النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
سورة آل عمران
يُقالُ: الخالقُ والمخلوقُ لا يفنيان، ويرادُ به أنَّ المخلوقَ وحدَه يفْنى، ولا
يقالُ: الدنيا والآخرةُ لا تبقيان، ويُرادُ به أنَّ الدنيا وحدها تفْنى، ولا يُقالُ:
إنَّ محمدًا ومسيلمةَ لا يصدَّقان أو لا يكذَّبان، ويرادُ به صدقُ محمد نَّه
وحده، وكذبُ مسيلمة وحدَه، فإن هذا كلَّه استعمالٌ قبيحٌ ممنوعٌ، ولا يُعهدُ
مثلُه في كلامٍ أحدٍ مَّنْ يُعتدَّ بهِ.
وقولُ أحمدَ بعد هذا: ((نسألُ اللَّهَ التثبيتَ أن لا يُزِيغَ قلوبِنَا بعدَ إذْ هدَانا)»
يدلُّ على أنَّ القولَ بخلافِ ذلك عندَهُ من الضلالِ والزيغِ، وقد صرَّح بهذا
فيما نقلَهُ عنه حربٌ، قال حربٌ في مسائلِهِ: هذا مذهبُ أئمة أهل العلمِ
وأصحابِ الأثرِ، وأهلِ السنةِ المعروفينَ بها، المقتدَى بِهِم، وأدركتُ من
أدركتُ من علماءِ أهل العراقِ والحجازِ والشامِ وغيرِهم، فمن خالف شيئًا مِنْ
هذه المذاهبِ أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدعٌ خارجٌ من الجماعة، زائلٌ
عن منهجٍ السنة وسبيلِ الحقِّ، وهو مذهبُ أحمدَ، وإسحاقَ والْحُميديِّ،
وسعيدِ بنِ منصورٍ، وغيرِهم مَمَّن جالسْنَا، وأخذنا عنهم العلمَ، فكانَ من
قولِهِم: الإيمانُ قولٌ وعملٌ - وذكرَ العقيدةَ ومن جملتها - قالَ: ولقد خُلقت
الجنةُ وما فيها وخُلقَتِ النارُ وما فيها، خَلَقَهما اللَّهُ ثم خلقَ الخلقَ لهما لا
يفنيان، ولا يفْنى ما فيهما أبدًا، فإن احتجَّ مبتدعٌ أو زنديقٌ بقول الله تعالى:
◌ِكُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، ونحو هذا، فقل له: كلُّ شيء مما
كتبَ اللَّهُ عليه الفناءَ والهلاكَ هالكٌ، والجنةُ والنارُ خلقتا للبقاءِ لا للفناءِ ولا
للهلاكِ، وهُما من الآخرةِ لا من الدُّنْيا ... وذكر بقيةَ العقيدةِ.
فقوله في آخرِ كلامِهِ: ((خلقتا للبقاءِ لا للفناءِ ولا للهلاك)) يبطلُ تأويلَ مَنْ
تأوَّلَ أولَ الكلامِ على أنَّ المرادَ به لا يفْنى مجموعُهُما.

٢٤٢
سورة آل عمران
وقد نُقْلَ هذا الكلامُ الذي نقلَهُ حربٌ كلُّه، عن أحمدَ صرِيحًا.
كذلك نقلَهُ عنه أبو العباسِ أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ يعقوبَ الأصطخريُّ، أنَّه
قال: إنَّ هذه مذاهبَ أهلِ العلمِ وأصحابِ الأثرِ، وأهلِ السنةِ، المتمسكينَ
بعروقها، المعروفينَ بها، المقتدَى بهم فيها، ومن لدنْ أصحاب رسول اللَّه وَله
إلى يومنا هذا، وأدركتُ من أدركتُ من علماءِ الحجازِ وأهلِ الشامِ وغيرِهِم،
فمنْ خالفَ شيئًا من هذهِ المذاهبِ، أو طعنَ فيها، أو عابَ قائلَها، فهو
مخالفٌ مبتدعٌ خارجٌ من الجماعةِ، زائلٌ عن منهجِ السنةِ وسبيلِ الحقِّ - فذكرَ
العقيدةَ كلَّها - وفيها: وقد خُلقتِ الجنةُ وما فيها، وخُلِقَتِ النارُ وما فيها،
خلقهُما اللَّهُ، وخلقَ الخلقَ لَهُما، ولا يفنيانِ، ولا يَفْنى ما فيهما أبدًا، فإن
احتجَّ مبتدعٌ أو زنديقٌ بقولِ اللَّهِ عزَّ وجلّ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾
[القصص: ٨٨]، ونحو هذا من متشابه القرآن، قيلَ لهُ: كلُّ شيءٍ هالكٌ مما كتبَ
اللَّهُ عليه الفناءَ والهلاكَ هالكٌ، والجنةُ والنارُ خلقتا للبقاء لا للفناءِ ولا
للهلاكِ، وهُما من الآخرةِ لا من الدُّنْيا، وذكرَ بقيةَ العقيدة.
وقدْ رُويَتْ هذه العقيدةُ عن الإمامِ أحمدَ : أرواحُ المؤمنينَ في الجنةِ
وأرواحُ الكفارِ في النارِ .
وقد حكَى القاضي أبو يَعْلَى في كتابِ ((المعتمدِ)) ومن تبعهُ من الأصحاب
هذا الكلامَ عن عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ عن أبيه، ولم ينقلْه عبدُ اللَّهِ عن أبيه إنَّما
نقلَهُ عن حنبلٍ .
إنما نقل عبدُ اللَّه عن أبيه، فقالَ الخلالُ: أنبأنا عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ بنُ
حنبلٍ، قال: سألتُ أبي عن أرواحِ الموتى، أتكونُ في أفنيةِ قبورِها، أم في

٢٤٣
سورة آل عمران
حواصلِ طيرٍ، أم تموتُ كما تموتُ الأجسادُ؟ قال: رُوي عن النبيِّ وَّ أَنَّه
قالَ: ((نسمةُ المؤمن إذا ماتَ طائرٌ يعلقُ في شجرِ الجنةِ حتَّى يرجعَهُ اللَّهُ إلى جسده يومَ
٠٠
بعثِهِ))(١).
وقد رُوي عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو (٢) قالَ: أرواحُ المؤمنينَ في أجوافِ طيرٍ
خضرٍ كالزرازيرِ ثم يتعارفونَ فيها ويرزقونَ من ثمارِهَا.
وقال بعضُ الناسِ: أرواحُ الشهداءِ في أجوافِ طيرٍ خضرٍ، تأوِي إلى
قناديلَ في الجنةِ معلقةٍ بالعرشِ. انتهى.
وهذا الكلامُ - أيضًا - يدلُّ على أنَّ أرواحَ المؤمنينَ عندَ اللَّهِ في الجنة، لأنَّه
ذكَرَ في جوابِهِ الأحاديثَ الدالةَ المرفوعةَ والموقوفةَ على ذلكَ. ولم يذكرٌ سوى
ذلكَ، ففي روايةِ حنبلٍ جزمَ بأنَّ أرواحَ المؤمنينَ في الجنةِ، وفي روايةِ عبدِ اللَّهِ
ذكرَ الأدلةَ على ذلكَ.
فأمَّا الحديثُ المرفوعُ الذي ذكرَهُ، فهو من روايةِ مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ،
أنَّ عبدَ الرحمنِ بنَ كعبِ بنِ مالكِ أخبره أنَّ أباه كعْبًا، كان يحدِّثُ عن
رسول اللَّهِ وَ له قالَ: ((إنَّما نسمةُ المؤمنِ طائرٌ يعلق في شجرِ الجنة، حتى يرجعَهُ اللَّهُ
إلى جسدهِ»، كذا رواه مالكٌ في ((الموط)(٣) ورواه عن مالكِ جماعةٌ منهُم
الشافعيُّ، ورواه الإمامُ أحمد في ((مسنده) عن الشافعيِّ، وخرَّجُهُ الشافعيّ
من طريقِ مالكِ أيضًا .
(١) أخرجه أحمد (٤٥٥/٣ - ٤٥٦)، (٣٨٦/٦)، والترمذي (١٦٤١)، والنسائي (٤ /١٠٨) من
حديث كعب بن مالك صره .
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣١/٧).
(٣) ((الموطأ)) (ص ١٦٤).

٢٤٤
سورة آل عمران
وخرَّجه ابنُ ماجه(١) من طريقِ الحارثِ بنِ فضيلٍ، عن الزهريِّ، بهذا
الإسنادِ. وكذا رواه عن الزهريِّ: يونسُ والزبيديُّ والأوزاعيُّ وابنُ إسحاقَ،
ورواه شعيبٌ وابنُ أخي الزهريِّ وصالحُ بنُ كيسانَ، عن الزهريِّ، عن
عبدِ الرحمنِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ كعبِ بنِ مالكِ عن جدِّ كعبٌ. وقال صالحٌ في
حديثه: إنَّه بلَغَه أنَّ كعبًا كان يحدِّثُ؛ وقال شعيبٌ في حديثه: إنَّ كعبًا كان
يحدِّثُ فهو على روايةٍ صالحٍ ومن وافقه فهو منقطعٌ، وذكر محمدُ بنُ يحيى
الذهليُّ أنَّ ذلكَ هو المحفوظُ، وخالفَهُ ابنُ عبدِ البرِّ في ذلكَ. ورجَّح روايةَ
مالك ومن وافقَهُ، وقد روي - معنى حديثٍ كعبٍ - من وجوه متعددة.
فروى حمادُ بنُ سلمةَ، عن محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي سلمةَ، عن أبي
هريرةَ عن النبيِّ وَِّ فذكرَ حديثَ القبرِ بطولِهِ، وفيه في حقِّ المؤمنِ، قال:
(ويُعادُ الجسدُ إلى ما بُدئُ منهُ، ويجعل روحُه في نسيمٍ طيبٍ يعلقُ في شجرِ الجنةِ))
خرَّجه الطبرانيُّ وغيرُهُ.
وخرَّجه ابنُ حبانُ في ((صحيحِهِ)) من طريقِ معمرٍ، عن محمدِ بنِ عمرٍو
به، ولفظُه: ((وتُجعلُ نسمتُهُ في النسيمِ الطيبِ، وهو طيرٌ يعلقُ في شجر الجنة)) وقد
سبقَ أنَّ غيرَهُما رواه عن محمدِ بنِ عمرو، ووقَفَهُ على أبي هريرةَ.
وقد تقدَّم حديثُ أمِّ هانئِّ الأنصاريةِ عنِ النبيِّ بَِّ قال: ((يكونُ النَّسَمُ طِيرًاً
تعلَّقُ بالشجرِ، حتى إذا كان يومُ القيامةِ دخلتْ كلُّ نفسٍ في جسدِها)(٢).
وخرَّج ابنُ منده، من روايةٍ موسى بنُ عبيدةَ الربَديِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ
زيدٍ، عن أمِّ بشرِ بنتِ المعرورِ، قالتْ: قالَ رسولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إنَّ أرواحَ المؤمنينَ
(١) («السنن)) (٤٢٧١).
(٢) أخرجه أحمد (٤٢٤/٦ - ٤٢٥).

٢٤٥
سورة آل عمران
في حواصِلٍ طيرٍ خضرِ، تَرعَى في الجنة، تأكُلُ من ثمارِهَا، وتشربُ مِنْ مائها، وتأوي
إلى قناديلَ من ذهب تحتَ العرشِ، فتقولُ: ربََّا ألحِقْ بنا إخوانَنَا وَآتَنَا ما وعدْنا، وإنَّ
أرواحَ الكفارِ في حواصِلِ طيرٍ سودٍ، تأكلُ من النارِ، وتشربُ مِنَ النّارِ، وتأوي إلى
حجرة في النارِ، فيقولونَ: ربَّنا لا تلحِقْ بنا إخواننا، ولا تؤْتنا ما وعدْتنا)). وموسى بنُ
عبيدةَ شيخٌ صالحٌ، شغلتْه العبادةُ عن حفظِ الحديثِ، فكثرتْ المناكيرُ في
حديثه .
وخرَّج ابن مُنده - أيضًا - من روايةٍ معاويةَ بنِ صالحٍ، عن سمرةَ بنِ
جندب، قالَ: سئلَ رسولُ اللَّهِ وَّ عن أرواحِ المؤمنينَ، فقالَ: ((في طيرِ خضرِ
تسرحُ في الجنةِ حيثُ شاءَتْ))، قالُوا: يا رسولَ اللَّهِ، أرواحُ الكفارِ؟ قال:
«محبوسٌ في سجین)». وهذا مرسل.
وخرَّج أيضًا من روايةٍ عيسى بنِ موسى، عن سفيانَ الثوريِّ، عن ثورِ بنِ
يزيدَ، عن خالدِ بن معدانَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو، قالَ: قالَ رسولُ الله
مَله: ((أرواحُ المؤمنينَ في أجوافِ طيرٍ كالزرازير تأكلُ من ثمرِ الجنة)). ثم قالَ
ابنُ منده: رواه جماعةٌ عن الثوريَّ موقوفًا، يعني على عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو،
قلتُ: والصوابُ وقفُه.
وقد سبقَ أنَّ الإمامَ ذكرَهُ في روايةِ ابنِهِ عبدِ اللَّهِ موقوفًا، وكذا رواهُ وكيعٌ،
عن ثورِ بنِ يزيدَ، عن خالدِ بنِ معدانَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، قال: أرواحُ
المؤمنينَ في أجوافِ طيرٍ خضرٍ كالزرازيرِ، يتعارفونَ فيها، ويرزقونَ من
ثمارِها. خرَّجه الخلالُ.
وخرَّج - أيضًا - من حديث أبي هاشمٍ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي

٢٤٦
سورة آل عمران
الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، فذكرَ احتضارَ المؤمن، وأنَّ روحَهُ تعادُ
إلى جسدِهِ عند سؤالهِ في القبرِ، ثم تُرفعُ روحُهُ، فتجعلُ في أعلى عليين. ثم
تلا عبدُ اللَّه الآيةَ: ﴿إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلَيْنَ ﴿١٨)» وَمَا أَدْرَاكَ مَا عَلَيُّونَ
١٩
كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾ [المطففين: ١٨ - ٢٠]، قال: في السماء السابعة، فأمَّ الكافرُ فذكرَ
الكلامَ، وتلا: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّيْنٍ ﴿٢﴾﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سجّينَ﴾ [المطففين: ٧ -
٨]، قالَ: الأرضُ السابعةُ.
ورُوي مثلُ هذا المعنى عن أبي هريرةَ وعبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، وذكرَه ابنُ
عبدِ البرِّ.
وروى سعيدٌ، عن قتادةَ قالَ: ذُكر لنا أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو كانَ يقولُ: في
سجِّين هي الأرض السفلى فيها أرواح الكفارِ(١) .
وروى ابنُ المباركِ، عن ابن لهيعةَ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، أنَّ منصورَ بنَ
أبي منصورٍ، حدّثْه، قالَ: سألتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرو، عن أرواحِ المسلمينَ
حينَ يموتونَ، قالَ: ما تقولونَ يا أهلَ العراقِ؟ قلتُ: لا أدري. قالَ: فإنَّها
صُوَرَ طيرٍ بيضٍ في ظلِّ العرشِ، وأرواحُ الكفارِ في الأرضِ السابعَةِ .
وروى - أيضًا - عن كعبٍ، من روايةِ الأعمشِ، عن شمْر بنِ عطيةَ عنْ
هلالِ بنِ يسافِ قالَ: كنّا جلوسًا إلى كعبٍ، فجاءَ ابنُ عباسٍ، فقالَ: يا
كعبُ، كلَّ ما في القرآنِ قد عرفتُ، غيرَ أربعةِ أشياءَ، فأخبرِنِي عنهُنَّ، فسأله
عن سجِّينِ وعلِّين، فقال كعبٌ: أما علِّيون فالسماءُ السابعةُ فيها أرواحُ
المؤمنينَ، وأمَّا سجِّين فالأرضُ السابعةُ السُّفْلى وفيها أرواحُ الكفارِ تحتَ
(١) ((التفسير)) لابن جرير الطبري (٩٤/٣٠).

٢٤٧
سورة آل عمران
خد إبليس (١).
(١)
وقد ثبتَ بالأدلة أنَّ الجنةَ فوقَ السماءِ السابعة، وأنَّ النارَ تحتَ الأرضِ
السابعةِ وقد ذكرنا ذلك في كتابِ: ((صفة النارِ)) مستوفَّى.
وروى أبو نُعيمٍ، من طريقِ الحكمِ بنِ أبانَ، قالَ: نزلَ بي ضيفٌ من أهلِ
صنعاءَ، فقال: سمعتُ وهبَ بنَ منبهِ، يقولُ: إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ في السماءِ
السابعةِ دارًا يُقَالُ لها: البيضاءُ، تجتمعُ فيها أرواحُ المؤمنينَ، فإذا ماتَ الميتُ
من أهلِ الدنيا تلقتْهُ الأرواحُ، فيسألونَهُ عن أخبارِ أهلِ الدنيا، كما يسألُ
الغائبُ أهلَهُ إذا قدِمَ عليهِم.
وخرَّج ابنُ منده، من طريقِ سفيانَ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ
المسيب، أنَّ سلمانَ الفارسيَّ وعبدَ اللَّهِ بنَ سلامٍ، لقيَ أحدُهُما صاحبَهُ،
فقالَ: إنْ متَّ قبلي فحدَّثْني بما لقيتَ، وإنْ مِتُّ قبلَك حدَّثْتُك بما لقيتُ.
قالَ: وكيف يكونُ ذلك؟ فقال: أرواحُ المؤمنينَ تذهبُ في الجنةِ حيثُ شاءتْ.
وخرَّجه ابنُ أبي الدنيا، من طريقٍ جریرٍ عن يحيى به.
وخرَّج - أيضًا - من طريقِ ابنِ لهيعةً، عن يزيدِ بنِ أبي حبيبٍ، عن
منصورِ بنِ أبي منصورٍ، أنه سألَ عبدَ اللَّهِ بنِ عمرو، عن أرواحِ المؤمنينَ إذا
ماتُوا أينَ هِي؟ قالَ: هي صورُ طيرٍ بيضٍ، في ظلِّالعرشِ .
وروى ليثٌ، عن أبي قيسٍ، عن هذيلٍ، عن ابنِ مسعودٍ، قالَ: إنَّ أرواحَ
آلِ فرعونَ في أجوافِ طيرٍ سودٍ، تغدُو على جهنّم، وتروحُ إليها، فذلكَ
عرضُها(٢).
(١) المصدر السابق.
(٢) ((التفسير)) لابن جرير الطبري (٢٤/ ٧١).

٢٤٨
سورة آل عمران
وقالَ عبدُ الرحمنِ بنُ زيدِ بنِ أسلمَ، في قولِهِ تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرِضُونَ عَلَيْهَا
غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]، قالَ: هم فيها اليوم، يُغْدَى بهم ويُراح إلى أن تقومَ
الساعةُ. خرَّجهما ابنُ أبي حاتمٍ .
وخرَّجِ اللالكائيّ، من روايةِ عاصمٍ، عن أبي وائلٍ، عن أبي موسى
الأشعريِّ، قال: تخرجُ روحُ المؤمنِ وهي أطيبُ من المسكِ، فتعرجُ به
الملائكةُ إلى ربِّه عزَّ وجلَّ، حتى تأتِي ربَّه، وله برهانٌ مثلُ الشمسِ، وروحُ
الكافرِ - يعني: أنتن من الجيفةِ -، وهو بوادي حضرموت، في أسفلِ الثَّرَى،
من سبع أرضينَ.
وقد يُستدلّ للقول بأنَّ أرواحَ المؤمنينَ في الجنةِ، وأرواحَ الكفارِ في النارِ،
﴿ وَأَنْتُمْ حِينَئِذ
٨٣
من القرآنِ بأدلة، منها قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحَلْقُومَ
ء
تَنْظُرُونَ ﴿٨﴾ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٥] إلى قوله:
﴿فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَِّينَ ﴿٨ٍ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِمٍ ﴿10﴾ وَأَمَّ إِن كَانَ مِنْ
فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ :﴿٩١»، وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ
أَصْحَابِ الْيَمِينِ
وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٨ - ٩٤]، هو دخولُ
الضَّالِّينَ:{٩٢﴾ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ
النارِ مع إحراقِهَا وإنضاجِها، فجعل هذا كلَّه متعقبًا للاحتضارِ والموتِ .
وكذلك قوله تعالى في قصةِ المؤمنِ في سورةِ يس: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا
لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ {٣٦﴾ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّ وَجَعَلَنِي مِنَ الْمَكْرَمِينَ﴾ [يس: ٢٦ -٢٧]،
وإنَّما قالَ هذا بعدَ أن قتلوه، ورأى ما أعدَّ اللَّهُ له وكذلكَ قولُهُ: ﴿يَا أَيَّتُهَا
ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً {2° فَادْخُلِي فِي عِبادِي
٢٧
النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ
( ٢٩ )
، م
وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ -٣٠]، على تأويل من تأوّل ذلك عند الاحتضارِ.

٢٤٩
سورة آل عمران
وكذلك قولُهُ تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلَكَ
١
يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن
دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ﴿٢٧﴾ قَالَ ادْخُلُوا فِي
أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ﴾ الآية: [الأعراف: ٣٧ -٣٨].
ونظيرُ هذه الآيةِ قولُهُ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا
كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَىْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٢٨﴾ فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جِهَنَّمَ خَالِدِينَ
فِيهَا فَلَِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٨، ٢٩].
ولمّا يُستدلُّ به - أيضًا - لذلكَ، ما رواه مجالدٌ، عن الشعبيِّ، عن جابرٍ،
أنَّ النبيَّ وَّ سُئِلَ عن خديجةَ، قالَ: «أبصرتُها على نهرٍ من أنهارِ الجنةِ، في بيتٍ
من قصب، لا لغوٌّ فيه ولا نصب)) خرَّجه البزارُ والطبرانىُّ(١)
وخرّج الطبرانيُ (٢) أيضًا بإسنادٍ منقطعٍ عن فاطمةَ رضيَ اللَّهُ عنها، أنها
قالتْ للنبيِّ وَّهِ: أين أُمُّنَا خديجة رضيَ اللَّه عنها؟ قال: ((في بيت من قصب لا
لغوٌّ فيه ولا نصبٌ، مع مريمَ وآسيةَ امرأة فرعونَ) قالتْ: ممن هذا القصبُ؟ قالَ:
((من القصب المنظوم بالدررِ واللؤلؤ والياقوت)).
وخرَّج أبو داودَ في (سنتِهِ»(٣) من حديث أبي هريرةَ، أنَّ النبيَّ وَّ لَّا
رجمَ الأسلميِّ - الذي اعترفَ عنده بالزِّنًا - قالَ: ((والذي نفسي بيده إنه الآن لفي
أنهار الجنة ينغمسُ فيها)).
(١) الطبراني في ((المعجم الأوسط)) (٨١٥٣).
(٢) ((المعجم الأوسط)) (٤٤٠).
(٣) (٤٤٢٨).

٢٥٠
سورة آل عمران
فصلٌ
وإنَّما تدخلُ أرواحُ المؤمنينَ والشهداءِ الجنةَ إذا لم يمنعْ من ذلكَ مانعٌ، من
كبائرَ تستوجبُ العقوبةَ، أو حقوقِ آدميينَ حتَّى ييرأَ منها.
ففي ((الصحيحينِ)) (١) عن أبي هريرةَ رضي اللَّهُ عنه، أنّ مِدْعَمًا قتلَ يومَ
خيبرٍ، فقال الناسُ: هنيئًا له الجنةَ، فقال النبيُّ وَّهِ: ((كلاَ، والذي نفسي بيده إن
الشَّمْلةَ التي أخذَهَا يومَ خيبرَ لم تصبْها المقاسمُ لتشتعلُ عليهِ نَارًا)).
وعن سمرةَ بنِ جندبٍ، قالَ: صلَّى بنا رسولُ اللَّهِ وَ لَه فقالَ: ((ها هنا أحدٌ
من بني فلانٍ؟)) ثلاثًا، فلم يجبْهُ أحدٌ، ثم أجابهُ رجلٌ، فقالَ: ((إنَّ فلانًا الذي
تُوقِّي احتبسَ عن الجنةِ من أجلِ الدَّينِ الذي عليهِ، فإن شئتم فافْتكُّوه - أو فافدُوه - وإن
شئتُم فأسْلِمُوه إلى عذابِ اللَّه عزَّ وجلَّ) خرَّجه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ،
والنسائيًّ، بألفاظ مختلفة (٢).
وخرَّج البزارُ من حديثِ ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ وَلّ نحوه. وفي حديثه
قالَ: ((إنَّ صاحبكُم محبوسٌ على بابِ الجنة)) أحسبه قال: بدينٍ .
وخرَّج الإمامُ أحمدُ ، والترمذيُّ، وابنُ ماجه(٣) ، من حديث ثوبانَ، عن
النبيِّ وَِّ، قالَ: ((من فارقَ الروحُ الجسدَ، وهو بريءٌ من ثلاث، دخلَ الجنةَ، من
الكبرِ، والغلولِ، والدَّينِ)).
وخرَّج الطبرانيُّ(٤)، من حديثِ أنسٍ، قالَ: أُتِي النبيُّ ◌َّهِ برجلٍ يصلِّي
(١) أخرجه البخاري (١٧٥/٥)، (١٧٩/٨)، ومسلم (٧٥/١).
(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٢٠)، وأبو داود (٣٣٤١)، والنسائي (٣١٥/٧).
(٣) أخرجه أحمد (٢٧٦/٥ - ٢٧٧ - ٢٨١ - ٢٨٢)، والترمذي (١٥٧٣)، وابن ماجه (٢٤١٢).
(٤) ((المعجم الأوسط)) (٥٢٥٣).

٢٥١
سورة آل عمران
عليه، فقالَ: ((على صاحبكُمْ دَيْنٌ؟)) فقالُوا: نعم، قالَ: ((فما ينفعُكُمْ أنْ أصلِّيَ
على رجلٍ مرتهنٍ في قبرِهِ، لا تصعدُ روحُه إلى السماء، فلو ضمنَ رجلٌ دَيْنَه قمتُ
فصلَّيتُ عليه، فإنَّ صلاِي تنفعُهُ)). وفي المعنى أحاديث متعددة.
وخرَّج ابنُ أبي الدنيا، في كتابِ ((من عاشَ بعد الموتِ)) (١) من طريقٍ سَيَّرِ
ابنِ جسرٍ، قالَ: خرج أبي وعبدُ اللَّهِ بنُ زيدٍ، يريدانِ الغزوَ، فهجمُوا على
ركيَّةٍ عميقةٍ واسعةٍ، فأدلَوا حبالَهُم بقدرٍ، فإذا القدر قد وقعت في الرَّكِيَّةِ،
ء
قالَ: فقرنوا حبالَ الرفقةِ بعضُها ببعضٍ، ثم دخلَ أحدُهما إلى الرَّكيِّ، فلمَّا
صارَ في بعضِهِ إذا هُوَ بهمهمةٍ في الرَّكِيِّ، فرجعَ فصعدَ، فقالَ: أتسمعُ ما
أسمعُ؟ قالَ: نعمْ، فناولني العمودَ، فأخذ العمود ثم دخلَ الرَّكِيَّةَ، فإذا هُو
برجلٍ جالسٍ على ألواحٍ وتحتَهُ الماءُ. فقالَ: أجنيٌّ أم إنسيٌّ؟ قال: بل إنسيِّ،
فقالَ: ما أنت؟ قال: أنا رجلٌ من أهلِ أنطاكية، وإني مِتَّ فحبسِي رَبِّي عزّ
وجلَّ ها هُنَا بدَيْنِ عليَّ، وإنَّ ولَدِي بإنطاكية، ما يذكروني، ولا يقضونَ
عِنِّي. فخرجَ الذي كان في الرَّكِيَّةِ، فقال لصاحبِهِ: غزوةٌ بعدَ غزوةٍ، فدعٌ
أصحابَنا يذهبونَ، فسارُوا إلى إنطاكية، فسألوا عن الرجلِ وعن بَنِيه، فقالوا:
نعم، إنه - والله - لأبونا، وقد بعنا ضيعةً لنا، فامشوا معنا حتى نقضيَ عنهُ
دَيْنَهُ، قال: فذهبُوا معهُم، حتى قضوا ذلك الدَّينَ، قال: ثم رجعْنا من
إنطاكية حتى أتيْنَا موضعَ الركيةِ، ولا نشكُّ أنها ثمَّ، فلم يكنْ ركيةً ولا شيء
فأمسُوا فباتُوا هناكَ. فإذا الرجلُ قد أتاهُم في منامِهِم، وقال: جزاكمُ اللَّهُ
خيرًا، فإنَّ ربِّي عزَّ وجلَّ حَوَّلني إلى مكانٍ كذا وكذا من الجنةِ حيثُ قُضِي
عنِّي دِيْنِي .
(١) رقم (٤٩).

٢٥٢
سورة آل عمران
وروى في كتابِ ((المنامات)) قال: حدثنا زكريا بنُ الحارث البصريّ، قالَ:
رُئِّيَ محمدُ بنِ عبادٍ في النومِ، فقيلَ لهُ: ما فعلَ اللَّهُ بك؟ فقالَ: لولا دَيْنِي
أُدْخِلتُ الجنةَ.
وقالتْ طائفةٌ: الأرواحُ في الأرضِ، ثم اختلفُوا.
فقالتْ فرقةٌ منهم: الأرواحُ تستقرُّ على أفنيةِ القبورِ .. وهذا القولُ هو
الذي ذكرَهَ عبدُ اللَّهِ ابن الإمامِ أحمدَ لأبيه في سؤالِهِ المتقدمٍ. وحكى ابنُ حزمٍ
هذا القولَ عن عامَّةٌ أصحابِ الحديثِ .
وقال ابنُ عبدِ البِرِّ: كان ابنُ وضَّاحِ يذهبُ إليه، ويحتجُّ بحديثِ النبيِّ
وَسلم
مَكَلىالله
حين خرجَ إلى المقبرةِ فقال: ((السلامُ عليكُم دارَ قوم مؤمنينَ)(١)، فهذا يدلُّ على
أنَّ الأرواحَ بأفنيةِ القبور.
ورجَّح ابنُ عبدِ البرِّ أنَّ أرواحَ الشهداءِ في الجنةِ، وأرواحَ غيرِهِم على أفنيةِ
القبورِ تسرحُ حيثُ شاءتْ.
وذَكرَ عن مالكِ أنه قالَ: بلغَنِي أنَّ الأرواحَ مرسلةٌ تذهبُ حيثُ شاءتْ.
وعن مجاهد قالَ: الأرواحُ على القبورِ سبعةُ أيامٍ، من يومِ دفنِ الميتِ، لا
تفارقُ ذلكَ.
واستدلَّ هو وغيرُهُ بحديثِ ابنِ عمرَ عن النبيِّ وَّ قالَ: ((إذا ماتَ أحدُكُم
عُرِضَ عليه مقعدُه بالغداةِ والعشيِّ إنْ كانَ من أهل الجنةِ فمنْ أهلِ الجنةِ، وإنْ كانَ من
أهلِ النارِ فمِنْ أهلِ النارِ، يُقالُ له: هذا مقعدُك حتَّى يبعثَكَ اللَّهُ يومَ القيامة))(٢) وهذا
(١) أخرجه البخاري (١٢٤/٢)، (١٤٢/٤)، (١٣٤/٨)، ومسلم (١٦٠/٨).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٦٧٣٧)، والحاكم (٣٧/١ - ٣٨).

٢٥٣
سورة آل عمران
يدلُّ على أنَّ الأرواحَ ليستْ في الجنةِ، وإنّما تعرضُ عليها بكرةً وعشيًّا.
كذلك ذكرَ ابنُ عطيةَ وغيرُهُ.
وهذا لا حجةً لهم فيه لوجهين:
أحدهما: أنه يحتملُ أنْ يكون العرضُ بكرةً وعشيًّا على الروحِ المتصلةِ
بالبدنِ، والروحُ وحدَها في الجنةِ فتكونُ البشارةُ والتخويفُ للجسدِ في هذينِ
الوقتينِ باتصالِ الروحِ به. وأما الروحُ فهيَ أبدًا في نعيمٍ أو عذابٍ .
والثاني: أنَّ الذي يُعرضُ بالغداةِ والعشيِّ هو مسكنُ ابنِ آدمَ الذي يستقرُ فيه
في الجنةِ أو النارِ، وليستِ الأرواحُ مستقرةً فيه في مدةِ البرزخِ، وإنْ كانتْ في
الجنةِ أو النارِ .
ولهذا جاءَ في حديث البراءِ بنِ عازبٍ، عن النبيِّ نَّ: «إنَّ المؤمن إذا فتحَ له
في قبرِهِ بابٌ إلى الجنة، وقيلَ له: هذا منزلُكَ. فيقولُ: ربِّ أقم الساعةَ حتَّى أرجعَ إلى
أهلِي ومالِي))(١) .
وأمَّا السَّلامُ على أهلِ القبورِ فلا يدلُّ على استقرارِ أرواحهِم على أفنيةِ
قبورِهم، فإنَّه يسلّمُ على قبورِ الأنبياءِ والشهداءِ، وأرواحُهم في أعلى عليِّين،
ولكنْ لها مع ذلكَ اتصالٌ سريعٌ بالجسدِ، ولا يعلمُ كُنْهَ ذلكَ وكيفيتَهُ على
الحقيقة إلا اللَّهُ عزَّ وجلَّ.
ويشهدُ لذلكَ الأحاديثُ المرفوعةُ والموقوفةُ على أصحابِهِ، كأبي الدرداءِ،
وعبدِ اللَّهِ بنِ عمرو بنِ العاصِ رضي الله عنهم، في أنَّ النائمَ يُعرِجُ بروحِهِ
إلى العرشِ مع تعلّقها ببدنِهِ، وسرعة عودِها إليه عند استيقاظهِ، فروحُ الموتى
(١) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٦٧٣٧)، والحاكم (٣٧/١ - ٣٨).

٢٥٤
سورة آل عمران
المتجردةُ عن أبدانِهِم أوْلَى بعروجِهَا إلى السماءِ وعودِها إلى القبرِ في مثلِ تلك
السرعةِ، واللهُ أعلمُ.
وخرَّج ابنُ منده، من طريقِ عليٍّ بنِ زيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، أنَّ
سلمانَ قال لعبدِ اللَّهِ بنِ سلامٍ: إنَّ أرواحَ المؤمنينَ في برزخٍ مِنَ الأرضِ
تذهبُ حيثُ شاءتْ، وإنَّ أرواحَ الكفارِ في سجِّين، وخرَّجه ابنُ سعدٍ في
((طبقاته)) ولفظُه: ((إنَّ روحَ المؤمنِ تذهبُ في الأرضِ حيثُ شاءتْ، وروحَ
٠
الكافر في سجين))، وعليّ بنُ زيدٍ ليسَ بالحافظِ، خالفَهُ يحيى بنُ سعيد
الأنصاريَّ مع عظمتِهِ وجلالتِه وحفظهِ.
فرواه عن سعيدِ بنِ المسيبِ، قالَ فيهِ: إنَّ أرواحَ المؤمنينَ تذهبُ في الجنةِ
حيثُ شاءتْ، كما سبقَ ذكرهُ، وخرَّجه ابنُ سعدٍ في ((طبقاته)) ولفظُه: ((إنَّ
المؤمنَ روحُهُ تذهبُ في الأرضِ حيثُ شاءتْ، ونسمُ الكافرِ في سجِّين)).
وقد تقدَّمَ عن مالكِ أنَّه قالَ: بلغَنِي أنَّ الأرواحَ مرسلةٌ تذهبُ حيثُ
شاءتْ، وخرَّجه ابنُ أبي الدنيا، عن خالدِ بنِ خداشٍ، قالَ: سمعتُ مالكًا
يقولُ ذلكَ.
وخرَّج - أيضًا - عن حسينِ بنِ عليٌّ العجليِّ، حدثنا أبو نعيمٍ، حدثنا
شريكٌ عن يعْلَى بنِ عطاءِ، عن أبيه، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، قالَ: مثلُ:
المؤمنِ حينَ تخرجُ نفسُهُ، أو قالَ روحُهُ، مثلُ رجلٍ كان في سجْنٍ، فَأُخْرِجَ
منه، فهو ينفسحُ في الأرضِ ويتقلبُ فيها.
ومما استدلَّ به على أنَّ الأرواحَ في الأرضِ، حديثُ البراءِ بن عازبٍ،
الذي تقدَّم سياقُ بعضِهِ، وفيه صفةُ قبضِ رُوحِ المؤمنِ: ((فإذا انتهَى إلى العرشِ

٢٥٥
سورة آل عمران
كتبَ كتابَهُ في علِّيين، ثم يقولُ الربُّ عزَّ وجلّ: ردُّوا عبدي إلى مضجعِهِ، فإنِّي وعدتُهم
٠٠
أني منها خلقتُهم، وفيها أُعيدُهم، ومنها أُخرجُهم تارةً أخرى، فيُرَدُّ إلى مضجعه)).
٠٠
وذكرَ الحديثَ. وقال في روحِ الكافرِ: ((فيصعدُ بها إلى السماء، فتغلقُ دونه أبوابُ
السماء قال: ويُقالُ: اكتبوا كتابَهُ في سجِّين، قالَ: ثم يقالُ: أعيدُوا عبدِي إلى الأرضِ،
فإني وعدتُهُم أنّى منها خلقتُهم، وفيها أعيدُهُم، ومنها أخرجُهم تارةً أخرى)) (١).
وفي روايةٍ: ((فيقولُ اللَّهُ تعالى: ردُّوا روحَ عبدِي إلى الأرضِ، فإنِّي وعدتُهُمْ أنِّي
أردُّهم فيها)) ثم قرأ رسولُ اللَّهِ بِّهِ: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ
تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥].
وهذا يدلُّ على أنَّ أرواحَ المؤمنينَ تستقرُ في الأرضِ، ولا تعودُ إلى السماء
بعد عرضِها ونزولها إلى الأرضِ، ولكنَّ حديثَ البراءِ وحدَهُ لا يعارضُ
الأحاديثَ المتقدمةَ في أنَّ الأرواحَ في الجنةِ، ولا سيما الشهداءُ.
وفي (صحيح مسلمٍ))(٢) عن عبدِ اللَّهِ بن شقيقٍ، عن أبي هريرةَ، في صفةِ
قبضِ روحِ المؤمنِ، قالَ: ((ثم يصعدُ به إلى الله - عزَّ وجلَّ - فيقولُ: ردُّوه إلى آخر
الأجلين))، وذكرَ مثلهُ في روحِ الكافرِ، وقال فيه: وردَّ النبيِّوَِّ ريطةً كانتْ
له على أنفِهِ، يعني لَّا ذكر نتنَ ريحهِ. وهذا يشهدُ لرفعِ الحديث كلِّهِ .
وخرَّج ابنُ أبي الدنيا، من حديثِ قتادةً عن قسامةَ بنِ زهيرٍ، عن أبي
هريرةَ، عن النبيِّ نَّهِ: ((إنَّ المؤمنَ إذا احتُضِرَ أنتَهُ الملائكةُ بحريرة فيها مسك وضبائرُ
الريحانِ، فُتُسلُّ روحُهُ كما تُسلُّالشعرةُ من العجينِ، وتقولُ: أيتها النفسُ المطمئنةُ
اخرجِي راضيةً، مرضيًّا عنكِ إلى روحِ اللَّه وكرامته، فإذا خرجتْ روحُهُ وُضعَتْ على
(١) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٦٧٣٧)، والحاكم (٣٧/١ -٣٨).
(٢) (١٦٢/٨ - ١٦٣).

٢٥٦
سورة آل عمران
ذلكَ المسك والريحان، وطويتْ عليها الحريرةُ، وبُعثَ بها إلى علِّين. وإنَّ الكافرَ إذا
احتضرَ أنتْهُ الملائكةُ بمسحٍ فيه جمرةٌ، فتنزعُ روحُهُ نزِعًا شديدًا، ويقالُ: أيتها النفس
الخبيثةُ، اخرجي ساخطةً مسخوطًا عليكِ إلى هوانِ اللَّهِ وعذابه، فإذا أُخرجَتْ روحُهُ
وُضعَتْ على تلكَ الجمرةِ، فإنَّ لها نشيئًا، يُطوى عليها المسحُ ويذهبُ بها إلى سجِّين)).
وخرَّجه النسائيُّ (١) وغيرُهُ، من حديثٍ قتادةَ، عن أبي الجوزاءِ عن
أبي هريرةَ، عن النبيِّ نَّهِ، ولفظُهُ مخالفٌ لما قبلَهُ، وذكرَ فيه في روحٍ
المؤمنِ: حين ينتهوا به إلى السماءِ العُليا، وقال في روحِ الكافرِ، حينَ ينتهوا
به إلى الأرضِ السّفلى.
وقد ذكرنا فيما تقدَّم عن ابن مسعودٍ: أنَّ الروحَ بعدَ السؤالِ في القبرِ تُرفع
إلى عليينَ، وتلا قولَهُ تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلّينَ﴾ [المطففين: ١٨].
وقالتْ فرقةٌ: تجتمعُ الأرواحُ بموضعٍ من الأرضِ، كما روى همامُ بنُ يحيى
المسعوديُّ، عن قتادةَ: قالَ: حدثني رجلٌ، عن سعيد بن المسيبِ، عن
عبدِ اللهِ بن عمرو، قالَ: إنَّ أرواحَ المؤمنينَ تجتمعُ بالجابيةِ، وأمَّ أرواحُ الكفارِ
فتجمعُ بسبخةٍ بحضرموت، يُقال لهُ: برهوتُ، خرَّجه ابنُ منده.
ورواه هشامُ الدستوائيُّ، عن قتادةَ، عن سعيد بن المسيبِ من قولِهِ، ولم
يذكرْ عبدَ اللَّهِ بنِ عمرو، خرَّجه من طريقِ ابنِ أبي الدنيا، وقد تبيّنَ أن قتادةَ
لم يسمعُه من سعيدٍ، إنما بَلَغَه عنه ولا يدرِ عَمَّن أخذهُ.
وخرَّجُ ابنُ منده، من طريقِ فراتِ القزازِ، عن أبي الطفيلِ، عن عليٌّ،
قال: شرٌّ وادٍ بئرٌ في الأحقاف: برهوتُ، بئرٌ في حضرموت، ترده
(١) ((السنن)) (٨/٤ -٩).

٢٥٧
سورة آل عمران
أرواحُ الكفارِ .
قال: ورواه حمادُ بنُ سلمةَ، عن عليٍّ بن زيدٍ، عن يوسفَ بن مهرانَ،
عن ابنِ عباسٍ: عن عليٍّ ◌ِثُه، قال: أبغضُ بقعةٍ في الأرضِ وادٍ
بحضرموت، يُقال له: بَرهوتُ، فيه أرواحُ الكفارِ، وفيه بئرٌ ماؤُه بالنهارِ
أسودُ كأنه قيحٌ تأوِي إليه الهوامُ.
وروى بإسناده عن شهرِ بنِ حوشبٍ، أنَّ كعبًا رأى عبدَ اللهِ بنَ عمرو،
وقد تكالبَ الناسُ عليه يسألونَهُ، فقال رجلٌ لرجلٍ: سله أينَ أرواحُ المؤمنينَ؟
قال: بالجابيةِ وأرواحُ الكفارِ ببرهوتَ.
وبإسنادِهِ عن سفيانَ، عن أبانَ بنِ تغلبٍ، قالَ: قالَ رجلٌ: بتّ فيه - يعني
وادي برهوت، وكأنَّما حُشدتْ فيه أرواحُ الناسِ، وهم يقولونَ: يا دومةُ يا
دومةُ، قال أبانُ: فحدثنا رجلٌ من أهلِ الكتابِ: هو الملكُ الذي على أرواحِ
الكفار .
قال سفيانُ: وسألنا الحضرميّينَ، فقالُوا: لا يستطيعُ أن يبيتَ فيه أحدٌ
باللیلِ .
وقال ابنُ قتيبةَ في كتابِ: ((غريبِ الحديثِ)): ذكرَ الأصمعيُّ، عن رجلٍ
من أهلِ برهوتَ - يعني البلدَ فيه هذا البئرُ - ، قالَ: نجدُ الرائحة المنتنةَ
الفظيعةَ جدًا، ثم نمكثُ حينًا، فيأتينا الخبرُ بأن عظيمًا من عظماء الكفار قد
ماتَ، فنرى أن تلكَ الرائحةَ منْهُ.
قال: وقالَ ابن عيينةَ: أخبرِنِي رجلٌ أنه أمْسَى ببرهوتَ، فكأنَّ فيه
أصواتُ الحاجّ، قال: وسألتُ أهلَ حضرموت، فقالُوا: لا يستطيعُ أحدٌنًا أن

٢٥٨
سورة آل عمران
يمشي به فیه.
وقال ابنُ أبي الدنيا: حدثنا الحسينُ بنُ عبدِ العزيزِ، حدثنا عمرو بنُ أبي
سلمةَ، عن عمرَ بنِ سليمانَ، قالَ: ماتَ رجلٌ من اليهود وعندَهُ وديعةٌ
المسلمٍ، وكانَ لليهوديِّ ابنٌ مسلمٌ، فلم يعرفْ موضعَ الوديعةِ، فأخبرَ شعيبًا
الجبائيّ، فقال: انت برهوتَ فإنَّ دونهُ عينٌ تسيبُ، فإذا جئتَ في يومِ السبتِ
فامشِ عليها حتَّى تأتِي عينًا هناكَ، فادعُ أباك فإنه سيجيبُكَ، فاسألْه عما
تريدُ، فعلَ ذلك الرجلُ، ومضى، حتى أتى العينَ، فدعا أباه مرتين أو ثلاثًا
فأجابَهُ، فقالَ: أين وديعةُ فلان؟ فقال: تحت إسكفةِ البابِ، فادفعها إليه.
وفي كتابِ (الحكاياتٍ)) لأبي عمرٍو أحمدَ بنِ محمدِ النيسابوريِّ، قالَ:
حدثنا أبو بكرِ بنُ محمدِ بنِ عیسی الطرطوسيُّ، حدثنا حامدُ بنُ یحیی حدثنا
يحيى بنُ سليم، قالَ: كانَ عندنا بمكةَ رجلُ صدقٍ من أهلٍ خراسانَ يُودَع
الودائعَ فيؤدِّيها، فأودعه رجلٌ عشرة آلافٍ دينارٍ، وغابَ، فحضرتِ
الخراسانيَّ الوفاةُ، فما ائتمنَ أحدًا من ولدِهِ، فدفنَهَا في بعضِ بيوتِهِ، وماتَ،
فقدِمَ الرجلُ وسألَ بنِيهِ، فقالُوا: ما لنا بها علمٌ، قال العلماءُ الذين بمكةَ،
وهم يومئذٍ متوافرونَ، فقالُوا: ما نراهُ إلا من أهلِ الجنةِ، وقد بلغَنا أنَّ أرواحَ
أهل الجنةِ، في زمزمَ، فإذا مضى من الليلِ ثلثُه أو نصفُهَ فائتِ زمزمَ، فقفْ
على شفيرِهَا، ثم نادِهِ، فإنا نرجو أن يجيبَكَ، فإنْ أجابكَ فاسْأَلْه عن مالكَ،
فذهبَ كما قالُوا: فنادَى أولَ ليلةٍ وثانية وثالثةٍ، فلم يُجَبْ، فرجَعَ إليهم،
فقالَ: ناديتُ ثلاثًا فلم أُجَبْ؟ فقالُوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، ما نرى
صاحبَك إلا من أهل النارِ، فاخرجْ إلى اليمنِ، فإنَّ بها واديًا يُقالُ له:
برهوتَ، فيه بئرٌ يقالُ له: يلهوتُ فيها أرواحُ الكفارِ، فقف على شفيرها فناده

٢٥٩
سورة آل عمران
في الوقت الذي ناديتَهُ في زمزمَ، فذهب كما قيل له في الليلِ، فنادَى يا
فلانُ يا فلانُ بنُ فلان أنا فلانُ بنُ فلانٍ، فأجابَهُ في أولِ صوتٍ، فقال له:
ويحكَ ما أنزلَكَ ها هنا وقد كنتَ صاحبَ خيرٍ؟ قال: كان لي أهلٌ
بخراسانَ، فقطعتُهم حتى مِتُّ، فأخذَنِي اللَّهُ فأنزلني هذا المنزلَ، وأمَّا مالُك
فإني لم آمنْ عليه ولدِي، وقد دفنتُه في موضعٍ كذا. فرجع صاحبُ المالِ إلى
مكةَ، فوجدَ المالَ في المكانِ الذي أخبرَهُ.
ورجَّحت طائفةٌ من العلماء أن أرواحَ الكفارِ في بئر برهوت، منهم
القاضي أبو يعْلَى من أصحابِنا في كتابه: ((المعتمد)) وهو مخالفٌ لنصِّ أحمدَ:
أنَّ أرواحَ الكفارِ في النارِ .
ولعلَّ لبئر برهوت اتصالاً في جهنّم في قعرِها، كما رُوي في البحرِ أنَّ
تحته جهنَّم، واللَّه أعلمُ. ويشهدُ لذلكَ ما سبقَ من قولِ أبي موسى
الأشعريِّ: فروحُ الكافرِ بوادي حضرَموت، في أسفلِ الثَّرى من سبعِ
أرضينَ.
وقال صفوانُ بنُ عمرو: سألتُ عامرَ بنَ عبدِ اللَّهِ اليمانيَّ، هل لأنفسِ
المؤمنينَ مجتمعٌ؟ فقال: يُقالُ: إن الأرضَ التي يقولُ اللَّهُ: ﴿أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا
عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]، قالَ: هي الأرضُ التي تجتمعُ فيها أرواحُ
المؤمنينَ، حتى يكونَ البعثُ. خرَّجه ابنُ منده، وهذا غريبٌ جدًا، وتفسيرُ
الآيةِ بذلك ضعيفٌ.
وخرَّج ابنُ أبي الدنيا، في كتابِ ((من عاشَ بعدَ المماتِ» (١) من طريقِ
(١) رقم (٤٧).

٢٦٠
سورة آل عمران
عبدِ الملكِ بنِ قدامةَ، عن عبدِ اللهِ بن دينارٍ، عن أبي أيوبَ اليمانيِّ، عن
رجلٍ من قومِهِ يقال له: عبدُ اللَّه، إنه ونفرًا من قومه ركبُوا البحرَ، وإنَّ
البحرَ أظلمَ عليهم أيامًا، ثم انجلتْ عنهم تلك الظلمةُ، وهم قربُ قريةِ، قالَ
عبدُ اللَّه: فخرجتُ ألتمسُ الماءَ، فإذا أبوابَ المدينةِ مغلقةٌ، تجاجا فيها الريحُ
فهتفتُ بها، فلم يجبني أحدٌ، فبينا أنا كذلك إذ طلعَ عليَّ فارسانٍ، تحتَ كلِّ
واحد منهما قطيفةٌ بيضاءُ، فسألانِي عن أمرِي، فأخبرتُهما بالذي أصابَنا في
البحرِ، وإني خرجتُ أطلبُ الماءَ. فقالا لي: يا عبدَ اللَّهِ، اسْلُكْ في هذه
السكةِ، فإنك ستنتهي إلى بركةٍ فيها ماءٌ فاسْقِ منها، ولا يهولنَك ما ترى
فيها، قال: فسألتُهما عن تلكَ البيوتِ المغلقةِ التي تجأجأ فيها الريحُ فقالا:
هذه بيوتٌ فيها أرواحُ الموتى.
قال: فخرجتُ حتى انتهيتُ إلى البركة، فإذا فيها رجلٌ مصلوبٌ معلَّقٌ
على رأسِهِ، يريدُ أن يتناولَ الماءَ بيده، وهو لا ينالُه، فلما رآني هتفَ بِي،
وقال: يا عبدَ اللَّهِ اسقنِي، قال: فغرفتُ بالقدحِ لأناوَلَهُ فقبضتْ يدِي، قالَ
لي: بلَّ العمامةَ ثم ارمٍ بها إليَّ، قال: فبللت العمامة لأرمي بها إليه،
فقبضت يدي العمامةَ، ثم بللتُ ثانيًا لأرمي بها إليه قبضتْ يدي. فقلتُ: يا
عبدَ اللَّه غرفتُ بالقدحِ لأناولكَ فقُبِضَتْ يدي، ثم بللتُ العمامة لأرمي بها
إليكَ فقُبِضَتْ يدي، فأخبرِنِي من أنت؟ فقال: أنا ابنُ آدم، أنا أولُ من سفكَ
دمًا في الأرضِ .
خرَّجَ أبو نعيمٍ بإسنادِهِ عن ابنِ وهبٍ، حدثنا عبدُ الرحمنِ بنُ زيدِ بنِ
أسلمَ، قالَ: بينا رجلٌ في مركبٍ في البحرِ، إذ انكسرَ بهم مركبُهُم، فتعلقَ
بخشبةٍ، فطرحتُه في جزيرة من الجزائرِ، فخرج يمشي، فإذا هو بماءٍ، فتبعهُ