النص المفهرس

صفحات 161-180

والواجبُ يقال على أَوْجُه : يقال فى مُقَابَلَةِ المُمْكِنِ وهو الحاصِلُ
الَّذى إِذا قُدّرَ كَوْنُه مرتفعاً حُّصَل منه مُحالٌ، نحوُ وجُودِ الواحِد مع
وُجودِ الاثْنَيْنِ، فإِنَّه مُحالٌ أَن يرتفع الواحدُ مع حصول الاثْنين .
الثانى: يُقال فى الَّذِى إِذا لم يُفْعَلْ يُستحَقُّ[به] (١) اللَّوْمُ ،وذلك ضَرْبان:
واجبٌ من جهةِ العَقْلِ كُوُجوب معرفةِ الوَحْدانية والنُّبُوَّة ، وواجبٌ من
جهة الشَّرْع كوُجوب العِبادات المُوَظَّفة .
وقيل : الواجِبُ يُقال على وَجْهَين: أَحدُهما يُراد به اللازِمُ الوجوب،
فإِنَّه لا يصحّ أَن لا يكونَ موجوداً ، كقولنا فى الله تعالى إِنّه واجبٌ
وُجُودِه . والثانى: الواجبُ بمعنى أَنَّ حَقَّه أَنْ يُوجَدَ .
وقولُ الفُقَهاءِ : الواجِبُ الذى يستحق تارِكُه العِقابَ وصْفُ له بشىء
عارِض (٢) له، ويَجْرى مَجْرَى مَنْ يقول: الإِنسانُ الذى إِذا مَشَى مَشَى
على رِجْلَيْن .
وأَوْجَبَ الرّجلُ: إِذا عَمِلَ عَمَلاً يُوجِبُ الجنَّةَ أَو النَّار . ويُقال
للحَسَنَة والسّيِّئَة مُوجِبَةٌ. وفى الدَّعاءِ النَّبوىّ: ((اللَّهُمَّ إِنَّ أَسألك مُوجِباتٍ
رَحْمَتِك))(٣) وقيل / للنبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم ((إِن صاحِباً لنا قد أَوْجَبَ
فقال: مُرُوهُ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً)) (٤) أَى ارتكب كبيرةً وَجَبت له النَّارُ.
وفى حديثه الآخر: ((أَوْجَبَ ذوالثلاثَةِ والاثْنَين))(٥) أَى الذى أَفْرَطَ من
وَلَده ثلاثةً أَو اثنين. والكلمة المُوجِبَةُ (١) لا إِلّه إِلَّ الله.
١
٣٥٢
(١) تكملة من المفردات .
(٢) أى لابصفة لازمة له فشى الإنسان الذى مثل به من صفاته العارضة لا اللازمة لحقيقته كإنسان .
(٣) الفائق: ١٤٥/٣.
(٤) الفائق: ١٤٥/٣، ويقال: أيضاً: أو جب: إذا عمل حسنة تجب له بها الجنة من باب أقطف وأركب.
(٥) الفائق: ١٤٥/٣٠. والمراد وجبت له الجنة.
(٦) الموجبة : أى أوجبت لقائلها الجنة .
- ١٦١ -
( م ١١ - بصائر ذو التمييز )

٧ - بصيرة فى وجد
وَجَدَ مطلوبَهُ يَجِدُهُ وُجوداً، ويَجُدَه بالضمّ لغة عامريّة لانظير لها فى
باب المِثال. ووَجِدَ بكسر الجيم لغةً ، قال جرير :
أَنْأَى بحاجَتِنا وأَحْسنَ قِيلاً(١)
لَمْ أَرَ مِثْلَكِ يا أُمامَ خَلِيلاً
تَدَعُ الصّوادِىَ لاَ يَجِدْنَ غَلِيلاً
لو شِئْتِ قَدْ نَفَعَ الفؤادُ بَشْربة
قَضَّ الأَباطحِ لا يَزالُ ظَلِيلاً
بالعَذْبِ من وَصْفِ القِلاتِمَقِیلة
ووَجَدَ ضالَّته وِجْدانًا، ووَجَد عليه فى الغَضَب يَجِدُ ويَجُدُ مَوْجِدَةً
ووجْداناً أيضا، حكاها بعضهم. ووَجَدَ فى الحُزْنِ وَجْدًا. ووَجَدَ فى المال
وُجْدًا ووَجْدًا ووجْدًا وجِدَةً : استغنىَ .
وقرأَ الأَعرجُ ونافعٌ ويَحْبِىَ بن يَعْمُرَ وسَعِيد بْنُ جُبَيْرٍ وطاوُسُ وابنُ
أَبِى عَيْلَةَ وأَبو حَيْوَة وأَبو البَرَهْسَمِ ﴿ مِنْ وَجْدِكم (٢)﴾ بفتح الواو ،
وقرأَ أَبوالحَسَن رَوْحُ بنُ عبدِ المؤْمِنِ ﴿مِنْ وِجْدِ كم) بالكَسُرِ ،والباقون :
مِنْ وُجْدِكم بالضَمّ .
ووَجَدَ فى الحُبّ وَجْدًا لا غير ، قالت شاعرٌ :
فإِنَّ له مِنْ ماءِ لِينَةَ أُرْبَعا(٣)
مَنْ يُهْدِ لىِ من ماءِ نقعاءَ شَرْبَةً
(١) الديوان ( ط. الصارى) ٤٥٣.
نقع : روى . الصوادى فى الديوان : الحوائم، والصوادى : العطاش. والحوائم : اللاتى يدرن حول الماء طلبا له .
الغليل: حر العطش . الرضف: الحجارة المرصوفة . القلات : جمع قلت : نقرة فى الجبل يستنقع فيها ماء السماء . والقض :
الموضع الخصب وهو أعذب للماء وأصفى .
(٢) فى الآية ٦ سورة الطلاق. وأبو البر هسم: عمران بن عثمان الزبيدى الشامى ذو القراءات الشواذ.
(٣) الأبيات فى اللسان (وجد). ونقعاء بالنون: موضع خلف المدينة النبوية. لينة: ماء بطريق مكة. وهى
فى البيت الثانى تكنى عن تشكيها لهذا الرجل حين عنن عنها كالمطية الظالعة لا تحمل صاحبها .
- ١٦٢ -

وَجَدْنا مَطايانا بِلِينَةَ ظُلَّعًا
لقد زَادَنا وَجْدًا بنَفْعَاءَ أَنَّنا
بَكَيْتُ فلم أَتْرُكُ لِعَيْنَىَّ مَدْتَعَا
فمن مُبْلغ تِرْبَىَّ بالرَمْل أَنَّنیِ
قال أبو القاسم(١) الأَصبهانىّ: الوُجودُ أَضْرُبٌ: وُجودٌ بإِحدَى
الحواس الخمس نحو : وَجَدْتُ زيداً، وَوَجدْت طَعْمَه ورائحَتَه وصَوْتَه
وخُشونَتَه، ووجُودٌ بقوّة الشَهْوة نحو: وَجَدْتُ الشِبَعَ، ووجُودٌ بقوّةٍ
الغَضَب، كوُجودِ الحُزْنِ وَالَّخَطِ، ووجودٌ بالعَقْلِ أَو بوسَاطَةٍ (٢) العقل ،
كمَعْرفة الله تعالى ومَعْرِفة النُّبِّوة . وما نُسِب(٣) إِلى الله تعالى من الوُجودِ
فيمعنى العِلْم المجرّد إِذْ كان الله تعالى مُثَرَّها عن الوَصْف بالجَوَارح
والآلاتِ نحو قوله تعالى: ﴿وما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهم من عَهْدٍ وإِنْ وَجَدْنا
أَكْثَرَهِم لَفَاسِقِينَ﴾(٤) وكذا المعدوم يُقال على ضدّ(٥) هذه الأَوجه.
ويُعَبَّر عن التَمَكُّن من الشىءِ بالوُجود نحو: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكين
حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾(١) أَى حيث رأيتموهم .
وقوله: ﴿إِنِّى وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ (٧)﴾، وقوله: ﴿وَجَدْتُها وقَوْمَها
يَسْجُدُون للشَّمْسِ﴾(٨)، وقوله: ﴿وَوَجَدَ اللّهَ عِنْدَه فَوَفَّاه حِسَابَهَ﴾(٩) وُجودٌ
بالبَصِيرَة، وكذا قوله: ﴿وَجَدْنَا مَا وَعَدَنا ربْنَا حَقًّا﴾(١٠)
(١) هو الراغب صاحب المفردات.
(٣) فى المفردات: وما ينسب.
(٥) فى المفردات يقال على هذه الأوجه .
(٧) الآية ٢٣ سورة النمل.
وفى المفردات بعد هاتين الآيتين ، فوجود بالبصر والبصيرة فقد كان منه مشاهدة بالبصر واعتبار لحالها بالبصيرة ولولا
ذلك لم يكن له أن يحكم بقوله وجدتها وقومها الآية .
(٩) الآية ٣٩ سورة النور .
(٢) فى المفردات: بواسطة .
(٤ ) الآية ١٠٢ سورة الأعراف.
(٦) الآية ٥ سورة التوبة .
(٨) الآية ٢٤ سورة النمل .
(١٠) الآية ٤٤ سورة الأعراف.
- ١٦٣ -

وقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا(١)﴾ أَى إِن لم تَقْدِرُوا على الماءِ
وقوله ﴿ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُم من وُجْدِكَمٍ﴾(٢) أَى من تمكُّنِكُمْ وقَدْرٍ غِنا كُمْ.
وقال : بعضهم: الموجوداتُ ثلاثةُ أَضْرُب : موجود لامَبْدَأَ له
ولامُنْتَهَى، وليس ذلك إلاَّ البارِى تعالَى؛ وموجودٌ له مبدأُ ومُنْتَهِى
كالجَواهِرِ الدُّنْيَوِيّة؛ وموجودٌ له مبدأً وليس له مُنْتَهَى كالنَّاسِ فى
النَّشْأَةِ الآخِرَة .
وأَوْجَدَه اللهُ: أَغْنَاهِ، وأَوْجَدَه مَطْلُوبَه: أَظْفَرَه به. وأَوْجَدَه على
الأَمْرِ : أَكْرَهَه .
ووُجِدَ عن عَدَمٍ فهو موجُودٌ، كحُمّ فهو مَحْمُومٌ ، ولايُقال وَجَدَه الله ،
وإنَّما يقال : أَوْجَدَه الله.
(١) الآيتان : ٤٣ سورة النساء، ٦ سورة المائدة.
(٢) الآية ٦ سورة الطلاق.
- ١٦٤ -

٨ - بصيرة فى وجس ووجل
الوَجْسُ: الصَّوْتُ الخَفِىُّ /، والوَجْسُ: الهَمُّ. والوَجْسُ: الفَزَعُ
يَقَع فى القَلْبِ من صَوْتٍ وغيره . والوَجَسان : فَزَعُ القَلْبِ .
ب
٥٣ ٢
والأَّوْجَسُ: الدَّهْرُ، يُقال: لا أَفْعَلُه سَجِيسَ الأَوْجَسِ والأَوْجُسِ،
بفتح الجيم وضمّها ، أَى أَبَدًا (١). وما ذُقْتُ عنده أَوْجَسَ، أَى شيئاً من
الطَّعام . وما [فى](٢) سقائه أَوْجَسُ، أَى قَطْرَة. قال تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فى
نَفْسِه خِيفَةً﴾(٣) أَى أَحَسَّ وأَضْمَرَ فى نفسه خَوْفاً، وكذلك تَوَجَّس
بمعناه. والنَّوَجُّس أَيضاً: التَّسَمُّع إلى الصَّوْتِ الخَفِىِّ.
الوَجَلُ - مُحرَّكة -: الخَوْفُ ورَجَفان القَلْب وانْصداعه لذِكْرٍ من يُخاف
سَطْوَتُهُ وعُقوبته أَو لِرُؤْيته . وقيل : الخوفُ، والخَشْيَة، والرَّهْبة ،
والوَجَل أَلفاظُ متقارِبَة المعنى. وَجِلَ كَفَرِح ياجَلُ(٤) ويَبْجَلُ(٥) ويِيجَلُ
بكسر (٦) أَوَّلِهِ ، ويَوْجَلُ . ورجُلٌ أَوْجَلُ وَوَجِلٌ ، والجمع: وِجَالٌ وَوَجِلُونَ ،
وهى وَجِلَةٌ. قال الله تعالى ﴿ إذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾(٧) وقال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَاآتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ (٨) أَهو (٩) الذى يَسْرِق وَيَزْنِى
ويشربُ الخمر ؟ قال : لا يابنة الصّدِّيق، ولكنَّه الرجل يصوم ويُصلّى
ويتصدَّق ويخاف أَن لا يَتَقَبَّلَ اللهُ منه .
(١) قالوا: ولا يستعمل إلا فى النفى .
(٢) ما بين القوسين تكملة من التاج.
(٣) الآية ٦٧ سورة طه .
(٤) فى ا، ب يأجل مهموزا وهو تصحيف فإن الواو جعلت ألفا لفتحة ما قبلها.
(٥) قال ابن برى: فأما ييجل بفتح الياء فإن قلب الواو فيه على غير قياس صحيح.
(٦) وكذلك فيما أشبهه من باب المثال إذا كان لازما وهى لغة بنى أسد.
(٧) الآيتان: ٢ سورة الأنفال، ٣٥ سورة الحج.
(٨) الآية ٦٠ سورة المؤمنين.
(٩) هنا سقط فى ا، ب ولم تتعرض المفردات له ويمكن أن تستقيم العبارة بإضافة ما جاء فى الكشاف للزغشرى عند
تفسير هذه الآية: (( وفى قراءة عائشة ( يأتون ما أتوا) أى يفعلون ما فعلوا. وعنها أنها قالت: قلت يارسول اللّه أهو ... الخ.
- ١٦٥ -

٩ - بصيرة فى وجه
الوَجْهُ: مُسْتَقْبَلُ(١) كلِّ شيءٍ، والجمع أَوْجُهُ ووجوهُ. والوَجْهُ : نَفْسُ
الشىء، وقيل: أَصْلهُ الجارِحَة قال الله تعالَى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾(٢).
ولمّا كان الوجهُ أَوَّلَ ما يستقبلُك وأَشرفَ ما فى ظاهرِ البَدَنِ اسْتَعْمِل
فى مُسْتَقْبَل كلِّ شىءٍ وفى أَشْرَفه ومَبْدئه .
ووَجْهُ الدّهرِ : أَوَّلهُ (٣) ووَجْهُ النَّجْم: ما بَدا لَك منه. ووَجْهُ
الكلامِ : السَبِيلُ المقصودُ منه . ووَجْه القومِ : سَيِّدُهم .
والوَجْهُ والوِجْه، والوُجْه، والوجْهَةُ، والوُجْهَةُ: الجاهُ والمَنْزِلَةُ .
وقولُه تعالى: ﴿كُلُّشَىْءٍ مالِكٌ إِلَّ وَجْهَهِ﴾(٤) قيل: إِنَّ الوجه زائدٌ، والمعنى:
كلُّ شيء هالكٌ إِلَّ هو. وقولُه تعالَى:﴿ويَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلال
والإِكْرامِ﴾(٥) قيل: المعنى ذاتُه، وقيل: الوجهُ زائد، وقيل: المعنى
إِلَّ التَوَجُّه إِلى الله بالأعمال الصّالحة . ويُرْوَى أَنَّه قيل لأَبى عبد الله
الرّضا إِنَّ بعض العلماءِ يقول: الوَجْهُ زائد والمعنى كلّ شيء هالك إلاَّ هو.
فقال: سبحان الله! لقد قالوا قولاً عظيماً، إِنَّما عُنِىَ الوَجْهُ الذى
يُؤْتَى منه، ومعناه : كلّ شىءٍ من أَعمالِ العِباد هالك إلاَّ ما أُريد به
وَجْهَ الله. وعلى هذا الآياتُ الأُخَرُ. وقوله تعالى: ﴿وأَقِيمُوا وجُوهَكم عند
:
(١) فى ا، ب ((فيه)) والتصويب من المفردات.
(٢) الآية ٦ سورة المائدة.
(٣) ومنه جئتك بوجه نهار وعليه فسر قوله تعالى (آمنوا بالذى أنزل على الذين آمنوا وجه النهار وأكفروا آخره).
(٤) الآية ٨٨ سورة القصص.
(٥) الآية ٢٧ سورة الرحمن .
- ١٦٦ -

كلِّ مَسْجِدٍ﴾(١) قيل: أَراد به الجارِحَةَ واستعارَها كقولك: فعلتُ هذا
بِيَدِى. وقيل: أَراد بالإِقامَةِ تَحَرِّىَ الاستقامة، وبالوَجْه التَّوَجُّهَ،
والمعنى: أَخْلِصُوا العبادةَ لُّ فى الصّلاةِ. وقوله تعالى: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ الله﴾(٢)
وأَخواتُه من نحو: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِىَ﴾(٣)، الوَجْهُ فى كلّ ذلك كما تقدّم
أَو على الاستعارة للمَذْهب والطريق .
ويقال : واجَهْتُ فلانًا، أَى جعلت وَجْهِىَ تلقاءَ وَجْهه .
ووَجَهَهُ : ضَرَبَ وَجْهَه فهو مَوْجُوهُ .
ووَجَّهَه تَوْجِيهًا: أرسلَه، وشَرَّفه كأَوْجَهَه. والمطَرَةُ الأَرضَ:
صَيَرَتْها وَجْهاً واحداً .
وقمتُ وَجاهَه وتُجاهَه مثلَّثين، أَى تلْقَاءَ وَجْهِهِ، وتَوَاجَها : تَقابَلاً.
والمُوَجَّهُ كمعظَّم : ذُو الجاهِ .
وتَوَجَّهُ: أَقْبَلَ؛ والشيخُ: وَلَّ وأَدْبَرَ، وكَبِرَ؛ والعُمُرُ: تَوَلَّى؛
والجَيْشُ : انْهَزَم .
والوَجِيه /: ذو الجاه، والجمع: وُجَهَاءُ، قال تعالى: ﴿وَجِيهاً فى الدُّنْيا
والآخِرَةِ﴾(٤)، وقال تعالى:﴿ وكانَ عِنْدَ الله وَجِيهًا (٥) ﴾. وأَوْجَهَهُ : صادَفَه
وَجِيهًا، وجعله وَجِيهاً . ووَجَّهْتُ: تَوجَّهْتُ(٦).
٣٥٣
وَوَجَهْتُكَ عند الناسِ أَجِهُكَ : صرتُ أَوْجَهَ منك .
والجِهَةُ والجُهَةُ، بالكسر والضمّ(٧)، [و] الوَجْهُ: الجانبُ والناحية،
والجمع جِهاتٌ (٨) .
(١) الآية ٢٩ سورة الأعراف.
(٣) الآية ٧٩ سورة الأنعام.
(٢) الآية ٢٠ سورة آل عمران.
(٤) الآية ٤٥ سورة آل عمران.
(٥) الآية ٦٩ سورة الأحزاب.
(٦) فى القاموس: وجهت إليك توجيها: توجهت وفى التاج: كلاهما يقال مثل قولك بين وتبين غير أن قولك وجهت
إليك على معنى وليت وجهى إليك والتوجه الفعل اللازم .
(٧) كذلك الفتح أيضا فهى، مثلثة .
(٨) هو جمع جهة، أما الوجه فجمعه كما تقدم: وجوه.
- ١٦٧ -

١٠ - بصيرة فى وجف
وَجَفَ الشىءُ: اضْطَرَبَ ، قال الله تعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذ واحِفَةٌ (١))
قال الزَّجَّاج: أَى شديدةُ الاضْطرابِ، فهو يَجِفُ وَجْفاً ووَجِيفاً
ووُجُوفاً .
والوَجْفُ وَالوَجِيفُ: ضَرْبٌ من سَيْرِ الخَيْلِ والإِبل ، قال العجّاج:
ناجٍ طَواه الأَيْنُ مِمَّ وَجَها(٢)
وأَوْجَفَها صاحبَها . قال الله تعالى: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ
ولارٍ كابٍ (٣)﴾، أَى ما أَعْمَلْم .
وقال الأَزهرىّ: اسْتَوْجَف الحُبّفؤادَه: إِذا ذَهَب به ، وأَنشد لاً بِى نُخَيْلَةَ :
ولَكِنّ هذَا القَلْبَ قَلْبٌ مُضَلَّلٌ هَفاهَفْوَةً فاسْتَوْجَفَتْهِ المَقادرُ (٤)
ويُرْوَى بالخاءِ المعجمة ، والمعنَى واحدٌ .
(١) الآية ٨ سورة النازعات.
(٢) ديوان العجاح: ٨٤ (ق / ٣٥: ٦٧). ناج: سريع ينجو بمن يركبه .
(٤) البيت فى اللسان ( وجف ).
(٣) الآية ٦ سورة الحشر.
- ١٦٨ -

١١ - بصيرة فى وحد
الوَحْدَةُ: الانْفِرادُ. والواحِدُ: أَوَّلُ العَدَدِ، والجمع: وُحْدان وأُحْدَانِ ،
ويُرْوَى بالوجهين بيت قُرَيْط بن أُنَيْف العَنْبَرِىّ:
قَوْمٌ إِذا الشَرِّ أَبْدَى ناجِذَيْه لهم
طارُوا إِليه زُرافاتٍ ووُحْدانا(١)
مثلُ شابٌ وشُبَّان، ورَاعِ ورُعْيان. قال الغرّاءُ: أَنتم حَىٌّ واحِدُون(٢)،
يقال منه: وَحِدَ(٣) يَحِدُ وُجُودًاً ووُحُودَةً وَوَحْدَاً ووُحْدَةً وحِدَةً. وقوله تعالى
﴿إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِواحِدَةَ(٤)﴾ أَى بخصلة واحدة، وهى هذه: ﴿ أَنْ تَقُوموا
الله مَثْنَى وفُرَادَى(٥) ﴾، وقيل: معناه أَعِظُكم بَوحْدَانيّة الله تعالَى، أَى بأَن
تُوَجِّدوا الله. وقولُه تعالى. ﴿ لْتُنّ كَأَحَدٍ من النِّساءِ(٦) ) ولم يَقُل كواحدة
لأَنّ أَحداً نَفْىٌ عامٌّ للمذكّر والمؤَنَّث ، والواحد والجمع .
ومن صفات الله تعالَى الواحدُ الأَحَدُ . قال الأَزهرىّ : الفرقُ بينهما
أَنَّ الأَحدَ بُنِىَ لنَفْىِ مايُذْكَر معه من العَدَد ؛ والواحد مُفْتَتَحِ العَدَد ،
تقول: ما أَتانى منهم [ أَحَدّ (٧)] وجاءَنى منهمٍ واحدًا. والواحِدُ بُنِى على
انْقطاع النَّظِير وعَوَزِ المِثْلِ.
(١) ديوان الحماسة لأبى تمام ج ٣/١.
الناجذ : ضرس الحلم . وللإنسان أربعة نواجذ- زرافات: جماعات. يريد أنهم لحرصهم على القتال لا ينتظر بعضهم بعضا،
(٢) كما يقال : شرذمة قليلون ..
بل يسرعون إلى الحرب مجتمعين ومتفرقين .
(٣) فى القاموس: كعلم وكرم. وفى التاج: ولو وزنه بورث لكان أقرب للصناعة وأجرى على قواعده . وفى اللسان
عن اللحيانى: ((يقال: وَحِدَ فلان يَوْحَدُ أى بقى وحده)). فلعل تنظيره بعلم ينظر إلى هذا المضارع . وعبارة المصباح: وحد
يحد حدة من باب وعد : انفرد بنفسه فهو وحد بفتحتين ، وكسر الحاء لغة . ووحد بالضم وحادة ووحدة فهو وحيد كذلك .
(٦) الآية ٣٢ سورة الأحزاب .
( ٤و٥ ) الآية ٤٦ سورة سبأ .
(٧) تكملة من اللسان يقتضيها السياق. وعبارة اللسان: « وأحد يصلح فى الكلام فى موضع الجحود ، وواحد فى موضع
الإثبات ، يقال : ما أتانى منهم أحد، فمعناه : لا واحد أتانى ولا اثنان: وإذا قلت جامنى منهم واحد فمعناه أنه لم يأتنى
منهم اثنان فهذا حد الأحد مالم يضف ، فإذا أضيف قرب من معنى الواحد ، وذلك أنك تقول : قال أحد الثلاثة كذا وكذا .
وأنت تريد واحدا من الثلاثة)) ومن هذا يتبين ما فى اختصار المصنف لعبارة الأزهرى .
- ١٦٩ -

وقولهم: رأيته وَحْدَه منصوبٌ عند أَهلِ الكوفة(١) على الظَّرُف، وعند
أهل البصرة على المصدر فى كلّ حال ، كأنك قلت أَوْحَدْتُه برؤيتى
إيحادًا، أَى لم أَرَ غيره ، ثم وَضَعْت وَحْدَه موضع(٢) هذا. وقال أبو العباس:
يحتمل وَجْهاً آخر وهو أن يكون الرجلُ فى نفسه منفرداً كأَنَّك قلتَ
رأيت رجلاً منفرداً ثمّ وضعت وحده موضعه . وقال بعض البصريِّين
هو منصوب على الحال . قال ابن الأعرابيّ: يقال جَلَس على وَحْدِهِ (٣)
وَجَلَسَا على وَحْدِهما، وجَلَسَا على وَحْدَيْهما(٤) كما يقال جَلَس وَحْدَه
وَجَلَسَا وَحْدَهُما .
ورجلٌ وَحَدٌ ، وَوَحِدٌ ، وَوَحِيدٌ : مُنفرِدٌ .
والوَحْدَانِيَّةُ : الفَرْدائِيَّة .
ووَحِدَ الرّجلُ - بالكسر - ووَحُد - بالضمّ -، أَى بقى وَحْدَه. وأَوْحَدْتُه
برؤيتى ، أَى لم أَر غَيرَه .
وقال أبو القاسم الرّاغب : [الواحِد(٥) ] فى الحقيقة هو الشىء الَّذى
لاجُزْءٍ له البنَّة، ثمَّ يُطْلق على كلِّ موجودٍ ، حتَّى إِنَّه ما من عَدَد إِلاَّ
ويَصحّ وصفُه به ، فيقال : عشرةٌ واحدةٌ(٦)، ومائةٌ واحدةٌ . فالواحد لفظ
مُشْتَرِكٌ يُستعمل على سِتَّة أَوجه :
(١) وهو مذهب يونس أيضا فليس بمختص بالكوفيين.
(٢) فى اللسان : هذا الموضع.
(٣) جعل وحده أسما ومكنه .
(٤) وجلسا على وحديهما : ليس فى ب، وهى عبارة ابن الأعرابى الواردة فى اللسان.
(٥) ما بين القوسين تكملة من المفردات .
(٦) فى المفردات: وألف واحد.
- ١٧٠ -

الأَوّل: ما كان واحداً فى الجنْس أَو فى النَّوْعِ كقولنا : الإِنسان
والفَرَسُ واحدٌ فى الجنس، وَزَيْدٌ / وعَمْرُو واحدٌ فى النَّوْعِ.
ب
٣٥٣
الثَّانِى : ما كان واحداً بالاتّصال إِمّا من حَيْثُ الخِلْقَةُ ، كقولك :
شخصٌ واحدٌ ، وإمّا من حيثُ الصّناعةُ كقولك : حرفةٌ واحدةٌ .
الثالث: ما كان واحدًا لِعَدَم نَظيره، إِمّا فى الخلْقَة كقولك : الشمسُ
واحدة، وإِمّا فى دَعْوَى الفضيلة، كقولك: فلانٌ واحِدُ دَهْرِهِ، وكَقْولِك
نَسِيجُ وَحْدِه(١).
الرابعُ : ما كان واحداً لامْتِناعِ التَجَزِّى(٢) فيه إِمّا لصِغَره كالهَبَاءِ،
وإِمّا لصَلابَته كالأَلْماس .
الخامس: للمبدإِ(٣)، إِمّا لِمَبْدَإِ العَدَدِ كقولك واحدٌ اثْنان، وإِمَّا لمبدإِ
الخَطّ كقولك : النُقطةُ الواحدةُ ، والوَحْدَة فى كُلِّها عارِضَةٌ (٤)
وإِذا وُصف الله عزَّ وجلّ بالواحِد فمعناهُ هو الذى لايصحّ عليه
التَجَزِّى ولا التَكَثَّر، ولصُعُوبة هذه الوَحْدَة قال الله تعالى: ﴿وإِذا ذُكرَ اللهُ
وَحْدَه اشْمَأَزَّت) الآية (٥) .
والتَّوحيد الحقيقىّ الَّذى هو سببُ النَّجاة ومادَّة السّعادة فى الدّار
الآخرة مابيَّنه الله تعالى وهَدانا إِليه فى كتابه العزيز بقوله: { شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إِلَّهَ
إِلَّا هُو والمَلائِكَةُ وأُولُو الِعِلْمِ قائماً بالقِسْطِ لا إِلَّهَ إِلَّا هُو العَزِيزِ الحَكيم
(١) نسيج وحده: لا ثانى له، وأصله الثوب لا يسدى على سداء لرقة غيره من الثياب وهو مدح، وقيل: الرجل
المصيب الرأى .
(٢) التجزى: يريد التجزىء، أى جعل الشىء أجزاء متميزة.
(٣) للمبدأ، أى ما كان واحدا للمبدأ. (٤) قد أسقط ذكر السادس فلعله سقط من الناسخ.
(٥) الآية ٤٥ سورة الزمر وتمام الآية (اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم
يستبشرون ).
- ١٧١ -

إن الدِّينِ عِنْدَ اللهِ الإِسلام(١)))، والقوم (٢) دائرون فى تفسيره(٣) بين حَكَمَ
وقَضَى، وأَخْبَر وأَعْلَم، وبَيَّنَ وعَرَفَ .
والتَّوْحِيدُ تَوْحِيدان : تَوْحِيد الرُّبوبيّةِ، وتَوْحيد الإِلَهِيّةِ، فصاحبُ
توحيد الرُّبوبيّة (٤) يشهد قَيُّومِيَّة الربّ فوقَ عَرْشه یدبِّر أَمَر عِباده وَحْدَه،
فلا خالِقَ ولارازق ولامُعْطِئَ ولامانعَ ولائُميت ولامُحْيِىَ ولامُدَبِّر لِأَمٍ
المملكة ظاهراً وباطناً غيرُهُ، فما شاءَ كان ، وما لم يشأ لم يكن ،
ولا تتحرّك ذَرّةٌ إِلَّ بإِذنِه، ولايجرِى حادثٌ إِلَّ بمشيئته، ولا تسقُط(٥)
ورقةٌ إِلَّ بِعِلْمِه، ولا يَغْزُب عنه مِثْقَالُ ذَرَّةً فى السَّمَاوت ولافى الأَرْضِ
ولا أَصْغَرُ مِن ذلك ولا أَكبَرَ (٦) إِلَّ وقد أَحصاها عِلْمُهُ وأَحَاطَتْ بها قُدْرَتُه،
ونَفَذت فیھا مشيئته ، واقتضتھا حِكْمَتُه ..
السن
وأَمّا توحيدُ الإِلهية فهو أَن يجمع هَمَّهُ وقلبَهُ وعَزْمَه وإرادتَه وحر كاتِه
على أَداءِ حقُّه والقيام بعُبودِيَّتِهِ، وأَنشد صاحبُ المنازل أَبياناً ثلاثة
ختم بها كتابه ولا أَدرِى هل هى له أَو لغيره :
إذا كُلُّ مَنْ وَحَّدَهُ جاحدُ
ماوَحَّدَ الواحِدَّ مِنْ وَاحِد
عارِيَّةٌ أَبْطَلَها الواحِدُ
تَوْحِيدُ من ينطق عن نعته(٧)
ونَعْتُ من يَنْعَتُهُ لاحِدُ
تَوْحِيدُهُ إِيَّاهُ تَوْحِيدُه
وظاهر معناه أَنَّ ما وحَّد اللهَ عزَّ وجلَّ أَحدُ سواهُ ، وكلّ من أَحَّدَه
(١) الآيتان ١٨، ١٩ سورة آل عمران.
(٢) القوم: يريد الصوفية وأهل السلوك .
(٤) فى التاج : الربانية .
(٣) الضمير عائد على التوحيد .
(٥) اقتباس قرآ نى، وإشارة إلى قوله تعالى: (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها) الآية ٥٩ سورة الأنعام.
(٦) اقتباس من الآية ٣ سورة سبأ ..
(٧) نعته: فى التاج : نفسه ( تصحيف).
- ١٧٢ -

فهو جاحِدٌ لحقيقة تَوْحِيده، فإِنَّ توحيدَه يتضمّن شُهودَ ذاتِ المُوَحّد
وفِعْله ، وما قام به من التوحيد وشُهودٍ ذات الواحِد وانفرادِه ، وتلك
بخلاف تَوْحيده لنَفْسه ،فإِنَّه يكون هو الموحِّد والموحَّد ، والتَّوحيد صِفَتُه
وكلاُمُه القائم، فما ثَمّ غيره فلا اثنينيّة ولاتعدّد. وأَيضاً فمَنْ وَحَّده
من خَلْقه فلا بدّ أَنْ يصفَه بصفة، وذلك يتضمّن جَحْدَ حَقِّه الذى
هو عدم انحصارِه تحت الأوصاف ، فمَنْ وصفَ فقد جَحد إِطْلاقَه
من قُيود الصّفات . وقوله :
عاريّة أَبطلها الواحدُ
توحید مَنْ ینطق عن نَعْته(١)
يعنى توحيد الناطقين عنه عاريّة مردودة ، كما تُستردُّ العَوارِى،
إِشارة إِلى أَنَّ توحيدهم ليس مِلْكاً لهم ، بل الحقَّ أَعارهم إيّاه كما يُعِير
المعيرُ متاعَه لغيره ينتفع به . وقوله : أَبطلها الواحد ، أَى الواحد / المطلق
من كلّ الوجُوه وَحْدَتُه يُبطل هذه العارة(٢). وقوله:
تَوْحِيدُه إِيّه تَوْحِيدُه
٣٥٤
يعنى توحيدُه الحقيقىّ هو تَوْحِيدُ لِنَفْسه بَنفْسه من غير أَثَرٍ للسّوَى
بوجه ، بل لا سِوَى هناك . وقوله :
ونَعْتُ مَنْ يَنْعَتُهُ لاحِدُ
أَى نعتُ الناعت له إِلْحاد، أَى عدولٌ عمّا يستحقُّه من كَمال
التوحيد ، فإِنَّه أَسند إلى نزاهة الحَقِّ مالا يليق إِسناده .
وحاصل كلامه ، وأَحسن ما يحمل عليه : أَنَّ الفَناءَ فى شُهود الأَزليّة
(١) فى ا، ب: نفسه، والتصويب مما سبق.
(٢) العارة: العارية: اسم من الإعارة: يقال أعرته الشىء إعارة وعارة.
- ١٧٣ -

والحُكم يَمْحُو(١) شُهودَ العبد لنفسه وصفاته فضلاً عن شهود غيره ، فلا
يشهدُ موجوداً فاعلاً على الحقيقة إِلَّ الله وحده ، وفى هذا الشهود
تفنى الرّسوم كلَّها ، فيمحق هذا الشهودُ من القلب كلَّ ماسوى الحقِّ،
إِلاَّ أَنَّه بمحقه من الوجود، وحينئذ(٢) يشهد أَنَّ التوحيدَ الحقيقىّ غيرَ
المستعارِ هو توحيد الربّ تعالى نفسه ، وتوحيد غيره له عاريّة محضة
أَعاره إياها مالك الملوك، والعوارِىُّ مردودة إِلى من تُرَدّ إليه الأُمور
كلَّها ، ﴿ثمّ رُدُّوا إِلى الله مَوْلاهُمُ الحَقِّ(٣)﴾. قال العارفُ عبد الله بن المعمار:
ويُعْرِفَ الواحدُ النَّاشِى بِهِ العَددُ
السِرُّ أَنْ تُنْظُرَ الأَشياءُ أَجْمَعُها
وفَوْقَ ذاكَ مقامٌ إِسْمُهُ الأَحَدُ
فذاكَ تَوْحِيدُه فى واحِدِيَّتِه
(١) فى ١: «يمحق»، وما أثبت من ب، وتاج العروس.
(٢) فى!، (حَ) وهى علامة اختصار للقدماء.
(٣) الآية ٦٢ سورة الأنعام.
- ١٧٤ -

١٢ - بصيرة فى وحش
الوَحْشُ(١) والوَحِيشُ واحد، قالْ أَبو النَّجْم :
قَفْراً وآجَالُ الوَحِيشِ غَمُه(٢)
أَمْسَى يَبابًا والنَّعامُ نَعَمُهْ
وقيل: وَحْشٌ ووَحِيشٌ كَضَأَنٍ وضَئين، ومَعْز ومَعِيز، وكَّلْب
وكَلِيب ، والجمع : الوُحوشُ والوُحْشانُ. وقيل: واحدُ الوَحْش وَحْشِىْ ،
كزَنْجِ وزَنْجِىّ، ورُومٍ ورومىّ، وهو حَيوانُ البَرِّ ، قال النابغةُ الدّبيانيّ :
طاوِى المَصِير كسَيْفِ الصَّيْقَلِ الفرد(٣)
مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ موشىّ أَ كارِعُهُ
وقال الله تعالى: ﴿ وإِذَا الوُحُوشُ حُشِرَتْ (٤) ﴾
والمكان الذى لاإِنْسَ فيه: وَحْشٌ. [و] بَلَدٌ وَحْشٌ، أَى قَفْرٌ.
ولَقِيتُهُ بَوْحْشِ إِصْمِتْ(٥)، أَى ببلدٍ قَفْرٍ، ورجلٌ وَحْشانُ: مُغْتَمَّ :
والجمع: وَحاشَى كسَكْران وسَكارى(٢)، ومنه الحديث: ((لاتَحْقِرَنَّ شيئاً
ولَوْ أَنْ تُؤْنِسَ الوَحْشان(٧) )).
(١) الوحش: كل شىء من دواب البر مما لا يستأنس.
(٢) البيت فى اللسان وحش .
(٣) الدبوان (ط. السعادة): ٢٦. وجرة: مكان بين مكة والبصرة ليس فيها منزل مرب الوحوش. موشى
أكارعه : أبيض فى قوائمه نقط سود - طاوى المصير : يريد ضامر البطن. الصيقل : الذى يجلو السيوف ويشحذها -
الفرد : الوحيد لا مثيل له .
(٤ ) الآية ٥ سورة التكوير .
(٥) إصمت : قال ياقوت فى معجم البلدان: إصمت بالكسر لبرية بعينها، وقال بعضهم: العلم هو وحش إصمت
الكلمتان معا ، واختلف فى إصمت أمنقول هو أم مرتجل ، وعلل بعضهم تسمية هذه الصحراء بهذا الفعل للغلبة لكثرة ما يقول
سالكها لصاحبه اصمت لئلا تسمع فتهلك لشدة الخوف بها .
(٦) تنظيره بسكارى يفيد أنه يجوز فيه الفتح والضم.
(٧) ورد هذا الحديث برواية: (( لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق)) وأخرجه الإمام أحمد فى
مسنده ومسلم، والترمذى عن أبى ذر كما فى ( الفتح الكبير ) ، وما هنا رواية النهاية لابن الأثير .
- ١٧٥ -

وأَوْحَشْتُ الأَرضَ وجدتُها وَحِشَةً .
وأَوْحَشَ: جاعَ أَو نَفِدَ زادُه .
ووَخَّش(١) تَوْحيشا: رَفَى بِثَوْبِه وسلاحِه مخافة أَنْ يُلَحْقَ ،مثل وَحَشَ
وَحْشًا. وكان بين الأَّوْسِ والخَزْرَجِ قِتالٌ فجاءَ النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم .
،
فلما رآهم نادَى: ﴿ يا أَيُّهَا الَّذين آمَنُوا اتَّقُوا اللّه حَقَّ تُقَاتِهِ(٢)﴾ حتَّى
فرغَ من الآيات ، (فَوَحَّثُوا بأَسْلِحَتِهِم واعْتَنَق بعضُهم بعضاً))(٣) .
(١) الذى فى القاموس: وحش به، وعبارته: وحش بثوبه، كوعد: رمى به مخافة أن يدرك كوحش به (مشددا).
(٢) الآية ١٠٢ سورة آل عمران.
(٣) الحديث ورد سياق قصته فى الكشاف عند تفسير قوله تعالى ( اتقوا الله حق تقاته ) من سورة آل عمران وعلق
عليه ابن حجر العسقلانى فى الكافى فقال : أخرجه الطبرى عن يونس بن عبدالأعلى عن ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم
عن أبيه ، وذكره الثعلبى والواحدى فى أسبابه عن زيد بن أسلم بغير إسناد .
- ١٧٦ -

١٣ - بصيرة فى وحى
الوَحْىُ : ما يقعُ به الإِشارةُ القائمة مقامَ العِبارة من غير عبارَة ،
فإِنَّ العِبارةَ يجوزُ منها إلى المعنى المقصودِ بها، ولذا سُمِيّت عِبارةً، بخلاف
الإِشارة الَّتى هى الوحى فإِنها ذاتُ المُشار إليه ، والوَحْىُ هو المفهوم
الأَوّل، والإِفهام الأَوّل، ولاتعجب من أن يكون عين الفهم عين
الإِفهام عين المفهوم منه ، فإِن لم تحصل لك هذه النكتة فلست بصاحبٍ
وَحْىٍ ، أَلا تَرى أَنَّ الوَحْىَ هو السُّرْعة، ولاُسُرْعَة أَسْرَعُ مّما ذكرنا .
فهذا الضَّرب من الكلام يُسمَّى وَحْيًا ، ولما كان بهذه المثابة وأَنَّه تَجَلّ
ذاتىٌّ ، لهذا ورد فى الحديث الذى رَواه ابن حبّان فى صحيحه وغيره
(( أَنَّ اله إِذا تَكَلَّم بالوَحْىٍ سَمع أَهلُ السّماءِ صَلْصَلَةً كَجَرِّ / السِلْسِلَة على
الصّفاة فَيَصْعَقُون، فلا يزالون كذلك حَتَّى يأتيَهم جبريل ، فإِذا
جاءَهم فُزِّع(١) عن قُلُوبِهِم فيقولون: ياجبريل ماذا قال رَبُّك فيقولُ :
الحَقّ ، فيُنادُون الحقَّ وهو العَلِّ الكبير(٢))) [وما سَأَلَت الملائكة(٣) ] عن
هذه الحقيقة [وإِنما عن] السبب من حيث هُوِيَّته .
ب
٣٥٤
فالوحى : ما يسرع أثره من كلام الحق فى نفس السّامع ، ولا يَعْرف
هذا إِلا العارِفُون بالشؤون الإِلهِيّةِ فإِنَّها عَيْنُ الوحى الإِلّهِىّ فى العالَم وهم
لا يشعرون . فافْهَمْ .
(١) فزع عن قلوبهم : كشف عنهم الخوف .
(٢) ورد الحديث فى إرشاد السارى القسطلانى
١٦٧/١ وقد أورده من طرق عدة وبألفاظ تزيد وتنقص وكلها متقاربة المعنى.
(٣) ما بين القوسين تكملة من اللسان (فزع) والعبارة هنا مضطربة فى كلتا النسختين، واستوحينا تصويبها من اللسان
وإرشاد السارى .
- ١٧٧ -
(م ١٢ - بصائر ذوى التمييز)

وقد يكون الوَحْىُ إِسراع الروح الإِلهىّ بالإيمان بما يقع به الإِخبار
والمفطور عليه كلَّ شيء مما لاكَسْبَ فيه من الوحى أَيضاً ، كالمولود
يَلْتَقِمُ ثَدْىَ أُمّه، ذلك من أَثر الوحى الإلهىّ إِليه كما قال: ﴿ونَحْنُ أَقْرَبُ
إليه مِنْكُمْ ولكن لاتُبْصِرُون (١)﴾، ﴿ولا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِى سَبِيلٍ اله أَمْوات
بَلْ أَحْياءُ ولكن لا تَشْعرون(٢)﴾. وقال تعالى: ﴿ وَأَوْحَى رَبُّك إلى النَّخْلِ
أَنْ اتَّخِذِى من الجِبالِ بُيوتًا ومن الشَّجَرِ ومِمّا يَعْرِشُون(٣)﴾ فلولا أنَّها(٤)
فَهِمَت من اللّه وَحْيَه لما صَدَر منها ما صَدَر ، ولهذا لا تُتَصوّر معه المخالفةُ
إذا كان الكلامُ وَحْيًّا ، فإِن سلطانَه أَقْوَى مِن أَن يُقَاوَم، ﴿ وَأَوْحَيْنا إلى
أُمِّ مُوسَى أَن أَرْضِعِيه فإذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيِه فى اليَمِّ(٥)﴾﴾، ولذا فَعَلَت ولم
تخالف ، والحالة تُؤْذن بالهَلاك ولم تُخالِفِ ولا تَرَدَّت، ولا حَكَمت
عليها البَشَرِيَّة بأن هذا من أَخطر الأَشياءِ ، فدلَّ على أَنَّ الوحِىَ أَقْوَى
سلطاناً فى نفس المُوحَى إِليه من طبْعه الذى هو عين نَفْسِه ، قال تعالى:
﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيه من حَبْلِ الوَرِيد(٦)﴾ وحَبْلُ الوَرِيد من ذاتِهِ . فإِذا
زعمت ياوَلِيِّ بأَنَّ الله أَوحَى إِليك فانظر نَفْسك فى التردُّد والمُخالَفةِ ،
فإِن وجدت لذلك أَثر تَدْبِيرٍ أَوْ تَفْضِيلٍ أَو تَفكُّرٍ فلستَ بصاحبٍ وَحْىٍ ،
فإن حكم عليك وأَعماكَ وأَصَمَّك وحال بَيْنَكَ وبين فِكْرِك وَتَدْبِيرك وأَمضى
حكمَهُ فيك، فذلك هو الوَحْى ، وأَنت عند ذلك صاحب وَحْى ،
(١) الآية ٨٥ سورة الواقعة .
(٣) الآية ٦٨ سورة النحل.
(٥) الآية ٧ سورة القصص .
ومن هذه الآية إلى ماقبل بصيرة ( وزن ) سقط من نسخة ب .
(٢) الآية ١٥٤ سورة البقرة.
(٤) فى ا، ب: ما وما أثبت أوضح.
(٦) الآية ١٦ سورة ق .
!
- ١٧٨ -

وعَلِمْتَ عند ذلك أَنَّ رِفْعَتك وعُلُوَّ مرتبتك أَنْ تَلْحَقَ من يقول إِنَّه
دونك من حيوان أو نبات أَو جماد ، فإن كلّ شىءٍ مفطورٌ على العِلْم بالله
إِلَّ مجموع الإِنس والجانٌّ، فإِنَّه من حيث تَفْصِيلُه مُنْطوٍ على العلم
بالله كسائر ماسواهُما من المخلوقات من مَلَكِ وحيوان ونبات وجَماد ،
فما من شىءٍ فيه من شَعْرٍ وجِلْدٍ ولَحْم وعَصَبٍ ودَمٍ ورُوح ونَفَسٍ وظُفُرٍ
ونابٍ إِلاَّ وهو عالم بالله، حتَّى ينظر ويفكِّر ويرجع إلى نفسه فيَعْلَم
أَنَّ له صانعًا صَنَعه وخالِقاً خَلَقَه ، فلو أَسمعه الله نُطْقَ جِلْدِهِ أَو يَدِهِ
أَو لِسانِهِ أَو عَيْنِهِ لَسَمِعه ناطقاً بمعرفته بربّه، مُسَبِّحاً لجلالهِ، مُقَدِّسا
لِجَماله ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهم (١)﴾ الآية {الْيَوْمَ نَخْتِمُ على أَقْواهِهِم
وتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِم وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهم(٢)﴾، ﴿وقالُوا لِجُلودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ
عَلَيْنَا (٣)﴾. فالإِنسان من حيث تَفْصِيلُه عالمٌ بالله، ومن حيث جُمْلَتُه
جاهِلٌ بالله حتَّى يتعَلَّم ، أَى يَعْلَم بما فى تَفْصِيله ، فهو العالم الجاهلُ
﴿فِلإِ تَعْلَمُ نَفْسُ ما أُخْفِىَ لَهُمْ من قُرَّةٍ أَعْيُنْ (٤)﴾
قال أبو القاسم الأَصْفهانىّ : الوَحْىُ: الإِشارَةُ السَّرِيعة، ولِتَضَمُّن
السُّرْعَة قيل: أَمْرٌ وَحِىُّ(٥)، وذلك يكونُ بالكلام على سَبيل الرْزِ(٦)
أَو التَعْرِيض(٧). وقد يكون بصَوْت مُجَرَّد عن التركيب، وبإشارة ببعضٍ
الجوارح وبالكتابة ، وقد حُمِلَ علی کل ذلك قولُه / تعالی: (فأُوْحَى إِلیھم
١
٣٥٥
(١) الآية ٢٤ سورة النور .
(٢) الآية ٦٥ سورة يس.
(٤) الآية ١٧ سورة السجدة .
(٣) الآية ٢١ سورة فصلت .
(٥) وحى : سريع .
(٦) الرمز: الصوت الخفى أو الإشارة بالشفة. (٧) التعريض: خلاف التصريح وهو تورية فى القول ولحن بالكلام.
- ١٧٩ -
:

أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا (١)﴾ فقد قيل: رَمَزَ وقيل: أَشارَ(٢)، وقيل:
كَتَبَ. وحُمِلَ على هذه الوجوه أيضاً قولُه تعالى: ﴿ يُوحِى بعضُهُم إلى بَعْضِ
زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورً(٣)﴾، وقوله: ﴿وإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائهم(٤)﴾
فذلك بالوَسْواس المشار إليه بقوله: ﴿مِنْ شَرِّ الوَسْواسِ الخَنَّاس(٥)﴾
وبقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((إِنَّ الشَّيْطان لَمَّةً)) الحديث.
ويُقالُ للكلمة الإِلّهِيّةِ الَّى تُلْقَى [إلى] أَنْبِيائه وأَوْلِيائه وَحْىٌ،
وذلك أَضْرُبٌ حَسْبَ مادلَّ عليه قوله تعالى: ﴿ وَمَا كان لِبَشَر أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ
إِلَّ وَحْيَا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجَابٍ أَوْيُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِىَ بإِذْنِهِ ما يَشاءُ(٦)﴾
وذلك إمّا برَسُولٍ مشاهَدٍ تُرَى ذاتُه ويُسْمَعُ كلامُهُ كتَبْلِيغ جبريل عليه
السّلامُ للنبىِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فى صُورةٍ مُعَيِّنة، وإمّا بسَماع كلامٍ من
غير مُعايَنَةٍ كسَماع مُوسَى عليه السّلام كلامَ اللهِ تعالى، وإِمّا بإلقاءِ
فى الرُّوْعِ(٢) كما ذَكَرَ صلَّى الله عليه وسلّم: ((إِنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ فِى رُوْعِ(٨)،
وإِمّا بإِلْهامٍ نحو قوله تعالى: ﴿ وأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيه(٩))،
وإمَّا بتَسْخِير نحو قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلى النَّحْلِ(١٠)﴾، وإمّا بمَنامٍ
كما قال صلَّى الله عليه وسلم: (( لم يَبْقَ من النُّبُوَّة إِلاَّ المُبِّرات (١١)). فالإِلهام
(١) الآية ١١ سورة مريم.
(٢) فى او المفردات: اعتبار وهو تصحيف لما أثبتناه .
(٤) الآية ١٢١ سورة الأنعام .
(٦) الآية ٥١ سورة الشورى .
(٧) الروع ( بالضم) : القلب أو النفس.
(٩) الآية ٧ سورة القصص .
(٣) الآية ١١٢ سورة الأنعام.
(٥) الآية ٤ سورة الناس .
(٨) رواه أبو نعيم في الحلية عن أبى أمامة ( الفتح الكبير)
(١٠) الآية ٦٨ سورة النحل .
(١١) فى المفردات: ((انقطع الوحى وبقيت المبشرات رؤيا المؤمن)). والحديث أخرجه الإمام أحمد ومسلم
وأبو داود وابن ماجه عن ابن عباس كما فى الفتح الكبير وأول الحديث: « أيها الناس لم يبق من مبشرات النبوة ... ».
- ١٨٠ -