النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ سورة البقرة ويدلُّ عليه - أيضًا -: أن جبريلَ صلَّى بالنبيِّ وَِّ أُولَ ما فُرضت الصلاةُ عند بابِ البيتِ، والمصلِّ عند بابِ البيتِ لا يستقبلُ بيتَ المقدسِ، إلا أن ينحرفَ عن الكعبةِ بالكليّةِ، ويجعلُها عن شمالِهِ، ولم ينقلْ هذا أحدٌ [](١). وهؤلاء؛ منهم مَن قال: ذلكَ كانَ باجتهاد منه لا بوحي، كما تقدمَ عن ابنِ زیدٍ . وكذا قالَ أبو العاليةَ: إنَّه صلَّى إلى بيتِ المقدسِ يتألفُ أهلَ الكتابِ(٢). وفي ((صحيحِ الحاكمِ))(٣) عن ابنِ جريجٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُولُوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] ، فاستقبل رسولُ اللَّهِ وَله، فصلَّى نحوَ بيت المقدسِ، وتركَ البيتَ العتيقَ، فقالَ اللَّهُ تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَأَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢] يعنونَ: بيتَ المقدسِ، فنسخَها اللَّهُ وصرفَه إلى بيتِ العتيقِ. وقال: صحيحٌ على شرطِهِما. وليس كما قال؛ فإنَّ عطاءً هذا هو الخُراسانيُّ، ولم يلقَ ابنَ عباسٍ . كذا وقعَ مصرَّحًا بنسبَتِهِ في ((كتاب الناسخِ والمنسوخِ)) لأبي عبيدٍ، ولابنِ أبي داودَ، وغيرِهِما. وقولُ البراءِ: ((وكانَ أولَّ صلاة صلاها العصر). يعني: إلى الكعبةِ، بعدَ الهجرةِ. وقد رُوي عن عمارةَ بنِ أوسٍ - وكانَ قد صلَّى القبلتينِ -، قالَ: كنّا في (٢) الطبري في («التفسير» (٤/٢). (١) بياض بالأصل. (٣) الحاكم في ((المستدرك)) (٢٦٧/٢ - ٢٦٨). ١٢٢ سورة البقرة إحدى صلاتَي العشيِّ ونحنُ نصلِّي إلى بيت المقدسِ، وقد قضينا بعضَ الصلاة، إذْ نادى منادٍ بالباب: إنَّ القبلةَ قد حُوّلَتْ، فأشهدُ على إمامنا أنَّه تحرف. خرَّجِه الأثرمُ وغيرُهُ (١) . وخرَّج الأثرمُ وابنُ أبي حاتمٍ(٢) من حديثٍ تُوَيِّلة بنت أسلمَ، قالت: صليتُ الظهرَ - أو العصرَ - في مسجدٍ بني حارثةَ، فاستقبلْنَا مسجدَ إيلياءَ، فصليْنَا سجدتينِ، ثمَّ جاءنا مَن يخبرنا أنَّ رسولَ اللّهِ وَّه قد استقبلَ البيتَ الحرامَ، فتحوَّلَ النساءُ مكانَ الرجالِ، والرجالُ مكانَ النساء، فصَلَيْنَا السجدتينِ الباقيتينِ، ونحنُ مستقبلو البيتِ الحرامِ. وقد رُوي أن هذه الصلاةَ كانتْ صلاة الفجرِ. ففي (الصحيحين)) (٣) عن ابنِ عمرَ، قالَ: بينَا الناسُ بقباءَ في صلاة الصبحِ، إذ جاءهم آتٍ، فقالَ: إنَّ رسولَ اللَّهِ وَ لَهَقدْ أُنزل عليه الليلةَ قرآنٌ، وقد أُمرَ أن يستقبلَ الكعبةَ، فاسْتَقْبِلُوها، وكانتْ وجوهُهُم إلى الشامِ، فاستدارُوا إلى الكعبة. وخرَّجَ مسلمٌ (٤) - معناه - من حديث أنسٍ - أيضًا. (١) أورده الحافظ في ((الإصابة)) (٥٧٧/٤)، وعزاه لابن أبي خيثمة والبغوي من طريق قيس بن الربيع، عن زياد بن علاقة، عن عمارة بن أوس. (٢) أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٢٠٧/٢٤) مختصراً بمعناه. وراجع ((الإصابة)) (٥٤٦/٧). (٣) البخاري (١١١/١)، (٢٧/٦)، (١٠٨/٩)، ومسلم (٦٦/٢). (٤) مسلم (٦٦/٢). ١٢٣ سورة البقرة وقد قيلَ - في الجمعِ بينَ الأحاديثِ -: إنَّ التحويلَ كان في صلاةِ العصرِ، ولم يبلغ أهلَ قباءَ إلا في صلاةِ الصبحِ. وفيه نظرٌ. وقيلَ: إنَّ تلكَ الصلاةَ كانتِ الظهرَ. وقد خرَّجه النسائيُّ في ((تفسيرِه)(١) من حديث أبي سعيدٍ بنِ المعلّى، عن النبيِّ وَل . ورُوي عن مجاهدٍ . وحديثُ البراءِ: يدلُّ على أنَّ النبيَّ وَِّ صلَّى صلاةَ العصرِ كلَّها إلى الكعبة، وأنَّ الذين صلَّوْا إلى بيتِ المقدسِ ثمَّ استدارُوا إلى الكعبةِ هُم قومٌ كانوا في مسجدٍ لهم، وراءَ إمامٍ لهم، وفي حديثِ ابنِ عمرَ: أنَّهم أهلُ مسجدٍ قباءَ، وفي حديثِ تويلة: مسجدٍ بني حارثةً. وقد رُوي أنَّ النبيَّ وَّهِ ومَن صلَّى معه هم الذينَ استدارُوا في صلاتهم، وأنَّ الكعبة (٢) حُوِِّتْ في أثناءِ صلاتِهِم(٣). وقد رُوي نحوُهُ عن مجاهدِ وغيرِهِ(٤) . وقد ذكرَ ابنُ سعدٍ في ((كتابِهِ))(٥)، قال: يقالُ: إنَّ رسولَ اللَّهُ وَ لَه صلى ركعتين من الظهرِ في المسجدِ بالمسلمين، ثم أُمِرَ أن يتوجهَ إلى المسجدِ الحرامِ، واستدارَ إليه ودارَ معه المسلمون، ويقال: بل زارَ رسولُ اللَّهِ وَ له أمّ بشرِ بنِ (١) ((السنن الصغرى)) (٥٥/٢) مختصراً. (٢) لعل الأشبه: ((القبلة)). (٣) الطبري في ((التفسير)) (٣/٢ - ٤) عن أنس بن مالك. (٤) الطبري في ((التفسير)) (١٢/٢) من حديث السدي. (٥) («الطبقات)) (٣/٢/١ -٤). ١٢٤ سورة البقرة البراءِ بنِ معرورٍ في بني سلمةَ، فصنعتْ لهم طعامًا، وكانت الظهرُ، فصلَّى رسولُ اللَّهِ بِ لّه بأصحابِهِ ركعتينٍ، ثم أُمِرَ أنْ يوجِّه إلى الكعبةِ، فاستدارَ إلى الكعبةِ، واستقبلَ الميزابَ، فسُمِّي المسجدُ مسجدَ القبلتينِ . وحَكَى عن الواقديِّ، أَنَّه قال: هذا الثبتُ عندنا. وروى أبو مالكِ النخَعيُّ عبدُ الملكِ بنُ حسينٍ، عن زيادِ بنِ عِلاقةَ، عن عمارةَ بنِ رُويبةَ، قال: كُنَّا معَ رسولِ اللَّهِ بَ لَّه في إحدى صلاتَي العشيِّ، حينَ صُرِفتِ القبلةُ، فدارَ النبيُّ ◌َ﴿ ودُرْنَا معه في ركعتينِ. خرَّجْه ابنُ أبي داودً (١) . وأبو مالك، ضعيفٌ جدًّا. والصوابُ: روايةُ قيسِ بنِ الربيعِ، عن زيادِ بنِ علاقةَ، عن عمارةَ بنِ أوسٍ، وقد سبق لفظُه. ورَوَى عثمانُ بنُ سعد، قال: ثنا أنسُ بنُ مالك، قالَ: انصرفَ رسولُ اللَّه وَّه نحوَ بيتِ المقدسِ وهو يصلِّي الظهرَ، وانصرفَ بوجهه إلى القبلة. خرَّجه البزارُ (٢) وغيرُهُ. وعثمانُ هذا، تُكُلِّمَ فيه. وخرَّج الطبرانيُّ (٣) من روايةٍ عمارةَ بنِ زاذانَ ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، (١) أورده الحافظ في ((الإصابة)) (٥٧٧/٤)، وعزاه للطبراني من حديث عبد الملك بن حسين، عن زياد بن علاقة، عن عمارة بن رويبة. (٢) ((كشف الأستار)) (٤٢٠). (٣) الطبراني في ((الصغير)) (١٤٥/١). ١٢٥ سورة البقرة قال: صُرْفَ النبيُّ نَِّ عن القبلةِ وهم في الصلاةِ، فانحرفُوا في ركوعِهِم. وعمارةُ، ليسَ بالقويِّ. وخالفَه حماد بنُ سلمةَ، فروى عن ثابتٍ، عن أنسٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ بَ كانَ يصلِّي نحوَ بيتِ المقدسِ، فنزلتْ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآيةَ [البقرة: ١٤٤]، فمرَّ رجلٌ من بني سلمةَ وهم ركوعٌ في صلاةِ الفجرِ، فنادَى: ألا إنَّ القبلةَ قد حُوِّت، فمالُوا كما هُمْ نحوَ القبلةِ. خرَّجه مسلمٌ (١) . وهذا هو الصحيحُ. فإنْ كانَ التحويلُ قد وقعَ في أثناءِ الصلاةِ، وقد بنى النبيُّ وَِّ على ما مضى من صلاته إلى بيت المقدس؛ استدلَّ بذلكَ على أنَّ الحكمَ إذا تَحوَّلَ المصلِّي في أثناء صلاتِهِ انتقلَ ما تحوَّل إليه، وبنى على ما مضى من صلاتِهِ. فيدخلُ في ذلكَ الأَمَةُ إذا أُعْتِقَتْ في صلاتِها وهي مكشوفةُ الرأسِ، والسترة قريبةٌ، والمتيممُ إذا وجدَ الماءَ في صلاتِهِ قريبًا، وقدرَ على الطهارةِ بهِ، والمريضُ إذا صلَّى بعضَ صلاتِهِ قاعدًا، ثم قدرَ على القيامِ . وإنْ كانَ التحويلُ وقعَ قبلَ صلاةِ النبيِّ وَّهِ بأصحابِهِ، ولكن لم يبلغ غيرَهم إلا في أثناءِ صلاتِهِم فبنَوْا؛ استدلَّ به على أن من دخلَ في صلاتِه باجتهادٍ سائغٍ إلى جهةٍ، ثمَّ تبينَ لهُ الخطأُ في أثناءِ الصلاةِ، أَنَّه ينتقلُ ويبني. ويستدلُّ به على أنَّ حكمَ الخطابِ لا يتعلقُ بالمكلفِ قبلَ بلوغِهِ إِياهُ. (١) مسلم (٦٦/٢). ١٢٦ سورة البقرة ويستدلُّ به ـ على التَّقْدِيرَينِ - على قبولِ خبرِ الواحدِ الثقةِ في أمورِ الدياناتِ، مع إمكانِ السماعِ منَ الرسولِ وَ ﴿ بغيرِ واسطةٍ، فمع تعذرِ ذلكَ أولی وأحری. وما يقالُ من أنَّ هذا يلزمُ منه نسخُ المتواترِ - وهو الصلاةُ إلى بيتٍ المقدسِ - بخبرِ الواحدِ، فالتحقيقُ في جوابِهِ: أنَّ خبرَ الواحدِ يفيدُ العلمَ إذا احتفتْ بهِ القرائنُ، فنداءُ صحابيٍّ في الطرقِ والأسواقِ بحيثُ يسمعُهُ المسلمونَ كلُّهم بالمدينةِ، ورسولُ اللَّهِ وَلَّه بها موجودٌ لا يتداخلُ مَن سمِعَه شكٌّ فيه أنَّه صادقٌ فيما يقولُهُ وينادي به. واللهُ أعلم. وقولُ البراءِ: ((إنَّه ماتَ على القبلة قبلَ أن تُحوَّلَ رجالٌ وقُتْلُوا، فلم ندرِ ما نقولُ فيهم، فأنزلَ اللَّهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]). فهذا خرَّجه مسلمٌ (١) من طريقِ إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عنِ البراءِ - أيضًا . ورواه شريكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ (٢) - موقوفًا - في قولِهِ تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] قالَ: صلاتَكُم إلى بيتِ المقدسِ. وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ وأبو داود والترمذيُّ (٣) - وصحَّحه - من حدیث سماكِ، عن عكرمةَ، عنِ ابنِ عباسٍ، قال: لَّا وُجِّه النبيُّ بِّهِ إلى الكعبةِ، قالُوا: يا رسولَ اللَّهِ، كيفَ بإخوانِنا الذَّيْنَ ماتُوا وهُم يصلونَ إلى بيتِ (١) هذه الرواية ليست في ((مسلم)) من هذه الطريق، وأخرجه أحمد (٣٠٤/٤)، والبخاري (١١٠/١)، والترمذي (٣٤٠)، و(٢٩٦٢). (٢) الطبري في ((التفسير)) (١٧/٢). (٣) أحمد في «المسند)) (٣٤٧/١، ٢٩٥، ٣٠٤، ٣٢٢)، وأبو داود (٤٦٨٠)، والترمذي (٢٩٦٤). ١٢٧ سورة البقرة المقدسِ؟ فأنزلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٤٣]. قالَ عبيدُ اللّه بنُ موسى: هذا الحديثُ يخبرُكَ أنَّ الصلاةَ من الإيمانِ. وهذا هو الذي بوَّبَ عليه البخاريُّ في هذا الموضعِ؛ ولأجلهِ ساقَ حديثَ البراء فيه . وكذلك استدلَّ به ابنُ عيينةَ وغيرُهُ من العلماءِ على أنَّ الصلاةَ من الإيمانِ. وتَمَّن رُويَ عنه أَنَّه فسَّر هذه الآيةَ بالصلاةِ إلى بيتِ المقدسِ: ابنُ عباس(١) من روايةِ العوفيِّ، عنه - وسعيدُ بنُ المسيب(٢)، وابنُ زيد(٣)، والسّدِّيّ ـ ـ ـ (٤) وء (٥) وغيرُهُم(٥) . وقال قتادةُ والربيعُ بنُ أنسٍ(٦): نزلتْ هذه الآيةُ لَّا قالَ قومٌ من المسلمينَ: كيف بأعمالِنا التي كنا نعملُ في قبلتنا الأولى؟ وهذا يدلُّ على أنَّ المرادَ بها الصلاةُ أيضًا؛ لأنَّها هي التي تختصّ بالقبلة من بينِ الأعمالِ، ولم يذكرْ أكثرُ المفسرينَ في هذا خلافًا، وأنَّ المرادَ بالإيمان ها هنا الصلاةُ، فإنَّها عَلمُ الإيمانِ وأعظمُ خصالِهِ البدنيةِ . وروى ابنُ إسحاقَ: حدثني محمدُ بنُ أبي محمدٍ، عن عكرمة أو سعيد ابنِ جبيرٍ - ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، قال: (١) الطبري في ((التفسير)) (١٧/٢). (٢) الطبري في ((التفسير)) (١٨/٢). (٣) المصدر السابق. (٤) الطبري في ((التفسير)) (١٧/٢). (٥) المصدر السابق. (٦) المصدر السابق . ١٢٨ سورة البقرة أي: بالقبلة الأولى، وتصديقكم نبيَّكم، واتِّباعه إلى الآخرة، أيْ: ليعطينَّكم أجرَهما جميعًا(١)، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]. وعنِ الحسنِ(٢) في هذه الآيةِ، قالَ: ما كانَ اللَّهُ ليضيعَ محمدًاً وَله وانصرافَكم معه حيثُ انصرفَ، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]. ٩ وهذا القولُ: يدلُّ على أنَّ المرادَ بالإيمانِ التصديقُ مع الانقيادِ، الاتباع المتعلقُ بالقبلتينِ معًا، فيدخلُ في ذلكَ الصلاةُ - أيضًا(٣). قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونَ ﴾ وفي (صحيحِ مسلمٍ)) عن أبي هريرةَ وأبي سعيدٍ - كلاهما - عن النَّبِيِّ وَّةِ، قالَ: ((إنَّ لأهلِ ذكرِ اللَّهِ أربعًا: تنزلُ عليهمُ السَّكينةُ، وتغشاهمُ الرَّحمةُ، وتحفُّ بهم الملائكةُ، ويذكرُهُمُ الرَّبُّ فيمن عندَهُ)(٤) . وقد قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، وذكْرُ اللَّه لعبده: هو ثناؤهُ عليهِ في الملاِ الأعلَى بين الملائكة ومباهاتُهُم به وتنويهُهُ بذكره . قال الربيعُ بنُ أنس: إنَّ اللَّهَ ذاكرٌ مَنْ ذكرُهُ، وزائدٌ مَنْ شكَرَهُ، ومعذِّبٌ من وُ كفرهُ. وقالَ عزَّ وجلّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴿١﴾ وَسَبْحُوهُ بُكْرَةً وَأَصيلاً ﴿٤﴾ هُوَ الَّذِي يُصَلَي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (١) أورده ابن كثير في ((التفسير)) (٢٧٨/١)، تعليقًا عن ابن إسحاق به. (٢) ((التفسير)) لابن كثير (٢٧٨/١)، تعليقًا عن الحسن البصري به. (٣) ((فتح الباري)) (١/ ١٦٤ - ١٧٦). (٤) أخرجه مسلم (٧٢/٨). ١٢٩ سورة البقرة [الأحزاب: ٤١ -٤٣]، وصلاةُ اللَّه عزَّ وجلَّ على العبدِ: هو ثناؤهُ عليه بين ملائكته، ٠٠ وتنويههُ بذكرِهِ، كذا قالَ أبو العاليةَ، ذكرهُ البخاريُّ في ((صحيحِهِ)) (١) . وقالَ رجلٌ لأبي أمامةَ: رأيتُ في المنامِ كأنَّ الملائكةَ تُصلِّي عليكَ كلَّما دخلتَ، وكلَّما خرجتَ، وكلَّما قمتَ، وكلَّما جلستَ، فقالَ أبو أمامةً: وأنتم لو شئتم صلَّت عليكم الملائكةُ، ثم قرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهُ ﴿﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴿٤١﴾ وَسَبِحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * (٢) (٣) [الأحزاب: ٤١ - ٤٣] خرَّجه الحاكمُ (٢). (٣). قال تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونٍ﴾ [البقرة: ١٥٢]، وقال: ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [النحل: ١١٤]. والشكرُ بالقلب واللسانِ، والعملُ بالجوارحِ؛ فالشكرُ بالقلبِ: الاعترافُ بالنعمِ للمنعمِ، وأَنَّها منه وبفضلِهِ. وجاءَ من حديث عائشةَ مرفوعًا: ((ما أنعمَ اللَّهُ على عبدِ نعمةً فعلمَ أنَّها من عندِ اللَّهِ إلا كتبَ اللَّهُ له شكرَهَا)(٤) . ومن الشكر بالقلب: محبةُ اللَّهِ على نعمِهِ، ومنه حديثُ ابنِ عباسٍ المرفوعُ: ((أحبُّوا اللَّهَ لما يغذوكُم به من نعمِه)(٥) . قال بعضُهم: إذا كانتِ القلوبُ جبلتْ على حبٍّ من أحسنَ إليهَا فواعجبًا لمنْ لا يَرى محسنًا إلا اللَّه! كيف لا يميلُ بكلِّيته إليه! وقالَ بعضُهم: (١) البخاري (١٥١/٦). (٢) أخرجه الحاكم (٤١٨/٢). (٣) ((جامع العلوم والحكم)) (٣٣١/٢ - ٣٣٢). (٤) أخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٤٣٧٩)، (٤٣٨٠). (٥) أخرجه: الترمذي (٣٧٨٩)، والطبراني في ((الكبير)) (٤٦/٣)، والحاكم في ((المستدرك)) (١٥٠/٣). ١٣٠ سورة البقرة لمؤتِيكَهَا حبًّ فلستَ بشَاكِرٍ إذا أنتَ لم تَزْدِدْ على كلِّ نعمةٍ على كلِّ ما تَهْوَى فلستَ بصَابِرٍ إذا أنتَ لم تؤثرْ رِضا اللَّهِ وحدَهُ والشكرُ باللسانِ: الثناءُ بالنعمِ وذكرُها وتعدادُها، وإظهارُهَا، قَالَ اللَّهُ تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]. وفي حديثِ النعمانِ بنِ بشيرٍ المرفوع: ((التحدثُ بالنعم شكرٌ، وتركُها كفرٌ)(١)، وقالَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: ((ذكرُ النعمِ شكرُها)»؛ وكانَ يقولُ في دعائِهِ: ((اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بكَ أن أُبدلَ نعمتَكَ كُفْرَا، وأن أكفرَهَا بعد معرفتِهَا أو أنسَاهَا فلا أُثْنِي بِهَا))(٢) . قال فضيلٌ: ((كانَ يُقال: مِن شكرِ النعمةِ أن تحدِّثَ بهَا))؛ وجلسَ ليلةً هو وابنُ عيينةَ يتذاكرنِ النعمَ إلى الصباحِ. والشكرُ بالجوارحِ: أن لا يستعانَ بالنعمِ إلا على طاعةِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، وأن يحذرَ من استعمالِهَا في شيءٍ من معاصِيه؛ قالَ تعالَى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ:١٣]. قال بعضُ السلفِ: (لَّا قيلَ لهم هذا؛ لم تأتِ عليهم ساعةٌ إلا وفيهم مُصَلٍ)(٣) وكانَ النبيُّ ◌َّهِ يقومُ حتى تتورمَ قدماهُ، وقالَ: ((أفلا أكونُ عبداً شكورًا)) (٤) . ومرَّ ابنُ المنكدرِ بشابٍ يقاومُ امرأةً، فقالَ: ((يا بنيَّ ما هذا جزاءُ نعمة الله عليك)) . العجبُ مَمَّنْ يعلمُ أنَّ كلَّ ما بِهِ من النعمِ من اللَّهِ ثمّ لا يستحيي من الاستعانة بها على ارتكاب ما نهاهُ. (١) أخرجه أحمد في ((المسند)) (٢٧٨/٤، ٣٧٥)، والبيهقي في الشعب)) (٩١١٩). (٢) أخرجه البيهقي في ((الشعب)) (٤٥٤٥). (٣) أخرجه البيهقي في ((الشعب)) (٤٥٢٤). (٤) أخرجه البخاري في (صحيحه)) (٦٣/٢، (١٦٩/٦)، (١٢٤/٨)، وأخرجه مسلم (١٤١/٨). ١٣١ سورة البقرة وجَاحِمَةُ الجحيمِ لم تُضْرَمِ هبِ البعثَ لم تأتِنا رسلُهُ حياءُ العبادِ من المُنْعِمِ أليسَ من الواجبِ المسْتَحِقِّ فشكرُ الإلهِ يزيلُ النقمِ وحافظ عليها بشكرِ الإلهِ دخلَ خالدُ بنُ صفوانَ علَى عَمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، فقالَ: يا أميرَ المؤمنينَ، إنَّ اللَّهَ لم يرضَ أن يكونَ أحدٌ فوقك، فلا ترضَ أن يكونَ أحدٌ أولى بالشكر له منكَ. فبكى عمرُ حتى غُشِيَ عليهِ (١). الَّذِينَ إِذَا أَصَابتهم (١٥٥٪ قوله تعالى: ﴿ وَبَشّرِ الصَّابرِينَ ٥ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِم ١٥ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ الرِّضا فضلٌ مندوبٌ إليه، مستحبٌّ، والصبرُ واجبٌ على المؤمنِ حتمٌ، وفي الصَّبَرِ خيرٌ كثيرٌ، فإنَّ اللَّه أمرَ به، ووعدَ عليه جزيلَ الأجرِ. قال اللَّهُ عزَّ وجلّ: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]، وقال: ﴿وَبَشْرِ الصَّابِرِينَ ٥٥ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُوْلَكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]. قال الحسنُ: الرِّضا عزيزٌ، ولكنَّ الصبر معولُ المؤمنِ. والفرقُ بين الرِّضا والصبرِ: أن الصَّبرَ: كفُّ النَّفْس وحبسُها عن التسخطِ مع وجودِ الألمٍ، وتمنّي زوالِ ذلكَ، وكفُّ الجوارحِ عن العملِ بمقتضَى الجزعِ، والرِّضا: انشراحُ الصدرِ وسعتُهُ بالقضاءِ، وتركُ تمنِّي زوال ذلك المؤلم، وإِنْ وجدَ الإحساسَ بالألم، لكنَّ الرِّضا يخفِّفُه، لما يباشر (١) ((شرح حديث شداد بن أوس)) (٣٨ - ٤٢). ١٣٢ سورة البقرة القلبَ من رَوحِ اليقينِ والمعرفةِ، وإذا قوِيَ الرِّضا، فقد يزيلُ الإحساسَ بالألم بالكليّة(١). كان العقلاءُ في عهد النبيِّ وَّهِ إذا سمعُوا كلامَهُ وما يدعُو إليه، عرفُوا أَنَّه صادقٌ، وأنَّه جاء بالحقِّ، وإذا سمعوا كلامَ مسيلمةَ، عرفُوا أَنَّه كاذبٌ، وأنَّ جاءَ بالباطلِ، وقد رُويَ أن عمرَوَ بنَ العاصِ سمعُهُ قبلَ إسلامِهِ يدَّعي أنَّه أنزلَ عليه: يا وَبْرُ يا وَبْرِ، لَكِ أذنانٍ وَصَدْرُ، وإِنَّك لتعلمُ يا عمرُو، فقالَ: والله إني لأعلم أنك: تكْذبُ. وقال بعضُ المتقدمينُ: صوِّرْ ما شئتَ في قلبِكَ، وتفكَّر فيهِ، ثم قِسه إلى ضدِّه، فإنَّك إذا ميَّزْتَ بينهُمَا، عرفتَ الحقَّ من الباطلِ، والصدقَ من الكذب، قال: كأنك تصَورُ محمدً وَّه، ثم تتفكر فيما أتَى به من القرآنِ فتقرأُ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ﴾ الآية [البقرة: ١٦٤]، ثم تَتَصوَّرُ ضِدَّ محمدٍ وَّل، فتجدُهُ مسيلمةَ، فتتفكرُ فيما جاء به فتقرأُ: لقَدْ هُيءٌ لَكِ المَضْجَعْ ألا يا رَبَّةَ المَخْدَعْ يعني: قولَه لِسجاحٍ حين تزوَّج بِهَا، قال: فترى هذا - يعني القرآن - رصيفًا عجيبًا، يلوطُ بالقلبِ، ويحْسُنُ في السمع، وترى ذا - يعني قولَ مسيلمةَ - باردًا غثًّا فاحشًا، فتعلمُ أن محمَّدًا حقٌّ أُتِّيَ بوحي، وأنَّ مسيلمةَ كذَّابٌ أُنِيَ بباطلٍ (٢). سبـ (١) ((جامع العلوم والحكم)) (٥١٥/١). (٢) ((جامع العلوم والحكم)) (٢٨٤/١). ١٣٣ سورة البقرة قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبَرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ: [ قالَ البخاريُّ]: وقوْلُ اللَّهِ عزَّ وجلّ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. وأمور الإيمان: خصالُهُ وشُعَبُهُ المتعددة. واستدلَّ البخاريُّ بقولهِ تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِينَ وَأَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. وقد سأل أبو ذرِّ النبيَّ ◌َّ عنِ الإيمانِ، فتلا عليهِ هذهِ الآيةَ. وهذا يدلُّ على أنَّ الخصالَ المذكورةَ فيها، هي خصالُ الإيمانِ المطلقِ، فإذا أطلقَ الإيمانُ دخلَ فيه كلُّ ما ذكرَ في هذه الآيةِ، كما سألَ السائلُ عن الإِيمانِ، فتلا عليهِ النبيُّ ◌َِّ هذِهِ الآيَةَ. وإذا قُرن الإيمانُ بالعملِ، فقد يكونُ من بابِ عطفِ الخاصِّ على العامِّ، وقد يكون المرادُ بالإيمانِ حينئذِ التصديقَ بالقلبِ، وبالعملِ عملَ الجوارحِ، كما ذكرَ في هذه الآيةِ الإيمانَ باللَّهِ واليومِ الآخرِ والملائكة والكتابِ والنبيينَ، ثمَّ عطفَ عليه أعمالَ الجوارحِ(١) . (١) ((فتح الباري)) (٢٦/١). ١٣٤ سورة البقرة والبرُّ يطلقُ بمعنیینِ: أحدهما: بمعنى الإحسان إلى الناسِ، كما يُقال: البرُّ والصَِّةُ، وضدُّه العُقُوقُ. وفي ((صحيحِ مسلمٍ)(١) أنَّ النبيَّ وَّةِ سُئِلَ عنِ البِرِّ، فقالَ: (البرُّ: حُسْنُ الْخُلُقِ)). وكان ابنُ عمرَ بِّئْها يقولُ: إنَّ البرَّ شيْءٌ هَيِّنٌ: وجْهٌ طليقٌ، وكلامٌ لَيِّنٌ. المعنى الثاني: مما يُرادُ بالبرِّ فعْلُ الطَّاعاتِ كُلِّها، وضدُّهُ الإثمُ، وقد فسَّرِ اللَّهُ تعالى البِرَّ بذلك في قولِهِ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُولُوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَِّينَ وَأَتَى الْمَالَ عَلَى حُبُّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ الآية [البقرة: ١٧٧]. فتضمَّنَتِ الآيةُ أنَّ أنواعَ البِرِّ سنَّةُ أنواعٍ، مَن استكملهَا فقد استكمَلَ البِرَّ. أوَّلُها: الإيمانُ بأصولِ الإيمانِ الخمسةِ . وثانيها: إيتاءُ المال المحبوبِ لذوي القُرْبَى واليتامى والمساكين وابنِ السبيلِ والسَّائلين وفي الرقاب. وثالثُها: إقامُ الصلاةِ. ورابعُها: إيتاءُ الزكاة. وخامسُها: الوفاءُ بالعهد. وسادسُها: الصّبرُ على البأساءِ والضَّرَّاءِ وحين البأس(٢). (١) ((صحيح مسلم)) (٦/٨ - ٧). (٢) ((اللطائف)) (٤١٠ - ٤١١) باختصار. ١٣٥ سورة البقرة وقال إبراهيم التيميُّ: ما من عبد وهبَهُ اللَّهُ صبرًا على الأذى، وصبرًا على البلاءِ وصبراً على المصائبِ، إلا وقد أُوتي فضلاً، ما أوتيهِ أحدٌ بعدَ الإيمان بالله عز وجلَّ. وهذا منتزعٌ من قولِهِ تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ إلى قولِهِ: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، والمرادُ بالبأساء: الفقرُ ونحوُهُ، وبالضَّرَّاء: المرضُ ونحوُهُ، وحينَ البأسِ : حالُ الجهاد. وقال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: ما أنعمَ اللَّه علَى عبدِ نعمةً فانتزعَهَا منه، فعاضَهُ مكانَ ما انتزعَ منه الصبرَ إلا كانَ ما عوضَهُ خيرًا مما انتزعَ منه، ثم تلا: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. وكان بعضُ الصالحِينَ في جيبهِ ورقةٌ يفتحُهَا كلَّ ساعةٍ فينظرُ فيها، وفيها مكتوبٌ: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]. والصبرُ الجميلُ هو أن يكتمَ العبدُ المصيبةَ ولا يخبرَ بِهَا. قالَ طائفةٌ من السلفِ في قولهِ تعالى: ﴿فَصَبرَ جَميلٌ﴾ [يوسف: ٨٣] قال: لا شكوى معه(١). قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبّرُوا ١ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وقد أمرَ اللَّه سبحانه وتعالى عبادَهُ بشُكْر نِعمةٍ صيام رمضانَ بإظهارِ ذكْرِهِ، وغيرِ ذلكَ من أنواعٍ شكرِهِ، فقال: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ (١) ((نور الاقتباس في مشكاة وصية النبيِّ وَلّ لابن عباس)) (٥٩). ١٣٦ سورة البقرة وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: ١٨٥]. فمن جملة شكرِ العبدِ لربِّه على توفيقِه لصيامٍ رمضانَ وإعانتِهِ عليه ومغفرةٍ ذنوبِهِ أنْ يصومَ له شكرًا عقيب ذلكَ. كانَ بعضُ السلفِ إذا وُفِّقَ لقيام ليلةٍ من الليالي أصبَحَ في نهارِهَا صائمًا، ويجعلُ صيامَه شكرًا للتوفيق للقيامِ . وكان وهيبُ بنُ الوردِ يُسأل عن ثوابِ شيءٍ من الأعمالِ، كالطوافِ ونحوه، فيقول: تسألوا عن ثوابِهِ؟! ولكنْ سلُوا ما الذي على مَن وُقِّقَ لهذا العملِ من الشكرِ، للتوفيقِ والإعانةِ عليهِ؟! إذا أنْتَ لم تَزْدَدْ على كُلِّ نعْمَةٍ الموليكها شُكْرًا فلسْتَ بشاكرٍ كُلُّ نعمةٍ على العبدِ منَ اللَّهِ في دِينٍ أو دنيا يحتاجُ إلى شكرٍ عليها، ثمَّ التوفيقُ للشكرِ عليها نعمةٌ أخرى تحتاجُ إلى شكرٍ ثانٍ، ثم التوفيقُ للشكر الثاني نعمةٌ أخرى يحتاج إلى شكرٍ آخر، وهكذا أبدًا فلا يقدرُ العبادُ على القيامِ بشُكْرِ النعمِ. وحقيقةُ الشِّكْرِ الاعترافُ بالعجزِ عن الشكر، كما قيل: عليَّ لَهُ في مِثْلِها يجبُ الشُّكْرُ إذا كان شُكْرِي نِعْمةَ اللَّه نِعْمَةً وإن طالتِ الأيَّامُ واتَّصَلَ العُمْرُ فكيفَ بُلُوعُ الشِّكْرِ إِلا يَفَضْلِهِ قال أبو عمرو الشيبانيُّ: قالَ موسى - عليه السلامُ - يومَ الطُّورِ: يا ربّ! إنْ أنا صليتُ فَمِنْ قِبَلِكَ، وإن أنا تصدَّقْتُ فمن قِبَلِكَ، وإن بلَّغْتُ رسالاتك فَمِنْ قِبَلِكَ، فكيف أشكرك؟ قال: يا موسى، الآن شكرتَني، فأمَّا مقابلة نعمة التوفيق لصيامٍ شهر رمضانَ بارتكابِ المعاصي بعدهَ، فهو من فِعْلِ مَن بدَّلَ نَعْمةَ اللَّهِ كفراً، فإن كان قد عَزَمَ في صيامِهِ على معاودةِ المعاصِي بعدَ انقضاءِ الصيامِ، فصيامُهُ عليه مردودٌ، وبابُ الرَّحمةِ في وجهه مسدود. قال كعبُ: مَن صامَ رمضانَ وهو يُحدِّثُ نفسَهُ أَنَّه إن أفطر رمضانَ أن لا ١٣٧ سورة البقرة يعصي اللَّهَ، دخلَ الجنةَ بغيرِ مسألةٍ ولا حسابٍ، ومَن صامَ رمضانَ وهو يحدِّثُ نفسَهَ أنَّه إذا أفطر عصَى ربَّه، فصيامُه عليه مردودٌ (١). لَّا كانت المغفرةُ والعتْقُ من النارِ كلٌّ منهما مرتبًا على صيامِ رمضانَ وقيامه، أمرَ اللَّهُ سبحانه وتعالى عندَ إكمالِ العدَّةِ بتكبيرِهِ، وشكرِهِ، فقال: ﴿ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥] . فشُكْرُ من أنعَمَ على عبادِهِ بتوفِيقِهِم للصيامِ، وإعانِتِهِم عليه، ومغفرتِهِ لهم بهِ، وعتقهِم من النَّارِ، أن يذكُروه ويشكروه ويتَّقوه حقَّ تُقَاتِهِ، وقد فسَّر ابنُ مسعود رضيَ اللَّهُ عنه تقواه حقَّ تُقَاتِهِ بأنْ يطاعَ فلا يُعْصَى، ويذكرَ فلا يُنْسى، ويُشكرَ لا يُكْفَر. فيا أربابَ الذُّنُوبِ العظيمةِ! الغنيمةَ الغنيمةَ في هذه الأيام الكريمةِ؛ فما منها عوضٌ ولا لها قيمةٌ، فكم يعتقُ فيها من النَّارِ من ذي جريرةٍ وجريمةِ، فمن أعتقَ فيها من النَّارِ فقد فازَ بالجائزةِ العميمةِ والمنحةِ الجسيمةِ(٢). قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُم يَرْشَدُونَ. و وقد أخبرَ اللَّهُ تعالَى بقربِهِ ممن دعاهُ، وإجابته لهُ، فقالَ: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ﴾ [البقرة: ١٨٦]. وقد رُوي في سببٍ نزولها: أنَّ أعرابيًّا قالَ: يا رسولَ اللَّه، أقريبٌ ربّنا فنناجيهِ، أم بعيدٌ فنناديه؟ فأنزل اللَّهُ عزَّ وجلّ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي (٢) ((لطائف المعارف)) (٣٨١). (١) ((لطائف المعارف)) (٣٩٤ - ٣٩٦). ١٣٨ سورة البقرة قَرِيبٌ ﴾ [البقرة: ١٨٦]. خرَّجْه ابنُ جريرٍ، وابنُ أبي حاتمٍ (١). وروى عبدُ الرزاقِ، عن جعفرِ بنِ سليمانَ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: سألَ أصحابُ رسول اللَّهِ نَّ رسولَ اللَّهِ وَلّ: أين ربُّنَا؟ فأنزلَ اللَّهُ عزّ وجلّ: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾(٢) [البقرة: [ البقرة: ١٨٦]. وروى عبدُ بنُ حميدٍ بإسنادِهِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عبيدِ بنِ عميرٍ، قالَ: نزلت هذه الآيةُ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ [غافر: ٦٠]، قالُوا: كيفَ لنا به أن نلقَاهُ حتى ندعُوه؟ فأنزلَ اللَّهُ عز وجلَّ على نبيِّهِ وَّ: ﴿وَإِذَا سَأَلَّكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانٍ ﴾ [البقرة: ١٨٦]، فقالُوا: صدَق ربّنا، هوَ بكلِّ مكان . وقد خرَّج البخاريُّ في ((الدعواتٍ)) (٣) حديثَ أبي مُوسى، أنَّهِم رَفَعُوا أصواتَهُم بالتكبير، فقالَ لَهُم النبيُّ ◌َّهِ: ((إنَّكم لا تدعونَ أصمَّ ولا غائبًا، إنَّكم تدعون سمیعًا قريبًا». وفي روايةٍ: ((إِنَّه أقربُ إليكُم من أعناقِ رواحلكُمْ)). ولم يكنْ أصحابُ النبيِّ نَّهِ يفهمونَ من هذهِ النصوصِ غيرَ المعنى الصحيحِ المرادِ بها، يستفيدونَ بذلكَ معرفةَ عظمةِ اللَّهِ وجلاله، واطلاعِهِ على عبادِهِ وإحاطتِهِ بهم، وقربِهِ من عابديهِ، وإجابتِه لدعائهِم، فيزدادونَ به خشيةً للَّه وتعظيمًا وإجلالاً ومهابةً ومراقبةً واستحياءً، ويعبدونَهُ كأنَّهم يرونَهُ. ثم حدث بعدَهُم من قلَّ ورعُهُ، وساءَ فهمُهُ وقصدُهُ، وضعفتْ عظمةُ اللَّه وهيبتُهُ في صدرِهِ، وأرادَ أن يُري الناسَ امتيازَهُ عليهم بدِقةِ الفهمِ وقوةِ النظرِ ، ٠٠ (١) أخرجه ابن جرير في «تفسيره)) (١٥٨/٢). (٢) أخرجه ابن جرير في ((تفسيره)) (١٥٨/٢). (٣) ((صحيح البخاري)) (١٥٥/٨). ١٣٩ سورة البقرة فزعمَ أنَّ هذه النصوصَ تدلُّ على أنَّ اللَّهَ بذاته في كلٍّ مكان، كما يحكى ذلك عن طوائفَ من الجهميةِ والمعتزلةِ ومن وافقَهُم، تعالى اللَّهُ عمَّا يقولون علوًّاً كبيراً، وهذا شيءٌ ما خطرَ لمن كان قبلَهُم من الصحابة - رضي اللَّه عنهم، وهؤلاءِ ممن يتبعُ ما تشابَهَ منه ابتغاءَ الفتنة وابتغاءَ تأويله، وقد حذَّر النبي وَّةِ أُمَّتَه منهم في حديث عائشةَ الصحيحِ المتفقِ عليهِ (١). وتعلَّقُوا - أيضًا - بما فهمُوه بفهمهم القاصرِ مع قصدِهِم الفاسدِ بآياتٍ في كتاب اللَّهِ، مثل قولهِ تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقوله: ﴿ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ الآية [المجادلة: ٧] ، فقالَ من قالَ من علماءِ السلف حينئذٍ: إنَّما أرادَ أنَّه معهم بعلمه، وقصدُوا بذلكَ إبطالَ ما قالَهُ ٠٠ أولئكَ، مما لم يكنْ أحدٌ قبلهم قالَهُ ولا فهمَهُ من القرآنِ. وممن قالَ: إنَّ هذهِ المعيةَ بالعلمِ مُقَاتِلُ بنُ حيَّانَ، ورويَ عنه أنَّه رواهُ عن عكرمةً، عن ابنِ عباسٍ . وقاله الضحاكُ، قالَ: اللَّهُ فوقَ عرشِهِ، وعلمُهُ بكلِّ مكانٍ. ورويَ نحوُهُ عن مالكِ وعبدِ العزيزِ الماجشون والثوريِّ وأحمدَ وإسحاقَ وغيرِهِم من أئمةِ السلفِ . وروى الإمامُ أحمدُ: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ نافع، قال: قالَ مالكٌ: اللَّهُ في السماءِ، وعلمُهُ بكلِّ مكانٍ. وروي هذا المعنى عن عليٍّ وابن مسعودٍ - أيضًا. وقالَ الحسنُ في قولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]، قالَ: (١) أخرجه البخاري (٤٢/٦)، ومسلم (٥٦/٨). ١٤٠ سورة البقرة علمهُ بالناسِ . وحكى ابنُ عبدِ البَرِّ وغيرُهُ إجماعَ العلماءِ من الصحابةِ والتابعينَ في تأويلٍ قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] أنَّ المرادَ علمُهُ. وكلُّ هذا قصدُوا به ردَّ قول من قالَ: إِنَّه تعالى بذاتِهِ في كل مكانٍ . وزعم بعضُ من تَحَذْلَقَ أنَّ ما قاله هؤلاء الأئمةُ خطأٌ، لأنَّ علم اللَّه صفةٌ لا تفارقُ ذاته، وهذا سوءُ ظنِّ منه بأئمةِ الإسلامِ؛ فإنَّهم لم يريدُوا ما ظنَّه بهم، وإنَّما أرادُوا أنَّ علمَ اللَّهِ متعلّقٌ بما في الأمكنةِ كلِّها ففيها معلوماته، لا صفةَ ذاته، كما وقعتِ الإشارةُ في القرآنِ إلى ذلكَ بقولِهِ تعالى: ﴿ِ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨]، وقولِهِ: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]، وقولِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾ [الحديد: ٤]. وقالَ حربٌ: سألتُ إسحاقَ عن قولِهِ: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَبِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] قال: حيثُ ما كنتَ هو أقربُ إليكَ من حبلِ الوريدِ، وهو بائِنٌ من خلقه. وروى عمرُ بنُ أبي سلمةَ، عن أبيه، أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ مرَّ بقاصٍّ وقد رفعُوا أيديهم، فقالَ: ويلكم! إنَّ ربكم أقربُ ممّا ترفعون، وهو أقربُ إلى أحدکُم من حبلِ الوريدِ . وخرَّجه أبو نعيمٍ، وعندَهُ: أنَّ المارَّ والقائلَ بذلك هو ابنُ عمرَ. وخطبَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، فذكرَ في خطبتِهِ: إنَّ اللَّهَ أقربُ إلى عباده من حبلِ الوريدِ. وكانَ مجاهدٌ حاضرًا يسمعُ، فأعجبه حسنُ كلامِ عمرَ.