النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ سورة البقرة آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرِةِ مِنْ خَلاقٍ وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ٢٠ [البقرة: ٢٠٠ -٢٠١]. وقد استحبَّ كثيرٌ من السَّفِ كثرةَ الدعاء بهذا في أيام التشريقِ . قال عكرمةٌ: كان يُستحبُّ أن يُقالَ في أيام التشريقِ: ﴿رَبَّنَا آتنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةَ وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]. وعن عطاء، قال: ينبغي لكُلِّ من نَفَر أن يقولَ حين ينفرُ متوجهًا إلى أهله: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]. ٠٠ خرَّجهما عبدُ بن حُميدٍ في ((تفسيرِهِ)) وهذا الدعاءُ من أجمعِ الأدعيةِ للخيرِ، وكانَ النبيُّ وَهِ يكثرُ منه، ورُوي أنَّه كان أكثرَ دعائه(١)، وكانَ إذا دعا بدعاء جعله معه؛ فإنَّه يجمعُ خيرَ الدنيا والآخرةِ. قالَ الحسنُ: الحسنةُ في الدُّنيا العُلمُ والعبادةُ، وفي الآخرةِ الجنةُ(٢). وقالَ سفيانُ: الحسنةُ في الدنيا العِلْمُ والرزقُ الطَّيِّبُ، وفي الآخرةِ الجنةُ (٢). والدُّعاءُ من أفضلِ أنواعٍ ذكْرِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ. وقد روى زيادٌ الجصَاصُ عن أبي كنانةَ القرشيِّ أنَّه سمع أبا موسى الأشعريّ، يقولُ في خطبِهِ يومَ النَّحْر: بعد يومِ النَّحرِ ثلاثةُ أيامٍ التي ذكرَ اللَّهُ الأيامَ المعدُوداتِ لا يُرَدُّ فيهنَّ الدُّعَاءُ، فارفعُوا رغبتكُم إلى اللَّهِ عزَّ وجلَّ. وفي الأمرِ بالذكرِ عند انقضاء النُّسُك معنَّى، وهو أنَّ سائرَ العباداتِ (١) أخرجه مسلم في (صحيحه)) (٦٨/٨ - ٦٩)، وأحمد في ((المسند)) (١٠١/٣). (٢) ((تفسير الطبري)) (٣٠٠/٢). ١٦٢ سورة البقرة تنقضي ويُفرغُ منها، وذِكْرُ اللَّه باقٍ لا ينقضي ولا يفرغ منه، بل هو مستمر للمؤمنينَ في الدنيا والآخرةِ. وقد أمرَ اللَّه تعالى بذكره عند انقضاء الصلاة، قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَإِذَا ے قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]، وقال تعالى في صلاة الجمعةِ: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الجمعة:١٠]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ : وإلى ٧ رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧ - ٨]، رُوي عن ابن مسعودٍ، قالَ: فإذا فرغتَ من الفرائضِ فَانْصَبْ (١) . وعنه في قولِه تعالى: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧ - ٨]، قال: في المسألةِ، وأنتَ جالسٌ. وقال الحسنُ: أمرَهَ إذا فرغَ من غزوهِ أن يجتهدَ في الدُّعاءِ والعبادةِ(٢). والأعمالُ كلُّها يُفْرِغُ مِنْهَا، والذِّكْرُ لا فراغَ له، ولا انقضاءَ، والأعمالُ تنقطعُ بانقطاعِ الدنيا ولا يبقى منها شيءٌ في الآخرة، والذِّكرُ لا ينقطعُ. المؤمنُ يعيشُ على الذكرِ، ويموتُ عليه، وعليه يُبعثُ. عهْدَ الهَوى لا كانَ مَن يتغيَّرُ أحسِبْتُمُ أنَّ اللياليَ غَيَّرَتْ وعلى محبَّتِكُمْ أَمُوتُ وأحْشَرُ يفنى الزَّمانُ وليس يفنى ذِكْرُكُمْ قال ذو النون: ما طابتِ الدُّنيا إلا بذكره، ولا الآخرةُ إلا بعفوه، ولا الجنَّةُ إلا برؤيته . (١) (تفسير ابن كثير)) (٤٥٥/٨). (٢) ((تفسير الطبري)) (٢٣٧/٣٠). ١٦٣ سورة البقرة ودُنيانا بذكْراهُ تطيبُ بذكر اللَّهِ ترْتَاحُ القُلُوبُ ترَنَّح نشوانٌ وحنَّ طُروبُ إذا ذُكِرَ المحبوبُ عندَ حبيبه فأَيَّامُ التشريقِ يجتمعُ فيها للمؤمنينَ نعيمُ أبدانِهِم بالأَكْلِ والشّربِ، ونعيمُ قلوبهِم بالذِّكرِ والشكرِ، وبذلكَ تتمُّ النّعمةُ، وكلَّما أحدثُوا شُكرًا على النِّعمةِ كان شكرُهُم نعمةً أخرى، فيحتاجُ إلى شكرٍ آخرَ، ولا ينتهي الشكرُ أبداً . عليَّ لَهُ فِي مِثْلِها يجبُ الشُّكْرُ إذا كان شُكْرِي نعمةَ اللهِ نعْمَةً وإنْ طالتِ الأَيَّامُ واتَّصلَ العُمْرُ فكيف بلوغ الشُّكْر إلا بفضله ٠٠ وفي قولِ النبيِّ نَّ: ((إِنَّها أيامُ أَكْل وشُرْبٍ وذكْرِ اللَّه عزَّ وجلَّ)) (١)، إشارةٌ إلى أنّ الأكل في أيام الأعياد والشُّربَ إنَّما يستعانُ به على ذِكْرِ اللَّهِ تعالى وطاعته، وذلكَ من تمامِ شُكْرِ النِّعْمةِ أن يستعانَ بها على الطاعات. وقد أمرَ اللَّهُ تعالى في كتابِهِ بالأكلِ من الطِّبَاتِ والشكرِ لَهُ، فمنَ استعانَ بنعمِ اللَّهِ على معاصِيه فقدْ كفرَ نِعْمةَ اللَّهِ وبدََّها كُفْرًا، وهو جديرٌ أن يُسْلَبَها، كما قیل : فإنَّ المعاصي تُزيلُ النِّعم إذا كنتَ فِي نَعْمةٍ فَارْعَها فشُكْرُ الإله يزيلُ النِّقَم وداوِمْ عليها بِشُكْر الإلهِ وخصوصًا نعمةُ الأكلِ من لحومٍ بهيمة الأنعامِ، كما في أيامِ التشريقِ، فإنّ هذه البهائمَ مطيعةٌ للَّه لا تعصيه، وهي مُسبِّحةٌ له قانتةٌ، كما قال تعالى: ﴿﴿وَإِن مِّنْ شَيْءٍ إِلَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وأنَّها تسجد لَهُ، كما أخبرَ بذلكَ (١) تقدم قريبًا . ١٦٤ سورة البقرة في سورة النحلِ وسورةِ الحجِّ، وربما كانت أكثر ذكرًا للَّهِ من بعضِ بني آدمَ. وفي ((المسندِ))(١) مرفوعًا: ((رُبَّ بهيمة خيرٌ من راكبها، وأكثرُ للَّه منه ذكرًا)) . وقد أخبر اللَّه تعالى في كتابه أنَّ كثيرًا من الجنِّ والإنسِ كالأنعام بل هم أضل. فأباحَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ ذبْحَ هذه البهائمِ المطيعةِ الذاكرةِ له لعبادِهِ المؤمنينَ حتى تتقوى بها أبدانُهم، وتكمُلَ لذَّاتُهم في أكلِهِم اللحومَ، فإنَّها من أجلِّ الأغذية وألذِّها، مع أنَّ الأبدانَ تقومُ بغيرِ اللحمِ من النباتاتِ وغيرها، لكن لا تكمُل القوَّةُ والعقلُ واللذةُ إلا باللحمِ، فأباحَ للمؤمن قَتْلَ هذه البهائمِ والأَكْلَ من لحومها، ليكمّل بذلك قوَّةً عباده وعقولَهم، فيكونُ ذلك عونًا لهم على علومٍ نافعة وأعمال صالحةٍ يمتازُ بها بنو آدمَ على البهائم، وعلى ذكْرِ اللَّه عزَّ وجلَّ، وهو أكثرُ من ذكرِ البهائم، فلا يليقُ بالمؤمن مع هذا إلا مقابلةُ هذه النعمِ بالشكرِ عليها، والاستعانةُ بها على طاعةِ اللَّه عزَّ وجلَّ، وذكْرِهِ حيثُ فضَّلَ اللَّهُ ابنَ آدمَ على كثيرٍ من المخلوقاتِ، وسخَّر له هذه الحيوانات، قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦]. فأمَّا من قَتَلَ هذه البهائمَ المطيعةَ الذَّاكرة للَّهِ عزَّ وجلَّ، ثم استعانَ بأكلٍ لحومِهَا على معاصِي اللَّهِ عزَّ وجلَّ، ونسي ذكرَ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، فقد قَلَبَ الأمرَ وكفرَ النِّعمةَ، فلا كانَ من كانتِ البهائمُ خيراً منه وأطوَعَ. نهارُك يا مَغْرُورُ سَهْوٌ وَغَفْلَةٍ وليلُك نَوْمٌ والرَّدَى لكَ لازِمُ (١) لم أجده في ((المسند)) بهذا اللفظ، وراجع ((المسند)) (٤٣٩/٣، ٤٤٠، ٤٤١). ١٦٥ سورة البقرة وتتعَبُ فيما سَوْفَ تَكْرَهُ غِبَّهُ كذلك في الدُّنْيا تعيشُ البهائمُ وإنَّما نُهيَ عن صيامٍ أيامٍ التشريقِ، لأنَّها أعيادٌ للمسلمينَ مع يومِ النَّحرِ، فلا تُصامُ بمنّى ولا غيرها عندَ جمهورِ العلماءِ، خلافًا لعطاءِ، في قولِهِ: إنّ النهي مختصٌّ بأهل منّى، وإنَّما نُهي عن التطوّع بصيامها، سواء وافقَ عادةً أو ءِ لم يُوافق. فأمَّا صيامُها عن قضاء فرضٍ أو نَذْرٍ، أو صيامُها بمنّى للمتمتعِ إذا لم يجدِ الهَدْيَ، ففيه اختلافٌ مشهورٌ بين العلماءِ، ولا فرقَ بينَ يومٍ منها ويومٍ عند الأكثرين، إلا عندَ مالك، فإنَّه قال: في اليومِ الثالثِ منها يجوزُ صيامُه عن نَذْر خاصةً. وفي النهي عن صيامِ هذه الأيامِ والأمرِ بالأكْلِ فيها والشُّرب سِرٍّ حسنٌ، وهو أنَّ اللَّهَ تعالى لَّا عِلِمَ ما يُلاقي الوافِدون إلى بيتِهِ من مشاقِ السَّفْرِ وتعبِ الإحرامِ وجهادِ النفوسِ على قضاء المناسك، شرَعَ لهم الاستراحةَ عقيبَ ذلك بالإقامةِ بمنّى يومَ النَّحْرِ وثلاثةَ أيامٍ بعدَه، وأمرَهُم بالأكْلِ فيها من لحومِ نُسُكِهم، فهم في ضيافةِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ فيها، لطفًا من اللَّه بهم، ورأفةً ورحمةً. وشاركَهُم أيضًا أهلُ الأمصارِ في ذلكَ؛ لأنَّ أهلَ الأمصارِ شاركُوهم في حصولِ المغفرةِ والنَّصَبِ اللَّهِ والاجتهادِ في عشْرِ ذي الحجَّة، بالصَّومِ والذِّكْرِ والاجتهادِ في العباداتِ، وشاركُوهم في حُصولِ المغفرةِ وفي التقرَّبِ إلى اللّهِ تعالى بإراقة دماءِ الأضاحي، فشاركُوهم في أعيادهم، واشتركَ الجميعُ في الراحةِ في أيامِ الأعيادِ بالأكْلِ والشربِ، كما اشتركُوا جميعًا في أيامِ العشرِ في الاجتهادِ في الطاعةِ والنَّصَبِ، وصارَ المسلمونَ كلَّهم في ضيافةِ ١٦٦ سورة البقرة الله عزَّ وجلَّ في هذه الأيامِ، يأكلونَ من رزقِه، ويشكرونَهُ على فضله. ٠٠ ونُهوا عن صيامِها؛ لأنَّ الكريمَ لا يليقُ به أن يُجيعَ أضيافَهُ، فكأنَّه قيل للمؤمنينَ في هذه الأيامِ: قد فَرَغَ عملُكم الذي عَمِلْتُموه، فما بقي لكُم إلا الرَّاحةُ؛ فهذه الرَّاحةُ بذلك التعبِ، كما أُريح الصائمونَ للَّه في شهر رمضانَ بأمرِهم بإفطارِ يومِ عيدِ الفطر. ويؤخذُ من هذا إشارةٌ إلى حالِ المؤمنِ في الدنيا، فإنَّ الدُّنيا كلَّها أيامُ سفرٍ كأَيَّامِ الحجِّ، وهي زمانُ إحرامِ المؤمنِ عمَّا حرَّم اللَّهُ عليه من الشهواتِ، فمن صبَرَ في مدَّةِ سفرِهِ على إحرامِهِ وكفَّ عن الهوى، فإذا انتهى سفرُ عمرِهِ، ووصَلَ إلى مِنَى الْمنَى، فقد قضى تَفَتَه ووقَّى نذْرَه، فصارتْ أيامُهُ كلُّها كأيامٍ مِنَّى، أيامُ أكل وشربٍ وذكر الله عزَّ وجلَّ، وصارَ في ضيافةِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ في جوارِهِ أبدَ الأبدِ، ولهذا يُقَال لأهلِ الجنةِ: ﴿ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيْئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الطور: ١٩]، ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِهَا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] وقد قيل: إنَّها نزلتْ في الصَّوَّامِ في الدنيا (١). قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَى فَاعْتَزِلُوا النّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأُتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهّرِينَ وقولِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهّرِينَ ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. (١) ((لطائف المعارف)) (٥٠٠ - ٥٠٧). ١٦٧ سورة البقرة خرَّج مسلمٌ في ((صحيحه)) (١) من حديث حمَّاد بن سلَمَةَ: نا ثابتٌ، عن أَنَسٍ، أنَّ اليهودَ كانوا إذا حاضتِ المرأةُ فيهم لم يُؤاكلُوها ولم يُجامِعُوهُنَّ في البيوتِ، فسأل أصحابُ النبيِّ نِِّ النبيَّ ◌ََّ، فأنزلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَّى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] إلى آخرِ الآيةِ، فقالَ رسولُ اللَّهِ بِّهِ: ((اصْنَعُوا كُلَّ شَيْء إلا النِّكَاحَ) - وذكر بقيَّةً الحدیث . فقولُهُ عزَّ وجلّ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، أي: عن حُكمه والمباشرة فيه. و((المحيضُ))، قيل: إنَّه مَصْدَرٌ كالخَيْضِ، وقيلَ: بل هو اسمٌ للحيض. فیکونُ اسمَ مصدرٍ . وقولُهُ تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذَى﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فُسِّرِ الأذى بالدَّمِ النَّجسِ وبما فيه من القَذَرِ والنَّنِ وخروجهِ من مَخْرِجِ البَوْلِ، وكل ذلك يُؤْذِي. قال الخطَّبيُّ (٢): الأذى هو المكروهُ الذي ليسَ بشديدٍ جدًّا، كقوله: ﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّ أَذَى﴾ [آل عمران: ١١١]، وقوله: ﴿إِن كَانَ بِكُمْ أَذَى مَن مَّطَرٍ﴾ [النساء: ١٠٢]، قال: والمرادُ: أذى يعتزِل منها مَوْضِعَه لا غيره، ولا يَتَعَدَّى ذلك إلى سائرِ بدِنِها، فلا يُجْتَنبْنَ ولا يُخْرَجْنَ من البيوت كفعلِ المَجُوسِ وبعض أهلِ الكتابِ، فالمرادُ: أن الأذى بهنَّ لا يبلغ الحدَّ الذي يُجاوزُونه إليه، وإنَّما يُجْتنب منهنَّ موضعُ الأذى، فإذا تطهَّرنَ حلَّ غِشْيانُهنَّ. وقولُهُ تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، قد فسَّرَه النبيُّ وَلٌ باعتزالِ النكاحِ، وسيأتي فيما بعدُ - إنْ شاء اللَّهُ تعالى - ذكْرُ ما يَحْرُم من (٢) في ((شرح البخاري)) له (٣١٢/١). (١) (١/ ١٦٩). ١٦٨ سورة البقرة مباشرةِ الحائضِ وما يَحِلَّ منه في البابِ الذي يخْتَصَّ المباشرةَ من الكتابِ. وقد قيلَ: بأن المرادَ بالمحيضِ ها هُنا: مكانَ الحيضِ، وهو الفَرْجُ، ونصَّ على ذلكَ الإمامُ أحمدُ، وحكاه الماورْدِيُّ عن أزواجِ النبيِّ وَّ وجمهورِ المفسرينَ، وحكى الإجماعَ على أنَّ المرادَ بالمحيضِ المذكورِ في أولِ الآية: الدم. وقد خالفَ في ذلك ابنُ أبي موسى من أصحابنا في ((شرح الخِرَفي))، فزعم أن مذهبَ أحمدَ أنَّه الفرجُ - أيضًا -، وفيه بُعدٌ. وجمهورُ أصحابِ الشافعيِّ على أنَّ المرادَ بالمحيضِ في الآيةِ الدّمَ، في الموضعين . وقولُهُ: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ﴾، نهيٌّ بعدَ الأمرِ باعتزالِهِنَّ في المحيضِ عن قرْبانهنَّ فيه، والمرادُ به: الجماعُ - أيضًا -، وفيه تأكيدٌ لتحريمِ الوَطْءِ في الحيض . وقولُهُ: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ فيه قراءتان: ((يَطْهُرْنَ)) - بسُكُونِ الطاءِ وضمُّ الهاءِ، و((يَطَّهَّرْنَ) - بفتحِ الطاءِ وتشديدِهَا وتشديد الهاء. وقد قيل: إنَّ القراءة الأولى أُريدَ بها انقطاعُ الدَّم، والقراءةُ الثانيةُ أُرِيدَ بها التَّطَهُّرِ بِالماءِ. وممن فسر الأولى بانقطاعِ الدمِ ابنُ عباسٍ ومُجاهدٌ وغيرُهما . ے وابنُ جريرٍ وغيرُهُ: يشيرونَ إلى حكايةِ الإجماعِ على ذلكَ. ومنَعَ غيرُهُ الإجماعَ، وقال: كلٌّ من القراءتين تحتملُ أن يُراد بها الاغتسالُ بالماء، وأنْ يُراد بها انقطاعُ الدمِ، وزوَالُ أَذَاهُ. ١٦٩ سورة البقرة وفي ذلك نظرٌ، فإنَّ قراءةَ التشديد تدلُّ على نسبة فعلِ التطهر إليها، فكيف يُراد بذلكَ مجردُ انقطاع الدمٍ ولا صنعَ لها فيه. وقولُهُ: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] غاية النّهي عن قربانهن، فيدل بمفهومه على أنَّ ما بعد التطهير يزولُ النهي. فعلى قراءة التشديد المُفَسَّرة بالاغتسالِ إنَّما يزولُ النَّهيُ بالتطهرِ بِالماءِ، وعلى قراءة التخفيفِ يدلَّ على زوالِ النهي بمجردِ انقطاعِ الدمِ. واستدلَّ بذلكَ فرقةٌ قليلةٌ على إباحةِ الوطْءِ بمجرد انقطاعِ الدمٍ، وهو قولُ أبي حنيفةَ، وأصحابِهِ، إذا انقطعَ الدمُ لأكثرِ الحيضِ، أو لدونِهِ، ومضَى عليها وقتُ صلاة، أو كانتْ غيرَ مخاطبةٍ بالصلاة كالذِّمَّيّة. وحُكي عن طائفة إطلاقُ الإباحةِ، منهم: ابنُ بُكَيْرِ وابنُ عبدِ الحَكَم، وفي نقله عنهُما نظرٌ. والجمهورُ على أنَّه لا يباحُ بدونِ الاغتسالِ، وقالُوا: الآيةُ وإِنْ دَلَّتْ بمفهومِهَا على الإباحةِ بالانقطاعِ إلا أن الإتيانَ مشروطٌ له شَرْطٌ آخرُ وهو التَّطَهُر، والمرادُ به: التطهرُ بالماءِ؛ بقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فدلَّ على أنَّه لا يكفي مجردُ التطهرِ، وأن الإتيانَ متوقفٌ على التطهرِ، أو على الطُّهْرِ والتَّطَهُّرِ بَعْدَه، وفسَّر الجمهورُ النَّطَهُّرَ بالاغتسالِ، كما في قولهِ: ﴿ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]. وحُكي عن طائفة من السَّلْفِ: أنَّ الوضوءَ كافٍ بعد انقطاعِ الدمٍ، منهم: مُجاهدٌ، وعِكْرمةُ، وطاوسٌ، على اختلافٍ عنهم في ذلك. قال ابنُ المنذر: رُوِّينا بإسناد فيه مقالٌ عن عطاءِ وطاوسٍ ومجاهدٍ، أنهم ١٧٠ سورة البقرة قالُوا: إذا أدركَ الزوجَ الشَّبَقُ أمَرَها أنْ تتوضأ، ثم أصابَ منها إنْ شاءَ. وأصحُّ من ذلكَ عن عطاءِ ومجاهدٍ موافقةُ القولِ الأولِ - يعِنِي: المنعَ منه وكراهتَه بدونِ الغُسلِ - ، قال: ولا يثبتْ عن طاوسٍ خلاف ذلك. قال: وإذا بطَلَ أن يَثبت عن هؤلاء قولٌ ثانٍ كان القولُ الأولُ كالإجماعِ، انتھی. ولذلك ضَعَّفَ القاضي إسماعيلُ المالكي الروايةَ بذلكَ عن طاوسٍ وعطاءٍ، لأَنَّها من روايةٍ لَّيْثِ بنِ أبي سُلَيْمٍ عنهما، وهو ضعيفٌ. وحكي عن بعضِ السلفِ أن التطهرَ غَسْلُ الفرْجِ خاصَّة، رواه ابنُ جُرَيْجٍ، ولَيْثُ عن عطاء، ورواه مَعْمَرٌ عن قتادةَ، وحكاه بعض أصحابنا عن الأوزاعيِّ، ولا أظنّه يصحُّ عنه، وقاله قومٌ من أهل الظاهرِ. وو والصحيحُ الذي عليه جمهورُ العلماء: أنّ تطَهُّر الحائضِ كتطهر الجنب، وهو الاغتسالُ. ولو عَدِمَتِ الماءَ، فهل يُباح وطؤها بالتيممِ؟ فيه قولان: أحدهما: يباحُ بالتيمم، وهو مذهبُنا، ومذهبُ الشافعيِّ وإسحاقَ والجمهورِ، وقولُ يحيى بن بُكَيْرِ من المالكية، والقاضي إسماعيلَ منهم أيضًا. وقالَ مكْحُولٌ ومالكٌ: لا يُباحِ وطْؤُها بدون الاغتسال بالماء. وقوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢] إباحةٌ، وقولُهُ: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [ البقرة: ٢٢٢] أي: باعتزالهنَّ، وهو الفَرْجُ، أو ما بين السُّرَّةِ والرُّكْبةِ، على ما فيه من الاختلافِ كما سيأتي، روي هذا عن ابنِ عباسٍ، ومُجاهدٍ وعِكْرِمةَ. وقيلَ: المرادُ: من الفَرْجِ دون الدُّبْر، رواه عليٌّ بنُ أبي طلْحةَ عنِ ابنِ عباسٍ. ١٧١ سورة البقرة وروى أبانُ بنُ صالحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ﴿ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أن تعتزلوهنَّ. ورواه عِكْرمةُ، عن ابنِ عباسٍ - أيضًا. وقيل: المرادُ من قِبَلِ التطهرِ لا من قِبَلِ الحيض، ورُوي عن ابن عباسٍ - أيضًا -، وغيرِهِ. و((التوابون)): الرَّجَّعونَ إلى طاعةِ الله من مخالفتِهِ. و((المتطهرونَ)): فسَّرَه عطاءٌ وغيرُهُ: بالتطهرِ بالماء، ومجاهدٌ وغيرُهُ: بالتطهرِ وعن مجاهد، أنَّه فسَّرِه: بالتَّطهرِ من أدبارِ النساءِ. ويشهدُ له قولُ قومٍ لُوطِ: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ﴾ [الأعراف: ٨٢] (١) من الذنوبِ . والاعتزالُ الذي أمرَ اللَّهُ به: هو اجتنابُ جماعهنَّ، كما فَسَّرِه بذلك رسولُ اللَّهُ وَخِيهِ. وقال عكرمةُ: كان أهلُ الجاهليةِ يصنعونَ في الحيضِ نحوًا من صنيعِ الَجُوسِ، فذكرُوا ذلكَ لرسول اللّهِ وَّهِ، فنزلتْ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَى﴾ الآية [البقرة: ٢٢٢]، فلم يَزِدِ الأمرُ فيهن إلا شدَّةً، فنزلت: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأَتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]: أن تعتزِلُوا. أخرجهُ القاضي إسماعيلُ، بإسنادٍ صحيحٍ. وهو يدلُّ على أنَّ أولَ ما نزلَ الأمرُ باعتزالهنَّ فَهِمَ كثيرٌ من الناسِ منه (١) ((فتح الباري)) (٣٩١/١ - ٣٩٥). ١٧٢ سورة البقرة الاعتزالَ في البيوتِ والفرش كما كانوا يصنعونَ أوَّلاً، حتى نزلَ آخرُ الآيةِ : [البقرة: ٢٢٢]، ففُهِم من ذلك أنَّ اللَّهَ أمر ﴿فَأَتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ باعتزالِهِنَّ في الوطْءِ خاصةً. وفسَّرِّ النبيُّ ◌َ ◌َّ ذلك بقوله: ((اصنعوا كلَّ شيءٍ غيرَ النَّكاح))، وبِفعله مع أزواجه؛ حيث كان يباشرهنَّ في المحيضِ(١). قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [ قال البخاريُّ]: ((بابُ: قولِ النبيِّ وَّهِ («أنا أعلمُكُمْ بِاللَّه))، وأنَّ المعرفةَ فعْلُ القَلْبِ، لقولِهِ تعالى: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]. و م مرادُه بهذا التبويبِ: أن المعرفةَ بالقلبِ التي هي أصلُ الإيمانِ فعلٌ للعبد وكسبٌ له، واستدلَّ بقوله تعالى: ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] فجعلَ للقلوبِ كسبًا، كما جعل للجوارحِ الظاهرةِ كسبًا . والمعرفةُ: هي مركبةٌ من تصور وتصديقٍ، فهي تتضمنُ علمًا وعملاً، وهو تصديقُ القلبِ، فإن التصورَ قد يشتركُ فيه المؤمنُ والكافرُ، والتصديقُ يختصُّ به المؤمنُ، فهو عملُ قلبِهِ وکسبُهُ. وأصلُ هذا: أن المعرفةَ مكتسبةٌ، تُدركُ بالأدلة، وهذا قولُ أكثرِ أهلِ السنةِ من أصحابِنا وغيرِهِم، ورجَّحه ابنُ جرير الطبريُّ. (١) ((فتح الباري)) (٤٢٠/١). ١٧٣ سورة البقرة وروى بإسناده، عن الفضيلِ بنِ عياضٍ، أنَّه قال: أهلُ السنة يقولونَ: الإيمانُ: المعرفةُ والقولُ والعملُ. وقالت طائفةٌ: إنَّها اضطراريةٌ، لا كسبَ فيها. وهو قولُ بعض أصحابِنا، وطوائفَ منَ المتكلمينَ والصوفيةِ وغيرِهِم . وخرّج البخاريُّ في هذا البابِ : حديثَ: هشام، عنْ أبيه، عنْ عائشةَ، قالتْ: كانَ رسولُ اللَّهِ وَلَّه إذا أمرَهُم أمرَهُم منَ الأعمالِ بما يطيقُونَ، قالُوا: إنَّا لسْنا كهْتَكَ يا رسولَ اللَّه، إِنَّ اللَّهَ قد غفَرَ لكَ ما تقدَّم من ذنْبِكَ وما تأخَّرَ، فيغضبُ حتَّى يُعرفَ الغضبُ في وجْهِهِ، ثُمَّ يقولُ: ((إنَّ أتقاكم وأعلمَكُم باللَّه أنا))(١). كانَ النبيُّ ◌َلَّهِ يأمرُ أصحابَه بما يطيقونَ من الأعمالِ، وكانوا لشدةِ حرصِهِم على الطاعاتِ يريدونَ الاجتهادَ في العملِ، فربما اعتذرُوا عن أمرٍ النبيِّ وَلِّ د حَتَا الله بالرفقِ، واستعمالِهِ له في نفسه، أنَّه غيرُ محتاجٍ إلى العملِ بضمانِ المغفرةِ له، وهم غيرُ مضمون لهم المغفرةُ، فهم محتاجونَ إلى الاجتهاد، ما لا يحتاجُ هوَ إلى ذلك، فكانَ وَلَه يغضبُ من ذلك، ويخبرُهُم أنَّه أتقاهم للَّهِ و و وأعلمُهُم به. فكونُه أتقاهُم للَّهِ يتضمنُ شدةَ اجتهادِهِ في خصالِ التقوى، وهو العملُ، وكونُه أعلمُهُم به يتضمنُ أنَّ علمَه باللّهِ أفضلُ من علمِهِم باللَّهِ . وإنَّما أراد علمه باللّهِ، لمعنيينِ: أحدُهما: زيادةُ معرفته بتفاصيلِ أسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه وعظمته (١) ((صحيح البخاري)) (١١/١ - ١٢). ١٧٤ سورة البقرة وكبريائه، وما يستحقّه من الجلالِ والإكرامِ والإجلالِ والإعظامِ. والثاني: أن علمَهُ باللّهِ مستندٌ إلى عينِ اليقينِ؛ فإنَّه رآهُ، إما بعينِ بصرِهِ، أو بعين بصيرته . كما قال ابنُ مسعودٍ وابنُ عباسٍ وغيرُهما: رآه بفؤادِه مرتينِ . وعلمُهم به مستندٌ إلى علمٍ يقينٍ، وبينَ المرتبتينِ تباينٌ. ولهذا سألَ إبراهيمُ - عليه السلامُ - ربَّه أن يرقيه من مرتبةِ علمِ اليقينِ إلى مرتبةِ عينِ اليقينِ، بالنسبةِ إلى رؤيةِ إحياء الموتى، وقد سبقَ التنبيهُ على ذلكَ والكلامُ في تفاصيل المعرفةِ القائمةِ بالقلبِ . فلمَّا زادتْ معرفةُ الرسولِ بربِّه، زادتْ خشيتُه له وتقواه، فإنَّ العلمَ التامَّ يستلزمُ الخشيةَ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعَلَمَاءَ﴾ [فاطر: ٢٨]، م فمن كان باللَّهِ وبأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه أعلم، كان له أخشى وأتقى، وإنَّما تنقص الخشيةُ والتقوى بحسبِ نقصِ المعرفةِ باللّهِ . وقد خرَّجَ البخاريُّ في آخرِ: ((صحيحِهِ)(١) عن مسروقٍ، قالَ: قالتْ عائشةُ: صنعَ النبيُّ ◌ِّ﴿ شيئًا، ترخَّصَ فيه، وتنزَّه عنه قومٌ، فبلغ ذلك النبيَّ وَّهِ، فِحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ قالَ: ((ما بالُ أقوامٍ يتنزَّهون عن الشيءٍ أصنَعُه، فو اللَّهِ؛ إِنِّي لأعلمُهُم بِاللَّهِ وأشدُّهم له خشيةً». وفي ((صحيحِ مسلمٍ))(٢) عن عائشةَ، أنَّ رجلاً قالَ لرسول اللَّهُ وَله: يا رسولَ اللَّهِ إني أصبحُ جنبًا، وأنا أريدُ الصيامَ. فقالَ رسولُ اللَّه ◌ِّ: ((وأنا (١) البخاري (١٢٠/٩). (٢) مسلم (١٣٨/٣). ١٧٥ سورة البقرة أصبحُ جنبًا، وأنا أريدُ الصيامَ، فأغتسلُ وأصومُ)). فقال الرجلُ: يا رسولَ اللَّه، إنك لستَ مثلَنا، قد غُفرَ لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّرَ، فغضبَ رسولُ اللَّهِ وَه، وقال: ((إنِّي لأرجو أن أكونَ أخشاكُمْ للَّهِ وأعلَمكُم بما أنَّقِي)). وفي حديثِ أنسٍ، أن ثلاثةَ رهط جاءُوا إلى بيوتِ أزواجِ النبيِّ بَّه يسألونَ عن عبادة رسول اللَّهِ وَلَّ، فلمَّا أُخبروا بها كأنَّهم تقالُّوهَا، فقالُوا: وأينَ نحنُ منَ النبيِّ وَِّ، قد غَفَرَ اللَّهُ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّرَ، فقالَ أحدُهم: أمَّا أنا، فإنِّي أصلِّي الليلَ أبدًا، وقالَ آخرُ: أصومُ الدهرَ ولا أفطرُ. وقال الآخرُ: أنا أعتزلُ النساءَ ولا أتزوّجُ أبدًا. فجاءَ النبيُّ وَّهِ إليهم، فقالَ: ((أنتم الذين قلتُمْ كذا وكذا؟ أما والله، إنِّي لأخشاكُمْ للَّه، وأتقاكُم له، لكن أصومُ وأُفطرُ، وأصلِّي، وأرقدُ، وأتزوجُ النساءَ، فمن رغب عن سنتي فليسَ مِنِّي)». وقد خرَّجاه في (الصحيحينِ))(١) بمعناه. ففي هذه الأحاديثِ كلِّها: الإنكارُ على مَن نسبَ إليه التقصيرَ في العملِ للاتكال على المغفرة، فإنَّه كان يجتهدُ في الشكرِ أعظمَ الاجتهادِ، فإذا عُوتبَ على ذلكَ، وذُكرتْ له المغفرةُ، أخبرَ أنَّه يفعلُ ذلك شكرًا. كما في «الصحيحينِ))(٢) عن المغيرةَ، أنَّ النبيَّ وَّهِ كان يقومُ حتَّى تتفطّر قدمَاه، فيقالَ له: تفعلُ هذا، وقد غُفرَ لك ما تقدَّم من ذنبكَ وما تأخَّرَ؟ فيقولُ: ((أفلا أكونُ عبداً شكورًا)). وقد كان يواصلُ في الصيامِ وينهاهم، ويقول: ((إِنِّي لستُ كهيئتكُم، إنِّي أظلُّ (١) البخاري (١٢/٣)، ومسلم (١٦٢/٣). (٢) البخاري (٦٣/٢)، ومسلم (١٤١/٨). ١٧٦ سورة البقرة عند ربي يطعمني ويسقيني))(١). فنسبةُ التقصيرِ إليه في العملِ لاتكالِه على المغفرةِ خطأٌ فاحشٌ، لأنه يقتضي أن هديَه ليسَ هو أكمل الهدىِ وأفضلَه، وهذا خطأٌ عظيمٌ، ولهذا كانَ وَلِّه يقولُ في خطبته: ((خير الهدي هدي محمد)). ويقتضي - أيضًا - هذا الخطأ أنَّ الاقتداءَ بهديه في العملِ ليس هو أفضلَ، بلِ الأفضلُ الزيادةُ على هديه في ذلك، وهذا خطأٌ عظيمٌ جدًّا؛ فإنَّ اللَّهَ تعالى قد أمرَ بمتابعته، وحثَّ عليها، قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحُبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١]. فلهذا كان رَجُلِّ يغضبُ من ذلك غضبًا شديدًا، لما في هذا الظنِّ من القدحِ في هديه ومتابعته والاقتداء به . وفي روايةٍ للإمامِ أحمدَ (٢): ((والله، إنِّي لأَعلمُكُم باللَّهِ، وأَتْقَاكم له قلبًا)). وقولُه في الروايةِ التي خرَّجها البخاريُّ في هذا الباب: ((إنَّ أتقاكُمْ وأعلمكُم باللَّه أنا))، فيه: الإتيانُ بالضميرِ المنفصلِ مع تأتِّي الإتيانِ بالضميرِ المتصلِ، وهو ممنوعٌ عند أكثرِ النحاةِ، إلا للضرورةِ، كقولِ الشَّاعِرِ: ضَمِنَتْ إِيَّهُمُ الأرْضُ فِي دَهْرِ الدَّهَارِيرِ وإنَّما يجوزُ اختيارًا، إذا لم يتأتَّ الإتيانُ بالمتصلِ، مثلُ أن تبتدئ بالضميرِ قبلَ عاملهِ، نحوُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥]؛ فإنَّه لا يُبتدئ بضميرِ متصلٍ، أو يقعُ بعدَ نحوٍ : ((إلا إياه) . (١) البخاري في ((صحيحه)) (٣٧/٣، ٤٨)، ومسلم (١٣٣/٣). (٢) ((المسند)) (٦ / ٦١). ١٧٧ سورة البقرة فأمَّا قولُ الشاعر: أنْ لا يُجَاوِرُنَا إِلاكِ دَيَّارُ فَشَاءٌ. وأمَّا قولُهُ: وإنَّما يُدَافِعُ عنْ أحْسَابِهِم أنا أوْ مِثْلِي فهو - عندهم - متأوَّلٌ على أنَّ فيه مَعْنى الاستثناء، كأنَّه قال: ما يدافعُ عن أحْسابهم إلا أنا . ولكن؛ هذا الذي وقعَ في هذا الحديثِ يشهدُ لجوازه من غيرِ ضرورةٍ، ويكون حينئذ قولُهُ: ((إنَّما يدافعُ عن أحْسابِهم أنا» شاهدًا له، غيرَ محتاجٍ إلى تأويلٍ. واللهُ أعلمُ (١). قوله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ أما قولُ اللَّهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْثُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فإنَّه يدلُّ على أنَّ المرأةَ مؤتمنةٌ على الإخبار بما في رَحِمِها، ومُصَدَّقَةٌ فيه إذا ادَّعَتْ من ذلك مُمْكِنَا. روى الأعْمشُ، عن مُسْلمٍ، عن مسروقٍ، عن أبيِّ بنِ كعْبٍ، قال: إنَّ من الأمانة أن ائتمنت المرأةُ على فَرْجِها. (١) ((فتح الباري)) (١/ ٨٠ - ٨٥). ١٧٨ سورة البقرة وقد اختلفَ المفسرونَ من السلفِ فمن بعدَهم في المرادِ بقوله تعالى: ﴿ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ففسَّره قومٌ بالحملِ، وفسَّرِه قومٌ بالحيضِ . وقال آخرونَ: كلٌّ منهما مرادٌ، واللَّفظُ صالحٌ لهما جميعًا، وهذا هو المروِي عن أكثرِ السلفِ، منهم: ابن عمرَ، وابنُ عباسٍ، ومجاهدٌ، والحسنُ والضَّحَاكُ (١). وأمَّا ما ذكره عن عَلَيٍّ وشُرَيْحٍ: فقال حَرْبٌ الكرمانيُّ: ثنا إسحاقُ - هو: ابن راهويه -: ثنا عيسى بن يونسَ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن الشَّعْبِيِّ، أنَّ امرأةً جاءت إلى عليٍّ بن أبي طالبٍ فقالت: إني طُلِّقْتُ، فحضْتُ في شهرٍ ثلاثَ حِيَضٍ؟ فقال عليٌّ لشريح: قُل فيها، فقالَ: أقول فيها وأنت شاهد، قال: قُلْ فيها، قال: إنْ جاءت ببطانة من أهلها ممن يُرضى دينُهنَّ وأمانتهن فقلن: إنَّها حاضت ثلاثَ حيضٍ طَهُرت عند كل حيضة، صُدِّقَتْ، فقال عليٌّ: قالون. قال عيسى: بالرَّوميَّةِ: أصبتَ. قال حرْبٌ: وثنا إسحاقُ: أبنا محمدُ بن بكرٍ، ثنا سعيدُ بنُ أبي عَرُوْبةَ، عن قتادةَ، عن عزرةَ، عن الحسنِ العُرَنِيِّ، أنَّ امرأةً طلَّقها زوجُها، فحاضت في خمس وثلاثينَ ليلةً ثلاثَ حيضٍ، فرفعتْ إلى شُرِيحٍ فلم يَدْرِ ما يقول فيها، ولم يَقُل شيئًا، فرُفعت إلى عليٍّ بنِ أبي طالبٍ، فقال: سلُوا عنها جاراتها، فإنْ كان هكذا حيضُها فقد انْقَضَتْ عدَّتُها، وإلا فأشهرٌ ثلاثٌ. وهذا الإسنادُ فيه انقطاعٌ، فإنَّ الحسنَ العُرني لم يدرك عليًّا -: قاله (١) الطبري في ((التفسير)) (٤٤٧/٢ - ٤٤٨). ١٧٩ سورة البقرة أبو حاتم الرازي. وأمَّا الإسنادُ الذي قبله، فإنَّ الشعبيَّ رأى عليًّا يرجُمْ شُراحة ووصفَه. قال يَعْقُوبُ بنُ شيْبةَ: لكنه لم يُصحَّح سماعُه منه (١). قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفِ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ قال تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِ حُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لَتَعْتَدُوا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ٢٣١]، وقال: ﴿وَبَعُوْلَتْهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. فدلَّ ذلكَ على أنَّ من كانَ قصدُه بالرَّجعةِ المضارَّةَ، فإنَّه آثمٌ بذلكَ، وهذا كما كانُوا في أوَّلِ الإسلامِ قبل حصرِ الطَّلَاقِ في ثلاث، يطلِّقُ الرَّجلُ امرأتَه ثُمَّ يتركُها حتى تقاربَ انقضاءَ عدَّتها، ثمَّ يراجعُها، ثم يطلِّقُها، ويفعلُ ذلكَ أبدًا بغيرِ نهايةٍ، فيدعُ المرأة لا مُطلقة ولا ممسكةً، فأبطلَ اللَّهُ ذلك، وحصر الطلاقَ في ثلاث مراتٍ . وذهبَ مالكٌ إلى أنَّ من راجعَ امرأتَهُ قبلَ انقضاءِ عدَّتِها، ثم طلَّقها من غيرِ مسيس: إن قصدَ بذلك مضارَّتَها بتطويلِ العدَّةَ لم تستأنفِ العدَّةَ، وبَنْتْ على ما مضى منها، وإنْ لم يقصدْ ذلكَ استأنفتْ عدَّةً جديدةً، وقيل: تَبْنِ مطلقًا، وهو قولُ عطاء وقتادةَ، والشافعيِّ في القديمِ، وأحمدَ في روايةٍ، وقيل: تستأنفُ مطلقًا، وهو قولُ الأكثرينَ، منهم: أبو قلابة، والزُّهريُّ (١) ((فتح الباري)) (١/ ٥١٠ - ٥١١). ١٨٠ سورة البقرة والثَّوريُّ وأبو حنيفة والشافعيَّ - في الجديدِ - وأحمدُ في روايةٍ وإسحاقُ وأبو عُبيدٍ وغيرُهم. قال تعالى: ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَّةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَده﴾ [البقرة: ٢٣٣]، قال مجاهدٌ في قولِهِ: ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَّةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] قال: لا يَمنع أمَّ أن تُرضعَهُ ليحزنَها، وقال عطاءٌ وقتادةُ والزهريُّ وسفيانُ والسُّدِّيُّ وغيرُهم: إذا رضيَتْ ما يرضَى به غيرُها فهي أحقُّ به. وهذا هو المنصوصُ عن أحمدَ، ولو كانتِ الأُمّ في حبالِ الزَّجِ. وقيلَ: إن كانتْ في حبالِ الزَّوجِ، فله منعُها منْ إرضاعِهِ، إلا أن لا يُمكنَ ارتضاعُهُ من غيرِها، وهو قولُ الشافعيِّ، وبعضِ أصحابِنا، لكن إنَّما يجوزُ ذلكَ إذا كان قصدُ الزوجِ به توفيرَ الزوجة للاستمتاعِ، لا مجرّدَ إدخالِ الضررِ عليها . وقوله تعالى: ﴿وَلا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] يدخلُ فيه أن المطلقةَ إذا طلبتْ إرضاعَ ولدِهَا بأجرةِ مثْلِها لزمَ الأب إجابتُها إلى ذلكَ، وسواءٌ وُجدَ غيرُها أو لم يُوجَدْ، هذا منصوصُ الإمامِ أحمدَ، فإنْ طلبَتْ زيادةً على أجرةٍ مثلها زيادةً كثيرةً، ووجدَ الأبُ منْ يُرضعُه بأجرةِ المثلٍ ، لم يلزمِ الأبَ إجابتُها إلى ما طلَبَتْ، لأنَّها تقصدُ المضارَّةَ، وقد نصَّ عليه الإمامُ أحمدُ أيضًا(١) . (١) ((جامع العلوم والحكم)) (٢٢١/٢ - ٢٢٣) باختصار.