النص المفهرس
صفحات 381-400
سُورَةُ الْمَائِدَة قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ والْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ إن البرَّ يطلقُ باعتبار معنيينِ: أحدُهُما: باعتبارِ معاملةِ الخلقِ بالإحسانِ إليهِم، وربَّما خصَّ بالإحسان إلى الوالدينِ، فيقالُ: برُّ الوالدينِ، ويطلقُ كثيرًا على الإحسانِ إلى الخلقِ عمومًا، وقد صنفَ ابنُ المباركِ كتابًا سماه: ((كتاب البرِّ والصلةِ)، وكذلكَ في ((صحيحِ البخاريِ)، و((جامع الترمذيِ): ((كتاب البرِّ والصِّلة))، ويتضمن هذا الكتابُ الإحسانَ إلى الخلقِ عمومًا، ويقدَّم فيه برُّ الوالدينِ على غيرِهِمَا. وفي حديثِ بهزِ بنِ حكيمٍ، عن أبيه، عن جدِّهِ، أنه قالَ: يا رسولَ الله مَنْ أبرُّ؟ قالَ: (أُمُّك))، قال: ثم من؟ قال: ((ثمَّ أباك))، قال: ثم مَنْ؟ قالَ: ((ثم الأقربُ فالأقربُ))(١) . ومن هذا المعنى: قولُ النبيِّ وَّرَ: ((الحجُّ المبرور ليسَ له جزاء إلا الجنَّة))(٢)، وفي ((المسندِ)) أنه وُّ سُثُلَ عن برِّ الحجِّ، فقالَ: ((إطعامُ الطَّعام، وإنشاءُ السَّلام))، وفي رواية أخرى: ((وطيبُ الكلامِ)). (١) أخرجه: أحمد (٣/٥ - ٥)، وأبو داود (٥١٣٩)، والترمذي (١٨٩٧). (٢) أخرجه: البخاري (٢/٣)، ومسلم (١٠٧/٤) من حديث أبي هريرة فى الله. ٣٨٢ سورة المائدة وكان ابنُ عمرَ رضيَ اللَّه عنهما يقولُ: البرُّ شيءٌ هِيِّنٌ: وجهٌ طليقٌ وكلامٌ ليِّنٌ. وإذا قرنَ البرُّ بالتَّقوى، كما في قولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، فقدْ يكونُ المرادُ بالبرِّ: معاملةَ الخلقِ بالإحسانِ، وبالتَّقْوى: معاملةَ الحقِّ بفعلٍ طاعتِهِ، واجتنابِ محرَّمَاتِه، وقد يكونُ أُريدَ بالبرِّ: فعلٌ الواجباتِ، وبالتقوى: اجتنابُ المحرَّماتِ، وقولُهُ: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ والْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] قد يُرادُ بالإثمِ: المعاصِي، وبالعدوان: ظلمُ الخلقِ، وقد يُرادُ بالإثم: ما هو مَحرَّمٌ في نفسِهِ كالزِّنِى، والسَّرقةِ، وشربِ الخمرِ، وبالعُدوان: تجاوزُ ما أذنَ فيه إلى ما نُهِيَ عنهُ ممّا جنسُهُ مأذونٌ فيه، كقتلٍ مَنْ أُبيح قتلُهُ لقِصاصٍ، ومن لا يُباحُ، وأخذُ زيادةٍ على الواجبِ من الناسِ في الزكاةِ ونحوِها، ومجاوزةِ الجلدِ الذي أمرَ به في الحدودِ ونحو ذلك. والمعنى الثاني من معنى البرِّ: أن يُرادَ به فعلُ جميعِ الطاعاتِ الظاهرةِ والباطنةِ، كقولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِينَ وَأَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقد رُويَ أنَّ النبيَّ نَّهِ سئلَ عن الإيمانِ، فتلا هذه الآيةَ(١). فالبرُّ بهذا المعنى يدخلُ فيه جميعُ الطاعاتِ الباطنةِ كالإيمان بالله وملائكته ٠٠ (١) رواه ابن أبي حاتم - كما في ((التفسير)) لابن كثير (٢٩٦/١) -، وأعله ابن كثير بالانقطاع. ٣٨٣ سورة المائدة وكتبِهِ ورسلِهِ، والطاعاتِ الظاهرةِ كإنفاقِ الأموالِ فيما يحبُّه اللَّهُ، وإقام الصلاة، وإيتاءِ الزكاةِ، والوفاء بالعهدِ، والصَّبر على الأقدارِ، كالمرضِ والفقرِ، وعلى الطَّاعاتِ، كالصَّرِ عند لقاءِ العدوّ(١). قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا} في ((الصحيحين))(٢) عن عمرَ بنِ الخطابِ ◌ِثُه، أنَّ رجلاً من اليهود قال له: يا أميرَ المؤمنينَ، آيةٌ في كتابِكُمْ لو علينا مَعْشَرَ اليهودِ نزلتْ، لاتَّخذنا ذلك اليومَ عيدًا. فقالَ: أيُّ آيَةِ؟ قالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. فقال عمرُ: إِنِّي لأَعلمُ اليومَ الذي نزلَتْ فيه، والمكانَ الذي نزلتْ فيه، نزَلَتْ ورسولُ اللَّهِ وَّهِ قائمٌ بعَرَفَةَ يوم جُمعَةٍ . وخرَّج الترمذيُ(٣) عن ابنِ عباسٍ نحوَهَ، وقالَ فيهِ: نزلت في يومِ عيدِ من يومٍ جمعةٍ ويومٍ عرفةَ. العيدُ هو موسمُ الفرحِ والسرورِ، وأفراحُ المؤمنينَ وسرورُهم في الدنيا إنما هوَ بمولاهُم، إذا فازُوا بإكمالِ طاعتِهِ، وحازوا ثوابَ أعمالِهِم بوثوقِهِم بوعدِهِ لهم عليها بفضلِهِ ومغفرتِهِ، كما قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ (١) ((جامع العلوم والحكم)) (٨٤/٢ - ٨٦). (٢) أخرجه: البخاري (١٨/١)، (٢٢٤/٥)، (٦٣/٦)، (١١٢/٩)، ومسلم (٢٣٨/٨ - ٢٣٩). (٣) ((الجامع)) (٣٠٤٦). ٣٨٤ سورة المائدة فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾(١) [ يونس: ٥٨ ]. وقد يجتمعُ في يومٍ واحدٍ عيدانٍ، كما إذا اجتمعَ يومُ الجمعةِ مع يومٍ عرفةَ أو يومِ النَّحْر، فيزدادُ ذلك اليومُ حُرْمةً وفضلاً، لاجتماعِ عيدينِ فيه. وقد كانَ ذلك؛ اجتمعَ للنبِيِّنَّ فِي حجتِهِ يومَ عرفةَ، فكانَ يومَ جمعةٍ، وفيه نزلت هذه الآيَةُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وإكمالُ الدِّينِ في ذلك اليومِ حصلَ من وجوهِ: منها: أنَّ المسلمينَ لم يكونُوا حجُوا حجَّة الإسلامِ بعدِ فرضِ الحجِّ قبل ذلكَ، ولا أحدٌ منهم، هذا قولُ أكثرِ العلماءِ أو كثيرٌ منهم، فكمُل بذلك دينُهم لاستكمالهِمٍ عملَ أركانِ الإسلامِ كلِّها . ومنها: أنَّ اللَّهَ تعالى أعادَ الحجَّ على قواعدِ إبراهيمَ عليه السلامُ، ونفَى الشرك وأهله، فلم يختلطْ بالمسلمينَ في ذلكَ الموقفِ منهم أحدٌ. قال الشعبيُّ: نزلت هذه الآيةُ على النبيِّنَّهِ وهو واقفٌ بعرفةَ حين وقفَ موقِفَ إبراهيمَ، واضمحلَّ الشِّرْكُ، وهُدِّمتْ منارُ الجاهليةِ، ولم يَطُفْ بالبيتِ عُریانِ . وكذا قالَ قتادةُ وغيرُهُ. وقد قيل: إنه لم ينزلْ بعدَها تحليلٌ ولا تحريمٌ، قاله أبو بكر بن عياشٍ . وأمَّا إتمامُ النِّعمةِ فإنَّما حصلَ بالمغفرةِ، فلا تتم النِّعْمةُ بدونها، كما قالَ لنبيه وَه: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ (١) ((لطائف المعارف)) (٤٧٨ - ٤٧٩). ٣٨٥ سورة المائدة صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢]، وقال تعالى في آيةِ الوضوءِ: ﴿وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، ومن هنا استنبط محمدُ بنُ كعب القرظيُّ بأنَّ الوضوءَ يكفِّرِ الذنوبَ، كما وردتْ السُّنَّةُ بذلك صريحًا، ويشهَدُ له أيضًا أنَّ النبيَّ ◌ََّ سمِعَ رجلاً يدعُو ويقولُ: اللَّهُمَّ إني أسألُك تمامَ النِّعْمةِ. فقال له: ((تمامُ النِّعْمة: النَّجاةُ من النَّار، ودخولُ الجنَّة))(١) ، فهذه الآيةُ تشهدُ لما رُوِي في يومٍ عرفةَ أنه يومُ المغفرةِ والعتقِ من النارِ (٢). [قال البخاريُّ] (٣): («بابُ: زيادة الإيمان ونُقْصَانِهِ»: ٠٠ وقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدَى﴾ [الكهف: ١٣]، ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [ المدثر: ٣١]. [المائدة: ٣]، فإذا تركَ شيئًا من الكمال فهوَ وقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ناقص . استدلَّ البخاريُّ على زيادةِ الإيمانِ ونقصانِهِ بقولِ اللَّه عزَّ وجلَّ: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدَى﴾ [الكهف: ١٣]، وفي زيادة الهدَى إيمانٌ آخرُ، كقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدَى﴾ [مريم: ٧٦]. ويُفسَّرِ هذا الهدَى بما في القلوبِ منَ الإيمانِ باللَّهِ وملائكته وكتبه ورسله ٠٠ واليومِ الآخرِ، وتفاصيلٍ ذلك. ويفسَّر بزيادة ما يترتبُ على ذلكَ منَ الأعمال الصالحة: إمَّا القائمةُ (١) أخرجه: أحمد (٢٣١/٥ -٢٣٥)، والترمذي (٣٥٢٧) من حديث معاذ بن جبل فِنَّه. (٢) ((لطائف المعارف)) (٤٨٦ - ٤٨٧). (٣) ((صحيح البخاري)) (١/ ١٧). ٣٨٦ سورة المائدة بالقلوبِ، كالخشيةِ للهِ ومحبته ورجائه والرضا بقضائهِ والتوكلِ عليه، ونحوِ ذلك. أو المفعولةِ بالجوارحِ كالصلاة والصيامِ والصدقةِ والحجِّ والجهادِ والذكرِ والأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكرِ ونحو ذلك. وكلُّ ذلك داخلٌ في مسمَّى الإيمانِ عندَ السلفِ وأهلِ الحديثِ ومَنْ وافقهم، کما سبقَ ذکرُهُ. واستدلَّ - أيضًا - بقوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١]. وفي معنى هذه الآية: قولُهُ تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانَا﴾ [الأنفال: ٢]، وقولُهُ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤]. ويفسَّرِ الإيمانُ في هذهِ الآياتِ بمثلِ ما فُسِِّّ به الهدَى في الآياتِ المتقدمةِ . واستدلَّ - أيضًا - بقولِ اللَّهِ عزَّ وجلّ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة: ٣]، فدلَّ على أنَّ الدِّينَ ذو أجزاءٍ، يكملُ بكمالِها، وينقصُ بفواتٍ بعضها . وهذه الآيةُ نزلتْ في آخرِ حياةِ النبيِّ ◌َّ في حجة الوداعِ، وقد قيلَ: إنه لم ينزلْ بعدَها حلالٌ ولا حرامٌ، كما قالَهُ السديُّ وغيرُهُ. وكذا قالَ عليُّ بنُ أبي طلحةَ عنِ ابنِ عباسٍ: قال: بعثَ اللَّهُ نبيّه بشهادة أن لا إله إلا اللَّهُ، فلما صدَّق بها المؤمنون زادَهم الصلاةَ، فلما صدَّقُوا بها زادَهُم الصيامَ، فلما صدَّقوا به زادهم الزكاةَ، فلما صدَّقَوا بها زادَهم الحجّ، فلمَّا صدَّقَوا به زادَهم الجهادَ، ثم أكملَ اللَّهُ لهم دينَهم، فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]. ومعلومٌ أنَّ النبيَّ نَّهِ وأصحابَهُ لم يحجُّوا حجةَ الفرضِ إلا ذلك العامَ، ٣٨٧ سورة المائدة فلما حجُّوا حجةَ الإسلامِ كملَ لهمُ الدينُ بتكميلِهِم أركانَ الإسلامِ حينئذٍ، ولم يكنِ الدّينُ قبلَ ذلكَ ناقصًا، كنقصٍ مَنْ تركَ شيئًا من واجباتِ دِينه، بل كانَ الدِّينُ في كلِّ زمانٍ كاملاً بالنسبةِ إلى ذلكَ الزمانِ بما فيه من الشرائعِ والأحكام، وإنما هو ناقصٌ بالنسبة إلى زمانِ الذي بعدَه الذي تجدَّد فيه من الشرائعِ والأحكامِ ما لم يكنْ قبلَ ذلك. كما يقالُ: إنَّ شريعةَ الإسلامِ أكملُ من شريعة موسى وعيسَى، وإنَّ القرآنَ أكملُ من التوراةِ والإنجيلِ . وهذا كما سمَّى النبيَّ بِّهِ النساءَ ناقصاتِ دينٍ، وفَسَّر نقصانَ دينهنَّ بترك الصلاةِ والصيامِ في زمنِ حيضِهِنَّ، مع أنها قائمةٌ في تلكِ الحالِ بما وجبَ عليها من غيرِ الصلاةِ، ولكنَّ نقصانَ دِينِها بالنسبةِ إلى مَن هي طاهرةٌ تصلِّي و وتصوم . وهذا مبنيٌّ على أنَّ الدِّين هو الإسلامُ بكماله، كما تقدَّمَ ذكرُهُ، والبخاري 93 ٠٠ عنده أنَّ الإسلامَ والإيمانَ واحدٌ، كما تقدَّم ذكرُهُ. وقد احتجَّ سفيانُ بنُ عيينةَ وأبو عبيدٍ وغيرُهم بهذه الآيةِ على تفاضلٍ الإيمان . قال أبو عبيد: قد أخبرَ اللَّهُ أَنَّه أكملَ الدِّينَ في حجة الوداعِ في آخرِ الإسلامِ، وزعم هؤلاءِ أنَّه كان كاملاً قبل ذلك بعشرينَ سنةً في أولِ ما نزلَ الوحيُّ. قال: وقد اضطَّر بعضُهم حين أدخلتُ عليه هذه الحجةَ إلى أن قالَ: الإيمانُ ليسَ هو مجموعَ الدِّين، ولكنَّ الدِّين ثلاثةُ أجزاءٍ، فالإيمانُ جزءٌ، والفرائضُ ٣٨٨ سورة المائدة جزءٌ، والنوافلُ جزءٌ. قال أبو عبيد: وهذا غيرُ ما نطقَ به الكتابُ، فإنَّ اللَّهَ أخبرَ أن الإسلامَ هو الدِّينُ برمَّته، وزعمَ هؤلاءِ أَنَّه ثلثُ الدِّينِ. انتهى. فالمرجئةُ، عندهم: الإيمانُ التصديقُ، ولا يدخلُ فيه الأعمالُ، وأمَّا الدِّينُ فأكثرُهم أدخلَ الأعمالَ في مسمَّاه، وبعضُهم خالفَ في ذلك - أيضًا، والآيةُ نصٌّ في ردِّ ذلكَ. واللهُ أعلمُ. ثُمَّ خرَّج البخاريُّ(١) في هذا البابِ حديثينِ: أحدُهما: حديثُ: هشامِ الدسْتوائيِّ: ثنا قتادةُ عنْ أنسِ عنِ النبيِّ وَجَلِّ قال: ((يخرُجُ منَ النارِ من قالَ: لا إله إلا اللَّهُ وفي قلبه وزنُ شعيرةٍ من خيرِ، ويخرُجُ من النارِ منْ قال: لا إله إلا اللَّهُ وفي قلبه وزنُ بُرَّةٍ منْ خيرٍ، ويخرُجُ من النارِ من قال: لا إله إلا اللَّهُ وفي قلبه وزنُ ذَرَّةً من خيْرِ)). خرَّجه عن مسلمٍ بنِ إبراهيمَ، عن هشامٍ، به . ثمَّ قال: وقال أبانُ: ثنا قتادةُ ثنا أنس، عن النبيِّ وَّةِ: ((من إيمان))، مكانَ: ء ((منْ خَيْرِ)). ففي هذه الروايةِ التي ذكرها تعليقًا: التصريحُ بتفاوتِ الإيمانِ الذي في القلوبِ. وأيضًا؛ فيها: التصريحَ بسماعٍ قتادة له من أنسٍ، فزالَ ما كان يتوهّم من تدليسِ قتادةَ. (١) ((صحيح البخاري)) (١٧/١ - ١٨). ٣٨٩ سورة المائدة وقد خرَّج البخاريَّ هذه اللفظةَ في حديث أنسٍ في أواخرِ كتابِهِ مسندةً، من روايةِ معبدِ بنِ هلالِ العنزيِّ، عن أنسٍ . وخرَّج(١) حديثَ أبي سعيد الخدريِّ، عن النبيِّ نَظَلّ في هذا المعنى فيما تقدَّم من ((كتابِهِ)) باختلافِ لفظِ الخيرِ والإيمانِ، كاختلافِ حديث أنسٍ . والحديثُ نصٌّ في تفاوتِ الإيمانِ الذي في القلوبِ، وقد سبقَ القولُ في تفاوتِ المعرفةِ وتفاضلِها فيما تقدّم. الحديثُ الثاني الذي خرَّجه(٢) في هذا البابِ: حديثُ: طارقٍ بنِ شهابٍ، عنْ عمرَ بنِ الخطابِ، أنَّ رجلاً منَ اليهود، قالَ لهُ: يا أميرَ المؤمنينَ، آيةٌ في كتابِكُمْ تقرءونها لو علينا معْشرَ اليهودِ نزلتْ لاتَّخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال: أيُّ آيَةٍ؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فقال عمرُ: قدْ عرفْنا ذلك اليومَ، والمكانَ الذي نزلَتْ فيه على النبيِّ وَِّ، نزَلَتْ على النبيِّ ◌َِّل وهوَ واقفٌ بعرفَةَ يومَ الجُمُعةِ. وقد خرَّجه ابنُ جرير الطبريُّ في ((تفسيرِه))(٣) من وجه آخرَ عن عمرَ، وزاد فيه: أنَّه قال: وكلاهما بحمد الله لنا عيدٌ. وخرَّج الترمذيُ (٤) ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّه قرأ هذه الآيةَ، وعندَه يهوديٌّ، فقال: لو أُنزلتْ هذه الآيةُ علينَا لاتخذنا يومَها عيدًا، فقال ابنُ عباسٍ: فإنَّها (١) ((صحيح البخاري)) (٥٦/٦ - ١٩٨)، (١٥٨/٩). (٢) ((صحيح البخاري)) (١٨/١)، (٢٢٤/٥)، (٦٣/٦)، (١١٢/٩). (٣) (٦/ ٨٢). (٤) ((الجامع)) (٣٠٤٤). ٣٩٠ سورة المائدة نزلتْ في يوم عيدينٍ: في يومٍ جُمعةٍ، ويومٍ عرفةَ. فهذا قد يُؤخذُ منه أنَّ الأعيادَ لا تكونُ بالرأي والاختراعِ كما يفعلُهُ أهلُ الكتابيْنِ من قبلنا، وإنَّما تكونُ بالشرعِ والاتباعِ . فهذه الآيةُ لما تضمنتْ إكمالَ الدِّين وإتمامَ النِّعمة، أنزلَها اللَّهُ في يومٍ شرعَه عيدًا لهذه الأمة من وجهين : أحدهما: أنه يوم عيدِ الأسبوعِ، وهو يومُ الجمعة. والثاني: أنَّه يومُ عيدِ أهلِ الموسمِ، وهوَ يومُ مجمَعِهم الأكبرِ وموقفهم الأعظم. وقد قيل: إنَّه يومُ الحجِّ الأكبرِ. وقد جاء تسميتُهُ عيدًا في حديثٍ مرفوعٍ خرَّجْه أهلُ (السننِ))(١) من حديثٍ عقبة بن عامرٍ، عن النبيِّ نَّ قال: ((يومُ عُرفةَ، ويومُ النَّحْرِ، وأيامُ التشريقِ، عيدنا أهلَ الإسلامِ، وهي أيام أكل وشرب)). وقد أُشكلَ وجهُهُ على كثيرٍ من العلماء، لأنَّه يدلُّ على أنَّ يومَ عرفةَ يومُ عيدٍ لا يصامُ، كما رُوي ذلك عن بعضِ المتقدِّمينَ. وحملَهُ بعضُهم على أهلِ الموقفِ . وهو الأصحُّ، لأنَّه اليومُ الذي فيه أعظمُ مجامِعِهم، ومواقفهم، بخلافٍ أهلِ الأمصارِ فإنَّ يومَ اجتماعهم يوم النحرِ، وأمَّا أيام التشريقِ فِيشاركُ أهلُ الأمصارِ أهلَ الموسمِ فيها؛ لأنها أيامُ ضحاياهم وأكلهم من نسكِهِم، هذا قولُ جمهورِ العلماءِ . (١) أخرجه: أحمد (١٥٢/٤)، وأبو داود (٢٤١٩)، والترمذي (٧٧٣)، والنسائي (٢٥٢/٥). ٣٩١ سورة المائدة وقال عطاءٌ: إنَّما هي أعيادٌ لأهلِ الموسمِ، فلا يُنهى أهل الأمصارِ عن صيامها . وقولُ الجمهورِ أصحُّ. ولكنَّ الأيامَ التي تحدثُ فيها حوادثُ من نعم الله على عباده، لوْ صامَها بعضُ الناسِ شكرًا، من غيرِ اتخاذها عيدًا، كان حسنًا، استدلالاً بصيامِ النبيِّ وَّ عاشوراءَ، لما أخبرَه اليهودُ بصيامٍ موسى له شكراً، وبقولِ النبيِّ وَلِ لَّا سُئِلَ عن صيامٍ يومِ الاثنين، قال: ((ذلك يومٌ وُلُدتُ فيه، وأُنزِلَ عليَّ فِيه)(١) فأمَّا الأعيادُ التي يجتمعُ عليها الناسُ، فلا يُتُجاوزُ بها ما شرعَهَ اللَّهُ الرسولِهِ، وشرعَه الرسولُ لأُمَّتَهِ . والأعيادُ هي مواسمُ الفرحِ والسرورِ، وإنَّما شرعَ اللَّهُ لهذه الأمَّة الفرحَ والسرورَ بتمامِ نعمته وكمالِ رحمتِهِ، كما قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَ حْمَتِهِ فَبَذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [ يونس: ٥٨]، فشرعَ لهم عيدينٍ في سنةٍ، وعيدًا في كلِّ أسبوعٍ. فأمَّا عيدا السنة: فأحدُهُما: تمامُ صيامهم الذي افترضه عليهم كلّ عامٍ، فإذا أتمّوا صيامَهم أعتقهم من النارِ، فشرعَ لهم عيدًا بعدَ إكمالِ صيامِهم، وجعله يوم الجوائزِ، يرجعونَ فيه من خروجِهِم إلى صلاتِهِم وصدقتِهم بالمغفرةِ، وتكونُ صدقةٌ الفطرِ وصلاةُ العيد شكرًا لذلكَ. (١) أخرجه: مسلم (١٦٧/٣ - ١٦٨) من حديث عبد اللَّه بن معبد الزُّمَّاني، عن أبي قتادة الأنصاريِّ مرفوعًا به . وعبد الله بن معبد لم يسمع من أبي قتادة. قاله البخاريُّ في ((التاريخ الكبير)) (١٩٨/١/٣). ٣٩٢ سورة المائدة والعيدُ الثاني: أكبرُ العيدينِ، عندَ تمامٍ حجُّهم، بإدراكِ حجُّهم بالوقوفِ بعرفةَ، وهو يومُ العتقِ منَ النارِ، ولا يحصل العتقُ من النارِ والمغفرةُ للذنوبِ والأوزارِ في يومٍ من أيامِ السنةِ أكثرَ منه، فجعلَ اللَّهُ عقبَ ذلك عيدًا . بل هو العيدُ الأكبرُ، فيكملُ أهلُ الموسمِ فيه مناسكَهم، ويقضُون فيه تفثَهم، ويوفونَ نذورَهم، ويطوفونَ بالبيتِ العتيقِ . ويشاركُهُم أهلُ الأمصارِ في هذا العيدِ؛ فإنَّه يشاركونَهم في يومٍ عرفةَ في العتقِ والمغفرةِ، وإنْ لم يشاركوهم في الوقوف بعرفةَ، لأنَّ الحجَّ فريضةُ العمرِ لا فريضةَ كلِّ عامٍ، بخلافِ الصيامِ . ويكون شكرُ عيدِ أهلِ الأمصارِ: الصلاةُ والنحرُ، والنحرُ أفضلُ من الصدقةِ التي في يومِ الفطرِ، ولهذا أمرَ اللَّهُ نبيَّه وَيِّ أن يشكر نعمته عليه بإعطائه الكوثَرَ بالصلاةِ له والنَّحْرِ، كما شرع ذلك لإبراهيمَ خليلِهِ - عليه ٠ السلامُ - عند أمرِهِ بذبحِ ولدِهِ وافتدائِهِ بذبْحٍ عظيمٍ. وأمَّا عيدُ الأسبوعِ، فهو يومُ الجمعةِ، وهو متعلقُ بإكمالٍ فريضة الصلاة، فإنَّ اللَّهَ فرضَ على عبادِهِ المسلمينَ الصلاةَ كلَّ يومٍ وليلةٍ خمسَ مرَّاتٍ، فإذا كمُلَتْ أيام الأسبوعِ التي تدورُ الدنيا عليها، وأكملُوا صلاتَهم فيها، شرعَ لهم يومَ إكمالِهَا - وهوَ اليومُ الذي انتهى فيه الخلقُ، وفيه خُلِقَ آدمُ، وأُدخلَ الجنَّةَ (١) - عيدًا، يجتمعونَ فيه على صلاةِ الجمعةِ . وشرع لهم الخطبة تذكيرًا بنعمِ اللَّهِ عليهم، وحثًا لهم على شكرها، وجعلَ (١) أخرجه: مسلم (٦/٣) من حديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: ((خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها)). ٣٩٣ سورة المائدة شهودَ الجمعةِ بأدائها كفارةً لذنوب الجمعة كلِّها وزيادة ثلاثةِ أيامٍ(١) وقد رُوي أن يومَ الجمعةِ أفضلُ من يومِ الفطرِ ويومِ النحر. خرَّجْه الإمامُ أحمدُ في ((مسنده)(٢). وقاله مجاهدٌ وغیرُه. ورُوي أنه حجُّ المساكين(٣). ورُوي عن عليٍّ، أَنَّه يومُ نسكِ المسلمينَ. وقال ابن المسيبِ: الجمعةُ أحبُّ إليَّ من حجِّ التطوعِ. وجعلَ اللَّهُ التبكيرَ إلى الجمعةِ كالهدي، فالمبكِّرُ في أول ساعة كالمهدي بدنة، ثم كالمهدي بقرةً، ثم كالمهدي كبشًا، ثم كالمهدي دجاجةً، ثم كالمهدي بيضة(٤) . ويوم الجمعةِ يومُ المزيدِ في الجنة، الذي يزورُ أهلُ الجنة فيه ربَّهم، يتجلَّى لهم في قدرِ صلاة الجمعة. وكذلك رُوي في يومِ العيدينِ أنَّ أهلَ الجنةِ يزورونَ ربَّهم فيها، وأنَّه يتجلَّى بها لأهلِ الجنَّةِ عمومًا، يشاركُ الرجالَ فيها النساءُ. فهذه الأيامُ أعياد للمؤمنينَ في الدنيا، وفي الآخرةِ عمومًا. وأمَّا خواصُّ المؤمنينَ، فكلُّ يومٍ لهم عيدٌ، كما قالَ بعضُ العارفينَ. (١) أخرجه: مسلم (٨/٣) من حديث أبي هريرة صلى اللّه. (٢) ((المسند)) (٤٣٠/٣) من حديث أبي لبابة بن المنذر مرفوعًا بلفظ: ((إن يوم الجمعة سيد الأيام .. وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى، ويوم الفطر)). (٣) راجع: ((السلسلة الضعيفة)) للألباني (ح ١٩١). (٤) رُوي هذا المعنى في حديث أبي هريرة فِثُّه، أخرجه: البخاري (٣/٢)، ومسلم (٤/٣ -٨). ٣٩٤ سورة المائدة ورُوي عن الحرمِ(١): كلُّ يومٍ لا يُعصَى اللَّهُ فيه فهو عيدٌ. ولهذا رُوي أنَّ خواصَّ أهلِ الجنة يزورون ربَّهم، وينظرونَ إليه كلَّ يومٍ مرتينِ بُكرةً وعشيًا. وقد خرَّجه الترمذيُّ(٢) من حديث ابنِ عمرَ - مرفوعًا، وموقوفًا. ولهذا المعنى - واللَّهُ أعلمُ - لما ذكر النبيُّ ◌َّ الرؤيةَ في حديثِ جريرِ بنِ عبدِ اللَّهِ البجليّ(٣)، أمرَ عقبَ ذلك بالمحافظة على الصلاةِ قبل طلوعِ الشمسِ وقبلَ غروبِها، فإنَّ هذينِ الوقتينِ وقتٌ لرؤيةِ خواصَّ أهلِ الجنةِ ربَّهم، فمن حافظَ على هاتينِ الصلاتينِ على مواقيتهما، وأدائهما، وخشوعهما، وحضورِ القلبِ فيهما، رُجي له أن يكون ممن ينظرُ إلى اللَّه في الجنةِ في وقتهما. فتبين بهذا: أن الأعيادَ تتعلقُ بإكمالِ أركانِ الإسلامِ، فالأعيادُ الثلاثةُ المجتمَعُ عليها تتعلقُ بإكمالِ الصلاةِ والصيامِ والحجِ. فأمَّا الزكاة، فليس لها زمانٌ معينٌ تكملُ فيه. وأما الشهادتان، فإكمالُهما هو الاجتهادُ في الصدق فيهما، وتحقيقهما والقيامِ بحقوقهما. وخواصُّ المؤمنينَ يجتهدون على ذلكَ كلَّ يومٍ ووقتٍ، فلهذَا كانتْ أيامُهُم كلُّها أعيادًا، ولذلكَ كانتْ أعيادُهم في الجنةِ مستمرةً. واللهُ أعلمُ (٤). (١) كذا بالأصل. (٢) ((الجامع)) (٣٣٣٠). (٣) أخرجه: البخاري (١٤٥/١ - ١٥٠)، (١٧٣/٦)، (١٥٦/٩)، ومسلم (١١٤/١٣/٢). (٤) ((فتح الباري)) (١٥٤/١ - ١٦٣). ٣٩٥ سورة المائدة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاة فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِ وَأَمْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنْبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنْكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لا مَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ حَرَجِ وَلَكِنِ يُرِيدُ لِيُطَهِرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [قال البخاريُ](١): ثنا عبدُ اللَّه بنُ يوسفَ: أنبا مالكٌ، عن عبدِ الرَّحمنِ ابنِ القاسمِ، عن أبيه، عن عائشةَ زوجِ النبيِّ ◌َِّ قالتْ: خرجنا مع رسولِ اللهِ وَّهِ في بعضِ أسْفاره حتى إذا كُنَّا بالبيْداء - أو بذاتِ الجيشِ - انقطع عِقْدٌ لي، فأقام رسولُ اللَّهِ وَّهِ على التماسِهِ، وأقام النَّاسُ معه وليسُوا على ماء، فأتى النَّاسُ إلى أبي بكْرٍ، فقالوا: ترى ما صنَعَتْ عائشةُ؟ أقامتْ برسول اللَّهِ وَ لَّه والناسِ، وليسوا على ماءِ، وليس معهم ماءٌ، فجاء أبو بكر ورسولُ اللَّهِ وَّهِل واضعُ رأسَه على فخذِي قد نام، فقال: حَبَسْت رسولَ اللَّهِ وَ له والناسَ، وليسوا على ماء، وليس معهم ماءٌ، قالت عائشة: فعاتَبِي أبو بكر، وقال ما شاء اللَّه أن يقولَ، وجعل يطْعَنُنِي بيده في خاصرتي، فلا يمنَعُني من التَّحَرُّك إلا مكانُ رسول اللّهِ وَِّ على فخذِي فنامَ حتَّى أصبْحَ على غيرِ ماءٍ، فأنزلَ اللَّهُ آيَةَ التيممٍ، فتيمَّمُوا، فقال أسيدُ بنُ الحُضَيْرِ: ما هي بأول بركَتِكُم يا آل أبي بكرٍ، قالت: فبعثنا البعيرَ الذي كُنْتُ (١) ((صحيح البخاري)) (٩١/١)، (٩/٥)، (٦٣/٦ - ٦٤)، (٥٢/٧)، (٢١٥/٨). ٣٩٦ سورة المائدة عليه فأصبْنَا العقْدَ تحته . قيل: إن الرواية هنا: ((فقامَ حتَّى أصبح)) ورواه في ((التفسيرِ)) بلفظ: ((فنام حتى أصبح)) وهو لفظُ مسلمٍ (١)، وكذا في ((الموطأ))(٢). هذا السياقُ سياقُ عبدِ الرحمنِ بنِ القاسمِ لهذا الحديثِ عن أبيه، عن عائشة. وقد رواه هشامُ بنُ عُرْوةَ عن أبيه، عن عائشةَ فخالَفَ في بعضِ ألفاظه ومعانيه مما لا يَضُرُّ. وقد خرَّجه البخاريُّ في موضعٍ آخرَ، وفي بعضِ ألفاظه اختلافٌ على عروة - أيضًا . ٠٠ ومما خالفَ فيه: أنه ذكر أنَّ عائشة استعارتْ قلادةً من أسماءَ فسقطتْ، وأنَّ النبيَّ ◌َِّ أرسلَ رَجُلْنِ فِي طَلَبِها وليس معهما ماءٌ فنزلتْ آيَةُ التيمم. وفي روايةٍ: أَنَّهُما صلَّيا بغيرِ وضوءٍ. وهذا يمكنُ الجمعُ بينه وبين حديثِ القاسمٍ، عن عائشة بأن القلادة لَّا سقطتْ ظنُّوا أنها سقطتْ في المنزلِ الماضي، فأرسلُوا في طلبِها وأقامُوا في منزلهِم وباتُوا فيه، وفقد الجميعُ الماءَ حتى تعذَّر عليهم الوضوء. وفي حديثِ هشامٍ: أنَّ ذلك كان ليْلَةَ الأبواءِ. وفي رواية عنه: أنَّ ذلك المكانَ كان يُقال له: الصلصل. وروى ابنُ إسحاقَ: حدثني يحيى بن عبَّادِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الزُّبِيِ، عن أبيه، عن عائشة، قالتْ: أقبلْنا مع رسولِ اللَّهِ وَّلَ في بعضِ أسفارِهِ، حتى إذا كنَّا بِتُرْبانَ - بلدٌ بينه وبين المدينةِ بَرِيدٌ وأميالٌ، وهو بلدٌ لا ماءَ به - وذلك من (١) ((صحيح مسلم)) (١٩١/١). (٢) ((الموطأ)) (ص ٥٧). ٣٩٧ سورة المائدة السَّحَرَ، انْسَلَّتْ قلادةٌ لي من عُنُفِي فوقَعتْ - وذكر بقيةَ الحديثِ . صَلَ الله وسام خرَّجه الإمامُ أحمدُ (١). وقد رُوِي هذا الحديثُ من حديثِ عمَّارٍ بن ياسرٍ - أيضًا - أنَّ النبيَّ عَرَّسَ بأولاتِ الجيشِ ومعه عائشةُ، فانقطعَ عِقْدٌ لها من جزعِ ظَفَارٍ، فحُبِس الناسُ ابتغاءَ عِقْدها ذلك حتى أضاءَ الفجرُ، وليس مع الناسِ ماءٌ، فتغَيّظ عليها أبو بكرٍ وقال: حَبَسْتِ الناسَ وليس معهم ماء؟ فأنزلَ اللَّهُ على رسوله حَالَه رُخْصةَ التطهر بالصَّعيدِ الطَّيِّب، فتيمم المسلمون مع رسول اللَّه وَه ـ وذكر الحديثَ. خرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داود - وهذا لفظُهُ - والنسائىُّ وابنُ ماجه(٢)، وفي إسنادِهِ اختلافٌ. والآية التي نزلت بسبب هذه القصة كانتْ آيَةَ المائدة، فإنَّ البخاريَّ خرَّج هذا الحديثَ في ((التفسيرِ)) من كتابِهِ هذا من حديثِ ابنِ وهبٍ، عن عمرٍو عن عبد الرحمنِ بنِ القاسمٍ، وقال في حديثِهِ: فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ هذه الآيةُ [المائدة: ٦]. وهذا السفرُ الذي سَقَط فيه قلادةُ عائشة أو عقْدُها كان لغزوة المُرَيْسِيعِ إلى بني المُصْطَلِقِ من خُزاعةَ سنةَ ستٍّ، وقيلَ: سنة خمسٍ، وهو الذي ذكره ابنُ سعد عن جماعة من العلماءِ، قالُوا: وفي هذه الغزوةِ كان حديثُ الإفْكِ. وقد ذكر الشافعيّ: أنَّ قصة التيممٍ كانتْ في غزوة بني الْمُصْطَلِقِ، وقال: (١) «المسند» (٦ /٢٧٢). (٢) أخرجه: أحمد (٣٢٠/٤ - ٣٢١)، وأبو داود (٣٢٠)، والنسائي (١٦٧/١)، وابن ماجه (٥٦٥، ٥٧١). ٣٩٨ سورة المائدة أخبرَني بذلك عددٌ من قريشٍ منْ أهلِ العلمِ بالمغازِي وغيرِهم. فإن قيلَ: فقد ذكر غيرُ واحدٍ، منهُم: ابنُ عبدِ البرِّ: أنه يُحتملُ أنْ يكون الذي نزلَ بسببٍ قصة عائشةَ الآيةُ التي في سورةِ النساءِ، فإنها نزلتْ قبلَ سورة المائدة بيقين، وسورةُ المائدة من أواخر ما نزل من القرآن، حتى قيلَ: إنها نزلتْ كلُّها أو غالبُها في حَجَّةِ الوادعِ، وآيةُ النساءِ نزولها متقدِّمٌ. وفي ((صحيح مسلمٍ)(١) من حديثِ سعدِ بنِ أبي وقّاصٍ أنها نزلتْ فِيه ◌َا ضَرَبَه رجلٌ قد سكِرٍ بِلَحْي بعير، ففزَرَ أَنْفَه. وفي ((سنن أبي داودَ)) والنسائيِّ وابنِ ماجه (٢)، عن عليٍّ، أنَّ رجلاً صلَّى وقد شربَ الخمرَ، فخَلَّطَ في قراءتِهِ، فنزلتْ آيَةُ النساءِ. فقد تبيَّن بهذا: أنَّ الآيةَ التي في سورةِ النساءِ نزلتْ قبلَ تحريمِ الخمرِ، والخمرُ حُرِّمتْ بعد غزوةٍ أُحُدٍ، ويقال: إنها حرمتْ في محاصرةِ بني النضيرِ بعدَ أُحُدٍ بيسيرٍ، وآيةُ النساءِ فيها ذكر التيممٍ، فلو كانتْ قد نزلتْ قبل قصة عائشةَ لما توقفوا حينئذٍ في التيممٍ، ولا انتظرُوا نزولَ آيةٍ أخرى فيه . قيلَ : هذا لا يصحّ؛ لوجوهِ: أحدها: أنَّ سببَ نزولِ آيَةِ النساءِ قد صحَّ أنه كانَ ما ينشأُ من شربِ الخمرِ من المفاسدِ في الصلاةِ وغيرِها، وهذا غيرُ السببِ الذي اتَّفَقَتِ الرواياتُ عليه في قصةِ عائشةَ، فدلَّ على أنَّ قصةَ عائشةَ نزلَ بسببها آيةٌ غيرُ آيَةِ النساءِ، وليسَ سوى آيةِ المائدةِ . (١) (١٢٦/٥ - ١٤٦). (٢) أخرجه: أبو داود (٣٦٧١)، والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) (١٠١٧٥)، ولم يعزه المزي إلى ابن ماجه. ٣٩٩ سورة المائدة والثاني: أنَّ آيَةَ النساءِ لم تُحَرِّم الخمرَ مطلقًا بل عند حضورِ الصلاة، وهذا كان قبلَ أحد، وقصة عائشةَ كانتْ بعد غزوةٍ أُحُدٍ بغيرِ خلافٍ، وليسَ في قصَّتها ما يناسبُ النهي عن قربانِ الصلاةِ مع السِّكْرِ حتى تُصَدَّر به الآيةُ. وأمَّا تصديرُ الآيةِ بذكرِ الوضوءِ فلم يكنْ لأصلِ مشروعيتِهِ، فإنَّ الوضوءَ كان شُرع قبلَ ذلك بكثيرٍ، كما سبقَ تقريرُه في أولِ ((كتابِ الوضوءِ»، وإنَّما كان تمهيداً للانتقالِ عنه إلى التيممِ عندَ العجزِ عنه، ولهذا قالتْ عائشةُ: فنزلتْ آيَةُ التيممِ، ولم تقل: آيةُ الوضوءِ. والثالث: أنه قد ورد التصريحُ بذلكَ في ((صحيحِ البخاريِّ) كما ذكرناه. وأمَّا توقُّفهم في التيممِ حتَّى نزلتْ آيَةُ المائدةِ مع سبقِ نزولِ التيممٍ في سورة النساء، فالظاهرُ - واللهُ أعلمُ - أنَّهم توقَّفوا في جوازِ التيممِ في مثلٍ هذه الواقعة، لأنَّ فَقْدَهم للماءِ إنما كانَ بسببِ إقامتِهِم لطلبِ عقْدٍ أو قلادة، وإرسالِهم في طلبِها من لا ماءَ معه مع إمكانِ سيرِهم جميعًا إلى مكانٍ فيه ماءٌ، فاعتقدُوا أنَّ في ذلك تقصيراً في طلبِ الماءِ، فلا يُباحُ معه التيممُ، فنزلتْ آيَةُ المائدةِ مُبَيِّنَةً جوازَ التيممِ في مثلِ هذه الحالِ، وأنَّ هذه الصورةَ داخلٌ في عمومِ آيَةِ النساءِ . ولا يُستبعدُ هذا، فقد كان طائفةٌ من الصحابة يعتقدونَ أَنَّه لا يجوزُ استباحةُ رُخَصِ السَّفْرِ من الفطرِ والقَصْرِ إلا في سفرِ طاعةِ دونَ الأسفار المباحةِ، ومنهم من خَصَّ ذلك بالسفرِ الواجبِ كالحجِّ والجهادِ، فلذلكَ توقَّفوا في جوازِ التيممٍ للاحتباسِ عن الماءِ لطلب شيءٍ من الدنيا حتى بَيَّن لهم جوازَهُ ودخولَهُ في عمومٍ قولهِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [المائدة: ٦]، ويدلُّ ذلك على ٤٠٠ سورة المائدة جوازِ التيممٍ في سفرِ التجارةِ وما أشبهه من الأسفارِ المباحة، وهذا مما يَستأنس به من يقولُ: إنَّ الرُّخَصَ لا تُستباح في سفرِ المعصية. وأمَّا دعوى نزولِ سورة المائدةِ كلِّها في حجّةِ الوداعِ فلا تَصحّ، فإن فيها آيات نزلتْ قبلَ ذلكَ بكثيرٍ، وقد صحَّ أن المقْدادَ قال للنبيِّ وَّهِ يومَ بدر: لا نقولُ لكَ كما قالَ بنو إسرائيل لموسى: اذهبْ أنتَ وربُّك فقاتلا إِنَّا هَا هُنا قاعدُون، فدلَّ هذا على أنَّ هذه الآية نزلتْ قبل غزوة بدر. واللَّهُ أعلمُ. وقد ذكرَ اللَّهُ تعالى التيممَ في الآيتينِ بلفظ واحدٍ، فقال فيهما: ﴿ وَإِن كُنتُمْ جْبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌّ مِنكُم مِّنَ الْغَائِطْ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَيَمِّمُوا صَعِيدًا طَيًِّا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [ المائدة : ٦ ]. فقولُهُ تعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة: ٦] ذكر شيئين مبيحين للتیمم : أحدهما: المرضُ، والمرادُ به عندَ جمهور العلماء: ما كانَ استعمالُ الماء معه يُخشى منه الضررُ. والثاني: السفرُ، واختلفُوا: هل هوَ شرطٌ للتيممٍ مع عدمِ الماءِ، أم وقعَ ذكرُه لكونِهِ مظنَّة عدمِ الماءِ غالبًا، فإن عدمَ الماءِ في الحضرِ قليلٌ أو نادرٌ، كما قالَ الجمهورُ في ذكرِ السفرِ في آيَةِ الرَّهْنِ، أَنَّه إنما ذُكِرِ السَّفْرُ لأنه مظنَّةُ عدم الكاتب، وليس بشرطٍ للرَّهنِ . والجمهورُ: على أنَّ السفر ليس بشرطِ للرهنِ ولا للتيممِ مع عدمِ الماءِ، وأَنَّه يجوزُ الرهنُ في الحضرِ، والتيممٍ مع عدمِ الماءِ في الحضرِ. وقالت الظاهريةُ: السفر شرطٌ في الرَّهْنِ والتيممِ.