النص المفهرس

صفحات 401-420

والجِنْح- بالكسر -: قطعة من اللَّيل مظلمة لأَنَّها جانب منه. وفى الحديث.
((إِنَّ الملائكة(١) لَتَضَعُ أجنحتها لطالبِ العلمِ رضًا بما يصنع)).
٤٥ - بصيرة فى الجند
وهو المعسكر ، سمّى به اعتبارًا بالغِلَظ والاجتماع من الجَنَد بالتَّحريك وهو
الأَرض الَّتى فيها الحجارة المجتمِعة ؛ ثمَّ يقال لكلِّ مجتمع : جُنْد نحو
((الأرواحُ (٢) جنود مجنّدة)) وجَمْع الجُنْد أَجناد وجُنود. وقوله تعالى
(إِذ جَاءَتْكُمْ (٣) جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لِم تَرَوْهَا ) فالجنود
الأُولى من الكفَّار، والثانية من الملائكة .
٤٦ - بصيرة فى الجهد بالفتح والضم
وهو الطَّاقة والمَشَقَّة . وقيل بالفتح: المشقّة، وبالضمّ الْوُسْع . وقيل:
الجهد : ما يَجْهَد الإِنسان .
. قوله تعالى (لَا يَجِدُونَ(٤) إِلَّا جُهْدَهم) (وأَقْسَمُوا(٥) باللّهِ جَهْدَ أَبِمَانِهِم )
أَى حَلفوا واجتهدوا فى الحلفِ أَن يأتوا به على أَبلغ ما فى وُسْعهم . والاجتهاد :
أَخْذِ النَّفس ببذل الطَّقة، وتحمّل المشقَّة فى العبادة . يقال جَهَدت رأْبِى
واجتهدت : أَتعبته بالفكر . والجهاد والمجاهدة : استفراغ الوُسْع فى مدافعة
(١) رواه أبو داود والترمذى وابن ماجه وابن حبان وغيرهم ، كما فى الترغيب والترهيب
فى (( كتاب العلم )) فى صدر الكتاب
(٢) رواه البخارى معلقا ومسلم وغيرهما ، كما فى الجامع الصغير .
(٣) الآية ٩ سورة الأحزاب .
(٤) الآية ٧٩ سورة التوبة .
(٥) الآية ١٠٩ سورة الأنعام . وورد فى آيات أخرى .
- ٤٠١ -
(بصائر ذوى التمييز جـ ٢ م - ٢٦)

العدُوِّ. قال صلَّى الله عليه وسلَّم ((المجاهِد(١) مَن جاهد نفسه فى طاعة الله))
وكان إذا رجع من الغَزْو يقول: ((رجعنا(٢) من الجهاد الأصغر إلى الجهاد
الأَكبر)) وقال ((أَفضل الجهادِ مجاهدَة النَّفس)) وقال النِّساءِ ((لكنَُّ
أفضل الجهاد: حجّ مبرور)) وسأله رجل عن الخروج إلى الغَزْو فقال
(((أَوالِدَاكَ (٤) فى الأحياءِ ؟ قال: بلى. قال: ففيهما فجاهِدْ)).
قال الشاعر :
يا من يجاهد غازيا أعداء دين الله يرجو أن يعان ويُنْصرا
أَعدى عدوّك کی تفوز وتظفرا
هلَّ غِشِيت النفس غزوًا إِنها
فلقد تعاطيت الجهاد الأكبرا
مهما عنَيت جهادها وعنادها
وقال آخر فى الجهد ومعنييه :
فسيّان محفو القول عندك والجَهْد
تعاليت عن قدر المدائح صاعدًا
على منطقى لكن على الواصف الجُهْد
وإنى لأدری أَنَّ وصفك زائد
وإِنّ قليل القول يكثر وَقْعُهُ
وورد فى القرآن على معان :
إذا عُرِفت فيه الموالاة والودّ
الأَوّل: مجاهدة الكفّار والمنافقين بالبرهان والحجّة (جاهِدٍ(٥) الكفَّارَ
والمُنَافِقِينَ ) ( وجَاهِدْهُمْ(٦) بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا).
(١) رواه الترمذى وابن حبان، كما فى الجامع الصغير.
(٢) أخرجه البيهقى، فى الزهد من حديث جابر. وقال: هذا اسناد فيه ضعف. أنه
تخريج أحاديث الأحباء فى ((عجائب القلب)) فى صدر الجزء الثالث.
(٣) رواه البخارى كما فى كتاب الحج .
أخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجه ، كما فى تيسير الوصول .
(٤)
الآية ٧٣ سورة التوبة ، والآية ٩ سورة التحريم .
(٥)
(٦) الآية ٥٢ سورة الفرقان.
- ٤٠٢ -

الثانى: جهاد أَهل الضَّلالة(١) بالسّيف والقتال (وفَضَّلَ اللهُ (٢) المُجَاهِدِينَ
عَلَى القَاعِدِينَ) ( هَاجَرُوا(٣) وجَاهَدُوا فِى سبِيلِ اللهِ ) .
الثالث: مجاهدة(٤) مع النفس (وَمَنْ جَاهَدَ(٥) فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ).
الرابع : مجاهدة مع (٦) الشيطان بالمخالفة طمعًا فى الهداية ( وَالَّذِينَ(٧)
جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) .
الخامس : جهاد مع القلب لنيل الوصْل والقُرب (وَجَاهِدوا(٨) فى اللهِ حَقَّ
جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ) .
والحقّ أَن يقال : المجاهدة(٩) ثلاثة أَضرب : مجاهدة العدوّ الظَّاهر،
ومجاهدة الشيطان ، ومجاهدة النَّفْس . ويدخل الأَضرب الثلاثة فى (وَجَاهِدُوا
فى اللّهِ حَقَّ جِهَادِهِ) وفى الحديث: ((جاهدوا أَهواءَكم كما تجاهدون
أعداء كم)) والمجاهدة تكون باليد وباللِّسان. قال صلَّى الله عليه وسلَّم: ((جاهدوا
الكفّار (١٠) بأيديكم وألسنتكم)).
(١) ب: ((الضلال)).
(٣) الآية ٢١٨ سورة البقرة .
(٥) الآية ٦ سورة العنكبوت .
(٦) فى التاج فى الكلام على المجاهدة: ((قال شيخنا : والاتيان بمع فيه من لحن العامة،
كما نصوا عليه» أى فالصواب أن يقال : مجاهدة النفس ومجاهدة الشيطان .
(٨) الآية ٧٨ سورة الحج .
(٧) الآية ٦٩ سورة العنكبوت .
(٩) فى الأصلين: ((المجاهد)).
(١٠) ورد فى الجامع الصغير بلفظ ((جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم والسنتكم))
عن أحمد وأبى داود وغيرهما .
- ٤٠٣ -
(٢) الآية ٩٥ سورة النساء .
(٤) فى أصل ب: ((مجاهدته)).

٤٧ - بصيرة فى الجهر
قال الله تعالى (سَوَاء(١) مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ القَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ) وقال تعالى :
(أَرِنَا اللهَ(٢) جَهْرةً) .
والمادّة موضوعة لظهور الشىء بإفراط لحاسة البصر أو لحاسّة السّمع .
أُمَّا لمبصرفنحو قولك: رأيته جِهَارًا. وأَمّا للسّمع فنحو قولك: جهر بالكلام.
وكلام جَهْورِىّ وجَهِير ورجل جَهير: رفيع الصوت ، والذى يجهر بحسنه :
وجَهَر البئر، واجتهرها: أُظهر ماءها . والجوهر فَوْعل منه، وهو ما إذا بطل
بطل (٣) محمولُه، وسمّى بذلك لظهوره للحاسّة .
٤٨ - بصيرة فى الجل
وقد ورد فى القرآن على خمسة (٤) عشر وجهًا :
الأَوّل: فى ذكر آدم بحمل (٥) الأَمَانَة (إنَّهُ كانَ(٦) ظَلُومًا جَهُولًا).
الثانى : خطاب لنوح عليه السّلام أن يحفظ رَقم الجهالة على نفسه بدعوة
الجَهَلة ودعائهم ( إِنِّى(٧) أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الجَاهلين) .
الثالث: ذكر هود عليه السّلام قومه لمّا امتنعوا عن إجابة الحقّ (وَلَكِنِّى (٨)
أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ) .
(١) الآية ١٠ سورة الرعد .
(٢) الآية ١٥٣ سورة النساء.
(٣) يريد بالمحمول ما يعرف بالعرض .
(٤) المراد جنس الانسان . وكان الأدب ألا يذكر آدم عليه السلام فى هذا الموطن .
(٦) الآية ٧٢ سورة الأحزاب .
(٥) فى الأصلين: ((تحمل)).
(٧) الآية ٤٦ سورة هود .
الآية ٢٣ سورة الأحقاف .
(٨)
٠- ٤٠٤ -

الرّابع : استعاذة(١) موسى بالحقّ عن ملابسة الجَهَلة ( أَعُوذُ(٢) باللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ
الجَاهِلِينَ) وقال مرّة (إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ(٣) وقال يوسف: إن لم تُبَذْرِفْتِى(٤)
بعصمتك أَصير من جملة الجُهَلاءِ ( أَصْبُ(٥) إليْهِنَّ وأَكُنْ مِنَ الجَاهِلِينَ)
وقال تعالى ( إِذْ أَنْتُمْ(٦) جَاهِلُونَ) وخاطب نبيّه وحبيبه. (فَلَا تَكُونَنَّ(٧)
مِنَ الْجَاهِلِينَ ) قل(٨) يا محمّد لنسائك يَجْتَنِبْنَ من التَرْبِىِّ بزىّ الجهلاء.
( وَلَا تَبَرَّجْنَ(٩) تَبَرُّجَ الجَاهِلِيةِ) (فى قلوبِهِمُ (١٠) الحَمِيةَ حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ )
(ولكِنَّ أَكْثَرَهُمْ (١١) يَجْهَلُونَ) ما صدر من العصاةِ من المعاصى فبسبب
جهلهم (عَمِلُوا السُّوءِ(١٢) بِجَهَالةٍ ) ليكن جوابك لخطاب الجاهلين سلامًا
طلبًا للسّلامة ( وإذا خَاطَبَهُمُ (١٣) الجَاهِلُونَ قالوا سلاماً) (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ (١٤)
لا نَبْتَغِى الجاهلين (١٥)) .
والجهل نقيض العلم، جهِله يَجْهَله جَهْلًا وجَهَالة. وجَهِل عليه : أُظهر
الجَهْلِ كتجاهل . وهو جاهل. والجمع جُهُل وجُهْل وجُهّل وجُهّال وجُهَلاءُ.
(١) فى الأصلين: ((استعانة)) والمناسب ما أثبت.
(٢) الآية ٦٧ سورة البقرة .
(٣) الآية ١٣٨ سورة الأعراف .
(٤) أى تحرسنى وتحمنى . والبذرقه الخفارة والحماية. والكلمة فارسية، وفى التاج
((وأصل هذه الكلمة مركبة من ((بد)) و(«راه)) والمعنى: الطريق الردىء، فعربوا الهاء بالقاف،
وأعجموا الذال )) .
(٦) الآية ٨٩ سورة يوسف .
(٥) الآية ٣٣ سورة يوسف ..
(٧) الآية ٣٥ سورة الأنعام .
(٨) قبله فى ١: ((ولتكونن من الجاهلين)) وفى ب: ((ليحبطن عملك ولتكونن من الجاهلين))
والتلاوة: ((ولتكونن من الخاسرين)) وهى فى الزمر آية ٦٥.
(٩) الآية ٣٣ سورة الأحزاب .
(١١) الآية ١١١ سورة الأنعام.
(١٠) الآية ٢٦ سورة الفتح .
(١٢) الآية ١١٩ سورة النحل .
(١٣) الآية ٦٣ سورة الفرقان .
(١٤) الآية ٥٥ سورة القصص .
(١٥) يلاحظ أن المؤلف لم يذكر العدد بعد الرابع. وقد ذكر خمسة عشر موضعا حذفنا
منها موضعا أخطأ فى تلاوة أيته، وهى ((ليحبطن عملك وتتكون من الجاهلين».
- ٤٠٥ -

والجهل على ثلاثة أضرب :
الأول : خلوّ النَّفس من العِلْم ، هذا هو الأصل . وقد جَعَل بعض المتّكَلِّمين
الجهل معنَّى مقتضيًا للأفعال الخارجة عن النِّظام ، كما جعل العِلْم معنًى مقتضيًا
للأفعال الجارية(١) على النِّظام .
الثانى : اعتقاد الشىء على خلاف ما هو عليه .
الثالث : فعل الشىء بخلاف ما حقَّه أَن يُفعل، سواءٌ اعتقد فيه اعتقادًا
صحيحًا أَو فاسدًا كمن يترك الصّلاة عمدًا. وعلى ذلك قوله (أَتَتَّخِذُنَا(٢)
هُزُوًا قال أَعُوذُ باللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ) . فجعل فعل الهُزُو جهلًا .
والجاهل يُذكر تارة على سبيل الذمّ وهو الأكثر، وتارة لا على سبيل الذمّ
٠٠٠,٥ (٣)
نحو (يَحْسَبُهُمُ (٣) الجاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ النَّعَفُّفِ) أَى مَنْ لا يَعْرِفِ حالهم. وليس
المراد المتَّصف بالجهل المذموم . والمَجْهل كَمَقْعد: الأمر والأرض والخَصْلة
التى تحمل الإنسان على الاعتقاد بالشىء بخلاف ما هو عليه . واستجهلت
الرّيحُ الغُصْن: حَرّكته كأَنها حملته على تعاطى الجهل . وذلك استعارة
حسنة . والمَجْهلة : ما يحملك على الجهل . والمِجْهَل والمِجْهلة - بكسر
ميمهما - والْجَيْهَلُ والْجَيْهَلة: خَشَبة يُحَرّك بها الجَمْر .
(١) كذا فى ب. وهو موافق لما فى الراغب. وفى ١: ((الخارجة)) ومعنى الخروج عن النظام
الحدوث على مقتضاه، فهى عبارة صحيحة. وذلك بخلاف: ((الخارجة عن النظام» .
(٣) الآية ٢٧٣ سورة البقرة .
(٢) الآية ٦٧ سورة البقرة .
- ٤٠٦ -

٤٩ - بصيرة فى الجهم
وهو الوجه الغليظ المجتمع السّمْج. وقد جَهُم جُهُومةً وجَهَامة . وجَهَنَّم :
اسم لنار الله الموقدة فارسىّ معرّب، أَصله جَهَنَّام وقيل : عربىّ . سمّيت به
نار الآخرة لبعد قعرها ، من قولهم : بئر جَهَنَّام وجِهَنَّام وجُهَنَّام أَى بعيدة(١)
القَعْر. وإِنَّمَا لم يُجْرَ(٢) لثقل التَّعريب وثقل النَّأنيث.
٥٠ - بصيرة فى الجوب
وهو قَطْعِ الجَوْبة وهى الغائط (٣) من الأرض، ثمّ يستعمل فى قطع كل
أرض كقوله تعالى (جَابُوا الصَّخْرَ(٤) بالوَادِ ) ويقال هل عندك جائبة(٥)
خبرٍ . وجواب الكلام هو ما يقطع الجُوَب(٦) فيصلُ من فم القائل إلى
سمع المستمع ، لكن خُصّ بما يعود من الكلام ، دون المبتدإِ من الخطاب .
والجوابُ يقال فى مقابلة السؤال . والسّؤال على ضربين : طلب مقالٍ
وجوابه المقالُ، وطلب نوال وجوابه النَّوالُ. فعلى الأَوّل قوله تعالى (أَجِيبُوا(٧)
دَاعِىَ اللهِ) وعلى الثانى (أُجِيبَتْ(٨) دَعْوَتُكُمَا) أَى أُعطِيما ما سأَلَما.
(١) فى الأصلين: ((بعيد)).
(٢) أى يصرف وينون .
(٣) أى المنخفض المطمئن.
(٤) الآية ٩ سورة الفجر .
(٥) أى خبر يجوب البلاد لطرافته، كأن التاء فيه للنقل من الوصفية الى الاسمية.
(٦) جمع جوبة ، وتقدم تفسيرها .
(٧) الآية ٣١ سورة الأحقاف. يريد أن الاجابة هنا بالنطق بالشهادتين أمارة التوحيد
والاسلام وهى مقال .
(٨) الآية ٨٩ سورة يونس .
- ٤٠٧ -

والاستجابة قيل : هى الإِجابة . وحقيقتها هى التحرّى للجواب والتَّهيّوُ
له، لكن عبّر به عن الإجابة(١) لقلَّة انفكاكها منها. قال تعالى (ادْعُونی(٢)
أَسْتَجِبْلَكُمْ) .
٥١ - بصيرة فى الجار والجار والجارى
أَمّا الجار فمَن يَقرب مسكنه من مسكنك . وهو من الأسماء المتضايفة ،
فإنَّ الجار لا يكون جارًا لغيره حتَّى يكون ذلك الغير جارًا له ؛ كالأُخ
والصّديق ونحو ذلك. ولمّا استُعظم حقّ الجار شرعًا وعقلًا عُبّر عن كلُّ مَنْ
يعظم حقَّه أَو يَستعظم حقّ غيره بالجار ، كقوله تعالى: ( والجَارِ (٣) ذى
القُرْبَى والْجَارِ الجُنُبِ) ويقال : استجرت فأجارنى، وعلى هذا قوله تعالى
(وإنَّى جَارٌ لكمْ(٤)) وقوله تعالى (وهو يُجِيرُ(٥) ولا يُجَار عَليهِ) .
وقد تُصوّر من الجار معنى القُرْب فقيل لما يقرب من غيره: جارُه .
وجاوره وتجاوروا قال تعالى (وفى الأَرْضِ (٦) قِطَعْ مُتَجَاوِرَاتٌ ) وباعتبار
القرب قيل : جارَ عن الطّريق . ثم جُعِل ذلك أصلًا فى كلِّ عدول عن كلِّ
حَقّ، فُبُنى منه الْجوْر، قوله تعالى (ومنْها (٧) جَائِرٌ) أَى عادل عن المُحَجَّة .
وقيل : الجائر من النَّاس هو الذى يمتنع عن التزام ما يأمر به الشّرع
(١) ١٠، ب ((الاحاطة)).
(٣) الآيه ٣٦ سورة النساء .
(٥) الآية ٨٨ سورة المؤمنين .
(٧) الآية ٩ سورة النحل .
(٢) الآية ٦٠ سورة غافر.
(٤) الآ ية ٤٨ سورة الأنفال .
(٦) الآية ٤ سورة الرعد :
- ٤٠٨ -

وأَمّا الجَار بالهمزةِ ، فهو الإفراط فى الدّعاءِ والتضرّع ، تشبيهاً بجوار
الوَحْشِيَّات ؛ كالظّباء وغيرها .
وأَمّا الجارى والجارية والجوار ففى القرآن على ستَّة أوجه :
الأَوّل: بمعنى مَسير الشّمس فى الفَلَك (والشّمْسُ(١) تَجْرِى لِمُسْتَقَرٌّ لَهَا).
الثانى: لِسَيَلان الأنهار فى الجَنَّةِ (تَجْرِى(٢) مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) ولهذا
نظائر فى التنزيل .
الثالث: بمعنى سَيَلان أَنهار الدُّنيا (وجعَلْنَا (٣) الأَنْهَارَ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهِمْ)
أى تحت أمرهم وتصرُّفهم .
الرّابع: بمعنى جَرَيَان أَنهار مصر ( وَهُذِهِ (٤) الأَنْهَارُ تَجْرِى مِنْ تَحْتِى) قاله
فرعون .
الخامس: بمعنى السّفينة (حَمَلْنَاكُمْ(٥) فِى الْجَارِيَةِ ) (فَالْجَارِيَاتٍ (٦)
يُسْرًا ) ( وَلَهُ(٧) الْجَوَارِ المِنْشَآت فى الْبَحْرِ ) .
السّادس(٨): بمعنى الحَوْراءُ من الحُور العين . قال الشاعر:
للزَّوج ساقية فى شَطُّ أَنهار
فى الخُلْد جارية بالفُنْج ماشية(٩)
باللُّطفِ قد ثقبت فى نفس أبكار(١٠)
من عنبر خُلِقت بالمسك قد عُچِنت
(١) الآية ٣٨ سورة يس .
(٢) الآية ٢٥ سورة البقرة ، وورد فى آيات أخرى.
(٣) الآية ٦ سورة الأنعام .
(٤) الآية ٥١ سورة الزخرف .
(٥) الآية ١١ سورة الحاقة .
(٦) الآية ٣ سورة الذاريات .
(٨) ثم يذكر لهذا الوجه مثالا فى القرآن.
(٧) الآية ٢٤ سورة الرحمن .
(٩) كذا فى الاصلين. وقد تكون ((مائسه)).
(١٠) هذا الشطر الأخير مضطرب فى الأصلين، وما أثبت أقرب إلى الصواب فيه .
- ٤٠٩ -

٥٢ - بصيرة فى الجواز
قال تعالى (فَلَمَّا (١) جَاوَزَهُ) أَى تجاوز جَوْزَهُ والْجَوْزِ: وَسَط الطَّريق.
وجاز الشَّىء جَوَازًا كأَنَّه لزمِ جَوْزِ الطَّريق، وذلك عبارة عمّا يَسُوغ . وجَوْز
السّماءِ: وَسَّطها. والجوزاء قيل سمّيت بذلك لأنَّها معترِضة فى جَوْز السّماءِ.
وشاة جَوْزَاءُ : أَبيض وسطُها . وجُزْت المكان : ذهيتُ فيه . وأَجزته أَنفذته
وخلفته . وقيل : استجزت فلانًا فأجازنى إذا استسقيته فسقاك ، وذلك
استعارة . والمَجَاز من الكلام : ما تجاوز موضوعَه الذى وضع له ، والحقيقة
ما لم يتجاوز ذلك .
٥٣ - بصيرة فى الجوس
وهو الدّخول فى وسط المكان . ولعلَّ السّين مبدلة من الزاى لقرب المخرج .
وقال تعالى ( فَجَاسُوا(٢) خِلَالَ الدَّارِ) أى توسّطوها وتردّدوا بينها. وقيل:
الجَوْس : طلب ، الشّىء بالاستقصاء . يقال : جاسوا وداسوا .
(١) الآية ٢٤٩ سورة البقرة .
(٢) الآيه ٥ سورة الاسراء .
- ٤١٠ -

٥٤ - بصيرة فى المجىء والجيئة
وقد ورد فى القرآن على خمسة عشر وجهًا: الأَوّل: جَيْئة الهَيْبة من الملِك
والمَلَك (وجَاءَ رَبُّكَ والملَكُ صَفًّا صَفًّا (١)). الثانى: جَيْئة السيّارة (وجاءَتْ(٢)
سَيّارَةٌ). الثالث: جيئة الخَجَالة(٣) (وجَاءُوا (٤) أَبَاهُمْ عِشَاءٌ يَبْكُونَ).
الرّابع: جَيْئة الصّيانة (فَجَاءَتْهُ(٥) إِحْدَاهُمَا تَمْشِى عَلَى اسْتِحْيَاءِ) . الخامس :
جَيْئَة النَّصيحة من حزقيل(٦) لموسى (وجاءٍ (٧) رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى المَدِينةِ
يَسْعَى). السّادس: جَيْئة الدّعوة من حبيب (٨) النَّجار لأصحاب(٩) ياسين
(وجَاءَ(١٠) مِنْ أَقَضَى المَدِينَةِ"رَجُلٌ يَسْعَى) السّابع جَيئة الرّسالة من المصطفى
(لقَدْ جَاءَ كُمْ (١١) رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ). الثامن: جيئة المَعْذِرة (وإِذا جَاءَكَ(١٢)
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا). التاسع: جَيْئَة النَّصيحة من المنافقين (إِذَا جَاءَكَ (١٣)
(١) الآية ٢٢ سورة الفجر.
(٢) الآية ١٩ سورة يوسف .
(٣) كذا . يريد الخجل .
(٤) الآية ١٦ سورة يوسف .
(٥) الآية ٢٥ سورة القصص .
(٦) فى الأصلين: ((جبريل)). وما أثبت عن تفسير ابن عباس وحاشية الجمل على
الجلالين وقيل فى اسمه غير هذا .
(٧) الآية ٢٠ سورة القصص .
(٨) قيل هو من أهل أنطاكية. كان عيسى عليه السلام أرسل اثنين من أصحابه الى هذه
المدينة ليدعوا أهلها إلى التوحيد ، وكانوا أهل أوثان . فلما قربا من المدينة رأيا حبيبا فدعواه
الى الايمان ، وكان له ولد مريض فمسحاه فبرأ ، فآمن حبيب . وقد أرسل عيسى فى أثر
الرسولين ثالثا قيل هو شمعون . وانظر البيضا وى ٢٣٥/٧ على هامش حاشية الشهاب .
(٩) يريد رسل عيسى عليه السلام المذكورة قصتهم فى سورة يس .
(١٠) الآية ٢٠ سورة يس.
(١٢) الآية ٥٤ سورة الأنعام.
(١١) الآية ١٢٨ سورة التوبة .
(١٣) أول سورة المنافقين .
- ٤١١ -

المُنَافِقُونَ ) . العاشر: جيئة الغَمْزِ والنَّميمة ( إِن (١) جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَلٍ
قَتَبَيِّئُوا) . الحادى عشر: جيئة أَهل الطّاعة والمعصية إلى جهنّم والجنَّة (حتى(٢)
إذا جَائوها فُتُحت أبوابُها). الثَّانى عشر: جيئة الحَسْرةِ والنَّدامة على قُرناء
السُّوء بالصّحبة (حتَّى إِذا جَاءنَا قال يالَيْتَ (٣) بَيْنِى وَبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ).
الثالث عشر: جَيْئَة المكر والحيلة من الكَفَرة لنبىّ الأُمّة ( إِذْ جاءُوكُمْ (٤)
مِنْ فَوْقِكُمْ). الرّابع عشر: جيئة النَّصرة من ربّ المغفرة لنبىّ المَلْحَمة (إذا
جَاءٍ(٥) نَصْرُ اللهِ والفتح). الخامس عشر: جيئة المناجاة والقُرْبة (ولَمَّا جَاءَ
مُوسَى (٦) لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ) .
والجَيْئة والمجىء بمعنى الإتيان لكن المجىء أَعمّ؛ لأنَّ الإِتيان مجىء بسهولة ،
والإتيان قد يقال باعتبار القصد وإن لم يكن منه الحصولُ ، والمجىء يقال
اعتبارًا بالحصول .
وقد يقال : جاء فى الأعيان والمعانى ، وربّما يكون مجيئهُ بذاته وبأمره،
ولمن قصد مكانًا أو عملًا أو زمانًا قال تعالى ( وَقَدْ (٧) جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ
بِالْبَيْنَاتِ) (فَإِذَا(٨) جَاءَ الخَوْفُ) (فَقَدْ(٩) جَاءموا ظُلْمًا وزُورًا) أَى قصدوا
الكلام وتعمّدوهُ ، فاستعمل فيه المجىء كما استعمل فيه القصد . وقوله تعالى
(وجَاءَ (١٠) رَبُّكَ) فهذا بالأَمر لا بالذَّات، وهو قول ابن عباس. ويقال :
(١) الآية ٦ سورة الحجرات.
(٣) الآية ٣٨ سورة الزخرف .
(٥) أول سورة الفتح .
(٧) الآية ٣٤ سورة غافر .
(٩) الآية ٤ سورة الفرقان .
(٢) الآية ٧١ سورة الزمر .
(٤) الآية ١٠ سورة الأحزاب .
(٦) الآية ١٤٣ سورة الأعراف .
(٨) الآيه ١٩ سورة الأحزاب .
(٢٠) الآية ٢٢ سورة الفجر .
- ٤١٢ -

جاءَ بكذاً وأَجاءَه. قال تعالى (فأَجَاءَها(١) المخاضُ إلى جِذْعِ النَخْلة) قيل
ألجأَّها، وإنما هو معدّى عن جاءَ. وجاءَ بكذا: استحضره نحو (لَوْلَا جَائُوا (٢)
عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء) ويختلف معناه بحسب اختلاف المجىء به . وجاياه
مجاياة لغة فى المهموز أى قابله .
والجَوِّ والجَوَّة: الهواءُ، قال تعالى (فى جَوِّ السّماء(٣)) والجمع جِوَاءٌ كجبال .
والجَوّ : اليمامة ، وثلاثة عشر موضعًا غيرها .
(١) الآيه ٢٣ سورة مريم .
(٣) الآية ٧٩ سورة النحل .
(٢) الآية ١٣ سورة النور .
- ٤١٣ -

البَابُ السَّابع
فى وجوه الكلمات المفتتحة بحرف الحاء
وهى الحاءُ ، الحبّ ، الحبر، الحبط ، الحبك ، الحبل ، حتّى، الحجّة ،
الحجّ ، الحجب ، الحجر ، الحجارة ، الحدّ ، والحديد ، الحديث ،
والحدوث ، الحذر ، الحرّ ، الحرب ، الحرث ، الحرج ، الحرد ، الحرس ،
الحرص، الحرض ، الحرف ، الحرة ، الحرام ، الحزب ، الحزن ، الحسن،
الحساب، الحسر ، الحسم ، الحسن ، الحشر ، الحصّ ، الحصد ، الحصر ،
الحصن ، الحصى ، تقدّم فى الإِحصاءِ ، الحصب ، الحف ، الحفظ ، الحقّ ،
الحكمة ، والحكم ، الحلم ، الحل ، الحلق ، الحمل ، الحمد ، الحميم ،
الحنّ ، الحنث ، الحسد ، الحنف ، الحنك ، الحوب ، الحور ، الحيّز ،
الحيص ، الحيض ، الحوط الحول ، الحين ، الحىّ ، الحياءُ .
- ٤١٤

١ - بصيرة فى الحاء
وهى يَرد على عشرة أنحاء :
الأَوّل: حرف من حروف التَهَجّى يذكَّر ويؤنَّث، مخرجه وَسَطُ الحَلْقِ
قرب مخرج العين ، ويمدّ ويقصر، والنسبة حائىّ وحاوىّ وحَيَوىّ(١) وتقول
منه حَيّيْتِ حاء حَسَنة وحَسَنًا والجمع أَخْواء وأَحْيَاءُ وحاءَات .
الثانى: فى حساب الجُمّل اسم لعدد الثمانية .
الثالث : الحاءُ الكافية الَّتى يكتَفى بها عن سائر حروف الكلمة كقول
الله تعالى (حَم) فقيل: الحاءُ حكمهُ، وقيل حكمته، وقيل مِن حُمّ الأُمْرُ
أَی قُضِىَ ما هو كائن .
الرّابع : الحاءُ المكرّرة مثل سخّر وصحّحَ .
الخامس : الحاءُ المدغمة مثل صحّ وأَلحّ .
السّادس: حاءُ العَجْزِ والضَّرورة، كقول الهنود الهَمْدُ لله .
السّابع : الحاء الصّوت من قبيل الزَّجر، مبنىّ على الكسر كقولك: حاءٍ
وعاء فى زَجْر الغنم ودعائه (٢) .
الثامن: الحاءُ الأُصلىّ فى الكلمة نحو حاءُ حمد ومدح ورحم .
النَّاسع: الحاءُ المبدلة نحو مَدَحَ ومَدَهَ وأَنَه أُنُوها وأَنَح إِذا زَحَرَ عند(٣)
السّؤال .
(١) فى الأصلين: ((حوى)) ويصح أن يكون الأصل: ((حووى))، والوجه ما أثبت.
(٢) كذا والمناسب: ((دعائها)).
(٣) فى ب: ((زقر)). والزحير: صوت مع أنين.
- ٤١٥ -

العاشر: الحاءُ اللغوىّ قالَ [الخليل](١) الحاءُ عندهم المرأة البذيئة (٢)
اللّسان السّليطة قال :
وأنت ابن حاء بَظْرھا مثل مُنخُل
(٣)
جدودی بنو العنقاء وابن
٢ - بصيرة فى الحب والمحبة
ولا يُحدّ المحبّة بحدّ أوضح منها، والحدود لا تزيدها إِلَّا خفاء وجفاء
فحدّها وجودها . ولا توصف المحبّة بوصف أظهر من المحبّة، وإنّما يتكلّم
النَّاس فى أسبابها وموجباتها (٤) وعلاماتها وشواهدها وثمراتها وأحكامها، فحدودهم
ورسومهم دارت على هذه الستّة .
وهذه المادّة تدور فى اللُّغة على خمسة أشياء: أحدها الصّفاء والبياض ومنه
قيل حَبَب الأسنان لبياضها ونضارتها . الثانى: العُلُوّ والظُّهور ومنه حَبَب
الماء. وحَبَابه وهو ما يعلوه من النفاخات عند المطر ، وحَبب الكأس منه .
الثالث: الُّزوم والثبات ومنه حَبَّ البعير وأحبّ إذا برك فلم يقُم : الرّابع :
اللَّباب والخلوص . ومنه حَبّة القلب لِلبه وداخله . ومنه الحَبّة لواحدة
الحبوب إذ هى أصل الشىء ومادَّته وقوامه . الخامس : الحفظ والإِمساك
(١) زيادة عن القاموس .
(٢) فى الأصلين: ((الندية)) وما أثبت عن التاج.
(٣) العنقاء ثعلبة بن عمرو، وعمرو هو مزيقيا ، لقب بالعنقاء لطول عنقه ومحرق هو
الحارث بن عمرو مزيقيا. وقوله: ((ابن محرق)، قد يكون ((ابنا)). وهؤلاء جدود الأنصار.
والبيت ينظر إلى قول حسان رضى الله عنه .
فاكرِمِ بذا خَالًا واكرم بنا ابنّمًا
وَلَدْنا بنى العنقاء وابْنَىْ مُحرِّقِ
وقوله: ((منخل)) فى التاج ((منجل)
(٤) فى الأصلين: ((هو حياتها)) ويظهر أنه محرف عما أثبت.
- ٤١٦ -

ومنه حُبّ (١) الماء للوعاءِ الَّذى يُحفظ فيه وبمسكه. وفيه معنى الثَّبوت أيضًا.
ولا ريب أنَّ هذه الخمسة من لوازم المحبّة، فإِنَّها صفاءُ المودّة وهَيَجان
إرادة القلب وعلوّها وظهورها منه لتعلَّقها بالمحبوب المراد وثبوت إرادة
القلب للمحبوب ولزومها لزوما لاتفارق ، ولإعطاء المحبّ محبوبه لبّه
وأشرف ما عنده وهو قلبه ، ولاجتماع عَزَماته وإراداته وهمومه على محبوبه .
فاجتمعت فيها المعانى الخمسةُ . ووضعوا لمعناها حرفين مناسبين للشّىء غاية
المناسبة : الحاء الّتى من أقصى الحَلق والباء للشفة الَّتى هى نهايته ، فللحاء
الابتداء وللباء الانتهاء، وهذا شَأَن المحبّة وتعلُّقها بالمحبوب، فإنَّ ابتداءها
منه وانتهاءها إليه .
ويقال فى فعله : حبَبت فلانًا بمعنى أصبت حَبَّة قلبه ، نحو شَغَفته وكَبَدته
وفأَدّته ، وأَحببت فلانًا جعلت قلى مُعَرَّضًا لأُن (٢) يُحِبّه. لكن وضع فى
التعارف محبوب موضعَ مُحَبّ واستعمل حبَبت أيضًا فى معنى أحببت، ولم
يقولوا مُحَبّ إِلَّا قليلًا قال (٣):
ولقد نزلتٍ فلا تظنى غيره منى بمنزلة المُحَبّ المكرم
وأَعطَوْا الحُبّ حركة الضمّ الَّتى هى أَشدّ الحركات وأقواها ، مطابَقة
لشِدّة حركة مسَّاه وقوّتها، وأَعطَوا الحِبّ وهو المحبوب حركة الكسر لخفَّتها
عن الضمَّة ، وذلك لخفَّة ذكر المحبوب على قلوبهم وألسنتهم مع إعطائه
(١) فى شفاء الغليل أن حب الماء معرب.
(٢) فى الأصلين: ((بأن)) وما أثبت عن الراغب.
(٣) أى عنترة فى معلقته .
- ٤١٧ -
(بصائر ذوى التميز جـ ٢ م - ٢٧)

حكم نظائره كنِهْد(١) وذِيْح للمنهود والمذبوح وحِمْل للمحمول ، فتأَمَل
هذا الَّلطف والمطابقة والمناسبة العجيبة بين اللَّفظ والمعنى يُطلعْك على قَدْر
هذه اللغة الشريفة وإنَّ لها لشأنا ليس كسائر اللغات .
وقد ذكر الله تعالى ذلك فى مواضع كثيرة من التنزيل الحميدىّ منها (٢)
( فَسَوْفَ (٣) بَأْنَى اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ) (والَّذِينَ آمَنُوا(٤) أَشَدُّ
حُبّا لِلهِ) ( وَمِنَ النَّاسِ (٤) مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ)
(إِنْ كُنْتُمْ(٥) تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللهُ) (وَاللهُ يُحِبُّ (٦) المحْسِنِين)
(واللهُ(٧) يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) (إِنَّ اللّهَ(٨) يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ)
(إِنَّ اللهَ يُحِبُّ(٩) الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فى سَبِيلِهِ صَفَّ كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) (إِنَّ
اللهَ(١٠) يُحِبُّ المُتَّقِينَ) (فِيهِ رِجَالٌ (١١) يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا) (إِنِّى أَحْبَبْتُ (١٢)
حُبّ الْخَيْرِ) ( ولكِنَّ (١٣) اللّهَ حَبّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمانَ) وقال تعالى (واللهُ(١٤)
لا يُحِبُّ الفَسَادَ) (إِن اللهَ لايُحِبُ (١٥) كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور) وقال تعالى (إِنِ
(١) هو ما تخرجه الرفقة من النفقة فى السفر بالسوية، وحكى عن الحسن أنه قال :
أخرجوا نهدكم، فإنه أعظم للبركة وأحسن لأخلاقكم ، وأطيب لنفوسكم، كما فى التاج ،
وظاهر كلامه أنه يقال نهده ، ولم أر هذا ، وانما يقال : تناهدوا : أخرجوا النهد .
(٢) ب : الحميد . والحميدى منسوب الى الحميد وهو الله تعالى، كما قال سبحانه :
(( تنزيل من حكيم حميد)).
(٣) الآية ٥٤ سورة المائدة .
(٥) الآية ٣١ سورة آل عمران .
(٨) الآية ٢٢٢ سورة البقرة .
(٩) الآية ٤ سورة الصف .
(١١) الآية ١٠٨ سورة التوبه.
(١٣) الآية ٧ سورة الحجرات .
(١٥) الآية ١٨ سورة لقمان .
(٤) الآية ١٦٥ سورة البقرة .
(٦) الآية ١٣٤ سورة آل عمران .
(٧) الآية ١٤٦ سورة آل عمران .
(١٠) الآية ٤ سورة التوبة.
(١٢) الآية ٣٢ سورة ص .
(١٤) الآية ٢٠٥ سورة البقرة .
- ٤١٨ -
.

اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلَى الإِيمان (١)) أَى آثروه (٢) عليه. وحقيقة الاستحباب
أَن يتحرّى الإِنسانُ فى الشىء أن يحبّه . واقتضى تعدیتُه بعَلی معنى الإِیثار،
وفى الحديث الصّحيح (٣) ((إِذا أَحبّ الله عبداً دعا جَبْرئيلَ فقال: إِنى
أُحِبُّ فلانًا فأَحِبَّه فيحبّه جبرئيل، ثم ينادى فى السّماءِ فيقول: إِنَّ الله
يحبّ فلانًا فأَحِبُّوه فيحبّه أَهْلُ السّماءِ، ثمّ يوضَع له القَبولُ فى الأرض))
وفى البُغْض ذُكِر مثل ذلك. وفى الصّحيح أيضًا: ((ثلاث مَن كُنَّ فيه وَجَد
بهنّ حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما ، وأَن يحبّ
المرءُ لا يحبّه إِلَّا الله ))(٤)، وفى صحيح البخارىّ: ((يقول الله تعالى: مَن
عادى لى وليًّا فقد آذَنْتُهُ بالحرب، وما تقرب إِلىّ عبدى بشىءٍ أَحبَّ إِلىَّ من
أداءِ ما افترضته عليه ، ولا يزال عبدى يتقرب إِلىّ بالنَّوافل حتَّى أُحبّه. فَإِذَا
أحببته كنت سمعه الَّذى يسمع به، وبصرَه الَّذى يبصر به، ويدَه الَّتى يبطِش
بها ورجلَه التى يمشى بها . وإن سألنى أَعطيته (٥) ولئن (٦) استعاذنى لأُعيذنَّه.
وفى الصّحيحين من حديث أَمير السّريَّة الذى (٧) كان يقرأُ (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ)
لأَصحابه فى كلِّ صلاة وقال: لأَنَّها صفة الرّحمن وأَنا أُحبّ أَن أَقرأ بها
فقال النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ((أَخبروهُ أَنَّ الله يحبّه)) وعن التِّرمذى عن
(١) الآية ٢٣ سورة التوبة .
(٢) فى الأصلين: ((آثروا)).
(٣) ورد هذا الحديث فى البخارى ومسلم، كما فى رياض الصالحين .
(٤) بقيه الحديث: ((وأن يكره أن يعود فى الكفر كما يكره أن يقذف فى النار، كما فى
البخارى فى كتاب الايمان، وقوله فى الحديث: ((وجد بهن)) ليس فى البخارى («بهن)).
وهى فى رواية فى الترغيب والترهيب .
(٥) فى الأصلين: ((لأعطينه)) وما أثبته عن رياض الصالحين .
(٦) فى الأصلين: ((أن)) وما أثبته عن رياض الصالحين.
(٧) فى الأصلين: ((التى)). وهذا الخبر فى الصحيحين، كما فى رياض الصالحين.
- ٤١٩ -

أَبِى الدّرداءِ يرفعه : ((كان مِن دعاء داود عليه السّلام : اللهمّ إنَّى أسألك حبّك
وحبّ من يحبّك، والعملَ الَّذى يبلِّغنى حبّك. اللَّهمّ اجعل حُبّك أَحبّ إِلىّ
من نفسى وأهلى ، ومن الماء البارد )) . وفيه أيضًا من حديث عبد الله بن يزيد
الخَطْمِىِّ(١) أَنَّ النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان يقول فى دعائه: ((اللهمّ ارزقنى
حبّك وحبّ من يحبّك وحبّ مَن ينفعنى حبِّه عندك. اللهمّ ما رزقتنى ما
أُحبّ فاجعله قوّة لى فيما تحبّ، وما زَوَيتِ عنِّى ◌ِّما أُحبّ فاجعله فراغًا لى
فيما يحبّ)).
والقرآن والسنَّة مملواعن بذكر مَن يحبّ اللهُ سبحانه من عباده ، وذكر
ما يحبّه من أعمالهم وأقوالهم وأخلاقهم . فلا يلتفت إلى مَن أَوَّل محبّته
تعالى لعباده بإحسانه إليهم وإعطائهم الثواب ، ومحبّةَ العباد له تعالى بمحبّته
طاعته والازدياد من الأعمال لينالوا به الثواب ، فإن هذا التأويل يؤدّى إلى
إنكار المحبّة، ومتى بطلت مسألة المحبّة بطلت جميع مقامات الإيمان والإِحسان ،
وتعطَّلت منازلُ السَّيْر ، فإِنَّها رُوح كلِّ مَقَام ومنزلةٍ وعمل ، فإذا خلا منها
فهو ميّت ، ونسبتها إلى الأعمال كنسبة الإخلاص إليها ، بل هى حقيقة
الإِخلاص ، بل هى نفس الإِسلام ؛ فإنَّه الاستسلام بالذُّل والحُبّ والطّاعة
لله . فمن لا محبّة له لا إِسلام له البثَّة .
ومراتب المحبّة عشرة: الأوّل (٢) العلاقة والإرادة والصبابة (٣)، والغرام
(١) فى الأصلين: ((رديت)) والتصويب من النهاية الا فى العاشر. ويلاحظ أنه عيد
العلاقة والارادة والصبابة والغرام أربعة وظاهر الكلام أنها واحد . فى غريب الحديث ومن
الجامع الصغير .
(٢) الأولى حذفه، فانه لم يذكر ((الثانى)) وما بعده، بل جرى على طريقة السرد .
(٣) فى الأصلين: ((الصيانة)) والوجه ما أثبت.
- ٤٢٠ -