النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ سورة البقرة قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا اللَّه قَانتينَ و [ قال البخاريُّ](١): ثنا إِبْراهيمُ بنُ موسى: ثنا عيسى - هو: ابنَ يونسَ -، ثنا إسماعيلُ - هو: ابنُ أبي خالدٍ -، عنِ الحارثِ بنِ شُبَيْلٍ، عن أبي عمرو الشيبانيِّ، قال: قالَ لي زَيَدُ بنُ أرقمَ: إنْ كُنَّا لنتكلمُ في الصلاةِ على عهدِ رسولِ اللَّهِ بِ ◌ّهِ، فِيكُلِّمُ أحدُنَا صاحبَهَ بحاجَتِه حتى نزلتْ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] فَأُمِرْنا بالسُّكُوتِ. وخرَّجه مسلمٌ(٢)، وزاد فيه: ((ونُهينا عن الكلام))، وليس عنده: ذكرُ عهد النبيِّ نَله. وخرَّجه النسائيُّ (٣)، وعندَهُ: ((فأمِرْنا حينئذٍ بالسكوتِ)). وخرَّجه الترمذيُّ (٤)، ولفظُه: كنا نتكلمُ خلفَ رسولِ اللَّهِ بِّ في الصلاة، فيكلمُ الرجلُ منَّا صاحبه إلى جنبه، حتى نزلتْ ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] قال: ((فأُمرنا بالسكوت، ونُهينا عن الكلامِ)). وهذه الروايةُ صريحٌ برفعِ آخرِهِ. واختلفَ الناسُ في تحريمِ الكلامِ في الصلاةِ: هل كان بمكةَ، أو بالمدينة؟ فقالتْ طائفةٌ: كان بمكةً. واستدلُّوا بحديثِ ابنِ مسعودٍ المتقدمٍ، وأنَّ النبيَّ وَّهِ امتنعَ من الكلامِ عند قدومِهِم عليه من الحبشةِ، وإنَّما قدِمَ ابنُ مسعودٍ عليه من الحبشةِ إلى مكةَ، (١) البخاري في ((صحيحه)) (٧٨/٢). (٢) ((صحيح مسلم)) (٧١/٢). (٣) النسائي (١٨/٣). (٤) الترمذي (٤٠٥). ١٨٢ سورة البقرة ثم هاجرَ إلى المدينةِ، كذا ذكرَه ابنُ إسحاقَ وغيرُهُ. ويعضدُ هذا: أَنَّه رُويَ: أنَّ امتناعهم من الكلامِ كان بنزولِ قولِهِ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وهذه الآيةُ مكيَّةٌ. فروى أبو بكرٍ بنُ عياشٍ، عن عاصمٍ، عن المسيّبِ بنِ رافعٍ، قالَ: قَالَ ابنُ مسعودٍ: كنا يسلمُ بعضُنا على بعضِ في الصلاةِ، فجاءَ القرآنُ ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ . وأخرجه ابنُ جريرٍ وغيرُه. وهذا الإسنادُ منقطعٌ؛ فإنَّ المسيبَ لم يلقَ ابنَ مسعودٍ. وروى الهَجَريُّ، عن أبي عياضٍ، عن أبي هريرةَ، قال: كانوا يتكلَّمون في الصلاةِ، فلما نزلت هذه الآيةُ ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] والآيةُ الأخرى، قال: فأمِرْنا بالإنصاتِ . وخرَّجه بقيَّ بنُ مخلدٍ في ((مسنده). وخرّجه غيرُهُ، وعنده: ((أو الآيةُ الأخرى)» - بالشكِّ. والهجريُّ، ليس بالقويُّ. ولكن يشكلُ على أهلِ هذه المقالةِ حديثُ زيدِ بنِ أرقم، الذي خرَّجه البخاريُّ هاهنا، فإن زيدًا أنصاريٍّ، لم يصلِّ خلفَ النبيَّ وَّ بمكةَ، إنَّما صلى خلفه بالمدينة، وقد أخبر أنهم كانوا يتكلَّمون حتى نزلتْ ﴿وَقُومُوا لله قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وهي مدنيةٌ بالاتفاقِ . وأجابَ أبو حاتمٍ ابنُ حبانٍ(١) - وهو ممن يقولُ: إن تحريمَ الكلامِ كان (١) في ((صحيحه)) (٢٠/٦ - ٢١). ١٨٣ سورة البقرة بمكة -: وأجيبَ عن هذا بجوابينِ : أحدُهما: أن زيدَ بنَ أرقم حكى حالَ الأنصارِ وصلاتَهم بالمدينةِ قبلَ هجرة النبيِّ وَّهِ إليهم، وأنَّهم كانوا يتكلمونَ حينئذٍ في الصلاةِ، فإنَّ الكلامَ حينئذ كان مباحًا، وكانَ النبيُّ وَّهَ إِذْ ذاكَ بمكةَ، فحكى زيدٌ صلاتَهم تلك الأيامَ، لا أنَّ نسخَ الكلامِ كانَ بالمدينةِ . قلتُ: هذا ضعيفٌ؛ لوجهينِ : أحدُهما: أن في رواية الترمذيِّ: (كنَّ نتكلمُ خلفَ النبيِّ وَّ في الصلاةِ)»، فدلَّ على أنَّه حكى حالَهم في صلاتِهم خلفَ النبيّ وَّ بعد هجرتِهِ إلى المدينة . والثاني: أنه ذكرَ أنهم لم يُنْهوا عن الكلامِ حتى نزلتِ الآيَةُ، وهي إنَّما نزلتْ بعدَ الهجرةِ بالاتفاقِ، فعلمَ أنَّ كلامَهم استمرّ في الصلاةِ بالمدينةِ، حتى نزلت هذه الآيةُ. ثم قالَ ابنُ حبانَ : والجوابُ الثاني: أن زيدًا حكى حالَ الصحابةِ مطلقًا من المهاجرينَ وغيرِهم، ممن كانَ يصلِّي مع النبيِّ ◌ََّ قبلَ تحريمِ الكلامِ في الصلاةِ، ولم يردِ الأنصارَ، ولا أهلَ المدينةِ بخصوصِهم، كما يقولُ القائلُ: فعلْنا كذا وإنَّما فعلَه بعضُهم. قلتُ: وهذا يردُّه قولُه: ((حتى نزلت الآيةُ))؛ فإنَّه يصرحُ بأن كلامَهم استمرَّ إلى حين نزولها، وهي إنما نزلت بالمدينة. وأجابَ غيرُ ابنِ حبانَ بجوابينِ آخرينِ : ١٨٤ سورة البقرة أحدُهما: أنَّه يحتملُ أنه كان نهى عن الكلامِ متقدمًا، ثم أذنَ فیه، ثم نھی عنه لما نزلتِ الآيةُ . والثاني: أنه يحتملُ أن يكونَ زيدُ بنُ أرقم ومن كان يتكلّمُ في الصلاةِ لم يبلغْهم نهيُ النبيِّ وََّ، فلما نزلتِ الآيةُ انتهَوْا. وكلا الجوابين فيه بُعْدٌ، وإنَّما انتهوا عند نزولِ الآيةِ، بأمرِ النبي بالسكوتِ، ونهيِهِ عن الكلامِ، كما تقدمَ. صلىالله وَسَلم وقالت طائفةٌ أخرى: إنَّما حُرِّمَ الكلامُ في الصلاةِ بالمدينةِ؛ لظاهرِ حديثٍ زيدِ بنِ أرقم، ومنعُوا أن يكونَ ابنُ مسعودٍ رجعَ من الحبشةِ إلى مكةَ، وقالُوا: إنما رجع من الحبشةِ إلى المدينةِ، قبيل بَدْرٍ. واستدلُوا بما خرَّجه أبو داودَ الطيالسيُّ في ((مسندِهِ)(١) من حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عتبةَ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: بعثنَا النبيُّ ◌َّ إلى النجاشيِّ، ونحن ثمانونَ رجلاً، ومعنا جعفرُ بنُ أبي طالبٍ - فذكرَ الحديثَ في دخولهم على النجاشيِّ، وفي آخرِهِ - : فجاءَ ابنُ مسعودٍ، فبادرَ، فشهدَ بدرًا. وروى آدمُ ابنُ أبي إياسِ في «تفسيرِهِ)): حدثنا أبو مَعْشرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ، قال: قدمَ النبيُّ نَّهِ المدينةَ، والناسُ يتكلمونَ بحوائجِهم في الصلاةِ، كما يتكلَّمُ أهلُ الكتابِ، فأنزلَ اللَّهُ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فسكتَ القومُ عن الكلامِ. وهذا مرسلٌ. وأبو معشرٍ، هو: نجيحٌ السِّنْديّ، يتكلمونَ فيه. وقد اتفقَ العلماءُ على أنَّ الصلاةَ تبطلُ بكلام الآدميين فيها عمدًا لغيرِ (١) («المسند» (٣٤٤). ١٨٥ سورة البقرة مصلحة الصلاة، واختلفُوا في كلامِ الناسي والجاهلِ والعامدِ لمصلحةِ الصلاة. فأمَّا كلامُ الجاهلِ، فيأتي ذكرُه - قريبًا. وأمَّا كلامُ الناسي والعامدِ لمصلحةٍ، فيأتي ذكرُه في ((أبوابِ سجودِ السهوِ) قريبًا - إن شاءَ اللَّه تعالى(١). قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رَكْبَانًا فَإِذَا أَمَنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [قال البخاريُّ]: ((بابُ: صلاة الخوفِ رِجَالاً ورُكْبَانًا)): رَاجِلٌ: قَائِمٌ. حدّثنا سعيدُ بنُ يحيى بنِ سعيدِ القُرشيُّ: أنا أبي: نا ابنُ جُريجٍ عن موسى بن عقبةَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ - نحوًا من قولِ مجاهد: إذا اختلطُوا قيامًا. وزادَ ابنُ عمرَ عن النبيِّ بَّهِ: ((وإن كانُوا أكثرَ منْ ذلكَ فليُصَلُّوا قيامًا ورُكْبَانًا))(٢) . وخرَّج مسلمٌ (٣) من حديث سفيانَ، عن موسى بن عقبةَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: صلَّى رسولُ اللَّهِ وَلِّ صلاةَ الخوفِ في بعضِ أيامِه، فقامت ٥ طائفةٌ معه، وطائفةٌ بإزَاءِ العدوِّ، فصلَّى بالذين معه ركعةً، ثم ذهبُوا، وجاء الآخرونَ فصلَّى بهم ركعةً، ثم قضتِ الطائفتانِ ركعةً، ركعةً. (١) ((فتح الباري)) (٣٦٢/٦ - ٣٦٧). (٢) ((صحيح البخاري)) (١٨/٢). (٣) ((صحيح مسلم)) (٢١٢/٢ - ٢١٣). ١٨٦ سورة البقرة قال: وقالَ ابنُ عمرَ: فإذا كان خوفٌ أكثرُ من ذلك فصلِّ راكبًا أو قائمًا تُومِيُ إيماءً . فجعلَ هذ الوجهَ من قولِ ابنِ عُمرَ، ولم يرفعُه. وروى أبو إسحاق الفزاريُّ، عن موسى بن عقبةَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ - الحديثَ مرفوعًا، ولم يذكرْ في آخرِهِ: ((فإذا كان خوفٌ أكثرُ من ذلك)) - إلى آخرِهِ. وخرَّج ابنُ ماجه وابنُ حبانَ في ((صحيحِهِ))(١) من حديثِ جريرٍ، عن عبيدِ اللَّهِ بنِ عمرَ، عن نافعٍ، عنِ ابنِ عمرَ، عنِ النبيِّ نَّ في صلاةِ الخوفِ - فذكرَ صفتِها بمعنى حديثِ موسى بن عقبةَ، وقال في آخرِ الحديثِ: ((فإنْ كانَ خوفًا أشدَّ من ذلك فَرِجالاً أو رُكبانًا)). وقد خالفَ جريرًا يحيى القطَّانُ وعبدُ اللَّهِ بنُ نُميرٍ ومحمدُ بنُ بشر وغيرُهم، روَوْه عن عبيدِ اللَّهِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ - موقوفًا كلَّه. ورواه مالكٌ في ((الموطٍ)(٢)، عن نافعٍ، عنِ ابنِ عُمرَ - في صفةٍ صلاةٍ الخوفِ بطولِهِ -، وفي آخرِهِ: ((فإن كان خوفًا هو أشدَّ من ذلك صلُّوا رجالاً قيامًا على أقدامهم، أو ركبانًا، مستقبلي القبلةِ، أو غيرَ مستقبليها)) . قال مالكٌ: قال نافعٌ: لا أرى ابنَ عمرَ ذكرَ ذلك إلا عن رسول اللَّهِ وَ له. وخرَّجه البخاريُّ في ((التفسيرِ))(٣) من طريقِ مالكٍ كذلك. (١) أخرجه ابن ماجه (١٢٥٨)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٢٨٨٧). (٢) ((الموطأ)) (ص ١٣٠). (٣) ((صحيح البخاري)) (٣٨/٦ - ٣٩). ١٨٧ سورة البقرة قال ابنُ عبد البرّ(١): رواه مالكٌ، عن نافعٍ على الشكِّ في رفعهِ، ورواه عن نافعٍ جماعةٌ لم يشكُّوا في رفعهِ، منهمُ: ابنُ أبي ذئبٍ وموسى بنُ عقبةً وأيوبُ بنُ موسى. وذَكَرَ الدار قطنيُّ أن إسحاق الطبَّاعَ رواه عن مالكِ ورفعَهُ من غيرِ شكٍّ. وهذا الحديثُ ينبغي أن يضافَ إلى الأحاديثِ التي اخْتَلفَ في رفعِها نافعٌ وسالمٌ، وهي أربعةٌ سبقَ ذكرُها بهذَا الاختلافِ في رفعِ أصلِ الحديثِ في صلاةِ الخوفِ عن نافعٍ. وبقي اختلافٌ آخرُ، وهو في قولِهِ في آخرِ الحديثِ: ((فإنْ كان خوفًا أكثرَ من ذلك)) إلى آخرِهِ؛ فإنَّ هذا قد وقفه بعضُ من رفعَ أصلَ الحديثِ، كما وقفَه سفيانُ، عن موسى بن عقبةَ، وجعلَه مُدرجًا في الحديثِ . وقد ذكرَ البخاريُّ: أنَّ ابنَ جريج رفعَه عن موسى، وخرَّجه من طريقه کذلك. وأمَّا قولُ مجاهد المشارُ إليه في روايةِ البخاريِّ: روى ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا ﴾ [البقرة: ٢٣٩] إذا وقعَ الخوفُ صلَّى على كلِّ وجهةٍ، قائمًا أو راكبًا أو ما قدرَ، ويومئُ برأسِهِ، ويتكلَّمُ بلسانهِ . وروى أبو إسحاقَ الفزاريُّ، عن ابن أبي أنيسةَ، عن أبي الزبيرِ، قالَ: سمعتُ جابرًا سُئلَ عن الصلاة عند المسايفة؟ قال: ركعتين ركعتينٍ، حيث توجهتَ على دابتكَ تومئُ إيماءً. ابنُ أبي أنيسةَ، أظنُّه: يحيى، وهو ضعيفٌ. (١) («التمهيد)) (٢٥٨/١٥). ١٨٨ سورة البقرة وخرَّج الإسماعيليُّ في ((صحيحِه))، وخرَّجه من طريقه البيهقيّ(١)، من روايةِ حجاجٍ بنِ محمدٍ، عن ابن جريجٍ، عن ابنِ كثيرٍ، عن مجاهد، قال: إذا اختلطُوا، فإنَّما هو التكبير والإشارةُ بالرأسِ . قال ابنُ جريجٍ: حدثني موسى بنُ عقبةَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عُمرَ، عنِ النبيِّ وَّ - بمثلِ قولِ مجاهد: إذا اختلطُوا، فإنَّما هو التكبيرُ والإشارةُ بالرأسِ . وزاد: عن النبيِّ وَالَ: «فإنْ كثرُوا فليصلُّوا ركبانًا أو قيامًا على أقدامهم)) - يعني : صلاةَ الخوف. وخرَّجه - أيضًا (٢) - من رواية سعيدِ بنِ يحيى الأمويِّ، عن أبيه، عن ابنِ جريجٍ، ولفظُه: عن ابنِ عمرَ - نحوًا من قولِ مجاهد: إذا اختلطوا، فإنَّما هو الذكرُ وإشارةٌ بالرأسِ . وزاد ابن عُمرَ: عن النبيِّ نَّهِ: ((وإن كانُوا أكثرَ من ذلك فليصلُّوا قيامًا ور کبانًا». كذا قرأتُه بخط البيهقيِّ. وخرَّجه أبو نعيمٍ في ((مستخرجِهِ على صحيحِ البخاريِّ) من هذا الوجه، ءِ وعندَهُ: («قيامًا وركبانًا)»، وهو أصحّ. وهذه الروايةُ أتُمُّ من روايةِ البخاريِّ. ومقصودُ البخاريِّ بهذا: أنَّ صلاةَ الخوف تجوزُ على ظهورِ الدوابُّ (١) ((السنن الكبرى)» (٢٥٥/٣). (٢) (السنن الكبرى)) (٢٥٥/٣ - ٢٥٦). ١٨٩ سورة البقرة للركبانِ، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رَكْبَانَا﴾ [البقرة: ٢٣٩] ويعني : (رجالاً)): قيامًا على أرجلهم، فهو جمعُ راجلٍ، لا جمعَ رجلٍ، و((الركبانُ)): على الدوابٌ. وقد خرَّج فيه حديثًا مرفوعًا. وقد روي عن ابنِ عمرَ وجابرٍ، كما سبق. وقال ابنُ المنذرِ: أجمعَ أهلُ العلمِ على أن المطلوبَ يصلِّي على دابِهِ - كذلك قال عطاءُ بنُ أبي رباحٍ، والأوزاعيَّ، والشافعيّ وأحمدُ، وأبو ثور - ، وإذا كان طالبًا نزلَ فصلَّى بالأرضِ . قال الشافعيّ: إلا في حالٍ واحدةٍ، وذلك أن يقلَّ الطالبونَ عن المطلوبين، ويُقْطَع الطالبونَ عن أصحابِهِم، فيخافون عودةَ المطلوبين عليهم، فإذا كانُوا هكذا كان لهم أن يصلُّوا يُومِئُون إيماءً، انتهى. وممن قال: يصلّي على دابته ويومِىُّ: الحسنُ والنخعيُّ والضحاكُ، وزاد: أنه يصلِّي على دابته طالبًا كانَ أو مطلوبًا، وكذا قال الأوزاعي. واختلفتِ الروايةُ عن أحمدَ: هل يصلِّي الطالبُ على دابته، أم لا يصلِي إلا على الأرضِ؟ على روايتين عنه، إلا أن يخافَ الطالبُ المطلوبَ، كما قال الشافعيُّ، وهو قولُ أكثرِ العلماءِ . قال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ بنُ جعفرٍ: أما المطلوبُ، فلا يختلفُ القولُ فيه، أنه يصلّي على ظهرِ الدابةِ، واختلفَ قولُه في الطالبِ، فقالُوا عنه: ينزلُ فيصلِّي على الأرضِ، وإن خافَ على نفسِهِ صلَّى وأعادَ، وإنْ أَخَّرَ فلا بأسَ، والقولُ الآخرُ: أنه إذا خافَ أن ينقطعَ عن أصحابِهِ أن يعودَ العدوُّ عليه، فإنه يصلِّي على ظهرِ دابتِه، فإنه مثلُ المطلوبِ لخوفِهِ، وبه أقولُ. انتهى . وما حكاه عن أحمدَ من أن الطالبَ إذا خافَ فإنه يصلِي ويعيدُ، فلم يذكر ١٩٠ سورة البقرة به نصًّا عنه، بل قد نصَّ على أنه مثلُ المطلوبِ . قال - في رواية أبي الحارث -: إذا كان طالبًا وهو لا يخافُ العدوَّ، فما علمتُ أحدًا رخَّص له في الصلاةِ على ظهرِ الدابةِ، فإن خافَ إنْ نزلَ أن ينقطعَ من الناسِ، ولا يأمنُ العدوَّ فليصلِّ على ظهرِ دابِتِه ويلحقُ بالناسِ، فإنه في هذه الحالِ مثلُ المطلوبِ. ونَقَلَ هذا المعنى عنه جماعةٌ، منهم: أبو طالبٍ والأثرمُ. وله أن يصلِّيَ مستقبلَ القبلةِ وغيرَ مستقبلها على حسبِ القدرةِ. وفي وجوبِ استفتاحِ الصلاةِ إلى القبلةِ روايتانِ عن أحمدَ: فمن أصحابنا من قال: الروايتانِ مع القدرةِ، فأمَّ معَ العجزِ فلا يجبُ، روايةً واحدةً. وقال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ عكسَ ذلك، قال: يجبُ مع القدرةِ، ومع عدمِ الإمكان، روايتان. وهذا بعيدٌ جدًّا - أعني: وجوبَ الاستفتاحِ إلى القبلةِ مع العجزِ، ولعلَّ فائدة إيجابِ الإعادة بدونِهِ . ولهم أن يصلُّوا صلاةَ شدةِ الخوفِ رجالاً وركبانًا في جماعةٍ، نصَّ عليه أحمدُ، وهو قولُ الشافعيِّ ومحمدِ بنِ الحسنِ . وقال أبو حنيفةَ والثوريَّ والأوزاعيُّ: لا يصلونَ جماعةً، بل فُرادَى؛ لأنَّ المحافظةَ على الموقفِ والمتابعةِ لا تمكنُ. وقال أصحابُنا ومَن وافقهم: يُعْفَى عن ذلك هاهنا، كما يُعْفَى عن استدبارِ القبلةِ والمشي في صلواتِ الخوفِ، وإن كان معَ الانفرادِ يمكن تركُ ذلك. ١٩١ سورة البقرة قالُوا: ومتى تعذَّرتِ المتابعةُ لم تصحَّ الجماعةُ بلا خلاف(١) قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاس بعضهم ببعضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ وقد قيلَ في تأويلِ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١]: إنه يدخل فيها دفْعُهُ عن العُصاةِ بأهلِ الطّاعةِ، وجاءَ في الآثار: إنَّ اللَّهِ يدْفَعُ بالرَّجُلِ الصالحِ عن أهلِهِ وولدِهِ وذريَتِهِ ومنْ حَوْله. وفي بعضِ الآثارِ يقولُ اللَّهُ عزَّ وجلّ: ((أحبُّ العباد إليَّ المتحأَبُونَ بجلالِي المشَّاءونَ في الأرضِ بالنَّصيحةِ، المشَّاءونَ على أقدامهم إلى الجُمُعات)). وفي روايةٍ: ((المعلّقةُ قلوبُهم بالمساجد، والمستغفرونَ بالأسحار، فإذا أردتُ إنزالَ عذابٍ بأهلِ الأرضِ فنظَرْتُ إليهم صرفْتُ العذابَ عن الناسِ)) وقالَ مكحولٌ: ما دامَ في النَّاسِ خمسةَ عشرَ يستغفرُ كلٌّ منهُم اللَّهَ كلَّ يومٍ خمسًا وعشرينَ مرَّةً لم يَهْلِكُوا بعذابِ عامَّة. والآثارُ في هذا المعنى كثيرةٌ جدًّا(٢). قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمٌ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْبِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لَيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِنَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ: [قال البخاريُ]: وقال إبراهيمُ عليهِ السلامُ: ﴿وَلَكِنِ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِ﴾ [البقرة: ٢٦٠] وقد فسّرها سعيدُ بن جبيرٍ بالازديادِ من الإيمان(٣)، فإنَّه قالَ لَهُ: (١) ((فتح الباري)) (١٩/٦ -٢٤). (٢) ((لطائف المعارف)) (٢٥٦). (٣) أخرجه ابن جرير في ((تفسيره)) (٥٠/٣، ٥١). ١٩٢ سورة البقرة ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىْ وَلَكِن لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِيٍ﴾ [البقرة: ٢٦٠] فطلبَ زيادةً في إيمانه؛ فإنَّه طلبَ أن ينتقل من درجةِ علمٍ اليقينِ إلى درجة عينِ اليقينِ وهي أعلى وأكمل، وفي ((المسندِ))(١) عن ابنِ عباسٍ عن النبي ◌َُّلّ قال: ((ليس الخبر كالمعاينة))(٢). قوله تعالى: ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنعمًّا هىَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفَقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِرُ عَنكُم مِّنَ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ في صدقةِ السِّرِ، وفي فضلِهَا، نصوصٌ كثيرةٌ، فمن القُرآنِ: قولُهُ: ﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]. ومن السنة: حديثُ: ((رجلٌ تصدَّق بصدقة فأخفَاهَا، حتى لا تعلمَ شمالُه، ما تُتُفقِ يمِينُ))(٣)، وحديثُ: ((الجاهرُ بالقرآن كالجاهرِ بالصدقة، والمسرُّ بالقرآنِ كالمُسِرِّ ١ بالصدقة)) (٤)، وحديثُ أنس: (لَا خلقَ اللَّهُ الأرضَ، جعلَتْ تميدُ فخلقَ الجبالَ .. )) الحديثَ، وفي آخرِهِ: ((قيلَ: فهل منْ خلقكَ شيءٌ أشدُّ من الريحِ؟ قالَ: نعمْ، ابنُ آدَمَ يتصدقُ بيمينه فيُخْفِيهَاَ عنْ شماله))(٥) . وحديثُ أبي ذرٍ (٦)، وزادَ: ثُمَّ نزعَ بهذه الآية: ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَتَعمَّا (١) أخرجه أحمد في ((المسند)) (٢١٥/١، ٢٧١). (٢) ((فتح الباري)) (١١/١ - ١٢). (٣) أخرجه البخاري (١٦٨/١)، و(٣٨/٢)، ومسلم (٩٣/٣) من حديث أبي هريرة. (٤) أخرجه أحمد في ((المسند)) (١٥١/٤، ١٥٨، ٢٠١)، وأبو داود (١٣٣٣)، والترمذي -(٢٩١٩)، والنسائي (٥/ ٨٠) من حديث عقبة بن عامر. (٥) أخرجه أحمد في ((المسند)) (١٢٤/٣)، والترمذي (٣٣٦٩). (٦) أخرجه أحمد في ((المسند)) (٢٦٥/٥) من مسند أبي أمامة. ١٩٣ سورة البقرة هِيَ﴾ وحديثُ: ((صدقة السرِّ، تُطفئُ غضبَ الربِّعزَّ وجلَّ، وتدفعُ ميتةَ السوءِ)) خرَّجه الترمذيُّ، وابنُ حبان(١) . وحديثُ أبي طلحةَ، لَّا تصدَّقَ بحائطه، وقالَ: ((لو استطعتُ أنْ أُسرّه، لم أعلنْه)) خرَّجه الترمذيُّ في ((تفسيرِه)(٢) . واختلفُوا في الزكاةِ: هلِ الأفضلُ إسرارُها أم إظهارُها؟ فرُويَ عنْ عليٍّ بنِ أبي طلحةَ، عنِ ابنِ عباسٍ، قالَ: جعلَ اللَّهُ صدقةَ الفريضةِ علانيتَها أفضلَ من سرِّها، يُقالُ: بخمسة وعشرينَ ضعفًا، خرَّجه ابنُ جريرٍ (٣)، وفي روايةٍ، قال: وكذلك جميعُ الفرائضِ والنوافلِ في الأشياءِ كلِّها(٣). وقال سفيانُ الثوريُّ في هذه الآيةِ: هذا في التطوعِ. وعن يزيد بنِ أبي حبيبٍ: إنَّما نزلتْ هذه الآيةُ في اليهود والنصارى وكان يأمرُ بِقَسم الزكاةِ في السرِّ (٤)، قالَ ابنُ عطيةَ: وهذا مردودٌ، لا سيّما عند السلفِ الصالحِ، فقد قالَ ابنُ جرير الطبريِّ: أجمعَ الناسُ، أَنَّ إظهارَ الواجبِ، أفضلُ (٥). قال المهدويُّ: وقيل المرادُ بالآية: فرضُ الزكاة والتطوعُ، وكان الإخفاءُ فيها أفضلَ في مدّة النبيِّ بَِّ، ثمَّ ساءتْ ظنونُ الناسِ، بعد ذلك، فاستحسنَ العلماءُ، إظهارَ الفرائضِ، لئلا يُظنَّ بأحدِ المنعُ. قال ابنُ عطيةَ: وهذا القولُ مخالفٌ للآثارِ، قالَ: ويشبه في زمننا أن (١) أخرجه الترمذي (٦٦٤)، وابن حبان (٣٣٠٩) من حديث أنس. (٢) أخرجه الترمذي في ((الجامع)) (٢٩٩٧). (٣) أخرجه ابن جرير في ((تفسيره)) (٩٢/٣). (٤) أخرجه ابن جرير في «تفسيره)) (٩٣/٣). (٥) بمعناه في ((تفسير ابن جرير)) (٩٣/٣). ١٩٤ سورة البقرة يحسنَ التسترُ بصدقةِ الفرضِ، فقد كثر المانعُ لها، وصار إخراجُها عُرضةً للرِّيَاءِ. وهذا الذي تخيَّلَه ابنُ عطيةَ ضعيفٌ، فلو كانَ الرجلُ في مكان يتركُ أهلُه الصلاةَ، فهل يُقال: إنَّ الأفضلَ أنْ لا يُظهرَ صلاتَه المكتوبة؟ !. وقال النَّقاشُ: إنَّ هذه الآيةَ نسخَها قولُهُ تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ الآية [البقرة: ٢٧٤]. انتهى ما ذكرَهُ. ودعوى النسخِ ضعيفٌ جدًّاً، وإنَّما معنى هذه الآية، كمَعْنى الَّتِي قبلها: إِنَّ النفقةَ تُقبلَ سرًّا، وعلانيةً، وحُكي عن المهدويِّ أنَّ قولَه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]، رخَّصَتْ في صدقةٍ الفرضِ، على أهلِ القراباتِ المشركين. قال ابنُ عطيةَ: وهذا عندي مردودٌ. وحكي عن ابنِ المنذرِ نَقْلُ إجماعٍ من يحفظُ: أَنَّه لا يُعْطَى الذِمِّيُّ من صدقةِ المالِ شيئًا . قلتُ: رُوي عن ابنِ عمرَ أنَّه قال: في قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠]: أن المساكينَ: أهلُ الكتاب، وإسنادُهُ لا يثبتُ. كتا الله وروى الثعلبيُّ بإسنادِهِ عن سعيدِ بنِ سُويدِ الكلبيِّ يرفعُه، أنَّ النبيَّ شَ الكلية وسلم سئل عن الجهرِ بالقراءة، والإخفاء فقالَ: هي كمنزلة الصدقة ﴿إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكَمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]. وروى الثعلبيّ في ((تفسيرِهِ))، عن أبي جعفرٍ في قوله تعالى: ﴿إِن تُّبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ قال: هي الزكاةُ المفروضةُ، ﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ ١٩٥ سورة البقرة فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ قال: يعني التطوعَ. هذا تفسيرٌ غريب١ٌ). قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتْخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّه ٤ يَمْحَقُ اللَّهُ الرَبَا ٢٧٥ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ إِنَّ الَّذينَ آمَنُوا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كُفَّارٍ أَثِيمٍ ◌َ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا (٢٧٧) خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأُذَنُوا بِحَرْبٍ مّنَ ٢٧٨٣) اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [قال البخاريُّ]: ((بابُ: تحريمِ تجارةِ الخَمْرِ في المسْجِدِ»: / حدثنا عبدانُ، عنْ أبي حمْزةَ، عن الأعمش، عنْ مسلمٍ عن مسروقٍ، عن عائشةَ، قالتْ لما أُنزِلتْ الآياتُ من سُورة البقرةِ في الرِّبًا خرجَ رسولُ اللّه لَه إلى المسجدِ، فقرأهُنَّ على الناسِ، ثمَّ حرَّم تجارةَ الخمرِ(٢). ذكْرُ الخمرِ بالتحريمِ - إما لشربِه، أو للتجارةِ فيه - : من جملةِ تبليغِ دینٍ اللَّهِ وشرعِهِ؛ وذلكَ لأَنَّه تُصان عنه المساجدُ؛ فإنَّ اللَّهَ ذكرَ في كتابِهِ الذي يُتُلى في الصلواتِ في المساجدِ: الخمر والميسرَ والأنصابَ والأزلامَ، كما ذكرَ: الزِّنا والرِّبًا وسائرَ المحرمات من الشركِ والفواحشِ، ولم يزلِ النبيَّ مَلَهِ يَتْلُو (١) راجع رسالة: ((صدقة السر وفضلها)). (٢) أخرجه البخاري (١٢٤/١)، (١٠٨/٣)، ومسلم (٤٠/٥). ١٩٦ سورة البقرة ذلكَ في المسجدِ في الصلواتِ وغيرِها، ولم يزلْ يذكرُ تحريمَ ما حرَّمه اللَّهُ في المساجدِ وفي خطبِهِ على المنبرِ، وهذا البابُ مما لا تدعو الحاجةُ إليه؛ لظهوره. ولكن يشكل في هذا الحديثِ أمرانٍ: أحدُهُما: أن تحريمَ التجارةِ في الخمرِ مما شرعَ من حينِ نزولِ تحريمِ الخمرِ ، ولم يتأخر إلى نزولِ آياتِ الرِّبًا، فإنَّ آياتِ الرِّبًا من آخر ما نزلَ من القرآنِ، كما رَوَى البخاريُّ في (التفسيرِ)(١) من روايةِ الشعبيِّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: آخرُ آية نزلتْ على رسولِ اللهِ وَ لِّ آيَةُ الرِّبًا. وفي (الصحيحينِ))(٢) عن جابرٍ، أنه سمعَ النبيَّ وَِّ عامَ الفتحِ وهو بمكةً يقولُ: ((إنَّ اللَّهَ ورسولَهُ حرَّمَ بَيْعَ الخمر والميتةَ والخنزيرَ والأصنامَ)). وخرَّج مسلمٌ (٣) من حديث أبي سعيد الخدريِّ، أنَّ النبيِّ وَّ قالَ: ((يا أيها النَّاسُ، إنَّاللَّهَ يعرِّض بالخمر، ولعلَّ اللَّه سينزلُ فيها أمراً، فمنْ كانَ عندَهُ منها شيءٌ فليْعهُ ولينتفعْ بهِ) قال: فما لبثنا إلا يسيراً حتَّى قالَ: ((إنَّ اللَّه حرَّم الخمرَ، فمنْ أدركتْه هذه الآيةُ وعندَهُ منها شيءٌ فلا يشربْ ولا بيعْ))، قال: فاستقبلَ الناسُ بما كانَ عندَهُم منها في طريقِ المدينةِ فسفكُوهَا. وهذا نصٌّ في تحريمٍ بيعِها مع تحريمٍ شرِبِها. والثاني: أنَّ آيَاتِ الرًِّا ليسَ فيها ذكرُ الخمرِ، فكيفَ ذكرَ تحريمَ التجارةِ في الخمرِ مع تحريمِ الرًِّا؟ ويجابُ عن ذلكَ: بأنَّ مرادَ عائشةَ: أنَّ النبيَّ وَّهِ أخبرَ بتحريمِ التجارةِ في (١) ((صحيح البخاري)) (٤٠/٦). (٢) أخرجه البخاري (١١٠/٣)، (١٩٠/٥)، (٧٢/٦)، ومسلم (٤١/٥). (٣) ((صحيح مسلم)) (٣٩/٥). ١٩٧ سورة البقرة الخمرِ مع الرِّبًا، وإنْ كانَ قد سبقَ ذكرُ تحريمٍ بيع الخمرِ . وقد رَوى حجَّاجُ بنُ أرطأة - حديثَ عائشةَ -، عن الأعمشِ بإسنادِ البخاريِّ، ولفظُهُ: لما نزلت الآياتُ التي في سورة البقرةِ نَهَى رسولُ اللَّهِ وَ له عن الخمرِ والرِّبًا. وإنَّما أرادَ النبيُّ نَّهِ واللَّهُ أعلمُ - بتحريمِ التجارةِ في الخمرِ مع الرِّبًا لِيُعْلِمَ بذلك أنَّ الرّبا الذي حرَّمه اللَّهُ يشملُ جميعَ أكل المالِ مما حرَّمه اللَّهُ من المعاوضات، كما قالَ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فما كانَ بِيْعًا فهو حلالٌ، وما لم يكن بيْعًا فهو رِبًا حرامٌ - أي: هو زيادةٌ على البيعِ الذي أحلَّه اللَّهُ. فدخلَ في تحريمِ الرِّبًا جميعُ أكلِ المالِ بالمعاوضاتِ الباطلةِ المحرمةِ، مثلُ رِبا الفضلِ فيما حرَّم فيه التفاضلُ، وربا النَّسَاء فيما حرَّم فيه النَّسأ، ومثل أثمانِ الأعيانِ المحرَّمة، كالخمرِ والميتةِ والخنزيرِ والأصنامِ، ومثل قَبولِ الهدية على الشَّاعةِ، ومثل العقودِ الباطلةِ، كبيعِ الملامسةِ والمنابذةِ، وبيعِ حَبَلِ الحبلةِ، وبيعِ الغَرَرِ، وبيعِ الثمرة قبل بدوِّ صلاحِها، والمُخَابرةِ، والسَّلَف فيما لا يجوز السَّلَفُ فيه. وكلامُ الصحابةِ في تسميةِ ذلكَ رِبًا كثيرٌ، وقد قالُوا: القَبَالاتُ رِبا، وفي النَّجشِ أنه رِبا، وفي الصفقتين في الصفقةِ أنه رِبا، وفي بيعِ الثمرةِ قبلَ بدوٍّ صلاحها أنَّه رِبا. ورُوي: أنَّ غَبْنَ الْمُسْتَرسلِ رِبًّا، وأنَّ كلَّ قرْضٍ جَرَّ نَفْعًا فهو رِبًا . ١٩٨ سورة البقرة وقال ابنُ مسعود: الرِّبًا ثلاثةٌ وسبْعُونَ بابًا . وخرَّجه ابنُ ماجه والحاكمُ عنه مرفوعًا (١) . وخرَّج الإمامُ أحمدُ وابنُ ماجه (٢)، أنَّ عمر قالَ: من آخرِ ما نزلَ آيَةُ الرِّبًا، وإنَّ رسولَ اللَّهِ وَ لَهِ قُبضَ قبلَ أن يُفْسِّرِها لنا، فدَعُوا الرِّبًا والرِّيبةَ. يشيرُ عمرُ إلى أنَّ أنواعَ الرِّبًا كثيرةٌ، وأنَّ من الْمُشْتَبَهَاتِ ما لا يتحققُّ دخولُه في الرِّبًا الذي حرَّمه اللَّهُ، فما رابَكُم منه فدعُوه. وفي ((صحيحٍ مسلم))(٣) عن عمرَ، أَنَّه قالَ: ثلاثٌ وددتُ أنَّ رسولَ اللَّه ﴿َّ كانَ عهِدَ إلينا عهْدًا ننتهي إليه: الجَدُّ، والكَلالةُ، وأبوابٌ من أبوابِ الرِّبًا. وبعضُ البيوعِ المنهيِّ عنها نُهِيَ عنها سدًا لذريعةِ الرِّبا، كالمحاقَلة، والمزَابنةِ، وكذلك قِيلَ في النهي عن بيعِ الطعامِ قبل قبضِهِ، وعن بيعتينِ في بيعةٍ، وعن ربحِ ما لم يضمنْ، وبسطُ هذا موضعُهُ ((البيوعُ)). وإنَّما أشرْنَا هنا إلى ما يبَيِّنْ كثيرةَ أنواعٍ أبوابِ الرِّبًا، وأنَّها تشملُ جميعَ المعاوضات المحرَّمة، فلذلكَ لَّا نزلَ تحريمُ الرِّبَا نَهَى النبيُّنَ ◌ّهِ عن الرِّبا، وعن بيعِ الخمرِ، ليبينَ أنَّ جميعَ ما نُهِيَ عن بيعِهِ داخلٌ في الرِّبًا المنهيِّ عنه. واللَّهُ ف(٤) أعلم (٤). (١) ابن ماجه (٢٢٧٥)، والحاكم (٣٧/٢). (٢) أخرجه أحمد (٣٦/١ - ٥٠)، وابن ماجه (٢٢٧٦). (٣) (٢٤٥/٨). (٤) «فتح الباري)) (٥٣١/٢ - ٥٣٤). ١٩٩ سورة البقرة قوله تعالى: ﴿اللَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لمَن يَشَاءُ وَيُعَذّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٢٨: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ ء ٢٨٥٣)+ لا مِّنِ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبْنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمَّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ولَّا نزل قوله تعالى: ﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذَّبُ مَن يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، شقَّ ذلك على المسلمين، وظنُّوا دُخولَ هذه الخواطرِ فيهِ، فنزلتْ الآيةُ التي بعدَها، وفيها قولُه: ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فبيَّنْت أنَّ ما لا طاقةَ لهُم بهِ، فهو غيرُ مؤاخذٍ بهِ، ولا مُكلَّف به، وقد سمَّى ابنُ عباسٍ وغيرُهُ ذلك نسْخًا، ومرادُهُم أنَّ هذه الآيَةَ أزالتِ الإيهامَ الواقعَ في النُّفُوسِ من الآيةِ الأُولى، وبيَّنت أنَّ المرادَ: بالآية الأُولى العزائمُ المصمّمُ عليْهَا، ومثل هذا البيانِ كانَ السلفُ يسمُّونَه نسخًا (١). (١) ((جامع العلوم والحكم)) (٣٤٨/٢، ٣٤٩). سُورَةُ آل عمْرَان ورؤُر قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ إِنَّ الشهادتينِ منْ خصالِ الإسلامِ بغير نزاعٍ، وليسَ المرادُ الإتيانَ بلفظهمَا دونَ التَّصديقِ بهما، فعُلِمَ أنَّ التصديق بهِمَا، داخلٌ في الإسلامِ، وقد فسَّرَ الإسلامَ المذكورَ في قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] بالتَّوحيدِ والتَّصديقِ، طائفةٌ من السلفِ، منهُم محمدُ بنُ جعفرِ بنِ الزُّبِيرِ . وأمَّا إذا نُفِيَ الإيمانُ عنْ أحدٍ، وأُثبتَ له الإسلامُ، كالأعرابِ الَّذِينَ أَخبرَ اللَّهُ عنهُم، فإنَّه ينتفِي عنهُم رسُوعُ الإيمانِ في القلبِ، وتثبُتُ لهم المشاركةُ في أعمالِ الإسلامِ الظاهرةِ مع نوعٍ إيمانٍ يُصحِّحُ لهم العملَ، إذْ لولا هذا القدرُ منَ الإيمانِ، لم يكونُوا مسلمينَ، وإنَّما نَفَى عنهُمُ الإيمانَ، لانتفاءِ ذوقٍ حقائقِه، ونقصٍ بعضٍ واجباتِهِ، وهذا مبنيٌّ على أنَّ التصديقَ القائمَ بالقلوبِ ق (١). یتفاضل(١ قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِيْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ المحبةُ الصحيحةُ تقتضي المتابعةَ والموافقةَ في حبِّ المحبوباتِ وبغضِ (١) ((جامع العلوم والحكم)) (٨٦/١، ٨٧).