النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١
سورة النساء
اللَّهَ قد غفرَ لكُم))(١).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًّا كُلَّمَا نَضِجَتْ
جَلُودَهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جَلُودًا غَيْرَهَا لَيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمَا﴾
قال اللَّهُ عزَّ وجلّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ
جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦].
روى نافعٌ مولى يوسف السلمي عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ، قالَ: قرأ رجلٌ
عندَ عمرَ هذه الآيةَ: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦] فقال
عمرُ: أعِدْ عليَّ فأعادَهَا عليهِ، فقال معاذُ بنُ جبلٍ: عندي تفسيرُها، تبدَّلَ في
الساعةِ الواحدةِ مائةَ مرةٍ، فقال عمرُ: هكذا سمعتُ رسولَ اللّهِ وَ له.
خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ وابنُ مردويه.
وخرَّجه ابنُ مردويهِ أيضًا من طريقِ نافعٍ أبي هرمز أنبأنا نافعٌ عن ابنِ عمرَ
قال: تلا رجلٌ عندَ عمرَ هذه الآيةَ: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا
غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦] فقال عمرُ: أعِدْه عليَّ، وثَمَّ كعبٌ، فقالَ: يا أميرَ المؤمنينَ
أنا عندي تفسيرُ هذه الآيةِ قرأتُها قبلَ الإسلامِ، قالَ: فقالَ: هاتِهَا يا كعبُ،
فإن جئت به كما سمعتُ من رسولِ اللَّهِ وَ لّ صدَّقناك، وإلا لم ننظر إليها،
قالَ: إني قرأتُها قبلَ الإسلامِ: ﴿كُلَّمَا نَصِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾
[النساء: ٥٦] في الساعة الواحدة عشرينَ ومائةَ مرةٍ، فقالَ عمرُ: هكذا سمعتُ
من رسول اللَّه مَله.
(١) ((جامع العلوم والحكم)) (٢/ ٤٦٠ - ٤٦١).
٣٤٢
سورة النساء
نافع أبو هرمزٍ ضعيفٌ جدًّا، وهو نافعُ مولى يوسفَ السلمي أيضًا، عند
طائفة من الحفاظ منهم ابنُ عدي، ومنهم من قال: هما اثنان وكلاهما
ضعيف .
وروى الربيعُ بنُ برةَ عن الفضلِ الرقاشيِّ أنَّ عمرَ سألَ كعبًا عن هذه الآية
فقالَ: إن جلَدَه يحرقُ ويجدَّد في ساعةٍ أو في مقدارِ ساعةٍ مائةَ ألفِ مرةٍ،
قال عمرُ: صدقتَ، وهذا منقطعٌ.
وروى ثوير بن أبي فاختة - وهو ضعيفٌ - عن ابنِ عمرَ أنه قالَ في هذه
الآية: إذا أُحرقتْ جلودُهُم بُدلُّوا جلودًا بيضاءَ أمثالِ القراطيس.
خرَّجِه ابنُ أبي حاتمٍ.
وخرَّج أيضًا بإسنادِهِ عن يحيى بن يزيدَ الحضرميِّ أنه بلغه في هذهِ الآيةِ،
قالَ: يجعلُ اللَّهُ للكافرِ مائةَ جلدٍ بين كلِّ جلدين لونٌ من العذابِ.
وعن هشامٍ عن الحسنِ في هذهِ الآيةِ، قالَ: تأكلُهُم النارُ كلَّ يومٍ سبعينَ
ألفَ مرةٍ كلما أكلتهم قيلَ لهُم: عودُوا، فيعودُون كما كانوا .
وعن الربيعِ بنِ أنسٍ، قالَ: مكتوبٌ في الكتابِ الأولِ أن جلدَ أحدِهِم
أربعونَ ذراعًا، وسنَّه تسعونَ ذراعًا، وبطنَهُ لو وُضِعَ فيه جبلٌ لوسعَهُ، فإذا
أكلتِ النارُ جلودَهُم بُدِّلوا جلودًا غيرَها(١) .
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
(١) ((التخويف من النار)) (١٣٥ - ١٣٦).
٣٤٣
سورة النساء
إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾
وسُئل عكرمة عن أمِّ الولدِ؟ فقالَ: تعتقُ بموتِ سيِّدها فقيلَ له: بأيِّ شيءٍ
تقولُ؟ قالَ: بالقرآن، قالَ: بأيِّ القرآنِ؟ قالَ: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، وعمرُ من أولي الأمر.
وقال وكيعٌ: إذا اجتمع عمرُ وعليٌّ على شيء، فهو الأمرُ.
ورُوي عن ابنِ مسعودٍ أَنَّه كان يحلفُ بالله: إنَّ الصراطَ المستقيمَ هو الذي
ثبتَ عليه عمرُ حتى دخلَ الجنة(١).
قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى
الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ
دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾
٩٥
أَجْرًا عَظِيمًا
قوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ ، أَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلأَّ
وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا {٩٥﴾. دَرَجَاتٍ مَنْهُ
٠٠٠٠
وَمَغْفِرَةَ وَرَحْمَةٍ﴾ [النساء: ٩٥ -٩٦].
قال ابنُ عباسٍ وغيرُهُ: القاعدونَ المفضَّلُ عليهم المجاهدونَ درجةً هم
القاعدونَ من أهلِ الأعذارِ، والقاعدونَ المفضَّل عليهم المجاهدون درجاتِ هم
القاعدونَ من غيرِ أهلِ الأعذارِ (٢).
(١) ((جامع العلوم والحكم)) (١١٦/٢).
(٢) المصدر السابق (٣٤٥/٢ - ٣٤٦).
٣٤٤
سورة النساء
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا
مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ
وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم
عَدُوًّا مُبِينًا.
مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ
طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ
الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً
وَحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذَّى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن
تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينَا ﴾
[قال البخاريُّ](١): وقول اللَّه عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِذَا ضَرَيْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ
عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْسِّكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا
لَكُمْ عَدُوَّا مُبِينًا ﴿١٠:١﴾ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُم مَّعَكَ
وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصِلُوا
فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ إلى قولِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا
مُهِينًا﴾ [النساء: ١.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ
خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١].
قد ذكر طائفةٌ من السلفِ أنها نزلتْ في صلاةٍ في السفرِ، لا في صلاةٍ
السفرِ بمجردِهِ، ولهذا ذكرَ عقيبها قولَه تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ
(١) البخاري (١٧/٢).
٣٤٥
سورة النساء
الصَّلاةَ﴾ [النساء: ١٠٢]، ثمّ ذكر صفة صلاة الخوف، فكان ذلك تفسيراً للقَصر
المذكورِ في الآيةِ الأولى.
وهذا هو الذي يُشير إليه البخاريُّ، وهو مَرْوي عن مُجاهدٍ والسُّدِّيِّ
والضَّحَّاكِ وغيرِهِم، واختارَهُ ابنُ جريرٍ وغيرهُ.
٥,٥
وتقديرُ ذلك من وَجهَينِ :
أحدُهُما: أنَّ المراد بقصرِ الصلاةِ قصرُ أركانِها بالإيماءِ ونحوهِ، وقصرُ عدد
الصلاة إلى ركعة، فأمَّا صلاة السفرِ، فإنها ركعتانٍ، وهي تمامٌ غيرُ قصرٍ، كما
قاله عمرُ فِتَهُ(١).
ورَوى سماكٌ الحنفيُّ، قالَ: سمعتُ ابنَ عمرَ، يقولُ: الركعتانِ في السفرِ
تمامٌ غيرُ قصرٍ، إنما القصرُ صلاةُ المخافة.
خرَّجْه ابنُ جريرٍ وغيرٌ(٢) .
ورَوى ابنُ المباركِ عن المسْعُودِيِّ، عن يزيدَ الفقِيرِ، قالَ: سمعتُ جابرَ بنَ
عبد اللّهِ يُسألُ عن الركعتينِ في السفرِ، أقصْرٌ هُما؟ قال: إنَّما القصرُ ركعةٌ
عند القتال، وإن الركعتينِ في السفرِ ليستا بقصرِ (٣).
وخرَّج الجوز جانيٌّ من طريقِ زائدةَ بنِ عُميرِ الطَّائِيِّ، أنه سأل ابنَ عباسٍ
عن تقصيرِ الصلاةِ في السفرِ، قال: إنها ليست بتقصير، هما ركعتانٍ من حين
تخرجُ من أهلِكَ إلى أن ترجعَ إليهم .
(١) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٣٧/١)، والنسائي (١١١/٣)، وابن ماجه (١٠٦٣)، (١٠٦٤).
(٢) أخرجه: الطبري في ((التفسير)) (٢٤٧/٥)، وابن أبي شيبة (٢٠٤/٢)، والبيهقي (٢٦٣/٣).
(٣) البيهقي (٢٦٣/٣).
٣٤٦
سسـ
سورة النساء
وخرّج الإمامُ أحمدُ (١) بإسنادٍ منقطع، عن ابنِ عباسٍ، قالَ: صلَّى
رسولُ اللَّهِ وَ له ركعتينِ ركعتينٍ، وحين أقامَ أربعًا أربعًا، وقال ابنُ عباسٍ:
فمن صلَّى في السفرِ أربعًا كمن صلَّى في الحضرِ ركعتينٍ. وقال ابنُ عباسٍ:
لم تُقصر الصلاةُ إلا مرَّةً واحدةً حيثُ صلَّى رسولُ اللَّهِ وَّه ركعتينٍ، وصلَّى
الناسُ ركعةً واحدةً.
يعني: في الخوفِ .
وروى وكِيعٌ، عن سفيانَ، عن سالمٍ الأقْطسِ، عن سعيدِ بنِ جُبِيرٍ، قالَ:
صلَّى رسولُ اللَّهِ وَّه صلاةَ الخوف ركعةً ركعةً، قال سعيدٌ: كيف تكون
مقصورةً وهما ركعتان(٢).
والوجهُ الثاني: أن القصرَ المذكورَ في هذهِ الآيةِ مطلقٌ، يدخلُ فيه قصرُ
العدد، وقصرُ الأركانِ، ومجموعُ ذلك يختصُّ بحالةِ الخوفِ في السفرِ، فأمَّا
إذا انفردَ أحدُ الأمرينِ - وهو السفرُ أو الخوف - فإنه يختصّ بأحدٍ نوعي
القصرِ، فانفرادُ السفرِ يختصَّ بقصرِ العددِ، وانفرادُ الخوفِ يختصّ بقصرِ
93
الأركان .
لكنْ هذا مما لم يُفهم من ظاهرِ القرآنِ، وإنما بَيَّن دلالته عليه رسولُ اللَّه
وَه، والآيةُ لا تنافيه، وإن كانَ ظاهرُها لا يدلُّ عليه، واللَّه سبحانه وتعالى
أعلمُ.
وقيلَ: إِنَّ قولَه: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جَنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ
(١) («المسند)) (٢٥١/١، ٣٤٩).
(٢) أخرجه: ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢١٦/٢)، وعبد الرزاق فى ((المصنف)) (٥١١/٢).
٣٤٧
سورة النساء
٥
الصَّلاةِ﴾ [النساء: ١٠١] نزلت بسببِ القصر في السفرِ من غيرِ خوفٍ، وأنَّ بقيةَ
الآيةِ مع الآيتينِ بعدَها نزلتْ بسببِ صلاةِ الخوفِ .
رُوي ذلك عن عليٌّ ◌َِّهِ.
خرَّجْه ابنُ جريرٍ (١) عنه، بإسنادٍ ضعيفٍ جدًّا، لا يصحُّ. واللَّهُ سبحانه
وتعالى أعلم.
وقد رُوي ما يدلُّ على أنَّ الآيةَ الأُولى المذكورَ فيها قصرُ الصلاة إنما نزلتْ
في صلاة الخوفِ.
فروى منصورٌ، عن مجاهدٍ، عن أبي عيَّاشِ الزَّرَقِيِّ، قال: كنا مع
رسول اللّهِ وَّ بِعُسْفان - وعلى المشركينَ خالدُ بنُ الوليد - فصلَّيْنا الظهرَ،
فقال المشركونَ: لقد أصبْنا غرَّةً، لقد أصبْنَا غفْلةً، لو كنا حمَلْنا عليهم وهُم
في الصلاة، فنزلتْ آيَةُ القصرِ بينَ الظهرِ والعصرِ، فلما حضرتِ العصرُ قامَ
رسولُ اللَّهِ وَلّ مستقبل القبلة، والمشركونَ أمامَه، فصفَّ خلفَ رسول الله
(وَّر صفٌّ، وصفَّ بعد ذلك الصفِّ صفةٌ آخرَ، فركعَ رسولُ اللَّهِ ◌َِله
وركعُوا جميعًا، ثم سجدُوا وسجدَ الصفُّ الذين يلُونَه، وقام الآخرونَ
يحرسونَهم، فلما صلَّى هؤلاءِ سجدتينِ وقاموا، سجدَ الآخرونَ الذين كانوا
خلفَه، ثم تأخَّر الصفُّ الذي يليه إلى مقامِ الآخرينَ، وتقدَّمَ الصفُّ الآخرُ
إلى مقامِ الصفِّ الأولِ، ثم ركعَ رسولُ اللهِ نَّه وركعُوا جميعًا، ثم سجدَ
وسجدَ الصفُّ الذي يليه، وقام الآخرونَ يحرسونَهم، فلما جلسَ رسولُ اللَّه
وَّهِ والصفُّ الذي يليه سجدَ الآخرونَ، ثم جلَسُوا جميعًا فسلّم عليهم
(١) أخرجه في ((التفسير)) (٢٤٤/٥).
٣٤٨
سورة النساء
جميعًا، فصلاًها بعُسْفان، وصلاَّها يومَ بني سُلَيْمٍ.
خرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ - وهذا لفظُه - والنسائيُّ وابنُ حبانَ في
((صحيحه)) والحاكم(١)، وقال: على شرطهما.
وفي روايةٍ للنسائيِّ وابن حبانَ(٢) ، عن مجاهد: نا أبو عيَّاشِ الزرقيّ،
قالَ: كُنَّا مع رسولِ اللَّهِ وَ له ... فذكرَهُ.
ورَدَّ ابنُ حبانَ بذلك على من زعَمَ: أن مجاهدًا لم يسمعه من أبي عيَّاشٍ،
وأن أبا عياش لا صُحبة له.
كأنه يشيرُ إلى ما نقله الترمذيُّ في ((علِلِه)(٣) عن البخاريِّ، أنه قالَ: كلُّ
الرواياتِ عندي صحيحٌ في صلاة الخوف، إلا حديثُ مجاهد عن أبي
عياش الزرقيِّ، فإني أراه مرسلاً.
وابن حبانَ لم يَفْهُم ما أرادَه البخاريُّ، فإنَّ البخاريَّ لم ينكرْ أن يكونَ أبو
عيَّاشٍ له صحبةٌ، وقد عَدَّهُ في ((تاريخه)) من الصحابةِ، ولا أنكرَ سماعَ
مجاهدٍ من أبي عيَّاشٍ، وإنَّما مرادُهُ: أن هذا الحديثَ الصوابُ: عن مجاهد
إرسالُهُ عن النبيِّ نَّهِ من غيرِ ذكرِ أبي عياشٍ، كذلك رواهُ أصحابُ مجاهد،
عنهُ بخلافٍ روايةٍ منصورٍ، عنه، فرواهُ عُكرمةُ بنُ خالدٍ وعُمر بنُ ذَرٍّ وأيوبُ
ابنُ موسى ثلاثتُهم عن مجاهدٍ، عن النبيِّ وَِّ مرسلاً من غيرِ ذكرٍ أبي
عياش .
(١) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٥٩/٤ - ٦٠)، وأبو داود (١٢٣٦)، والنسائي (١٧٧/٣ - ١٧٨)،
وابن حبان (٢٨٧٥)، والحاكم (٣٣٧/١ - ٣٣٨).
(٢) النسائي (١٧٦/٣ - ١٧٧)، وابن حبان (٢٨٧٦).
(٣) («العلل)) (ص ٩٨).
٣٤٩
سورة النساء
ءِ
وهذا أصحّ عند البخاريِّ، وكذلكَ صحَّح إرسالَهُ عبدُ العزيزِ النخشبي
وغيرُهُ من الحفاظ .
وأما أبو حاتم الرازيُّ، فإنَّ قالَ - في حديثٍ منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن
أبي عياشٍ - : إنه صحيحٌ، قيل له: فهذه الزيادةُ ((فنزلتْ آيَةُ القصرِ بينَ
الظهرِ والعصرِ)) محفوظةٌ هي؟ قالَ: نعم.
وقال الإمامُ أحمدُ: كُلُّ حديثِ رُوي في صلاةِ الخوفِ فهو صحيح.
وقد جاءَ في روايةٍ: فنزلتْ: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [ النساء: ١٠٢]
وهذا لا ينافي روايةَ: ((فنزلتْ آيةُ القصرِ)) بل تبيّن أنه لم تنزلْ آيَةُ القصرِ
بانفرادِها في هذا اليومِ، بل نزلَ معها الآيتانِ بعدَها في صلاةِ الخوفِ .
وهذا كلُّه مما يشهد بأن آية القَصْرِ أُريدَ بها قصْرُ الخوفِ في السفرِ، وإنْ
دلَّت على قصرِ السفرِ بغيرِ خوفٍ بوَجْهِ من الدلالةِ، واللَّهُ سبحانه وتعالى
أعلمُ.
[ قال البخاريُّ](١): نا أبو اليمان: ثنا شُعِيْبٌ عن الزُّهريِّ، قالَ: سألتُهُ:
هَلْ صَلَّى النبيُّ ◌َ ﴿ صلاة الخوفِ؟ فقالَ: أخبرني سالمٌ أَنَّ عبدَ اللَّه بِنَ عُمرَ،
قالَ: غزوتُ معَ رسول اللّهِ وَ لَ قبلَ نَجْد، فوازَيْنا العدُوَّ، فصاففنا لهُم، فقام
رسولُ اللَّهِ وَلَّه يُصلِّي لنا، فقامتْ طائفةٌ معَهُ وأقْبلتْ طائفةٌ على العدوِّ،
وركِعَ رسولُ اللهِ نَ ◌ّهِ بمن معَهُ وسجدَ سجْدتْنٍ، ثمَّ انصرفُوا مكانَ الطائفة
التي لم تُصَلِّ، فجاءُوا فركعَ رسولُ اللَّهِ وَلَّهِ بهم ركعةً وسجدَ سجدتينِ، ثم
سلَّمَ، فقامَ كُلُّ واحدٍ منهم فركعَ لنفْسِهِ ركعةً وسجدَ سجدتينٍ)).
(١) البخاري (١٧/٢).
٣٥٠
سورة النساء
وخرَّجه في موضعٍ آخرَ من روايةٍ معمرٍ (١).
وخرَّجه مسلمٌ من روايةٍ معمرٍ وفُلَيْحِ كلاهُما، عن الزهريِّ، به - بمعناء(٢).
وقد رُوي عن حُذيفةَ نحوُ روايةِ ابنِ عمرَ - أيضًا(٣).
خرَّجه الطبرانيُ(٤) من روايةٍ حكَّامٍ بنِ سلْمٍ، عن أبي جعفرِ الرازيِّ، عن
قتادةَ، عن أبي العاليةِ، قالَ: صلَّى بنا أبو موسى الأشعريُّ بأصبهانَ صلاةً
الخوف، وما كانَ كبيرُ خوْفٍ؛ ليريَنَا صلاةَ رسولِ اللهِ نَّهِ فقام فكَبَّرَ، وكَبَّرَ
معه طائفةٌ من القومِ، وطائفةٌ بإزاء العدوِّ، فصلَّى بهم ركعة فانصرفوا، وقامُوا
مقامَ إخوانِهِم، فجاءت الطائفةُ الأخرى فصلَّى بهم ركعةً أخرى، ثم سلّمَ،
فصلَّى كلُّ واحدٍ منهمُ الركعةَ الثانية وُحْدَانًا .
ورواه سعيدُ بنُ أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن أبي العاليةِ، أنَّ أبا موسى كان
بالدارِ من أرضِ أصبهانَ، وما بها كَبِيرُ خوف، ولكن أحبَّ أن يعلِّمهم دينَهم
وسنةَ نبيِّهم، فجعلَهم صفَّيْنِ: طائفةً معها السلاحُ مُقْبِلةً على عدوِّها، وطائفةً
من ورائهَا، فصلَّى بالذين بإزائِه ركعةً، ثم نكصُوا على أدبارِهم حتى قامُوا
مقامَ الأخرَى، وجاءُوا يتخلَّلونَهم حتى قاموا وراءَه فصلَّى بهم ركعةً أخرَى،
ثم سلَّم، فقام الذين يلونَه والآخرونَ فصلَّوا ركعةً ركعةً، ثم سلَّم بعضُهم
على بعضٍ، فتمَّتْ للإمامِ ركعتانِ في جماعةٍ، وللناسِ ركعةٌ ركعةٌ.
(١) البخاري (١٤٦/٥).
(٢) مسلم (١١٢/٢).
(٣) أخرجه أحمد فى ((المسند)) (٣٨٥/٥ - ٣٩٥ - ٣٩٩ - ٤٠٤ - ٤٠٦)، وأبو داود (١٢٤٦)،
والنسائي (١٦٧/٣)، وابن خزيمة (١٣٤٣)، (١٣٦٥).
(٤) في ((الأوسط)) (٧٤٧٦).
٣٥١
سورة النساء
يعني: في جماعةٍ.
خرَّجِه ابنُ أبي شيبةً(١) ، وعنه بقيَّ بنُ مَخْلدٍ في ((مسنده)).
وهو إسنادُ جيدٌ.
وهو في حكمُ المرفوعِ، لما ذكر فيه من تعليمِهم بسنةٍ نبيِّهم.
و
ورواه أبو داود الطيالسيَّ، عن أبي حُرَّةً، عن الحسنِ، عن أبي موسى، أنّ
رسولَ اللَّهِ وَلّهِ صلَّى بأصحابِهِ - فذكر نحوه، وفيه زيادةٌ على حدیثِ ابنِ
عُمرَ: أنَّ الطائفة الأولى لما صلَّتْ ركعة وذهبتْ لم تستدبر القبلةَ، بل نَكَصَتْ
على أدبارها .
ورُويَ - أيضًا - عن ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ وَّ نحوُ ذلك، من رواية
خُصَيفٍ، عن أبي عبيدةَ، عن عبدِ اللهِ، قالَ: صلَّى بنا رسولُ اللَّهَِه
صلاةَ الخوف، فقامُوا صفَّين، فقامَ صفٌّ خلفَ رسولِ اللَّهِ وَ لِّ، وصفٌ
مُستقبلَ العدوِّ، فصلَّى رسولُ اللَّهِ وَ لِّ بالصفِّ الذين يلُونَه ركعةً، ثم قامُوا
فذهبُوا، فقامُوا مقامَ أولئك مستقبلي(٢) العدوِّ، وجاءُوا أولئك فقامُوا مقامَهم،
فصلَّى بهم رسولُ اللَّهِ وَ لِّ ركعةَ، ثم سلَّم، ثم قامُوا فصلَّوا لأنفسِهِم ركعةً،
ثم سلَّموا ثم ذهبُوا، فقامُوا مقامَ أولئك مستقبلي(٢) العدوِّ، ورجعَ أولئك
إلى مقامِهِم، فصلَّوْا لأنفسهِمِ ركعةً ثم سلَّموا.
خرَّجه الإمامُ أحمدُ - وهذا لفظُه - وأبو داودَ - بمعناه(٣).
وخُصَيفٌ، مختلَفٌ في أمرِهِ، وأبو عُبيدةَ لم يسمع من أبيهِ، لكن
(١) ((المصنف)) (٢١٤/٢).
(٢) في ((المسند)): ((مستقبل)).
(٣) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٣٧٥/١ - ٣٧٦)، وأبو داود (١٢٤٤).
٣٥٢
سورة النساء
رواياتُهُ عنه أخذَها عن أهلِ بيتِه، فهي صحيحٌ عندهم.
وهذه الصفةُ توافقُ حديثَ ابنِ عمرَ وحذيفةَ، إلا في تقدَّمِ الطائفةِ الثانيةِ
بقضاءِ ركعةٍ، وذَهابهم إلى مقامٍ أولئك مستقبلي العدوِّ، ثم مجيءٍ الطائفة
الأولَى إلى مقامِهم فقضوا ركعةً.
وحديثُ ابنِ عمرَ وحذيفةَ فيهما: قيامُ الطائفتينِ يقضُون لأنفسهم،
٠٠
وظاهرُهُ: أنهم قامُوا جملةً وقضَوْا ركعة ركعةً وُحْدَانًا .
وقد رواه جماعةٌ، عن خُصيفٍ، عن أبي عبيدةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وزادُوا
فيه: أنَّ النبيَّ وَّهَ كَبَّرِ وكَرِ الصفان معه جميعًا.
وقد خَرَّجه كذلك الإمامُ أحمدُ وأبو داود (١) .
٠
وزاد الإمامُ أحمدُ: ((وهمْ في صلاةٍ كلُّهم)).
واختلفَ العلماءُ في صلاةِ الخوفِ على الصفةِ المذكورةِ في حديثِ ابنِ
عُمرَ وما وافقَهُ:
فذهبَ الأكثرونَ إلى أنها جائزةٌ وحسنةٌ، وإن كان غيرُها أفضلَ منها، هذا
قولُ الشافعيِّ - في أصحِّ قوليه - وأحمدَ وإسحاقَ وغيرِهم.
وقالت طائفةٌ: هي غيرُ جائزةٍ على هذه الصفةِ؛ لكثرةِ ما فيه من الأعمالِ
المباينةِ للصلاةِ من استدبارِ القبلةِ والمشىِ الكثيرِ، والتخلَّفِ عن الإمامِ، وادَّعوا
أنها منسوخةٌ، وهو أحدُ القولينِ للشافعيِّ.
ودعوى النسخِ ها هنا لا دليلَ عليها .
(١) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٤٠٩/١)، وأبو داود (١٢٤٥).
٣٥٣
سورة النساء
وقالتْ طائفةٌ: هي جائزةٌ كغيرِها من أنواعِ صلاةِ الخوفِ الواردةِ عن النبيُّ
وَّ، لا فضلَ لبعضها على بعضٍ، وهو قولُ إسحاقَ - : نقله عنه ابن
٩
منصور .
ونقلَ حربٌ عن إسحاقَ، أن حديثَ ابنِ عمرَ وابنِ مسعودٍ يُعملُ به إذا
كانَ العدوُّ في غير جهةِ القبلةِ .
وكذلك حكى بعضُ أصحابِ سفيانَ كلامَ سفيانَ في العملِ بحديثِ ابنِ
عُمرَ على ذلك.
وقالتْ طائفةٌ: هي أفضلُ أنواعٍ صلاة الخوفِ، هذا قولُ النخعيِّ، وأهلِ
الكوفةِ وأبي حنيفةَ، وأصحابِهِ، وروايةٌ عن سفيانَ، وحُكيَ عن الأوزاعيِّ
وأشهبَ المالكيِّ.
وروى نافعٌ، أنَّ ابنَ عمرَ كان يعلِّم الناسَ صلاةَ الخوفِ على هذا الوجهِ.
وحُكِي عن الحسنِ بنِ صالح، أنه ذهبَ إلى حديثِ ابنِ مسعودٍ، وفيه: أن
الطائفةَ الثانيةَ تصلِّي مع الإمامِ الركعةَ الثانيةَ، ثم إذا سلَّم قضتُ ركعةً، ثم
ذهبتْ إلى مكانِ الطائفةِ الأولى، ثم قضت الطائفةُ الأولَى ركعةً، ثم تسلِّمُ.
وقد قيلَ: إنَّ هذا هو قولُ أشهبَ.
وحَكَى ابنُ عبد البرّ(١)، عن أحمدَ، أَنَّه ذهبَ إلى هذا - أيضًا.
وقال بعضُ أصحابنا: هو أحسنُ من الصلاةِ على حديثِ ابنِ عمر؛ لأنَّ
صلاةَ الطائفة الثانيةِ خلت عن مفسدٍ بالكليةِ .
(١) ((التمهيد)) (٢٦٤/١٥).
٢٠٠ =
٣٥٤
سورة النساء
وحُكي عن أبي يوسفَ ومحمدٍ والحسنِ بن زيادٍ والمزَنِيٌّ: أنَّ صلاةَ الخوف
لا تجوزُ بعد النبيِّ وََّ، الظاهرِ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَقَمْتَ لَهُمُ
الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ﴾ الآية [النساء: ١٠٢].
قالُوا: وإنما يصلِّي الناسُ صلاةَ الخوفِ بعدَهُ بإمامين، كلُّ إمامٍ يصلي
بطائفة صلاةً تامةً، ويسلِّم بهم(١) .
وهذا مردودٌ بإجماعِ الصحابةِ على صلاتِها في حروبِهِم بعدَ النبيِّ
مَكَ اللَّه
وَسـ
وقد صلاَّها بعدَهُ: عليُّ بنُ أبي طالبٍ، وحذيفةُ بنُ اليمانِ، وأبو موسى
الأشعريُ (٢)، مع حضورِ غيرِهم من الصحابةِ، ولم ينكرْه أحدٌ منهم.
وكان ابنُ عمرَ وغيرُهُ يعلِّمون الناسَ صلاةَ الخوفِ، وجابرٌ، وابنُ عباسٍ
وغيرُهما يروونها للناس تعليمًا لهم، ولم يقل أحدٌ منهم: إن ذلك من
خصائصِ النبيِّ وَال.
وخطابُهُ وَِّ لا يمنعُ مشاركةَ أُمَّتَه له في الأحكام، كما في قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَِّيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلَقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، وقوله: ﴿خُذْ مِنْ
أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِيْهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾
[ التوبة : ١٠٣].
وحُكي عن مالكٍ، أنها تجوزُ في السفرِ دون الحضرِ، وهو قولُ عبدِ الملكِ
ابنِ الماجشونِ من أصحابِهِ .
ويحتجُّ له بحملِ آيَةِ القصرِ على صلاةِ الخوفِ، وقد شُرط لها شرطانٍ :
السفرُ والخوفُ، كما سبقَ، ولأنَّ النبيَّ وَ إِنَّما كان يصلِّي صلاةَ الخوفِ في
(١) انظر: ((التمهيد)) (٢٧٩/١٥).
(٢) حديث علي عند البيهقي (٢٥٢/٣)، والآخران تقدمت الرواية عنهما.
٣٥٥
سورة النساء
أسفارِهِ، ولم يصلُّها في الحضرِ مع أنه حُوصرَ بالمدينةِ عامَ الخندق، وطالتْ
مدةُ الحصارِ، واشتدَّ الخوفُ، ولم يصلِّ فيها صلاةَ الخوفِ.
وقد قيلَ: إنَّ صلاةَ الخوف إنَّما شُرعتْ بعدَ غزوةِ الأحزابِ في السنةِ
السابعة .
وقد ذكرَ البخاريُّ في ((المغازي)) من ((كتابِهِ)) (١) هذا - تعليقًا - من حديث
عمرانَ القطَّانِ، عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ، عن أبي سلمةَ، عن جابرٍ، قال:
صلَّى رسولُ اللَّهِ وَ ل﴿رَ بأصحابِهِ في الخوفِ في غزوةِ السابعةِ: غزوة ذاتٍ
الرقاعِ.
وخرَّجه الإمامُ أحمدُ (٢) من روايةِ ابنِ لهيعةَ، عن أبي الزبيرِ، عن جابرٍ،
قالَ: غزَاَ رسولُ اللَّهِ وَلَّهِ سِتَّ مِرَارٍ قبلَ صلاة الخوفِ، وكانتْ صلاةُ الخوف
في السابعةِ .
وقد تقدَّمَ في حديثِ أبي عيَّاشٍ، أنَّ أولَ صلاةِ الخوفِ كانتْ بِعُسْفَانَ،
وعلى المشركين خالدٌ.
وقد روى الواقديّ بإسنادٍ له، عن خالدِ بنِ الوليدِ، أنّ ذلك كان في
مخْرِجِ النبيِّ بَّهِ إلى عُمرةِ الحديبيةِ .
و
وقد تقدَّمَ أنَّ أبا موسى صلَّى بأصبهَانَ هذه الصلاةَ، ولم يكن هناك كبير
خوفٍ، وإنَّما صلَّى بهم ليعلِّمَهم سنةَ صلاةِ الخوفِ .
B
وهذا قد يحملُ على أن كانَ ثمَّ خوفٌ يُبيحُ هذه الصلاةَ، ولم يكن وُجد
(١) (١٤٤/٥ - ١٤٥).
(٢) («المسند)» (٣٤٨/٣).
٣٥٦
سورة النساء
خوفٌ شديدٌ يبيحُ الصلاةَ بالإيماءِ .
وقد قالَ أصحابُنا وأصحابُ الشافعيِّ: لو صلَّى صلاةَ الخوفِ على ما في
حديثِ ابنِ عُمرَ في غيرِ خوفٍ لم تصحَّ صلاةُ المأمومين كلِّهم؛ لإتيانِهِم بما لا
تصحّ معه الصلاةُ في غيرِ حالةِ الخوفِ من المشي والتخلَّفِ عن الإمامِ.
فأمَّا الإمامُ، فلأصحابِنا في صلاتِهِ وجهانٍ، بناءً على أنَّ الإمامَ إذا بَطَلَتْ
صلاةُ مِنْ خلفَه، فهل تبطلُ صلاتُهُ لنيته الإمامةَ وهو منفردٌ، أو يتمُّها منفردًا
وتصحُّ؟ وفيه وجهان للأصحابِ(١) .
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا
وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا الْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾
[ قال البخاريُ](٢): وقولُ اللَّه عزَّ وجلّ: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] مُوَقَتَا، وَقَّتَهُ عَلَيْهِم.
أمَّا ((الكتابُ) فالمرادُ به: الفرْضُ ولم يُذْكَر في القرآن لفظُ الكتاب وما
تصرَّف منه إلا فيما هو لازم: إمَّا شرعًا، مثل قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾
[البقرة: ١٨٣]، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وقوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾
[النساء: ٢٤]. وإمَّا قدرًا، نحو قوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِيَنَّ أَنَا وَرَسَلِي﴾ [المجادلة: ٢١]،
و
وقوله: ﴿وَلَوْلا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾ [الحشر: ٣].
(١) ((فتح الباري)) (١٨:٧/٦).
(٢) ((صحيح البخاري)) (١٣٩/١).
٣٥٧
سورة النساء
* موقوتا .
وأما قوله :
• [النساء: ١٠٣] ففيه قولان :
أحدهما: أنه بمعنى المؤقَّتِ في أوقات معلومة، وهو قولُ ابنِ مسعودٍ
وقتادةَ وزيد بن أسلمَ، وهو الذي ذكره البخاريُّ هنا، ورجَّحه ابنُ قُتيبةً وغيرُ
واحد .
قال قتادةُ في تفسير هذه الآية: قال ابنُ مسعود: إنَّ للصلاة وقْتًا كوقت
لحجٍّ.
وقال زيدُ بنُ أسلمَ: مُنجَّمًا، كلما مضى نَجْمٌ جاء نَجْمٌ، يقول: كلما
مضى وقت جاء وقت.
وقالتْ طائفةٌ: معنى ﴿مَّوْقُوتَا﴾ [النساء: ١٠٣]: مفروضًا أو واجبًا : قاله
مجاهدٌ والحسنُ وغيرُهُما.
ورَوَى عليّ بن أبي طلحة، عن ابنِ عباسٍ، قال: يعني: مفروضًا.
وتأوَّل بعضُهم الفرضَ هنا على التقدير، فرَجعَ المعنى حينئذٍ إلى تقديرٍ
أعدادها ومواقيتِها، واللَّهُ أعلمُ.
وقال الشافعيُّ: الموقوتُ - واللَّهُ أعلمُ - : الوقتُ الذي تُصلَّى فيه
وعددُها(١)
.
(١) ((فتح الباري)) (٧/٣ - ٨).
٣٥٨
سورة النساء
قوله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِن نَّجْوَاهُمْ إِلَّ مَنْ أَمْرَ
بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ
ذَلَكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا }
وقوله: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِن نَّجْوَاهُمْ إِلَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ
النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: ١١٤]
فَنَفَى الخيرَ عن كثيرٍ ممّ يتناجى به الناسُ إلا في الأمرِ بالمعروفِ، وخصَّ
من أفرادِهِ الصَّدقةَ والإصلاحَ بينَ الناسِ لعمومِ نفعِهِما، فدلَّ ذلكَ على أنَّ
التناجي بذلكَ خيرٌ، وأمَّا الثوابُ عليه مِنَ اللَّه، فخصَّه بمنْ فعله ابتغاءَ
مرضاتِ اللَّهِ.
وإنَّما جعلَ الأمرَ بالمعروفِ مِنَ الصَّدقةِ والإصلاحِ بينَ الناسِ وغيرِهما
خيرًاً، وإنْ لم يُبْتَغَ به وجهُ اللَّهِ، لما يترتَبُ على ذلكَ منَ النَّفْعِ المُتعدِّي،
فِيَحْصُلُ به للناسِ إحسانٌ وخيرٌ، وأمَّا بالنسبة إلى الأمرِ، فإن قَصَدَ به وجْهَ
اللَّهِ، وابتغاءَ مرضاتِهِ، كان خيرًا له وأُثِيبَ عليه، وإنْ لم يقصدْ ذلك، لم
یکن خیرا له، ولا ثوابَ له علیه.
وهذا بخلافٍ من صامَ وصلَّى وذكرَ اللَّهَ، يَقصدُ بذلك عَرَضَ الدُّنيا، فإنَّه
لا خيرَ له فيه بالكُليّة، لأنَّه لا نفعَ في ذلكَ لصاحبِهِ، لما يترتَّبُ عليه من
الإثمِ فيهِ، ولا لغيرِهِ؛ لأنَّه لا يتعدَّى نفعُهُ إلى أحد، اللَّهُمَّ إلا أنْ يحصُلَ
لأحدٍ به اقتداءٌ في ذلك(١) .
(١) ((جامع العلوم والحكم)) (٣٠/١ -٣١).
٣٥٩
سورة النساء
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيَكُمْ وَلا أَمَانِىّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ
سُوءَا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّه وَلَيَّا وَلا نَصيرا ﴾
١٩
ءُ
وخرَّج الترمذيُّ(١) من حديث عائشةَ أنها سألتِ النبيَّ بَّ عن قولِهِ
تعالى: ﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، وعن
قولِهِ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءَا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، فقال: ((هذه معاتبةُ اللَّه العبدَ بما
يصيبه من الحمَّى، والنكبة، حتى البضاعةِ يضعها في جيب قميصِه، فيفقدُها، فيفزعُ
لذلك، حتَّى إنَّ العبدَ ليخرجَ من ذنوبِهِ، كما يخرجُ النِّبْر الأحمرُ من الكِيرِ)).
وقال: حسنٌ غريبٌ(٢)
وفي الترمذي (٣) عن أبي بكر الصديقِ أنه كانَ عندَ النبيِّ نَّهِ فقراً هذه الآيةَ
حين أنزلتْ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] قالَ: ولا أعلمُ إلا أنِّ
وجدتُ في ظهري انفصامًا، فتمطأتُ لَهَا، وقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، وأينا لم
يعملْ سوءًاً؟ أو إنَّا لمجزيون بما عملْنَا؟ فقالَ رسولُ اللَّه وَله: ((أمَّا أنت يا أبا
بكر والمؤمنونَ، فتجزونَ بذلكَ في الدُّنيا، حتى تلقوا اللَّهَ وليس لكم ذنبٌ، وأمَّا الآخرونَ
فيجمعُ ذلك لهم حتَّى يُجزوا به يومَ القيامةِ).
وفي «مسندٍ بقيِّ بن مَخْلَدِ)) بإسنادٍ جيدٍ - عن عائشةَ أنَّ رجلاً تلاَ هذه
الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، فقالَ: إنا لَنُجْزَى بكلِّ عملٍ
عملنا؟ هلكنا إذًا! فبلغَ ذلكَ رسولَ اللَّهِ وَلِّ فقالَ: ((نعم، يُجزى به المؤمنُ في
(١) الترمذي (٢٩٩١).
(٢) رسالة ((البشارة العظمى للمؤمن)) (ص ٨٨).
(٣) الترمذي (٣٠٣٩).
٣٦٠
سورة النساء
الدنيا، في نفْسِهِ، في جسده فما دونَهُ)(١). (٢)
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصِّينَا
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِن تَكْفُرُوا
فَإِنَّ لِلِّ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا ﴾
حقُّ اللَّه على عباده أن يتَّقُوهَ حقَّ تقاته، والتَّقوى وصيةُ اللَّه للأولينَ
والآخرينَ، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا
اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١].
وأصلُ التقوى: أن يجعل العبدُ بينه وبينَ ما يخافُهُ ويحذرُهُ وقايةً تقيه منه،
فتقوى العبدِ لربِّه أن يجعلَ بينَه وبينَ ما يخشاهُ من ربِّه من غضبِهِ وسخطِهِ
وعقابهِ وقايةً تقيه من ذلك، وهو فعلُ طاعتِهِ واجتنابُ معاصيهِ.
وتارةً تُضافُ التقوى إلى اسمِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، كقولهِ تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ
الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَظُرْ نَفْسٌ مَّا
قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨]، فإذا أضيفت التقوى
إليه سبحانَهَ وتعالى، فالمعنى: اتقوا سخطَهُ وغضبَهُ، وهو أعظمُ ما يُتَّقَى،
وعن ذلكَ ينشأُ عقابُهُ الدنيويُّ والأخرويُّ، قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾
[آل عمران: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦]، فهو
(١) أخرجه: أحمد في (المسند)) (٦٥/٦ - ٦٦)، وأبو يعلى (١٣٥/٨، ٢٥٣)، وابن حبان
(٢٩٢٣).
(٢) رسالة ((البشارة العظمى للمؤمن)) (٨٨ - ٩٢ مختصرًا).