النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
سورة المائدة
الإصابةِ الحقِّ.
وسئل عن معروف الكرخيِّ، فقال: كان معه أصلُ العلم: خشيةُ اللَّهِ،
وهذا يرجعُ إلى قولِ بعضِ السلفِ: كفى بخشيةِ اللَّه علمًا، وكفى بالاغترار
بالله جهلاً. وهذا بابٌ واسعٌ يطولُ استقصاؤه(١).
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ
أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّه
مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِئْكُم بِمَا كَنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
وقد حكى القاضي أبو يعلى روايتين عن أحمدَ في وجوبِ إنكارِ المنكرِ
على من يعلمُ أنَّه لا يقبلُ منه، وصححَ القولَ بوجوبِهِ، وهو قولُ أكثرٍ
العلماء.
وقد قيلَ لبعضِ السلفِ في هذا، فقالَ: يكونُ لكَ معذرةٌ، وهذا كما أخبرَ
اللَّهُ عزَّ وجلَّ عن الذينَ أنكرُوا على المعتدينَ في السَّبتِ أنَّهم قالُوا لمن قالَ
لهم: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمَّا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةَ إِلَى رَبِّكُمْ
وَلَعَلَّهَمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٤]، وقد وردَ ما يستدلَّ به على سقوطِ الأمرِ والنهي
عندَ عدمِ القبولِ والانتفاعِ به، ففي ((سنن أبي داودَ)) وابن ماجه والترمذيٍ(٢)
عن أبي ثعلبةَ الخُشنيِّ أنه قيل له: كيفَ تقولُ في هذه الآيةِ: ﴿عَلَيْكُمْ
أَنْفَسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، فقالَ: أما والله لقد سألتُ عنها رسولَ اللَّهِ وَ لَه
(١) ((جامع العلوم والحكم)) (٢٢٩/١ - ٢٤٥).
(٢) أخرجه: أبو داود (٤٣٤١)، والترمذي (٣٠٥٨)، وابن ماجه (٤٠١٤).

٤٦٢
سورة المائدة
فقالَ: ((بل ائتمروا بالمعروف، وانتهُوا عن المنكرِ حتَّى إذا رأيتَ شُحًا مُطاعًا، وهوى
مُتَّبَعًا، ودُنيا مُؤْثَرَةً، وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برأيه فعليكَ بنفْسِكَ، ودعْ عنكَ أمرَ العوامِ).
وفي ((سنن أبي داودَ)) (١) عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرو، قال: بينما نحن حولَ
رسول اللَّهِ وَلّه، إذْ ذكر الفتنة، فقالَ: ((إذا رأيتُمَ الناسَ مرجَتْ عهودُهم، وخفَّت
أماناتُهم، وكانُوا هكذا)) وشبَّك بين أصابعه، فقمتُ إليه، فقلتُ: كيف أفعلُ
عندَ ذلك، جعلني اللَّهُ فداكَ؟ قال: ((الزمْ بيتَك، واملكْ عليكَ لسانَكَ، وخُذْ بما
تعْرِفُ، ودَعْ ما تُنكرُ، وعليكَ بأمر خاصَّةِ نفسِكَ، ودَعْ عنك أمرَ العامَّة)).
وكذلك رُويَ عن طائفةٍ من الصحابةِ في قولِهِ تعالى: ﴿عَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا
يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، قالُوا: لم يأت تأويلُها بعدُ، إنَّما
تأويلُها في آخرِ الزمانِ(٢).
وعن ابنِ مسعود، قال: إذا اختلفت القلوبُ والأهواءُ، وأُلبستُمْ شِيَعًا،
وذاقَ بعضكم بأسَ بعض، فيأمرُ الإنسانُ حينئذ نفسَهُ، حينئذ تأويل هذه
الآية(٢).
وعن ابنِ عمرَ، قال: هذه الآيةُ لأقوامٍ يجيئونُ من بعدنا، إن قالُوا لم
يُقْبَلْ منهم. وقال جُبيرُ بنُ نفيرِ عن جماعةٍ من الصحابةِ، قالُوا: إذا رأيتَ
شحًا مُطاعًا وهوَى متبعًا، وإعجابَ كلِّ ذي رأي برأيه، فعليك بنفسِكَ، لا
يضرُّكَ من ضلَّ إذا اهتديتَ (٢) .
وعن مَكْحُول، قال: لم يأت تأويلها بعدُ، إذا هابَ الواعظُ، وأنكرَ
(١) ((السنن)) (٤٣٤٢ - ٤٣٤٣).
(٢) راجع: ((التفسير)) للطبري (٦٢/٧ - ٦٤).

٤٦٣
سورة المائدة
الموعوظُ فعليكَ حينئذ بنفسِكَ لا يضرُّك من ضلَّ إذا اهتديتَ.
وعن الحسنِ: أنه كان إذا تلا هذه الآيةَ، قال: يا لها من ثقة ما أوثقها!
ومن سعة ما أوسعها ! .
ءُ
وهذا كلُّه قد يُحملُ على أنَّ من عجزَ عن الأمرِ بالمعروفِ، أوخافَ
الضَّرْرَ، سقطَ عنه، وكلامُ ابنِ عمر يدلُّ على أنَّ من عَلِمَ أنَّه لا يُقبل منه، لم
يجبْ عليه، كما حُكِي روايةً عن أحمدَ، وكذا قالَ الأوزاعيُّ: مُرْ مَنْ ترى
أن يقبلَ منكَ(١).
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ
الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلِ مَّنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ
ضَرَيْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ
فَيَقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنَا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمَّ
فَإِنْ عُثْرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقًّا إِثْمًا
شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذَا لَّمِنَ الآتِمِينَ
فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ
بِاللَّهِ لَشَهَادَتْنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذَّا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ
ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَن تُرَدَّ
(١٠٧
أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾
وقد دلَّ القرآنُ على استحلافِ الشهودِ عندَ الارتيابِ بشهادتِهِم في الوصيّةِ
في السفرِ في قولهِ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ
(١) ((جامع العلوم والحكم)) (٢٦٦/٢ - ٢٦٨).

٤٦٤
سورة المائدة
الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانٍ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ فَيَقْسِمَان
بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا تَشْتَرِي بِهِ ثَمَنَّا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦]،
٠
وهذه الآيةُ لم يُنسخِ العملُ بها عندَ جمهورِ السلفِ، وقد عَمِلَ بها
أبو موسى، وابن مسعودٍ، وأفتى بها عليّ، وابنُ عباسٍ، وهو مذهبُ شُرِيحٍ
والنخعيِّ، وابن أبي ليلَى، وسفيانَ والأوزاعيِّ وأحمدَ وأبي عُبيدٍ وغيرِهم،
قالُوا: تُقبل شهادةُ الكفَّار في وصيَّةِ المسلمينَ في السَّفرِ، ويُستحلفانِ مع
شهادتهما. وهل يمينُهُما من بابِ تكميلِ الشهادةِ، فلا يُحكمُ بشهادتهما بدون
٠٠
يمينٍ، أم من بابِ الاستظهارِ عند الريبة؟ وهذا محتملٌ، وأصحابُنا جعلُوها
شرطًا، وهو ظاهرُ ما رُويَ عن أبي موسى وغيرِهِ.
وقد ذهبَ طائفةٌ من السلفِ إلى أنَّ اليمينَ مع الشاهدِ الواحدِ هو من بابِ
الاستظهارِ، فإنْ رأى الحاكمُ الاكتفاءَ بالشَّاهدِ الواحدِ، لُبُرُوزِ عدالتِهِ، وظُهورِ
صِدْقه اكتفَى بشهادتِهِ بدون يمينِ الطالبِ .
وقولُهُ تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقًّا إِثْمَّا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ
اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتْنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا﴾ [المائدة: ١٠٧]، يدلُّ
على أنَّه إذا ظهر خللٌ في شهادةِ الكفَّارِ، حَلَفَ أولياءُ الميتِ على خيانتِهِمَا
وكذبهما، واستحقُّوا ما حلَفُوا عليه، وهذا قولُ مُجاهدٍ وغيرُهُ من السلفِ.
ووَجْهُ ذلكَ: أنَّ اليمينَ في جانبِ أقوى المتداعيينِ، وقد قَوِيَتْ هاهنا
دَعْوى الورثةِ بظهورِ كذبِ الشُّهودِ الكفَّارِ، فَتُردُّ اليمينُ على المُدَّعينَ،
ويحلفونَ مع اللَّوْثِ ويستحقُّون ما ادَّعَوْهُ، كما يحلفُ الأولياءُ في القَسامةِ مع
اللَّوْثِ، ويستحقّون بذلك الدِّيَّةَ والدَّم - أيضًا - عندَ مالك وأحمدَ وغيرِهما.

٤٦٥
سورة المائدة
وقضى ابنُ مسعودٍ في رجلٍ مسلمٍ حضرَهُ الموتُ فأوصَى إلى رجلين
مسلمين معه، وسلَّمهما ما معه مِنَ المالِ، وأشهدَ على وصيَّتَه كفَّارًا، ثم قدِمَ
الوصيَّانِ، فدفعا بعضَ المالِ إلى الورثةِ، وكتما بعضه، ثمَّ قدِمَ الكفَّارُ فشهدُوا
عليهم بما كتمُوه منَ المالِ، فدعا الوصيّينِ المسلمينِ، فاستحلفهُما: ما دفعَ
إليهما أكثر مما دفعاهُ، ثم دعا الكفَّارَ، فشهدُوا وحَلَفوا على شهادتِهِم، ثم أمرَ
أولياءَ الميتِ أن يحلفُوا أنَّ ما شهدتْ به اليهودُ والنصارى حقٌّ فحلفُوا، فقضى
على الوصِيَّينِ بما حلفوا عليه، وكانَ ذلكَ في خلافة عثمانَ، وتأوَّلَ ابنُ
مسعود الآيةَ على ذلكَ، فكأنَّه قابلَ بين يمينِ الأوصياءِ والشُّهودِ الكفارِ
فأسقطَهُما، وبقي مع الورثةِ شهادةُ الكفار، فحلفُوا معها، واستحقُّوا، لأنَّ
جانبَهم ترجَّحَ بشهادةِ الكفَّارِ لهم، فجعلَ اليمينَ مع أقوى المتداعيينِ، وقضَى
بها .
(١) ((جامع العلوم والحكم)) (٢٥٠/٢ - ٢٥٢).

سُورَةُ الأَنْعَامِ
و رو
قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي
الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي
ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾
[ قال البخاريُّ](١): ((بابٌ لا يَدْرِي متَى يجِيءُ المطرُ إلا اللَّهُ)):
وقال أبو هريرةَ، عن النبيِّ بَّ: ((خمسٌ لا يعْلَمُهُنَّ إلا اللَّهُ)).
حديثُ أبي هريرةَ هذا، قد خرَّجه في كتابِ الإيمانِ(٢) في حديثِ سؤالِ
جبريلَ النبيَّ وَِّ عن الإسلامِ والإيمانِ والإحسانِ، وأنّه تلا عند ذلك هذه
الآيةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان: ٣٤] الآية، وقد تقدم ذكرُهُ
والکلامُ علیه.
حدَّثنا محمدُ بنُ يوسفُ: نا سفيانُ، عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، عن ابنِ
عمرَ، قال: قالَ النبيُّ رَله: ((مفتاحُ الغَيْبِ خمْسٌ لا يعلَمُهُا إلاَّ اللَّهُ، لا يعلم أحدٌ
ما يكون في غَدٍ إلاَّ اللَّهُ، ولا يعْلَمُ أحدٌ ما يكون في الأرحامِ إلاَّ اللَّهُ، ولاتَعْلَمُ نَفْسٌ ما
تكسبُ غَدّم، وما تَدْرِي نَفْسٌ بأيِّ أرضٍ تموتُ، وما يدْرِي أحدٌ متَى يجيءُ المطرُ)(٣).
قد سبقَ في البابِ المشارِ إليه: الإشارةُ إلى اختصاصِ اللَّهِ بعلمٍ هذه
(١) ((صحيح البخاري)) (٤١/٢).
(٢) (١٩/١ - ٢٠).
(٣) أخرجه: البخاري (٤١/٢)، (٩٩/٦)، (١٤٢/٩).

٤٦٧
سورة الأنعام
الخمسِ، التي هي مفاتحُ الغيبِ، التي قال فيها: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمَهَا
إِلاَّ هُوَ ﴾ [الأنعام: ٥٩].
وهذه الخمسُ المذكورةُ في حديثِ ابنِ عمرَ، ليسَ فيها علمُ الساعةِ، بل
فيها ذكرُ متى يجيءُ المطرُ بدلَ الساعةِ.
وهذا مما يدلُّ على أنَّ علمَ اللَّهِ الذي استأثر به دونَ خلْقِهِ لم ينحصر في
خمسٍ، بلْ هو أكثرُ من ذلكَ، مثلُ علمِهِ بعددٍ خلقه، كما قال: ﴿وَمَا تَسْقُطُ
مِن وَرَقَةٍ إِلَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].
ومثلُ استئثاره بعلمه بذاته وصفاته وأسمائه، كما قال: ﴿وَلا يُحِيطُونَ به
عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠].
وفي حديثِ ابنِ مسعودٍ - في ذكرِ أسمائِهِ - : ((أو استأثرتَ به في علمِ الغيْبِ
عندك))(١).
وإنَّما ذُكرَتْ هذه الخمسُ لحاجةِ الناسِ إلى معرفةِ اختصاصِ اللَّهِ بعلمِها،
والعلم بمجموعها مما اختصَّ اللَّهُ بعلمه، وكذلكَ العلمُ القاطعُ بکلٌّ فردِ فرد
من أفرادها.
وأمَّا الاطّلاعُ على شيءٍ يسيرِ من أفرادِها بطريقٍ غيرِ قاطعٍ، بل يحتملُ
الخطأ والإصابةَ هو غيرُ منفيٍّ، لأنه لا يدخلُ في العلمِ الذي اختصَّ اللَّهُ به،
ونفاهُ عن غیرِهِ.
وتقدَّمَ - أيضًا - أنَّ النبيَّ بَّةِ أَوتِيَ علمَ كلِّ شيءٍ، إلا هذه الخمسَ.
فأمَّا إطلاعُ اللَّهِ سبحانه له على شيءٍ من أفرادِها، فإنه غيرُ منفيِّ - أيضًا -
(١) أخرجه: أحمد (٣٩١/١ -٤٥٢).

٤٦٨
سورة الأنعام
وهو داخلٌ في قولهِ تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْهِ أَحَدًا ﴾ إِلَّ مَن
ارْتَضَىْ مِن رَّسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦-٢٧] الآية .
ولكنَّ علمَ الساعةِ مما اختصَّ اللَّهُ به، ولم يطلع عليه غيرَه، كما تقدَّمَ في
حديثِ سؤالٍ جبريلَ للمنبِيِّ ◌َّةِ، وكذلك جملةُ العلمِ بما في غَدٍ .
93
وقد قالتْ جاريةٌ بحضرتِهِ بَله: وفينا نبيٌّ يعلمُ في ما غَدِ، فنهاها النبي
وَله عن قولِ ذلك.
وقد خرَّجه البخاريُّ في ((النكاح)) (١).
وأما العلمُ بما في الأرحامِ، فينفردُ اللَّهُ تعالى بعلمِهِ، قبلَ أن يأمرَ ملكَ
الأرحامِ بتخليقِه وكتابتِهِ، ثم بعد ذلك قد يُطلعُ اللَّهُ عليه من يشاءُ من خلقه،
كما أطلَعَ عليه ملكَ الأرحامِ.
فإن كان من الرسلِ فإنَّه يطلعُ عليه علمًا يقينًا، وإن كان من غيرِهم مِنَ
الصدِّيقينَ والصالحينَ، فقد يطلعُه اللَّهُ تعالى عليه ظاهرًا.
كما روى الزهريُّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أنَّ أبا بكرٍ لما حضرتُه الوفاةُ
قال لها - في كلامٍ ذكرَهُ -: إنما هو أخواكِ وأختاكِ. قالتْ: فقلتُ هذا
أخواي، فمن أختاي؟ قال: ذو بطنِ ابنةُ خارجةٍ، فإني أظنُّها جاريةً .
ورواه هشامٌ، عن أبيه، عن عائشة، أنها قالتْ له عند ذلك: إنما هي
أسماءُ؟ فقالَ: وذاتُ بطنٍ بنتُ خارجةَ، أظنُّها جاريةً .
ورواه هشامٌ، عن أبيه: قد أُلْقِيَ في رُوعِي أنَّها جاريةٌ، فاستوصي بها
خيراً، فولدتْ أمَّ كُلثومٍ.
(١) (٧ /٢٥) .

٤٦٩
سورة الأنعام
وأما علمُ النفس بما تكسبُهُ غدًا، وبأيِّ أرضٍ تموتُ، ومتى يجيءُ المطرُ،
فهذا على عمومه لا يعلَمُهُ إلا اللَّهُ.
وأمَّا الاطلاعُ على بعضِ أفرادِهِ، فإنْ كانَ بإِطْلاعٍ مِنَ اللَّهِ لبعضِ رسِلِهِ،
كان مخصوصًا من هذا العمومِ، كما أُطلِعَ النبيّ وَّ على كثيرٍ من الغيوبِ
المستقبلة، وكان يخبرُ بها .
فبعضُها يتعلقُ بكسبهِ، مثلُ إخبارِه أنه يَقْتْلُ أمّيَّةَ بنَ خلف، وأخبر سعدُ
ابنُ معاذ بذلك أميةَ بمكةَ، وقال أميَّةُ: واللَّه، ما يكذبُ محمدٌ.
وأكثرُهُ لا يتعلقُ بكسبهِ، مثلُ إخبارِهِ عن الصورِ المستقبلةِ في أمّتِهِ وغيرِهِم،
وهو کثیر جدا.
وقد أخبرَ بتبوك، أنه ((تهبُّ الليلةَ ريحٌ شديدةٌ، فلا يقومَنَّ أحدٌّ»، وكان
كذلك(١) .
والاطلاعُ على هبوبِ بعضِ الرياحِ نظيرُ الاطلاعِ على نزولِ بعضِ الأمطارِ
في وقتٍ معينٍ.
وكذلك إخبارهُ وَّ ابنته فاطمةَ في مرضهِ، أنه مقبوضٌ من مرضهِ.
وقد رُوي عنه وَجِّ، أَنَّه قال: ((ما بين قبرِي ومنبري روضةٌ من رياض الجنة)).
خرَّجه الإمامُ أحمدُ(٢) من حديث أبي سعيد الخدريِّ، والنسائيّ(٣) من
حديثٍ أمِّ سلمةَ عن النبيِّ ◌َِّهِ.
(١) أخرجه: البخاري (١٥٤/٢)، (٢٦/٣)، (١١٩/٤)، (٤١/٥)، (٩/٦)، ومسلم (١٢٣/٤)،
(٦١/٧) من حديث أبي حميد الساعدي فحوله.
(٢) (٦٤/٣).
(٣) ((السنن الكبرى)) كما في ((تحفة الأشراف)) (١٨٢٣٤).

٤٧٠
سورة الأنعام
وهو دليلٌ على أنَّه علمَ موضعَ موتِهِ ودفنِهِ.
وقد رُوي عنه، أنه قال: ((لم يقبضْ نبيٌّ إلا دُفْنَ حيثُ يُقْبضُ)).
خرَّجِه ابنُ ماجه(١) وغيرُهُ.
وأما إطلاعُ غيرِ الأنبياءِ على بعضِ أفرادِ ذلك فهو - كما تقدّمَ - لا يحتاجُ
إلى استثنائه؛ لأنه لا يكونُ علمًا يقينًا، بل ظنًا غالبًا، وبعضُهُ وهمٌّ، وبعضُهُ
حدسٌ وتخمينٌ، وكلُّ هذا ليس بعلم، فلا يحتاجُ إلى استثنائه مما انفردَ اللَّهُ
سبحانه وتعالى بعلمِهِ، كما تقدَّمَ، واللَّهُ سبحانَهُ وتعالى أعلمُ (٢).
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم
ءُ
بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾
خرَّج البخاريُّ ومسلمٌ (٣): من حديثِ: ابنِ مسعودِ، قالَ: لَّا نزلتْ:
﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِجَنَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، قال أصحابُ رسولِ اللَّهِ
وَله: أَيُنا لم يظلِمْ نفْسَهُ؟ فأنزلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الشّرَكَ لَظُلُّمٌ عَظِيمٌ﴾
[ لقمان : ١٣ ].
معنى هذا: أنَّ الظلم يختلفُ:
فيه ظلمٌ ينقل عن الملةِ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشّرْكَ لَظَلُمْ عَظِيمٌ﴾ [ لقمان: ١٣]،
وقولِهِ تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، فإنَّ الظلمَ وضعُ الشيءٍ
في غيرِ موضعه، وأعظمُ ذلك أنَّ يوضعَ المخلوقُ في مقامِ الخالقِ، ويجعلَ
(١) ((السنن)) (١٦٢٨).
(٢) ((فتح الباري)) (٣٤٢/٦ - ٣٤٥).
(٣) أخرجه: البخاري (١٥/١)، (١٧١/٤ - ١٩٨)، (٧١/٦ - ١٤٣)، (١٧/٩ - ٢٣)، ومسلم
(٨٠/١).

٤٧١
سورة الأنعام
شريكًا له في الربوبيةِ وفي الإلهيّة، سبحانه وتعالى عمَّا يشركونَ.
وأكثرُ ما يردُ في القرآنِ وعيدُ الظالمينَ، يرادُ به الكفارُ، كقوله تعالى: ﴿وَلا
تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ﴾ الآيات [إبراهيم: ٤٢]، وقوله: ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ
لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍ مِّن سَبِيلٍ﴾ الآيات [الشورى: ٤٤] ومثلُ هذا كثير.
ويرادُ بالظلمِ ما لا ينقلُ عن الملةِ، كقولِهِ تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لَنَفْسِهِ وَمِنْهُم
مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢]، وقولِهِ: ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ
الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
وحديثُ ابنِ مسعودٍ هذا: صريحٌ في أنَّ المرادَ بقولِهِ تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا
وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، أنَّ الظلمَ هو الشركُ.
وجاء في بعضِ رواياته: زيادةٌ: قال: ((إنَّما هو الشركُ).
وروى حمادُ بن سلمةَ، عن عليٍّ بنِ زيدٍ، عن يوسفَ بنِ مهرانَ، عن ابنِ
عباسٍ، أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ كانَ إذا دخلَ بيتَه نشرَ المصحفَ فقراً، فدخل
ذاتِ يومٍ فقرأ، فأتى على هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيَانَهُم بِظُلْمٍ﴾
[الأنعام: ٨٢]، إلى آخر الآية، فانتعلَ وأخذَ رداءَه، ثم أتى أُبِيَّ بن كعبٍ،
فقال: يا أبا المنذر، أتيتُ قبلُ على هذه الآيةِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم
بِظَلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، وقد تَرى أنَّا نظلِمُ ونفعلُ؟ فقال: يا أمير المؤمنينَ، إنَّ هذا
ليسَ بذلكَ، يقولُ اللّه تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] إنَّما ذلك
الشركُ.
وخرَّجه محمدُ بنُ نصرٍ المروزيُ(١)
(١) ((تعظيم قدر الصلاة)) (٥٢٥/٢).

٤٧٢
سورة الأنعام
وخرَّجه - أيضًا - من طريقِ حمادِ بنِ زيدٍ، عن عليّ بنِ زيدٍ، عن سعيد
ابنِ المسيّبِ، أنَّ عمرَ أتى على هذه الآيةِ - فذكره.
وحمادُ بنُ سلمةَ، مقدَّمٌ على حمادِ بن زيدٍ في عليٍّ بنِ زيدٍ خاصةً.
وروى - أيضًا (١) _ بإسنادِهِ، عن سفيانَ، عن ابن جريجٍ، عن عطاء، قال:
كفرٌ دونَ كفرٍ، وظلمٌ دونَ ظلمٍ، وفسقٌ دون فسقِ .
يعني: أن الفسقَ قد يكونُ ناقلاً عن الملة، كما قال في حقِّ إبليسَ:
﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرٍ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]، وقال: ﴿وَأَمَّا إِلَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا
أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾
[ السجدة : ٢٠].
وقدْ لا يكونُ الفسقُ ناقلاً عن الملة، كقوله تعالى: ﴿ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا
[البقرة: ٢٨٢]، وقوله في الذين يرمونَ
شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾
المحصناتِ: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًّا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [النور: ٤]، وقوله:
﴿ فَلَا رَفَتَ وَلَا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِ﴾ [البقرة: ١٩٧].
وفسَّرتِ الصحابةُ الفسوقَ في الحجِّ بالمعاصِي كلِّها، ومنهُم من خصَّها بما
يُنهى عنه في الإحرامِ خاصةً.
وكذلكَ الشركُ، منه ما ينقلُ عن الملةِ، واستعمالُهُ في ذلكَ كثيرٌ في
الكتاب والسّنَّةِ، ومنه ما لا ينقلُ، كما جاء في الحديث: ((من حلفَ بغيرِ اللَّهِ
فقدْ أشرْكَ))(٢)، وفي الحديث: ((الشركُ في هذه الأُمَّ أخفَى من دبيب النمل))(٣)،
(١) المصدر السابق (٢/ ٥٢٢).
(٢) أخرجه: الترمذي (١٥٣٥)، وأحمد (٨٦/٢ - ٨٧ - ١٢٥).
(٣) أخرجه: أحمد (٤٠٣/٤) من حديث أبي موسى الأشعري فِقه.

٤٧٣
سورة الأنعام
وسمَّى الرِّاءَ شركًا .
وتأوَّلَ ابنُ عباسٍ على ذلكَ قولَه تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّ وَهُم
مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، قال: إنَّ أحدَهُم يشركُ حتَّى يشرك بكلبِهِ: لولا
الكلبُ لسُرِقْنا الليلةَ.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ
أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
وقد رُوي أنها نزلتْ في الرِّياء في العملِ .
وقيل للحسنٍ: يشركُ باللَّهِ؟ قال: لا ، ولكن أشركَ بذلكَ العملِ عملاً
يريدُ به اللَّهَ والناسَ، فذلك يُردُّ عليه(١).
قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبِّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ
تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُم مِّنْ
إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ
مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ
﴿ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ
وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ
بالْقِسْطِ لا نُكَلَفُ نَفْسًا إِلاَّ وَسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ
ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَّعُوا السُّبُلَ
١٥٢
(١) ((فتح الباري)) (١٣٢/١/ ١٣٤).

٤٧٤
سورة الأنعام
فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
قال ابنُ الجوزيِّ في ((المقتبسِ)): سمعتُ الوزير (١) يقولُ: الآياتُ اللواتي في
الأنعام: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] محكماتٌ، وقد اتفقتْ
عليها الشرائعُ، وإنما قالَ في الآيةِ الأولى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وفي الثانية:
﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وفي الثالثة: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾؛ لأنَّ كلَّ آية
يليقُ بها ذلكَ، فإنَّه قالَ في الأولى: ﴿أَلَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ والعقلُ يشهدُ أنَّ
الخالقَ لا شريكَ له، ويدعُو العقلُ إلى برِّ الوالدينِ، ونهى عن قتل الولدِ،
وإتيانِ الفواحشِ؛ لأنَّ الإنسانَ يغارُ من الفاحشة على ابنته وأخته، فكذلكَ
هو، ينبغي أنْ يجتنبَها، وكذلك قتلُ النفسِ، فلما لاقتْ هذه الأمورُ بالعقلِ،
قالَ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ولما قالَ في الآيةِ الثانيةِ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾
والمعنى: اذكُرْ لو هلكتَ فصارَ ولدُك يتيمًا، واذكُرْ عند ورثتِكَ، لو كنتَ
الموروثَ لهُ، واذكُرْ كيفَ تحبُّ العدلَ لكَ في القولِ؟ فاعدِلْ في حقِّ غيرِكَ،
وكما لا تؤثرُ أن يخانَ عهدُك فلا تخن، فلاقَ بهذه الأشياءِ التذكرُ فقالَ:
﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ وقالَ في الثالثةِ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٥٣]،
فلاقَ بذلكَ اتقاءُ الزللِ، فلذلك قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَّقُونَ﴾ (٢) [الأنعام: ١٥٣].
قوله تعالى: ﴿ مَن جَاءَ بالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن
جَاءَ بِالسَّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾
وقد دلَّ حديثُ أبي سعيدٍ وحديثُ أبي هريرةَ المذكورانِ(٣) على أنَّ
مضاعفةَ حسناتِ المسلمِ بحسبِ حسنِ إسلامِهِ .
(٢) ((طبقات الحنابلة)) (٢٦٤/٣).
(١) هو : يحيى بن محمد بن هبيرة.
(٣) يعني: ما رواهما البخاري في كتاب الإيمان - باب حسن إسلام المرء (١٧/١).
=

٤٧٥
سورة الأنعام
وخرَّج ابنُ أبي حاتمٍ، من روايةٍ عطيةَ العوفيِّ، عن ابنِ عمر، قال:
نزلتْ: ﴿ مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرٌ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، في الأعراب. فقال له
رجل: يا أبا عبد الرحمنِ، فما للمهاجرينَ؟ قال: ما هو أكثرُ، ثم تلا قولَه:
﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتٍ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾(١) [النساء: ٤٠].
ويشهدُ لهذا المعنى: ما ذكره اللَّهُ عزَّ وجلَّ في حقٍّ أزواجِ نبيِّه وَ لِّ، فقال:
﴿يَا نِسَاءَ النَِّيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبِنَةٍ﴾ [الأحزاب: ٣٠] إلى قوله: ﴿ وَمَن يَقْنَتْ
مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا تُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنٍ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمَاء (٢٠- يَا نِسَاءَ
النَّبِيَّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتَنَّ ﴾ [الأحزاب: ٣١ -٣٢].
فدلَّ على أنَّ من عظُمَتْ منزلَتُه عندَ اللَّه، فإن عملَه يضاعفُ له أجرُهُ.
وقد تأولَ بعضُ السلفِ من بني هاشمٍ دخولَ آلِ النبيِّ وَّ في هذا المعنى،
الدخول أزواجِهِ، فكذلك من حَسُن إسلامُهُ بتحقيقِ إيمانِهِ وعملِهِ الصالحِ، فإنه
يضاعفُ له أجرُ عملِهِ بحسبِ حسنِ إسلامِهِ، وتحقيقِ إِيمانِهِ وتقواه. والله
أعلمُ.
ويشهدُ لذلك: أنَّ اللَّهَ ضاعفَ لهذه الأمة، لكونها خيرَ أمة أخرجتْ
للناسِ أجرَها مرتينٍ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ
يُؤْتِكُمْ كِفَلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨].
وفي الحديثِ الصحيحِ: ((إنَّ أهلَ التوراة عمِلُوا إلى نصف النهارِ على قيراط
قيراط، وعملَ أهلُ الإنجيلِ إلى العصرِ على قيراط قيراط، وعمِلْتُم أنتم من العصرِ إلى
B
= ولفظ حديث أبي سعيد الخدري فِوثُّه: أنه سمع رسول اللّه وَلّ يقول: ((إذا أسلم العبد فحسن
إسلامه يكفر اللّه عنه كل سيئة كان زلفها، وكان بعد ذلك القصاص الحسنة بعشر أمثالها إلى
سبعمائة ضعف، والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز اللَّه عنها)). ولفظ حديث أبي هريرة نحوه.
(١) راجع: ((تفسير الطبري)) (٢٧٧/١٢ - ٢٧٩).

٤٧٦
سورة الأنعام
غروبِ الشمسِ على قيراطينٍ، فغضبت اليهودُ والنصارى، وقالوا: ما لنا أكثرُ عملاً
وأقلُّ أجرًا؟ فقال اللَّهُ: هل ظلمتُكُمْ من أجورِكُم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضْلِي
أوتيه من أشاءُ))(١) .
وأمَّا من أحسنَ عملَه وأتقنَهُ وعمِلَهُ على الحضورِ والمراقبةِ، فلا ريبَ أنه
يتضاعفُ بذلك أجرُهُ وثوابُهُ في هذا العملِ بخصوصِه على من عمِل ذلك
العملَ بعينِه على وجهِ السهوِ والغفلةِ .
ولهذا؛ رُوي في حديثِ عمَّارِ المرفوعِ: ((إنَّ الرجل ينصرفُ من صلاته، وما
٠٠
كُتُبَ له إلا نصفُها، إلا ثلُها، إلا ربعُها)(٢) حتى بلغَ العُشْرِ.
فليس ثوابُ من كتبَ له عشرُ عمله كثواب من كتب له نصفُه، ولا ثوابُ
من كُتَبَ له نصفُ عمِلِهِ كثوابٍ من كتبَ له عملُهُ كلُّه. واللهُ أعلمُ (٣) .
(١) أخرجه: البخاري (١٤٦/١) من حديث ابن عمر، وحديث أبي موسى الأشعري مِّه.
(٢) أخرجه: أبو داود (٧٩٦)، وأحمد (٣١٩/٤، ٣٢٠).
(٣) «فتح الباري)) (١٤٨/١ - ١٤٩).

سورةَ الأعْرَاف
و
قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي
٣١
وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴿
أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطََّاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمِ يَعْلَمُونَ﴾
أما قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] فإنها نزلت
بسببِ طوافِ المشركينَ بالبيتِ عُراةً، وقد صحَّ هذا عن ابنِ عباسٍ(١)، وأجمعَ
عليه المفسرونَ من السلفِ بعدَهُ.
وقد ذكرَ اللَّهُ هذه الآيةَ عقبَ ذكْرِهِ قصةَ آدَمَ عليه السلامُ، وما جرى له
ولزوجِهِ مع الشيطانِ حتى أخْرجَهُما من الجنةِ، ونزع عنهما لباسَهما حتى
بدَتْ عوارتُهما، فقال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ
الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا
جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧].
ثم قالَ: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا
يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨].
والمرادُ بالفاحشةِ هنا: نزعُ ثيابِهِم عند الطوافِ بالبيتٍ، وطوافُهم عراةً كما
(١) أخرجه: مسلم (٢٤٣/٨ - ٢٤٤).

٤٧٨
سورة الأعراف
كان عادةَ أهلِ الجاهليةِ .
ثم قالَ بعدَ ذلكَ: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ [الأعراف: ٣١].
والمرادُ بذلكَ: أن يسترُوا عوراتِهِم عندَ المساجدِ، فدخلَ في ذلك الطوافُ
والصلاةُ والاعتكافُ وغيرُ ذلك.
وقال طائفةٌ من العلماء: إنَّ الآيةَ تدلُّ على أخذِ الزينةِ عندَ المساجدِ،
وذلك قدرٌ زائدٌ على سترِ العورةِ، وإنْ كان سترُ العورةِ داخلاً فيه وهو سببُ
نزولِ الآياتِ، فإنَّ كشْفَ العورةِ فاحشةٌ من الفواحشِ، وسترَها من الزينةِ،
ولكنه يشملُ مع ذلكَ لْسَ ما يُتَجَمَّل به ويُتْزيَّن به عند مناجاةِ اللَّهِ وذكرِهِ
ودعائهِ والطوافِ ببيته، ولهذا قال تعالى عقِبَ ذلك: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي
أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطََّاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ
الْقِيَامَة﴾ [الأعراف: ٣٢].
وروى موسى بنُ عُقْبةَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عنِ النبيِّ وَلَّهِ، قالَ:
((إذا صلى أحدُكُمْ فَلْيَلْبَسْ ثوبَيّه، فإنَّ اللَّهَ أحقُّ من تُزُيِّنَ له)).
خرَّجه الطبرانيُّ وغيرُه(١).
وقد روى جماعةٌ هذا الحديثَ عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ وَّ أو عن عمرَ
بالشكِّ في ذلك.
خرَّجه البزَّارُ وغيرُه(٢).
وخرَّجه أبو داودَ(٣). كذلك بالشكِّ، ولم يذكر فيه: ((فإنَّ اللَّهَ أحقُّ من
(١) أخرجه: الطبراني في ((الأوسط)) (٩٣٦٨)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢٣٥/٢ - ٢٣٦).
(٢) أخرجه: البزار (٥٩٠ - كشف الأستار)، والبيهقي (٢٣٦/٢).
(٣) (٦٣٥).

٤٧٩
سورة الأعراف
و وہ
تُزُيِّنَ له)).
وروي ذِكْرُ التزين من قولِ ابنِ عمرَ، فروي عن أيوبَ، عن نافعٍ، قال:
رآني ابنُ عمِرَ أُصلي في ثوبٍ واحدٍ، قال: ألم أكْسُكَ ثوبين؟ قلتُ: نعم،
قال: فلو أرسلتُك في حاجة كنتَ تذهب هكذا؟ قلتُ: لا، قال: فاللَّهُ أحقُّ
أن تَزَيَّن له.
أخرجه الحاكمُ وغيرُهُ(١).
والمحفوظُ في هذا الحديثِ: روايةُ من رواه بالشكِّ في رفْعِهِ - قاله
الدار قطنيّ .
وممن أمر بالصلاة في ثوبينٍ: عمرُ، وابنُ مسعودٍ، وقال ابنُ مسعود: إذْ
وسَّعَ اللَّه فهو أزكى.
واستدلَّ من قالَ: إنَّ المأمورَ به من الزينةِ أكثرُ من ستْرِ العورةِ التي يجبُ
سترُها عن الأبصارِ، بأنَّ النبيَّ وَّهِ نهى أنْ يصلِّي الرجلُ في ثوبٍ واحدٍ ليس
على عاتقِهِ منه شيءٍ، وبأنَّ من صلَّى عاريًا خاليًا لا تصحُّ صلاتُهُ، وبأنَّ المرأة
الحرَّة لا تصحُّ صلاتُها بدونِ خمارٍ، مع أنه يُباح لها وضعُ خمارِها عند
محارمها، فدلَّ على أنَّ الواجبَ في الصلاةِ أمرٌ زائدٌ على سترِ العورةِ التي
يجبُ سترُها عن النظرِ (٢).
(١) أخرجه: الحاكم (٢٥٣/١)، وعبد الرزاق (١٣٩٠)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار))
(٣٧٧/١).
(٢) ((فتح الباري)) (١٢٧/٢ - ١٢٩).

٤٨٠
سورة الأعراف
واعلم، أنَّ الصلاةَ في الثوبِ الحسنِ غير مكروه، إلا أن يُخْشى منه
الالتهاءُ عن الصلاةِ أو حدوثُ الكِبْرِ، وقد كان لتميم الداريِّ حُلَّةٌ اشتراها
بألف درهم، يقومُ بها الليلَ، وقد كان النبيُّ نَّ أحيانًا يلبس حُللاً من حُللِ
اليمنٍ، وبُرُودًا حسنةً، ولم ينقلْ عنه أنه كانَ يتجنّب الصلاةَ فيها، وإنما ترك
هذه الخميصةَ لما وقع له من تلك النظرةِ إلى عَلَمِها، وقد قالَ اللُّهُ عزَّ وجلَّ:
خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، وسبق قول ابنِ عمرَ: اللَّهُ أحقٌّ
أن يُنْزَيَّن له. وخرَّج أبو داودَ في ((مراسيلِهِ)(١) من حديثِ عبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ
اللَّه بن عتبةَ، قال: كانَ رسولُ اللّهِ وَله إذا قامَ إلى الصلاة - مما تعجبه:
و و
الثيابُ النقيةُ والريحُ الطيبةُ.
ولم يزلْ علماءُ السلفِ يلبسونَ الثيابَ الحسنةَ، ولا يعدونَ ذلك كِبْرًا.
وقد صحَّ عن النبيِّ بَّهِ أنه سُئلَ عن الرجلِ يحبُّ أن يكونَ ثوبُه حسنًا
ونعلُهُ حسنًا؟ فقال: ((ليس ذلك من الكبرِ، إنَّ اللَّهَ جميلٌ يحب الجمالَ)(٢) .
وقال جريرُ بنُ حازمٍ: رأيتُ على الحسنِ طَيْلَسَانًا كُرْدِيًّا حسنًا، وخَمِيصَةً
أصبهانيّة جيدة، ذاتَ أعلامِ خُضر وحُمرٍ، أزرَّتها من إبْرِيسَمُ، وكان يرتدي
ببردٍ له يمان أسودٍ مُصَلَّب، وبرد عدني وقباء من برد حَبِرَة، وعمامة سوداء.
وقال حرب: سألت إسحاقَ عن الصلاةِ في المنديلِ، وأريتُهُ منديلاً له
أعلام خُضْر وخُطُوط؟ فقال: جَائِزٌ (٣).
(١) ((المراسيل)) (٢٩).
(٢) أخرجه: مسلم (٦٥/١) بنحوه من حديث عبد الله بن مسعود ضِ يه.
(٣) ((فتح الباري)) (٢٠٥/٢ - ٢٠٦).