوهَهُمُ
النارُ، وجميعُ أهلِ النارِ في سلاسلَ بأيدي الخزنةِ أطرافُها يجذبونَ مقبلينَ
ومدبرينَ، فيسيلُ صديدُهم إلى حفرٍ في النارِ، فذلكَ شرابُهُم، قالَ: ثم بَكَى
وهبٌ حتى سقطَ مغشيًا عليهِ، وغلبَ بكرُ بنُ خنيسِ عندَ روايتِهِ هذا الحديثِ
البكاءُ حتى قامَ فلم يقدرْ أن يتكلمَ، وبكى محمدُ بنُ جعفرٍ بكاءًا شديدًا.
وبإسنادِهِ عن هدابٍ، قال: أقبلتْ أمُّ يحيى بن زكريا على يحيى في ثوبٍ
تعالجه لَهُ ليلبسه، فقال لها: أفعل، فقالتْ: من أيِّ شيءٍ؟ قالَ من شعرٍ،
قالتْ: يا بنيَّ إذَا يأكلُ لحمَكَ، قال: يا أمَّه، إذا ذكرتُ مقطعاتِ أهلِ النارِ
لانَ عليَّ جِلْدِي.
وكان عطاءٌ الخراسانيُّ ينادِي أصحابَهُ في السفرِ: يا فلانُ ويا فلانُ قيامُ هذا
الليلِ وصيامُ هذا النهارِ أيسرُ من شرابِ الصديدِ ومقطعاتِ الحديدِ ألواحًا ثم
ألواحًا ثم ألواحًا، ثم يقبلُ على صلاتِهِ(١).
(١) ((التخويف من النار)) (١٢٨ - ١٢٩).

٤٨٣
سورة الأعراف
قوله تعالى: ﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا
وَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذّنٌ بَيْنَهُمْ أَن ◌َّعْنَةُ
اللَّهُ عَلَى الظَّالِمِينَ { الَّذِينَ يَصْدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّه وَيَبْغُونَهَا عِوَجَا وَهُم
( وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلّ
٤٥
بالآخرَة كَافرُونَ
بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ
وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ
٤٦
{٤٧°، وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسيمَاهُم
الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ،
و
· أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ
٤٨
قَالُوا مَا أَغْنَى عَنَكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ
أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ
وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفيضُوا عَلَيْنَا
٤٩ X
تَحْزَنُونَ .
مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾
وقال سفيانُ بنُ عيينةَ عن عثمانَ الثقفيِّ عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ
في هذهِ الآيةِ، قالَ : ينادِى الرجلُ أخاه إني قد احترقتُ فأفضْ عليّ من
الماء، فيقال: أجبْهُ، فيقول: إنَّ اللَّهَ حرَّمَهُمَا على الكافرين (١).
وقال سنيد في ((تفسيرِه): حدثنا حجاجُ عن أبي بكر بنِ عبدِ اللَّهِ، قال:
ينادُون أهلَ النارِ: يا أهلَ الجنةِ فلا يُجِيبونَهُم ما شاءَ اللَّه ثم يقالُ: أجيبوهم
وقد قطعَ الرحمُ والرحمةُ، فيقولُ أهلُ الجنةِ: يا أهلَ النارِ عليكم لعنةُ اللَّهِ، يا
أهلَ النارِ عليكُم غضبُ اللَّهِ، يا أهلَ النارِ لا لَبَّيكُم ولا سعديْكُم، ماذا
تقولون؟ فيقولونَ: ألم نكن في الدنيا آباؤكم وأبناؤكم وإخوانُكم وعشيرتُكم؟
فيقولونَ: بلى، فيقولون: ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ
(١) أخرجه: ابن جرير في ((تفسيره)) (٢٠١/٨).

٤٨٤
سورة الأعراف
حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠].
◌ْ، قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي
قال اللَّهُ عزَّ وجلّ: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ
يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات: ٥٠ -٥٢] الآيات.
كَانَ لِي قَرِينٌ ﴿
قال خليدٌ المصريُّ في قولِهِ تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:
٥٥]، قالَ: في وسطِهَا ورأى جماجمَ تغْلِي فقال: فلانٌ؟ والله لولا أنَّ اللَّهَ
عزَّ وجلَّ عرفَهُ إِيَّاهُ لما عرفَهُ لقد تغير حبره وسبره فعندَ ذلك يقولُ: ﴿تَاللَّهِ إِن
كدتَّ لَتَرْدِينِ﴾ [الصافات: ٥٦]، وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينٌ عَهُ إِلاَّ
أَصْحَابَ الْيَمِينِ :﴿٢٩﴾ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ ﴿٤٠﴾، عَنِ الْمُجْرِمِينَ {٢٤١° مَا سَلَكَكُمْ فِي
سَقَرَ﴿٤٢﴾ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٣٨ -٤٣] الآيات. روى أبو الزعراء عن
ابنِ مسعودٍ أنه لا يتركُ في النارِ غير هؤلاءِ الأربعةِ قال: وليسَ فيهم من خيرٍ .
وفي حديثِ مسكينِ أبي فاطمة عن اليمانِ بنِ يزيدَ، عن محمدِ بنِ حميرٍ،
عن محمدِ بنِ علي، عن أبيه، عن جدِّ عن النبيِّ بَّ في خروجِ أهلِ
التوحيدِ من النارِ، قالَ: «ثم يقولُ اللَّهُ لأهلِ الجنةِ: اطلعوا إلى من بقيَ في النارِ،
فيطلعونَ إليهم فيقولون: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴿٤٢، قَالُوا لَمْ نَكُ مِن الْمُصَلِينَ﴾
[المدثر: ٤٢ - ٤٣]، أي: إنَّا لم نكن منهم لو كنا لخرجْنَا معهم))، خرَّجه الإسماعيليّ
وغيرُهُ، وهو منكر كما سبقَ ذکرُهُ.
قال الإمامُ أحمدُ: حدثنا عليٌّ بنُ حفصٍ، حدثنا الثوريَّ، عن أبي خالدٍ،
عن الشعبيِّ، قال: يشرفُ قومٌ في الجنةِ على قومٍ في النارِ فيقولونَ: ما لكم
في النارِ، وإنَّما كنا نعملُ بما كنتم تعلِّمون؟ فيقولونَ: إِنا كُنَّا نعلِّمُكُم ولا
نعملُ به.

٤٨٥
سورة الأعراف
وقال سعيدُ بنُ بشيرِ، عن قتادةَ: إنَّ في الجنةِ كوى إلى النارِ فيطلعُ أهلُ
الجنةِ من تلكَ الكُوى إلى النارِ، فيقولونَ: ما بالُ الأشقياء، وإنما دخلنا الجنةَ
بفضلٍ تأديِكُمْ؟ فقالُوا: إنا كنَّا نأمرُكُم ولا نأتمرُ، وننهاكُم ولا نتَهِي.
وقال معمرٌ عن قتادةَ: قالَ كعبٌ: إنَّ بينَ أهلِ النارِ وأهلِ الجنةِ كُوى لا
يشاءُ رجلٌ من أهلِ الجنةِ أن ينظر إلى عدوِّ من أهلِ النارِ إلا فَعَلَ.
وقال أحمدُ بنُ أبي الحواريِّ: حدثنا عبدُ اللَّهِ بن غياثٍ عن الفزاريِّ، قالَ:
لكلِّ مؤمنٍ في الجنةِ أربعةُ أبوابٍ بابٌ يدخلُ عليه زوَّارُهُ من الملائكةِ، وبابٌ
يدخلُ عليه أزواجُهُ من الحورِ العين، وبابٌ مقفلٌ فيما بينه وبينَ أهلِ النارِ
يفتحُهُ إذا شاءَ أن ينظر إليهم لتعظم النِّعمةُ عليه، وبابٌ فيما بينه وبين دارٍ
السلامِ يدخلُ فيه على ربِّه إذا شاء.
وخرَّج ابنُ أبي حاتمٍ بإسنادِهِ عن الضحاكِ في قولِهِ تعالى: ﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ
آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴿٤﴾، عَلَى الأَرَائِكِ﴾ من الدر والياقوتِ ﴿يَنظُرُون﴾
[المطففين: ٣٤ -٣٥]، يعني: على السررِ ينظرونَ، كان ابنُ عباسٍ يقولُ: السررُ
بين الجنة والنارِ، فيفتحُ أهلُ الجنةِ الأبوابَ فينظرونَ على السررِ إلى أهلِ النارِ
كيفَ يعذبونَ ويضحكونَ منهم، ويكون ذلك مما يقر اللَّهُ به أعينَهُم أن ينظروا
إلى عدوِّهم كيفَ ينتقمُ اللَّهُ منهُ.
وخرَّج البيهقيُّ وغيرُهُ من حديثِ عليٍّ بنِ أبي سارةَ عن ثابتٍ، عن أنسٍ
عن النبيِّ وَّ: «أن رجلاً من أهل الجنةِ يشرفُ يومَ القيامةِ على أهلِ النارِ، فيناديه
رجلٌ من أهلِ النارِ: يا فلانُ هل تعرفُني؟ فيقولُ: لا، واللَّه لا أعرفُك من أنتَ؟ فيقولُ:
أنا الذي مررتَ بي في دارِ الدنيا فاستسقيتني شربةَ ماء فأسقيتُك، قال: قد عرفتُ،

٤٨٦
سورة الأعراف
فَاشْفَعْ لي بها عندَ ربِّك، قال: فيسأل اللَّهَ - عزَّ وجلَّ -، فيقولُ: يا ربِّ شفِّعْني فيه،
فيؤمرُ به فيخرجُ من النار))(١).
قوله تعالى: ﴿ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذَبًا إِنْ
عُدْنَا فِي مِلَّتَكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾
قال شعيبٌ - عليه السلامُ -: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ
نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ٨٩].
وقال تعالى: ﴿وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُم مِّنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
وقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧].
والمرادُ: أنه ينجيهم من الشركِ، ويدخلُهم في الإيمانِ، وكثيرٌ منهم لم يكن
داخلاً في الشركِ قطُّ(٢).
قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً
وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةٌ
قالَ ليثُ عنْ مُجاهدٍ في قولهِ تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً﴾
[الأعراف: ١٤٢] قال ذو القَعْدَةَ ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢]. قال: عشر ذي
0 و
الحجّةَ(٣). (٤).
(١) ((التخويف من النار)) (٢١٨ - ٢٢١).
(٣) أخرجه: ابن جرير في ((تفسيره)) (٤٧/٩).
(٢) (فتح الباري)) (٨٦/١).
(٤) لطائف المعارف)) (٣٤٩).

ورو
سُورَةُ الأَنْفَال
قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ
بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾
وسمع عُمرُ رجلاً يقولُ: اللَّهُمَّ إنك تحولُ بين المرءِ وقلبِهِ، فخُلُ بيني وبينَ
معاصيك. فأعجبَ عُمرَ ودعا له بخيرٍ .
وروى ابنُ عباسِ رِوَّها، في قوله تعالى: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبه.
[الأنفال: ٢٤] قال: يحول بين المؤمن وبين المعصية التي تجرَّه إلى النارِ(١).
مے
قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عندَ الْبَيْتِ إِلَّ مُكَاءً
وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
0 % و
استماعُ الغناءِ بآلاتِ اللهوِ أو بدونِها على وجهِ التقرُّبِ إلى الله تعالى،
وتحريكُ القلوبِ إلى محبِهِ، والأُنسُ به والشَّوقُ إلى لقائِهِ، وهذا هو الَّذي
يدَّعيه كثيرٌ من أهلِ السلوكِ، ومَن يتشبَّهُ بهم، ممن ليسَ منهُم، وإنَّما يتسترُ
بهم، ويتوصَّلُ بذلك إلى بُلوغٍ غرضِ نفسِهِ، من نيلِ لذَّتِهِ. فهذا المتشبه بهم
مخادِعٌ مُلِّسٌ. وفسادُ حاله أظهرُ من أنْ يخفى على أحد. وأمَّا الصادقونَ في
دعواهُم ذلك وقليلٌ ما هم، فإنَّه ملبوسٌ عليهم؛ حيثُ تقرَّبُوا إلى اللَّهِ عزَّ
(١) ((نور الاقتباس)) (٣٥).

٤٨٨
سورة الأنفال
وجلَّ، بما لم يشرعْهُ اللَّهُ تعالى، واتخذُوا دِينًا لم يأذن اللَّهُ فيه.
فلهُم نصيبٌ ممن قالَ اللَّهُ تعالى فيه: ﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّ مُكَاءً
وتَصْدِيَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٥]، والمُكاءُ: الصَّفْيرُ، والتَّصْديةُ: التصفيق باليد. كذلك
قالهُ غيرُ واحد من السلف(١). وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ
الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].
فإنه إنما يتقرَّبُ إلى اللَّه عزَّ وجلّ، بما يُشرعُ التقربُ به إليه على لسان
رسوله وَّهِ. فأمَّا ما نهى عنه، فالتقربُ به إليه مُضادَّةٌ للَّه عزَّ وجلَّ في أمرِهِ،
قال القاضي أبو الطيِّبِ الطبريُّ رحمه اللَّهُ في كتابِهِ في السماءِ: اعتقادُ هذه
الطائفةِ، مخالفٌ لإجماعِ المسلمينَ، فإنه ليسَ فيهم منْ جعل السماعَ دِينًا
وطاعةً، ولا رأى إعلانَهُ في المساجدِ والجوامعِ، وحيثُ كانَ من البقاعِ
الشريفةِ، والمشاهدِ الكريمةِ .
وكان مذهبُ هذه الطائفة، مخالفًا لما اجتمعتْ عليه العُلماءُ، ونعوذُ بالله
من سوءِ التوفيقِ. انتهى ما ذكره.
ولا ريب أن التقربَ إلى اللَّهِ تعالى بسماعِ الغناءِ المُلَحَّنِ، لا سيَّما مع آلاتِ
اللهو، مما يُعْلِمُ بالضرورةِ من دِينِ الإسلامِ، بلْ ومنْ سائرِ شرائعِ المسلمينَ؛
أنه ليسَ مما يُتُقرَّبُ به إلى اللَّهِ، ولا مما تُزَكَّى به النفوسُ وتُطهَّرُ به. فإنَّ اللَّهَ
تعالى شرَعَ على ألْسِنَةِ الرسلِ كلَّ ما تَزْكُو به النفوسُ، وتطهُرُ به من
أدناسها، وأوضارِها، ولم يشرع على لسانِ أحدٍ من الرسلِ، في ملَّةٍ من
الملل، شيئًا من ذلك. وإنما يأمرُ بتزكية النفوسِ بذلكَ، من لا يتقيدُ بمتابعةٍ
(١) راجع: ((تفسير الطبري)) (٢٤٠/٩ - ٢٤٢).

٤٨٩
سورة الأنفال
الرُّسُلِ: من أتباع الفلاسفةِ. كما يأمرونَ بعشقِ الصورِ، وذلك كلُّه ما تحيا به
النفوسُ بالسُّوءِ، ولما لها فيه من الحظِّ، ويَقْوى به الهوَى، وتموتُ به القلوبُ
المتصلةُ بعلاَّمِ الغيوبِ، وتَبْعُدُ به عنه. فَغَلِطَ هؤلاءِ واشتبَهَ عليهِم حظوظُ
النفوسِ وشهواتُها بأقواتِ القلوبِ الطاهرةِ والأرواحِ الزكيةِ المعلّقةِ بالمحلِّ
الأعْلَى، واشتبَهَ الأمر في ذلكَ أيْضًا على طوائفَ من المسلمينَ ثَمَّنْ ينتسبُ
إلى السلوك(١).
(١) ((نزهة السماع)) (٦٨ - ٧٠).

سُورَةُ التَّوْبَةِ
قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّه شَاهِدينَ عَلَى
أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ
١٧١
إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَ أَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى
الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾
عمارةُ المساجد تكونُ بمعنيين:
أحدُهما: عمارتُها الحسِّيَّة ببنائها وإصلاحِها وترميمِها، وما أشبه ذلك.
والثاني: عمارتُها المعنويّة بالصلاة فيها، وذكْرِ اللَّهِ وتلاوةِ كتابِهِ، ونشرِ العلم
الذي أنزلَهُ على رسولِهِ، ونحو ذلك.
وقد فُسِّرت الآيةُ بكلِّ واحدٍ من المعنيينِ، وفُسِّرِتْ بهما جميعًا، والمعنى
الثاني أخصّ بها .
وقد خرَّج الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ وابنُ ماجه(١) من حديث درََّجٍ، عن أبي
الهيثمٍ، عن أبي سعيدٍ، عنِ النبيِّ وَّ، قال: ((إذا رأيتم الرجلَ يعتادُ المسجدَ
فاشهدُوا له بالإيمان))، ثم تلا: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾
الآية [التوبة: ١٨].
ولكنْ قال الإمامُ أحمدُ: هو منكرٌ.
(١) أخرجه: أحمد (٦٨/٣ - ٧٦)، والترمذي (٢٦١٧)، وابن ماجه (٨٠٢).

٤٩١
سورة التوبة
وقوله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٧] وقُرئ: ((مسجدَ
اللَّه)).
فقيل: إنَّ المرادَ به جميعُ المساجدِ على كلا القراءتينِ، فإنَّ المفردَ المضافَ
يعمُّ، كقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
وقيلَ: المرادُ بالمسجد المسجدُ الحرامُ خاصة، كما قال: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ
أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤].
وقيلَ: إنه المرادُ بالمساجدِ على القراءةِ الأخرى، وأنه جَمَعَه لتعددِ بِقَاعِ
المناسك هناك، وكلَّ واحدٍ منها في معنى مسجد، رُوي ذلك عن عكرمة.
٠
واللهُ أعلمُ.
فمَنْ قالَ: إنَّ المرادَ به المسجدُ الحرامُ خاصَّة، قال: لا يُمكَّن الكفارُ من
دخولِ الحرمِ كلِّه، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرِبُوا الْمَسْجِدَ
الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨].
وجمهورُ أهلِ العلمِ على أنَّ الكفارَ يُمْنَعُون من سُكْنى الحرم، ودخولِهِ
بالكليّة، وعمارتِهِ بالطوافِ وغيرِهِ، كما أمرَ النبيُّ ◌َّهِ مِنْ يُنَادِي: ((لا يحج بعد
العام مشركٌ)(١).
ورَخَّصَ أبو حنيفة لهم في دخولِهِ دونَ الإقامةِ به.
ومنْ قال: المرادُ جميعُ المساجدِ، فاختلفُوا:
فمنهم: مَنْ قال: لا يُمكَّنُ الكفارُ من قُربان مسجد من المساجدِ، ودخولِهِ
بالكلية .
(١) أخرجه: البخاري (١٠٣/١)، (١٨٨/٢)، (١٢٤/٤)، (٢١٢/٥)، وغيرها من المواضع،
ومسلم (١٠٦/٤ - ١٠٧).

٤٩٢
سورة التوبة
ومنهم: من رَخَّص لهم في دخولِ مساجدِ الحِلِّ في الجملةِ .
ومنهم: من فرَّق بين أهلِ الكتابِ والمشركينَ، فرَخَّصَ فيه لأهلِ الكتابِ
دونَ المشركينَ.
وقد أفردَ البخاريُّ بابًا لدخولِ المشركِ المسجدَ، ويأتي الكلامُ على هذه
المسألة هناك مستوفى - إنْ شاء اللّه تعالى.
واتفقُوا على مَنْعِ الكفارِ منْ إظْهَارِ دِينِهِم في مساجد المسلمين، لا نعلم في
ذلك خلافًا .
وهذا مما يدلُّ على اتفاقِ الناسِ على أنَّ العمارةَ المعنويّة مرادةٌ من الآية.
واختلفُوا في تمكينهم من عمارةِ المساجدِ بالبنيانِ والترميمٍ ونحوه على
قولین :
أحدهما: المنع من ذلك؛ لدخولِه في العمارةِ المذكورةِ في الآيةِ، ذكرَ ذلك
كثيرٌ من المفسرينَ كالواحديِّ وأبي الفرج ابنِ الجوزيِّ، وكلام القاضي
أبي يعلى في كتابِ ((أحكام القرآن)» يوافقُ ذلك وكذلك كِيَا الهراسي - من
الشافعيةِ -، وذكره البغويُّ منهم احتمالاً .
والثاني: يجوزُ ذلك، ولا يُمنعونَ منه، وصرَّح به طائفةٌ من فقهاء أصحابنا
والبغويُّ من الشافعية وغيرهم.
وهؤلاء؛ منهم مَنْ حملَ العمارةَ على العمارةِ المعنويةِ خاصة، ومنهم من
قالَ: الآيةُ إنما أُريد بها المسجد الحرامُ، والكفارُ ممنوعونَ من دخولِ الحرمِ على
كل وَجْهِ، بخلاف بقيةِ المساجدِ، وهذا جوابُ ابنِ عقيل من أصحابِنا .
وقد رُوي عن عُمَرَ بن عبدِ العزيزِ، أنه استعملَ طائفةً من النصارى في
٠

٤٩٣
سورة التوبة
عمارةِ مسجدِ النبيِّ بَِّ لما عمَّره في خلافةِ الوليدِ بنِ عبدِ المَلكِ.
ويتوجه قولٌ ثالثٌ، وهو: أنَّ الكافرَ إن بنى مسجدًا للمسلمينَ من مَالِهِ لم
يمكَّن من ذلكَ. ولو لم يُبَاشِره بنفسه، وإنْ باشَرَ بناءه بنفسِهِ باستئجار
المسلمينَ له جازَ، فإن في قبولِ المسلمينَ منَّةَ الكفارِ ذُلاً للمسلمينَ، بخلاف
استئجارِ الكفار للعملِ للمسلمينَ، فإن فيه ذُلاً للكفار.
وقد اختلفَ الناسُ في هذا - أيضًا - على قولين:
أحدُهما: أنه لو وصَّى الكافرُ بمالٍ للمسجدِ أو بمالٍ يعمر به مسجد أو يُوقَدُ
به، فإنه تُقْبَلُ وصيّتُه ، وصرَّح به القاضي أبو يعلى في ((تعليقه)) في مسألة
الوقيد، وكلامُه يدلُّ على أنه محلُ وفاقٍ، وليس كذلك.
والثاني: المنعُ من ذلك، وأنه لا تُقبلُ الوصيةُ بذلكَ، وصرَّح به الواحدي
وُ
في ((تفسيرِهِ)) وذكره ابنُ مزين في كتابِ ((سيرِ الفقهاء)) عن يحيى بن يحيى،
قال: سمعتُ مالكًا، وسُئِلَ عن نصرانيٍّ أوْصَى بمالٍ تُكْسى به الكعبةُ؟ فأنكر
ذلكَ، وقال: الكعبةُ منزهةٌ عن ذلكَ.
وكذلك المساجدُ لا تجري عليها وصايا أهل الكفرِ .
وكذلك قال محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الأنصاريُّ قاضي البصرةِ: لا يصحّ وقفُ
النصرانيِّ على المسلمينَ عُمومًا، بخلافِ المسلمِ المعينِ، والمساجدُ من الوَقْفِ
على عمومِ المسلمين: ذكرَه حربٌ، عنه بإسنادِهِ.
وقال عبدُ اللهِ بنُ أحمد (١): سألتُ أبي عن المرأةِ الفقيرةِ تجيءُ إلى اليهوديّ
أو النصرانيِّ فتصدق منه؟ قال: أخشى أنَّ ذلك ذلَّة.
(١) ((مسائل عبد اللَّه)) (ص ٤٤٨).

٤٩٤
سورة التوبة
وقال مُهنًا: قلتُ لأحمدَ: يأخذُ المسلمُ من النصرانيٌّ من صدقته شيئًا؟
قال: نعم، إذا كان محتاجاً.
فقد يكونُ عن أحمدَ روايتان في كراهةِ أخذِ المسلمِ المعينِ من صدقة
الذِّميِّ، وقد يكونُ كرِهَ السؤالَ، ورَخَّصَ في الأخذِ منه بغيرِ سؤال، واللَّهُ
أعلمُ.
وأمَّا وقْفُهم على عمومِ المسلمينَ كالمساجد، فيتوجهُ كراهتُه بكلِّ حال، كما
قالهُ الأنصاريّ.
وقد ذكَرَ أهلُ السيرِ كالواقديِّ ومحمدِ بنِ سعدٍ أنَّ رجلاً من أحبارِ اليهودِ،
يقال له: مُخيْرِيقٌ، خرجَ يومَ أُحدٍ يقاتل مع النبيِّ نَّ وقال: إنْ أصبتُ في
وجهي هذا فمالي لمحمدٍ يضعه حيثُ شاء، فقُتل يومئذ، فقبضَ رسولُ اللَّهِ
وَّ أموالَه، فقيل: إنَّه فرَّقها وتصدَّق به، وقيل: إنَّه حبسها ووقفَها.
وروى ابنُ سعد(١) ذلك بأسانيد متعددة، وفيها ضعفٌ. والله أعلمُ (٢)
٠
قال الله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنّ
آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهُ وَاللَّهُ لا
الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ
١٩
يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عندَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾
وفي ((صحيحِ مسلمٍ))(٣) عن النَّعمانِ بنِ بشيرٍ، قال: كنتُ عند مِنْبَرِ النبيِّ
(٢) (فتح الباري)) (٤٨١/٢ - ٤٨٥).
(١) ((الطبقات)) له (١٨٢/٢/١).
(٣) (٣٦/٦).

٤٩٥
سورة التوبة
وَخَّه ، فقال رجلٌ: ما أبالي أن لا أعملَ عملاً بعد الإسلامِ إلا أنْ أسقِيَ
الحاجَّ. وقال آخرُ: ما أبالِي أنْ لا أعملَ عملاً بعد الإسلامِ، إلا أنَّ أعْمُرَ
المسجدَ الحرامَ. وقالَ آخرُ: الجهاد في سبيلِ اللَّهِ أفضلُ مَّا قُلتم، فزجرَهُم
عُمَرُ، وقال: لا ترفعُوا أصواتكم عندَ منبرِ رسولِ اللهِ بَله - وهو يومُ الجمعةِ -،
ولكن إذا صليتُ الجمعة دخلْتُ فاسْتَفْتَيْتُهُ فيما اختلفتُم فيه، فأنزلَ اللَّهُ عزّ
وجلَّ: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾
[التوبة: ١٩] إلى آخرِ الآيةِ. فهذا الحديثُ الذي فيه ذِكْرُ سببِ نُزُولِ هذه الآيةِ
يبيّنُ أنَّ المرادَ أفضلُ ما يُتقرَّبُ به إلى الله تعالى من أعمالِ النَّوافلِ والتطوعِ ،
وأنَّ الآيةَ تدلُّ على أنَّ أفضلَ ذلكَ الجهادُ مع الإيمانِ. فدلَّ على أنَّ التطوُّعَ
بالجهادِ أفضلُ من التطوُّعِ بعمارةِ المسجدِ الحرامِ وسقايةِ الحاجٌّ. وعلى مثلِ هذا
يحملُ حديثُ أبي هريرةَ رضي اللَّهُ عنه(١). (٢).
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ
وَعَشِيرَتْكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنَ
تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا
حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾
خرَّج البخاريُّ ومسلم (٣) :
من حديثٍ: أبي هريرةَ، عن النبيِّ بَّ، قال: ((والذي نفسِي بيدِهِ، لا يُؤْمنُ
(١) يعني: ما أخرجه البخاري (١٣/١)، (١٦٤/٢)، ومسلم (٦٢/١) من حديث أبي هريرة بلفظ:
((أفضل الأعمال إيمان بالله ورسوله، ثم جهاد في سبيل الله، ثم حج مبرور».
(٢) ((لطائف المعارف)) (٤٠٤ - ٤٠٥).
(٣) أخرجه: البخاري دون مسلم (١/ ١٠).

٤٩٦
سورة التوبة
أحدُكُم حتَّى أكُونَ أحبَّ إليه منْ والده وولده)).
وخرَّج البخاريُّ ومسلمٌ - أيضًا(١):
من حديث: أنسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ وَلَّ: ((لا يؤمنُ أحدُكُم حتَّى أَكُونَ
أحبَّ إليه من والدِهِ وولدِهِ والناسِ أجمعينَ)).
محبةُ النبيِّ بَِّ من أصولِ الإيمانِ، وهي مقارِنة لمحبةِ اللَّه عزَّ وجلَّ.
وقد قرنها اللَّهُ بها وتوعَّد من قدَّم عليهما محبةَ شيءٍ من الأمورِ المحبوبةِ
طبعًا، من الأقاربِ والأموالِ والأوطانِ وغير ذلك.
فقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ
وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ اللَّهِ
وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾ [التوبة: ٢٤].
ولما قال عمرُ للنبيِّ وَّهِ: أَنتَ أحبُّ إليَّ من كلِّ شيئٍ إلا من نفْسِي.
فقال: ((لا يا عُمَرُ حتَّى أكُونَ أحبَّ إليك من نفسكَ))، فقال عمرُ: واللّه، أنتَ الآنَ
أحبُّ إليَّ من نفْسِي. قال: ((الآن يا عُمَرُ) (٢).
فيجبُ تقديم محبةِ الرسولِ وَّجله على النفوسِ والأولادِ والأقاربِ والأهلينَ
والأموالِ والمساكنٍ، وغيرِ ذلكَ مما يحبُّه الناسُ غايةَ المحبة.
وإنما تتمُّ المحبةُ بالطَّاعةِ، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي
يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١].
وسئلَ بعضُهم عن المحبةِ، فقالَ: الموافقةُ في جميعِ الأحوالِ .
(١) أخرجه: البخاري (١/ ١٠)، ومسلم (٤٩/١).
(٢) أخرجه: البخاري (١٦/٥)، (٧٣/٨ - ١٦١) من حديث عبد الله بن هشام خطته.

٤٩٧
سورة التوبة
فعلامةُ تقديمٍ محبةِ الرسولِ على محبةٍ كلٌّ مخلوقِ أنَّه إذا تعارضَ طاعةُ
الرسولِ وَّه في أوامرِهِ، وداعٍ آخر يدعو إلى غيرِها من هذه الأشياء المحبوبة،
فإنْ قدَّم المرءُ طاعةَ الرسولِ، وامتثالَ أوامرِهِ على ذلكَ الداعِي، كان دليلاً
على صحَّةٍ محبتِهِ للرسولِ، وتقديمِها على كلِّ شيءٍ، وإن قدَّم على طاعتِهِ
وامتثالِ أوامرِهِ شيئًا من هذه الأشياءِ المحبوبةِ طبعًا، دلَّ ذلك على عدمِ إتيانِهِ
بالإيمانِ التامِّ الواجبِ عليه .
وكذلك القولُ في تعارضِ محبةِ اللَّهِ ومحبةٍ داعِي الهوى والنفس، فإن
محبةَ الرسولِ تبعٌ لمحبةِ مرسلِهِ عزَّ وجلَّ.
هذا كلُّه في امتثالِ الواجباتٍ، وتركِ المحرَّماتِ، فإن تعارضَ داعِي النفسِ،
ومندوباتِ الشريعةِ، فإنْ بلغتِ المحبةُ إلى تقديمِ المندوباتِ على دواعي
النفسِ، كان ذلكَ علامةُ كمالِ الإيمانِ، وبلوغِهِ إلى درجةِ المقربينَ المحبوبين،
المتقربينَ بالنوافلِ بعد الفرائضِ.
وإنْ لم تبلغْ هذه المحبةُ هذه الدرجةِ، فهي درجةُ المقتصدينَ، أصحابِ
اليمينِ، الذين كملتْ محبتُهم الواجبةُ، ولم يزيدوا عليها(١) .
وأما محبةُ الرسولِ، فتنشأ عن معرفتِهِ ومعرفةِ كمالِهِ وأوصافِهِ وعظمٍ ما
جاءَ به، وينشأُ ذلكَ من معرفةٍ مرسلِهِ وعظمتِهِ، كما سبقَ، فإنَّ محبةَ اللَّه لا
تتمُّ إلا بطاعتِهِ، ولا سبيلَ إلى طاعتِهِ إلا بمتابعةِ رسولِهِ، كما قال تعالى:
﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١].
(١) «فتح الباري)) (٤٣/١ - ٤٤).

٤٩٨
سورة التوبة
ومحبةُ الرسولِ على درجتينِ - أيضًا:
إحداهُما: فرضٌ، وهي ما اقتضى طاعتَه في امتثالِ ما أمرَ به من الواجبات،
والانتهاء عمَّا نهى عنه من المحرَّماتِ، وتصديقِهِ فيما أخبرَ به من المخبراتِ،
والرِّضا بذلك، وأن لا يجدَ في نفسِهِ حرجًا مما جاءَ بهِ، ويسلِّمَ له تسليمًا،
وأن لا يتلقَّى الهُدى من غيرِ مشكاتِهِ، ولا يطلبُ شيئًا من الخيرِ إلا ما جاء
به .
الدرجة الثانية: فضلٌ مندوبٌ إليه، وهي ما ارتقى بعدَ ذلكَ إلى اتَّبَاعِ سنته
٠٠
وآدابه وأخلاقِهِ، والاقتداءِ به في هديه وسمتِهِ، وحسنِ معاشرتِهِ لأهلِهِ
وإخوانِهِ، وفي التخلقِ بأخلاقِهِ الظاهرةِ في الزهد في الدنيا، والرغبةِ في
الآخرةِ، وفي جُودِهِ وإيثارِهِ وصفْحِهِ وحِلْمِهِ واحتمالِهِ وتواضعهِ.
وفي أخلاقِهِ الباطنةِ، من كمالِ خشيتِهِ للَّهِ، ومحبتِهِ له، وشوقِهِ إلى لقائهِ،
ورضاه بقضائه، وتعلقِ قلبه به دائمًا، وصدقِ الالتجاءِ إليه، والتوكلِ
والاعتمادِ عليه، وقطع تعلَّقِ القلبِ بالأسبابِ كلِّها، ودوامٍ لَهَجِ القلبِ
واللسانِ بذكرِهِ، والأُنس به، والتنعمِ بالخَلْوةِ بمُناجاتِهِ ودعائِهِ، وتلاوة كتابهِ
بالتدبرِ والتفكرِ .
وفي الجملةِ، فكان خلقه وَّ القرآنُ، يرضى لرضاه ويسخط لسخطه،
فأكملُ الخلقِ من حقَّقَ متابعتَهُ وتصديقَه قولاً وعملاً وحالاً، وهم الصدِّيقونَ
من أُمَّتِهِ، الذين رأسُهم أبو بكرٍ خليفتُهُ من بعدِه(١).
(١) ((فتح الباري)) (٤٨/١ - ٤٩).

٤٩٩
سورة التوبة
قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ
وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم
مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ
الْفَاسِقِينَ﴾ .
قال أبو عبد الله محمدُ بنُ خفيفِ الصوفيُّ: سألنا أبو العباس ابن سريجٍ
بشيراز فقالَ لنا: ((محبةُ اللَّهِ فرضٌ أمْ غيرُ فرضٍ؟ قلنا: فرضٌ قال: ما الدلالةُ
على فرضِهَا؟ فما منا من أتى بشيءٍ يُقْبلُ فرجَعْنا إليه وسألناه: ما الدليلُ على
فرضِ محبةِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ؟ فقالَ: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ﴾ إلى
قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾
[التوبة: ٢٤] قال: فتوعدَّهم اللَّهُ عزَّ وجلَّ على تفضيلِ محبتهِم لغيرِه على محبتِهِ
سس
ومحبةِ رسولِهِ، والوعيدُ لا يقعُ إلا فرضٍ لازم وحتمٍ واجبٍ).
وفي ((الصحيحينِ))(١) عن أنس عن النبيِّ بَّ قال: ((والذي نفسي بيده لا
يؤمن أحدُكُمْ حتَّى أكُونَ أحبَّ إليهِ من والدِهِ وولدِهِ والناسِ أجمعينَ)). وفي
((الصحيحين))(٢) أيضًا أنَّ عمرَ بنِ الخطابِ ◌ِ الله قال: يا رسولَ اللَّه، واللَّه
لأنتَ أحبُّ إليَّ من كُلِّ شيءٍ إلا من نفسِي، فقال: ((لا يا عمر، حتَّى أكُونَ
أحبَّ إليْكَ من نفْسك)) فقال: واللَّهِ لأنتَ أحبُّ إليَّ من نفسي. فقال: ((الآن يا
ورو
عُمَرُ)).
ومعلومٌ أنَّ محبةَ الرسولِ إنما هي تابعةٌ لمحبةِ اللَّه جلَّ وعلا، فإنَّ الرسولَ
إنما يُحَبُّ موافقةً لمحبةِ اللَّه له ولأمرِ اللَّهِ بمحبته وطاعته واتباعه، فإذا كان لا
(١) تقدم ص (٤٤٢).
(٢) تقدم ص (٤٤٢).

سورة التوبة
يحصلُ الإيمانُ إلا بتقديمٍ محبتهِ على الأنفسِ والأولادِ والآباء والخلقِ كلِّهم،
فما الظنُّ بمحبة اللَّه عزَّ وجلَّ؟ وذكرَ ابنُ إسحاقَ عن المغيرةِ بنِ عثمانَ بنِ
الأخنسِ عن أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ أنَّ النبيَّ ◌َّهِ خطبَ لما قدِمَ المدينةَ،
فقالَ في خطبتهِ: ((أَحُبُّوا منْ أَحَبَّ اللَّهَ وأحبُّوا اللَّهَ من كلِّ قلوبِكُم))(١) .
وقد جعلَ النبيُّنَّهِ تقديمَ محبةِ اللَّهِ ورسولِهِ على محبَّةٍ غيرِهما من
خصالِ الإيمانِ ومن علاماتِ وجودِ حلاوةِ الإيمانِ في القلوبِ: ففي
((الصحيحين))(٢) عن أنس ◌ِنَّه عن النبيِّ وََّ قال: ((ثلاثٌ منْ كُنَّ فيه وجدَ بهنَّ
حلاوة الإيمان: أن يكونَ اللَّهُ ورسولُهُ أحبَّ إليْه ممّا سواهُما، وأنْ يحبَّ المرْءَ لا يحبُّهُ إلا
للَّهِ، وأنْ يَكْرَه أنْ يعودَ في الكفر بعدَ إذْ أنقذَهُ اللَّهُ منه، كما يكرهُ أن يُلقى في النارِ)).
وفي روايةِ النسائيّ(٣): ((ثلاثٌ من كُنَّ فيه وجد حلاوةَ الإيمانِ وطعْمَه: أن يكونَ
اللَّهُ ورسولُهُ أحبَّ إليه ممّا سواهُما، وأنْ يُحبَّ في اللَّه ويُبْغضَ في اللَّه، وأن تُوقَدَ نارٌ
فيقعَ فيها أحبَّ إليه من أنْ يُشْرِكَ باللَّهِ شيئًا».
وفي ((مسند الإمامِ أحمدَ)(٤) عن أبي رزين العقيلي قال: قلتُ يا
رسولَ اللَّه، ما الإيمانُ؟ قال: ((أن تشهدَ أن لا إله إلا اللَّهُ، وحده لا شريكَ له، وأنَّ
محمداً عبده ورسولُهُ، وأنْ يكونَ اللَّهُ ورسولُهُ أحبَّ إليْكَ مَّا سواهُما، وأنْ تُحْرَقَ في
النَّار أحبَّ إليكَ من أنْ تُشْرِكَ باللَّهِ، وأنْ تحبَّ غيرَ ذي نَسَب لا تُحِبُّهُ إلا للَّه، فإذا كُنْتَ
كذلك فقدْ دخلَ حبُّ الإيمانِ في قلبكَ كما دخلَ حُبُّ الماءِ للظَّمآنِ في اليومِ القائِظِ»،
وروي من حديث المقدادِ بنِ الأسودِ عن النبيِّوَّ قال: ((من أحبَّ اللَّهَ ورسولَهَ
(١) أخرجه: البيهقي في ((الدلائل)) (٥٢٥/٢).
(٢) أخرجه: البخاري (١٠/١ - ١٢)، (١٧/٨)، (٢٥/٩)، ومسلم (٤٨/١).
(٤) ((المسند)) (١١/٤).
(٣) ((السنن)) (٩٤/٨).