النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١
سورة البقرة
كلِّ إنسانٍ منهُم حجرًا وشيطانًا)).
وقالَ الحسنُ في موعظَتِهِ: أذكركَ اللَّهَ ما رحمتَ نفسَكَ، فإنَّك قد حذرتَ
نارًا لا تطفأ، يهوي فيها من صارَ إليها، ويترددُ في أطباقِهَا قرينُ شيطان،
ولزيقُ حجرٍ يتلهبُ في وجههِ شعلُها ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم
مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦].
وأكثرُ المفسرينَ على أنَّ المرادَ بالحجارةِ حجارةُ الكبريتِ توقدُ بها النارُ.
ويقالُ: إنَّ فيها خمسةُ أنواعٍ من العذابِ ليسَ في غيرِها من الحجارةِ: سرعةُ
الإيقاد، ونتنُ الرائحة، وكثرةُ الدخانِ، وشدةُ الالتصاقِ بالأبدان، وقوةُ حرِّهَا
إذا أحميتْ.
قالَ عبدُ الملكِ بنُ عميرٍ عنْ عبدِ الرحمنِ بنِ سابطٍ عنْ عمرو بنِ ميمونَ
عنِ ابنِ مسعودٍ في قولِهِ تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] قالَ: هي
حجارةٌ من الكبريتِ خلقَهَا اللَّهُ يومَ خلقَ السموات والأرضَ في السماءِ الدنيا
يُعدُّها للكافرينَ. خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ والحاكمُ في ((المستدركِ)) وقالَ: صحيحٌ
على شرطِ الشيخينِ.
وقالَ السُّدِيُّ في ((تفسيرِهِ)) عن أبي مالكٍ وعنْ أبي صالحٍ، عزِ ابنِ عباسٍ
وعن مرَّةٌ عن ابنِ مسعودٍ، وعن أناسٍ من الصحابةِ: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا
النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤]. أما الحجارةُ حجارةٌ في النار من كبريتِ أسودَ
يعذّبُونَ بِه مع النارِ. وقالَ مجاهدٌ: حجارةٌ من كبريتِ أنتنُ من الجيفةِ،
وهكذا قالَ أبو جعفرٍ وابنُ جريج، وعمرُو بنُ دينارٍ وغيرُهم .
وقالَ ابنُ وهبٍ: أخبرني عبدُ اللَّهِ بنُ عياشٍ، أخبرني عبدُ اللَّهِ بنُ سليمانَ
عنْ درّاجٍ عن أبي الهيثم، عن عيسى بنِ هلالِ الصدفيِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ
١٠٢
سورة البقرة
عمرو (١)، قالَ: قالَ رسولُ اللَّه صلَّى اللَّهُ عليه وآله وسلَّم: ((إنَّ الأرضينَ بينَ
كلِّ أرضٍ إلى التي تليها مسيرةُ خمسمائة سنة، فالعُليا منها على ظهر حوت قد النقَى
طرفَاهُ في السماءِ، والحوتُ على صخرة، والصخرةُ بيد ملك، والثانية سجنُ الريحِ، فلما
أرادَ اللَّهُ إهلاكَ عاد أمرَ خازنَ الريحِ أن يرسلَ عليهم ريحًا تهلكُ عادًا، قالَ: يا ربِّ
أرسلْ عليهم من الريحِ قدرَ منخرِ ثورِ، قالَ له الجبارُ تباركَ وتعالى: إذنْ يكفي الأرضَ
ومن عليها ، ولكنْ أرسِل عليهم بقدرِ خاتمٍ، فهي التي قالَ اللَّهُ في كتابه: ﴿مَا تَذَرُ مِن
شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّ جَعَتْهُ كَالرَّمِيمٍ ﴾ [الذاريات: ٤٢]، والثالثةُ فيها حجارةُ جهنّم، والرابعةُ
فيها كبريتُ جهنم)) قالُوا: يا رسولَ اللَّهِ أللنارِ كبريتٌ؟! قالَ: ((نعم، والذي نفسي
بيده إنَّ فيها الأوديةً من كبريت لو أرسلتْ فيها الجبالُ الرواسيّ لماعَتْ، والخامسةُ فيها
حياتُ جهنمَ وإنَّ أفواهَها كالأوديةِ تلسعُ الكافرَ اللسعةَ فلا يبقى منه لحمٌّ على وضَمٍ،
والسادسةُ فيها عقاربُ جهنّم، وإنَّ أدنى عقربة منها كالبغال الموكفة، تضربُ الكافرَ
ضربةً تنسيه ضربتُها حرَّ جهنّم، والسابعةُ سقرُ، وفيها إبليسُ مصفدٌ بالحديد أمامَهُ ويدُه
من خلفه، فإذا أرادَ اللَّه أن يطلقَهُ لما يشاءُ من عباده أطلَقَهُ) خرَّجه الحاكمُ في آخرٍ:
(المستدرك))(٢) وقالَ: تفرَّدَ به أبو السمح، وقد ذكرتْ عدالتُه بنصِ الإمامِ
يحيى بنِ معينٍ، والحديثُ صحيحٌ ولم يخرِّجاه، وقالَ بعضُ الحفاظ
المتأخرين: هو حديثٌ منكرٌ، وعبدُ اللَّهِ بنُ عياشِ القتبانيُّ ضعَّفَهُ أبو داودَ،
وعندَ مسلمٍ أَنَّه ثقةٌ، ودرََّجٌ كثيرُ المناكيرِ، واللَّهُ أعلمُ.
قلتُ: رفْعُه منكرٌ جدًّا، ولعله موقوفٌ، وغلطَ بعضُهم فرفَعَه، وروى
(١) في المطبوع: ((عبد الله بن عمر)) وهو خطأ؛ لأن الحديث بهذا الإسناد من رواية عبد الله بن
عمرو، كما في ((المستدرك)» (٥٩٤/٤).
(٢) ((المستدرك)) (٤/ ٥٩٤).
١٠٣
سورة البقرة
عطاءُ بنُ يسارِ عن كعبٍ من قولِهِ نحوَ هذا الكلام أيضًا .
وعن عبدِ العزيز بن أبي روادٍ قالَ: بلغني أنَّ رسولَ اللَّهِ وَّ تلا هذه
الآيةَ: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦] وعندهُ بعضُ
أصحابِهِ وفيهم شيخٌ، فقالَ الشيخُ: يا رسولَ اللَّهِ حجارةُ جهنّم كحجارة
الدُّنْيا؟ فقالَ النبيُّ وََّ: ((والذي نفسي بيده، إنَّ صخرةً من صخرِ جهنّم أعظمُ من
جبالِ الدنيا كلِّها) فوقعَ الشيخُ مغشيًّا عليه، فوضعَ النبيُّ نَِّ يدَهُ على فؤادِهِ،
فإذا هو حيٌّ فناداه قلْ: ((لا إله إلا اللَّهُ) فقالَهَا، فبشَّره بالجنة، فقالَ أصحابُهُ: يا
رسولَ اللَّهِ أمِنْ بيننا؟ قالَ: ((نعم، يقولُ اللَّه تبارك وتعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي
وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم : ١٤])) خرّجه ابن أبي الدنيا(١).
قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجِ مَّطَهَّرَةً
وروى ابنُ جريرٍ في «تفسيرِه))(٢): نا يُونُسُ: نا ابنُ وهْبٍ، عن عبد
الرحمنِ بنِ زيدِ بنِ أسلمَ، في قوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ [البقرة: ٢٥]،
قال: المطهرةُ: التي لا تحيضُ، قالَ: وكذلكَ خُلقَتْ حواءُ عليها السلامُ حتى
عَصَتْ، فلمَّا عصتْ قالَ اللَّهُ تعالى: ((إني خلفْتُك مطهَّرةً، وسأُدْميك كما أدْميت
هذه الشجرة)».
وقد استدلَّ البخاريُّ لذلكَ بعمومٍ قولِ النبيِّ وَّهِ: ((إنَّ هذا شيءٌ كتبه اللَّهُ
على بنات آدمَ))(٣)، وهو استدلالٌ ظاهرٌ حسنٌ، ونظيرُهُ: استدلالُ الحسنِ على
(١) ((التخويف من النار)) (١٠٤ - ١٠٩).
(٢) ((تفسير الطبري)) (١٧٦/١).
(٣) البخاري (٨١/١).
١٠٤
سورة البقرة
إبطال قول من قال: أوَّل من رأى الشَّيْبَ إبراهيمُ عليه السلامُ، بعمومٍ قولِ
اللَّه عزَّ وجلَّ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّنِ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ
بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤](١).
*
قوله تعالى: ﴿بَلَى مَن كَسَبَ سَيْئَةً وَأَحَاطَتْ به
خَطِيئَتْهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿بَلَىْ مَن كَسَبَ سَيْئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ
هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١].
وفُسرتْ إحاطةُ الخطيئةِ بالموتِ على الشركِ، وفسِّرتْ بالموتِ على الذنوبِ
الموجبةِ للنارِ من غيرِ توبةٍ مِنْهَا .
فكأنَّ ذنوبَهُ أحاطتْ به من جميعِ جهاتِهِ، فلم يبقَ لَهُ مَخلصٌ منها.
فالخطايا تُحيطُ بصاحبها حتى تُهلكهُ؛ وقد ضربَ النبيِّ وَِّ مثلَ الخطايا التي
يتلَّسُ بها العبدُ بمثل درعٍ ضيقةٍ يلبسُهَا، فتضيقُ عليهِ حتى تخنقَهُ، ولا تنفكَّ
عنهُ إلا بعملِ الحسناتِ من توبةٍ أو غيرِهَا من الأعمال الصالحةِ، ففي
(المسند))(٢)، عن عُقبةَ بن عامرٍ، عنِ النبيِّ ◌ِّهِ، قالَ: ((إنَّ مثلَ الذي يعملُ
السيئاتِ ثمَّ يعملُ الحسناتِ كمثلِ رجلٍ كانتْ عليه درعٌ ضيقةٌ ثم خنقتْهُ، ثم عملَ حسنةً
فانفكتْ حلقةٌ ثم عملَ حسنةً أخرى فانفكتْ حلقةٌ أخرى حتى يخرجَ إلى الأرضِ)).
فلا يَخلُصُ العبدُ من ضيقِ الذنوبِ عليهِ وإحاطتِهَا بِهِ، إلا بالتوبةِ والعملِ
الصالحِ.
(١) ((فتح الباري)) (٣٩٧/١).
(٢) أحمد في «المسند» (١٤٥/٤).
١٠٥
سورة البقرة
كانَ بعضُ السلفِ يُردد هذينِ البيتينِ بالليلِ، ويبكي بكاءً شديداً شعر:
إنَّ البكاءَ معولُ الأحزان
ابْكِ لذنِكَ طولَ الليلِ مجتهداً
إنَّ الذنوبَ تحيطُ بالإنسانِ (١)
لا تنسَ ذنبكَ في النهارِ وطولِهِ
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِندَ اللَّه
خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾
وقدْ دلَّ قولُهُ تعالى في حقِّ اليهودِ: ﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِندَ اللَّه
خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْاُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤] على أنَّ منْ كانَ
على حالة حسنةٍ من الاستعداد للقاء اللَّه فإنَّه يتمنَّى لقاءَ اللَّه ويحبُّه، وأنَّه لا
يكرهُ ذلكَ إلا من هوَ مريبٌ في أمرِهِ. ولهذا قالَ: ﴿وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ
أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٩٥] ثم قال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ
عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ
أَن يُعَمَّرَ﴾ [البقرة: ٩٦] فذمَّهم على حرصهم على الحياةِ الدنيا.
وفي ((مسند الإمام أحمدَ)) (٢) عنِ النبيِّ وَِّ قالَ: ((لا يتَمَنَّيَنَّ الموْتَ إلا منْ
وَثَقَ بِعَمَله)).
وقد كان كثيرٌ من السلفِ الصالحِ يتمنونَ الموتَ شوقًا إلى لقاء الله عزَّ
(٣)
٠
وجل
(١) شرح حديث: ((لبيك اللهم لبيك)) (ص ١١٠ - ١١١).
(٢) أخرجه أحمد فى ((المسند)) (٢/ ٣٥٠) بلفظ مُقارب، عن أبي هريرة.
(٣) ((استنشاق نسيم الأنس)) (ص ١٣١ - ١٣٢).
١٠٦
سورة البقرة
قوله تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضْرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلَمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ
مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾
مَن آثرَ المعصيةَ على الطَّاعةِ فإنَّما حملَهُ على ذلكَ جهلُهُ وظنُّه أنَّها تنفعُهُ
عاجلاً باستعجال لذَّتها، وإن كانَ عندهُ إيمانٌ فهو يرجُو التخلُّصَ من سوءِ
عاقبَتِها بالتوبةِ في آخرِ عمرِهِ؛ وهذا جهلٌ محْضٌ، فإنَّ يتعجَّلُ الإثمَ
والخزي، ويفوته عزَّ التقوى وثوابُها ولذَّةُ الطاعة، وقد يتمكَّنُ من التوبةِ بعد
ذلك، وقد يعاجلُهُ الموتُ بغتةً، فهو كجائعِ أَكَلَ طعامًا مسمومًا لدفع جوعِهِ
الحاضر، ورجَا أن يتخلَّص من ضررِهِ بشُرِبِ الدِّرياق بعدَه، وهذا لا يفعلُه إلا
جاهلٌ، وقد قالَ تعالَى في حقِّ الذين يؤثرون السحرَ: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ
وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ
لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴿٢﴾ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾
[ البقرة: ١٠٢ - ١٠٣].
والمرادُ: أَنَّهم آثرُوا السحرَ على التقوى والإيمانِ، لما رجُوا فيه من منافعِ
الدنيا المعجلة، مع علمهِم أنَّهم يفوتُهم بذلكَ ثوابُ الآخرةِ، وهذا جهلٌ
منهم، فإنَّهم لو علِمُوا لآثرُوا الإيمانَ والتقوى على ما عَداهُما، فكانُوا
يُحرِزون أجرَ الآخرةِ ويأمنونَ عقابها، ويتعجّلُون عزَّ التقوى في الدنيا، وربَّما
وصلوا إلى ما يأمُلُونه في الدنيا أو إلى خير منه وأنفعُ، فإنَّ أكثرَ ما يطلبُ
بالسِّحرِ قضاءُ حوائجَ محرَّمة أومكروهة عند اللَّه عزَّ وجلَّ.
والمؤمنُ المتقي يُعوِّضُهُ اللَّهُ في الدنيا خيرًا مما يطلبُهُ السَّاحرُ ويؤثرُهُ، مع
تعجيله عزَّ التَّقوى وشرفها، وثوابَ الآخرةِ وعُلُوَّ درجاتِهَا، فتبَيَّنَ بهذا أنَّ
إيثارَ المعصيةِ على الطاعةِ إنما يحملُ عليه الجهلُ، فلذلكَ كان كُلُّ مَنْ عصى
١٠٧
سورة البقرة
اللَّهَ جاهلاً، وكُلُّ مَنْ أطاعَه عالمًا، وكفى بخشية اللَّه علمًا، وبالاغترار به
جهلاً. وأمَّا التوبةُ من قريب فالجمهورُ على أنَّ المرادَ بها التوبةُ قبلَ الموت،
فالعمرُ كلُّه قريبٌ، والدنيا كلُّها قريبٌ. فمن تابَ قبل الموتِ فقد تابَ من
قريبٍ، ومن ماتَ ولم يتُبْ فقد بَعُدَ كلَّ البُعد(١).
عن جابرِ بنِ عبدِ الله ◌ِوَّهِ: أنَّ رجلاً سألَ رسولَ اللَّهِ وَ لَه فقالَ: أرأيتَ
إذا صَلَّيتُ المكتُوباتِ، وصُمْتُ رمضانَ، وأحْلِلْتُ الحلالَ، وحرَّمْتُ الحرامَ،
ولم أزِدْ على ذلك شيئًا، أأدخلُ الجِنَّة؟ قال: ((نعَمْ)) رواه مسلم.
هذا الحديثُ: خرَّجه مسلمٌ (٢) من روايةِ أبي الزبيرِ عن جابرٍ، وزادَ في
آخرِهِ: قال: واللَّهِ لا أزيدُ على ذلكَ شيئًا. وخرَّجه(٣) - أيضًا - من روايةٍ
الأعمشِ عن أبي صالحٍ وأبي سفيانَ عن جابرَ قالَ: قال النعمانُ بنُ قوقل: یا
رسولَ اللَّهِ، أرأيتَ إذا صليتُ المكتوبة، وحرمتُ الحرامَ، وأحللتُ الحلالَ ولم
أزدْ على ذلكَ شيئًا أأدخُلُ الجنَّةَ؟ قال النبيَّ وَّ: ((نعم)).
وقد فسرَ بعضُهم تحليلَ الحلال باعتقادِ حلِّه، وتحريمَ الحرامِ باعتقاد حُرمتِه
مع اجتنابِهِ، ويُحتملُ أن يرادَ بتحليلِ الحلالِ إتيانُه، ويكونُ الحلالُ ههنا عبارةً
عمَّا ليس بحرامٍ، فيدخلُ فيه الواجبُ والمستحبُّ والمباحُ، ويكونُ المعنى أنَّه
يفعلُ ما ليس بمحرَّم عليه، ولا يتعدَّى ما أُبِيحَ له إلى غيرِهِ، ويجتنبُ
المحرَّمات. وقد رُوي عن طائفة من السلفِ، منهم ابنُ مسعودٍ وابنُ عباسٍ
في قولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾
(١) ((لطائف المعارف)) (ص ٥٧٠ - ٥٧١).
(٢) مسلم (٣٤/١).
(٣) مسلم (٣٣/١).
١٠٨
سورة البقرة
[البقرة: ١٢١] قالُوا: يُحلُّونَ حلالَهُ ويحرِّمون حرامَه، ولا يُحرِّفونه
عن مواضعه .
والمرادُ بالتحليلِ والتحريمِ فعلُ الحلالِ واجتنابُ الحرامِ كما ذُكرَ في هذا
الحديثِ. وقد قالَ اللَّه في حقِّ الكفارِ الذينَ كانُوا يُغيِّرُونَ تحريمَ الشُّهورِ
الحُرُمِ: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُونَهُ عَامًا وَيُحَرِمُونَهُ عَامًا
لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧]، والمرادُ: أنَّهم كانُوا
يُقَاتِلونَ في الشهرِ الحرامِ عامًا، فيُحلونهُ بذلكَ، ويمتنعونَ من القتالِ فيه عامًا،
فيحرِّمُونَهُ بذلكَ.
وقالَ اللَّهُ عزَّ وجلّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا
تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ {(٨٧﴾ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٨٧ -
٨٨] وهذه الآيةُ نزلتْ بسببِ قومٍ امتنعوا من تناولِ بعضِ الطيباتِ زهدًا في
الدنيا وتقشفًا، وبعضُهم حرَّمَ ذلكَ عن نفسِهِ، إمَّا بيمينِ حَلَفَ بها، أو
بتحريمهِ على نفسِهِ، وذلكَ كلُّه لا يوجبُ تحريمَهُ في نفسِ الأمرِ، وبعضُهم
امتنعَ منه من غيرِ يمينٍ ولا تحريمٍ، فسمَّى الجميعَ تحريماً، حيثُ قصدَ الامتناعَ
منه إضراراً بالنفسِ، وكفًا لها عن شهواتِهَا. ويقالُ في الأمثال: فلانٌ لا
يحلِّلُ ولا يحرُِّ، إذا كان لا يمتنعُ من فعلِ حرامٍ، ولا يقفُ عندَ ما أُبِيحَ له،
وإن كان يعتقدُ تحريمَ الحرامِ، فيجعلونَ من فعلَ الحرامَ ولم يتحاشَ منه مُحلِّلاً
له، وإن كانَ لا يعتقدُ حلَّه. وبكلِّ حالٍ، فهذا الحديثُ يدلُّ على أنَّ من قامَ
بالواجباتِ، وانتهى عن المحرَّماتِ، دخلَ الجنَّةَ.
وقد تواترتِ الأحاديثُ عنِ النبيِّ وَِّ بهذا المعنى، أو ما هو قريبٌ منه(١).
(١) «جامع العلوم والحكم)) (١/ ٥٤٢ - ٥٤٤).
١٠٩
سورة البقرة
قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾
[قالَ البخاريُّ]: ((بابُ: قول اللَّه عزَّ وجلَّ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ
مُصَلَّى﴾ [البقرة: ١٢٥].
حديثُ عمرَ في سببٍ نزول هذه الآيةِ، قد خرَّجهُ البخاريُّ فيما بعد،
وسيأتي في موضعِهِ قريبًا - إن شاء اللَّه تعالَى.
[ قال البخاريُّ]: حدَّثَنا الْحُميديُّ: ثنا سفيانُ: ثنا عمْرُوُ بنُ دينارِ، قالَ:
سألنا ابنَ عُمَرَ عن رجلٍ طافَ بالبيتِ العُمْرةَ، ولمْ يطفُ بَيْنَ الصَّفَا والمروةِ،
أيأتِي امرأتَه؟ فقالَ: قدِمَ النبيُّ نَّهِ فطافَ بالبيْتِ سَبْعًا، وصلَّى خلفَ المقامِ
ركْعتينٍ، وطافَ بيْنَ الصَّفَا والمرْوةِ، وقدْ كانَ لكُمْ في رسولِ اللَّهِ أسْوَةٌ
حسنةٌ.
وسألنا جابرَ بنَ عبد اللَّه، فقالَ: لا يقْربَّها حتَّى يطوف بيْن الصَّفا
والمروة(١).
مقصودهُ من هذا الحديث هاهنا: أنَّ النبيَّ وَِّ لما اعتمرَ طاف بالبيت
وصلَّى خلف المقامِ ركعتينٍ، وكذلك فَعلَ في حَجَتْهِ - أيضًا.
وقد رَوَى جابرٌ أنَّ النبيَّ ◌َِّ تلا هذه الآيةَ عندَ صلاتِهِ خلفَ المقامِ:
﴿وَأَتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾
[ البقرة: ١٢٥].
خرَّجه مسلمٌ (٢) .
وهذا كلُّه يدلُّ على أنَّ المرادَ بمقامٍ إبراهيمَ في الآيةِ: مقامُه المُسمَّى بذلكَ
(١) البخاري (١٠٩/١).
(٢) مسلم (٣٩/٤).
١١٠
-
سورة البقرة
عندَ البيت، وهوَ الحَجَرُ الذي كانَ فيه أثرُ قدمه عليه السلام، وهذا قولُ كثيرٍ
مِنَ المفسرينَ.
وقال كثيرٌ منهم: المرادُ بمقامِ إبراهيمَ: الحجُّ كلُّه.
وبعضُهم قالَ: الحرمُ كلُّه.
وبعضُهم قالَ: الوقوفُ بعرفةَ، ورميُ الجمارِ والطوافُ، وفسَّرُوا المصلَّى:
بالدعاءِ، وهو موضعُ الدعاءِ.
ورُوي هذا المعنى عن ابنِ عباسٍ ومجاهدٍ وغيرِهِما.
وقد يُجْمعُ بين القولينِ، بأنْ يُقالَ: الصلاةُ خلفَ المقامِ المعروف داخلٌ فيما
أُمِرَ به من الاقتداءِ بإبراهيمَ عليه السلامُ مما في أفعالِهِ في مناسكِ الحجِّ كلِّها
واتخاذِهَا مواضعَ للدعاءِ وذكرِ اللَّهِ.
كما قالتْ عائشةُ - ورُوي مرفوعًا : ((إنَّما جُعلَ الطوافُ بالبيت والسعيُ بينَ
الصفا والمروة ورَمْيُ الجمارِ لإقامة ذكْرِ اللَّه)).
خرَّجه أبو داود والترمذيُّ (١).
فدلالةُ الآيةِ على الصلاةِ خلفَ مقامٍ إبراهيمَ عليه السلامُ لا تُنافي دلالتها
على الوقوفِ في جميعِ مواقفِه في الحجِّ لذكرِ اللَّهِ ودعائِهِ والابتهالِ إليهِ.
والله أعلمُ.
وبكلِّ حال؛ فالأمرُ باتخاذِ مقامٍ إبراهيمَ مُصلَّى لا يدْخلُ فيه الصلاةُ إلى
البيت إلا أن تكونَ الآيةُ نزلتْ بعد الأمرِ باستقبالهِ، وحديثُ عمرَ قد يُشْرُع
بذلك .
(١) أبو داود (١٨٨٨)، والترمذي (٩٠٢).
١١١
سورة البقرة
فيكون حينئذٍ مما أُمِرَ به من اتخاذ مقامِ إبراهيمَ مُصلَّى: استقبالُ البيت
الذي بناهُ في الصلاةِ إليه، كما كانَ إبراهيمُ يستقبلُهُ، وخصوصًا إذا كانت
الصلاةُ عندَهُ.
وعلى هذا التقديرِ يَظْهرُ وجهُ تبويبِ البخاريِّ على هذهِ الآيةِ في ((أبوابِ
استقبالِ القبلةِ))، وإلا ففيه قَلَقٌ. والله أعلمُ (١).
[قال البخاريُّ](٢): حدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عوْنِ: ثنا هُشَيْمٌ، عنْ حُميد، عنْ
أنسٍ، قالَ: قالَ عُمَرُ: وافقتُ رَبِّي في ثلاثٍ: قُلتُ: يا رسولَ اللَّه، لو
اتَّخَذْنَا منْ مقامِ إبراهيمَ مُصلَّى، فنزلَتْ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامٍ إِبْرَاهِيم مُصَلَّى﴾
[البقرة: ١٢٥]، وآيةُ الحجاب، قُلتُ: يا رسولَ اللَّه، لوْ أمرتَ نساءَكَ أن
يحْتَجِبْنَ، فإنَّه يُكَلِّمُهُنَّ البَرُّ والفاجرُ، فنزلَتْ آيَةُ الحِجابِ، واجْتَمعَ نساءُ النبيِّ
وَلَّه في الغيْرةِ عليْهِ، فقُلْتُ لُهُنَّ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًاً
مَّنكُنَّ﴾ [التحريم ٥]، فنزلت هذه الآيةُ.
وقالَ ابنُ أبي مريمَ: أبنا يحيى بنُ أيوبَ: حدَّثْني حُميدٌ، قالَ: سمعتُ
أنسًا - بهذا(٣).
هذا الحديثُ مشهورٌ عن حميد، عنْ أنسٍ، وقد خرَّجَهُ البخاريُّ - أيضًا -
في (التفسير))(٣) من حديثٍ يحيى بن سعيد، عنْ حُميدٍ.
ورواه - أيضًا - يزيدُ بن زُرَيْع وابن عُلَيَّةَ وابنُ أبي عديٍّ وحمادُ بنُ سلمةَ
(١) ((فتح الباري)) (٢٩٩/٢ - ٣٠١).
(٢) البخاري (١١١/١).
(٣) البخاري (٢٤/٦).
١١٢
سورة البقرة
وغيرُهُم، عن حميد، عن أنسٍ .
وإنَّما ذكرَ البخاريُّ روايةَ يحيى بنِ أيوبَ: حدثني حميد، قالَ: سمعتُ
أنسًا؛ ليبينَ به أنَّ حميدًا سمعَهُ من أنسٍ، فإنّ حميدًا يروي عن أنسٍ كثيرًا.
ورُوي عن حمادِ بنِ سلمةَ، أَنَّه قالَ: أكثرُ حديثِ حميدٍ لم يسمعُه من
أنسٍ، إنَّما سمعه من ثابت، عنهُ.
ورُوي عن شعبةَ، أنه لم يسمعْ من أنسٍ إلا خمسةَ أحاديثٍ.
وروي عنه، أنَّه لم يسمع منه إلا بضعة وعشرينَ حديثًا.
وقد سبقَ القولُ في تسامحِ يحيى بنِ أيوبَ والمصريينَ والشاميينَ في لفظةٍ :
(ثنا)) - : كما قاله الإسماعيليّ.
وقالَ عليّ بنُ المدينيَّ في هذا الحديثِ: هو من صحيحِ الحديثِ .
ولم يخرِّجْ مسلمٌ هذَا الحديثَ، إنَّما خرَّج(١) من روايةِ سعيدِ بنِ عامٍ،
عن جُويريةَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، عن عُمرَ، قالَ: وافقتُ ربِّي في
ثلاثٍ: في الحجابِ، وفي أُسارَى بَدْرٍ، وفي مقامِ إبراهيمَ.
وقد أعلَّه الحافظُ أبو الفضلِ بنُ عمارِ الشهيدُ (٢) - رحمه اللَّهُ - بأنَّه روي
عن سعيدِ بنِ عامرٍ، عن جُويريةَ، عن رجلٍ، عن نافعٍ، أنَّ عُمرَ قالَ:
وافقتُ ربِّي في ثلاثٍ: فدخَلَ في إسنادِهِ رجلٌ مجهولٌ، وصار منقطعًا.
وروى ابنُ أبي حاتمٍ (٣) من طريقِ عبدِ الوهابِ بنِ عطاءٍ، عن ابنِ جُرِيجٍ،
(١) (١١٦/٧).
(٢) في ((علل مسلم)) (ص ١٣٩).
(٣) في ((التفسير)) - كما في ((التفسير)) لابن كثير - (٢٤٣/١ - ٢٤٤).
١١٣
سورة البقرة
عن جعفرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه: سمعتُ جابرًا يُحدِّث عن حجة الوداعِ قالَ:
لما طافَ النبيِّ بَّهِ قالَ له عُمرُ: هذا مقامُ إبراهيمَ؟ قالَ: ((نعم))، قالَ: أفلاَ
نتخذُهُ مُصلَّى؟ فأنزلَ اللَّهُ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾ [البقرة: ١٢٥].
وهذا غريبٌ، وهو يدلُّ على أنَّ هذا القولَ كانَ في حجة الوداعِ، وأنّ
الآيةَ نزلتْ بعد ذلكَ، وهو بعيدٌ جدًّا، وعبدُ الوهابِ ليسَ بذاك المتقنِ .
وقد خالفَهُ الحفاظُ، فرووا في حديثِ حجةِ الوداعِ الطويلِ، عن جعفرِ بنِ
محمد، عن أبيه، عن جابرٍ، أنَّ النبيَّ وَِّ أتى إلى المقامِ، وقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا
مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، ثم صلَّى ركعتينٍ، والمقامُ بينه وبينَ
البيت .
وروى الوليدُ بنُ مسلمٍ، عنْ مالكِ، عن جعفرٍ، عن أبيهِ، عن جابرٍ،
قالَ: لَّا وقفَ النبيُّ نَِّ يومَ فتحِ مكةَ عندَ مقامِ إبراهيمَ، قالَ له عُمَرُ: يا
رسول اللَّهِ، هذا مقامُ إبراهيمَ الذي قالَ اللَّهُ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ
مُصَلَّى﴾ [البقرة: ١٢٥]؟ قال: ((نَعَمْ)).
قال الوليدُ: قلتُ لمالك: هكذا حدَّثَك؟ قال: نعَمْ.
وقد خرَّجه النسائيُّ (١) بمعناه.
والوليدُ كثيرُ الخطأِ -: قاله أبو حاتمٍ وأبو داودَ وغيرُهُما.
وذكر فتح مكةَ فيه غريبٌ أو وهْمٌ، فإنَّ هذا قطعةٌ من حديث جابرٍ في
حجة الوداعِ.
(١) النسائي (٢٣٦/٥).
١١٤
سورة البقرة
وقد رُويَ حديثُ أنسٍ، عن عُمرَ من وجه آخر :
خرَّجه أبو داودُ الطيالسيُّ (١): ثنا حمادُ بنُ سلمةَ: ثنا عليٌّ بنُ زيدٍ، عن
أنسٍ، قالَ: قالَ عمرُ: وافقتُ ربِّي في أربع - فذكرَ الخصالَ الثلاثَ المذكورةَ
في حديث حميدٍ، إلا أنَّه قال في الحجابِ: فأنزلَ اللَّهُ: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا
فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، قال: ونزلت هذه الآيةُ: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا
الإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ﴾ الآية [المؤمنون: ١٢]، فلما نزلتْ قلتُ أنا: تباركَ اللَّهُ
أحسنُ الخالقينَ، فنزلَ: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤].
وقولُ عُمرَ: ((وافقتُ ربِّي في ثلاثٍ))، ليسَ بصيغةِ حصرٍ، فقد وافقَ في
أکثر من هذه الخصالِ الثلاثِ والأربعِ .
ومما وافقَ فيه القرآنَ قبلَ نزولهِ: النهيُّ عن الصلاة على المنافقينَ.
وقولُهُ لليهودِ: من كانَ عدوًا لجبريلَ، فنزلتِ الآيةُ.
وقولُهُ للنبيِّ وَّ لما اعتزل نساءَه ووَجَدَ عليهنَّ: يا رسولَ اللَّه، إنْ كنتَ
طلقتَهَنَّ، فإنَّ اللَّه معكَ وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنونَ
معك. قالَ عمرُ: وقلَّ ما تكلمتُ - وأحمدُ اللَّهَ - بكلامٍ إلا رجوتُ أن يكونَ
اللَّه يصدِّقُ قولِي الذي أقولُ، فنزلتْ آيَةُ التخييرِ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقْكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ
أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنْكُنَّ﴾ الآية [التحريم:٥] .
وقد خرَّج هذا الأخيرَ مسلمٌ (٢) من حديثِ ابنِ عباسٍ، عن عمرَ.
وأما موافقتُهُ في النهيِّ عنِ الصلاةِ على المنافقينَ، فمخرَّجٌ في
(١) ((المسند)) (٤١/١).
(٢) مسلم (١٨٨/٤ - ١٨٩).
١١٥
سورة البقرة
((الصحيحين)) (١) من حديثِ ابنِ عباسٍ، عن عُمرَ - أيضًا.
وأما موافقتُهُ في قولِهِ: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٧]، فرواه: أبو
جعفرٍ الرازيّ، عن حُصينِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عنْ ابنِ أبي ليلى، عن عُمرَ.
ورواه: داودُ، عن الشعبيِّ، عن عمرَ، هما منقطعانِ.
وقد رُوي موافقته في خصال أخَرَ، وقد عدَّ الحافظُ أبو موسى المدينيّ من
ذلك اثنتي عشرةَ خصلةً.
وتخريجُ البخاريِّ لهذا الحديثِ في هذا البابِ: يدلّ على أنه فسر قولَهُ
تعالَى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامٍ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾ [البقرة: ١٢٥] بالأمرِ بالصلاةِ إلى البيتِ
الذي بناهُ إبراهيمُ، وهو الكعبةُ، والأكثرونَ على خلاف ذلكَ، كما سبقَ
ذكره(٢) .
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ
خرَّج البخاريُّ ومسلمٌ (٣) : من حديثٍ: أبي إسحاقَ، عن البراءِ، أنَّ
النبيَّ نَّ كَانَ أولَ ما قدِمَ المدينةَ نزَلَ على أجْدادِهِ - أوْ قالَ: أخواله - من
الأنصارِ، وأَنَّه صلَّى قِبَلَ بيتِ المقدسِ ستَّةَ عشرَ شهرًا - أوْ سبعة عشْر شَهْرًا -
وكان يُعجبُهُ أنْ تكونَ قبْلَتُهُ قِبَلَ البيتِ، وأَنَّه صلَّى أوَّل صلاة صلَّها صلاةَ
العصرِ، وصلَّى معه قومٌ، فخرجَ رجلٌ ثَمَّنْ صلَّى معه، فمرَّ على أهْلِ مسجد
وهُمْ راكعُونَ، فقال: أشْهَدُ باللَّه، لقدْ صَلَّيْتُ مع رسولِ اللَّهِ بَّهِ قِبَلَ مَكَّةً،
(١) البخاري (١٢١/٢)، ولم نجده في مسلم، ولم يعزه المزيُّ في ((التحفة)) لمسلم، بل للبخاري
فقط .
(٢) ((فتح الباري)) (٣١٦/٢ - ٣٢٠).
(٣) البخاري (١٦/١)، ومسلم (٦٥/٢).
١١٦
سـ
سورة البقرة
فدارُوا كما هُمْ قِبَلَ البيْتِ. وكانت اليهودُ قد أعْجَبَهُم إذْ كانَ يُصلِّي قِبلَ بيتِ
المقدسِ، وأهلُ الكتابِ، فلمَّا ولَّى وجهه قبل البيت، أنكروا ذلك.
قال زُهيْرٌ: ثنا أبو إسحاقَ، عنِ البراءِ - في حديثِهِ هذا - أنَّه ماتَ على
القَبْلة قبْلَ أن تُحوَّل رجالٌ وقُتِلُوا، فلم نَدْرِ ما نقولُ فيهم، فأنزلَ اللَّه تعالى:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣].
قالَ البخاريُّ: يعني: صلاتَكُمْ.
وبوَّبَ على هذا الحديثِ: ((بابُ: الصَّلاةِ منَ الإيمانِ)).
والأنصارُ للنبِيِّ وَّ فيهم نسبٌ؛ فإنَّهم أجدادُه وأخوالُه من جهةٍ جدِّ أبيه
هاشمٍ بنِ عبدِ منافٍ، فإنه تزوَّج بالمدينة امرأةً من بني عديِّ بنِ النجارِ، يُقالُ
لها: سلمَى، فولدتْ له ابنَه عبدَ المطلبِ، وفي رأسِهِ شيبةٌ، فسمِّي شيبةً.
وذكرَ ابنُ قتيبةَ: أن اسمَهُ عامرٌ، والصحيحُ: أن اسمَه شيبةٌ.
وإنَّما قيل له: عبدُ المطلب؛ لأنَّ عمَّه المطلبَ بنَ عبد مناف قدِمَ به منَ
المدينةِ إلى مكة، فقالتْ قريشٌ: هذا عبدُ المطلبِ، فقالَ: ويحَكُم، إنَّما هو
ابنُ أخي شيبةُ بنُ عمرو، وهاشمٌ اسمُهُ عمْرو.
ففي حديث البراءِ هذا: أنَّ النبيَّ ◌َِّ لَّا قدِمَ المدينةَ نزلَ على أجدادِهِ - أو
قالَ: أخوالِهِ - منَ الأنصارِ.
وظاهرُهُ: يدلُّ على أنَّه نزلَ على بني النجار؛ لأنَّهم هُمْ أخوالُه وأجدادُه،
وإنما أرادَ البراءُ جنسَ الأنصارِ دونَ خصوصِ بني النجارِ .
وقد خرَّج البخاريُّ في ((كتاب الصلاة))(١) و((أبواب الهجرة))(٢) من حديث
ے
(١) البخاري (١/ ١١٧).
(٢) البخاري (٨٦/٥).
١١٧
سورة البقرة
أنسٍ، أنَّ النبيِّ نَّ لما قدِمَ المدينةَ نزلَ في علوِ المدينة، في حيِّ يقالَ لهمْ: بنُو
عمرو بنِ عوفٍ، فأقامَ فيهم أربعَ عشرة ليلةً، ثم أرسلَ إلى ملاٍ بني النجارِ،
فجاءُوا متقلِّدينَ سيوفهم. قال: وكأني أنظر إلى رسولِ اللهِ نَّه على راحلته
وأبو بكرِ ردفَه وملأُ بني النجارِ حولَهُ، حتى ألقى بفناءِ أبي أيوبَ - وذكرَ
الحدیثَ.
وخرَّج - أيضًا (١) - معنى ذلك، من حديث الزهريِّ، عن عروةَ بنِ
الزبيرِ .
وأما ما ذكرَهُ البراءُ في حديثِهِ: أنَّ النبيَّ نَّهِ صلَّى بالمدينةِ قِبَلَ بيت المقدسِ
ستةَ عشرَ - أو سبعة عشرَ - شهرًا، فهذا شكَّ منه في مقدارِ المدة.
ورُوي عن ابنِ عباسٍ، أنَّ مدةَ صلاتِهِ بالمدينةِ إلى بيتِ المقدسِ كانت ستّةَ
عشرَ شهراً.
خرَّجِه أبو داودَ (٢) .
وخرَّج - أيضًا (٣) - من حديث معاذ، أنَّ مدةَ ذلك كانَ ثلاثةَ عشرَ شهراً.
وروَى كثيرُ بنُ عبدِ اللَّهِ الْمُزنيُّ - وهو ضعيفٌ -، عن أبيه، عن جدِّهِ عمرٍو
ابنِ عوفٍ، قالَ: كنَّا معَ رسولِ اللهِ وَ لّهِ حينَ قدِمَ المدينةَ، فصلَّى نحو بيتِ
المقدسِ سبعةَ عشرَ شهراً(٤)
(١) البخاري (٧٦/٥).
(٢) لم أجده في أبي داود، والحديث أخرجه أحمد (٣٢٥/١) من حديث ابن عباس.
(٣) أبو داود (٥٠٧).
(٤) أخرجه البزار (٤١٧) ((كشف الأستار))، وعزاه الهيثمي في ((المجمع)) للطبراني في «الكبير))، ولم
تُطبع أحاديث عمرو بن عوف.
١١٨
سورة البقرة
وقالَ سعيد بن المسيب: صلَّى رسولُ اللَّهِ وَ لَه نحوَ بيت المقدسِ تسعةَ عشرَ
شهرًا، ثم حُوِّتِ القبلةُ بعدَ ذلكَ قِبَلَ المسجدِ الحرامِ، قَبْلَ بدرٍ بشهرينٍ (١).
ورواه بعضُهم، عن سعيدٍ، عن سعدِ بنِ أبي وقاصٍ(٢) .
والحفاظُ يروْن، أنَّه لا يصحُّ ذكرُ: ((سعدِ بنِ أبي وقاصٍ)) فيه .
وقيلَ: عن سعيدِ بنِ المسيبِ - في هذا الحديثِ -: ستةَ عشرَ شهراً.
وكذا قالَ محمدُ بنُ كعب القرظيُّ وقتادةُ (٣) وابنُ زيد (٤)، وغيرُهُم: إنَّ
مدةَ صلاتِهِ إلى بيتِ المقدسِ كانتْ ستةَ عشرَ شهراً.
وقالَ الواقديُّ: الثبتُ عندنا أنَّ القبلةَ حُوِِّتْ إلى الكعبةِ يوم الاثنينِ،
للنصفِ من رجبٍ، على رأسِ سبعةَ عشرَ شهرًا.
وعن السُّدِّيِّ (٥)، أنَّ ذلكَ كانَ على رأسٍ ثمانيةَ عشرَ شهرًا.
وقيلَ: كانَ بعدَ خمسةَ عشرَ شهرًا ونصف.
ولا خلافَ أنَّ ذلك كانَ في السنةِ الثانيةِ منَ الهجرةِ، لكن اختلفوا في أيِّ
شهرِ كانَ؟
فقيلَ: في رجبٍ، كما تقدمَ، وحُكي ذلك عن الجمهورِ، منهم: ابن
إسحاقَ.
وقيلَ: في يومٍ الثلاثاءِ نصفَ شعبانَ، وحُكيَ عن قتادةَ، واختارَه محمدُ
(١) أخرجه مالك في ((الموطٍ)) (ص ١٣٨)، والطبري في ((التفسير)) (٣/٢)، وابن سعد (٤/٢/١).
(٢) البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣/٢).
(٣) الطبري في ((التفسير)) (٥/٢).
(٤) الطبري في ((التفسير)) (٢٠/٢).
(٥) الطبري في ((التفسير)) (١٩/٢).
١١٩
سورة البقرة
و و
913
ابنُ حبيب الهاشميّ وغيره.
وقيلَ: بل كانَ في جمادى الأولِ، وحُكيَ عن إبراهيمَ الحربيِّ، ورواه
الزهريُّ عن عبدِ الرحمنِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ كعبِ بنِ مالكٍ .
وقولُهُ: ((وكان يعجبُهُ - يعني: النبيَّ بَّهِ - أن تكونَ قبلتُه قبلَ البيتِ)) -
يعني : الكعبةَ.
هذا؛ يشهدُ له قولُ اللَّه تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلْنُوَلِيَنَّكَ
قَبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ [البقرة: ١٤٤].
وروى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قالَ:
لما هاجرَ النبيُّنَّه إلى المدينةِ، وكانَ أكثرَ أهلِهَا اليهودُ، أمرَهُ اللَّهُ أنْ يستقبلَ
بيتَ المقدسِ، ففرحتِ اليهودُ، فاستقبلَها رسولُ اللَّهِ وَّهِ بضعةَ عشرَ شهراً،
فكانَ رسولُ اللَّهِ وَالهِ يحبُّ قبلة إبراهيمَ، فكانَ يدعو وينظرُ إلى السماء،
فأنزلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ (١) الآية [البقرة: ١٤٤].
وقالَ مجاهدٌ: إنَّما كان يحبُّ أنْ يُحوَّل إلى الكعبة، لأنَّ يهودَ قالُوا:
يخالفُنا محمدٌ ويتبعُ قبلَتنا(٢).
وقالَ ابنُ زيد: لَّا نزلَ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] قالَ
رسولُ اللَّهِ وَ له: ((هؤلاء قومُ يهود يستقبلون بيتًا من بيوت اللَّهِ - لبيتِ المقدسِ - لو
أَنَّا استقبلناه))، فاستقبلَه النبيُّ نَّله ستةَ عشرَ شهرًا، فبلغَه أن اليهود تقولُ:
واللَّهِ، ما درى محمدٌ وأصحابُهُ أين قبلتُهُم حتَّى هديناهم، فكرهَ ذلك النبيُّ
وَلَه ورفعَ وجهَه إلى السماء، فنزلتْ هذه الآيةُ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي
(١) الطبري في ((التفسير)) (٢٠/٢).
(٢) الطبري في ((التفسير)) (٢/ ٢٠).
١٢٠
سورة البقرة
السَّمَاء ﴾(١)
[ البقرة : ١٤٤].
ويشهدُ لهذا: ما في حديثِ البراءِ: ((وكانتِ اليهودُ قد أعجبَهم إذْ كان
يصلِّي قِبلَ بيتِ المقدسِ وأهل الكتابِ - يعني: من غيرِ اليهودِ، وهُم
النصارَى - فلمَّا ولَّى وجهَه قبلَ البيتِ أنكرُوا ذلك)).
وقد اختلفَ الناسُ: هل كانَ النبيِّ وَّ بمكةَ قبلَ هجرتِهِ یصلِّ إلی بیتِ
المقدسِ، أو إلى الكعبة؟
فرُوي عن ابنِ عباسٍ، أَنَّه كانَ يصلِّي بمكةَ نحوَ بيتِ المقدسِ، والكعبةُ بينَ
یدیه .
خرَّجه الإمام أحمدُ (٢).
وقالَ ابنُ جُرَيج(٣): صلَّى أولَ ما صلَّى إلى الكعبة، ثم صُرِفَ إلى بيتِ
المقدس، وهو بمكةَ، فصلَّتِ الأنصارُ قبْلَ قدومِهِ وَّه إلى بيتِ المقدسِ ثلاثَ
حججٍ، وصلَّى بعد قدومِهِ ستةَ عشرَ شهرًا، ثم وجَّههُ اللَّهُ إلى البيت الحرامِ.
وقال قتادةُ (٤): صلت الأنصارُ قبلَ قدومِهِ نَِّ المدينةَ نحوَ بيتِ المقدسِ
حولینِ .
واستدلَّ من قالَ: إنَّما صلَّى النبيُّ وَّ إلى بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهراً،
أو سبعةَ عشرَ شهرًا، فدلَّ على أنَّه لم يصلِّ إليه غيرَ هذهِ المدة.
ولكن قد يقال: إنَّه إنَّما أرادَ بعدَ الهجرةِ.
(١) الطبري في ((التفسير)) (٥٠٢/١ - ٥٠٣).
(٢) أحمد في («المسند» (٣٢٥/١).
(٣) الطبري في ((التفسير)) (٥/٢).
(٤) الطبري في ((التفسير)) (٥/٢).