النص المفهرس
صفحات 201-220
ج - ٤ ٢٠١ باب ذكر الوفاء بالعهد والمحافظة على الود ٤١١ - حدثنا أبو بكر أحمد بن منصور الرمادى ، قال : حدثنا يوسف بن بهلول، قال : حدثنا عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق ، قال : حدثنى يعقوب بن عتبة عن الزهرى عن ابن أبى حدرد الأسلمى عن أبيه عبد الله بن أبى حدرد ، قال : كنت يوما فى خيل خالد بن الوليد ، وذكر الحدیث. ٤١٢ - حدثنى موسى بن نعلس ، قال : حدثنا سعيد بن تميم - رجل من عكل - قال : مررت بامرأة تبكى على قبر فسمعتها تقول : بأبی أنت یا سلیب الشباب یا قریب الفنی بعید المآب وهبت حسنه لقبح التراب لم تدع وجهك المنية حتى ١٥٨ قال : فسألتها عن صاحب القبر ، فقالت : فتى سميت له فاختلسته الأيام/ قبل أن يعقد أمرنا ، ووالله لأعقدن موتى بموته . ٤١٣ - حدثنا الحسن بن أيوب الزيادى ، قال : حدثنا أحمد بن إسماعيل المزنى ، قال : سمعت امرأة عند قبر وهى تقول : كفا حزنا أنى أروح بحده وأغدو على قبر ومن فيه لا يدرى فيا نفس شقى جيب عمرك عنده ولا تبخلى بالله يا نفس بالعمر فما كان يأبى أن يجود بنفسه لينقذنى لو كنت صاحبة القبر فما زالت تزور قبره ، وتبكيه بهذا الشعر حتى ماتت . ٤١٤ - حدثنا داود بن على المخرمى ، قال : حدثنا الحسين بن على عن عامر بن حذافة ، قال : رأيت بصحاد جارية قد ألصقت خدها بقبر وهى تبکی وتقول : باب ذكر الوفاء بالعهد والمحافظة على الود اعتلال القلوب ٢٠٢ وقليله لك سیدی خدی خدی یقیك خشونة اللحد عميت على مسالك الرشدى يا ساكن التراب الذى بوفاته أشفى بذلك غلة الوجدى اسمع فديتك غلتی فلعلنی قال : فسألتها عن صاحب القبر فقالت : فتى رافقته فى الصبا ، وأنشأت تقول : متنعمين بصحة وشباب كنا كروح حمامة فى أیکة تعس الزمان بفرقة الأحباب فعدا الزمان مشتتا بفراقه ١٥٩ قال : فبكيت لرقة شعرها ، فأنشأت تقول / : تبكى عليه ولست تعرف أمره فلأعلمنك ماله ببيان ما كان للعافين غير نواله فإذا استجير ففارس الفرسان ويتابع الإحسان للجيران لا يتبع الجيران ريبة طرفه عَفُّ السريرة والجهيرة مثلها فإذا استضيم أراك سبق طعان فقلت : أعلمينى من هو ؟ قالت : سنان بن وبرة الذى يقول فيه الشاعر : یکفیك من غیث نوال سنان یا رایدا غینا لنجعة قومه ثم قالت : يا هذا ، والله لولا أنك غريب ما متعتك من حديثى ، ما كان يجل عن السامعين ، قلت : فكيف كان حبه لك ؟ قالت : آلى ألا يوسدنی إلا يده عمره وعمرى ، فبقيت معه أربعين أحوال ، ما علم الله أنى توسدت غيرها إلا فى حال يمنعه منى مانع وكان قليل الإفاقة من ذلك . ٤١٥ - حدثنا أبو الفضل الربعى : حدثنا محمد بن عبيد الله العتبى عمن ج - ٤ ٢,٣ باب ذكر الوفاء بالعهد والمحافظة على الود حدثه، قال : رأيت بالأقحوانة امرأة منحطة على قبر وهى تقول : فيا قبر لو شفعتنى فيه مرة وأخرجته من ظلمة القبر واللحد فكنت أرى هل غير الترب وجهه وهل غاث دود اللحد فى ذلك الخد فقلت لها : من صاحب القبر منك ؟ قالت : ابن عم لى تزوجنى ونحن غداد بماء الحداثة جذلان فطفق لا يروى منى ولا أنهل منه ، حتى كان / العام ١٦٠ الماضى ، وغزتنا سليم وليس فى الحى غيرى وغيره فخرج يحمى ، وهو يقول : نعتنى زبيد أن شكوت خليلتى طعانى وكرّى ما إذا الخيل خلتى فإن مت فاغرى كل يوم وليلة بذكرى ولا تنسى أميمة خلتى فوالله ما برح يقاتل حتى قتل ، قلت : فكم سنة كانت له ؟ قالت : أنا أكبر منه بسنة ولى بضع عشرة سنة ، والله لا شممت روح الدنيا أكثر من يومى هذا ، فظننتها هاذية ، أصبحت رأيت جنازة فسألت عنها فقيل لى : هذه الجارية التى كانت تحدثك بالأمس عند القبر عن بعلها ، والله لقد وفت لبعلها صدقت فى نفسها . ٤١٦ - حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد قال : حدثنا زهير بن حرب ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله الزبيرى ، قال : حدثنا أبان بن عبد الله البجلى ، قال : حدثنى كريم بن أبى حازم عن جدته سلمى ابنة جابر ، قالت: استشهد زوجى فخطبنى الرجال فأبيت أفترجو أن يجمع الله بينى وبينه فى الجنة ، قال: نعم فلما ولت قيل له : ما رأيناك صنعت هذا بامرأة غير هذه، فقال: إنى سمعت رسول الله وَّله يقول: ((إن أول أمتى لحوقا بى امرأة من أخمس))(١). (١) أخرجه أبو يعلى فى مسنده (٥٣٢٨/٩). اعتلال القلوب باب ذكر الوفاء بالعهد والمحافظة على الود ٢٠٤ ٤١٧ - حدثنا إبراهيم بن الجنيد ، قال : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ١٦١ حدثنى يحيى بن بسطام الأصفر، قال : حدثنا عمران بن خالد / ، قال حدثتنى أم الأسود ابنة زيد العدوية وكانت قد أرضعتها معاذة ، قالت : قالت لى معاذة: لما قتل أبو الصهباء وقتل معه ولدها قالت : والله يا بنية ما محبتى للبقاء للذة العيش فى الدنيا ولا لروح نسيم ، ولكن والله أحب البقاء فى الدنيا بعد أبى الصهباء لأتقرب إلى الله بالوسائل لعلى يجمع بينى وبين أبى(١) الصهباء وولده. ٤١٨ - حدثنا على بن الفضل العمرى عن الربيع بن زياد ، قال : رأيت جارية عند قبر وهى تقول : بنفسی فتی أو بالبرية كلها وأقواهم فى الموت صبرا على الحب فقلت : بمرصاد أقواهم وأوفاهم ، قالت : هوينى فكان أهلى إذا جاهر بحبى لاموه ، وإذا كتمه عنفوه ، فلما أخذه الأمير قال بيتين من الشعر ولم يزل يرددهما إلى أن مات قلت : ما هما ؟ قالت : قوله : يقولون إن جاهرت قد عضك الهوى وإن لم أبح بالحب قالوا تصبّر فما الذى يهوى ويكتم حبه من الأمر إلا أن يموت فيعزر والله يا هذا ، لا أبرح أو يتصل قبرانا ، ثم شهقت شهقة فصاح النساء ، وقلن : قضت والذى اختار لها الوفاة ، فما رأيت أسرع ولا أوحى من أمرها. ٤١٩ - حدثنا أبو الفضل الربعى ، قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم عن الحارث بن قيس عن أبيه قال : رأى الحسين بن على عليه السلام الرباب ابنة (١) فى المخطوطة ((أبو)) والصواب ما أثبتناه. ج - ٤ ٢,٥ باب ذكر الوفاء بالعهد والمحافظة على الود امرئ القيس فأحبها حبا شديدا فتزوجها ، فلما دخل بها كان لها/ أشد حبا ، ١٦٢ قالت سكينة : فكنت أرى أى ينظر فى وجهها مليا ثم يبتسم ويقبلها فقال فيها ذات يوم : تحل بها سكينة والرباب لعمرى إننى لأحب دارا وليس لعاذل عندی عتاب أحبهما وأبذل فوق جهدی وكانت معه يوم الطف فرجعت إلى المدينة مصابة مع من رجع فخطبها الأشراف من قريش ، فقالت : والله لا يكون لى حمو آخر بعد رسول الله وَالر، فعاشت بعده سنة لم يظلها سقف بيت حتى بليت وماتت كمدا . ٤٢٠ - حدثنا أبو العباس أحمد بن إسحاق الجوهرى ، قال : قال على بن الجهم: لما أفضت الخلافة إلى المتوكل على الله أهدى إليه طاهر من خراسان جوارى ، وكانت فيهن جارية يقال لها : محبوبة (١)، وكانت قد نشأت بالطائف ، وكان لها مولى مغرى بالأدب ، فكانت قد أخذت عنه وروت الأشعار ، وكان المتوكل معجبا فغضب عليها ، ومنع جوارى القصر من كلامها، فكانت فى حجرتها لا يكلمها أحد أياما فرأته فى المنام كأنه قد (١) محبوبة من مولدات البصرة سريعة الخاطر ، لا تكاد فضل الشاعرة اليمامية أن تتقدمها ، وكانت محبوبة أجمل من فضل وأعف ، بارعة الحسن والظرف والأدب وملكها المتوكل وهى بكر ، أهداها له عبد الله بن طاهر فى جملة أربعمائة جارية وبقيت بعده مدة فما طمع فيها أحد ، وكانت تغنى غناء ليس بالفاخر ، وكانت محبوبة قد حظيت عند المتوكل حتى كان يجلسها خلف الستارة وراء ظهره إذا جلس للشرب ويدخل رأسه إليها ويراها فى كل ساعة ويحدثها ، ولما قتل المتوكل تسلاه جميع جواريه غيرها ، فإنها لم تزل حزينة هاجرة لكل لذة حتى ماتت ورثته بعدة مراث . مختار الأغانى ( ٢٤٤/٧) . اعتلال القلوب باب ذكر الوفاء بالعهد والمحافظة على الود ٢٫٦ صالحها ، فلما أصبح دخلت عليه ، فقال : يا على ، فقلت : لبيك يا أمير المؤمنين ، أشعرت أنى رأيت محبوبة فى منامى قد صالحتها وصالحتنى فقلت: ١٦٣ خيرا يا أمير المؤمنين إذا يقر الله عينك ويسرك ، فوالله / ، إنا لفيما نحن فيه من حديثها ؛ إذ جاءت وصيفة لأمير المؤمنين ، فقالت : يا سيدى، سمعت صوت عود من حجرة محبوبة ، فقال أمير المؤمنين : قم بنا يا على ننظر ما هذا الأمر فنهضنا حتى أتينا حجرتها فإذا هى تضرب بالعود وتقول : أدور فى القصر لا أرى أحدا أشكو إليه ولا يكلمنى ليست لها توبة تخلصنى حتى كأنى أتيت معصية قد زارنى فى الكری فصالحنى فهل شفيع لنا إلى ملك عاد إلى هجره فصار منى لنا حتى إذا ما الصباح لاحـ قال : فصاح أمير المؤمنين وصحت معه فسمعت فتلقت أمير المؤمنين ثم أكبت على رجله تقبلها ، فقالت : يا سيدى ، رأيتك فى ليلتى هذه كأنك قد صالحتنى ، قال : وأنا والله قد رأيتك فردها إلى مرتبتها كأحسن ما كانت ، فلما كان من أمر المتوكل ما كان تفرقن وصرن إلى العواد ، ونسين أمير المؤمنين، فصارت محبوبة إلى وصيف الكبير ، فوالله ما كان لباسها إلا البياض، وكانت تنتحب وتشهق إلى أن جلس وصيف يوما للشرب وجلس الجوارى اللاتى كن للمتوكل يغنينه ، فما تغنت منهن واحدة إلا تغنت غيرها وأومأ إليها ، فقالت : إن رأى الأمير أن يعفينى فأبى ، فقال لها الجوارى : لو ١٦٤ كان فى الحزن فرج لحزنا / معك ، وجىء بالعود فوضع فى حجرها فأنشأت تقول : أی عیش یطیب لی لا أری فیه جعفرا ج - ٤ باب ذكر الوفاء بالعهد والمحافظة على الود ٢٠٧ ـنى جريحا معفرا ملك قد رأته عي ــام وسقم فقد برا كل من كان ذاهيـ لو ترى الموت يشترا غير محبوبة التى ـه جميعا لتقبرا لاشترته بما حوت فاشتد ذلك على وصيف فأمر بإخراجها فصارت إلى حالة قبيحة ولبست الصوف ، وأخذت ترثيه وتبكيه حتى ماتت . ٤٢١ - حدثنا العباس بن الفضل الربعى ، قال : حدثنا على بن الجهم ، قال : إنى لعند المتوكل يوما والفتح جالس إذ قيل له : فلان النخاس بالباب فأذن له فدخل ومعه وصيفة ، فقال له أمير المؤمنين : ما صناعة هذه ؟ قال : تقرأ بألحان ، فقال الفتح : اقرأى لنا خمس آيات فاندفعت تقول : وشق عنا الظلمة الصبح قد جاء نصر الله والفتح وهمة الإشفاق والنصح خدین ملك ورحا دولة والغيث إلا أنه سمح الليث إلا أنه ماجد فإنما مفتاحه الفتح وكل باب للندى مغلق قال : فوالله لقد دخل أمير المؤمنين من السرور ما قام إلى الفتح فوقع/ ١٦٥ عليه يقبله ، ووثب الفتح فقبل رجله فأمر أمير المؤمنين بشرائها ، وأمر بها بجائزة وكسوة ، وبعث بها إلى الفتح فكانت أحظ جواريه عنده ، فلما قتل الفتح رثته بهذه الأبيات : اعتلال القلوب باب ذكر الوفاء بالعهد والمحافظة على الود ٢٠٨ والموت مقدامه على البهم قد قلت للموت حين نازله فزعت شينا عليه من ندم لو قد تبینت ما فعلت إذا ما بعد فتح للموت من الم فاذهب بمن شنيت إذا ذهبت به ولم تزل تبكى وتنوح عليه حتى ماتت . وقال بعض الحكماء : لم يرب المودة ويزرع المحبة بمثل سكون النفس إلى النعمة والوفاء لأهل المقة والمزيد بتعاهد النعمة والشكر عليها . ٤٢٢ - أنشدنى أبو عبد الله المارستانى : لا والذى إن بكيت اليوم عاقبنى وإن صدقت تلقانى بغفرانی ما قرب العين بالإبدال بعدكم ولا وجدت لذيذ النوم يغشانى جن بجن ولا إنس بإنسان إنی وجدت بکم ما لم يجد أحد ٤٢٣ - حدثنى على بن يزيد الحرانى ، قال : حدثنى أحمد بن إبراهيم بن مرزوق الرقى، قال: حدثنا محمد بن أحمد البصرى، قال : حدثنى أحمد بن عثمان الرقى عن بعض ولد حميد الطوسى ، قال : كان محمد بن حميد(١) (١) هو أبو نهشل محمد بن حميد وأبو نضر محمد وأبو عبد الله محمد بن حميد بن عبد الحميد الطائى الطوسى القائد وهم شعراء أدباء ، ولأبى نهشل فى نوح بن عمرو بن حوى يعاتبه : عدلت عن الرحاب إلى المضيق وزرت البيت من غير الطريق تجود بفضل عفوك للأقاحى وتمنعه من الخل الشقيق معجم الشعراء ( ص ٤٢٧ ) . ٢٠٩ باب ذكر الوفاء بالعهد والمحافظة على الود ج - ٤ يهوى جارية يقال لها : ظلوم ، وكان شديد الشغف بها ، وكانت تجد به مثل ذلك ، فبينما هو/ ذات يوم فى مجلسه وقد فرش بالديباج ، وبین یدیه ١٦٦ الجوارى والمغنون ، وليس ظلوم حاضرة إذ وجه بعض جواريه بأترجة محشوة بالمسك والعنبر ، فلما وضعت فى يده شمها وشرب رطلا ، وذكر ظلوما ، فدعا بوصيف كان على رأسِه فدفع إليه الأترجة ، وقال له : اذهب بهذه إلى ظلوم، فلما دفع إليها الأترجة وأدى الرسالة بكت بكاء شديدا حتى رحمها جميع من حضرها ، وقالوا : إنها ما رأينا أعجب منك يوجه إليك بتحية فتبكين ، فقالت : أنا أتغنى بصوت تعلمون مم بكاى فاندفعت تغنى : أهدى له أحبابه أُترجّة(١) فبكى وأشفق من عيافة زاجر لونان باطنها خلاف الظاهر خاف التلون والفراق لأنها فلما جاء الغلام قال : ما بطأ بك ؟ فأعلمه أنها كانت خارجة عن منزلها ، وأنه لم يزل يسأل عنها حتى وقف على موضعها فغاظه ذلك فكتب إليها : ضيعت عهد فتى لغيبك حافظ فى حفظه عجب وفى تضييعك® قصدت عنه فما له من حيلة إلا الوقوف إلى أوان رجوعكْ إن تقتلیه وتذهبی بحياته فبحسن وجهك لا بحسن صنیعك ووجه إليها بالرقعة مع الغلام وأمره ألا يأخذ لها جوابا ، فلما دفع إليها الرقعة قرأتها ثم بكت حتى رحمها جميع من / كان فى المجلس ، ثم قالت ١٦٧ للغلام : اسمع منى صوتا واحفظه واندفعت تغني : (١) الأترجة: هو نبت يسكن غلمة النساء ويجلو اللون ... وريح تريجة: شديدة. القاموس المحيط (١/ ١٨٧ ) . اعتلال القلوب باب ذكر الوفاء بالعهد والمحافظة على الود ٢١٠ هل لعينى إلى الرقاد شفيع إن قلبى من السقام مروع لا وروح الحبيب مالى دموع لا ترانى بخلت عنك بدمع فاستراحت إلى الأنين الضلوع إن قلبى إليك صب حزين ليس فى العطف يا محمد بدع إنما كل ما أقاسى بديع ولم تزل ترددها عليه حتى حفظها الغلام فانصرف ، فقال له مولاه : أخبرنى بجميع ما رأيت منها فأخبره خبرها وغناه الأبيات فبكا ، وقال : صدقت والله ليس فى العطف على مثلها بدع ، ودعا بداوة وقرطاس وكتب إليها أن تصير إليه ، وكتب فى أسفل الرقعة : أنزلت بالقلب هما قد أضرّ به صيدا على الهم حتى ينزل الفرج إن كنت فى الشك مما بى وقد خفيت بين الجوانح باد الحب مذحجج ظلوم فاستخبرى عن حبكم جسدى يخبرك أنى نحيل هائم كهج قال : فلما قرأت الرقعة وثبت من مجلسها حتى وافت منزله ، وقالت : أنا مملوكة ولا أملك نفسى فإن كانت لك فى حاجة فمر بشرائى لأكون طوع يدك ، فاشتريت له فمكثت عنده مدة فكانت أعز جواريه عليه وأعلاهن مرتبة ١٦٨ لديه حتى كان / من أمره ما كان فى وقعة تابك فقتل ، فلما بلغها قتله جزعت عليه جزعا شديدا وجعلت ترثيه ، فكان مما قالت : محمد بن حميد أخلقت دممه أريق ماء المعالى مذ أريق دمه رأيته بنجاد السيف مختبيا فى النوم بدرا جلت عن وجهه ظلمه فى روضة قد علا حافاتها زهر علمت بعد انتباهى أنها نعمُهْ فقلت والدمع من حزن ومن کمد یجری انسكابا على الخدين منسجمه ألم تمت يا شقيق النفس مذ زمن فقال لى: لم يمت من لم يمت كرمُه ٢١١ باب ذكر الوفاء بالعهد والمحافظة على الود ج - ٤ فلم تزل ترثيه وتبكى عليه حتى ماتت قال الخرائطى : الشعر لأبى تمام(١). (١) هو حبيب بن أوس الطائى ولد بجاسم قرب دمشق ومات بالموصل ، وقد تولى بريدها سنتين ، وقيل : إن أباه كان عطارا أو خمارا نصرانيا هاجر إلى الشام فالجزيرة وأرمينية وأذربيجان وتنقل بينها وبين العراق وخراسان يمدح الخلفاء والأمراء والقواد والكبراء . يرى النقاد فيه واحدا من أعظم شعراء العروبة ، أخرج عدة كتب جمع فيها مختاراته من الشعر مثل الحمامة والحمامة الصغرى أو الوحشيات وأشعار الفحول وأشعار المحدثين . الموسوعة العربية الميسرة ( ص ٣١) . ٢١٢ باب ذكر من قتل نفسه على أحبابه اعتلال القلوب باب ذكر من قتل نفسه على أحبابه ٤٢٤ - حدثنا على بن الأعرابى ، قال : حدثنا على بن تميم الخزاعى عن السرى ابن المطلب قال : كان الحارث بن الشديد مفتونا بعفراء بنت أحمد فبقى سقيما برهة من دهره ، وكانت تحبه فلما أجهده الأمر كتب إليها : صبرت على كتمان حبك برهة وبى منك فى الأحشاء أصدق شاهد ١٦٩ هو الموت إن لم تأتنى منك رقعة تقوم لقلبى فى مقام العوائد/ فكتبت إليه : كفيت الذى نحشى وصرت إلى المنى ونلت الذى تهوى بزعم الحواسد ووالله لولا أن يقال تظننا بى السوء ما جانبت فعل العوائد فلما وصلت الرقعة وضعها على وجهه ، فلما شم رائحة يدها وكانت من أعطر النساء فى زمانها شهق شهقة قضى نحبه ، فقيل لعفراء : ما كان يضرك لو روحت عن قلبه وأجبتيه بزورة ؟ قالت : منعنى من ذلك قولكم : عفراء قد صبت إلى الحارث ، ووالله لأقتلن نفسى على إثره من حيث لا يعلم بى إلا الله عز وجل ففعلت ذلك . ٤٢٥ - حدثنا العباس بن الفضل ، قال : حدثنا إسحاق بن إبراهيم عن أبى مسکین، قال : ضلت ناقة لفتی من بنی تمیم فخرج إلی حی بنی شیبان ينشدها فإنه لكذلك بصر بجارية كأنها الشمس حسنا وجمالا فعشقها عشقا مبرحا فرجع إلى قومه وقد أذهبت عقله فما تمالك أن رجع إلى حيهم ، فلما هدأ الليل قال : لعلى أسكن بالنظر إليها بعض ما بى فأتاها وهى جالسة وإخوتها نيام حولها ، فقال لها : ياقرة عينى قد والله أذهب الشوق عقلى ٢١٣ باب ذكر من قتل نفسه على أحبابه ج - ٤ وكدر على عيشى ، فقالت : امض إلى مالك وإلا أنبهت إخوتى فقتلوك ، فقال لها : إن القتل أهون على من الذى أنا فيه ، قالت : وهل يكون شىء أشد من القتل، قال : نعم ما أنا فيه من حبك ، قالت له : فما تشاء ؟ قال : أمكننى من يديك حتى أضعها على قلبى ولك عهد الله أنى أرجع ففعلت فرجع ، فلما كانت للقابلة عاود فوجدها على مثل حالها ، فقالت / له كقولها ١٧٠ الأول ، فقال : أمكنينى من شفتيك حتى أرشفها وانصرف ، فلما فعلت ذلك وقع فى قلبها منه كهيئة النار ، فأقبلت تلقاه كل ليلة فندر به حبها وإخوتها ، فقالوا : ما لهذا الكلب قد أطال المكث فى الخيل وهو يتخطانا ؟ فقعدوا لطلبه فى ليلتهم تلك وأرسلت إليه أن القوم يريدونك فكن على حذر ، وإياك والغفلة فجاءت السماء بمطر حال بينهم وبين طلبه ، ثم انجلت السحاب وطلع القمر فتطيبت الجارية ونشرت شعرها ، وأعجبت بنفسها ، واشتهت أن يراها على تلك الحال، فقالت لترب لها قد كانت أطلعتها على شأنها : يا فلانة أسعدينى على المضى إليه ، فخرجتا يريدانه وهو على الخيل خائف من الطلب لما حذرته فبصر شخصين يسيران فى القمر ، فلم يشك أنهما من المطالبين فانتزع سهما فما أخطأ قلب صاحبته ، فسقطت لوجهها مضرجة بدمها ، فلم نزل تضطرب حتى ماتت فبهت شاخصا ينظر إليها ثم أنشأ يقول: ـت ولا إزالة للقدر نعب الغراب بما كره فاصبر وإلا فانتحر تبكى وأنت قتلتها ثم جمع نبله فجعل يجابها أوداجه حتى قتل نفسه . آخر الجزء الرابع/ والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله ١٧١ أجمعين واتفق الفراغ منه فى سابع عشر من صفر سنة خمس وستين وستمائة هجرية بصخرة بيت المقدس أعاد الله على المسلمين من بركتها . اعتلال القلوب باب ذكر من قتل نفسه على أحبابه ٢١٤ يتلوه إن شاء الله فى الجزء الخامس : حدثنى أبو بكر محمد بن على المخرمى ، قال : اشتريت لهارون الرشيد جارية ، وصلى الله على محمد وآله ١٧٢ وسلم / . طالع فى هذا الكتاب العبد الفقير إلى الله تعالى سليمان بن عبد الرحمن بن عمر بن رحال الشافعى مذهبا والسيدى نسبا ، غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين أجمعين يا رب العالمين ، بتاريخ رابع عشر شهر الله المحرم الفرد سنة ١٧٣ أربع وثمانين وسبعمائة ، لعن الله فيها العاق بمحمد وآله / . ج - ٥ ٢١٥ [ الجزء الخامس من كتاب اعتلال القلوب تأليف الشيخ الإمام الحافظ أبى بكر محمد بن جعفر بن سهل الخرائطى رواية الشيخ أبى العباس أحمد بن إبراهيم بن على الكندى عنه ، رواية الشيخ أبى القاسم عبد الملك بن محمد بن عبد الله بن بشران عنه ، رواية الحاجب الجليل أبى الحسن على بن محمد بن على العلاف عنه ، رواية الشيخ أبى الكرم بن الحسن ] (١) بن أحمد بن على الشهرزورى عنه ، رواية الشيخ الإمام شهاب الدين أبى الفضل محمد بن يوسف بن على الغزنوى عنه ، سماعا لظافر بن على بن عبد الرحمن بن على بن علوى الأعرج للعسقلانى ولولديه محمد وعلى أنشأهما الله نشوء الصالحين / . ١٧٤ (١) ما بين المعقوفتين مكرر فى الأصل ، وقد حذفناه ليستقيم المعنى. ج - ٥ باب ذكر من قتل نفسه على أحبابه ٢١٧ بسم الله الرحمن الرحيم ٤٢٦ - أخبرنا الشيخ الأجل الإمام العالم شهاب الدين أبو الفضل محمد بن يوسف بن على الغزنوى أيده الله بقراءتى عليه يوم الجمعة بالقاهرة ثامن ربيع الأول سنة تسعين وخمسمائة ، قال : حدثنا الشيخ الأجل أبو الكرم المبارك ابن الحسن بن أحمد بن على الشهرزورى بقراءتى عليه فى شهور سنة ست وأربعين وخمسمائة ، قال : حدثنا الحاجب الجليل أبو الحسن على بن محمد ابن على ابن العلاف قراءة عليه ، قال : حدثنا الشيخ أبو القاسم عبد الملك بن محمد ابن عبد الله بن بشران ، قال : حدثنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم ابن على الكندى قراءة عليه بمكة فى سنة ثلاث وخمسين وثلثمائة ، قال : حدثنا أبو بكر محمد بن جعفر الخرائطى ، قال : حدثنى أبو بكر محمد بن على المخرمى ، قال : اشتريت لهارون الرشيد جارية مدينية ، فأعجب بها فأمر الفضل بن الربيع أن يبعث فى حمل أهلها ومواليها لينصرفوا بجوائزها ، وأراد بذلك تشريفها فوفد إلى مدينة السلام [ ثمانون ](١) رجلا ووفد معهم رجل من أهل العراق واستوطن المدينة كان يهوى الجارية ، فلما بلغ الرشيد خبرهم أمر الفضل أن يخرج إليهم ؛ ليكتتب اسم كل رجل منهم وحاجته ففعل حتى بلغ إلى العراقى ، فقال له : حاجتك ؟ فقال : إن أنت كتبتها وضمنت لى عرضها ١٧٥ مع ما تعرض أنبأتك بها ، فقال : أفعل ذلك / ، فقال : حاجتى أن أجلس مع فلانة حتى تغنينى ثلاثة أصوات ، وأشرب ثلاثة أرطال وأخبرها بما تجنه ضلوعى من حبها ، فقال الفضل : أنت موسوس مدخول عليك فى عقلك ؛ قال : يا هذا ، قد أمرت أن تكتب ما يقول كل واحد منا، فاكتب ما أقول (١) فى الأصل ((ثمانين))، والصواب ما أثبتناه . اعتلال القلوب باب ذکر من قتل نفسه على أحبابه ٢١٨ واعرضه فإن أجبت إليه ، وإلا فأنت فى أوسع العذر ، فدخل الفضل مغضبا فوقف بين يدى الرشيد ، فقرأ عليه ما كتب ، فلما فرغ قال : يا أمير المؤمنين، فيهم واحد مجنون سأل ما أجل مجلس أمير المؤمنين عن التفوه به ، فقال : قل ولا تجذعن فقال كذا وكذا ، قال : اخرج إليه وقل له: إذا كان بعد ثلاث فاحضر ؛ لينجز لك ما سألت ، وكن أنت تتولى الاستئذان له ، ودعا بخادم ، وقال : [ امض (١)] إلى فلانة وقل لها : قد حضر رجل قال كذا وكذا ، وقد أجبنا إلى ما سأل فكونى على أهبة ثم خرج الفضل إلى الفتى فأدى إليه كما قال الرشيد ، فانصرف ، فلما كان فى اليوم الثالث حضر وعرف الرشيد خبره ، فقال : يلقى له بحيث أرى كرسى من فضة والجارية كرسى من ذهب ولتخرج إليه وتحضر ثلاثة أرطال فجلس المغنى على كرسى ، وجلست الجارية بإزائه فحدثها والرشيد يراهما فقال الخادم : لم تدخل لتشتبق(٢) وتضيف فأخذ رطلا وخر ساجدا ، وقال: إذا شئت أن تغنى فغنى / : ١٧٦ خليلى عوجا بارك الله فيكما وإن لم تكن هند بأرضكما قصدا وقولا لها ليس الضلال أجازنا ولكنما جزنا لنلقاكم عمدا غدا يكثر الباكون منا ومنكم وتزداد دارى من دياركم بعدا فغنت ثم شرب الرطل وحادثها ساعة فاستحثه الخادم فأخذ الرطل بيده وقال: غنى جعلني الله فداك : (١) فى المخطوطة: ((امضى))، والصواب ما أثبتناه. (٢) تشتبق: هو من اللحم إذا يشم وهو شدة الغلمة. القاموس المحيط (٣ / ٢٥٧) مادة شبق . ج - ٥ ٢١٩ باب ذکر من قتل نفسه علی أحبابه تكلم منا فى الوجوه عيوننا فنحن سكوت والهوى يتكلم ونغضب أحيانا ونرضى بطرفنا وذلك بما بيننا ليس يعلم فغنته وشرب الرطل الباقى وحادثته ساعة فاستعجله الخادم فخر ساجدا يبكى، وأخذ الرطل بيده واستودعها الله ، وقام على رجله ودموعه تستبق استباق المطر وقال : إذا شئت أن تغنى فغنى : وخاننا الدهر وما خنا أحسن ما كنا تفرقنا عادلنا يوما كما كنا فليت ذا الدهر لنا مرة فغنته الصوت فقلب الفتى طرفه فبصر بدرجة فى الصحن فأمها ، وأتبعه الخدم ليهدوه الطريق ففاتهم وصعد الدرجة فألقى نفسه إلى الأرض على رأسه فخر ميتا فقال الرشيد : عجل الفتى ولو لم يعجل لوهبتها له . ٤٢٧ - حدثنا محمد بن جعفر الدولابى ، قال : حدثنا على بن عيسى عن عبد الرحمن بن إسحاق قال : انحدرت - قال من سر من رأى - مع إسحاق ١٧٧ ابن إبراهيم/ فلما صرنا إلى موضع يقال له : العلث دعا بالطعام فأكلنا ، وحول من الحراقة التى فيها الخدم جاريتين عوادة وطنبورية، ومدت ستارة فغنت الطنبورية (١): (١) هى عبيدة الطنبورية بنت رجل يقال له صباح مولى بن السمراء الغسانى من المحسنات المتقدمات فى الصنعة والآداب وكانت من أحسن الناس وجها وأطيبهم صوتا وكانت مليحة مقبولة خفيفة الروح فلم يزل أمرها يزيد حتى تقدمت وكبر حظها واشتهاها الناس ورغب فيها الأحداث والفتيان وماتت عبيدة من نزف أصابها وأفرط حتى أتلفها. مختار الأغانى (٣٩١/٥). اعتلال القلوب باب ذكر من قتل نفسه على أحبابه ٢٢٠ ما إن إذا لهم معينا يا رحمتی للعاشقينا ن ويضربون ويصبرونا كم يهجرون ويبعدو فقالت لها العوارة : فيصنعون ماذا إذا لم يصبروا ؟ فهتكت الستارة ، وقالت: يصنعون هكذا وألقت نفسها فى رجلة فغرقت ، وكان على رأس إسحاق بن إبراهيم غلام من أحسن الناس وجها ، فلما رأى ما صنعت الجارية قال : بعد القضا لو تعلمينا أنت الذى غرقتنى والموت زين العاشقينا لا خیر بعدك إن بقینا وألقى نفسه خلفها فغرق وأنشد ذلك على إسحاق فرفع النبيذ ، وأمر بطلبهما وإخراجهما فأخرجا من الماء فدفناه . ٤٢٨ - حدثنا العباس بن الفضل ، عن محمد بن عبد الله القيسى ، عن سفيان بن زياد قال : قلت لامرأة من عذرة ورأيت بها هوى غالبا حتى خفت عليها الموت : ما بال العشق يقتلكم معاشر عذرة من بين أجيال العرب ؟ قالت : فينا جمال وتعفف ، فالجمال يجملنا على العفاف ، والعفاف يورثنا/ رقة ١٧٨ القلوب والعشق يفنى آجالنا ، وإنا نرى محاجرا لا ترونها .