النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١
سورة آل عمران
فدخلَ في شعبٍ، فإذا رجلٌ في رجليه سلسلةٌ مربوطٌ بها، بينه وبينَ الماء
شبرٌ، فقالَ: اسقني رحمكَ اللَّهُ، قال: فأخذتُ ملءَ كفيَّ ماءً فرفعَ بالسلسلةِ
فذهبَ الماءُ، فلما ذهبَ الماءُ حطّ الرجل: قال: ففعلتُ ذلكَ ثلاثَ مرَّات، أو
أربعًا، قالَ: فلما رأيتُ ذلك منه، قلتُ له: ما لكَ ويحكَ؟ قال: هو ابنُ آدم
الذي قتلَ أخاهُ، والله ما قُتْلَتْ نفسٌ ظُلْمًا منذ قتلتُ أخي إلا يعذِّبني اللَّهُ
بها، لأنّي أوَّلُ من سنَّ القتلَ.
وروى تمامُ بنُ محمد الرازيُّ في كتابِ ((الرهبانِ)» حدثنا عصمةُ العبادانِيُّ،
قال: كنتُ أجولُ في بعضِ الفلواتِ، إذ بصرتُ دِيرًا وفيه صومعةٌ، وفيها
راهبٌ، فناديتُه، فأشرفَ عليَّ، فقلتُ له: من أينَ تأتيكَ الميرةُ؟ قال: من
مسيرة شهرٍ. قلتُ: حدثني بأعجبِ ما رأيتَ في هذا الموضعِ. قالَ: بينا أنا
ذاتَ يومٍ أديرُ ببصري في هذهِ البريةِ القفرِ وأتفكر في عظمة اللَّهِ وقدرته، إذ
رأيتُ طائرًاً أبيضَ مثلَ النعامةِ كبيرًا، قد وقعَ على تلك الصخرةِ - وأومى
بيده إلى صخرةٍ بيضاء فتقيأ رأسًا، ثمَّ رجلاً، ثم ساقًا، فإذا هو كلما تقيأ
عضوًا من تلك الأعضاءِ التمتْ بعضُها إلى بعضِ أسرعَ من البرقِ، فإذا هَمَّ
بالنهوضِ نقره الطائرُ نقرةً قطعه أعضاءً، ثم يرجعُ فيبتلعه، فلم يزل على
ذلك أيامًا، فكثرَ تعجبي منه، وازددتُ يقينًا بعظمة اللَّهِ، وعلمتُ أن لهذه
الأجسادِ حياةً بعد الموتِ، وذكر أنه سألَ عن ذلكَ الرجلَ يومًا عن أمرِهِ،
فقالَ: أنا عبدُ الرحمنِ بنُ مُلجمٍ، قاتلُ عليٍّ بنِ أبي طالبٍ كرَّمَ اللَّه وجهَهُ،
أمرَ اللَّهُ هذا الَلَكَ أن يعذِّبني إلى يومِ القيامة، قال: وقالَ لي الملكُ: أمرَنِي
رسولُ اللَّهِ وَّ أن أمضي بهذا الجسدِ إلى جزيرةٍ في البحرِ الأسودِ التي يخرجُ
منه هوامُّ أهلِ النارِ، فأعذّبُهُ إلى يومِ القيامةِ .
٢٦٢
سورة آل عمران
وقد رويتْ هذه الحكايةُ من وجهِ آخرَ، خرَّجها ابنُ النجارِ في ((تاريخه)»
من طريقِ السلَفيِّ، بإسنادٍ له، إلى الحسينِ بنِ محمدِ بنِ عبيدِ العسكريِّ،
أخبرنا إسماعيلُ بنُ أحمدَ بنِ عليٍّ بنِ أحمدَ بنِ يحيى بنِ النجمِ - سنةَ ثلاثَ
عشرةَ وثلاثمائةِ - أنه حضر مع يوسفَ بنِ أبي التياحِ بيلاد سنباطَ حينَ
فتحَهَا، وأن سنباطَ حضر مجلسَهُ، وحدّثه عن راهبٍ سماه لي، فأحضرَ
يوسفُ الراهبَ، فحدَّثْه الراهبُ بعد الامتناع، أن مَلِكًا نفاهُ إلى جزيرةٍ على
البحرِ منفردة، قال: فرأيتُ يومًا طيرًا - فذكرَ شبيهًا بالحكايةِ .
ورُويتْ من وجهٍ آخرَ، من طريقِ أبي عبدِ اللَّهِ محمدِ بنِ أحمدَ بنِ إبراهيمَ
الرازيِّ، صاحب ((السداسياتِ)) المشهورةِ، عن عليّ بنِ بقاءِ بنِ محمدٍ
الوراقِّ، حدثنا أبو محمدٍ عبد الرحمنِ بن عمرَ البزارِ، قال: سمعتُ أبا بكر
محمدَ بنَ أحمدَ بنَ أبي الأصبغِ، قال: قَدِمِ علينا شيخٌ غريبٌ، فذكر أنه كان
نصرانيًّا سنينَ، وأنه تعبَّدَ في صومعتِهِ قال: فبينما هو جالسٌ ذاتَ يومٍ، إذ
جاءَ طائرٌ كالنسرٍ، أو كالكرْكِيِّ. فذكر شبيهًا بالحكاية مختصراً.
وكلُّ ما وردَ من هذه الآثارِ فإنه محمولٌ على أنَّ الأرواحَ تنتقلُ من مكان
ء
إلى مكانٍ، ولا يدلُّ على أنَّها تستقرُ في موضعٍ معينٍ من الأرضِ، واللّهُ
أعلم.
ويشهدُ لهذا ما رُوي عن شهرِ بنِ حوشبٍ، قال: كتبَ عبدُ اللَّهِ بنُ عمرو
ے
إلى أبي بن كعبٍ، يسأله: أين تلْتَقِي أرواحُ أهلِ الجنةِ وأرواحُ أهلِ النارِ؟
فقال: أما أرواحُ أهلِ الجنةِ فبالباديةِ، وأما أرواحُ الكفارِ، فبحضرَموت، ذكره
ابنُ منْدَه تعليقًا .
٢٦٣
سورة آل عمران
وقالتْ طائفةٌ من الصحابة: الأرواحُ عندَ اللَّه عزَّ وجلَّ، وقد صحَّ ذلك
٠
عن ابنِ عمرٍو، وقد سبقَ قولُهُ.
وكذلكَ رُوي عن حذيفةَ، خرَّجه ابن منده، من طريقِ داودَ الأوديِّ، عن
الشعبيِّ، عن حذيفةَ، قالَ: إنَّ الأرواحَ موقوفةٌ عندَ اللَّه تعالى، تنتظرُ
موعدَها، حتَّى ينفخَ فيها، وهذا إسنادٌ ضعيفٌ، هذا لا ينافي ما وردت به
الأخبارُ من محلِّ الأرواحِ على ما سبقَ.
وقال طائفةٌ: أرواحُ بني آدمَ عند أبيهم آدمَ عليه السلامُ عن يمينه وشماله
وهذا يستدلُّ له بما في (الصحيحينِ)) (١) عن أنسٍ، عن أبي ذرِ ظُوَُّ، عن النبيِّ
ءَ
وَله، قال: ((فرج سقف بيتي وأنا بمكة))، فذكر الحديثَ وفيه: ((فلمَّا فتحَ، علونا
السماءَ الدنيا، فإذا رجلٌ قاعدٌ عن يمينه أسودَةٌ، وعن يساره أسودةٌ، فإذا نظر قبَل يمينه
٠٠
ضحكَ، وإذا نظرَ قِبَلِ شمالِهِ بكى، فقال: مرحبًا بالنبيِّالصالح والابن الصالحِ، قلتُ
لجبريلَ: من هذا؟ قال: هذا آدمُ، وهذه الأسودةُ عن يمينه وعن شمالهِ نسمُ بني آدمَ، فأهل
اليمين منهم أهلُ الجنةِ، والأسودةُ التي عن شماله أهلُ النارِ، فإذا نظرَ عن يمينه ضحكَ،
وإذا نظرَ عن شماله بَكَى .. )) وذكر بقية الحديثِ .
وظاهرُ هذا اللفظِ يقتضي أنَّ أرواحَ الكفارِ في السماءِ، وهذا مخالفٌ لقوله
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾
[الأعراف: ٤٠]، وكذلك حديثُ البراءِ وأبي هريرةَ وغيرِهما، أنَّ السماءَ لا تفتحُ
الروحِ الكافرِ، وأنها تطرحُ طرْحًا، وأنَّ رسولَ اللَّهِ وَلِّ، قرأ: ﴿وَمَن يُشْرِكْ
بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾
[الحج: ٣١].
(١) أخرجه: البخاري (٩٧/١)، (١٩١/٢)، (١٦٤/٤)، ومسلم (١٠٢/١).
٢٦٤
سورة آل عمران
قد حملَهُ بعضُهم على أنَّ هذه الأرواحَ التي عن يمينِ آدمَ وشمالِهِ هي
أرواحُ العصاةِ من الموحدينَ وحملَها بعضُهم على أنها أرواحُ بنيهِ الذينَ لم
تُخلقْ أجسادُهُم بعد، وهذا في غايةِ البعدِ مع منازعةِ بعضِهم في خلقِ
الأرواحِ قبل أجسادها.
وقد وردَ من حديث أبي هريرةَ، ما يزيلُ هذا الإشكالَ كلَّه، من روايةٍ أبي
جعفرِ الرازيِّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ عن أبي العاليةَ أو غيرِهِ، عن أبي هريرةَ،
فذكر حديثَ الإسراء بطوله، إلى أن قال: ((ثمَّ صعد به إلى سماء الدنيا، فاستفتح،
فقيل: من هذا؟ قال: جبريلُ، قيلَ: ومن معك؟ قال: محمدٌ، قالُوا: وقد أُرْسلَ محمدٌ؟
قال: نعم، قالَ: حَيَّاه اللَّهُ من أخٍ ومن خليفة، فنِعْمَ الأخُ، ونعمَ الخليفةُ، ونعمَ المجيءُ
جاءَ، قال: فدخلَ فإذا هو برجلٍ تامِّ الخلقِ، لم ينقصْ من خلقِه شيءٌ كما ينقص من
خلقِ الناسِ، عن يمينِهِ بابٌ يخرجُ منه ريحٌ طيبةٌ، وعن شمالِهِ بابٌ يخرجُ منه ريحٌ خبيئٌ،
إذا نظرَ إلى البابِ الذي عن يمينه ضحكَ واستبشرَ، وإذا نظرَ إلى البابِ الذي عن شمالهِ
بكى وحزنَ، قالَ النبيُّنَ له: يا جبريلُ من هذا الشيخُ التامُّ الخلقِ الذي لم ينقصْ من
خلقه شيءٌ؟ وما هذانِ البابانِ؟ قال: هذا أبوكَ آدمُ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّم. البابُ الذي
عن يمينه بابُ الجنة، فإذا نظرَ من يدخلُ الجنةَ من ذريته ضحكَ واستبشرَ، والبابُ الذي
عن شماله بابُ جهنّم، فإذا نظرَ من يدخلُ من ذريته النارَ بکی وحزِنَ))، وذكر
الحدیثَ.
وقد خرَّجه بتمامِهِ البزََّرُ في ((مسنده)(١) ، وأبو بكرِ الخلالُ وغيرُ واحد،
٠٠
وفيه التصريحُ بأن أرواحَ ذريته في الجنةِ والنارِ، وأنه ينظرُ إلى أهلِ الجنةِ من
بابٍ عن يمينِهِ، وإلى أهلِ النارِ من بابٍ عن شمالِهِ، وهذا لا يقتضي أن تكون
(١) عزاه الهيثمي في ((المجمع)) (١/ ٧٢) إلى البزار، وهو جزء من حديث طويل في قصة الإسراء.
٢٦٥
سورة آل عمران
الجنةُ والنارُ في السماءِ الدُّنيا، وإنَّما معناه أنَّ آدمَ في السماء الدنيا، يفتحُ له
صََلَىالله
ءُ
بابانِ إلى الجنةِ والنارِ، ينظرُ منهما إلى أرواحٍ ولدِه فيهما. وقد رأى النبيّ
وسلم
الجنة والنارَ في صلاةِ الكسوفِ وهو في الأرضِ وليستِ الجنةُ في الأرضِ،
ورُوي أنه رآها ليلة الإسراء في السماءِ وليستِ النارُ في السماءِ.
ويشهدُ لذلكَ - أيضًا - ما في حديثٍ أبي هارونَ العبدِيِّ - مع ضعفٍ
حديثِهِ - عن أبي سعيد الخدريِّ، عن النبيِّ وَّ في حديثِ الإسراءِ الطويلِ
إلى أنْ ذكرَ السماءَ الدنيا: ((وإذا أنا برجلٍ كهيئته يوم خلقَهُ اللهُ - عزَّ وجلَّ - لم يتغيرُ
منه شيءٌ، وإذا تُعْرَضُ عليه أرواحُ ذريتِهِ، فإذا كان روحُ مؤمنٍ قال: روحٌ طيبٌ، وریحٌ
طيبةٌ، اجعلُوا كتابَهُ في عليّينَ. وإذا كان روحُ كافٍ، قال: روحٌ خبيثةٌ، وربحٌ خبيثٌ،
اجعلُوا كتابه في سجِّن، قلتُ: يا جبريلُ من هذا؟ قال: أبوكَ آدمُ))، وذكرَ الحديثَ،
ففي هذا أنه تُعْرَضُ عليه أرواحُ ذريتِهِ في السماءِ الدنيا، وأنه يأمرُ بجعلِ
الأرواحِ في مستقرِّها من علِّينَ وسجِّينَ، فدلَّ على أن الأرواحَ ليس محلٌ
استقرارِها في السماءِ الدُّنْيَا.
وزعمَ ابنُ حزمٍ أنَّ اللَّه خلقَ الأرواحَ جملةً قبلَ الأجسادِ، وأنه جعلها في
برزخٍ، وذلك البرزخُ عند منقطعِ العناصرِ، يعني حيثُ لا ماءَ ولا هواءَ ولا
نارَ ولا ترابَ، وأنه إذا خلقَ الأجسادَ أدخلَ فيها تلكَ الأرواحَ، ثم يعيدها
عند قبضِها إلى ذلك البرزخِ، وهو الذي رآها رسولُ اللَّهِ وَّه في ليلةٍ أُسْرِي
به، عند سماء الدنيا، أرواحُ أهلِ السعادةِ عن يمينِ آدمَ، وأرواحُ أهلِ الشقاوةِ
عن يسارِهِ، وذلك عند منقطع العناصرِ، وتُجعلُ أرواحُ الأنبياء والشهداء إلى
الجنة .
قال: وذكرَ محمدُ بنُ نصرٍ المروزيُّ، عن إسحاقَ بنِ راهويه، أنه ذكرَ هذا
٢٦٦
سورة آل عمران
الذي قلنَاه بعينه، قالَ: وعلى هذا أجمعَ أهلُ العلمِ، قالَ ابنُ حزمٍ: وهو
قولُ جميعِ أهلِ الإسلامِ، هذا مختصرُ ما ذكرَهُ، ولا يُعرفُ ما قالَهُ في هذا
عن أحدٍ من أهلِ الإسلامِ غيرِهِ.
فكيفَ يكونُ قولَ جميعَ أهلِ الإسلامِ، وكلامُهُ يقتضي أن الأرواحَ رآها
النبيُّ وَّهِ ليلةَ الإسراءِ تحتَ السماءِ الدُّنْيا، والحديثُ إنما يدلُّ على أنه إنما
رآها فوقَ السماء الدنيا، وما حُكِي عن محمدِ بن نصرٍ، عن إسحاقَ بنِ
راهويهِ، فلا يدلُّ على ما قالَهُ بوجهٍ، فإن محمدَ بنَ نصرٍ حكى عن إسحاقَ
بنِ راهويهِ إجماعَ أهلِ العلمِ على أنَّ اللَّهَ تعالى استخرجَ ذريتَهُ من صلبِهِ قبلَ
خلقَ أجسادِهم واستنطَقَهُم واستشهدَهُم على أنفسِهِم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِكُمْ قَالُوا بَلَى
شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: ١٧٢]. ولم يذكر أكثرَ من هذا، وهذا لا يدلُّ على شيءٍ مما
قاله ابنُ حزمٍ في مستقرِّ الأرواحِ الميتةِ، بل ولا على أنَّ الأرواحَ بقيتْ على
حالِها، بلْ في بعضِ الأحاديثِ أنه ردَّها إلى صلبِ آدمَ، ولم يقلْ إسحاقُ
ولا غيرُهُ من المسلمينَ: إن مستقرَّ الأرواحِ حيثُ منقطعِ العناصِر، بل وليسَ
هذا من جنسِ كلامِ المسلمينَ، بل من جنسِ كلامِ المتفلسفةِ.
وقد خرَّج ابنُ جريرِ الطبريُّ في كتابِ ((الآدابِ» لهُ، من طريقِ أبي
معشرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ، عن المغيرةِ بنِ عبدِ الرحمنِ، قالَ: قالَ سلمانُ
العبدِ اللَّهِ بنِ سلامٍ: إنَّ متَّ قبلي فأخبرِنِي بما تلْقَى، وإنْ مِتُّ قبلكَ أخبرتُك
بما ألقى، فقالَ له الناسُ: يا عبدَ اللَّهِ كيف تخبرنا وقد مِتَّ؟ قالَ: ما منْ روحٍ
تُقْبضُ من جسدٍ إلا كانتْ بينَ السماءِ والأرضِ حتى تُردَّ في جسدهِ الذي
أخذتْ منه، وهذا لا يثبتُ وهو منقطعٌ، وأبو معشرٍ: ضعيفٌ، وقد سبقَ
روايةُ سعيدِ بنِ المسيبِ لهذه القصة بغير هذا اللفظِ وهو الصحيحُ.
٢٦٧
سورة آل عمران
وقد تقدمَ في سؤالِ عبدِ اللهِ بنِ الإمامِ أحمدَ لأبيهِ عن الأرواحِ هل تموتُ
بموتِ الأجساد؟ وهذا يدلُّ على أنَّ هذا قد قيل أيضًا وهو كذلكَ.
وقد حُكِي عن طائفةٍ من المتكلمينَ وذهبَ إليه جماعةٌ من فقهاءِ الأندلسِ
قدِيمًا، منهم عبدُ الأعلى بنُ وهبٍ ومحمدُ بنُ عمرَ بن لبابة، ومن متأخرِيهم
كالسهيلي وأبي بكرِ بنِ العربيِّ وغيرِهِما، قالَ أبو الوليد بنُ الفرضيِّ في
(تاريخِ الأندلسِ)): أخبرني سليمانُ بنُ أيوبَ، قالَ: سألتُ محمدَ بنَ
عبدِ الملكِ بنِ أيمن، عنِ الأرواحِ؟ فقالَ لِي: كانَ محمدُ بنُ عمرَ بنِ لبابةِ
يذهبُ إلى أنها تموتُ. وسألته عن ذلكَ؟ فقالَ: كذا كانَ عبدُ الأعْلَى يذهبُ
فيها، قالَ ابنُ أيمن، فقلتُ له: إنَّ عبدَ الأعْلَى كان قدْ طالعَ كتبَ المعتزلةِ
ونظرَ في كلامِ المتكلمينَ، فقالَ: إنَّما قلدتُ عبدَ الأعْلَى ليسَ علىَّ من هذا
شيءٌ. انتهى.
وقد استدلَّ أربابُ هذا القول بقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل
عمران: ١٨٥]، وهذا حقٌّ كما أخبرَ اللَّهُ به، لا مِرْيَةَ فيه، ولكن الشأنَ في فهمٍ
معناهُ، فإن النفسَ يُرادُ بها مجموعُ الروحِ والبدنِ. كما في قولِهِ تعالى:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا { فَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧ -٨]. وقوله سبحانه
وتعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢]. وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتَلُوا أَنفُسَكُمْ﴾
[النساء: ٢٩]. وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]. وقوله تعالى:
﴿ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾ [النحل: ١١١]. وقوله وَّ: ((ما منْ نفس
مَنْفُوسة إلا اللَّهُ خالقُها))(١) .
ء
(١) أخرجه: مسلم (١٥٩/٤) من حديث أبي سعيد الخدري فوقه.
٢٦٨
سورة آل عمران
وقوله وَّ: ((ما مِنْ نفسِ مِنْفُوسة اليومَ، يأتي عليها مائةُ سنةٍ وهي حيَّةٌ يومئذ))(١).
وفي رواية: ((لا يأتي مائةُ سنةٍ وعلى الأرضِ نفسٌ منفوسةٌ اليومَ)).
والمرادُ موتُ الأحياءِ الموجودينَ في يومِهِ ذلكَ، ومفارقةُ أرواحِهم
لأبدانهم، قبلَ المائةِ سنةٍ، ليس المرادُ عدمَ أرواحِهِم واضمحلالهَا، فكذلك
قولُهُ سبحانَهُ وتعالى: ﴿كُلُّنَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، إنَّما المرادُ كلُّ
مخلوقٍ فيه حياةٌ فإنَّه يذوقُ الموتَ، وتفارقُ رُوحُهُ بدَنَه، فإنْ أرادَ من قالَ: إن
النفس والروحَ تموتُ، إنها تذوقُ ألمَ مفارقةِ الجسدِ فهو حقٌّ، وإنْ أرادَ أنَّها
تُعدم وتتلاشى فليسَ بحقٍّ، وقدْ استنكرَ العلماءُ هذه المقالةَ، حتى قالَ
سحنونُ بنُ سعيدٍ وغيرُهُ: هذا قولُ أهلِ البدعِ، والنصوصُ الكثيرةُ الدالةُ على
بقاءِ الأرواحِ بعدَ مفارقتها للأبدانِ تردُّ ذلكَ وتبطلُهُ.
ولكن قد تخيلَ بعضُ المتأخرينَ موتَ الأرواحِ عند النفخةِ الأولى مستدلاً
بقوله تعالى: ﴿وَنَفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلَّ مَن شَاءَ
اللَّهُ ﴾ [الزمر: ٦٨]، وردَّ عليه آخرونَ، وقالَ: إنَّما المرادُ أنه يموتُ من لم يكنْ
ماتَ قبلَ ذلكَ، ولكنْ وردَ عن طائفةٍ من السلفِ في قولِهِ: ﴿إِلَّ مَن شَاءَ اللَّهُ﴾
[ الزمر: ٦٨] أن المستثنى هم الشهداءُ.
روي ذلك عن أبي هريرةَ وابنِ عباسٍ وسعيدِ بنِ جبيرٍ وغيرِهِم ◌ِّمُ،
ورُوي ذلكَ عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ◌َّر في حديثِ الصورِ الطويلِ (٢)،
ومن وجهٍ آخرَ بإسنادِ أجودَ من إسنادِ حديث الصورِ، وهذا يدلُّ على أن
للشهداء حياةً يشاركونَ بها الأحياءَ، حتى يحتاجَ إلى استثنائهم ممن يصعقُ من
(١) أخرجه: البخاري (١ / ٤٠) من حديث عبد الله بن عمر فزلوقف).
(٢) راجع: ((التفسير)) لابن جرير الطبري (٣٠/٢٤).
٢٦٩
سورة آل عمران
الأحياء وقد قيلَ في الأنبياءِ مثلُ ذلكَ أيضًا.
وعلى هذا حمَلَ طائفةٌ من العلماءِ منهمُ البيهقيُّ وأبو العباسِ القرطبيُّ قولَ
النبيِّ وَّ في قوله تعالى: ﴿وَتُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ
إِلَّ مَن شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ [الزمر: ٦٨]، فأكونُ أنا أولُ من يبعثُ، فإذا موسى
آخذٌ بالعرشِ، فلا أدْرِي أحوسبَ بصعقةِ الطورِ أم بُعثَ قبلِى))(١)، وفي رواية: ((أوْ
كانَ ممن استَثْنى اللَّهُ). فإن حياةَ الأنبياءِ أكملُ من حياةِ الشهداءِ، بلا ريبِ،
فيشملُهم حكمُ الأحياءِ أيضًا، ويصعقونَ مع الأحياءِ حينئذٍ، لكنْ صعقةُ
غشي لا صعقةَ موتٍ، إلا موسى فإنه تردَّدَ فيه هل صُعِقُ أم كان ممن استثْنِى
اللَّهُ، فلم يُصعقْ لمجازاةِ اللَّهِ له، بصعقة الطور؟ ولكنْ على هذا التقدير
فموسى مبعوثٌ قبل مَحمدٍ بَ لِّ، لا محالةَ، فكيفَ تردَّ النبيَّ ◌َّ في ذلك
في كونِ الشهداءِ لا يُصعقونَ والأنبياءُ يُصعقُونَ، إشكالٌ أيضًا، والله أعلمُ
بمرادِهِ ومرادِ رسولِهِ وَّل﴾ في ذلك كلِّه.
والفرقُ بينَ حياة الشهداءِ وغيرِهم منَ المؤمنينَ الذين أرواحُهُم في الجنةِ،
وجهين :
أحدُهُما: أنَّ أرواحَ الشهداءِ تُخلقُ لها أجسادٌ، وهي الطيرُ التي تكونُ في
حواصلها، ليكملَ بذلك نعيمُها، ويكونُ أكملُ من نعيمِ الأرواحِ المجردةِ عنِ
الأجساد، فإن الشهداءَ بذلُوا أجسادَهُم للقتلِ في سبيلِ اللَّهِ فعوّضوا عنها بها
الأجسادَ في البرزخِ.
والثاني: أنهم يُرزقونَ في الجنةِ، وغيرُهُم لم يثبتْ له في حقِّه مثلُ ذلكَ فإنه
(١) أخرجه: البخاري (١٥٨/٣)، (١٩٢/٤ - ١٩٣)، (١٣٤/٨)، (١٧٠/٩)، ومسلم (٧ / ١٠٠
- ١٠١) من حديث أبي هريرة ظِلّه.
٢٧٠
سورة آل عمران
جاءَ أنهم يُعلَّقون في شجرِ الجنةِ. ورُوي يعلقون بفتح اللامِ وضَمِّها، فقيلَ:
إِنَّهما بمعنَّى، وأنَّ المرادَ الأكلُ من الشجرِ، قال ابنُ عبدِ البرِّ: وقيل: بلْ روايةٌ
الضمِّ معناها الأكلُ، وروايةُ الفتحِ معناها التعلُّق. وهو التسترُ. وبكلِّ حال
فلا يلزم مساواتُهُم للشهداءِ في كمالِ تنعمهم بالأكلِ، واللَّهُ أعلم.
وقد ذهبَ طائفةٌ من المتكلمينَ إلى أن الروحَ عرضٌ لا تبقى بعدَ الموتِ،
وحملُوا ما وردَ من عذابِ الأرواحِ ونعيمِها بعدَ الموتِ على أحدِ أمرينٍ: إما
أنَّ العرضَ الذي هو الحياةُ يعادُ إلى جزء من البدنِ، أو على أنْ يخلقَ في بدنِ
آخرَ .
وهذا الثاني باطلٌ قطْعًا، لأنه يلزمُ منه أنْ يعذَّب بدنٌ غيرُ بدنِ الميتِ، معَ
روحٍ غيرِ روحِهِ، فلا يعذَّبُ حينئذٍ بدنُ الميتِ ولا رُوحُه، ولا يتنعمانِ أيضًا،
وهذا باطلٌ قطعًا، والأولُ باطلٌ - أيضًا - بالنصوصِ الدالةِ على بقاءِ الروحِ
منفردةً عن البدنِ بعد مفارقتِها له، وهي كثيرةٌ جدًا وقد سبقَ ذكرُ بعضها.
وقد احتجَّ بعضُهم على فناءِ الأرواحِ وموتِها بما رُوي عن النبيِّوَّلِ أَنَّه كانَ
إذا دخلَ المقابرَ قالَ: ((السَّلَامُ عليكُم أيتُها الأرواحُ الفانيةُ، والأبدانُ الباليةُ، والعظامُ
النخرةُ، التي خرجتْ من الدُّنْيا وهي باللَّه مؤمنةٌ، اللَّهُمَّ أدخلْ عليهم رَوْحًا منكَ وسَلَامًا
منَّا)، وهذا حديثٌ خرَّجه ابنُ السُّنيَّ(١)، من طريقِ عبدِ الوهابِ بنِ جابرِ
التيميِّ، حدثنا حبانُ بنُ عليٍّ، عن الأعمشِ، عن أبي رزينٍ، عن ابنِ مسعودٍ
مِثُه، عن النبيِّ بَّه، وهذا لا يثبتُ رفعُه، وعبدُ الوهاب لا يُعرفُ، وحبّانُ
ضعيفٌ، ولو صحَّ حُمِلَ على أنَّه أرادَ بفناءِ الأرواحِ ذهابَها من الأجسادِ
(١) ((عمل اليوم والليلة)) (٥٩٣).
٢٧١
سورة آل عمران
و
المشاهدة، كما في قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، وبعض
الأبدان باقيةٌ، كأجساد الأنبياء عليهم الصلاةُ والسلامُ وغيرِهم، وإنما تفارقُ
أرواحُها أجسادَها .
وذَكَرَ بعضُهم عن ابنِ عباسٍ بِوَُّ أنه سئل أينَ تكونُ الأرواحُ إذا فارقتِ
الأجسادَ؟ فقال: أين يكونُ السراجُ إذا طُفِي، والبصرُ إذا عَمِيَ، ولحمُ المريضِ
إذا مَرِض؟ فقالُوا: إلى أينَ؟ قال: فكذلكَ الأرواحُ، وهذا لا يصحَّ عْنِ ابنِ
عباسٍ رضي اللَّهُ عنهما، واللهُ أعلمُ (١).
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ
فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِمَنَا وَقَالُوا حَسْنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾
إذا وفَّقِ اللَّهُ عبدًا: توكَّلَ بحفظه وكلاءته، وهدايتهِ وإرشادِهِ، وتوفيقه
وتسديده. وإذا أخذلَهُ وكله إلى نفسِهِ أو إلى غيرِهِ، ولهذا كانتْ هذه الكلمةُ:
« حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] كلمةً عظيمةً، وهي التي قالها إبراهيمُ
عليه الصلاةُ والسلامُ حين أُلقيَ في النارِ، وقالَهَا محمدٌ رسولُ اللّه وَلَهِ حِين
قالَ لهُ الناسُ: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ
وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وقالتْهَا عائشةُ حين ركبت الناقةَ لَّا انقطعتْ عن
الجيشِ، وهي كلمةُ المؤمنينَ.
فمن حقَّق التوكلَ على اللَّهِ لم يكلْهُ إلى غيرِهِ، وتولاً، بنفسِهِ.
وحقيقةُ التوكلِ : تكِلة الأمورِ كلِّها إلى من هي بيدِهِ. فمن توكَّلَ على اللَّه
(١) ((أهوال القبور)) (١٤٠ - ١٦٦).
٢٧٢
سورة آل عمران
في هدايتهِ وحراستِهِ وتوفيقهِ وتأييدِهِ ونصرِهِ ورزقِهِ، وغير ذلك من مصالح
دينه ودنياهُ تولَّى اللَّه مصالحَهَ كلَّها، فإنَّه تعالى وليُّ الذين آمنوا. وهذا هو
حقيقةُ الوثوقِ برحمةِ اللَّهِ كما في هذا الدعاءِ ((فإِنِّي لا أثقُ إلا برحمتك)) (١).
فمن وثقَ برحمةِ ربِّه ولم يثقْ بغيرِ رحمتِهِ، فقد حقَّقَ التوكلَ على ربِّه في
توفيقه وتسديده، فهو جديرٌ بأن يتكفَّلَ اللَّهُ بحفظه، ولا يكلُهُ إلى نفسِهِ(٢).
قوله تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا
بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَّهُمْ بِمَغَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
ومِنْ أظهرِ التَّعييرِ: إظهارُ السوءِ وإِشاعتُهُ فِي قَالَبِ النُّصح وزعُمُ أنه إنما
يحملُهُ على ذلك العيوبُ إما عامًا أو خاصًا وكان في الباطن إنما غرضُهُ التعبيرُ
والأذَى فهو من إخوانِ المنافقينَ الذينَ ذمَّهم اللَّهُ في كتابِهِ، في مواضعَ، فإنَّ
اللَّهَ تعالى ذمَّ من أظهرَ فعلاً وقولاً حسنًا وأرادَ به التوصَّلَ إلى غَرَضِ فاسدٍ
يقصدُهُ في الباطنِ، وعدَّ ذلك من خصالِ النفاقِ كما في سورة براءةَ التي
هتَكَ فيها المنافقينَ وفضَحَهُمْ بأوصافهم الخبيثة، ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًاً
وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ .. ﴾!
﴾ [التوبة : ١٠٧].
وقال تعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَن يُحْمِدُوا بِمَا لَمْ
يفعلوا .. ﴾ [آل عمران: ١٨٨]، وهذه الآيةُ نزلتْ في اليهودِ لَّا سألهم النبيِّ وَلّ عن
٩٫٥٠
شيءٍ فكتمُوه وأخبرُوُه بغيرِه، وقد أرَوْه أنْ قد أخبرُوه بما سألهم عنه،
واستحمدُوا بذلك عليه وفرحوا بما أتَوا من كتمانِهِ ما سألهُم عنه.
(١) أخرجه: أحمد في ((المسند)) (٤١٢/١)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٦٨/٦).
(٢) ((شرح حديث لَبَّك اللهم لَبِّيك)) (١٢٢ - ١٢٣).
٢٧٣
سورة آل عمران
كذلك قالَ ابنُ عباسٍ بِّها، وحديثُهُ بذلكَ مخرَّجٌ في ((الصحيحينِ))(١).
ے
وعن أبي سعيد الخدري: أن رجالاً من المنافقين كانُوا إذا خرج رسولُ اللَّه
وَّه إلى الغزوِ وتخلَّقُوا عنه وفرِحُوا بمقعدهِم خلافَ رسولِ اللَّهِ مَ له، فإذا
قدِمَ رسولُ اللَّهُ اعتذرُوا إليه وحَلَفُوا، وأحبُّوا أن يُحمدوا بما لم يفعلوا.
فنزلتْ هذه الآيةُ.
فهذه الخصالُ، خصالُ اليهود والمنافقينَ، وهو أن يُظهرَ الإنسانُ في الظاهرِ
قولاً أو فعلاً، وهو في الصورةِ التي ظهرَ عليها حسنٌّ، ومقصودُهُ بذلك
التوصُّلُ إلى غَرَضٍ فاسدٍ، فيحمدُهُ على ما أظهر من ذلك الحسَنِ، ويتوصَّلُ
هو به إلى غرَضِهِ الفاسدِ الذي هو أبْطَنَهُ، ويفرحُ بحمدِهِ على ذلك الذي
أظهرَ أنه حسنٌ وفي الباطنِ شيء، وعلى توصَّلِهِ في الباطنِ إلى غرضِهِ
السَّيِّئ، فتتمُّ له الفائدةُ وتُنفّذُ له الحيلةُ بهذا الخداع !!.
ومَنْ كانتْ هذه صفتُهُ فهو داخلٌ في هذه الآيةِ ولا بُدَّ، فهو مُتَوَعَّدٌ
بالعذابِ الأليمٍ، ومثالُ ذلك: أن يُرِيدَ الإنسانُ ذمَّ رجلٍ وتَقُّصَهُ وإظهارَ عِيْنِهِ
لينفر الناس عنه إما محبةً لإيذائهِ أو لعداوتِهِ، أو مخافةً من مُزاحمتِهِ على مالٍ
أو رئاسة أو غير ذلك من الأسبابِ المذمومةِ، فلا يتوصَّل إلى ذلك إلا بإظهار
الطَّعْنِ فيه بسببٍ ديني، مثل: أن يكونَ قد ردَّ قولاً ضعيفًا من أقوالِ عالمٍ
مشهورٍ فيشيعُ بين من يُعَظِّم ذلك العالِمَ، أن فلانًا يُبْغِضُ هذا العالِمَ ويذمُّه
ويطعنُ عليه فيغِرُّ بذلك كلَّ من يُعظمه ويُوهمهُم أن بُغْضَ الرادِّ وأذاهُ من
أعمال العربِ، لأنه ذبُّ عن ذلك العالِم، ورفْعُ الأذى عنه، وذلك قُربةٌ إلى
(١) أخرجه: البخاري (٦/ ٥٠ - ٥١)، ومسلم (١٢٢/٨).
٢٧٤
سورة آل عمران
الله تعالى وطاعتِهِ فيجمعُ هذا المظْهِرُ للنصح بين أمرين قبيحين مُحَرَّمين:
أحدهما: أن يُحملَ ردُّ هذا العالِمِ القولَ الآخرَ على البُغْضِ والطَّعْنِ
والهَوَى، وقد يكونُ إنَّما أراد به النُّصحَ للمؤمنينَ، وإظهارَ ما لا يحلُّ له
كتمانُه من العلم.
والثاني: أن يُظهرَ الطَّعْنَ عليه ليتوصَّل بذلكَ إلى هواه وغَرَضه الفاسد في
قالَبِ النُّصحِ والذَّبِّ عن عُلماءِ الشرع، وبمثلِ هذه المكيدةِ كان ظلمُ بني
مروانَ وأتباعُهم يستميلونَ الناسَ إليهم ويُنقِّرون قلوبَهُم عن عليٌّ بنِ أبي
طالبٍ والحسنِ والحسينِ وذريِتِهِم ظُِّ أجمعينَ.
وأنه لما قُتِلَ عثمانُ ثِرَه لم تَرَ الأمَّةُ أحقَّ من عليٍّ ثُمَّ فبايعوه فتوصَّلَ
منْ توصَّل إلى التنفير عنه، بأنْ أظهرَ تعظيمَ قتلَ عثمانَ وقُبْحَهُ، وهو في
نفس الأمر كذلكَ، ضُمَّ إلى ذلك أن المُؤلِّبَ على قتلِهِ والسَّاعِي فيه عليٌّ
◌ُوالته، وهذا كان كَذِبًا وبهنا.
وكان عليٌّ ◌ِثُه يحلفُ ويُغَلِّظُ الحَلِفَ على نفي ذلكَ، وهو الصادقُ البارُّ
في يمينِهِ مِثّه، وبادرُوا إلى قتالِهِ ديانةً وتقربًا ثم إلى قتالِ أولادِه رضوانُ اللّهِ
عليهم، واجتهدَ أولئكَ في إظهارِ ذلك وإشاعتِهِ على المنابِرِ في أيَّامِ الجُمعِ
وغيرِها من المجَامِعِ العظيمةِ، حتى استقرَّ في قلوبِ أتباعِهِم أنَّ الأمرَ على ما
قالوه، وأن بني مروانَ أحقُّ بالأمرِ من عليٍّ وولدِهِ لقُربِهِم من عُثمانَ،
وأخْذِهم بثأرِهِ، فتوصَّلوا بذلكَ إلى تأليفِ قُلوبِ الناسِ عليهم، وقتالهم
لعليٌّ وولدِهِ من بعْدِهِ، ويثبُتُ بذلكَ لهم المُلْكُ، واستوثقَ لهم الأمرُ.
وكان بعضُهم يقولُ في الخَلْوة لمن يثقُ إليه كلامًا ما معناه: ((لم يكن أحدٌ
٢٧٥
سورة آل عمران
من الصحابة أكفأ عن عثمان من عليٌّ) فيقالُ له: لِمَ يسبّونه إذًا؟ فيقول: ((إِنّ
المُلْكَ لا يقومُ إلا بذلك)).
ومُرادُهُ أنَّه لولا تنفيرُ قلوبِ الناسِ عن عليٍّ ووَلَدِهِ ونسبُهم إلى ظلمٍ عثمانَ
لما مالتْ قلوبُ الناسِ إليهم، لما علموه من صفاتِهِم الجميلةِ وخصائصهم
الجليلة، فكانوا يُسرعون إلى مُتابعتهم ومبايعتِهِم فيزولُ بذلك مُلْكُ أميَّةً،
وينصرفُ الناسُ عن طاعتهم(١).
ومن هذا البابِ - أيضًا - أن يحبَّ ذُو الشرف والولاية أن يُحمدَ على
أفعاله ويُثْنَى عليه بها، ويَطلبُ من الناسِ ذلك، ويَتَسببُ في أذى من لا
يُجِيبُهُ إليه، ورَّبَّما كان ذلك الفعلُ إلى الذمِّ أقربَ منه إلى المدحِ، وربَّما أظهر
أمرًا حسنًا في الظاهرِ، وأحبَّ المدحَ عليه وقصَدَ به في الباطنِ شرًّا، وفرِحَ
بتمويهِ ذلك وترويجه على الخلقِ .
وهذا يدخلُ في قولِهِ تعالى: ﴿لا تَحْسَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَن
يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران: ١٨٨] الآية.
فإنَّ هذه الآيةَ إنما نزلتْ فيمن هذه صفاتُهُ، وهذا الوصفُ - أعني: طلبَ
المدحِ منَ الخلقِ ومحبَّتَهُ والعقوبةَ على تركِهِ - لا يصلحُ إلا للَّه وحدَهُ لا
شريكَ لهُ، ومن هنا كان أئمةُ الهُدى ينهَوْن عن حمدِهِم على أعمالِهِم وما
يَصدُرُ منهم منَ الإحسانِ إلى الخلْقِ، ويأمُرُونَ بإضافةِ الحمد على ذلكَ للَّه
وحدَهُ لاشريكَ لهُ، فإن النِّعَمَ كُلُّها منه.
(١) ((الفرق بين النصيحة والتعيير)) (٢٢ - ٢٥).
٢٧٦
سورة آل عمران
وكانَ عُمرُ بنُ عبد العزيزِ - رحمه اللَّهُ - شديدَ العنايةِ بذلكَ، وكتبَ مرَّةً
إلى أهلِ الموسمِ كتابًا يُقرأ عليهم، وفيه الأمرُ بالإحسانِ إليهم، وإزالةُ المظالمِ
التي كانَتْ عليهم، وفي الكتابِ: ((ولا تَحْمُدُوا على ذلكَ كُلِّه إلا اللَّه، فإنَّهُ
لوْ وَكَلَنِي إلي نفْسِي كُنْتُ كغيرِي)».
وحكايتُهُ مع المرأةِ التي طلبتْ منه أن يَفْرِضَ لبَناتها اليتامى مشهورةٌ، فإنها
كانتْ لها أربعُ بِنَاتٍ، ففرض لفْتينِ منهنَّ، وهي تحمدُ اللَّه، ثم فرض للثالثةِ
فشكرتْهُ فقال: إنَّما كُنَّا نفرِضُ لهُنَّ حيثُ كُنتِ تولينَ الحمدَ أهلَهُ، فمُري هذه
الثلاثَ يُواسينَ الرابعةَ. أو كما قال - فِشَه.
أرادَ أن يُعرفَ أنَّ ذا الولاية إنما هو مُنتصبٌ لتنفيذ أمر اللَّه، وآمرٌ العبادَ
بطاعتِهِ تعالى، وناهٍ لهم عن محارمِ اللَّهِ، ناصحٌ لعبادِ اللَّهِ بدُعائهم إلى اللَّهِ،
فهو يقصدُ أن يكون الدينُ كلُّه للَّه، وأن تكونَ العِزَّةَ للَّه، وهو مع ذلك
خائفٌ من التقصيرِ في حقوقِ اللَّه تعالى - أيضًا -.
فالمحبُّونَ للَّهِ غايةُ مقاصدِهِم من الخلقِ أن يُحبُّوا اللَّهَ ويطيعُوه،
ويُفْردوه بالعبوديةِ والإلهيةِ، فكيفَ من يزاحِمُهُ في شيء من ذلكَ؟ فهو لا
يريدُ منَ الخلقِ جزاءًا ولا شُكُورًا، وإنما يرجُو ثوابَ عملِهِ من اللَّهِ كما قال
اللَّهُ تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُُّوََّ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا
عِبَادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّنِّيْنَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ
وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُم
٧٩
مُّسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: ٧٩، ٨٠].
وقال وجَّهُ: ((لا تُطْرُوني كما أطرَتِ النصارى المسيحَ ابنَ مريمَ، إنَّما أنا عبدٌ،
٢٧٧
سورة آل عمران
فقولوا: عبدَ الله ورسولَه))(١).
وكان رسولُ اللَّهِ وَجَهل ينكر على من لا يتأدَّبُ معه في الخطابِ بهذا
الأدبِ، كما قال: ((لا تقولُوا: ما شاءَ اللَّهُ وشاءَ محمدٌ، بلْ قُولُوا: ما شاءَ اللَّهُ ثم
شاءَ محمدٌ)(٢).
وقال: لمن قالَ: ما شاء اللَّه وشئتَ: «أجَعَلْتَنَى للَّه ندًا؟ بل ما شاءَ اللَّهُ
وحده))(٣) .
فمن هُنَا كان خُلفاءُ الرُّسل وأتباعُهم من أُمراءِ العدل وأتباعِهم وقُضاتِهم لا
يدعُون إلى تعظيمٍ نُفُوسهم البتّة، بل إلى تعظيمِ الله وحدَه، وإفراده بالعبودية
والإلهيةِ، ومنهم من كان لا يريدُ الولايةَ إلا للاستعانة بها على الدعوةِ إلى
الله وحدَه.
وكان بعضُ الصالحِينَ يتولَّى القضاءَ ويقولُ: ألا أتولاهُ لأستعينَ به على
الأمر بالمعروفِ والنهي عن المنكر.
ولهذا كانتِ الرَّسل وأتباعُهُم يصبرونَ على الأذى في الدعوة إلى الله،
ويتحملونَ في تنفذِ أوامرِ اللَّه من الخلقِ غايةَ المشقةِ وهُم صابرونَ، بل
رَاضُون بذلكَ، فإنَّ المحبَّ رُبَّما يتلذذُ بما يُصيبه منَ الأذى في رضى محبوبِهِ،
كما كانَ عبدُ الملك بنُ عمرَ بنِ عبدِ العزيز - رحمه اللَّهُ - يقولُ لأبيه في
خلافته إذا حرصَ على تنفيذِ الحقِّ وإقامة العدلِ: يا أبتِ، لودِدْتْ أنِّي غَلتْ
٠٠
(١) أخرجه البخاري (٢٠٤/٤) من حديث عمر بن الخطاب.
(٢) أخرجه: أحمد (٧٢/٥)، وابن ماجه (٢١١٨) من حديث الطفيل بن سخبرة.
(٣) أخرجه: أحمد (٢١٤/١ - ٢٨٣ - ٣٤٧)، وابن ماجه (٢١١٧) من حديث عبد الله بن عباس
٢٧٨
سورة آل عمران
بي وبِكَ القُدُورُ في اللَّهِ عزَّ وجلَّ.
وقال بعضُ الصالحين: وددتُ أنَّ جسمي قُرِضَ بالمقاريضِ وأنَّ هذا الخلقَ
كُلَّهم أطاعُوا اللَّهَ عزَّ وجلَّ، فعُرِض قولُهُ على بعض العارفينَ فقال: إن كان
أراد بذلك النصيحةَ للخلقِ وإلا فلا أدري، ثم غُشيَ عليه.
ومعنى هذا: أن صاحبَ هذا القولِ قد يكونُ لَحِظَ نُصحَ الخلقِ والشفقةَ
عليهم من عذابِ اللَّهِ، وأحبَّ أن يفديَهم من عذابِ اللَّه بأذى نفسه، وقد
يكونُ لَحِظَ جلالَ اللَّهِ وعظمته وما يستحقُّهُ من الإجلالِ والإكرامِ والطّاعةِ
والمحبة، فوَدَّ أن الخلقَ قاموا بذلك، وإن حصلَ له في نفسِهِ غايةُ الضرر،
وهذا هو مشهدُ خَواصِّ الُحبين العارفينَ بملاحظتِهِ فغشي على هذا الرجلِ
العارف.
وقد وصفَ اللَّهُ تعالى في كتابهِ أن المحبين له يجاهدون في سبيله ولا
يخافون لومة لائم.
وفي ذلك يقولُ بعضُهُم :
أجدُ الملامةَ في هَوَاَك لذيذةً حُبَّا لذكْرِكَ فَلْيَلُمْنِي اللَّوَّمُ
= =" (١)
(١) ((شرح حديث ما ذئبان جائعان)) (٣٠ - ٣٣).
سَوَرَةُ النَّسَاء
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً
أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا ﴾
ومما يستدلُّ به على فضلِ قلةِ العيالِ قولُهُ تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا
فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] على تفسير من فسَّرَهُ
بكثرة العيال، ولكنَّ الجمهورَ على تفسيرِهِ بالجورِ والحيفِ، فإنَّ ملكَ اليمينِ
قد تكثرُ به الأولادُ أكثرُ من الزوجاتِ الأربع، فإنه لا ينحصرُ في عددٍ.
وكانَ الإمامُ أحمدُ ينكرُ على من كرهَ كثرةَ الأزواجِ والعيالِ، ويستدلُّ بحالِ
النبيِّ يَّهِ وأصحابِه من كثرةِ أزواجهِم وعيالِهِم، وبمثلِ قولهِ: («تزوجُوا الودودَ
الولودَ، فإِنِّي أكاثرُ بَكُمُ الأممَ يومَ القيامةِ))(١)، ولكنه يأمرُ مع هذا بطلبِ الحلالِ
والكسبِ، والصبرِ على الفقرِ وإنْ شقَّ.
فالإمامُ أحمدُ أمرَ بما جاءَ الأمرُ به في الشرعِ، وسفيانُ نظرَ إلي قلَّةِ صبرٍ
الناسِ إلى ما يئولُ إليهِ حالُهم عند كثرةٍ عيالهِم من تركِ الورعِ، والتكسبِ من
الوجوهِ المكروهة، وهذا هُوَ الغالبُ على النَّاسِ لا سيَّما مع قلةِ العِلْمِ
والصبر، وأمَّا حالُ الصابرينَ على العيالِ المحافظينَ على الورعِ معهُم فعزيزٌ
جدًّا(٢) .
(١) أخرجه: أبو داود (٢٠٥٠)، والنسائي (٥٦/٦) من حديث معقل بن يسار ضيره.
(٢) شرح حديث: ((إن أغبط أوليائي)) (ق/ ٢/ ب).
٢٨٠
سورة النساء
قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِيَّةً
ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَّقُوا اللَّهَ وَلَيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا ﴾
قال المباركُ بنُ كاملٍ: سمعتُ عبدَ الوهابِ بنِ قاسمٍ بنِ عليِّ الشعرانيّ،
قال: رأيتُ جعفرَ الدرزيجاني جاء إلى بغدادَ، فالتقى به أبو الحسين
الدرزيجانيُّ، فقال له: كيف تركتَ الصبيانَ؟ فقال له: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ
تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا ﴾، [النساء: ٩]
تقوى اللَّهِ لنا ولَهُمْ(١).
قوله تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أَوْلادَكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأُنثَيَيْنِ
فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلْثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةٌ فَلَهَا
النِّصْفُ وَلأَبَوَيَّهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ
فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلَأُمّهِ
السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَيْنَاؤُكُمْ لا
تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعَا فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًاً
حَكِيمًا ﴿ ٨١° وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ
فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌّ فَلَكُمُ الرُّيُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا
أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّيُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ
وَلَدٌّ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن
كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
(١) ((ذيل طبقات الحنابلة)) (٣/ ١١٠).